← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

بجواز الهرب وإن قال أقم لى كفيلا بالمال لم يلزمه لأنه لم يحل عليه الدين فلم يملك المطالبة بالكفيل كما لو لم يرد السفر وإن كان الدين حالا نظر فإن كان معسرا فلم يجز مطالبته لقوله تعالى "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" ولا يملك ملازمته لأن كل دين لا يملك المطالبة به لا يملك الملازمة كالدين المؤجل فإن كان يحسن صنعه فطلب الغريم أن يؤجر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لأنه إجبار على التكسب فلم يجز كالإجبار على التجارة وإن كان موسرا جازت مطالبته لقوله تعالى "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" دلت على أنه إذا لم يكن ذا عسرة لم يجب إنظاره، فإن لم يقضه ألزمه الحاكم فإن امتتع فإن كان له مال ظاهر باعه عليه. وإذا استمهل من قامت عليه البينة -أي طلب الإمهال- ليأتى بدافع، من نحو أداء أو إبراء، أمهل ثلاثة أيام، لأنها مدة قريبة لا يعظم فيها الضرر (١). مذهب الحنابلة: في كتاب "المغنى" لابن قدامة: من وجبت عليه نفقة امرأته، وكان له عليها دين، فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها، فإن كانت موسرة فله ذلك، لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله. وإن كانت معسرة لم يكن ذلك، لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته، وهذا لا يفضل عنها، ولأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر بقوله سبحانه "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (٢) " فيجب إنظارها بما عليها (٣). جاء في كشاف القناع (٤) إن كان للمدين سلعة فطلب من رب الحق أن يمهله حتى يبيعها ويوفيه الدين من ثمنها أمهل بقدر ذلك أي بقدر ما يتمكن من بيعها والوفاء وكذا إن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو مودع ببلد أخر فيمهل بقدر ما يحضره فيه وكذلك إن أمكن المدين أن يحتال لوفاء دينه باقتراض ونحوه فيمهل بقدر ذلك ولا يحبس لعدم امتناعه من الأداء ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإن خاف رب الحق هربه احتاط بملازمته أو كفيل وإن طلب المدين أن يرسم عليه حتى يفعل ذلك أي ما يتمكن به من الوفاء وجبت إجابته إلى ذلك دفعا لضرره ولم يجز منعه من الوفاء بحبسه لأنه عقوبة لا محوج إليها وكذا إن طلب شخص محبوس تمكينه من الوفاء فيمكن أو حضر وكيل عنه في وفاء الدين كما يمهل الموكل ولو مطل المدين رب الحق حتى شكى عليه فما غرمه رب الحق فعلى المدين المماطل إذا كان غرمه على المعتاد ذكره في الاختيارات لأنه تسبب في غرمة بغير حق. مذهب الظاهرية: من كان له دين حال أو مؤجل فحلَّ، فرغب إليه الذى عليه الحق فى أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة، وأشهد أو لم يشهد ولم يلزمه من ذلك شئ، والدين حال، يأخذه به متى شاء. وكذلك لو أن امرأ عليه

стр. 8822

دين مؤجل: فاشهد على نفسه. أنه قد أسقط الأجل وجعله حالا، فإنه لا يلزمه ذلك. والدين إلى أجله كما كان (١). مذهب الزيدية: في "التاج المذهب" من صور الريا أن يكون لرجل دَيْن على غيره، فيزيد من عليه الدين شيئا ليمهله. أو يكون إذا جنى عبد المفلس فكان المجنى عليه أولى به ولو أراد مولاه فكه كان للغرماء منعه ويلحق بذلك النظر في حقه ولا يجوز حيس المعسر مع ظهور إعساره يثبت ذلك بموافقة الغريم أو قيام البينة وإن تناكرا وكان له مال ظاهر أمر بالتسليم فإن امنتع فالحاكم بالخيار بين حبسه حتى يوفى ويبيع أمواله وقسمتها بين غرمائه. له دراهم فيقول: إن لم تسلمها لوقت كذا، كان عليك بكل قدر من الدراهم كذا من الطعام أو غيره (٢). وفى "التاج المذهب" أيضا: من أحكام القرض أنه لا يصح الإنظار فيه، فإذا قال المقرض للمستقرض: قد أنظرتك مدة كذا لم يلزمه، فإذا طلبه بعد ذلك فورًا وجب رد مثله. ولا حكم لإنظاره، وسواء أنظره حال القرض أم بعده، وكذا لو نذر عليه بالتأجيل أو أوصى له به، فإنه لا يصح ولا يلزمه، ولكن يجوز له الإنظار، ويستحب الوفاء بما أنظر فيه. وكذلك لا يلزم الإنظار في كل دين لم يلزم بعقد كأروش الجنايات (٣) وقيم المتلفات والغصب، لأنه لا يدخلها التأجيل. وإنما يدخل ويلزم فيما لزم بعقد صحيح كالثمن والمهر والأجرة، إذا كان الإنظار إلى وقت معلوم. لا ما لزم بعقد فاسد، فلا يصح إلا الإنظار فيه، ولا يلزمه لو أنظر (٤). مذهب الإمامية: لو ادعى المدين الإعسار كُشف عن حاله. فلئن استبان فقره انظره القاضي، وفى تسليمه إلى غرمائه للعمل أو لمؤاجرة روايتان، أشهرهما الإنظار حتى يوسر (٥). وجاء في كتاب المفلس وينظر العسر ولا يجوز إلزامه ولا مؤاجرته وفى رواية أخرى مطروحة لما جاء بنفس المرجع. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٦): أنه يجوز لزوم غريم بدين وإن كان لزوم لوكيل خليفة أو مأمور من جانب اللازم أو من جانب الملزوم والمراد بالجواز مقابل المع فيصدق بالإباحة والوجوب كما إذا كان صاحب الحق نائبا عن غيره بخلافة أو وكالة أو أمر يجب عليه اللزوم إذا تكفل الوكيل أو المأمور بالقبض بعد حلول أجله إن أيسر أي حصل له ما يجب به الخلاص بسهولة بلا وقوع في تهلكة. ثم قال روى (٧) مسلم عن أبى اليسر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أنذر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله بل أخبرنا الله الرحمن الرحيم أن الصدقة على المعسر بما في

стр. 8823

ذمته خير من إنذاره إلى ميسرة لقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) وجاء في موضع (٢) آخر: أن من عليه دين وليس له ما يقضى به إلا ما يساوى قيمة أصله من الأعيان فإنه يؤجل شهرا أو شهرين لبيعه وذلك مظنة بلوغ الخبر لمن يريد الشراء غالبا ويجوز للحاكم أن يجمع الآجال ويفصله شيئا فشيئًا وإن ادعى رجل عبدا فأنكر العبودية أو قال لست عبدك أو امرأة زوجة فأنكرت ذلك فأجل له حاكم أجلا لبيانه فلم يبين عند الأجل فحجر عليه الحاكم؛ أن لا يقرب مدعاه، لا يقرب العبد بالاستخدام أو البيع أو التملك أو الإمساك ولا المرأة بالجماع أو المس أو النظر ولا بالإمساك ولم ينفعه بيانه بعد الأجل والتحجر ولو بين بعدول أنه عبده وأنها زوجة فهو أي التحجير أي لأن التحجير كحكم الحاكم ولا يقبل البيان بعد التأجيل والحكم وقيل حتى تتم ثلاثة آجال ويعجز عنه كل منها وقيل أربعة. إمهال الزوجة لدعوى التطليق مذهب المالكية إذا ملك الزوج زوجته طلاقها، أو خيَّرها في طلاقها. فإنها لا تُمهل، بل يحال بينها وبينه. حتى تجيب بما تقتضى. ردا أو أخذًا (٣). إمهال الزوج لعدم الإنفاق مذهب الحنفية: جاء في المبسوط (٤): كل امرأة قضى لها بالنفقة على زوجها وهو صغير أو كبير معسر لا يقدر على شئ فإنها تؤمر بأن تستدين ثم ترجع عليه ولا يحبسه القاضي إذا علم عجزه وعسرته لأن الحبس إنما يكون في حق من ظهر ظلمه ليكون زاجرا له عن الظلم وقد ظهر هنا عذره فلا يحبسه ولكن ينظر لها بأن يأمرها بالاستدانة فإذا استدانت بأمر القاضي كان كاستدانتها بأمر الزوج فترجع بذلك عليه إذا أيسر وإن كان القاضي لا يعلم من الزوج عسره فسألت المرأة حبسه بالنفقة لم يحبسه القاضي في أول مرة لأن الحبس عقوبة لا يستوجبها إلا الظالم ولم يظهر حيفه وظلمه في أول مرة فلا يحبسه ولكن يأمره بأن ينفق عليها ويخبره أنه يحبسه إن لم يفعل فإن عادت إليه مرتين أو ثلاثا حبسه لظهور ظلمه بالامتناع من ايفاء ما هو مستحق عليه فإن علم أنه محتاج خلى سبيله لأنه مستحق للنظره إلى ميسرة بالنص وليس بظالم في الامتناع من الإيفاء مع العجزه وينبغى للقاضى (٥) إذا حبس الرجل شهرين أو ثلاثة في نفقة أو دين أن يسأل عنه وفى بعض المواضع ذكر أربعة أشهر وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى قدر ذلك بستة أشهر وذكر الصحادى عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن أدنى المدة فيه شهر والحاصل أنه ليس فيه تقدير لازم لأن الحبس للاضجار وذلك مما تختلف فيه أحوال الناس عادة فالرأى فيه إلى القاضي حتى إذا وقع في أكبر رأيه أنه يضجر بهذه المدة ويظهر مالًا إن كان فله أن يسأل عن حاله بعد ما حبسه ولم يعتبر في ذلك مدة فإذا سأل عنه فأخبر أنه معسر خلى سبيله لأن ما صار معلوما بخبر المدول فهو بمنزلة الثابت بإقرار الخصم ولا يحول بين الطالب وبين ملازمته

стр. 8824

عندنا وكان إسماعيل بن حماد رحمه الله تعالى يقول ليس للطالب أن يلازمه وبه أخذ الشافعي ﵀ لأنه منظر بإنظار الله تعالى فهو بمنزلة ما لو أجله الخصم أو أبرأه منه كما لا يلازمه هناك فكذلك لا يلازمه هنا ولكنا نستدل بما روى أن النبى ﷺ اشترى من أعرابى بعيرًا بثمن مؤجل فلما حل الأجل طالبه الإعرابى فقال: ليس عندنا شئ فقال الإعرابى: واغدراه فهمّ به الصحابة رضى الله تعالى عليهم فقال ﷺ دعوه فإن لصاحب الحق اليد واللسان والمراد باللسان التقاضى وباليد الملازمة ولأن قضاء الدين مستحق على المديون من كسبه وماله فكما أنه إذا كان له مال كان للطالب أن يطالبه بقضاء الدين منه فكذلك إذا كان له كسب كان له أن يطالبه بقضاء الدين من كسبه وذلك إنما يتحقق بالملازمة حتى إذا فضل من كسبه شئ عن نفقته أخذه بدينه ولسنا نعنى بهذه الملازمة أن يقعده في موضع فإن ذلك حبس ولكن لا يمنعه من التصرف بل يدور معه حيثما دار، وإن كان الرجل غنيا لم يخرجه القاضي من السجن أبدا حتى يؤدى النفقة والدين لقول النبي ﷺ : ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ولأنه حال بين صاحب الحق وبين حقه مع قدرته على إيفائه فيجازى بمثله وذلك بالحيلولة بينه وبين نفسه وتصرفه حتى يوفى ما عليه وإن كان له مال حاضر آخذ القاضي الدراهم والدنانير من ماله وأدى منها النفقه والدين لأن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه فللقاضى أن يعينه على ذلك أيضا وكذلك إذا ظفر بطعامه في النفقة لأنه عين ما عليه من الحق والمرأة تتمكن من أخذه إذا قدرت عليه فيعينها القاضي على ذلك، ولا يبيع القاضي عروضه في النفقة والدين في قول أبى حنيقة رحمه الله تعالى وفى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ببيع ذلك كله وهو بناء على مسألة الحجر فإن عند أبى حنيفه رحمه الله تعالى القاضي لا يحجر على المدين بسبب الدين، وبيع المال عليه نوع حجر فلا يفعله القاضي. وعندهما القاضي يحجر عليه بسبب الدين فيبيع عليه ماله واستدلا في ذلك بما روى أن النبى ﷺ حجر على معاذ رضى الله تعالى عنه وباع عليه ماله وقسم ثمنه على غرمائه بالحصص، ولأبى حنيفة: ما روى أن رجلا من جهينة أعتق جزءا من عبد بينه وبين آخر فحبسه رسول الله ﷺ حتى باع غنيمة له وأدى ضمان نصيب شريكه ومعلوم أن النبى ﷺ كان قد علم بيساره حين ألزمه بضمان العتق ثم اشتغل بحبسه ولم يبع عليه ماله فلو كان ذلك جائزا لاشتغل به ثم قال صاحب المبسوط (١) وإذا كان لرجل نسوة فرضت النفقة لهن عليه بحسب الكفاية فإن كانت إحداهن كتابية أو: أمة قد بوأها مولاها معه بيتا فرض عليه لكل واحدة منهن ما يكفيها ولا تزاد الحرة المسلمة على الأمة والذمية شيئا لأن النفقة مشروعة للكفاية وهذا لايختلف باختلاف الدين ولا باختلاف الحال في الرق والحزية فإن فرض ذلك وهو ميسر وعلم القاضي ذلك منه أمرهن بالاستدانة عليه ففى هذا يعتدل النظر من الجانبين وإن كان الزوج غائبا فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا: يأمرهن بالاستدانة عليه إذا كان يعلم النكاح بينه وبينهن وهو قول زفر رحمه الله تعالى كما يفعل ذلك عند حضرته ثم رجع فقال لا يأمر بذلك وهو قولهما لأن فيه قضاء على الغائب وليس له ذلك وإن أمرهن بالاستدانة فلم يجدن ذلك لم يفرق بينه وبينهن

стр. 8825

ولم يجبره على طلاقهن عندنا (١) وحجتنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) فهذا تنصيص على أن المعسر منظر ولو أجلته في ذلك لم يكن لها أن تطالب بالفرقة فكذلك إذا استحق النظرة شرعا إلا أن المستحق بالنص التأخير فلا يلحق به ما يكون إبطالا لأن ذلك فوق المنصوص وفى حق المملوك يكون إبطالا لأنه لا يثبت للمملوك على مولاه دين فإما في حق الزوجية يكون تأخيرا لا إبطالا وبهذا يتبين أنه غير عاجز عن معروف يليق بحاله وهو الالتزام في الذمة فإن المعروف في النفقة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهو الإلتزام في الذمة. مذهب المالكية: في "الفروق" للقرافى: المعسر يفسخ عليه نكاحه بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق جناء في التاج والإكليل (٣) أن ابن الحاجب قال في المختصر: ويثبت للمرأة حق الفسخ بالعجز عن النفقة الحاضرة لا الماضية حرين كان الزوجان أو عبدين أو مختلفين ما لم تكن عرفت فقره ورضيت به قبل العقد أو عرفت أنه من السؤال فيأمره الحاكم بالإنفاق أو الطلاق فإن أبى طلق عليه بعد التلوم ومدة التلوم شهر وروى ثلاثة والصحيح أنه يختلف برجاء يسره وجاء في الحطاب (٤) أنه إن أثبت الزوج عسره تلوم له القاضي باجتهاده قال في التوضيح ولا يمين على الرجل إن صدقته المرأة على عسره إذ لا يحتاج إلى إقامة بينه وأما إن لم تصدقه فلابد من بينة على الإعسار واليمين ثم يتلوم له القاضي على القول المشهور المعمول به وقيل: يُطلق عليه من غير تلوم وعلى المشهور اختلف في مقدار التلوم فلمالك في المبسوط أنه اليوم ونحوء مما لا يُضر بها الجوع، ولمالك في الواضحة الثلاثية الأيام والصحيح أنه يختلف بالرجاء وعدمه (أي رجاء يسره وعدمه) وهو مذهب المدونة قال فيها ويختلف التلوم فيمن يرجى له وفيمن لا يرجى له ثم قال في الحطاب (٥): من لم يثبت عسره وامتنع من الإنفاق والطلاق فتارة يقر بالملاءة وتارة يدعى العسر فإن ادعى العسر تلوم له وإن أقر بالملاءة حكى بن عرفه في ذلك قولين أحدهما أنه يعجل عليه الطلاق والثانى أنه يسجن حتى ينفق وعليه إن كان له مال ظاهر أخذت النفقة منه كرها وقال المنبطى وغيره من الموثقين: إن ادعى العدم وصدقته نظر في تأجيله وإن كذبته فبعد إثبات عدمه وحلفه. وحكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر قال في التوضيح وهو المشهور وقال القابس لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته وعلى الأول فلابد أن تكتب الزوجة وأنه قد دخل بها أو دعا إلى الدخول والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه فيه وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه فإنه يعذر إليه ولابد أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقه ولا كسوة ولا أنه بعث إليها بشئ وصل إليها في علمهم إلى هذا الحين ثم بعد ذلك يضرب لها أجلا على حسب ما يراه ثم يحلفها على ما شهدت لها البينة وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها هو أو أباح لها التطليق وفى الإعسار بالمهر جاء في الحطاب (٦) إن كان الزوج الذي منعته إليه.

стр. 8826

مذهب الشافعية: إذا أعسر الزوج فلا فسخ قبل ثبوت إعساره، بإقراره أو بينة عند قاض. فيمهله ولو بدون طلبه ثلاثة ليتحقق إعساره (١). وفى كتاب "فتح الوهاب": ولا فسخ قبل ثبوت إعساره - أي الزوج - بإقراره أو بينة عند قاض فلا بد من الرفع إليه فيمهله ولو بدون طلبه ثلاثة أيام ليتحقق إعساره وهى مدة قريبة يتوقع فيها القدرة بقرض أو غيره (٢). وجاء في كتاب "الرسائل الذهبية في المسائل الدقيقة المنهجية": إذا أثبت القاضي إعسار الزوج أمهله - وإن لم يستمهله. ثلاثة أيام ليتحقق العجز، وإن لم يُرج فيها يسار، فإذا مضت رفعت إليه صبيحة اليوم الرابع ليفسخ. أو يأذن لها فيه (٣). وفى كتاب "الأم": إذا وجد نفقة امرأته يوما بيوم، لم يفرق بينهما، وإذا لم يجدها لم أكثر من ثلاث ولا يمنع المرأة في الشلاث أن تخرج فتعمل أو تسأل، فإن لم يجد نفقتها خيرت بين المقام معه وفراقه، فإن كان يجد نفقتها بعد ثلاث - يوما ويعوز يوما - خيرت - وإذا مضت ثلاث فلم يقدر على نفقتها بأقل ما وصفت للنفقة على المقتر خيرت في هذا القول (٤). وجاء في مغنى المحتاج: (٥) "أنه إذا أعسر الزوج أو من يقوم مقامه من فرع أو غيره بنفقة زوجته المستقبلة كتلف ماله فإن صبرت بها وأنفقت على نفسها من مالها أو مما اقترضته صارت دينا عليه وإن لم يقرضها القاضي كسائر الديون المستقرة؛ هذا إذا لم تمنع نفسها منه فإن امتنعت لم تصر النفقة دينا عليه قاله الرافعى في الكلام على الإمهال وإلا بأن لم تصبر فلها الفسخ بالطريق الآتى في الأظهر وقطع به الأكثرون لقوله تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦) فإذا عجز عن الأول تعين الثاني وأخبر البيهقى بإسناد صحيح أن سعيد بن المسيب سئل عن رجل لا يجد ما ينفق على أهله قال يفرق بينهما فقيل له سنة فقال نعم سنة تقال الشافعي رحمه الله تعالى ويشبه أنه سنة النبي ﷺ ولأنها إذا فسخت بالجُب والعنة فبالعجز عن النفقة أولى لأن البدن لا يقوم بدونها بخلاف الوطء والثانى المنع وهو قول المزنى لعموم قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٧) ولأنه إذا لم يثبت له الخيار بنشوزها وعجزها عن التمكن فكذلك لا يثبت لمعجزه عن مقابله أما لو أعسر بنفقة ما مضى فلا فسخ على الأصح ولا فسخ لها أيضا بالإعسار بنفقة الخادم سواء أخدمت نفسها أم استأجرت أم

стр. 8827

أنفقت على خادمها نعم تثبت في ذمته على المشهور وينبغى كما قال الأذرعى أن يكون هذا في المخدومة لرتبتها أما من تخدم لمرضها ونحوه فالوجه عدم الثبوت والأصح أن لا فسخ بامتناع موسر عن الإنفاق بأن لم يوفها حقها منه سواء حضر زوجها أو غاب عنها لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم أو بيدها إن قدرت وعند غيبته يبعث الحاكم بلده إن كان موضعه معلوما فليزمه بدفع نفقتها فإن لم يعرف موضعه. أو انقطع خبره فهل لها الفسخ أو لا نقل الزركشى عن صاحبى المهذب والكافى وغيرهما أن لها الفسخ ونقل الرويانى في التجربة عن نص الأم أنه لا فسخ ما دام الزوج موسرا وإن غاب غيبة منقطعة وتعذر استيفاء النفقة من ماله قال الأذرعى وغالب ظنى الوقوف على هذا النص في الأم والمذهب قال فإن ثبت له نص يخالفه فذاك وإلا فمذهبه المنع بالتعذر كما رجحه الشيخان وهذا أحوط والأول أيسر. إلى أن قال: ويجوز للزوجة إذا أعسر الزوج وله دين على غيره مؤجل بقدر مدة إحضار مال الغائب من مسافة القصر الفسخ بخلاف تأجيله بدون ذلك ولها الفسخ أيضا لكون حاله عروضا لا يرغب فيها ولكون دينه حالا على معسر ولو كان الدين عليها لأنها في حاله الإعسار لا تصل إلى حقها والمعسر ينظر بخلافها في حال اليسار وبخلاف ما إذا كان دينه على موسر حاضر غير مماطل ولو غاب المديون الموسر وكان ماله بدون مسافة القصر فهل لها الفسخ أولًا وجهان أوجههما الثاني وكلام الرافعى يميل إليه فإن كان المديون حاضرا وماله بمسافة القصر كان لها الفسخ كما لو كان مال الزوج غائبا ولا يفسخ يكون الزوج مديونا وإن استطرقت الديون ماله حتى يصرفه إليها ولا تفسخ بضمان غيره له بإذنه نفقة يوم بيوم بأن تجدد ضمان كل يوم وأما ضمانها جملة لا يصح فتفسخ به وقدرة الزوج على الكسب كالمال أي كالقدرة عليه فلو كان يكسب كل يوم قدر النفقة لم يفسخ لأنها هكذا تجب وليس عليه أن يدخر للمستقبل فلو كان يكسب في يوم ما يكفى لثلاثة أيام متصلا ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة ثم يكسب في يوم ما يكفى للأيام الماضية فلا فسخ فإنه ليس بمعسر وليس المراد أن يصبرها هذه المدة بلا نفقة بل المراد كما قاله الماوردى والرديانى وغيرهما أن هذا في حكم الواجد لنفقتها وتنفق مما استدانه لإمكان القضاء فلو كان يكسب في يوم كفاية أسبوع فتعذر العمل فيه لعارض فسخت لتضررها ويكون قدرته على الكسب بمنزلة دين مؤجل له على غيره بقدر ما مر فيه ولو امتنع من الكسب مع قدرته عليه لم تفسخ كالموسر الممتنع إلى أن (١) قال: ثم على ثبوت الفسخ بإعسار الزوج بالنفقة لا يمهل بها في قول ونسب إلى القديم بل ينجز الفسخ عند الإعسار وقت وجوب تسليمها لأن سبيه الإعسار وقد حصل ولا تلزم الإمهال بالفسخ والأظهر إمهاله ثلاثة أيام وإن لم يطلب الزوج الإمهال لتحقق عجزه فإنه قد يعجز لعارض ثم يزول وهى مدة قريبة يتوقع فيها القدرة بقرض أو غيره وللزوجة بعد الإمهال الفسخ صبيحة اليوم الرابع بعجزه عن نفقته بلا مهلة إلى بياض النهار لتحقق الإعسار إلا أن يسلم نفقته أي الرابع فقط فلا تفسخ لما مضى

стр. 8828

حينئذ لتبين زوال العارض الذي كان الفسخ لأجله وإن عجز بعد أن سلم نفقة الرابع عن نفقة الخامس بنت على المدة ولم تستأنفها كما يعلم من قوله ولو مضى على زوجها يومان بلا نفقة وأنفق الثالث بأن سلم زوجته نفقته وعجز الرابع أي عجز فيه عن تسليم نفقته بنت على اليومين الأولين لها ولها الفسخ صبيحة اليوم الخامس في الصورتين لتضررها بالاستئناف وقيل تستأنف مدة كاملة لأن العجز الأول قد زال وليس لها أن تأخذ نفقة يوم قدر فيه عن نفقة يوم قبله عجز فيه عن نفقته لتفسخ عند تمام المدة لأن العبرة في الأداء بقصد المؤدى فإن تراضيا على ذلك فيه احتمالان أحدهما لها الفسخ عند تمام الثلاث بالتلفيق وثانيهما لا وتجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة قال الأذرعى والمتبادر ترجيح الأول ورجح ابن الرفعة الثاني بناء على أنه لا فسخ بنفقة المدة الماضية وأجيب عنه بأن عدم فسخها بنفقة المدة الماضية قبل أيام المهلة لا فيها ولها الخروج من بيتها زمن المهلة نهارا لتحصل النفقة بكسب أو تجارة أو سؤال وليس له منعها سواء كانت فقيرة أم غنية لأن التمكين والطاعة في مقابلة النفقة فإذا لم يوفها ما عليه لم يستحق عليها حجرا، "قضية كلامه أنه لو أمكنها الإنفاق من مالها أو كسب في بيته امتنع عليها الخروج وهو وجه والصحيح المنصوص الأول" وعليها الرجوع إلى بيتها ليلا لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب ولها منعه من الاستمتاع بها نهارًا ولا تسقط نفقتها بذلك فكذا ليلا لكن تسقط نفقتها عن ذمة الزوج مدة منعها وظاهره عبارة ابن المقرى سقوطها حيث منعته والمعتمد الأول ففى الحادى أنه يستحق التمتع بها ليلا لا نهارا من المهلة فإن أبت نهارا فليست بناشزة أو ليلا فناشزة ولا نفقة لها وتبعه في الكفاية ولو رضيت بإعساره لعارض أو نكحته عالمة بإعسارة فلها الفسخ بعد الرضا في الصورتين لأن الضرر يتجدد كل يوم ولا أثر لقولها رضيت بإعساره أبدا فإنه وعد لا يلزم الوفاء به، ويستثنى من إطلاقه يوم الرضا فإنه لا خيار لها فيه كما قاله النبرنجى والبقرى ويتجدد الإمهال إذا طلبت الفسخ بعد الرضاء ولو رضيت بإعساره بالمهر فلا فسخ لها بذلك بعد الرضا لأن الضرر لا يتجدد والحاصل مرضى به. مذهب الحنابلة: جاء في "كشاف القناع" إن أعسر الزوج بنفقة الزوجة الواجبة. أو أعسر الزوج ببعضها -أي بعض النفقة- بأن أعسر عن نفقة المعسر، فلها الفسخ. ولا يفسخ إذا أعسر بما زاد عنها، أي عن نفقة المعسر. لأن الزيادة تسقط بإعساره. وأعسر الزوج بالكسوة أو ببعضها، أو أعسر بالسكنى، أو أعسر بالمهر بشرطه، خيرت على التراخى بين الفسخ من غير انتظار، أي تأجيل ثلاثا. خلافا لابن البناء. وبين المقام معه على النكاح (١). مذهب الظاهرية: جاء بالمحلى عن الحسن أنه قال في الرجل يعجز عن نفقة امرأته قال: تواسيه وتتقى الله وتصبر، وينفق عليها ما استطاع (٢).

стр. 8829

وفى "المحلى" أيضًا: (١) من قدر على بعض النفقة والكسوة، فسواء قل ما يقدر عليه أو كثر - الواجب يقضى عليه بما قدر ويسقط عنه ما لا يقدر، فإن لم يقدر على شئ من ذلك سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشئ. فإن أيسر بعد ذلك قضى عليه من حين يوسر، ولا يقضى عليه بشئ مما أنفقته على نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسره. لقول الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. (٣) فصح يقينًا أن ما ليس في وسعه. ولا أتاه الله تعالى إياه، فلم يكلفه الله إياه، وما لم يكلفه الله تعالى فهو غير واجب عليه وما لم يجب عليه فلا يجوز أن يقضى عليه به أبدًا: أيسر أو لم يوسر. وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة فمنعها إياها وهو قادر عليها، فهذا يؤخذ به أبدًا: أعسر بعد ذلك أو لم يعسر لأنه قد كلفه الله تعالى إياه، فهو واجب عليه، فلا يسقطه عنه إعساره. لكن يوجب الإعسار أن ينظر به إلى الميسرة فقط، لقوله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. (٤) مذهب الزيدية: بالنسبة لإمهال الزوج لعدم الإنفاق: جاء في البحر الزخار (٥) إنه إن كان الزوج ذا حرفة فمرض أو عجز لم تفسخ إن رجت صحته في يومين أو ثلاثة إذ لا ضرر وإن نكحته عالمة بعجزه لم يبطل خيارها إذ يجوز أن تعترض أو يحتال ولوجوبها يومًا فيومًا فإن تمرد فلا فسخ إن أمكن اجباره وإلا فسخ وكذا غائب لم يعلم خبره دفعًا للضرر لهم والفسخ إلى الزوجة إذ يختص بها وفى وقت الفسخ وجوه من وسط النهار إذ لا يعتاد التأخير إليه أو بعد يوم وليلة ليستقر الحق إذ تراد النفقة لليوم أو بعد الثلاث ليتحقق العجز أو موضع اجتهاد للحاكم إن كان ولا بعد مضى وقت الفذاء إذ لا تصير أكثر ولا فائدة للإمهال إن لم يرج يساره في مدته. مذهب الإمامية: إمهال الزوج لعدم الاتفاق: جاء في الخلافا (٦): أنه إذا أعسر الزوج فلم يقدر على النفقة على زوجته لم تملك زوجته الفسخ وعليها أن تصبر إلى أن يوسر وبه قال من التابعين الزهرى وعطاء بن بشار وإليه ذهب أهل الكوفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والدليل عليه قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٧) ولم يفصل، وقال تعالى:

стр. 8830

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فندب الفقراء إلى النكاح فلو كان الفقر سببًا تملك به فسخ النكاح ما ندب إلى النكاح من يملك الفسخ عقيب النكاح وأخبار أصحابنا واردة بذلك، وجاء في الروضة البهية: (٢) أنه يجبر الحاكم الممتنع عن الإنفاق مع وجوبه عليه وإن كان له علم يجب صرفه في الدين باعه الحاكم إن شاء والفعل منه وفى كيفية بيعه وجهان. أحدهما أن يبيع كل يوم جزءًا بقدر الحاجة والثانى أن لا يفعل ذلك لأنه يشق ولكن يقترض عليه إلى أن يجتمع ما يسهل بيع العقار له والأقوى جواز الأمرين. ولو تعذرا فلم يوجد راغب في شراء الجزء اليسير ولا مقرض ولا بيت مال يقترض منه جاز له بيع أقل ما يمكن بيعه وإن زاد عن قدر نفقة اليوم لتوقف الواجب عليه. مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل: (٣) أنه إن طلق الزوج زوجته فأحسن ذلك بعد ثبوت إعساره وإن لم يثبت فهو مأمور بأحد أمرين إما بالنفقة والكسوة وأما بالطلاق وسواء الأحرار والعبيد المختلفون وإن علمت فقره قبل العقد أمره بالإنفاق أو الطلاق فإن أبى طلق عليه بعد التلوم بشهرين مثلًا وقيل يتلوم بشهر وقيل بثلاثة أيام وإن علم له مال وظهر عناده سجنه السلطان ولا أجل لذلك ولا يحال بينهما إذا كان التأجيل ولا نفقة لها في الأجل ولا تطالبه بها بعد فإن وجد في خلال الأجل ما يتفق عليها بطل الأجل وبقيت زوجة وإن أعسر بعد الدخول أو قبله أو بان ذلك بعده أو قبله فأرادت فراقه أجل له الحاكم ثلاثة أيام أو جمعة وقيل شهرًا وقيل شهرين والراجح أن ذلك إلى نظر الحاكم ويطلق الحاكم تطليقة واحدة رجعية فإن أيسر في عدتها فله رجعتها إلا إن لم يوسر وإما إن لم يدخل بها فلا عدة ولا رجمعة وزعموا أنه إن طلبته بالصداق قبل الدخول فعجز عنه دون النفقة فإنه يؤجل له سنتان وقيل ينظر الحاكم وقيل يتلوم له بعد تلوم ثم يفرق بينهما بالطلاق ولها نصف الصداق وقيل لا وللمرأة منع نفسها من الدخول والسفر معه حتى يقضى لها صداقها ويختلف التلوم فيما يرجى له ومن لا يرجى وقيل يؤجل له اثنا عشر يومًا ثم أحد وعشرون ثم ستة ثم ستة ثم ثلاثة وقيل ستة أشهر ثم أربعة أشهر ثم شهران ولها أن تطالبه بحميل ولها سجنه لأن الصداق كسائر الديون ومن غاب ولم يترك نفقتها فأرادت فراقه أجلت شهرًا فإذا مضى خيرت في البقاء وفى أن تطلق نفسها بعد يمينها ما ترك لها نفقة ولا حميلًا ولا أرسل إليها ولا رضيت بالمقام بلا نفقة ولا قام لها قائم بذلك ولا علمت له مالًا وقيل يطلقها الحاكم بعد الأجل ويتلوم عليه في الأجل فلو بعد أكثر من شهر ذهابًا ورجوعًا أجل أكثر من شهر.

стр. 8831

إمهال المظاهر والمولى مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع: (١) مضى مدة الإيلاء شرط وقوع الطلاق حتى لا يقع الطلاق قبل مضى المدة لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين. وهو البر طلاق معلق بشرط ترك الفئ في مدة الإيلاء لقول الله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وروى عن ابن عباس وعدة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أن عزم الطلاق ترك الفئ إليها أربعة أشهر فقد جعل ترك الفئ أربعة أشهر شرط وقوع الطلاق في الإيلاء ثم قال صاحب البدائع (٣) أما المدة في الإيلاء هي أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدًا في الحرة أو يحلف مطلقًا أو مؤيدًا حتى لو حلف على اقل من أربعة أشهر لم يكن موليًا في حق الطلاق وهذا قول عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله تعالى عنهم وقال بعض أهل العلم إن مدة الإيلاء غير مقدرة يستوى فيها القليل والكثير حتى لو حلف لا يقريها يومًا أو ساعة كان موليًا حتى لو تركها أربعة أشهر بانت وكذا روى عن ابن مسعود ﵁ وقال ابن عباس رضى الله عنهما إن الإيلاء على الأبد والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٤) ذكر الإيلاء في حكم الطلاق مدة مقدرة فلا يكون الحلف على ما دونها إيلاء في حق هذا الحكم وهذا لأن الإيلاء ليس بطلاق حقيقة وإنما جعل طلاقًا معلنًا بشرط البر شرعًا بوصف كونه مانعًا من الجماع أربعة أشهر قصاعدًا فلا يجعل طلاقًا بدونه ولأن الإيلاء هو اليمين التي تمنع الجماع خوفًا من لزوم الحنث وبعد مضى يوم أو شهر يمكنه أن يطأها من غير حنث يلزمه فلا يكون هذا إيلاء كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقته الله أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه اقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء ولأنه ليس في النص شرط الأبد فيلزمه إثبات حكم الإيلاء في حق الطلاق عند تربص أربعة أشهر فلا تجوز الزيادة إلا بدليل وسواء كان الإيلاء في حال الرضا أو الغضب أو أراد به إصلاح ولده في الرضاع أو الإضرار بالمرأة عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله تعالى عنهم وهو الصحيح لأن الإيلاء لا يفصل بين حال وحال ولأن الإيلاء يمين فلا يختلف حكمه بالرضا والغضب وإرادة الإصلاح والاضرار كسائر الأيمان وأما مدة إيلاء الأمة المنكوحة فشهران فصاعدًا عندنا لأن مدة الإيلاء ضربت أجلًا للبينونة عندنا فأشبه مدة العدة فيتنصف بالرق كمدة العدة. مذهب المالكية: جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليها (٥) أن الإيلاء يمين ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر للحر أو أكثر من شهرين للعبد جاء في حاشية الدسوقى أنه إذا قال لزوجته

стр. 8832

المطلقة طلاقًا رجعيًا والله لا أرجعك فإنه يكون موليًا ويضرب له أجل الإيلاء أربعة أشهر من يوم الحلف فإن لم يف بعدها طلق عليه طلقة أخرى وهذا إذا لم تنقض العدة من الطلاق الأول قبل فراغ الأجل وإلا فلا شئ عليه وإذا قال لها والله لا أطؤك حتى تسألينى الوطء أو حتى تأتينى للوطء فإنه يكون موليًّا ويضرب له أجل الإيلاء من يوم الحلف فإن فاء في الأجل أو بعده بأن كفر عن يمينه ووطئها بدون سؤال منها فالأمر ظاهر وإلا طلق عليه وهذا قول ابن سحنون ومقابله قول سحنون وهو أنه لا يكون موليًا بذلك وقال ابن رشد لا وجه لقول سحنون واستصوب ما قاله ولده نظرًا لمشقة سؤال الوطء من النساء وإتيانهن إليه فالغالب عدم حصوله من المرأة ثم قال في حاشية (١) الدسوقى: وإذا قال لزوجته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا أو البتة فقال ابن القاسم ومالك لا يكون موليًا وينجز عليه الثلاث من يوم الرفع ولا يضرب له أجل الإيلاء واستحسنه سحنون وغيره لأنه لا فائدة في ضرب الأجل لأنه يحنث بمجرد الملاقاة وباقى الوطء حرام فلا يمكن من وطئها وحكى اللخمى وابن رشد أنه لا يعجل عليه الحنث ويضرب له أجل الإيلاء وتستمر من غير طلاق عليه إلى أن يفرغ الأجل فإن رضيت بالإقامة معه من غير وطء فلا يطلق عليه ولا يطؤها وإن لم ترض طلقت عليه واحدة للإيلاء وقد نص في المدونة على القولين وفى حاشية الدسوقى (٢) أيضًا: من حلف ليعزلن عن زوجته زمنًا يحصل به ضررها أو حلف لا يبيت عندها أو ترك وطأها ضررًا من غير حلف أو أدام العبادة وتضررت الزوجة من ترك الوطء وأرادت الطلاق فإن الحاكم يجتهد في طلاقها عليه ومعنى الاجتهاد في الطلاق عليه أن يجتهد في أن يطلق عليه فورا بدون أجل أو يضرب له أجلًا ويجتهد في قدره من كونه دون أجل الإيلاء أو قدره أو أكثر منه فإن علم توَدَهُ وإضراره طلق عليه فورًا وإلا أمهله باجتهاده لعله أن يرجع عما هو عليه فإذا اكتفى أجل التلوم ولم يرجع عما هو عليه طلق عليه وكل هذا إذا أرادت الطلاق وأما إن رضيت بالإقامة بلا وطء فلا تطلق عليه وجاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (٣) بأن المظاهر إن قيد الظهار بوقت كانت على كظهر أمى في هذا الشهر تأبد فلا ينحل إلا بالكفارة أو علقه بعدم زواج كإن لم أتزوج عليك وأطلق أو فلانة فأنت كأمى فلا يكون مظاهر إلا عند إليأس من الزواج يموت المعينة أو بعدم قدرته على الوطء أو عند العزيمة على عدم الزواج إذ العزم على الضد الحنث ويمنع منها حتى قبل اليأس والعزيمة ويدخل عليه الإيلاء ويضرب له الأجل من يوم الحكم. مذهب الشافعية: قال الإمام الشافعي: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يذكرون أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث: الظهار والإيلاء والطلاق. فأقر الله تعالى الطلاق طلاقًا، وحكم في الإيلاء بأن

стр. 8833

أمهل المولى أربعة أشهر، ثم جعل عليه أن يفئ أو يطلق، وحكم في الظهار بالكفارة. (١) مذهب الحنابلة: جاء في الكشاف (٢): وإذا صح الإيلاء لاجتماع شروطه الأربعة ضربت للمولى مدة أربعة أشهر ولا يطالب بالوطء في الأربعة أشهر تقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٣) وابتداء المدة من حين اليمين. وقال ابن مسعود وابن عباس إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة بائنة وقال لكحول والزهرى تطليقة رجعية ورد بظاهر الآية فإن الفاء للتعقيب ثم قال وإن عزموا الطلاق ولو وقع بمضى المدة لم يحتج إلى عزم عليه وقوله سميع عليم يقتضى أن الطلاق مسموع ولا يكن المسموع إلا كلامًا ذكره في المبدع ملخصًا فإن كان بالمولى عذر في المدة يمنع الوطء ولو طارئا بعد يمينه كحبسه واحرامه ونحوه احتسب عليه بمدة العذر لأن المانع من جهته. وإن كان العذر احتسب المانع من وطئها من جهتها كصغره ومرضها وحبسها وصيامها واعتكافها الفرضين وإحرامها ونفاسها وغيبتها ونشوزها وجنونها ونحوه كالإغماء عليها وكان ذلك العذر موجودًا حال الإيلاء فابتداء المدة من حين زواله لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها والمنع هنا من قبلها فإن كان العذر طارئًا في اثناء المدة استؤنفت الأربعة أشهر من وقت زواله ولم تبن علي ما مضى لقول الله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ وظاهره يقتضى أنها متوالية فإذا قطعتها وجب استئنافها كمدة الشهرين في صوم الكفارة إن كان قد بقى من المدة التي حلف لا يطؤها فيها أكثر من أربعة أشهر. وإن لم يكن بقى منها أكثر من أربعة أشهر بل أربعة فأقل سقط حكم الإيلاء كما لو حلف على ذلك ابتداء ولا تبنى على ما مضى إذا حدث عذر مما سبق كمدة الشهرين في صوم الكفارة إذا انقطع التتابع يستأنفها إلا الحيض فإنه يحتسب على المولى مدته إذا كانت حائضًا وقت الإيلاء ولا يقطع الحيض مدته إن طرأ في أثنائها. وإن آلى من زوجته بعد الدخول في الردة أي أردته أو ردتها أو ردتهما فابتداء المدة من حين رجوع المرتد منهما إلى الإسلام إن كان ذلك في العدة فإن طرأت الردة في أثناء المدة انقطعت وحرم الوطء فإذا عاد إلى الإسلام استؤنفت المدة سواء كانت الردة منهما أو من أحدهما وكذلك إن أسلم أحد الزوجين الكافرين بعد الدخول وكان قد آلى منها فابتداء المدة من حين يسلم الآخر في العدة لأنه صار ممنوعًا من وطئها من غير يمين. وإن كان (٤) المولى غائبًا لا يمكنه القدوم لخوف بالطريق أو نحوه فاء فيئة المعذور لأنه معذور فيقول متى قدرت جامعتها وإن أمكنها القدوم فلها أن توكل من يطالبه بالمسير إليها أو حملها إليه ليوفيها حقها من الفيئة أو يطالبه بالطلاق إن لم يفعل لأنه غير معذور إذن وإن كان المولى

стр. 8834

مظاهرا لم يؤمر بالوطء لأنه محرم عليه قبل التكفير فهو عاجز عنه شرعًا أشبه المريض ويقال له إما أن تكفر وتفئ وإما أن تطلق إزالة لضررها فإن طلب الإمهال ليطلب رقبة يعتقها أو طعامًا يشتريه ويطعمه للمساكين إن كان عاجزًا عن العتق والصوم أمهل ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة وإن علم أن المظاهر قادر على التكفير في الحال وإنما قصده المدافعة لم يمهل لأنه إنما يمهل للحاجة ولا حاجة هنا وإن كان فرضه الصيام لقدرته عليه وعجزه عن العتق وطلب أن يمهل ليصوم لم يمهل حتى يصوم شهرين متتابعين لأنه كثير بل يؤمر أن يطلق وإن كان قد بقى على المظاهر من الصيام مدة يسيرة عرفًا أمهل فيها كسائر المعاذير. مذهب الظاهرية: في "المحلى" لابن حزم: من حلف بالله ، أو باسم من أسمائه تعالى، أن لا يطأ امرأته أو أن يسوءها، أو أن لا يجمعه وإياها فراش أو بيت، سواء قال ذلك في غضب أو في رضا، لصلاح رضيعها أو لغير ذلك، استثنى في يمينه أو لم يستثن. فسواء وقت وقتًا: ساعة فأكثر إلى جميع عمره، أو لم يوقت: الحكم في ذلك واحد، وهو أن الحاكم يلزمه أن يوقفه ويأمره بوطئها، ويؤجل له في ذلك أربعة أشهر من حين يحلف، سواء طلبت المرأة ذلك أو لم تطلب، رضيت بذلك أو لم ترض. فإذا فاء في داخل الأربعة الأشهر فلا سبيل عليه، وإن أبى لم يعترض حتى تنقضى الأربعة الأشهر، فإذا تمت أجبره الحاكم بالوطء على أن يفئ فيجامع أو يطلق. حتى يفعل أحدهما كما أمره الله ؛ أو يموت قتيل الحق إلى مقت الله تعالى، إلا أن يكون عاجزرًا عن الجماع. لا يقدر عليه أصلًا، فلا يجوز تكليفه ما لا يطيق، لكن يكلف أن يفئ بلسانه، ويحسن الصحبة، والمبيت عندها، أو يطلق، لابد من أحدهما. (١) مذهب الزيدية: العاجز عن الوطء يكلفه الحاكم متى قدر على الوطء، أو زوال عذره من غير العجز، كالتحريم لحيض أو نفاس. أو إحرام، أو نحو ذلك. ولا يجوز للحاكم إمهال العاجز. إذا كانت مدة الإيلاء باقية بعد أن قدر على الوطء، أو زال العذر، إلا أن يزول عذر العجز أو التحريم، بعد مضى ما قيد به الإيلاء، فإنه يمهله حينئذ يومًا أو يومين، أو أقل أو أكثر، على ما يراه الحاكم، لأن المسألة اجتهادية، وبعدها يحبس. (٢) مذهب الإمامية: في كتاب "شرائع الإسلام": إن صبرت المظاهرة فلا اعتراض، وإن رفعت أمرها إلى الحاكم خيَّره بين التكفير والرجعة، أو الطلاق، وانظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة، فإن انقضت المدة ولم يختر أحدهما ضيق عليه في المطعم والمشرب. حتى يختار أحدهما، ولا يجبره على الطلاق تضييقًا، ولا يطلق عنه. (٣)

стр. 8835

مذهب الإباضية: في "شرح النيل": إن حلف الرجل باسم من أسماء الله ﵎، أو صفة من صفاته، أن لا يمس امرأته، فإنه يمهل مدة أربعة أشهر، فإن مس زوجته خلال ذلك متى شاء، يكفر كفارة يمين، وإن لم يمسها حتى مضت مدة الأربعة الأشهر بانت الزوجة منه. (١) وإن حلف لها بالله لا يمسها، أو بطلاقها، أو ظهارها، أو بعتق عبده: أو بماله للمساكين، أو بمشى للبيت الحرام، فلم يمس حتى مضت أربعة أشهر بانت. والقائل: هي عليه حرام، أو كميتة من محرم شرعًا، إن لم يمسها حتى مضت بانت منه، فإن مس فيمين. (٢) إمهال العنين تعريف العنين: قال الفقهاء إن العنين هو من لا يقدر على إتيان النساء مع قيام الآلة. من عُنَّ، إذا حبس في العنة، أي حظيرة الإبل. وفى "تهذيب الأسماء واللغات: وقولهم في عيوب الزوج العُنَّة - بضم العين وتشديد النون - والرجل عنين - بكسر العين والنون - قال الأزهرى: قال أبو الهيثم: سمى العنين عنينًا لأنه يعن ذكره عن قبل المرأة من عنّ يمينه وشماله فلا يقصده. قال أبو عبيد عن الأموى: امرأة عنينة وهى التي لا تريد الرجال .. والعنين الذي لا يأتى النساء. (٣) مذهب الحنفية: إذا كان الزوج عنينًا أجَّله الحاكم سنة من وقت الخصومة، فإن وصل إليها، وإلا فرق بينهما إذا طلبت المرأة ذلك، لأن عمر كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه. وكذلك أتت عمر امرأة فأخبرته أن زوجها لا يصل إليها، فأجله حولًا، فلما انقضى حول ولم يصل إليها خيَّرها. فاختارت نفسها: ففرق بينهما عمر، وجعلها تطليقة بائنة. وذلك لأن الحق ثابت لها في الوطء، ويحتمل أن يكون الامتناع لعلة معترضة، ويحتمل أن يكون لآفة أصلية، فلابد من مدة معرفة لذلك، وقدرناها بسنة لاشتمالها على الفصول الأربعة. فإِذا مضت المدة ولم يصل إليها، تبين أن العجز. بآفة أصلية، ففات الإمساك بالمعروف، ووجب عليه التسريح بإحسان، فإذا امتنع ناب القاضي منابه ففرق بينهما، وقيل: ينبغى أن يقدر السنة شمسية، أخذًا بالاحتياط، لأنه ربما يكون موافقة العلاج في الأيام التي يقع فيها التفاوت فيها بين السنة القمرية والشمسية. (٤) ولو وجدت كبيرة زوجها الصغير عنينًا، ينتظر بلوغه. لأن للصبا أثرًا في عدم الشهوة. ولو

стр. 8836

وجدت زوجها المجنون عنينًا. فخاصم عنه وليه. يؤجل لسنة لأن الجنون لا يعدم الشهوة. والخنثى إذا كان يبول من مبال الرجال، فتزوج امرأة فهو جائز. فإن وصل إليها. وإلا أجل كالعنين. (١) مذهب المالكية: جاء في التاج والإكليل: (٢) أنه يؤجل المعترض (٣) سنة قال ابن عرفه من ثبت اعتراضه ولم يكن قد وطئ امرأته ولو مرة قال في المدونة وغيرها يؤجل سنة لعلاجه قال ابن القاسم إن رفعته مريضًا يؤجل حتى يصح الرواية في كتاب محمد ابتداء السنة من يوم ترفعه قال الباجى تحقيقه من يوم الحكم إذ قد يطول زمن إثباته قال ابن القاسم أن رفعته صحيحًا فلما أجله مرض لم يزد في أجله لمرضه لأنه حكم قد مضي والعبد يؤجل نصف سنة وصدق أن أدعى المعترض الوطء في السنة بيمينه فإن لكل حلفت وإلا بقيت قال ابن عرفة لو ادعى وطأه في السنة وصدقته بقيت زوجته وإن أكذبته صدق بيمين قال اللخمى قولًا واحدًا قال الباجى هو المشهور قال غير بن القاسم فإن نكل حلفت وفرق بينهما فإن نكلت بقيت زوجة. قال ابن عرفة إذا ثبت عدم إصابته بعد الأجل وطلبت فراقه لم يكن لها أن تفارق ولكن يطلق عليه السلطان قال ابن حبيب وقال الباجى حكم الطلاق أن يأمر الزوج به فيوقع منه ما شاء فإن لم يفعل حكم عليه ولها فراقه بعد الرضا بلا أجل فقد روى من اعترض فأجل سنة فلما تمت قالت لا تطلقونى أنا أتركه لأجل آخر فلها ذلك ثم تطلق متى شاءت. مذهب الشافعية: في كتاب "الأم" للإمام الشافعي: الرجل إذا عجز عن إصابة زوجته. وإن كان يصيب غيرها أجل سنة، ثم يفرق بينهما القاضي إن شاءت (٤). قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أحفظ عن مفتٍ لقيته خلافًا في أن تؤجل امرأة العنين سنة، فإن أصابها وإلا خُيِّرت في المقام معه أو فراقه. ومن قال هذا قال: إذا نكح الرجل المرأة فكان يصيب غيرها ولا يصيبها، فلم ترتفع إلى السلطان فهما على النكاح. وإذا ارتفعت إلى السلطان فسألت فرقته أجله السلطان من يوم يرتفعان إليه سنة، فإن أصابها مرة واحدة فهى امرأته، إن لم يصبها خيرها السلطان. فإن شاءت فرقته فسخ نكاحها .. وإن شاءت المقام معه أقامت معه. (٥) مذهب الحنابلة: في كتاب "المغنى" لابن قدامة: العنين هو العاجز عن الإيلاج، فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به، ويستحق به فسخ النكاح، بعد أن تضرب له مدة يختبر فيها ويعلم حاله بها .. روى عن عمر أنه أجل العنين سنة.

стр. 8837

وإذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها أجل سنة منذ ترافعه، فإن لم يصبها فيها خيرت في المقام معه أو فراقه. (١) ومن علم أن عجزه عن الوطء لعارض من صغر أو مرض مرجو الزوال. لم تضرب له المدة، لأن ذلك عارض يزول. والعنة خلقة وجبلة لا تزول. وإن كان لكبر أو مرض لا يرجى له زواله ضربت له المدة لأنه في معنى من خُلق كذلك. وإن كان لجب أو شلل ثبت الخيار في الحال. لأن الوطء ميئوس منه، ولا معنى لانتظاره. وإن كان قد بقى من الذكر ما يمكن الوطء به؛ فالأولى ضرب المدة، لأنه في معنى العنين خلقة. (٢) مذهب الظاهرية: في "المحلى": من تزوج امرأة فلم يقدر عن وطئها، سواء كان وطئها مرة أو مرارًا أو لم يطأها قط، فلا يجوز للحاكم ولا لغيره أن يفرق بينهما أصلًا؛ ولا أن يؤجل له اجلًا، وهى امرأته، إن شاء طلق. وإن شاء أمسك. (٣) ونقل ابن حزم أنه يؤجل عشرة أشهر، وفى رواية يؤجل سنة، فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما ثم نقل القول في الرجل يتزوج المرأة، ثم يعرض له الداء، قال: هي امرأته لا تنزع عنه. مذهب الزيدية: جاء في التاج المذهب (٤) قال المؤيد بالله وزيد بن علي والصادق والباقر وغيرهم من علماء الزيدية ويفسخ العنين وهو الذي تعذر عليه الجماع لضعف في إحليله وقد يكون من ابتداء الخلقة وقد يكون عارضا. وذهب القاسم والهادى وأبناء الهادى وأبو العباس وأبو طالب أنه لا يفسخ العنين وهو المختار للمذهب. واختلف القائلون بفسخ العنين في تقدير تأجيله فقال المؤيد بالله لا يفسخ إلا بعد إمهاله سنة شمسية غير أيام العذر يعنى إذا عرض في تلك السنة التي أمهلها عذر يمنع من الوطء في العادة لم يحسب عليه مدة حصول ذلك بل يجب أن تُستكمل سنة لم يعرض في شئ منها عذر مانع ولا تحتسب أيام المرض والغيبة والنشوز بل يمهل مثل تلك المدة في الفصول الأربعة. وجاء في شرح الأزهار (٥): أنه اختلف في تقدير التأجيل فقال الناصر يؤجل مدة يتبين حاله فيها ولم يقدر بسنة وقال المؤيد بالله وذكره للناصر في موضع آخر لا يفسخ إلا بعد إمهاله سنة شمسية غير أيام العذر لا قمرية والشمسية تزيد على القمرية بأحد عشر يومًا وإنما قدر بسنة لأنها تشتمل على الفصول الأربعة وهى الشتاء والربيع والصيف والخريف والطبائع

стр. 8838

تختلف باختلافها فلعلها تزول العنة في بعضها قال الفقيه يوسف بن أحمد بن عثمان فالشتاء بارد يابس والربيع حار لين والصيف حار يابس والخريف بارد لين غير أيام العذر يعنى إذا عرض في تلك السنة التي أمهلها عذر يمنع من الوطء في العادة لم يحسب عليه مدة حصول ذلك بل يجب أن يستكمل سنة لم يعرض في شئ منها عذر مانع ذكر معنى ذلك في الانتصار حيث قال ولا يحتسب بأيام المرض والغيبة والنشوز ويحتسب بأيام رمضان لأنه يمكنه الوطء ليلًا فإذا انقضت المدة ولم يطأها فهل يكفى فسخ المرأة أم لابد من فسخ حاكم فحكى في الزوائد عن المؤيد بالله واحد قول الناصر أنه يحتاج إلى حكم حاكم ولا يكفى فسخها قال الفقيه يوسف بن أحمد بن عثمان وهو الأقرب لأن المسألة خلافية وقال في الكافى عن زيد بن علي والناصر والمؤيد بالله لا يحتاج إلى حكم حاكم قال مولانا المهدى ﵇ وهو الأقرب عندى لأنه عند هؤلاء من جملة العيوب وقد ذكر في فسخ العيوب أنه لا يحتاج إلى حاكم مع التراضى. مذهب الإمامية: جاء في كتاب "فقيه من لا يحضره الفقيه": روى صفوان بن يحيى عن أبان بن غياث عن أبى عبد الله ﵇ قال: في العنين إذا علم أنه عنين لا يأتى النساء فرق بينهما، وإذا وقع عليها وقعة واحدة لم يفرق بينهما. (١) مذهب الإباضية: جاء في شرح النيل (٢): أن من العيوب التي يؤجل صاحبها من زوج أو زوجة لعلاج "الفتل وهو استرخاء الذكر بحيث يكون كالفتيلة ويجوز تقسيره بانسداد في ذكره وهو أولى" والرتق وهو التحام فرج المرأة كالصفاة لا شق فيه ولا يكون فيه جماع وفى القاموس الرتقة مصدر قولك امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها أي لضيق في فرجها أو لا خرق لها إلا المبال ويعالجان سنة بموسى أو غيرها وإذا فسرنا الفتل باسترخاء فعلاجه بغير القطع إلا إن ظهر للطبيب قطع شئ والمرأة تعالجها النساء أو زوجها وهو أولى وإنما تعالجها منهن أمها أو أختها وإن لم تحسنان فأجنبية، والرجل تعالجه الرجال ومن تعدى المعتاد ضمن وإنما أحل لهما سنة استيفاء لمرور الأزمنة الأربعة عليهما حرارة الصيف وبرودة الشتاء واعتدال الربيع والخريف، والعنين يؤجل سنة وقيل عشرة أشهر وقيل ستة وقيل سنة بالنون إن كان حديث عهد وخمسة أشهر أو شهرين إن قدم والأجل في ذلك كله من يوم الحكم.

стр. 8839

الإمهال في أحكام أخرى التمهل في إنفاذ الحكم: جاء في "المحلى": لا يحل التأنى في إنفاذ الحكم إذا ظهر، وهو قول الشافعي وأبى سليمان وأصحابنا. وقال أبو حنيفة: إذا طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يردهما المرة والمرتين فإن لم يطمع في ذلك فصل القضاء. وقال مالك: لا بأس بترديد الخصوم، ثم رأى أن يجعل للمشهود عليه أو المدعى بينة غائبة أجل ثمانية أيام، ثم ثمانية أيام، ثم ثمانية أيام، ثم تلزم ثلاثة أيام، فذلك ثلاثون يومًا، لا يعد في الثمانية يوم تأجيل الحكم. ثم رد ابن رحزم على مخالفيه ثم قال: فمن حكم بالحق حين يبدو إليه فقد قام بالقسط، وأعان على البر والتقوى. وسارع إلى مغفرة من ربه. ومن تردد في ذلك فلم يسارع إلى مغفرة ربه، ولا قام بالقسط، ولا أعان على البر والتقوى (١). إمهال جاحد الصلاة: كتاب في "المغنى" من كتب الحنابلة: من ترك الصلاة دعى إليها ثلاثة أيام، فإن صلى وإلا قتل، جاحدًا تركها أو غير جاحد. (٢) إمهال الزوجة في الدخول على الزوج: في كتاب "الأم" للشافعى: كل امرأة تحتمل ان تجامع تجبر على الدخول على زوجها، فإن كانت مع هذا مضناة من مرض لا يُجامع مثلها أُمهلت حتى تصير إلى الحال التي يجامع مثلها، ثم تجبر على الدخول، ومتى أمهلتها بالدخول لم أجبره على دفع الصداق. (٣) إمهال الولى في الزواج إذا كان غائبًا: في كتاب "المغنى" لابن قدامة الحنبلى عن الولى في الزواج: "وظاهر كلام أحمد أنه إذا كانت الغيبة منقطعة أنه ينتظر ويراسل، حتى يقدم أو يوكل". (٤)

стр. 8840

بحث مصطلح "أمين " المعنى اللغوى: أمين هو الاسم الذي مادته أمن: جاء في لسان العرب: (١) الأمان والأمانة بمعنى وقد أمنت فأنا آمن وأمنت غيرى من الأمن والأمان. والأمن ضد الخوف. والأمانة ضد الخيانة والإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال آمن به قوم وكذب به قوم، فأما آمنته المتعدى فهو ضد أخفته وفى التنزيل العزيز قال الله تعالى ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) قال ابن سيده الأمن نقيض الخوف، والأمنة: الأمن ومنه قول الله ﵎ ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (٣) في الحديث الشريف "النجوم آمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد" وأنا أمنة لأصحابى فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابى أمنة لأمتى فإذا ذهب أصحابى أتى الأمة ما توعد، أراد بوعد السماء انشقاقها وذهابها يوم القيامة وذهاب النجوم تكويرها وانكدارها واعدامها وأراد بوعد أصحابه ما وقع بينهم من الفتن وكذلك أراد بوعد الأمة، قال ابن الأثير: والأمنة في هذا الحديث جمع أمين وهو الحافظ وقول الله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٤)، قال أبو إسحاق أراد ذا أمن وعن اللحيانى: رجل أمن وأمين بمعنى واحد وفى القرآن الكريم ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٥) أي الآمن، والأمين المؤتمن والأمين المؤتمن من الأضرار وفى الحديث المؤذن مؤتمن بمعنى أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم. التعريف عند الفقهاء: لم يخرج الفقهاء في استعمالهم للفظ أمين بمعنى المؤتمن على الشيء عن المعنى اللغوى ومن ذلك ما جاء في المهذب (٦): في باب الوكالة: الوكيل أمين فيما في يده من مال الموكل فإن تلف في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عن الموكل في اليد والتصرف فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد الموكل فلم يضمن، ومن ذلك ما جاء في كشاف القناع: (٧) في باب العارية: أنه لو غطى ضيفه بنحو لحاف فتلف لم يضمنه وكذا رديف رب الدابة بأن أركب إنسانًا خلفه فتلفت الدابة تحتهما، لم يضمن الرديف شيئا لأن الدابة بيد مالكها وكذا مروض الدابة وهو الذي يعلمها السير إذا تلفت تحته لم يضمنها لأنه أمين وكذا وكيل رب الدابة إذا تلفت في يده لم يضمنها ومن ذلك ما جاء في بدائع الصنائع (٨): في باب اللقطة أن للقطة بعد الأخذ حالين. في حال هي أمانة وفى حال هي مضمونة أما حالة الأمانة

стр. 8841

فهى أن يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة فكانت يده يد أمانة كالمودع، ومن ذلك ما جاء في الخرشى: (١) في باب الرهن أن للأمين الموضوع تحت يده الرهن أن يستقل ببيع الرهن إذا أذن له الراهن في بيعه عند عقد الدين الذي بسببه الرهن أو بعده لأنه محض توكيل سالم عن توهم إكراه فيه، ومن ذلك ما جاء في الروضة البهية (٢) في باب الشركة: أن الشريك أمين على ما تحت يده من المال المشترك المأذون له في وضع يده عليه لا يضمن إلا بتعد وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال أو تفريط وهو التقصير في حفظه وما يتم به صلاحه ويقبل يمينه في التلف لو ادعاه بتفريط وغيره. الأمين في الوكالة مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع (٣) عند الكلام على أحكام الوكالة أن المقبوض في يد الوكيل بجهة التوكيل بالبيع والشراء وقبض الدين والعين وقضاء الدين أمانة بمنزلة الوديعة لأن يده يد نيابة عن الموكل بمنزلة يد المودع فيضمن بما يضمن في الودائع ويبرأ بما يبرأ فيها ويكون القول قوله في دفع الضمان عن نفسه، ولو دفع إليه مالا وقال: اقضه فلانا عن دينى فقال الوكيل: قد قضيت صاحب الدين فادفعه إلى، وكذبه صاحب الدين فالقول قول الوكيل في براءة نفسه عن الضمان والقول قول الطالب في أنه لم يقبضه حتى لا يسقط دينه عن الموكل لأن الوكيل أمين فيصدق في دفع الضمان عن نفسه ولا يصدق على الغريم في إبطال حقه وتجب اليمين على أحدهما لا عليهما لأنه لابد للموكل من تصديق أحدهما وتكذيب الآخر فيحلف المكذب منهما دون المصدق، فإن صدق الوكيل في الدفع يحلف الطالب بالله ما قبضه فإن حلف لم يظهر قبضه ولم يسقط دينه وإن نكل ظهر قبضه وسقط دينه عن الموكل وإن صدق الطالب أنه لم يقبضه وكذب الوكيل يحلف بالله تعالى لقد دفعه إليه فإن حلف برئ وإن نكل لزمه ما دفع إليه، وفى المبسوط: (٤) إذا أمر الرجل رجلا ببيع عبد له ودفعه إليه فقال الوكيل قد بعته من هذا وقبضت الثمن وهلك عندى وادعى المشترى ذلك فهو جائز والوكيل مصدق فيه مع يمينه لأنه مسلط على البيع وقبض الثمن وقد أخبر بما جعل مسلطا عليه في حال قيام التسليط ولا تتمكن التهمة في خبره وهو أمين بما دفع إليه فإذا أخبر بأداء الأمانة فيه كان القول قوله مع يمينه، وإن كان الآمر قد مات وقال ورثته لم نسمع وقال الوكيل قد بعته من فلان بألف درهم وقبضته وهلك عندى وصدقه المشترى فإن كان العبد قائما بعينه لم يصدق الوكيل بالبيع لأنه أخبر به في حال لا يملك إنشاءه فإنه قد انعزل بموت الآمر ولأن العبد صار ملك الوارث في

стр. 8842

الظاهر ولم يسلطه الوارث على إزالة ملكه فلا قول له في ذلك بخلافه حال حياة الآمر ولكن إن أقام المشترى البينة على الشراء في حياة الآمر كان العبد له وإلا فهو للورثة مع يمينهم على العلم فإذا أخذت الورثة العبد ضمن الوكيل المال للمشترى بإقراره يقبضه منه عوضا عن اليمين وقد استحق العبد من يد المشترى فكان ضامنا له ما قبض من الثمن وإن كان العبد مستهلكا فالوكيل يصدق بعد أن يحلف استحسانا وفى القياس لا يصدق لأنه قد ينعزل بموت الآمر ووجه الاستحسان أن الوكيل بما يخبر هنا ينفى الضمان عن نفسه وهو كان أمينا في هذا العبد فيكون قوله مقبولا مع يمينه فيما ينفى الضمان به عن نفسه. ولو وكل رجل رجلا ببيع عدل (١) فباعه وقبضه المشترى ثم رده على البائع بخيار الرؤية فقال الآمر ليس هذا عدلى فالقول قول الوكيل مع يمينه لأنه كان أمينا فيه وبعد ما رد عليه بخيار الرؤية عاد أمينا كما كان فالقول في تعيين الأمانة قوله، ولو وكله ببيع شئ مما يكال أو يوزن فباع بعضه دون بعض جاز لأن هذا مما لا يضره التبعيض فلا ضرر على الموكل في بيع بعضه، وضمان الوكيل ثمن ما باعه للآمر باطل لأن حق القبض في الثمن للوكيل فلو صح ضمانه عن المشترى كان ضامنا لنفسه إذ لا حق للموكل على المشترى وضمان المرء لنفسه باطل ولأنه أمين فيما يقبض من الثمن فيما بينه وبين الآمر فلو صحت كفالته للآمر صار ضامنا، وبين كونه أمينا وبين كونه ضامنا في الشئ الواحد منافاة، وكذلك المضارب وكل مال أصله الأمانة (٢). وإذا وكل الوصى وكيلا بدفع دين على الميت أو وصية إلى صاحبها فهو جائز لأنه يملك مباشرة الدفع بنفسه فيستعين فيه بغيره أيضا ولو وكل وكيلا وسماه في هذا الكتاب فدفع بغير بينة ولم يكتب براءة فلا ضمان عليه لأنه أمين في المال المدفوع والقول قول الأمين في براءة ذمته مع اليمين إلا أن يكون مما لا يدفع إلا بشهود فحينئذ يضمن إذا دفع بغير شهود لأنه نهاه عن الدفع واستثنى دفعا بصفة وهو أن يكون بشهود فإذا دفع بغير شهود فهذا الدفع لم يكن مأمورا به فصار غاصبا ضامنا وإن قال الوكيل قد أشهدت وجحد الطالب أن يكون قبض ولم يكن للوكيل شهود إلا يقوله أشهدت كان الوكيل بريئا من الضمان بعد أن يحلف على ذلك لأنه أخبر بأداء الأمانة فالقول قوله مع يمينه. مذهب المالكية: (٣) جاء في الخطاب أن كل من يصدق في دعواه الرد من وكيل أو مودع فليس له أن يؤخر الدفع إذا طولب بدفع ما عنده ويعتذر بالإشهاد لأنه مصدق في دعواه الرد من غير إشهاد وقوله صدق في الرد أي مع يمينه وسواء كان بقرب ذلك بالأيام اليسيرة أو طال سواء كان مفوضا إليه أم لا هذا قول مالك من سماع ابن القاسم من كتاب الوكالات ومذهب المدونة قاله في آخر كتاب الوكالات وفى المسألة أربعة أقوال ذكرها ابن رشد في كتاب الوديعة من المقدمات ونقله

стр. 8843

ابن عرفة وابن عبد السلام والمصنف في كتاب التوضيح ونص كلام ابن رشد اختلف في الوكيل يدعى أنه دفع إلى موكله ما قبض له من الغرماء أو ما باع به متاعه على أربعة أقوال أحدها أن القول قوله مع يمينه جملة من غير تفصيل وهو قوله في هذه الرواية. والثانى أنه إن كان بقرب ذلك بالأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض شيئا وعلى الوكيل البينة وإن تباعد الأمر كالشهر ونحوه فالقول قول الوكيل مع يمينه وإن طال الأمر جدا لم يكن على الوكيل بينة وهو قول مطرف. والثالث إن كان بحضرة ذلك في الأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه وإن طال الأمر جدا صدق دون يمين وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم. والرابع تفرقة أصبغ بين الوكيل عل شئ بعينه غارم حتى يقيم البينة طال الأمر والوكيل المفوض يصدق في القرب مع يمينه وفي البعد دون يمين وقال القاضي عبد الوهاب في شرح قول الرسالة ومن قال رددت إليك ما وكلتنى عليه هذا لأن الوكيل والمودع والرسول مؤتمنون فيما بينهم وبين الموكل والمودع والمرسل فإذا ذكروا أنهم ردوا ما دفع إليهم إلى أربابه قبل ذلك منهم لأن أرباب الأموال قد ائتمنوهم على ذلك فكان قولهم مقبولا فيما بينهم وبينهم وكذلك العامل في القراض مؤتمن في رد القراض ما بينه وبين المالك إلا أن يكون واحدا منهم أخذ المال ببينة فلا تبرئه دعوى رده إلا أن يكون له بينة لأن رب المال حينئذ لم يأتمنه لما استوثق منه بالبينة ونقله عنه الزناتى وهو نص كتاب الوديعة من المدونة إلا الوكيل ونص عليه أيضا الفاكهانى والمشذالى وأما العارية فقال ابن رشد في المقدمات إن له أن يشهد على المعير في رد العارية عليه وإن كان دفعها إليه بلا إشهاد لأن العارية تضمن والوديعة لا تضمن وفى الخرشى (١) قال إن الوكيل غير المفوض إذا وكل على قبض حق فقال قبضته وتلف منى فإنه يبرأ لموكله من ذلك لأنه أمين وأما الغريم الذي عليه الدين فإنه لا يبرأ من الدين إلا إذا أقام بينة تشهد له أنه دفع الدين إلى الوكيل المذكور ولا تنفعه شهادة الوكيل لأنها شهادة على فعل نفسه وإذا غرم الغريم فإنه يرجع بذلك على الوكيل إلا أن يتحقق تلفه من غير تفريط منه وأما الوكيل المفوض إليه ومثله الوصى إذا أقر كل منهما بأنه قبض الحق لموكله أو ليتيمه ثم قال بعد ذلك تلف منى فإنه يبرأ من ذلك وكذلك الغريم يبرأ من الدين ولا يحتاج إلى إقامة بينة لأن المفوض جعل له الإقرار والوصى مثله وللغريم تحليف الموكل على عدم العلم بدفعه إلى الوكيل وعدم وصول المال إليه. مذهب الشافعية: جاء في المهذب: (٢) أن الوكيل أمين فيما في يده من مال الموكل فإن تلف في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عن الموكل في اليد والتصرف فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد الموكل فلم يضمن وإن وكله في بيع سلمة وقبض ثمنها فباعها وقبض ثمنها وتلف الثمن واستحق

стр. 8844

المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل لأن البيع له فكان الرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه ولا ينعزل (١) الوكيل: بالتعدى بغير إتلاف الموكل فيه في الأصح لأن الوكالة إذن في التصرف والأمانة حكم يترتب عليها ولا يلزم من ارتفاعها ارتفاع أصلها كالرهن والثانى ينعزل كالمودع ورد بأن الوديعة محض ائتمان ومحل هذا الوجه بالفعل فإن تعدى بالقول كما لو باع بغبن فاحش ولو بسلم لم ينعزل جزما لأنه لم يتعد فيما وكل فيه ونحوه في الكفاية عن البحر نعم لو كان وكيلا عن ولى أو وصى انعزل كما بحثه الأذرعى وغيره كالوصى يفسق إذ لا يجوز إبقاء مال محجور بيد غير عدل وهو محمول على عدم بقاء المال في يده أما بالنسبة إلى عدم بقائه وكيلا فلا لعدم كونه وليا فلا يمتنع عليه الإتيان بالتصرف الموكل فيه ولا ينافيه ما مر من أن الولى لا يوكل في مال المحجور عليه فاسقا لأن ذاك بالنسبة للابتداء ويغتفر هنا طروء فسقه إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ويزول ضمانه عما تعدى فيه ببيعه وتسليمه ولا يضمن ثمنه لانتفاء تعديه فيه فلو رد عليه بعيب مثلا بنفسه أو بالحاكم عاد الضمان مع أن العقد قد يرتفع من حينه على الراجح غير أنا لا نقطع النظر عن أصله بالكلية فلا يشكل بما لو وكل مالك المغصوب غاصبه في بيعه طباعه فإنه يبرأ ببيعه وإن لم يخرج من يده حتى لو تلف في يده قبل قبض مشتريه لم يضمنه لوضوح الفرق بينهما وهو قوة يد الوكيل الذي طرأ تعديه لكونه نائبا عن الموكل في اليد والتصرف مع كونها يد أمانة فكأنها لم تزل وضعف يد الغاصب لتعديه فليست بيد شرعية فانقطع حكمها بمجرد زوالها وتقدم أنه لو اعتدى بسفره بما وكل فيه وباعه فيه ضمن ثمنه إن تسلمه وعاد من سفره فيستثنى مما مر، ولو امتنع الوكيل من التخلية بين الموكل والمال بعذر، يضمن وإلا ضمن كالمودع ولو قال له بع هذا ببلد كذا واشتر لى بثمنه قنا جاز له إيداعه في الطريق أو المقصد عند حاكم أمين ثم أمين إذ العمل غير لازم له ولا تغرير منه بل المالك هو المخاطر بماله ومن ثم لو باعه لم يلزمه شراء القن ولو اشتراه لم يلزمه رده بل له ايداعه عند من ذكر وليس له رد الثمن حيث لا قرينة ظاهرة تدل على رده فيما يظهر لأن المالك لم يأذن له فيه فإن فعل فهو في ضمانه إلى وصوله لمالكه. وجاء في موضع آخر (٢) أنه لو أذن الموكل في التوكيل وقال للوكيل وكل على نفسك ففعل فالثانى وكيل الوكيل على الأصح لأنه مقتضى الإذن وللموكل عزله أيضا كما أفهمه وجعله وكيل وكيله إذ من ملك عزل الأصل ملك عزل فرعه بالأولى وعبارة الشيرازى تفهم ذلك فلا اعتراض عليه والأصح على الأصح السابق أنه أي الثاني ينعزل بعزله أي الأول إياه وانعزاله بنحو موته أو

стр. 8845

جنونه أو عزل الموكل له لأنه نائبه وسيعلم من كلامه فيما ينعزل به الوكيل أنه ينعزل بغير ذلك والثانى لا ينعزل بذلك بناء على أنه وكيل عن الموكل وإن قال وكل عنى وعين الوكيل أولا ففعل فالثانى وكيل الموكل لأنه مقتضى الإذن وكذا إن أطلق بأن لم يقل عنك ولا عنى في الأصح إذ توكيله للثالث تصرف تعاطاه بإذن الموكل وجب وقوعه عنه والثانى أنه وكيل الوكيل وكأنه قصد تسهيل الأمر عليه كما لو قال الإمام أو القاضي لنائبه استنب فاستناب فإنه نائب عنه لا عن منيبه وفرق الأول بأن الوكيل ناظر في حق موكله فحمل الإطلاق عليه وتصرفات القاضي للمسلمين فهو نائب عنهم ولذا نفذ حكمه لمستنيبه وعليه فالفرض بالاستنابة معاونته وهو راجع له قلت وفي هاتين الصورتين وهما إذا قال عنى أو أطلق لا يعزل أحدهما الآخر ولا ينعزل بانعزاله لانتفاء كونه وكيلا عنه وحيث جوزنا للوكيل التوكيل عنه أو عن الموكل يشترط أن يوكل أمينا كافيا لذلك التصرف وإن عين له الثمن والمشترى إذ شرط الاستنابة عن الغير المصلحة إلا أن يعين الموكل غيره أي الأمين فيتبع تعيينه لإذنه فيه نعم لو علم الوكيل فسقه دون موكله لم يوكله فيما يظهر كما بحثه الإسنوى كما لا يشترى ما عينه موكله ولم يعلم عيبه والوكيل يعلمه فإن عين له فاسقا فزاد فسقه امتنع توكيله أيضا كما بحثه الزركشى أخذا مما مر في نظيره في عدل الرهن لو زاد فسقه ومحل ما تقرر فيمن وكل عن نفسه فإن وكل عن غيره كولي لم يوكل إلا عدلا ومقتضى كلام المصنف عدم توكيل غير الأمين وإن قال له وكل من شئت وهو كذلك خلافا للسبكى وفارق ما لو قالت لوليها زوجنى ممن شئت حيث جاز له تزويجها من غير كفء بأن المقصود هنا حفظ المال وحسن التصرف فيه وغير الأمين لا يتأتى منه ذلك ومن ثم مجرد صفة كمال هي الكفاءة وقد يتسامح بتركها بل قد يكون غير الكفء أصلح ولو وكل الوكيل أمينا في شئ من الصورتين المتقدمتين ففسق لم يملك الوكيل عزله في الأصح والله أعلم لأنه أذن في التوكيل دون العزل والثانى نعم لأن الإذن في التوكيل يقتضى توكيل الأمناء فإذا فسق لم يجز استعماله فيجوز عزله. مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع (١): الوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف في يده من ثمن ومثمن وغيرهما بغير تفريط ولا تعد لأنه نائب المالك في اليد والتصرف فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك كالمودع سواء كان بجعل أم لا حتى لو كان له دين ولآخر عليه دين فوكله في قبض دينه وأذن له أن يستوفى حقه منه فتلف المال قبل استيفائه فإن لا يضمنه فلو قال الوكيل بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف فأنكر البيع الموكل أو قال الوكيل بعته ولم أقبض شيئا فالقول قول الوكيل بيمينه لأنه لا يملك البيع والقبض فقبل قوله فيهما كالولى ولأنه أمين وتتعذر اقامة البينة على ذلك فلا يكلفها كالمودع، أو اختلف الوكيل والموكل في تعديه أو تفريطه في الحفظ

стр. 8846

أو اختلفا في مخالفة الوكيل أمر موكله فقول وكيل بيمينه لأن الأصل براءته فدعوى التعدى والتفريط مثل أن يدعى الموكل أنك حملت على الدابة فوق طاقتها أو حملت عليها شيئًا لنفسك أو فرطت في حفظها أو لبست الثوب ونحو ذلك أو قال الموكل للوكيل أمرتك برد المال فلم تفعل ذلك أو يدعى الوكيل الهلاك من غير تفريط ونحو ذلك وأنكره الموكل فقول وكيل مع يمينه لأنه أمين، وكذا. أي كالوكيل في ذلك كل من كان بيده شئ لغيره على سبيل الأمانة كالأب والوصى وأمين الحاكم والشريك والمضارب والمرتهن والمستأجر والمودع يقبل قولهم في التلف وعدم التفريط والتعدى ويقبل إقرار الوكيل بأنه تصرف في كل ما وكل فيه لأن من ملك شيئا ملك الإقرار به ولو كان وكل في عقد نكاح وأقر بالعقد قبل منه كغيره، ولو وكل بشراء عبد فاشتراه واختلف في قدر الثمن فقال الوكيل اشتريته بألف فقال الموكل بل بخمسمائة فقول الوكيل لأنه أمين وأدرى بما عقد عليه وإن اختلفا في ردعين وكل فيها أو في رد ثمنها إلى موكل فقول وكيل مع يمينه إن كان الوكيل مبتدعا بعمله لأنه قبض المال لنفع مالكه فقط فقيل قوله فيه كالوصى والمودع المتبرع وكذا وصى وعامل وقف وناظره إذا كانوا متبرعين فالقول قولهم بيمينهم لا إن كانوا يجعل فيهن أي في مسائل دعوى الوكيل والوصى وعامل الوقف وناظره وأجير ومستأجر ونحوه من كل من قبض العين لحظه فلا تقبل دعواه الرد وتقدم: إذا ادعوا رد العين في الرهن كالمستعير ولا يقبل قول وكيل في رد ما ذكر من العين أو الثمن إلى ورثة موكل لأنهم لم يأتمنوه ولا يقبل قول ورثة وكيل في دفعه إلى موكل لأنه لم يأتمنهم ولا يقبل قول ورثة الوكيل في الرد إلى ورثة الموكل لما تقدم ولا يقبل قول وكيل في دفع مال الموكل إلى غير من ائتمنه بإذنه بأن دفع إليه دينارا مثلا ليقرضه لزيد ويقول الوكيل دفعته إلى زيد وينكره لأنه ليس أمينا للمأمور بالدفع إليه فلا يقبل قوله في الدفع إليه كالأجنبى قال في الفروع فلا يقبل قوله في دفع المال إلى غير ربه وإطلاقهم ولا في صرفه في وجوه عينت له من أجرة لزمته. وذكره الآمدى واليعداوى انتهى. وفى القواعد يقبل قول الوكيل على الصحيح من المذهب. واختاره أبو الحسن التميمى. وكذا ولا يقبل قول كل من ادعى الرد إلى غير من ائتمنه جزم به في الرعاية الكبرى. ومن ادعى من وكيل ومرتهن ومضارب ومودع التلف بحادث ظاهر كحريق ونهب جيش ونحوه لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد بوجود الحادث في تلك الناحية لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه غالبا ولأن الأصل عدمه ثم يقبل قول من ذكر من وكيل ومرتهن ومضارب ومودع في التلف بيمينه بخلاف ما لو ادعى أحدهم التلف وأطلق أو أسنده إلى خفى كنحو سرقة. ولا ضمان على وكيل بشرط بأن قال له وكلتك بشرط ضمان ما يتلف منك فإذا تلف منه شئ بغير تفريط لم يضمنه لأنه أمين والشرط لاغ لأنه ينافى مقتضى العقد وإن قال وكيل أو مضارب لرب المال أذنت لي في البيع نساء أي إلى أجل أو قال أذنت لي في الشراء بكذا أو قال وكيل أذنت لي في البيع بغير نقد البلد فأنكره الموكل أو قال الوكيل وكلتنى في شراء عبد فقال الموكل بل وكلتك في شراء أمة فقول وكيل. أو

стр. 8847

اختلف الوكيل والمضارب مع رب المال في صفة الإذن في الوكالة أو المضاربة فقول الوكيل والمضارب بيمينهما لأنهما أمينان في التصرف فقبل قولهما كالخياط ولو وكله في بيع نحو عبد فباعه الوكيل نسيئة فقال الموكل ما أذنت لك في بيعه إلا نقدا فصدقه الوكيل والمشترى في ذلك فسد البيع للمخالفة وللموكل مطالبة من شاء من الوكيل والمشترى للعبد إن كان باقيا وبقيمته إن تلف أما طلبه للوكيل فلكونه حال بينه وبين ماله وأما المشترى فلوضعه يده على ماله بغير حق القرار على المشترى فإن أخذ الموكل القيمة من الوكيل رجع الوكيل على المشترى بها أي بالقيمة لحصول التلف في يده وإن أخذ الموكل القيمة من المشترى لم يرجع المشترى على أحد بها لاستقرارها عليه، وإذا قبض الوكيل ثمن المبيع حيث جاز له فهو أمانة في يده لا يلزمه تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه إذا تلف بتأخيره كالوديعة بخلاف الثوب الذي أطارته الريح إلى داره لأن الوكيل مأذون في القبض صريحًا أو ضمنًا بخلاف صاحب الدار فإن أخر الوكيل رد الثمن بعد طلب الموكل الثمن مع امكان الرد فتلف الثمن ضمنه الوكيل لتعديه بإمساكه بعد الطلب وتمكنه منه وإن تلف قبل التمكن من رده لم يضمنه لأنه لا يعد مفرطا وإن طلب الموكل الثمن من الوكيل ووعده الوكيل رده ثم ادعى الوكيل أنى كنت رددته قبل طلب الموكل أو أن الثمن كان تلف قبل طلبه لم يقبل قوله لأنه رجوع عن إقرار بحق آدمى فلم يقبل، ولو كان ببينة أقامها الوكيل لأن وعده برده يتضمن تكذيبها وإن صدقه الموكل في أنه كان رده أو تلف برئ الوكيل لاعتراف رب الحق ببراءته وإن لم يعد الوكيل الموكل برد الثمن لكنه منعه الوكيل أو مطله بالثمن مع إمكانه ثم ادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لأنه صار كالغاصب فلا يبرأ بدعواء ذلك لكن في دعوى التلف يقبل منه ويغرم القيمة كالغاضب إلا أن يدعى الوكيل ذلك ببينة فيعمل ببينته إذا شهدت بالرد مطلقا أو بالتلف قبل المنع أو المطل وإلا ضمن كالوديع، وإن أنكر الوكيل قبض المال ثم ثبت القبض ببينة أو اعتراف الوكيل به فادعى الوكيل الرد أو التلف لم يقبل قوله ولو أقام بالرد والتلف بينة لأنه كذبها بإنكار القبض ابتداء: فإن كان جحود الوكيل القبض بقوله إنك لا تستحق على شيئا أو بقوله مالك عندى شئ أو نحوه مما ليس بصريح في إنكار القبض ابتداء سمع قول الوكيل في دعوى التلف أو الرد لأنه لا ينافى جوابه المذكور إلا أن يدعى الوكيل رده أو تلفه بعد قوله ما لك عندي شيء فلا يسمع قوله لمنافاته جوابه لكن في مسألة التلف يقبل قوله بيمينه بالنسبة لغرم البدل، وإن قال وكلتني أن أتزوج لك فلانة ففعلت أي تزوجتها لك وصدقته المرأة أنه تزوجها له فأنكر المدعى عليه أن يكون وكله بأن قال ما وكلتك فقول المنكر لأنهما اختلفا في أصل الوكالة فقبل قول المنكر لأن الأصل عدمها ولم يثبت أنه أمينه (١) حتى يقبل قوله عليه بغير يمين نص عليه لأن الوكيل يدعى حقا لغيره ومقتضاه أنه يستحلف إذا ادعته المرأة صرح به في المغني لأنها تدعى الصداق في ذمته فإذا حلف لم يلزمه شئ ويلزم الموكل تطليقها إذا لم يتزوجها لإزالة الاحتمال لأنه يحتمل صحة دعواها فيتنزل منزلة

стр. 8848

النكاح الفاسد ولا يلزم الوكيل شئ من الصداق لتعلق حقوق العقد بالموكل هذا إن لم يضمنه فإن ضمنه فلها الرجوع عليه بنصفه لضمانه عنه. ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر لأنه لم يثبت نكاحها فترثه وهو منكر إنها زوجته فلا يرثها فإن ادعت النكاح المرأة فأنكره المدعى عليه حلف المدعى عليه وبرئ لأن الأصل عدمه وإنما حلف لأنها تدعى الصداق في ذمته وهو يذكره ولو ادعى إنسان أن فلانا الغائب وكله في تزويج امرأة فتزوجها له ثم مات الغائب لم ترث الغائب المرأة لعدم تحقق صحة النكاح إذ لا يقبل قوله أنه وكله إلا بتصديق الورثة أو إلا أن يثبت ببينة أنه وكله فترثه وإن أقر الموكل بالتوكيل في التزويج وأنكر الموكل أن يكون الوكيل تزوج له فالقول قول الوكيل فيثبت التزويج لأنه مأذون له أمين قادر على الإنشاء وهو أعرف. وإن وكله أن يتزوج له امرأة فتزوج الوكيل له غيرها لم يصح العقد للمخالفة أو تزوج إنسان له أي لآخر بغير إذنه فالعقد فاسد لو أجازه المعقود له كبيع الفضولى. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى: (١) لا يحل للوكيل تعدى ما أمره به موكله فإن فعل لم ينفذ فعله فإن فات ضمن لقول الله تعالى: (٢) ﴿ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين﴾ ولقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٣) فوجب من هذا أن من أمره موكله بأن يبتاع له شيئا بثمن مسمى أو يبيعه له بثمن مسمى فباعه أو ابتاعه بأكثر أو بأقل ولو بفلس فما زاد لم يلزم الموكل ولم يكن البيع له أصلا ولم ينفذ البيع لأنه لم يؤمر بذلك فلو وكله على أن يبيع له أو يبتاع له فإن ابتاع له بما يساوى أو باع بذلك لزم وإلا فهو مردود وكذلك من ابتاع لآخر أو باع له بغير أن يأمره لم يلزم في البيع أصلا ولا جاز للآخر إمضاؤه لأنه إمضاء باطل لا يجوز وكان الشراء لازما للوكيل وما عدا هذا فقول بلا برهان. مذهب الزيدية: جاء في شرح الأزهار: (٤) لو اشترى الوكيل من يعتق عليه أو على الأصل المطلق أو هو أن يأمره الموكل بشراء عبد أو أمة وأطلق ولم يقل لاستخدمه أو نحو ذلك فاشترى أباه أو أخاه أو أي أرحامه المحارم أو اشترى رحما للموكل صح الشراء وعتق ذلك الرق وإذا عتق فهل يضمن الوكيل للموكل قيمة ذلك الذي عتق في الضمان تردد قال في الكافى لا يضمن شيئا وعن المنصور بالله يضمن مع العلم قال مولانا المهدى ﵇. ولعل هذا حيث اشترى من يعتق على الموكل وأما إذا اشترى من يعتق عليه فالأقرب أنهم يتفقون على تضمينه والله أعلم. وما لزمه كثمن المشترى أو تلف في يده نحو أن يأمره بشراء شئ ويعطيه ثمنه فيتلف الثمن في يده وقد اشترى ذلك الشئ فعلى الأصل غرامة ذلك الثمن الذي تلف في يده لأنه أمين ولذلك لو كان

стр. 8849

وكيلا بالبيع فباع وقبض الثمن فضاع ذلك الثمن في يده ثم رد عليه ذلك المبيع بعيب بحكم أو تلف ذلك المبيع في يده قبل تسليمه وكان قد قبض الثمن فضاع فإنه يلزم الموكل غرامة الثمن في الطرفين جميعا إذا كان الوكيل عاملا بغير أجرة أما إذا كان مستأجرا على ذلك فالضمان عليه إلا أن يتلف. بأمر غالب إلا ثمنا قبضه الوكيل منه بعدما اشترى فإنه لا يلزم الموكل بل يلزم الوكيل فقط نحو أن يأمره الموكل بشراء شئ فيشتريه لفظا قبل أن يعطيه الموكل الثمن ثم يقبض الوكيل من الموكل ذلك الثمن بعدما اشترى ذلك الشئ فيضيع الثمن في يد الوكيل فإنه لا يلزم الموكل غرامة حينئذ بل يغرمه الوكيل من ماله، ولا يضمن الوكيل للموكل قيمة عين وكل ببيعها إن جحد المشترى عقد البيع فقال ما بعت منى شيئا وجحد عين المبيع فقال ولا عندى هذه العين التي ذكرت بيعها لا عن بيع ولا عن غيره ولا بينة للوكيل. قال الفقيه يحيى وإنما يسقط الضمان عنه بشرطين أحدهما ألا يكون أجيرا. الثاني أن يكون المشترى أمينا. قال الفقيه على وهذا إذا جحد المشترى بعد القبض أما لو جحد قبل القبض فإن الحاكم يأمر الوكيل بقبض المبيع إن كانت دعواه صحيحة ثم يبيعه ويقبض الثمن. مذهب الإمامية: جاء في شرائع الإسلام: (١): أن الوكيل أمين لا يضمن مما تلف في يده إلا مع التفريط أو التعدى، وإذا كان أذن لوكيله ويجب على الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكل مع المطالبة وعدم العذر فإن امتنع من غير عذر ضمن وإن كان هناك عذر لم يضمن ولو زال العذر فأخر التسليم ضمن، ولو ادعى بعد ذلك إن تلف المال قبل الامتناع أو ادعى الرد قبل المطالبة قيل: لا تقبل دعواه، ولو أقام بينة والوجه أنها تقبل، وكل من في يده مال لغيره أو في ذمته فله أن يمتنع عن التسليم حتى يشهد صاحب الحق بالقبض ويستوى في ذلك ما يقبل قوله في رده وما لا يقبل إلا ببينة هربا من الجحود المفضى إلى الدرك أو اليمين وفصل آخرون بين ما يقبل قوله في رده وما لا يقبل فأوجبوا التسليم في الأول وأجازوا الامتناع في الثاني إلا مع الإشهاد والأول أشبه، والوكيل في الإيداع إذا لم يشهد على الإيداع لم يضمن ولو كان وكيلا في قضاء الدين فلم يشهد بالقبض ضمن وفيه تردد وإذا تعدى الوكيل في مال الموكل ضمن ولا تبطل وكالته لعدم التنافى، ولو باع الوكيل ما تعدى فيه وسلمه إلى المشترى برئ من ضمانه لأنه تسليم مأذون فيه فجرى مجرى قبض المالك، ولو اختلفا في التلف فالقول قول الوكيل لأنه أمين وقد يتعذر إقامة البينة بالتلف غالبا فاقتنع بقوله دفعا لالتزام ما تعذر غالبا، ولو اختلفا في التفريط فالقول قول منكره لقول رسول الله ﷺ : واليمين على من أنكر". وإذا اختلف في دفع المال إلى الموكل فإن كان بجعل كلف البينة لأنه مدع وإن كان بغير جعل قيل: القول قوله كالوديعة وهو قول مشهور. وقيل القول قول المالك وهو الأشبه وكذا الشريك والمضارب ومن حصل في يده ضالة، وإذا ادعى

стр. 8850

الوكيل التصرف وأنكر الموكل مثل أن يقول بعت وقبضت قيل: القول قول الوكيل لأنه أقر بماله أن يفعله: القول قول الموكل أمكن لكن الأول أشبه، وإذا اشترى إنسان سلعة وادعى أنه وكيل لإنسان فأنكر كان القول قوله مع يمينه ويقضى على المشترى بالثمن سواء اشترى بعين أو في ذمة إلا أن يكون ذكر أنه يبتاع له في حالة العقد، ولو قال الوكيل: ابتعت لك فأنكر الموكل أو قال: ابتعت لنفسى فقال الموكل بل لي فالقول قول الوكيل لأنه أبصر بنيته، وإذا زوجه امرأته فأنكر الوكالة ولا بينة كان القول قول الموكل مع يمينه ويلزم الوكيل مهرها، وروى نصف مهرها، وقيل يحكم ببطلان العقد في الظاهر، ويجب على الموكل أن يطلقها إن كان يعلم صدق الوكيل وأن يسوق إليها نصف المهر وهو قوى. وإذا وكله في ابتياع عبد فاشتراه بمائة فقال الموكل اشتريت بثمانين فالقول قول الوكيل لأنه مؤتمن. ولو قيل: القول قول الموكل كان أشبه لأنه غارم. وإذا اشترى لموكله كان البائع بالخيار إن شاء طالب الوكيل وإن شاء طالب الموكل والوجه اختصاص المطالبة بالموكل مع العلم بالوكالة واختصاص الوكيل مع الجهل بذلك. وإذا طالب الوكيل فقال الذي عليه الحق لا تستحق المطالبة لم يلتفت إلى قوله لأنه مكذب لبينة الوكالة، ولو قال عزلك الموكل لم يتوجه عليه اليمين إلا أن يدعى عليه العلم، وكذا لو ادعى أن الموكل أبرأه، وتقبل شهادة الوكيل لموكله فيما لا ولاية له فيه، ولو عزل قبلت في الجميع ما لم يكن أقام بها أو شرع في المنازعة، ولو وكله بقبض دينه من غريم له فأقر الوكيل القبض وصدق الغريم وأنكر الموكل فالقول قول الموكل وفيه تردد وأما لو أمره ببيع سلعة وتسليمها وقبض ثمنها فتلف من غير تفريط فأقر الوكيل بالقبض وصدق المشترى وأنكر الموكل فالقول قول الوكيل لأن الدعوى هنا على الوكيل من حيث إنه سلم المبيع ولم يسلم الثمن فكأنه يدعى ما يوجب الضمان، وهناك الدعوى على الغريم وجاء في اللمعة الدمشقية: (١) أن الوكيل أمين لا يضمن إلا بالتفريط أو التعدى وهو موضع وفاق، ويجب عليه تسليم ما في يده إلى الموكل إذا طولب به سواء في ذلك المال الذي وكل في بيعه وثمنه والمبيع الذي اشتراه وثمنه قبل الشراء وغيرها ونبه بقوله إذا طولب على أنه لا يجب عليه دفعه إليه قبل طلبه بل معه ومع إمكان الدفع شرعا وعرفا كالوديعة فلو آخر مع الإمكان أي إمكان الدفع شرعًا بأن لا يكون في صلاة واجبة مطلقا ولا مريدا لها مع تضييق وقتها ونحو ذلك من الواجبات المنافية أو عرفا بأن لا يكون على حاجة يريد قضاءها ولا في حمام أو أكل طعام ونحوها من الأعذار العرفية ضمن وله أن يمتنع من التسليم حتى يشهد على الموكل بقبض حقه حذرا من إنكاره فيضمن له ثانيا أو يلزمه اليمين. ثم قال (٢)، ولو اختلفا في رد المتاع الذي كان بيد الوكيل فالوكيل يدعى رده والموكل ينكره حلف الموكل لأصالة عدمه سواء كانت الوكالة بجعل أم لا وقيل يحلف الوكيل إلا أن تكون بجعل فالموكل، أما الأول وهو حلف الوكيل، إذا لم تكن الوكالة

стр. 8851

بجعل فلأنه أمين وقد قبض المال لمصلحة المالك فكان محسنا محضًا كالودعى وأما الثاني فلما مر ولأنه قبض لمصلحة نفسه كعامل القراض والمستأجر ويضعف بأن الأمانة لا تستلزم القبول كما لا يستلزمه في الثاني مع اشتراكها في الأمانة وكذلك الإحسان والسبيل المنفى مخصوص فإن اليمين سبيل، ولو اختلفا في التلف أي تلف المال الذي بيد الوكيل كالعين الموكل في بيعها وشرائها أو الثمن حلف الوكيل لأنه أمين وقد يتعذر إقامة البينة على التلف فقنع بقوله وإن كان مخالفا للأصل ولا فرق بين دعواه التلف بأمر ظاهر وخفى وكذا يحلف لو اختلف في التفريط والمراد به ما يشمل التعدى لأنه منكر وكذا يحلف لو اختلفا في القيمة على تقدير ثبوت الضمان لأصالة عدم الزائد. مذهب الإباضية: جاء في النيل وشرحه (١) من أنه لا يبرأ غريم وكل من عليه حق بإرسال دين أو حق لربه بلا أمره أو أمر من صحت نيابته عنه وإن مع أمين أو أمينين أو أمناء وإن لم يصل أو لم يعلم أنه وصل أو لم يصل ويحتمل دخول هذا في قوله إن لم يصل بمعنى إن لم يكن له علم بالوصول وعدم العلم بالوصول صادق بما إذا لم يعلم أو وصل أو لم يصل وبما إذا علم أنه لم يصل ولزمه البحث عن الوصول ثبوتا وعدم ما لزمه أن يبحث هل وصل فيبرأ أو لم يصل فيؤدى وإذا سأل الرسول الأمين فقال وصلت فذلك بحث يجزئه كما قال وبرئ فيما بينه وبين الله تعالى لا في الحكم إن قال الأمين أوصلت وأما في الحكم فلا يبرأ إلا بشهادة عادلة أو إقرار صاحب الحق ولا يقل أوصلت فلا يبرأ في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى حتى يعلم به أي بالوصول فلو كان الحق على يتيم أو مجنون أو غائب فأرسله من تصح نيابته عنه مع أمين ولم يقل أوصلت فلينظر بيانا أو إقرارا فإن جحد صاحب الحق الوصول ضمن النائب من ماله وحلفه إن اتهمه وقيل برئ إن أرسله مع الأمين ولو امرأة أو عبدا أو أمة فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يسأله حتى يقول إنى لم أوصل أو ينكر صاحب الحق الوصول فإذا أنكر لم يقبل قول الأمناء ولو كثروا إنا أوصلنا لإدعائهم إيصال ما بأيديهم وعلى هذا القول يلزم الرسول إعلام بتلفه إن تلف القولان معا مبنيان على أن الأمين حجة فيما بينك وبين الله تعالى ولو أمينا واحدا ولا فرق بين الواحد والمتعدد هنا لأنهم ادعوا وصول ما بأيديهم فلو قال أمينان إن صاحب المال أمرك أن تعطى ماله فلانا كانا حجة نطق في الحكم وفيما بينك وبين الله تعالى ومختار كلام الشيخ أن الأمين حجة فيما بينك وبين الله تعالى ولو كان الإيصال بيده ووجه ذلك أن البراءة عن الحق به إنما هي أمر غير حكمى بل أمر ضرورى فهو كالعبادة فلا فرق بين أن يكون الإيصال بيده أو بغيره لأنه لم يتهمه ولذلك اقتصر المصنف كالشيخ على قول أنه حجة ولو لم يسأله وقول أنه حجة إن قال إنى أوصلت وكذلك جزما في باب الزكاة بأنه يبرأ بقول الأمين أنه أوصلها ولم

стр. 8852

يعتبر كونه مدعيا البراءة مما في يده وقيل إن الأمين الواحد أو المتعدد لا يكون حجة ولو قال أوصلت لإدعائه البراءة مما في يده قال أبو ستة ظاهر كلام الشيخ أنه يبرأ بقول الأمين قولا واحدا وفيه تأمل قلت وجه التأمل أنه قد تخيل في الأمين أنه لا يكون حجة ولو تعدد في يكون الواسطة فعله لأنه مدع وأنه لا يكون حجة إن لم يتعدد فيما لم يكن بواسطة فعله فأجاب بأن الشيخ جرى على الراجح عنده من كون الأمين حجة ولو فيما بواسطته وليس مراد أبي ستة أنه كان هناك قول بالفرق بين الواحد والمتعدد فيما بواسطة فعلهم كما توهمه بعض تلاميذه فاستشكله وصحح القول الأول وهو أنه لا يبرأ بالأمين حتى يقول أوصلت ووجه تصحيح أنه لا يلزم الرسول إعلان بتلفه إن تلف فقد يتلف قبل إيصاله ولم يخبر مرسله بتلفه لأن الإعلام غير واجب فلم يبرأ المرسل حتى يقول له الرسول أوصلت لعله قد تلف فلم يخبره بتلفه والذي عندى أنه يلزمه الإعلام لأنه من باب النصح لأنه لو لم يخبره لم يكن صاحب الحق يصله حقه ممن كان عليه وإذا أخبره أوصل إليه حقه ولعل هذا هو علة القول بأنه يبرأ بالأمين من الحق ولو لم يقل أوصلت ما لم يقل لم أوصل وذلك أنه ائتمنه على إبراء الذمة وصدقه فلو لم تبرأ لأخبره وإن قلت قوله يلزمه البحث على الوصول يقتضى أنه لا يبرأ بقول الأمين أوصلت وقد يقال أنه يبرأ به قلت أراد البحث ما يشمل البحث عن أن يقول أوصلت فإذا قال هل أوصلت فقال نعم فقد بحث بحثا يجزئه وإنما أجزاء قوله أوصلت مع أنه مدع البراءة مما في يده لأن البراءة بقوله أضروبة مقرونة بعدم الاتهام وبالتصديق والائتمان ولا حاجة والله أعلم إلى أن يقال عدم مطالبة صاحب الحق بحقه دليل على أنه قد أوصل الأمين لأن صاحب الحق قد يموت وقد ينسى وقد ينتظر وقد يتوهم أنه قد أخذ حقه وإن أرسل من عليه الحق مع غير أمين لم يبرأ حتى يعلم بوصوله بشهادة تامة أو إقرار صاحب الحق وقيل إن قال أوصلت وصدقه كان تصديقه حجة فيما بينه وبين الله تعالى. الأمين في العارية مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع (١) أن المستعار أمانة في يد المستعير في حال الاستعمال بالإجماع فأما في غير حال الاستعمال فكذلك عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى مضمون واحتج بما روى أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان درعا يوم حنين فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال ﵊: بل عارية مضمونة ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها فكانت مضمونة القيمة حال هلاكها كالمغصوب وهذا لأن العين اسم للصورة والمعنى وبالهلاك إن عجز عن رد الصورة لم يعجز عن رد المعنى لأن قيمة الشئ معناه فيجب عليه رده بمعناه كما في الغصب ولأنه قبض مال الغير لنفسه فيكون مضمونا

стр. 8853

كالمقبوض على سوم الشراء، ودليلنا أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان فلا يجب عليه الضمان كالوديعة والإجارة وإنما قلنا ذلك لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان أما العقد فلأنه عقد تبرع المنفعة تمليكا أو إباحة على اختلاف الأصلين وأما القبض فلوجهين أحدهما أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان فبالإذن أولى وهذا لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات اليد على مال الغير وحفظه وصيانته عن الهلاك وهذا إحسان في حق المالك قال الله ﵎: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (١) وقال ﵎: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (٢)، دل على أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان فمع الإذن أولى، والوجه الثاني أن القبض المأذون فيه لا يكون تعديا لأنه لا يفوت يد المالك ولا ضمان إلا على المتعدى قال الله ﵎: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ (٣) بخلاف قبض الغضب وأما الاستدلال بضمان الرد. قلنا: إن وجب عليه رد العين حال قيامها لم يجب عليه رد القيمة حال هلاكها وقوله: قيمتها معناه. قلنا ممنوع وهذا لأن القيمة هي الدراهم والدنانير. والدراهم والدنانير عين أخرى لها صورة ومعنى غير العين الأولى فالعجز عن رد أحد العينين لم يوجب رد العين الأخرى وفى باب النصب لا يجب عليه ضمان القيمة بهذا الطريق بل بطريق آخر وهو إتلاف المغصوب معنى لما علم وهنا لم يوجد حتى لو وجد يجب الضمان ثم نقول: إنما وجب عليه ضمان الرد لأن العقد متى انتهى بانتهاء المدة أو بالطلب بقيت العين في يده كالمغصوب والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون القيمة حال هلاكه وعندنا إذا ملكت في تلك الحالة ضمن، وأما قوله: قبض مال الغير لنفسه فنعم لكن قبض مال الغير لنفسه بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان لما ذكرنا فمع الإذن أولى، والمقبوض على سوم الشراء غير مضمون بالقبض بل بالعقد بطريق التعاطى بشرط الخيار الثابت دلالة لما علم ولا حجة للشافعى رحمه الله تعالى في حديث صفوان لأن الرواية قد اختلفت فقد روى أنه هرب من رسول الله ﷺ فأرسل إليه فأمنه وكان رسول الله ﷺ يريد حنينا فقال: هل عندك شئ من السلاح فقال: عارية أو غصبا فقال ﵊: عارية فأعاره ولم يذكر فيه الضمان والحادثة حادثة واحدة مرة واحدة فلا يكون الثابت إلا إحداهما فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج مع إنه إن ثبت فيحتمل ضمان الرد وبه نقول فلا يحمل على ضمان الغير مع الاحتمال، يؤيد ما قلنا ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: العارية مؤداة. ثم قال صاحب البدائع (٤) وأما بيان تغير حالها فالذى يغير حال المستعار من الأمانة إلى الضمان

стр. 8854

ما هو المغير حال الوديعة وهو الإتلاف حقيقة أو معنى بالمنع بعد الطلب أو بعد انقضاء المدة وبترك الحفظ وبالخلاف حتى لو حبس العارية بعد انقضاء المدة أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة يضمن لأنه واجب الرد في هاتين الحالتين لقول النبي ﷺ : العارية مؤداة. وقوله - صلى الله علية وسلم -: على اليد ما أخذت حتى ترده. ولأن حكم العقد انتهى انقضاء المدة أو الطلب فصارت العين في يده كالمغصوب والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون القيمة حال هلاكه، ولو رد العارية مع ابنه أو عبده أو بعض من في عياله أو مع عبد المعير أو ردها بنفسه إلى منزل المالك وجعلها فيه لا يضمن استحسانا والقياس أن يضمن كما في الوديعة وكذا إذا ترك الحفظ حتى ضاعت وكذا إذا خالف إلا أن في باب الوديعة إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن الضمان عند أصحابنا الثلاثة رضى الله تعالى عنهم وهنا لا يبرأ، ولو تصرف المستعير وادعى أن المالك قد أذن له بذلك وجحد المالك فالقول قول المالك حتى يقوم للمستعير على ذلك بينة لأن التصرف منه سبب لوجوب الضمان في الأصل فدعوى الإذن منه دعوى أمر عارض فلا تسمع إلا بدليل. مذهب المالكية: (١) ومن المدونة قال ابن القاسم: العارية مضمونة فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض فإن ادعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو تحرق أو انكسر فهو ضامن وعليه فيما أفسد فسادا يسيرا ما نقصه وإن كان كثيرا ضمن قيمته كله إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه فلا يضمن إلا أن يكون منه تضييع أو تفريط بين فيضمن قال ابن رشد: وإن شرط المستعير أن لا ضمان عليه فيما يغاب فشرطه باطل وعليه الضمان قاله ابن القاسم وأشهب في العتبية وهو عن ابن القاسم أيضا في بعض روايات المدونة قال ابن عرفة: ونقله الجلاب عن المذهب وفى غير نسخة من اللخمى قال ابن القاسم وأشهب: إن شرط أنه مصدق في تلف الثياب وشبهها له شرطه ولا شئ عليه ومن المدونة قال ابن القاسم: كل ما علم بالبينة أنه هلك أو نقص فيما استعير له فلا يضمنه ولا يضمن ما لا يغاب عليه من حيوان أو غيره وهو مصدق في تلفه ولا يضمن شيئا مما أصابه عنه إلا أن يكون بتعديه ولو بشرط قال ابن رشد، إن اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب أوسع قيام البينة فيما يغاب عليه فقول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل حاشا مطرف وقال (٢) ابن رشد في أول سماع عيسى من كتاب الرواحل والدواب الأشياء المقبوضة من أربابها على غير وجه الملك إن قبضت لمنفعة القابض خاصة كالموارى والرهون فالقابض ضامن لما يغاب عليه إلا أن يقيم البينة على التلف ومصدق فيما لا يغاب عليه أنه قد تلف مع يمينه إلا أن يتبين كذبه وإن قبضت لمنفعة أربابها خاصة كالبضائع والودائع فالقابض لها مصدق في دعوى التلف دون يمين إلا أن يتهم فيحلف عينا كان أو عرضا أو حيوانا وإن قبضت لمنفعة الجميع كالقراض والشئ

стр. 8855

المستأجر فكذلك لأنه يعقب منفعة أربابها من جهة أنها ملك لمتاعه ولو شاء لم يدفعه وما يصدق فيه في دعوى التلف من الوديعة والبضاعة والقراض والشئ المستأجر وما لا يغاب عليه من الرهون والعوارى فالقول قوله في دعوى الرد مع يمينه إلا أن يكون قبضه ببينة. مذهب الشافعية: (١) أنه إذا قبض العين ضمنها لما روى صفوان رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين فقال أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة ولأنه مال لغيره أخذه لمنعة نفسه لا على وجه الوثيقة فضمنها كالمغصوب فإن هلكت نظرت فإن كان مما لا مثل له ففى ضمانها وجهان أحدهما يضمنها بأكثر مما كانت قيمتها من حين القبض إلى حين التلف كالمغصوب وتصير الأجزاء تابعة للعين إن سقط ضمانها بالرد سقط ضمان الأجزاء وإن وجب ضمانها بالتلف وجب ضمان الأجزاء والثانى أنها تضمن بقيمتها يوم التلف وهو الصحيح لأنا لو ألزمناه قيمتها أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف أوجبنا ضمان الأجزاء التالفة بالإذن وهذا لا يجوز ولهذا لو كانت العين باقية وقد نقصت أجزاؤها بالاستعمال لم يجب ضمانها وإن كان مما له مثل فإن قلنا فيما لا مثل له أنه يضمن بأكثر ما كانت قيمته لزمه مثلها وإن قلنا إنه يضمن بقيمته يوم التلف ضمنها بقيمتها واختلفت أصحابنا في ولد المستعارة فضمنهم أنه مضمون لأنها مضمونة فضمن ولدها كالمغصوبة ومنهم من قال لا يضمن لأن الولد لم يدخل في الإعارة فلم يدخل في الضمان ويخالف المغصوبة فإن الولد يدخل في الغصب فدخل في الضمان فإن غصب عينا فأعارها من غيره ولم يعلم المستعير وتلفت عنده فضمن المالك المستعير لم يرجع بما غرم على الغاصب لأنه دخل على أنه يضمن العين وإن ضمنه أجرة المنفعة فهل يرجع على الغاصب فيه قولان بناء على القولين فيمن غصب طعاما وقدمه إلى غيره أحدهما يرجع لأنه غره والثانى لا يرجع لأن المنافع تلفت تحت يده. مذهب الحنابلة: جاء في كتاب نيل المآرب (٢): إن العارية لا ضمان فيها في أربع مسائل بالتفريط الأول فيما إذا كانت العارية وقفا ككتب علم وأدراع موقوفة على الغزاة إذا استعارها لينظر فيها أو ليلبسها عند قتال الكفار وسلاح كسيف ورمح، والثانية. فيما إذا اعارها المستأجر والثالثة ما أشار إليها بقوله أو بليت فيما أعيرت له باستعمال بمعرف كما لو تلف الثوب المستعار بلبسه أو ذهب حمل المنشفة أو القطيفة والرابعة ما أشار إليها بقوله أو أركب إنسان دابته إنسانا منقطعا لله تعالى فتلفت الدابة تحت المنقطع لم يضمن تلفها لأنها بيد صاحبها لكون الراكب لم ينفرد بحفظها أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف

стр. 8856

فحرق عليه فإنه لا يضمنه كرديف ربها أي كما لو أردف إنسانا خلفه على دابته فتلفت تحتهما، ومن استعار ليرهن فالمرتهن أمين لا يضمن إلا بالتعدى أو التفريط ويضمن العين المستعير سواء تلفت تحت يده أو تحت يد المرتهن. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (١): العارية غير مضمونة إن تلفت من غير تعدى المستعير وسواء ما غيب عليه من العوارى وما لم يغب عليه منها فإن إدعى عليه أنه تعدى أو أضاعها حتى تلفت أو عرض فيها عارض فإن قامت بذلك بينة أو أقر ضمن بلا خلاف وإن لم تقم بينة ولا أقر لزمته المين وبرئ لأنه مدعى عليه وقضى رسول الله ﷺ باليمين على المدعى عليه، وقد روى (٢) عن عمر وعلى كما روينا من طريق ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن علي بن صالح بن حى عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبى طالب قال: العارية ليست بيعا ولا مضمونة إنما هو معروف إلا أن يخالف فيضمن وهذا صحيح عن علي ومن طريق عبد الرزاق حدثنا قيس بن الربيع عن الحجاج بن أرطأة عن هلال الوزان عن عبد الله بن حكيم قال عمر بن الخطاب: العارية بمنزلة الوديعة ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى وهو قول إبراهيم النخعى وعمر بن عبد العزيز والزهرى وغيرهم وهو قول أبي سليمان. قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام فصح أن مال المعير محرم إلا أن يوجبه نص قرآن أو سنة ولم يوجبه قط نص منهما" وقال الله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ (٥). والمستعير ما لم يتعد ولا ضيع محسن فلا سبيل عليه بنص القرآن والغرم سبيل بيقين فلا غرم عليه. مذهب الزيدية: (٦) جاء في التاج المذهب العارية هي كالوديعة في جميع أحكامها إلا في أمرين أحدهما: لزوم ضمان ما ضمن منها ونحوه وهو أن يستعير العين ليرهنها وكذا طلب الرهن وسواء كان الشارط للضمان المعير أو المستعير فيضمن العين بعد قبضها إن تلفت بأوفر القيم من يوم القبض إلى التلف إن قارن التضمين وإلا ضمن يوم التضمين. وأن جهله المستعير أي وإن جهل التضمين لم يسقط عنه الضمان. وصورة ذلك: أن يرسل رسولا يستعير له فيستعير ويشرط، عليه المعير الضمان فيضمن المرسل سواء أداها إليه أم لا أخبره بالضمان أم لا لأن قبض الرسول

стр. 8857

كاف فإن جنى أو فرط كان الضمان بخلاف الوديعة فلا تضمن بالتضمين. وإذا ولدت العارية المضمنة لم يدخل أولادها في الضمان ولا في العارية بل يكون أمانة كما يلقيه طائر في ملك. والأمر الثاني وجوب الرد على المستعير للعارية متى انقضت مدة العارية وتكفى التخلية ومدتها من مدة العارية بخلاف الوديعة فإنه لا يجب عليه ردها فإن شرط في العارية عدم الرد صح الشرط. مذهب الإمامية: جاء في شرائع الإسلام: (١) أن العارية أمانة لا تضمن إلا بالتفريط في الحفظ أو التعدى أو اشتراط الضمان وتضمن إذا كانت ذهبا أو فضة و إن لم يشترط سقوط الضمان. وإذا رد العارية إلى المالك أو وكيله برئ ولو ردها إلى الحرز لم يبرأ ولو استعار الدابة إلى مسافة فجاوزها ضمن. ولو أعادها إلى الأولى لم يبرأ، ويجوز للمستعير بيع غروسه وأبنيته في الأرض المستعارة للمعير وبقره على الأشبه، وإذا حملت الأهوية أو السيول حبا إلى ملك إنسان فنبت كان لصاحب الأرض إزالته ولا يضمن الأرض كما في أغصان الشجرة البارزة إلى ملكه، ولو نقصت بالاستعمال ثم تلفت وقد شرط ضمانها ضمن قيمتها يوم تلفها لأن النقصان المذكور غير مضمون. وإذا قال الراكب أعرتنيها وقال المالك أجرتكها فالقول قول الراكب لأن المالك مدعى الأجرة وقيل القول قول المالك في عدم العارية فإذا حلف سقطت دعوى الراكب وتثبت عليه أجرة المثل، لا المسمى، وهو أشبه ولو كان الاختلاف عقيب العقد من غير انتفاع كان القول قول الراكب لأن المالك يدعى عقدا وهذا ينكره، وإذا استعار شيئا لينتفع به في شئ فانتفع به في غيره ضمن، وإن كان له أجرة لزمته أجرة مثله، وإذا جحد العارية بطل استئمانه ولزمه الضمان مع ثبوت الإعارة. وإذا ادعى التلف فالقول قوله مع يمينه ولو ادعى الرد فالقول قول المالك مع يمينه. ولو فرط في العارية كان عليه قيمتها عند التلف إذا لم يكن لها مثل وقيل: أعلى القيم من حين التفريط إلى وقت التلف والأول أشبه. ولو اختلفا في القيمة كان القول قول المستعير، وقيل قول المالك. والأول أشبه ثم قال: (٢) أنه لو نقصت العين المعارة بالاستعمال لم يضمن المستعير النقص لاستناد التلف - أي تلف البعض الذي هو النقص - إلى فعل مأذون فيه ولو من جهة الإطلاق - أي إطلاق الإذن وتقييده بالنقص قد يفهم أنها لو تلفت به - أي بالاستعمال - ضمنها وهو أحد القولين في المسألة لعدم تناول الإذن للاستعمال المتلف عرفا وإن دخل في الإطلاق فيضمنها آخر حالات التقويم، وقيل: لا يضمن أيضا كالنقص لما ذكر من الوجه وهو إطلاق الإذن في التصرف وهو الوجه أي وهو الصحيح. ويضمن العارية

стр. 8858

باشتراط الضمان عملا بالشرط المأمور بالكون معه - في قوله ﷺ "المؤمنون عند شروطهم" أي كائنون مع شروطهم لا يفارقونها بالتخلف - سواء شرط ضمان العين أم الأجزاء أم هما معا فيتبع شرطه، ويضمن العارية إذا كانت ذهبا أو فضة من غير اشتراط الضمان. سواء كانا دنانير ودراهم أم لا على أصح القولين لأن فيه جمعا بين النصوص المختلفة. وقيل يختص الضمان بالنقدين استنادا إلى الجمع - أي الجمع بين النصوص المختلفة أيضا وإلى الحكمة الباعثة على الحكم وهى ضعف المنفعة المطلوبة منهما بدون الإنفاق. فكانت عاريتهما موجبة بالذات كما يوجب التلف فيضمنان بها. . أي بعاريتهما - ويضعف بأن الشرط الانتفاع بهما مع بقائهما، وضعف المنفعة حينئذ لا مدخل له في اختلاف الحكم وتقدير منفعة الإنفاق وحكم بغير الواقع، أي هو فرض على خلاف الواقع لأن الحكم بكون عارية الذهب والفضة موجبة بالذات للتلف حكم بغير الواقع، لأن الواقع بقاء العين في عاريتهما أيضا - ولو ادعى المستعير التلف حلف لأنه أمين فيقبل قوله فيه - أي في التلف كغيره - أي كغير المستعير من بقية الأمناء. . سواء ادعى التلف بأمر ظاهر كالاحراق والفرق والتخيُّس أو ادعى التلف بأمر خفى كالسرقة. ولا مكان صدقه فلو لم يقبل قوله لزم تخليده في الحبس، بيان ذلك أن المالك يطلب عين ماله ويدعى بقاءها، فلو لم يقبل الحاكم قول المستعير في تلفها معناه مطالبته برد العين مع أنها تالفة إما بالتلف الظاهرى كالإحراق، أو الخفى كالسرقة، ومن الجائز صدقه في التلف فيلزم حينئذ أي حين عدم قبول الحاكم قوله حبسه اللازم منه تخليده في الحبس. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (١) إن حكم العارية إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير الضمان بحديث "العارية مضمونة" رواه أبو داود وغيره ولأنها مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه والصحيح أن لا ضمان على المستعير بآتٍ من قبل الله وبما لا طاقة عليه منه ولا تضييع فيه فيؤول إليه حديث أبي داود وغيره كما أول حديث الاستعارة من صفوان على خلاف كما قال المصنف (فقيل ليس فيه) أي في الحديث بالرواية الأخيرة وهى مضمونة مؤداة ولا سيما الأولى في قوله مضمونة مؤداة، موجب ضمان لأنها كأمانة ومعنى كونها مضمونة مؤداه أنه لزم مستعيرها حفظها لدخولها يده فلا يهملها كما يهمل غيره مما لم يدخل يده، حتى إنه إن لم يحفظها لزمه غرمها فهذا معنى كونها مضمونة، وردها لربها لا يتملكها ولا يحبسها عنه ولا يتلفها فهذا معنى كونها مؤداة. . والمختار أن المستعير متى شرط هو على نفسه الرد أو شرط عليه أو تعدى فيها ضمنها إن تلفت وهو الموافق للسنة من أن المؤمنين على شروطهم وأنه لا ضمان في الأمانة إلا بتعد والعارية من باب الأمانة وزادت قوة على الأمانة من حيث إنه يأخذها للانتفاع

стр. 8859

فكان يلزمه غرمها إذا شرط الرد أو شرطه المستعير ولا يضمن الأمانة ولو شرط عليه ضمانها إلا بتعد أو تضييع وقيل: يضمنها. وكذا الخلاف في كل ما لا يلزم ضمانه في الشرع إذا شرط الضمان وبالعكس، ومقابل المختار عدم ضمان العارية إن لم يتعد ولم يضيع ولو كان الضمان مشروطًا بينهما أو شرط الرد بينهما وهذا بناء على أن أصلها غير الضمان وما أصله غير الضمان لا يوجب اشتراط الضمان فيه ضمانه، كما أن أصل ما كان مضمونا لا يبطل ضمانه بالشرط، والأكثر أنه إذا اشترط الضمان ضمن ويقابل المختار أيضا قول آخر: أنه يلزم ضمان العارية ولو لم يشترط ضمانها ولم يتعد ولم يضع، واستدل على هذا بقوله ﷺ "كل يد ترد ما أخذت". الأمين في اللقطة مذهب الحنفية: (١) جاء في الهداية وشروحها أن اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعا بل هو الأفضل عند عامة العلماء وهو الواجب إذا خاف الضياع على ما قالوا، وفى بدائع (٢) الصنائع أن للقطة بعد الأخذ حالين. في حال هي أمانة وفى حال هي مضمونة. أما حالة الأمانة فهى أن يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة فكانت يده يد أمانة كيد المودع وأما حالة الضمان فهى أن يأخذها لنفسه لأن المأخوذ لنفسه مغصوب وهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في شئ آخر وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما بالتصديق أو باليمين حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذلك عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أشهد أو لم يشهد ويكون القول قول الملتقط مع يمينه وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن أشهد فلا ضمان عليه لأنه بالإشهاد ظهر أن الأخذ كان لصاحبه فظهر أن يده يد أمانة وإن لم يشهد يجب عليه الضمان. ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان لأنه أقر بالغصب والمغصوب مضمون على الغاصب ووجه قول أبي يوسف ومحمد أن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه لأن الشرع إنما مكنه من الأخذ بهذه الجهة فكان إقدامه على الأخذ دليلا على أنه أخذ بالوجه المشروع فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ولكن مع الحلف لأن القول قول الأمين مع اليمين ولأبى رحمه الله تعالى وجهان أحدهما أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب وجود الضمان في الأصل إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة بأن أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سببا وذلك إنما يعرف بالإشهاد فإذا لم يشهد لم

стр. 8860

يعرف كون الأخذ لصاحبه فبقى الأخذ سببا في حق وجوب الضمان على الأصل، والوجه الثاني أن الأصل أن عمل كل إنسان له لا لغيره بقوله : ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ (٢) فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها وأخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان لأنه غصب وإنما يعرف الأخذ لصاحبها بالإشهاد فإذا لم يوجد أن الأخذ لنفسه فيجب عليه الضمان. ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر الرواية وكذا نص عليه محمد في الموطأ وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى قالوا، هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم ردها إلى مكانها يضمن وجواب ظاهر الرواية مطلق عن هذا التفضيل مستغن عن هذا التأويل وقال الشافعي رحمه الله تعالى يضمن سواء ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب ووجه قوله أنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة فإذا ردها إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم فأشبه الوديعة إذا لقاها المودع على قارعة الطريق حتى ضاعت ودليلنا أنه أخذها محتسبا متبرعا ليحفظها على صاحبها فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل فصار كأنه لم يأخذها أصلا وبه تبين أنه لم يلزم الحفظ وإنما تبرع به وقد رده بالرد إلى مكانها فارتد وجعل كأن لم يكن. هذا إذا كان أخذها لصاحبها ثم ردها إلى مكانها فضاعت وصدقه صاحبها فيه أو كذبه لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يجب عليه الضمان سواء أشهد أو لم يشهد ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها لصاحبها على ما ذكرنا ثم تفسير الإشهاد على اللقطة أن يقول الملتقط بمسمع من الناس: إنى التقطت لقطة أو عندى لقطة فأى الناس أنشدها فدلوه عليّ أو يقول: عندى شئ فمن رأيتموه يسأل شيئا فدلوه عليّ، فإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها فقال الملتقط: قد هلكت كان القول قوله ولا ضمان عليه بالإجماع وإن كان عنده عشر لقطات لأن اسم الشئ واللقطة منكرا إن كان يقع على شئ واحد ولقطة واحدة لغة لكن في مثل هذا الموضع يراد بها كل الجنس في العرف والعادة لا فرد من الجنس إذ المقصود من التعريف إيصال الحق إلى المستحق ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد فكان هذا إشهادا على الكل بدلالة العرف والعادة ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك لأنه ظهر أنه أخذها غصبا فكان الواجب عليه الرد إلى المالك لقول النبي - صلى الله علية وسلم - على اليد ما أخذت حتى ترده فإذا عجز عن رد العين يجب عليه بدلها كما في الغصب وكذلك إذا أخذ الضالة ثم أرسلها إلى مكانها الذي أخذها منه
следующие страницы →