فحرق عليه فإنه لا يضمنه كرديف ربها أي كما لو أردف إنسانا خلفه على دابته فتلفت تحتهما، ومن استعار ليرهن فالمرتهن أمين لا يضمن إلا بالتعدى أو التفريط ويضمن العين المستعير سواء تلفت تحت يده أو تحت يد المرتهن.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (١): العارية غير مضمونة إن تلفت من غير تعدى المستعير وسواء ما غيب عليه من العوارى وما لم يغب عليه منها فإن إدعى عليه أنه تعدى أو أضاعها حتى تلفت أو عرض فيها عارض فإن قامت بذلك بينة أو أقر ضمن بلا خلاف وإن لم تقم بينة ولا أقر لزمته المين وبرئ لأنه مدعى عليه وقضى رسول الله ﷺ باليمين على المدعى عليه، وقد روى (٢) عن عمر وعلى كما روينا من طريق ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن علي بن صالح بن حى عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبى طالب قال: العارية ليست بيعا ولا مضمونة إنما هو معروف إلا أن يخالف فيضمن وهذا صحيح عن علي ومن طريق عبد الرزاق حدثنا قيس بن الربيع عن الحجاج بن أرطأة عن هلال الوزان عن عبد الله بن حكيم قال عمر بن الخطاب: العارية بمنزلة الوديعة ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى وهو قول إبراهيم النخعى وعمر بن عبد العزيز والزهرى وغيرهم وهو قول أبي سليمان. قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام فصح أن مال المعير محرم إلا أن يوجبه نص قرآن أو سنة ولم يوجبه قط نص منهما" وقال الله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ (٥). والمستعير ما لم يتعد ولا ضيع محسن فلا سبيل عليه بنص القرآن والغرم سبيل بيقين فلا غرم عليه.
مذهب الزيدية: (٦)
جاء في التاج المذهب العارية هي كالوديعة في جميع أحكامها إلا في أمرين أحدهما: لزوم ضمان ما ضمن منها ونحوه وهو أن يستعير العين ليرهنها وكذا طلب الرهن وسواء كان الشارط للضمان المعير أو المستعير فيضمن العين بعد قبضها إن تلفت بأوفر القيم من يوم القبض إلى التلف إن قارن التضمين وإلا ضمن يوم التضمين. وأن جهله المستعير أي وإن جهل التضمين لم يسقط عنه الضمان. وصورة ذلك: أن يرسل رسولا يستعير له فيستعير ويشرط، عليه المعير الضمان فيضمن المرسل سواء أداها إليه أم لا أخبره بالضمان أم لا لأن قبض الرسول
стр. 8857
كاف فإن جنى أو فرط كان الضمان بخلاف الوديعة فلا تضمن بالتضمين. وإذا ولدت العارية المضمنة لم يدخل أولادها في الضمان ولا في العارية بل يكون أمانة كما يلقيه طائر في ملك. والأمر الثاني وجوب الرد على المستعير للعارية متى انقضت مدة العارية وتكفى التخلية ومدتها من مدة العارية بخلاف الوديعة فإنه لا يجب عليه ردها فإن شرط في العارية عدم الرد صح الشرط.
مذهب الإمامية:
جاء في شرائع الإسلام: (١) أن العارية أمانة لا تضمن إلا بالتفريط في الحفظ أو التعدى أو اشتراط الضمان وتضمن إذا كانت ذهبا أو فضة و إن لم يشترط سقوط الضمان. وإذا رد العارية إلى المالك أو وكيله برئ ولو ردها إلى الحرز لم يبرأ ولو استعار الدابة إلى مسافة فجاوزها ضمن. ولو أعادها إلى الأولى لم يبرأ، ويجوز للمستعير بيع غروسه وأبنيته في الأرض المستعارة للمعير وبقره على الأشبه، وإذا حملت الأهوية أو السيول حبا إلى ملك إنسان فنبت كان لصاحب الأرض إزالته ولا يضمن الأرض كما في أغصان الشجرة البارزة إلى ملكه، ولو نقصت بالاستعمال ثم تلفت وقد شرط ضمانها ضمن قيمتها يوم تلفها لأن النقصان المذكور غير مضمون. وإذا قال الراكب أعرتنيها وقال المالك أجرتكها فالقول قول الراكب لأن المالك مدعى الأجرة وقيل القول قول المالك في عدم العارية فإذا حلف سقطت دعوى الراكب وتثبت عليه أجرة المثل، لا المسمى، وهو أشبه ولو كان الاختلاف عقيب العقد من غير انتفاع كان القول قول الراكب لأن المالك يدعى عقدا وهذا ينكره، وإذا استعار شيئا لينتفع به في شئ فانتفع به في غيره ضمن، وإن كان له أجرة لزمته أجرة مثله، وإذا جحد العارية بطل استئمانه ولزمه الضمان مع ثبوت الإعارة. وإذا ادعى التلف فالقول قوله مع يمينه ولو ادعى الرد فالقول قول المالك مع يمينه. ولو فرط في العارية كان عليه قيمتها عند التلف إذا لم يكن لها مثل وقيل: أعلى القيم من حين التفريط إلى وقت التلف والأول أشبه. ولو اختلفا في القيمة كان القول قول المستعير، وقيل قول المالك. والأول أشبه ثم قال: (٢) أنه لو نقصت العين المعارة بالاستعمال لم يضمن المستعير النقص لاستناد التلف - أي تلف البعض الذي هو النقص - إلى فعل مأذون فيه ولو من جهة الإطلاق - أي إطلاق الإذن وتقييده بالنقص قد يفهم أنها لو تلفت به - أي بالاستعمال - ضمنها وهو أحد القولين في المسألة لعدم تناول الإذن للاستعمال المتلف عرفا وإن دخل في الإطلاق فيضمنها آخر حالات التقويم، وقيل: لا يضمن أيضا كالنقص لما ذكر من الوجه وهو إطلاق الإذن في التصرف وهو الوجه أي وهو الصحيح. ويضمن العارية
стр. 8858
باشتراط الضمان عملا بالشرط المأمور بالكون معه - في قوله ﷺ "المؤمنون عند شروطهم" أي كائنون مع شروطهم لا يفارقونها بالتخلف - سواء شرط ضمان العين أم الأجزاء أم هما معا فيتبع شرطه، ويضمن العارية إذا كانت ذهبا أو فضة من غير اشتراط الضمان. سواء كانا دنانير ودراهم أم لا على أصح القولين لأن فيه جمعا بين النصوص المختلفة. وقيل يختص الضمان بالنقدين استنادا إلى الجمع - أي الجمع بين النصوص المختلفة أيضا وإلى الحكمة الباعثة على الحكم وهى ضعف المنفعة المطلوبة منهما بدون الإنفاق. فكانت عاريتهما موجبة بالذات كما يوجب التلف فيضمنان بها. . أي بعاريتهما - ويضعف بأن الشرط الانتفاع بهما مع بقائهما، وضعف المنفعة حينئذ لا مدخل له في اختلاف الحكم وتقدير منفعة الإنفاق وحكم بغير الواقع، أي هو فرض على خلاف الواقع لأن الحكم بكون عارية الذهب والفضة موجبة بالذات للتلف حكم بغير الواقع، لأن الواقع بقاء العين في عاريتهما أيضا - ولو ادعى المستعير التلف حلف لأنه أمين فيقبل قوله فيه - أي في التلف كغيره - أي كغير المستعير من بقية الأمناء. . سواء ادعى التلف بأمر ظاهر كالاحراق والفرق والتخيُّس أو ادعى التلف بأمر خفى كالسرقة. ولا مكان صدقه فلو لم يقبل قوله لزم تخليده في الحبس، بيان ذلك أن المالك يطلب عين ماله ويدعى بقاءها، فلو لم يقبل الحاكم قول المستعير في تلفها معناه مطالبته برد العين مع أنها تالفة إما بالتلف الظاهرى كالإحراق، أو الخفى كالسرقة، ومن الجائز صدقه في التلف فيلزم حينئذ أي حين عدم قبول الحاكم قوله حبسه اللازم منه تخليده في الحبس.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (١) إن حكم العارية إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير الضمان بحديث "العارية مضمونة" رواه أبو داود وغيره ولأنها مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه والصحيح أن لا ضمان على المستعير بآتٍ من قبل الله وبما لا طاقة عليه منه ولا تضييع فيه فيؤول إليه حديث أبي داود وغيره كما أول حديث الاستعارة من صفوان على خلاف كما قال المصنف (فقيل ليس فيه) أي في الحديث بالرواية الأخيرة وهى مضمونة مؤداة ولا سيما الأولى في قوله مضمونة مؤداة، موجب ضمان لأنها كأمانة ومعنى كونها مضمونة مؤداه أنه لزم مستعيرها حفظها لدخولها يده فلا يهملها كما يهمل غيره مما لم يدخل يده، حتى إنه إن لم يحفظها لزمه غرمها فهذا معنى كونها مضمونة، وردها لربها لا يتملكها ولا يحبسها عنه ولا يتلفها فهذا معنى كونها مؤداة. . والمختار أن المستعير متى شرط هو على نفسه الرد أو شرط عليه أو تعدى فيها ضمنها إن تلفت وهو الموافق للسنة من أن المؤمنين على شروطهم وأنه لا ضمان في الأمانة إلا بتعد والعارية من باب الأمانة وزادت قوة على الأمانة من حيث إنه يأخذها للانتفاع
стр. 8859
فكان يلزمه غرمها إذا شرط الرد أو شرطه المستعير ولا يضمن الأمانة ولو شرط عليه ضمانها إلا بتعد أو تضييع وقيل: يضمنها. وكذا الخلاف في كل ما لا يلزم ضمانه في الشرع إذا شرط الضمان وبالعكس، ومقابل المختار عدم ضمان العارية إن لم يتعد ولم يضيع ولو كان الضمان مشروطًا بينهما أو شرط الرد بينهما وهذا بناء على أن أصلها غير الضمان وما أصله غير الضمان لا يوجب اشتراط الضمان فيه ضمانه، كما أن أصل ما كان مضمونا لا يبطل ضمانه بالشرط، والأكثر أنه إذا اشترط الضمان ضمن ويقابل المختار أيضا قول آخر: أنه يلزم ضمان العارية ولو لم يشترط ضمانها ولم يتعد ولم يضع، واستدل على هذا بقوله ﷺ "كل يد ترد ما أخذت".
الأمين في اللقطة
مذهب الحنفية: (١)
جاء في الهداية وشروحها أن اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعا بل هو الأفضل عند عامة العلماء وهو الواجب إذا خاف الضياع على ما قالوا، وفى بدائع (٢) الصنائع أن للقطة بعد الأخذ حالين. في حال هي أمانة وفى حال هي مضمونة. أما حالة الأمانة فهى أن يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة فكانت يده يد أمانة كيد المودع وأما حالة الضمان فهى أن يأخذها لنفسه لأن المأخوذ لنفسه مغصوب وهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في شئ آخر وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما بالتصديق أو باليمين حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذلك عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أشهد أو لم يشهد ويكون القول قول الملتقط مع يمينه وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن أشهد فلا ضمان عليه لأنه بالإشهاد ظهر أن الأخذ كان لصاحبه فظهر أن يده يد أمانة وإن لم يشهد يجب عليه الضمان. ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان لأنه أقر بالغصب والمغصوب مضمون على الغاصب ووجه قول أبي يوسف ومحمد أن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه لأن الشرع إنما مكنه من الأخذ بهذه الجهة فكان إقدامه على الأخذ دليلا على أنه أخذ بالوجه المشروع فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ولكن مع الحلف لأن القول قول الأمين مع اليمين ولأبى رحمه الله تعالى وجهان أحدهما أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب وجود الضمان في الأصل إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة بأن أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سببا وذلك إنما يعرف بالإشهاد فإذا لم يشهد لم
стр. 8860
يعرف كون الأخذ لصاحبه فبقى الأخذ سببا في حق وجوب الضمان على الأصل، والوجه الثاني أن الأصل أن عمل كل إنسان له لا لغيره بقوله : ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ (٢) فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها وأخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان لأنه غصب وإنما يعرف الأخذ لصاحبها بالإشهاد فإذا لم يوجد أن الأخذ لنفسه فيجب عليه الضمان. ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر الرواية وكذا نص عليه محمد في الموطأ وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى قالوا، هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم ردها إلى مكانها يضمن وجواب ظاهر الرواية مطلق عن هذا التفضيل مستغن عن هذا التأويل وقال الشافعي رحمه الله تعالى يضمن سواء ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب ووجه قوله أنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة فإذا ردها إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم فأشبه الوديعة إذا لقاها المودع على قارعة الطريق حتى ضاعت ودليلنا أنه أخذها محتسبا متبرعا ليحفظها على صاحبها فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل فصار كأنه لم يأخذها أصلا وبه تبين أنه لم يلزم الحفظ وإنما تبرع به وقد رده بالرد إلى مكانها فارتد وجعل كأن لم يكن. هذا إذا كان أخذها لصاحبها ثم ردها إلى مكانها فضاعت وصدقه صاحبها فيه أو كذبه لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يجب عليه الضمان سواء أشهد أو لم يشهد ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها لصاحبها على ما ذكرنا ثم تفسير الإشهاد على اللقطة أن يقول الملتقط بمسمع من الناس: إنى التقطت لقطة أو عندى لقطة فأى الناس أنشدها فدلوه عليّ أو يقول: عندى شئ فمن رأيتموه يسأل شيئا فدلوه عليّ، فإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها فقال الملتقط: قد هلكت كان القول قوله ولا ضمان عليه بالإجماع وإن كان عنده عشر لقطات لأن اسم الشئ واللقطة منكرا إن كان يقع على شئ واحد ولقطة واحدة لغة لكن في مثل هذا الموضع يراد بها كل الجنس في العرف والعادة لا فرد من الجنس إذ المقصود من التعريف إيصال الحق إلى المستحق ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد فكان هذا إشهادا على الكل بدلالة العرف والعادة ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك لأنه ظهر أنه أخذها غصبا فكان الواجب عليه الرد إلى المالك لقول النبي - صلى الله علية وسلم - على اليد ما أخذت حتى ترده فإذا عجز عن رد العين يجب عليه بدلها كما في الغصب وكذلك إذا أخذ الضالة ثم أرسلها إلى مكانها الذي أخذها منه
стр. 8861
فحكمها حكم اللقطة لأن هذا أحد نوعى اللقطة وقد روينا في هذا الباب عن سيدنا عمر ﵁ أنه قال لواجد البعير الضال: أرسله حيث وجدته وهذا يدل على انتفاء وجوب الضمان.
مذهب المالكية:
لو ادعى (١) صاحب اللقطة على الملتقط أنه التقط اللقطة ليذهب بها فالقول قول الملتقط أنه التقطها ليعرف بها بغير يمين وهذا ما قاله ابن عبد السلام وأشهب وما عزاه لأشهب هو في المدونة ونصها وإن ضاعت اللقطة من الملتقط لم يضمن قال ابن يونس قال أشهب وابن نافع وعليه اليمين ومذهب الكتاب في هذا لا يحق عليه إلا أن يتهم وقال ابن رشد وهذا من كلام أبي الحسن ونحوه في التوضيح ثم قال في المدونة وإن قال له ربها أخذتها لتذهب بها وقال الملتقط بل لأعرفها صدق المتقط قال ابن يونس قال أشهب بلا يمين، وقال ابن رشد في المقدمات ولا يعرف الوجه الذي التقطها عليه إلا من قبله فإن تلفت عنده أو ادعى تلفها وادعى أنه أخذها ليحرزها على صاحبها فهو مصدق دون يمين إلا أن يتهم وسواء أشهد حين التقطها أو لم يشهد على مذهب الإمام مالك ﵁ (٢) ثم قال والعبد إذا أبق من الذي هو في يده فلا ضمان عليه ثم بالغ فقال وإن كان الذي هو في يده أخذه من ربه على جهة الرهن لكن يحلف في مسألة الرهن لأنه إذا أبق منه قال الوجداجى فلا يخلو من أن يهرب من الدار أو يرسله إلى بعض حوائجه فإن أبق من داره فإن ظهر ذلك واشتهر قبل قوله بلا يمين قولا واحدا كان ممن يتهم أم لا فإن لم يكن إلا دعواه هل يحلف أم لا المذهب على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يمين عليه وهو ظاهر المدونة والثانى أنه يحلف لقد انفلت منه غير تفريط وهو قول ابن الماجشون والثالث إن كان من أهل التهمة حلف وإلا فلا وإن أرسله في حاجة خفيفة فلا ضمان عليه وإن أرسله في حاجة يأبق في مثلها فهو ضامن وهو قول أشهب في كتابه.
مذهب الشافعية:
جاء في نهاية (٣) المحتاج: أنهم أجمعوا على جواز أخذ اللقطة في الجملة لأحاديث فيها يأتى بعضها مع أن الآيات الشاملة للبر والإحسان تشملها. وفى اللقَّط معنى الأمانة إذ لا يضمنها. والولاية الدلالة على حفظها كالولى في مال المحجور والاكتساب بتملكها بشرطه وهو المغلب فيها ويستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه لما فيه من البر بل قال جمع يكره تركه لئلا تقع في يد خائن وقيل يجب حفظ المال لآدمى كنفسه ورد بأنها أمانة أو كسب وكل منهما غير واجب ابتداء وما ذكره بعضهم من وجوبها حيث لم يكن ثم غيره: ثم قال (٤): ولا يستحب لغير واثق بأمانة نفسه مع عدم فسقه خشية الضياع أو طرد الخيانة ويجوز له مع ذلك الالتقاط في الأصح لأن خيانته لم تتحقق وعليه الاحتراز أما إذا علم من نفسه الخيانة فيحرم عليه قبولها كالوديعة وقد صرح بذلك ابن سراقة، والثانى لا يجوز خشية استهلاكها.
стр. 8862
وجاء في المذهب (١): هل يجب أخذ اللقطة روى المزنى أنه قال لا أحب تركها وقال في الأم لا يجوز تركها فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يجب لأنها أمانة فلم يجب أخذها كالوديعة والثانى يجب لما روى ابن مسعود أن النبى ﷺ قال حرمة مال المؤمن كحرمة دمه ولو خاف على نفسه لوجب حفظها فكذلك إذا خاف على ماله وقال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما إن كانت في موضع لا يخاف عليها لأمانة أهله لم يجب عليه لأن غيره يقوم مقامه في حفظها وإن كان في موضع يخاف عليها لقلة أمانة أهله وجب لأن غيره لا يقوم مقامه فتعين عليه وحمل القولين على هذين الحالين فإن تركها ولم يأخذها لم يضمن لأن المال إنما يضمن باليد أو بالإتلاف ولم يوجد شئ من ذلك ولهذا لا يضمن الوديعة إذا ترك أخذها كاللقطة ثم قال (٢): وإذا أخذ اللقطة فهو بالخيار بين أن يمسكها ويتطوع بالإنفاق عليها ويعرفها حولا ثم يملكها وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها ثم يملك الثمن وبين أن يأكلها ويغرم بدلها ويعرفها، فإن أراد البيع ولم يقدر على الحاكم باعها بنفسه لأنه موضع ضرورة وإن قدر على الحاكم ففيه وجهان أحدهما ألا يبيع إلا بإذنه لأن الحاكم له ولاية ولا ولاية للملتقط والثانى يبيع من غير إذنه لأنه قد قام مقام المالك فقام مقامه في البيع وإن أكل فهل يلزمه أن يعزل البدل مدة التصريف فيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأن كل حالة جاز أن يستبيح أكل اللقطة لم يلزمه عزل البدل كما بعد الحول ولأنه إذا لم يعزل كان البدل قرضا في ذمته وإذا عزله كان أمانة والقرض أحوط من الأمانة والثانى يلزمه عزل البدل لأنه أشبه بأحكام اللقطة فإن من حكم اللقطة أن تكون أمانة قبل الحول وقرضا بعد الحول فيصير البدل كاللقطة إن شاء حفظها له وإن شاء عرفها ثم تملك ثم قال: (٣) وإن وجد المحجور عليه لسفه أو جنون أو صغر لقطة صح التقاطه لأنه كسب بفعل فصح من المحجور عليه كالاصطياد وعلى الناظر في أمره أن ينتزعها منه يعرفها لأن اللقطة في مدة التعريف أمانة والمحجور عليه ليس من أهل الأمانة إن كان ممن يجوز الاقتراض عليه تملكها له وإن كان ممن لا يجوز الاقتراض عليه لم يتملك له لأن التملك بالالتقاط كالتملك بالاقتراض في ضمان البدل وإن وجد الفاسق لقطة لم يأخذها لأنه لا يؤمن أن لا يؤدى الأمانة فيها فإن التقطها ففيه قولان أحدهما لا تقر في يده وهو الصحيح لأن الملتقط قبل الحول كالولى في حق الصغير والفاسق ليس من أهل الولاية في المال والثانى أن تقر في يده لأنه كسب بفعل فأقر في يده كالصيد فعلى هذا يضم إليه من يشرف عليه وهل يجوز أن ينفرد بالتعريف فيه قولان أحدهما يجوز لأن التعريف لا يفتقر إلى الأمانة والثانى لا يجوز حتى يكون معه من يشرف عليه لأنه لا يؤمن أن يفرط في التعريف فإذا عرفه ملكه لأنه من أهل التملك.
стр. 8863
مذهب الحنابلة: (١) جاء في المغنى أن اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه كالوديعة ومتى جاء صاحبها فوجدها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة لأنها نماء ملكه وإن أتلفها الملتقط أو تلفت بتفريطه ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال وبقيمتها إن لم يكن لها مثل لا أعلم في هذا خلافا وإن تلفت بعد الحول ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال لأنها دخلت في ملكه وتلفت من ماله وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط وإن وجد العين ناقصة وكان نقصها بعد الحول أخذ العين وإن نقصها لأن جميعها مضمون إذا تلفت فكذلك إذا نقصت وهذا قول أكثر العلماء الذين حكموا بملكه لها بمضى حول التعريف وأما من قال لا يملكها حتى يتملكها لم يضمنه اياها حتى يتملكها وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضى حول التعريف.
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى (٢): من وجد مالا فى قرية أو مدينة أو صحراء فى أرض العجم أو أرض العرب العنوة أو الصلح مدفونا أو غير مدفون إلا أن عليه علامة أنه من ضرب مدة الإسلام أو وجد مالا قد سقط أى مال كان فهو لقطة وفرض عليه أخذة وأن يشهد عليه عدلا واحدا فأكثر ثم يعرضه ولا يأتى بعلامته لكن تعريفه هو أن يقول في المجامع الذي يرجو وجود صاحبه فيها أولا يرجوه من ضاع له مال فليخبر بعلامته فلا يزال كذلك سنة قمرية فإن جاء من يقيم عليه بينة أو من يصف عفاصه ويصدق في صفته ويصف وعاءه ويصدق فيه ويصف رباطه ويصدق فيه ويعرف عدده ويصدق فيه أو يعرف ما كان له من هذا. دفعها إليه كانت له بينة أولم تكن ويجبر الواحد على دفعه إليه ولا ضمان عليه بعد ذلك، ولو جاء من يثبته ببينة. فإن لم يأت أحد يصدق في صفته بما ذكرنا ولا بينة فهو عند تمام السنة مال من مال الواجد غنيا كان أو فقيرا يفعل فيه ما شاء ويورث عنه إلا أنه متى قدم من يقيم فيه بينة أو يصف شيئا مما ذكرنا فيصدق ضمنه له إن كان حيا أو ضمته له الورثة إن كان الواجد له ميتا فإن كان ما وجد شيئا واحدا لدينار واحد أو درهم واحد أو لؤلؤة واحدة أو ثوب وأحد أو أي شئ كان كذلك لا رباط له ولا وعاء ولا عفاص فهو الذي يجده من حين يجده ويعرفه أبدا طول حياته فإن جاء من يقيم عليه بينة فقط ضمنه له فقط هو أو ورثته بعده وإلا فهو له أو لورثته يفعل فيه ما شاء من بيع أو غيره وكذلك ورثته بعده ولا يرد ما أنفذوا في فإن كان ذلك في حرم مكة - حرمها الله تعالى - أو في رفعة قوم ناهضين إلى العمرة أو الحج عرف أبدا ولم يحل له تملكه بل يكون موقوفا فإن يئس بيقين عن معرفة صاحبه فهو في جميع
стр. 8864
مصالح المسلمين، ثم قال ابن حزم: أما الضوال (١) من الحيوان فلها ثلاثة أحكام أما الضأن والمعز فقط كبارها وصفارها توجد بحيث يخاف عليها الذئب أو من يأخذها من الناس ولا حافظ لها ولا هي بقرب ماء منها فهى حلال لمن أخذها سواء جاء صاحبها أو لم يجئ وجدها حية أو مذبوحة أو مطبوخة أو مأكولة لا سبيل له عليها، وأما الإبل القوية على الرعى وورود الماء فلا يحل لأحد أخذها وإنما حكمها أن تترك ولا يد فمن أخذها ضمنها إن تلفت عنده بأى وجه تلفت وكان عاصيا بذلك إلا أن يكون شئ من كل ما ذكرنا من لقطة أو ضالة يعرف صاحبها فحكم كل ذلك أن ترد إليه ولا تعريف في ذلك وأما كل ما عدا ما ذكرنا من إبل لا قوة بها على ورود الماء والرعى وسائر البقر والخيل والبغال والحمير والصيود كلها المتملكة والأباقى من العبيد والإماء وما أضل صاحبه منها والغنم التى تكون ضوال بحيث لا يخاف عليها الذئب ولا إنسان وغير ذلك كله ففرض أخذه وضمه وتعريفه أبدا فإن يئس من معرفة صاحبها أدخلها الحاكم أو واجدها في جميع مصالح المسلمين.
مذهب الزيدية (٢):
جاء في التاج المذهب أن اللقطة حكمها حكم الوديعة إلا في أحد عشر حكما.
الأول: جواز وضع في المريد. والثانى أنه يجوز للملتقط الإيداع للضالة والسفر بها بلا عذر يقتضى الإيداع والسفر بها بخلاف الوديعة فلا يجوز إيداعها ولا السفر بها الموجب للقصر إلا لعذر، الثالث: أنه لو غصبها غاصب فأتلفها أو أتلفها متلف وهى في يده وجب عليه مطالبة الغاصب والجانى بالقيمة للقيمى ومثل للمثلى والأرش ويبرأ الجانى بالرد إليه بخلاف الوديعة. والرابع: أنه إذا أنفق على الضالة كان له أن يرجع بما أنفق بنيته. الخامس: إذا ضلت انقطع حقه. السادس إذا وطئ الجارية لحقه نسبه ولا حد مع الجهل، السابع، نية الرد. الثامن، يمين العلم، التاسع وجوب التعريف، العاشر: وجوب التصدق. الحادى عشر: اشتراط الحرية في الوديعة لا هنا. وقال بعد ذلك: ثم بعد التعريف بها سنة ولم يجد مالكها تصرف إذا كانت دون نصاب في فقير من فقراء المسلمين إن أحب وإلا بقيت عنده لأنه لا يحب الدخول فيما عاقبته التضمين أو في مصلحة ولو زادت على النصاب بالمسجد أو منهل أو طريق أو مقبرة أو مفت أو مدرس أو حاكم أو إمام أو في الفقراء لكل فقير دون النصاب وله أن يصرفها في نفسه إذا كانت مصلحة أو دون النصاب إذا كان فقيرا وإنما تصرف إذا مضت السنة بعد اليأس من وجود
стр. 8865
المالك أو معرفته أو عودة ولا عبرة بمضى العمر الحقيقى فإن كان راجيا له فلا يصرفها ولو عرف بها، وأن لا يصرف بعد التعريف واليأس بل صرفها قبل اليأس ضمن لبيت المال لأنه متعد بالصرف قبل ذلك وأما الضمان للمالك فهو يضمن مطلقا سواء صرفها قبل اليأس أو بعده قيل القول للمؤيد بالله ومعناه أنه يضمن لبيت المال لو صرفها قبل اليأس وأن أيس بعد الصرف فلا ينفع الملتقط اليأس بعد أن صرف قبل اليأس إذ العبرة عند المؤيد بالله بالابتداء والمختار أن العبرة بالانتهاء على أصل الهادوية وهى قاعدة أصل المذهب اعتبار الانتهاء في العبادات والابتداء في المعاملات فلا يضمن لبيت المال شيئا لحصول اليأس بعد الصرف.
وجاء في شرح الأزهار: والوديعة أمانة فلا تضمن إلا بتعد من الوديع كأن يتصرف فيها لنفسه باستعمال نحو أن يلبس الثوب أو يركب الدابة ونحو إعارة أو تأجير أو رهن فإنه يصير ضامنا بذلك لأجل التعدى ومن التعدى وقوع تحفظ لها فيما لا يحفظ مثلها في مثله فلو وضع الوديعة في موضع ليس مثله حرزا لمثلها فإنه يضمنها بذلك.
جاء في التاج المذهب إنه لا يشترط أن يكون الملتقط مسلما عدلا بل يصح التقاط الفاسق والكافر كالمستأمن والذمى مع الأمانة كالاستيداع لا الحرب أو من لا أمانة لهم فلا يصح التقاطها. قيل صاحب الوافى ويشترط أن يلتقطه وهو حر أو مكاتب وهذا خلاف المقرر للمذهب، والمختار للمذهب هو أن للعبد أن يلتقط ولو بغير إذن سيده، وولاية ذلك إليه لا إلى سيده. وحاصل المذهب أن نقول إن تلفت منه بغير تفريط فلا ضمان على السيد ولا على العبد، وإن تلفت بتفريط أو جناية وهو مأذون بالالتقاط ضمن السيد ضمان المعاملة وذلك بأن يسلمه أو يفديه بقدر قيمته وإن لم يكن مأذونا له فالضمان في ذمته حتى يعتق لأنه مأذون له من جهة الشرع وإن يأخذها بمجرد نية الرد فقط أو ليعرف بها فلو أخذها من غير نية الرد أو للرد إن وجد المالك وإلا فلنفسه بغير الصرف المعتبر أو أخذها بغير نية على وجه الغفلة ضمن ضمان الغصب ولو نوى بعد ذلك الرد لم يخرج عن الضمان وزاد أبو حنيفة شرطا وهو الاشهاد عند الأخذ وعندنا والشافعى ليس بشرط لأنه يقبل قوله بعد التلف أنه أخذها للحفظ إذ لا يعرف قصده إلا من جهته وهو المذهب إذا ادعى المالك أنه أخذها لا للحفظ. وإذا توفرت شروط الالتقاط ضمن الملتقط ضمان غصب للمالك أن كان أو لبيت المال إن لم يكن لها مالك ولا ضمان عليه إن ترك اللقطة ولم يلتقطها وأخذها آخذ، ولا يلتقط لنفسه ما تردد في إباحته كما يجره السيل عما فيه ملك ولو مع مباح.
مذهب الإمامية:
إن اللقطة كل مال ضائع أخذ فلا يد عليه فما كان دون الدرهم جاز أخذه والانتفاع به بغير
стр. 8866
تعريف وما كان أزيد من ذلك فإن وجد في الحرم قيل يحرم أخذه وقيل يكره وهو أشبه ولا يحل إلا مع نية الإنشاد ويجب تعريفها حولا فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها أو استبقاها أمانة وليس له تملكها ولو تصدق بها بعد الحول فكره المالك ففيه قولان أرجحهما أنه لا يضمن لأنها أمانة وقد دفعها دفعا مشروعا وإن وجدها في غير الحرم عرفها حولا إن كانت عما يبقى كالثياب والأمتعة والأثمان ثم هو مخير بين تملكها وعليه ضمانها وبين الصدقة بها عن مالكها، ولو حضر المالك فكره الصدقة لزم الملتقط ضمانها إما مثلا وإما قيمة وبين إبقائها في يد الملتقط أمانة لمالكها من غير ضمان ولو كانت مما لا يبقى كالطعام قومه على نفسه وانتفع به وإن شاء دفعه إلى الحاكم ولا ضمان، ولو كان بقاؤها يفتقر إلى العلاج كالرطب المفتقر إلى التجفيف يرفع خبرها إلى الحاكم ليبيع بعضها وينفقه في إصلاح الباقى وإن رأى الحاكم الحظ في بيعه وتعريف ثمنه جاز. ثم قال (١): قيل ولا يجب التعريف إلا مع نية التملك وفيه إشكال ينشأ من خفاء حالها عن المالك ولا يجوز تملكها إلا بعد التعريف ولو بقيت في يده أحوالا وهى أمانة في يد الملتقط في مدة الحول لا يضمنها إلا بالتفريط أو التعدى فتلفها من المالك وزيادتها له متصلة كانت الزيادة أو منفصلة وبعد التعريف يضمن إن نوى التملك. ولا يضمن إن نوى الأمانة، ولو نوى التملك فجاء مالك لم يكن له الانتزاع وطالب بالمثل أو القيمة إن لم تكن مثلية، ولو رد الملتقط العين جاز له النماء المنفصل، ولو عابت بعد التملك فأراد ردها ردها مع الأرش جاز وفيه إشكال لأن الحق تعلق بغير العين فلم يلزمه أخذها معيبة، وإذا التقط العبد ولم يعلم المولى فعرف حولا ثم أتلفها تعلق الضمان برقبته يتبع بذلك إذا أعتق كالفرض الفاسد، ولو علم المولى قبل التعريف ولم ينتزعها منه ضمن لتفريطه بالإهمال إذا لم يكن أمينا وفيه تردد ولو عرفها العبد ملكها المولى إن شاء وضمن ولو نزعها المولى لزمه التعريف وله التملك بعد الحول أو الصدقة مع الضمان أو إبقائها أمانة.
стр. 8867
مذهب الإباضية:
جاء في النيل (١) وشرحه أنه وجب على قادر بالغ عاقل حر عند الجمهور وهو القول الصحيح وهو قول أصحابنا رحمهم الله تعالى أخذ ضالة غنم ضأنًا أو معزًا وحفظها لربها من تلف إن وجدت بحيث لا يرجع إليها قبله أي قبل التلف بأكل سبع أو عطش أو جوع أو سرقة ويضمنها لربها إن عرفه وللفقراء إن لم يعرفه إذا لم يأخذها لأن حفظها واجب عليه ويؤديها آخذها لربها إن عرفه وإلا حفظها وعرفها وكانت عنده أمانة كما هي في حين أخذها أمانة حتى يجئ أو تموت على المختار عند بعض فإن مات أوصى بها هذا هو الأحوط ولا يضمنها إن ماتت بلا تعد منه ولا تضييع وله ثواب الواجب على ذلك وبيعها وأنفق ثمنها فإن بان صاحبها خيره بين الثواب والغرم فليس هذا القول المختار منافيًا لقوله هي لك أو لأخيك ونحوه من الأحاديث لأن إثباتها لواجدها بعد التعريف ليس إيجابًا بل إباحة بالإجماع ثم إنه رآها تموت بنحو مرض فليذبحها ويحفظ لحمها وجلدها وإن خاف فسادًا باعهما وحفظ ثمنهما لربها.
الأمين في الرهن
مذهب الحنفية:
جاء في المبسوط (٢): إذا وُضِع الرهن عند عدل فدفعه العدل إلى الراهن أو المرتهن كان ضامنًا له لأنه خالف فيما صنع وكل واحد منهما منعه من دفعه إلى الآخر بغير رضاه فيكون الدفع خيانة في حقه، وكذلك لو استودعه رجل أجنبى لأن العدل أمين في حفظ الرهن كالمستودع، والمودع إذا أودع أجنبيًا صار ضامنًا وإن أودعه بعض من في عياله لم يضمنه لأنه يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه فكذلك العدل وكذلك المرتهن لو كان الرهن عنده فدفعه إلى من في عياله لم يضمنه وإن دفعه إلى أجنبى كان ضامنًا للعين، وإذا كان العدل رجلين والرهن مما لا يقسم فوضعاه عند أحدهما كان جائزًا ولا ضمان فيه كالمودعين لأنه لما أودعهما مع علمه بأنه لا يتهيأ لهما الاجتماع على حفظه آناء الليل وأطراف النهار فقد صار راضيًا بترك أحدهما إياه عند صاحبه وإذا كان مما يقسم اقتسماه فكان عند كل واحد منهما نصفه فإن وضعاه عند أحدهما ضمن الذي وضع حصته عند صاحبه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا ضمان عليه لأن كل واحد منهما مؤتمن فيه، ولو سافر العدل أو انتقل من البلد فذهب بالرهن معه لم يضمنه لأنه أمين في العين كالمودع وللمودع أن يسافر بالوديعة عندنا ثم قال في المبسوط (٣) تحت عنوان الرهن الذي لا يضمن صاحبه. وإذا ارتهن عبدًا بألف درهم وقبضه وقيمته ألف درهم ثم وهب المرتهن المال للراهن أو أبرأه منه ولم يرد عليه الرهن حتى هلك عنده من غير أن يمنعه إياه فهو ضامن في القياس قيمته للراهن وهو قول زفر رحمه الله تعالى وفى الاستحسان لا ضمان عليه وهو قول علمائنا
стр. 8868
الثلاثة رحمهم الله تعالى ثم قال (١): ولو منعه العبد بعد ما أبرأه عن الدين حتى مات في يده ضمن قيمته لأنه كان أمينًا فيه فبالمنع بعد طلب الحق يصير غاصبًا كالمودع، ولو ارتهن المرأة رهنًا بصداقها وهو مسمى وقيمته مثله ثم أبرأته أو وهبته له ولم يقبضه حتى هلك عندها فلا ضمان عليها في الاستحسان وكذلك لو اختلعت منه قبل أن يدخل بها ثم لم يقبضه حتى مات لأن مقصود الزوج هو براءة ذمته عن الصداق بالخلع من غير أن يلزمه شئ آخر وقد حصل وكذلك لو طلقها قبل أن يدخل بها وقد أبرأته عن الصداق، ولو لم تبرئه من الصداق قبل الطلاق ولكن أبرأته من حقها قبل الطلاق أو لم تبرئه حتى هلك فلا ضمان عليها فيه أما إذا أبرأته فلحصول مقصود لقول الزوج وإذا لم تبرئه فقد حصل مقصود الزوج في النصف بالطلاق قبل الدخول وإنما بقى ضمان الرهن في النصف الذي هو حقها فبهلاك الرهن يصير مستوفيًا ذلك القدر خاصة فلهذا لا يلزمها رد شئ.
مذهب المالكية:
جاء في بلغة السالك (٢) أن القول عند تنازع الراهن والمرتهن عند تنازعهما لطالب حوزه عند أمين لأن الراهن قد يكره وضعه عند المرتهن والمرتهن قد يكره وضعه عند خوف الضمان إذا تلف أو غير ولو اتفقا على وضعه عند أمين واختلفا في تعيينه نظر الحاكم في الأصلح منهما فيقدمه وإن سلمه الأمين لأحدهما بلا إذن من الآخر فأسلمه للراهن ضمن للمرتهن الدين أو القيمة أي قيمة الرهن أي الأقل منهما وإن سلمه الأمين للمرتهن وتلف عنده ضمنها أي القيمة للراهن أي تعلق بها ضمانها فإن كانت قدر الدين سقط الدين وبرئ الأمين وإن زادت على الدين ضمن الزيادة للراهن ورجع بها على المرتهن إلا أن تقوم بينة بضياعه بلا تفريط قال أبو الحسن لا فرق هنا بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه لأن الأمين والمرتهن متعديان وجاء في موضع (٣) آخر وحد مرتهن وطئ أمة مرهونة عنده بلا إذن من راهنها في الوطء إذ لا شبهة له فيها وإلا بإذن أذن له راهنها في وطئها فلا يحد نظرا لقول عطاء بجواز إعارة الفروج فهو شبهة تدرأ الحد قال في المدونة لو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق الولد عليه لأنه لم يثبت نسبه له وهذا إذا لم يأذن له الراهن في الوطء إذ لو أذن فيه كانت به أم ولد ولذا قال وقومت الموطوءة بإذن عليه أي على المرتهن الواطئ بلا ولد حملت أم لا لأن حملها انعقد على الحرية بالإذن فلا قيمة له ويلزم الواطئ قيمتها للراهن وقد ملكها وأما الموطوءة بلا إذن فتقوم بولدها لأنه رقيق وتقويمها لأجل علم ما نقصها الوطء والحمل وترجع لربها مع ولدها للأمين الذي وضع الرهن تحت يده لبيعه أي الرهن في الدين إن أذن له في بيعه أي أذن له الراهن فيه ولو في عقد الرهن وسواء أذن له في بيعه قبل الأجل أو بعده
стр. 8869
لأنه وكيل عن ربه حينئذ ما لم يقل إن لم آت بالدين وقت كذا فإن قال ذلك لم يجوز له البيع كالمرتهن يجوز له بيع الرهن إن أذن له بعد العقد الصادق ببعد الأجل لا في حالة العقد ومحل الجواز لهما إن لم يقل الراهن لواحد منهما أو إن لم آت بالدين وإلا بأن قال ما ذكر لواحد منهما أو أذن للمرتهن في صلب العقد قال أو لم يقل لم يجز البيع في الصور الخمسة وأولى إن لم يأذن أصلًا إلا بإذن الحاكم وهو معنى قوله فبإذن الحاكم ليثبت عنده العسر أو المطل أو الغيبة للراهن وإلا يستأذن الحاكم وباع الأمين أو المرتهن بلا رفع للحاكم مضى بيعه من الأمين أو المرتهن وإن لم يجز ابتداء وباع الحاكم الرهن إن امتنع ربه من بيعه بعد الأجل ومن وفاء الدين فيما إذا لم يأذن وكذا يبيع الحاكم إن غاب الراهن أو مات إلا أنه في الغيبة لابد من يمين الاستظهار وإن قال الأمين للمرتهن بعت الذات المرهونة بمائة مثلًا وسلمتها لك فأنكر المرتهن ضمن الأمين فلا يصدق في التسليم إلا ببينة وأمانته لا تسرى على تسليم الثمن وجاء (١) في موضع آخر وضمن الرهن مرتهن إن كان الرهن بيده وهو مما يغاب عليه أي يمكن إخفاؤه عادة كالحلى والثياب والسلاح والكتب لا إن كان بيد أمين أو كان مما لا يغاب عليه كالحيوان وادعى ضياعه أو تلفه ولم تقم على هلاكه بينة لا إن قامت فشروط ضمانه ثلاثة كونه بيده وكان مما يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة بضياعه بغير تفريط فيضمنه المرتهن ولو اشترط البراءة من الضمان ولا متطوع به وهو المشترط في العقد وعلم احتراق محله وادعى احتراقه أو سرقة محله وادعى أنه سرق من جملة المتاع فيضمن ولا ينفعه ذلك إلا ببقاء بعضه لم يحرق وإلا بأن كان بيد أمين أو كانا مما لا يغاب عليه أو قامت على ضياعه بينة أو كان مقطوعًا به بعد العقد واشترط عدم الضمان على ما قاله اللخمى والمازنى أو علم احتراق محله وبقى البعض بلا حرق مع ظهور أثر الحرق فلا ضمان على المرتهن أن ضمانه ضمان تهمة وقد زالت فلا ضمان ولو اشترط ثبوت الضمان إلا أن تكذبه البينة الشاملة العدل.
مذهب الشافعية:
جاء في (٢) نهاية المحتاج: أن المرهون أمانة فى يد المرتهن لخبر "الرهن من راهنه أي من ضمانه له غنمه وعليه غرمه فلا شرط كونه مضمونًا لم يصح الرهن واستثنى البلقينى تبعًا للمحاملى ثمانى مسائل ما لو تحول المغصوب رهنًا أو تحول المرهون غصبًا أو تحول المرهون عارية أو تحول (٣) المستعار رهنًا أو رهن المقبوض ببيع فاسد أو رهن مقبوض بسوم أو رهن ما بيده بإقالة أو فسخ قبل قبضه أو خالع على شئ ثم رهنه قبل قبضه ممن خالعه ولا يسقط بتلفه شيء من دينه كموت الكفيل بجامع التوثق ولأنه لو سقط بتلفه لكان تضييعًا له.
стр. 8870
مذهب الحنابلة:
جاء في المغنى (١): إنه إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرط في الحفظ للرهن الذي عنده حتى تلف فإنه يضمن لا نعلم في وجوب الضمان عليه خلافًا ولأنه أمانة فى يده فلزمه ضمانه إذا تلف بتعديه أو تفريطه كالوديعة. وأما إذا تلف من غير تعد منه ولا تفريط فلا ضمان عليه وهو من مال الراهن يروى ذلك عن علي ﵁ وبه قال عطاء والزهرى والأوزاعى ويروى عن شريح والنخعى والحسن أن الرهن يضمن بجميع الدين وإن كان أكثر من قيمته لأنه لا يروى عن النبى ﷺ أنه قال "الرهن بما فيه" وقال مالك إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فمن ضمان الراهن وإن ادعى تلفه بأمر خفى لم يقبل قوله وضمن. وقال الثورى وأصحاب الرأى يضمنه المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، واحتجوا بما روى عطاء أن رجلًا رهن فرسًا فنفق عند المرتهن فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال "ذهب حقك ولأنها عين مقبوضة للاستيفاء فيضمنها من لذلك أو من قبضها نائبه لحقيقة المتوفى ولأنه محبوس بدين فكان مضمونًا كالبيع إذا حبس لاستيفاء ثمنه. ولنا ما روى ابن أبي ذئب عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال "لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه" رواه الأشرم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذئب ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب ولفظه "الرهن من صاحبه الذي رهنه" وباقيه سواء قال ووصله ابن المسيب عن أبى هريرة عن النبى ﷺ مثله أو مثل معناه من حديث أبى أنيسة ولأنه وثيقة بالدين فلا يضمن كالزيادة على قدر الدين وكالكفيل والشاهد ولأنه مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة فكان جميعه أمانة كالوديعة وعند ما لك أن لا ما لا يضمن به العقار لا يضمن به الذهب كالوديعة. فأما حديث عطاء فهو مرسل وقول عطاء يخالف. قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذابًا وقيل يرويه مصعب بن ثابت وكان ضعيفًا، ويحتمل أنه أراد ذهب حقك من الوثيقة بدليل أنه لم يسأل عن قدر الدين وقيمة الفرس. وحديث أنس إن صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه، وأما المستوفى فإنه صار ملكًا للمستوفى وله نماؤه وغنمه فكان عليه ضمانه وغرمه بخلاف الرهن والبيع قبل القبض ممنوع.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى (٢) فى المحلى: هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن للناس فيه خمسة أقوال قالت طائفة: يترادان الفضل وتفسير ذلك أن الرهن إن كانت قيمته وقيمة الدين سواء فقد سقط الدين عن الذي كان عليه ولا ضمان عليه في الرهن فإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط الدين بمقداره من الرهن وكلف المرتهن أن يؤدى إلى الراهن مقدار ما كان تزيده قيمة الرهن على قيمة الدين وإن كانت قيمة
стр. 8871
الرهن أقل سقط من الدين بمقداره وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد الدين على قيمة الرهن روينا من طريق الحكم وقتادة أن على بن أبي طالب قال: يتراجعان الفضل، يعنى في الرهن يهلك، وروى أيضًا عن ابن عمر وهو قول عبيد الله بن الحسن وأبى عبيد وإسحاق بن راهويه، وقالت طائفة: إن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين أو مثلها فقد بطل الدين كله ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة الرهن على قيمة الدين فإن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين سقط من الدين بمقدار قيمة الرهن وأدى الراهن إلى المرتهن ما بقى من دينه، روينا هذا من طريق الوراق عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بن الخطاب ومن طريق وكيع عن علي بن صالح بن حى عن عبد الأعلى بن عامر عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب ومن طريق قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن علي ومن طريق وكيع عن إدريس الأودى عن إبراهيم بن عمير قال: سمعت ابن عمر يقول: مثل ذلك وهو قول إبراهيم النخعى وقتادة وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وقالت طائفة: ذهب الرهن بما فيه سواء كان كقيمة الدين أو أقل أو أكثر. إذا تلف سقط الدين ولا يغرم أحدهما للآخر شيئا، صح هذا عن الحسن البصرى وإبراهيم النخعى وشريح والشعبى والزهرى وقتادة وصح عن طاووس في الحيوان يرتهن، وروينا عن النخعى والشعبى فيمن ارتهن عبدًا فاعور عنده قالا: ذهب بنصف دينه، وقالت طائفة، إن كان الرهن مما يخفى كالثياب ونحوها فضمان ما تلف منها على المرتهن بالغة ما بلغت ويبقى دينه بحسبه حتى يؤدى إليه بكماله، وإن كان الرهن مما يظهر كالعقار والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول مالك، وقالت طائفة: سواء كان مما أو مما لا يخفى لا ضمان فيه على المرتهن أصلًا ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه وهو قول الشافعي وأبى ثور وأحمد بن حنبل وأبى سليمان وأصحابهم، روينا من طريق الحجاج بن المنهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن خلاس أن على بن أبي طالب قال في الرهن: يترادان الفضل فإن أصابته جائحة برئ، فصح أن على بن أبي طالب لم ير تراد الفضل إلا فيما تلف بجناية المرتهن لا فيما أصابته جائحة بل رأى البراءة له مما أصابته جائحة. وصح عن عطاء أنه قال: الرهن وثيقة إن هلك فليس عليه غرم بأخذ الدين الذي له كله، وعن الزهرى أنه قال في الرهن يهلك أنه لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه. قال أبو محمد (١): والواجب الرجوع إلى القرآن والسنة، فوجدنا ما حدثناه أحمد بن قاسم. . . حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهرى عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يغلق الرهن. الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه، فهذا مسند من أحسن ما روى في هذا الباب، قال أبو محمد: وقد صح في ذم قوم في القرآن قوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما﴾، (٢) أي يراء هالكًا بلا منفعة. قال أبو محمد: ووجدنا النبي ﷺ قد قال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، فلم يحل لغريم المرتهن
стр. 8872
شيئًا ولا أن يضمن الرهن بغير نص في تضمينه إلا أن يتعدى فيه أو بأن يضيعه فيضمنه حينئذ باعتدائه في كلا الوجهين. وكذلك الدين قد وجب فلا يسقطه ذهاب الرهن، فصح يقينًا من هذين الأصلين الصحيحين بالقرآن والسنة والإجماع أن هلاك الرهن من الراهن ولا ضمان على المرتهن، وأن دين المرتهن باق بحسبه لازم للمراهن وبالله تعالى التوفيق.
مذهب الزيدية:
جاء في التاج المذهب أن (١) الرهن مع المرتهن كالوديعة في يد الوديع في تحريم الانتفاع به والتصرف من رهن وتأجير وبيع ونحو ذلك من التصرفات خلا بيع ما خشى فساد فيجوز إلا انه يخالف الوديعة في أمرين: أحدهما جواز الحبس.
والثانى أن الرهن في العقد الصحيح مضمون على المرتهن لا في الفاسد.
وجاء في موضع آخر (٢). ويضمن المرتهن ضمان الجناية إن أتلف الرهن بتعد منه كذبح للحيوان وغير ذلك من وجوه التعدى فيضمن ضمان جناية إن أحب المالك وإلا فضمان الرهن. فعرفت من هذا أن لا فرق بين ضمان الرهن سواء كان بجناية أم لا. وإنما المراد الإشارة إلى الفرق بين الضمانين. وفى نقصان (٣) الرهن في يد المرتهن بغير السعر نحو أن ينقص لأجل جناية أو آفة سماوية أو هزال أو نحو لك نقصانًا يسيرًا وهو نصف قيمته فما دون لزم الأرش على المرتهن وهو ما بين قيمته ناقصًا وبين أوفر القيم من يوم القبض إلى حين النقصان غالبًا احتراز من صورة فإن المرتهن لا يضمن الأرش لأنه يؤدي إلى الربا إذ هو ضمان معاملة لا ضمان جناية فكان كالبيع نحو: أن يرهن منجد أو دملوج فينخدش أو يتهشم من دون جناية من المرتهن ولا من غيره ولا نقص في وزنه فلا ضمان على المرتهن في هذه الصورة لأن الراهن إذا أخذ مع الدملوج أرش ما نقص من قيمته ولم ينقص من وزنه فذلك ربا. وإن كان النقص كثيرًا وهو ما فوق نصف القيمة ثبت التخيير للراهن بين قبض العين المرهونة مع الأرش أو يتركها للمرتهن ويأخذ أوفر القيم لها قبل النقص.
مذهب الإمامية:
جاء في (٤) شرائع الإسلام: أنه يجوز للمرتهن ابتياع الرهن والمرتهن أحق باستيفاء دينه من غيره من الغرماء سواء كان الراهن حيًّا أو ميتًا على الأشهر، ولو أعوز ضرب مع الغرماء بالفاضل والرهن أمانة في يده لا يضمنه لو تلف، ولا يسقط به شيء من حقه ما لم يتلف بتفريطه، ولو تعرف فيه بركوب أو سكنى أو إجادة ضمن ولزمته الأجرة. ثم قال (٥): والرهن لازم من جهة
стр. 8873
الراهن، ليس له انتزاعه إلا مع اقباض الدين أو الإبراء منه أو تصريح المرتهن بإسقاط حقه من الارتهان وبعد ذلك يبقى الرهن أمانة في يد المرتهن، ولا يجب تسليمه إلا مع المطالبة.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (١) إن المرتهن مصدق في دعوى ذهاب الرهن كله أو بعضه بأن قال ذهب قبل الفك أو الفسخ إن ادعاه أي ادعى الذهاب وإن كان الإدعاء بعد استيفاء حقه أو الإبراء منه أو فكه بنسخ ونحوه فإن ادعى أن ذلك بعد كان ضامنًا له لأنه في يده حينئذ على غير الأمانة إلا إن امتنع من أخذه أو غاب فلا ضمان وإن ادعى أن ذلك قبل فإنه يذهب بماله فإن كان فضل فهو أمين في الفضل ولزمه رد ما قبض من دينه قبل الوقت الذي قال إنه ذهب فيه وفيه الأقوال المتقدمة في ذهاب الرهن أو بعضه وفى كلام الشيخ ما نصه وإن ذهب الرهن من يد المرتهن بعد ما استوفى حقّه وأما ذهابه قبل أخذ حقه فقد قال الجمهور أنه يضمن قدر دينه ويكون أمينًا في الزايد وهو المشهور وظاهر قوله مصدق أنه لا يمين عليه لأن اليمين إنما هو عن تكذيب أو ريبة والتصديق لا تكذيب فيه ولا ريب وهو كذلك لا يمين عليه وهو قول من قال المؤتمن أمين ولا يمين عليه وكذلك الحكم إذا اختلف الراهن والمرتهن بأن القول قول المرتهن مع يمينه وهو قول آخر وهو قول من قال المؤتمن أمين وعليه يمين وذلك قولان جزمًا لكن لا مانع أن يحمل قوله مصدق على إذا لم يتهمه الراهن فلا يمين ويحمل قوله مع يمينه على ما إذا اتهمه فإنه إذًا يتهمه في قلبه فلا يجوز له فيما بينه وبين الله تحليفه وإذا أقر أنه لم يتهمه فلا يحكم له بالتحليف ويحتمل أن يريد بقوله مصدق أنه محكوم عليه بحكم الصادق في أنه لا ضمان عليه ولو كان عليه يمين.
الأمين في المضاربة
مذهب الحنفية:
جاء في الهداية (٢) وشروحها بأن المال المدفوع إلى المضارب أمانة في يده لأنه قبضه بأمر مالكه لا على وجه البدل والوثيقة وهو وكيل فيه لأنه يتصرف فيه بأمر مالكه وإذا ربح فهو شريك فيه لتملكه جزءًا من المال بعمله فإذا فسدت ظهرت الإجارة حتى استوجب العامل بأجر مثله وإذا خالف كان غاصبًا لوجود التعدى منه على مال غيره وقال صاحب الكافى المضارب أمين لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على جهة المبادلة والوثيقة بخلاف المقبوض على سوم الشراء لأنه قبضه بدلًا وبخلاف الرهن لأنه قبضه وثيقة ثم قال (٣): ولابد أن يكون المال مسلما إلى المضارب ولابد لرب المال فيه لأن المال أمانة في يده فلابد من التسليم إليه وهذا بخلاف الشركة لأن المال في المضاربة من أحد الجانبين والعمل من الجانب الآخر فلابد أن يخلص المال للعامل ليتمكن من التصرف فيه، أما العمل في الشركة
стр. 8874
فهو من الجانبين، فلو شرط خلوص اليد لأحدهما لم تنعقد الشركة، وشرط العمل على رب المال مفسد للعقد لأنه يمنع خلوص يد المضارب فلا يتمكن من التصرف فلا يتحقق المقصود سواء كان المالك عاقدًا أو غير عاقد كالصغير لأن يد المالك ثابتة له وبقاء يده يمنع التسليم إلى المضارب، ولا يجوز (١) للمضارب أن يضارب إلا أن يأذن له رب المال أو يقول له اعمل برأيك لأن الشئ لا يتضمن مثله لأن المضاربة تضمنت الأمانة أولًا والوكالة ثانيًا وليس للمودع والوكيل الإيداع والتوكيل فكذا المضارب لا يضارب غيره؛ وإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال لم يضمن بالدفع ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح يكون ما اشتراه على المضاربة وبدأ من الضمان لأن الأمر بالشراء لم يرتفع بالجحود بل هو قائم مع الجحود لأن الضمان لا ينافى الأمر بالشراء.
مذهب المالكية:
جاء في التاج والإكليل للحطاب (٢) أنه إن مات العامل في مال القراض فلوارثه الأمين أن يكمله وإلا أتى بابن كالأول وإلا سلموا هدرا ومن المدونة قال مالك من أخذ قراضا فعمل به ثم مات العامل فإن كان ورثته مأمومين قيل لهم تقاضوا الديون وبيعوا السلع وأنتم على سهم وليكم فإن لم يؤمنوا وأتوا بأمين ثقة كان ذلك لهم وإن لم يأتوا بأمين ولم يكونوا مأمونين سلموا ذلك إلى ربه ولا ربح لهم والقول للعامل في تلفه وخسره قال ابن الحاجب والعامل أمين فالقول قوله في ضياعه وخسرانه قال اللخمى إن اختلفا في تلفه فقال العامل ضاع أو سقط منى أو سرق أو غرق أو ما أشبه ذلك كان القول قول العامل في الجميع لأنه أمين والأمين مصدق في أمانته مأمونًا كان أو غير مأمون لأن رب المال رضيه أمينًا.
مذهب الشافعية:
جاء في (٣) المهذب: أن العامل أمين فيما في يده فإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن لأنه نائب عن رب المال في التصرف فلم يضمن من غير تفريط كالمودع فإن دفع إليه ألفا فاشترى عبدًا في الذمة ثم تلف الألف قبل أن ينقده في ثمن العبد انفسخ القراض لأنه تلف رأس المال بعينه وفى الثمن وجهان أحدهما أنه على رب المال لأنه اشتراه له فكان الثمن عليه كما لو اشترى الوكيل في الذمة ما وكل في شرائه فتلف الثمن في يده قبل أن ينقده والثانى أنَّ الثمن على العامل لأن رب المال لم يأذن له في التجارة إلا في رأس المال فلم يلزمه ما زاد وإن دفع إليه الفين فاشترى بهما عبدين ثم تلف أحدهما ففيه وجهان أحدهما يتلف من رأس المال ينفسخ فيه القراض لأنه بدل عن رأس المال فكان هلاكه كهلاكه والثانى أنه يتلف من الربح
стр. 8875
لأنه تصرف في المال فكان في القراض وإن قارضه رجلان على مالين فاشترى لكل واحد منهما جارية ثم أشكلتا عليه ففيه قولان أحدهما تباعان فإن لم يكن فيهما ربح قسم بين ربى المال وإن كان فيهما ربح شاركهما العامل في الربح وإن كان فيهما خسران ضمن العامل ذلك لأنه حصل بتفريطه والقول الثاني أن الجاريتين للعامل ويلزمه قيمتهما لأنه تعذر ردهما بتفريطه فلزمه ضمانهما كما لو أتلفهما.
مذهب الحنابلة:
جاء في (١) الكشاف: إن العامل أمين في مال المضاربة لأنه يتصرف فيه بإذن مالكه على وجه لا يختص بنفعه فكان أمينًا كالوكيل وفارق المستعير لأنه يختص بنفع العارية. لا ضمان عليه فيما تلف من مال المضاربة بكير تعد ولا تفريط. كالوديع والمرتهن والقول قول العامل في قد رأس، المال لأن رب المال يدعى عليه قبض شئ وهو ينكر والقول قول المنكر فلو جاء بألفين وقال رأس المال ألف والربح ألف فقال رب المال بل الألفان رأس المال فالقول قول العامل في قدر الريح لأنه أمين وفى أنه ربح أو لم يربح وفيما يدعيه من الهلاك والخسران لأن تأمينه يقتضى ذلك ومحل ذلك إن لم تكن لرب المال بينة تشهد بخلاف ذلك وإن ادعى الهلاك بأمر ظاهر كلف بينة تشهد به ثم حلف أنه تلف به، والقول قوله فيما اشتراء لنفسه أو للقراض لأن الاختلاف هنا في نية المشترى وهو أعلم بما نراه لا يطلع عليه أحد سواه ومثله وكيل وشريك عنان ووجوه ويقبل أيضًا قول العامل في نفى ما يدعى عليه من خناية أو جناية أو مخالفته شيئًا مما شرطه رب المال عليه لأن الأصل عدم ذلك.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى (٢): لا ضمان على العامل فبما تلف من المال ولو تلف كله ولا فيما خسر فيه ولا شئ له على رب المال إلا أن يتعدى أو يضيع فيضمن لقول رسول الله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، وإن تعدى (٣) العامل فريح فإن كان اشترى في ذمته ووزن من مال القراض فحكمه حكم الغاصب وقد صار ضامنًا للمال إن تلف أو لما تلف منه بالتعدى ويكون الريح له لأن الشراء له؛ وإن كان اشترى مال القراض نفسه فالشراء فاسد مفسوخ فإن لم يوجد صاحبه البائع منه فالريح للمساكين لأنه مال لا يعرف له صاحب وهذا قول النخعى والشعبى وحماد بن أبى سليمان وابن شبرمة وأبى سليمان. وأيهما مات (٤) بطل القراض وعقد الذي له المال إنما كان مع الميت لا مع وارثه إلا أن عمل العامل بعد موت صاحب المال ليس تعديًا وعمل الوارث بعد موت العامل إصلاح للمال وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
стр. 8876
وَالتَّقْوَى﴾ (١): فلا ضمان على العامل ولا على وارثه إن تلف المال بغير تعد ويكون الربح كله لصاحب المال أو لوارثه ويكون للعامل ههنا أو لورثته أجر مثل عمل فقط لقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٢) فحرمة عمله يجب أن يقاضى بمثلها لأنه محسن معين على بر، وإن اشترى العامل من مال القراض جارية فوطئها فهو زان وعليه حد الزنا لأن أصل الملك لغيره وولده منها رقيق لصاحب المال. وكذلك ولد الماشية وثمر الشجر وكرى الدور لأنه شئ حدث في ماله وإنما للعامل حظه من الريح فقط ولا يسمى ربحًا إلا ما نمى بالبيع فقط.
أمين المضاربة
مذهب الزيدية:
إن المضاربة في (٣) الاصطلاح: دفع المال إلى الغير ليتجر فيه والربح بينهما حسب الشرط وهى عند العقد وكالة دائمة؛ وبعد الدفع أمانة. وبعد التصرف بضاعة؛ أي يرتجى الربح فيها. وبعد الريح شركة فإن فسدت فإجارة وإن خالف فغرامة أي يضمنها والأصل فيها فعل لا بينة فيما أقرضهما أبو موسى من بيت المال ولم ينكر وفعل عثمان وابن مسعود وحكيم بن حزام.
وقول عبد الله بن عمر وحكيم بن حزام، وقول على ﵁ "لا ضمان عليه" الخبر وكانت قبل الإسلام فأقرها والقصد بها حصول النماء. فلا إذن فيما لا يؤثر فيه.
مذهب الإمامية:
وجاء في العروة (٤) الوثقى: أن العامل أمين فلا يضمن إلا بالخيانة كما لو أكل بعض مال المضاربة أو اشترى شيئًا لنفسه فأدى الثمن من ذلك أو وطئ الجارية المشتراة أو نحو ذلك أو التفريط بترك الحفظ أو التصدى بأن خالف ما أمره به أو نهاه عنه، كما لو سافر مع نهيه عنه أو عدم إذنه في السفر أو اشترى ما نهى عن شرائه أو ترك شراء ما أمره به فإنه يصير بذلك ضامنًا للمال لو تلف ولو بآفة سماوية وأن بقيت المضاربة كما مر والظاهر ضمانه للخسارة الحاصلة بعد ذلك أيضًا، وإذا رجع عن تعديه أو خيانته فهل يبقى الضمان أولا به وجهان مقتضى الاستصحاب بقاؤه كما ذكروا في باب الوديعة أنه لو أخرجها الودعى عن الحرز بقى الضمان وإن ردها بعد ذلك إليه، ولكن لا يخلو عن إشكال لأن المفروض بقاء الإذن وارتفاع سبب الضمان. ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع ضمن الوديعة إن حصلت بعد ذلك، وهل يضمن بنية الخيانة مع عدم فعلها به وجهان من عدم كون مجرد النية خيانة ومن صيرورة يده حال النية بمنزلة يد الغاصب والأقوى العدم ويمكن الفرق بين الغرم عليها فعلًا وبين الغرم على أن يخون بعد ذلك. والظاهر عدم الفرق بينهما.
стр. 8877
مذهب الإباضية:
جاء في شرح النيل (١): باب في شروط المضاربة وما يجوز منهما وما لا يجوز ضمن المضارب رأس المال إن شرط الربح كله لنفسه أو لمجنونه أو ابنه الطفل ويكون الربح له أو لمن شرطه له من طفل أو مجنون ورأس المال دين عليه بعد أن تلفظوا فيه بلفظ المضاربة أو لفظ القراض وهذا على قول من قال بتحول المضاربة قرضًا، وأمَّا من قال لا يتحول أحدهما إلى الآخر ويبقيان الأمر الأول حتى يقبضه ويرده إليه كما أراد فإن ذلك يكون قراضًا كما لفظا به فيكون الربح إنصافًا بينهما عند بعض، ويكون لصاحب المال والعناء للمقارض على قول، ولا ضمان على هذين القولين وقد ذكرهما بقوله بعد: والأول قيل قرض؛ فصح بأنه قرض وأشار إلى الثاني بالتعبير بقيل وبقى عليه قول ثالث هو أن المال والربح لصاحب المال وللعامل عناءه والمضاربة فاسدة. وإن شرطه رب المال فهو بضاعة فربحه لصاحبه ولا عناء للمضارب ولا ضمان عليه ولا مضاربة هناك. وفى الديوان أن له عناءه أي لأنه ذكر لفظ القراض … ولا ضمان على المضارب ولم يذكره المصنف استغناء بقوله بضاعة لأن البضاعة من باب الأمانة، ومعلوم أن المؤتمن لا يضمن إلا إن تعدى وكذلك المضارب، وقد ادعيا أن ذلك مضاربة وإنما ذكر المصنف أنه لا ضمان مع أنه لا حاجة إليه، لأنه معلوم لزيادة البيان ولمقابلة قوله يكون قرضًا على المضارب والربح له بما ضمن، وقد أجمعوا أنه لا ضمان ولا خسارة على المضارب ما لم يتعد وكل من له الربح كله فالضمان عليه لما روى: الربح بالضمان وكذلك ذكروا في الديوان أنه لا ضمان إلا أن تعدى.
الأمين في الشركة
ينظر مصطلح أمانة الجزء ٢٦ من الموسوعة الصفحات من ٢٨ إلى ٤٦.
الأمين في الوصية (الإيصاء)
مذهب الحنفية:
جاء في (٢) جامع الصغار: لا ينصب القاضي وصيا إلا عدلا أمينا كافيا - أي قادرًا - ولا ينصب غريبًا لا تعرف عدالته وجاء في تبيين (٣) الحقائق أن من أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أخرجهم القاضي واستبدل غيرهم مكانهم وذكر القدورى رحمه الله تعالى أن القاضي يخرجهم عن الوصية وهذا يدل على أن الوصية صحيحة لأن الإخراج يكون بعد الدخول وذكر محمد رحمه الله تعالى في الأصل أن الوصية باطلة - قيل معناه ستبطل، وقيل: في العبد باطلة لعدم الولاية على نفسه وفى غيره معناه ستبطل وقيل في الكافر باطلة أيضًا لعدم ولايته على المسلم، ووجه الصحة ثم الإخراج أن أصل النظر ثابت لقدرة العبد حقيقة وولاية الفاسق على نفسه
стр. 8878
وعلى غيره على ما عرف من أصلنا وولاية الكافر في الجملة إلا أنه لم يتم النظر لتوقف ولاية العبد على إجازة مولاه وتمكنه من الحجر بعدها، والمعاداة الدينية الباعثة على ترك النظر في حق المسلم، واتهام الفاسق بالخيانة فيخرجهم القاضي عن الوصية ويقيم غيرهم مقامهم إتمامًا للنظر وشرط في الأصل أن يكون الفاسق مخوفا منه على المال لأنه يكون عذرًا في إخراجه وتبديله بغيره، ومن عجز عن القيام بالوصية ضم القاض إليه غيره لأن في الضم رعاية لحقين حق الموصى وحق الورثة لأن تكميل النظر يحصل به لأن النظر يتم بإعانة غيره، ولو شكا الوصى إليه ذلك فلا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة لأن الشاكى قد يكون كاذبًا تخفيفًا على نفسه. ولو ظهر لقاض عجزه أصلًا استبدل به غيره للنظر من الجانبين ولو كان قادرًا على التصرف وهو أمين فيه ليس للقاضى أن يخرجه لأنه مختار الميت، ولو اختار غيره كان دونه فكان إبقاؤه أولى ألا ترى أنه يقدم على أب الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره وكذا إذا شكت الورثة أو بعضهم الموصى إليه لا ينبغى له أن يعزله حتى يبدو له منه خيانة لأنه استفاد الولاية من الميت غير أنه إذا ظهرت الخيانة فاتت الأمانة والميت إنما اختاره لأجلها وليس من النظر إبقاؤه بعد فواتها وهو لو كان حيا لأخرجه منها فينوب القاضي منابه عند عجزه ويقيم غيره مقامه كأنه مات ولا وصى له وجاء في المبسوط (١): لو كان الورثة صغارًا فقال الوصى أنفقت عليهم كذا درهمًا فإن كان ذلك نفقة مثلهم في تلك المدة أو مع زيادة شئ قليل فهو مصدق فيه وعليه اليمين إن اتهموه لأنه أمين فالقول قوله في المحتمل مع اليمين ثم هو مسلط على الإنفاق عليهم بالمعروف وبالقليل من الزيادة لا يخرج إنفاقه من أن يكون بالمعروف لأن التحرز عن ذلك القدر غير ممكن والمسلط على الشئ إذا أخبر فيما سلط عليه بما لا يكذبه الظاهر فيه يجب قبول قوله كالمودع يدعى رد الوديعة وإن اتهموه عليه اليمين لدفع التهمة، وإذا كان في الورثة صغير وكبير فقاسم الوصى الكبير وأعطاء حصته وأمسك حصة الصغير فهو جائز لأنه قائم مقام الصغير في التصرف في ماله والمقاسمة مع الكبير من التصرف في ماله لأنه تميز به ملكه عن ملك فيكون فعله كفعل الصغير بعد بلوغه. وإذا غيره فيكون فعله كفعل الصغير بعد بلوغه، وإذا كانت الورثة صغارًا فقال الوصى أنفقت على هذا كذا وعلى هذا كذا وكانت نفقة أحدهما أكثر فهو مصدق فيما يعرف من ذلك لأن النفقة للحاجة وربما تكون حاجة أحدهما أكثر لأنه كان أكبر سنًا أو لأن الناس يتفاوتون في الأكل فباختياره مع التفاوت لا يزول احتمال الصدق في كلامه ولا يخرج الظاهر من أن يكون شاهدًا له فيقبل قوله في ذلك وإذا قال الوصى للوارثين وهما كبيران قد أعطينكما ألف درهم وهو الميراث فقال أحدهما صدقت وقال الآخر كذبت فإن الذي صدقه ضامن لمائتين وخمسين درهمًا يؤديها إلى شريكه بعدما يحلف شريكه ما قبض الخمسمائة ولا ضمان على الوصى في ذلك لأنه أمين أخبر بأداء الأمانة وقد أقر الذي صدقه بقبض خمسمائة وأنكر الآخر أن يكون قبض وقول
стр. 8879
الوصى غير مقبول عليه في وصول الخمسمائة إليه وإن كان مقبولًا في براءته عن الضمان وإنما بقى من التركة الخمسمائة التي أقر المصدق بقبضها فيلزمه أن يدفع نصفها إلى شريكه بعد أن يحلف شريكه ما قبض شيئًا لأن المصدق يدعى الاختصاص بهذه الخمسمائة والوصى يشهد له بذلك ولا يثبت الاختصاص بقولهما وما زاد على هذه الخمسمائة من التركة كالبادى، وإذا قضى (١) الوصى دينًا على الميت بشهود فلا ضمان عليه وإن كان قضى ذلك بغير أمر القاضي لأنه قائم مقام الموصى في حوائجه وتفريغ الذمة بقضاء الدين من حوائجه وقد كان لصاحب الدين أن يأخذ دينه إذا ظفر بجنس حقه من التركة فللوصى أن يعطيه ذلك أيضًا وإن لم يأمره به القاضي. والوصى (٢) مصدق في كفن الميت فيما يكفن به مثله لأنه مسلط على ذلك أمين منصوب له ولو اشترى الوصى الكفن من ماله ونقد له الثمن كان له أن يرجع في مال الميت لأنه كفن ومعنى هذا أن الكفن لا يمكن تأخيره وقد لا يكون مال الميت حاضرًا يتيسر الأداء منه في الحال فيحتاج الوصى إلى أن يؤدى ذلك من مال نفسه ليرجع به من مال الميت وكذلك الوارث قد يحتاج إلى ذلك فلا يكون متبرعًا فيما أداه من مال نفسه وكذلك لو قضى الوصى أو الوارث من ماله دينًا كان على الميت بشهود فله أن يرجع به من مال الميت لأنه هو المأخوذ وهو الذي يخاصم في دين الميت معناه قد ثبت عليه الدين في حال لا يتيسر عليه أداؤه من مال الميت فيحتاج إلى الأداء من مال نفسه ليرجع به في مال الميت ولا فرق في حق الميت بين أدائه من ماله وبين أدائه من مال نفسه ليرجع به في ماله، وكذلك الوصى يشترى لليتيم الطعام والكسوة من ماله بشهادة الشهود أو يؤدى من مال نفسه خراجهم بشهود فله أن يرجع بذلك في مال الميت لأن شراء ما يحتاج إليه الصبى لا يقبل التأخير وفى الخراج بعدما طولب بالأداء لا يتمكن من التأخير فيؤدى من مال نفسه لعدم تيسر الأداء من مال الميت في ذلك الوقت فلا يصدق على أداء الإخراج ولا شراء شئ من ماله إلا بشهادة شهود على ذلك لأنه يدعى لنفسه دينًا في مال الميت وهو لم يجعل أمينًا في ذلك، وإن كان للميت عنده مال فقال: أديت منه وأنفقت منه عليه فهو مصدق في ذلك بالمعروف لأنه أمين فيما في يده من المال فهو ينفى الضمان عن نفسه بما يخبر به مما هو محتمل فيقبل قوله في ذلك وهو نظير المودع إذا أمره المودع بقضاء دينه من الوديعة فزعم أنه قضى صاحب الدين دينه كان القول قوله مع اليمين في براءة نفسه عن الضمان بخلاف ما إذا أمره بقضاء دينه من مال نفسه فقال قد قضيت لا يقبل قوله في إثبات حق الرجوع له عليه إلا ببينة. وإذا قبض الوصى دينًا كان للميت على إنسان كتب له البراءة بما قبض ولم يكتب البراءة من كل قليل أو كثير لأنه لا يدرى لعل للميت مالًا سوى ذلك فيكون بما يكتب عليه البراءة من كل قليل وكثير مبطلًا لحق الميت ولأنه أمين فيما يقبضه فإنما يكتب له البراءة عما هو أمين فيه وهو ما وصلت إليه يده ولو أقر
стр. 8880
الوصى أن هذا جميع ما له عليه لم يصدق على الورثة لأنه مجازف في هذا الإقرار لا طريق له إلى معرفة كون المقبوض جميع ما له للميت عليه بخلاف ما إذا أقر الموصى بذلك لأنه عالم بما أقر به ولأنه مسقط لما وراء ذلك من جهته وهو يملك الإسقاط فأما الوصى فلا يملك إسقاط شئ من حق الورثة وإنما يملك الاستيفاء ثم هذا من الوصى إقرار على الغير ومن الموصى إقرار على نفسه وكذلك إبراء الوصى الغريم لا يجوز، وإذا (١) نفذ الوصى أمور الميت وسلم الباقى إلى الوارث وأراد أن يكتب على الوارث كتاب براءة للوصى من كل قليل أو كثير فللوارث أن يمتنع من ذلك لأنه لا يدرى أن ما سلم إليه جميع حقه فلعله أخفى بعض ذلك أو أتلفه فإن الخيانة من الأوصياء ظاهرة وأداء الأمانة منهم نادر فلا يجب على الوارث أن يكتب له البراءة إلا بما أخذ منه بعينه فهذا هو العدل بينهما.
مذهب المالكية:
جاء في الدسوقى (٢) وحاشيته أنه يشترط في الوصى أن يكون عدلًا فيما ولى عليه فلا يصح لخائن أو لمن يتصرف بغير المصلحة الشرعية إلى أن قال وطرؤ الفسق على الوصى يعزله إذ تشترط عدالته ابتداء ودوامًا أي يكون موجبًا لعزله عن الوصية لا أنه ينعزل بمجرده فتصرفه بعد طرؤ الفسق وقبل العزل ماض وإن أوصى لاثنين بلفظ واحد كجعلتكما وصيين أو بلفظين في زمن واحد أو زمنين من غير تقييد باجتماع أو افتراق حمل على قصد التعاون فلا يستقل أحدهما ببيع أو شراء أو نكاح أو غير ذلك بدون صاحبه إلا بتوكيل منه أما إن قيد الموصى في وصيته بلفظ أو قرينة باجتماع أو انفراد عمل به قال ابن عبد السلام ولم يجعلوا وصيته للثانى ناسخة للأول وإن مات أحدهما أو اختلفا في أمر كبيع أو شراء أو تزويج أو غير ذلك فالحاكم ينظر فيما فيه الأصلح هل يبقى الحى منهما أو يجعل معه غيره في الأولى أو يرد فعل أحدهما أو يردهما معًا في الثانية ثم قال ولا يجوز لأحدهما إيصاء في حياته دون إذن صاحبه وأما بإذنه فيجوز ولا يجوز لهما قسم المال بينهما ليستقل كل بقسم منه يتصرف فيه على حدته وإلا بأن اقتسماه ضمنًا لما تلف منه ولو بسماو للتفريّط فيضمن كل ما تلف منه أو من صاحبه لرفع يده عما كان يجب وضعها عليه.
مذهب الشافعية:
وجاء في (٣) "المهذب": أنه لا تجوز الوصية إلا إلى بالغ عاقل حر عدل فأما الصبى والمجنون والعبد والفاسق فلا تجوز الوصية إليهم لأنه لا حظ للميت ولا للطفل في نظر هؤلاء ولهذا لم تثبت لهم الولاية وأما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم لقول الله : ﴿لا
стр. 8881
تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ (١) ولأنه غير مأمون على المسلم ولهذا قال الله ﵎ ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (٢) وفى جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان أحدهما أنه يجوز لأنه يجوز أن يكون وليًا له فجاز أن يكون وصيًا له كالمسلم والثانى لا يجوز كما تقبل شهادته للكافر على المسلم، وإن وصى إلى رجل فتغير حاله بعد موت الموصى فإن كان لضعف ضم إليه معين أمين وإن تغير بفسق أو جنون بطلت الوصية إليه ويقيم الحاكم من يقوم مقامه.
مذهب الحنابلة:
جاء في (٣) المحرر أنه لا تصح الوصية إلا إلى عاقل بالغ عدل فإن وجدت هذه الشروط عند الموت دون الوصية فعلى وجهين. الصحيح الصحة. وعنه تصح الوصية إلى المراهق وإلى الفاسق ويضم إليه أمين.
مذهب الظاهرية: لم أجد هذه المسألة في المذهب الظاهرى.
مذهب الزيدية (٤):
جاء في التاج أن الوصى يضمن بأحد أمور أربعة: الأول. بالتعدى منه بعد قبضه كالوديعة ليضمن ما جن أو فرط نحو أن يضعه مع غير ثقة أو في موضع لا يليق لحفظ مثله ومن التعدى الاستعمال لنفسه نحو أن يلبس الثوب ويركب الدابة حيث لم يجر عرف بذلك ولا ظن الرضا فإنه يضمن ولو زال التعدى في الاستعمال. ومن التعدى أيضًا أن يخون في شئ من التركة أو بأن يخالف ما أوصى به الميت أو بأن يبيع من دون حاجة ولا مصلحة فإذا فعل شيئًا من هذه فلا يصح البيع ويبقى في حق اليتيم موقوفًا على إجازته بعد بلوغه ويضمن ما تلف مما كان التعدى فيه وغيره ويلزمه استرداد ما كان باقيًا فإن تعذر فالقيمة وينعزل مع العلم ببطلان ولايته باختلال عدالته لا مع الجهل فلا ينعزل. ولا يضمن الوصى بتركه الاستغلال لأرض اليتيم والدور والحوانيت والحيوان والسفن والسيارات ونحو ذلك. وأما ولايته فتبطل بذلك. الأمر الثاني يضمن الوصى مع قبض المال والتراضى منه عن إخراج ما أوصى بإخراجه تفريطًا منه أي لا لعذر يسوغ تراخيه من خوف أو نحوه من حبس أو مرض أو غير ذلك مما يتعذر معه الإخراج حتى تلف المال فإذا تراضى على هذا الوجه ضمن ما أوصى به حيث تلف المال وقد كان يقبضه ولا مانع من الإخراج ولا ينعزل بتراخيه تفريطًا ولو تراخى عن إصلاح جدار علم بإشرافه على السقوط وتمكن من الإصلاح أو النقل حتى جنى بسقوطه على نفس أو مال فإنه يضمن المال وعاقلته تضمن الدابة الأمر الثالث يضمن الوصى (٥)
стр. 8882
بمخالفته ما عين له الموصى لتعديه بالمخالفة. الأمر الرابع (١) من أسباب ضمان الوصى أنه يضمن بكونه أجيرًا مشتركًا قابضًا للتركة إلا إذا كان خاصًّا أو متبرعًا بها أو لم يقبض التركة فلا يضمن وهو يصير أجيرًا مشتركًا بأن يشترط لنفسه أجرة أو كان يعتاد أخذ الأجرة على الوصايا أو غيرها فإنه يضمن ما تصرف فيه ضمان الأجير المشترك مع قبضه للتركة.
مذهب الإمامية:
جاء في شرائع (٢) الإسلام: أنه يعتبر في الوصى العقل والإسلام وهل يعتبر العدالة؟ قيل نعم، لأن الفاسق لا أمانة له وقيل: لا، لأن المسلم محل الأمانة كما في الوكالة والاستيداع ولأنها ولاية تابعة لاختيار الموصى فيتحقق بتعيينه، أما لو أوصى إلى العدل ففسق بعد موت الموصى أمكن القول ببطلان وصيته لأن الوثوق ربما كان باعتبار صلاحه فلم يتحقق عند زواله فحينئذ يعزله الحاكم ويستتيب مكانه، ولا تجوز الوصية إلى المملوك إلا بإذن مولاه، ولا تصح الوصية إلى الصبى منفردًا وتصح منضمًا إلى البالغ، لكن لا يتصرف إلا بعد بلوغه، ولو أوصى لاثنين أحدهما صغير تصرف الكبير منفردًا حتى يبلغ الصغير وعند بلوغه لا يجوز للبالغ التفرد، ولو مات الصغير أو بلغ فاسد العقل كان للعاقل الانفراد بالوصية ولم يداخله الحاكم لأن للميت وصيا، ولو تصرف البالغ ثم بلغ الصبى لم يكن له نقص شئ مما أبرمه إلا أن يكون مخالفًا لمقتضى الوصية، ولا تجوز الوصية إلى الكافر ولو كان رحما، نعم يجوز أن يوصى إليه مثله. وتجوز الوصية إلى المرأة إذا جمعت الشرائط وجاء في موضع آخرا (٣): (أما الوصى فالقول قوله في الإنفاق لتعذر البينة فيه دون تسليم المال إلى الموصى له، وكذا القول في الأب والجد والحاكم وأمينه مع اليتيم إذا أنكر القبض عند بلوغه ورشده).
مذهب الإباضية:
جاء في (٤) شرح النيل: أن صاحب الوصية يستخلف عليها إنسانًا ذكرًا أو أنثى والذكر أولى بالغًا أمينًا في المال والدين متولى عالمًا بالإنفاذ كيف ينفق وعلى من ينفق حرًا عاقلًا قويًا على الوارث لا ضعيفًا يستضعفه الوارث ولا يشتغل بتوثيق فيما تكتب فيه الوصية من ورثة صحيحة لا تمترش (٥) أو نحو ذلك كالجلد ربما يكتب به من مداد لا يمتحى وفى خط مفهوم على طريقة الخط الجيد وفى قراءة لا تلتبس ولا إجمال فيها وإشهاد شهود أمناء ممن يحكم به ويعرف كيف يقول وكيف يؤدى لو كان يؤدى بلسانه وإن لم يجد
стр. 8883
كل ذلك فليعمد إلى خير ما وجد وينبغى للمسلم أن يمين أخاه في الله إذا احتاج إليه وتقبل خلافته على الوصية وقد قيل أنه من ضيع حقوق أخيه في الله وحقوق أبويه فأنفذ وصاياهم من بعدهم فقد أدى حقوقهم ولو أنه قطعهم في حياته فمن وجد له الاختيار فلا يجوز له الإيصاء إلا إلى ثقة لأمره ﷺ بحفظ الأموال ونهيه عن إضاعتها ومن لم يجده وقد لزمته الوصية أو لم تلزمه فأقل ما يكتفى به المأمون على ما يستأمنه عليه ويفوضه إليه من مال الورثة والغرماء أنه يجعله في وجهه ويعمل فيه بالعلم ويسأل عما جهل فيه وجاء في موضع آخر (١): أن في استخلاف العشيرة على الحمل قولان الأول لزوم الاستخلاف لأن له نصيبًا في المال لا يقسم حتى يولد وإن قسم عزل له أكثر ما يكون كما يذكر في الميراث فيكون بيد خليفته والثانى عدم اللزوم لأنهم ليسوا على يقين من كونه يرث لإمكان أن لا يولد أو أن يولد ميتًا وأن لا يكون جنينًا بل ضررًا أو شحمًا أو لحمًا أو مريحا وعليهم استخلاف أمين إن لم يستخلف ذلك الميت وإن من غيرهم أي من غير العشيرة في المال والولد وإن استخلفوا أمين الأموال جاز وهو عندى مقدم على المتولى الذي لا يقوم بالمال أو الولد ولا يجد معينًا وضمن الذي أريد استخلافه لتأهله للخلافة ومن هو معه كذلك قال الشيخ أحمد وإن استخلفوا غير الأمين فلا يبرءون وإن استخلفوا الأمين برئوا ما لم تظهر منه الخيانة وكان ما يفوق طاقته ولا يصل إلى حفظه وحياطته بمعنى من المعانى فعليهم حرز ما قدروا عليه من ذلك وفيهم من يرخص أن يستخلفوا غير المتولى إذا كان أمينًا في المال على اليتيم وماله ومال الغائب ولا شئ عليهم ما لم تظهر منه الخيانة وكذا إن قام اليتيم أو ماله أو مال الغائب من تعنى بذلك ما لم تصلهم الضيعة وليًا له أو أجنبيًا من العشيرة أو غيرها حرًا أو عبدًا ذكرًا كان أو أنثى معهم من العشيرة إن ضيع بأن امتنع عن الخلافة أو قبلها وضيع وعلموا بتضييعه أو ضيعوا الاستخلاف ولو كان المال في يد غيرهم وهو ضامن معهم بل هو الضامن لأنه تلف المال بيده مضيعًا له وإن لم يغرم فعلى الورثة لأنهم ضيعوا الاستخلاف.
стр. 8884
مصطلح "الإنابة "
الإنابة لغة:
إقامة الإنسان غيره مقامه في فعل أو تصرف وهى مصدر الفعل أناب وهو الفعل ناب بعد تعديته بالهمزة يقال ناب عنه نوبا ومنابا إذا قام مقامه وعند تعديته يقال أناب فلانا عنه (١). وفى المصباح ناب الوكيل عنه في كذا ينوب نيابة فهو نائب وزيد منوب عنه ويقال ناب عنى نيابة إذا قام مقامى وأنبته أنا عنى واستنبته (٢). إذا أنبته عنك في أمر من الأمور.
الإنابة شرعا:
إقامة الإنسان غيره في عمل أو تصرف على وجه يعد فعلا منه في أمر مطلوب فيكون له أثره وتسقط به العهدة والطلب إن كان ذلك في أمر مطلوب ومثلها في المعنى الاستنابة وقد يكون له حتى الاستنابة ما لم يمنع من ذلك كوصي القاضي له حق الاستنابة وأن لم يؤذن بالاستنابة ما لم يمنعه القاضي من أن يستنيب عنه في ولايته وقد يكون له حق الاستنابة وإن منع من ذلك كالوصى المختار.
الإنابة والتوكيل:
التوكيل شرعا هو إقامة الإنسان غيره مقامه في تصرف أو عمل معلومين جائزين له شرعا حال الحياة. ولذا لا يعد الوصى وكيلا لأن نيابته تكون بعد الوفاة ويعد نائبا لأن نيابته عن الموصى كما يعد الوكيل نائبا عن الموكل لأن كلا منهما يقوم مقام غيره فيما يباشره من عمل في حدود ولايته وبذلك تتحقق نيابته عمن أقامه إذ لا يشترط في النيابة أن تكون في زمن معين ولذا كانت النيابة أعم من الوكالة فكل وكيل نائب وليس كل نائب وكيل وعلى هذا تنفرد النيابة عن الوكالة في الوصى على الصغار والوصى على الشركة وناظر الوقف بعد وفاة الواقف ولا تنفرد الوكالة عن النيابة وكما تنفرد الإنابة عن الوكالة بثبوتها بعد الوفاة تنفرد كذلك عنها بثبوتها في بعض الولايات كما في استخلاف القاضي غيره في أعمال القضاء إذا جعل له حق الاستخلاف فقط إذ يكون المستخلف نائبا لا وكيلا عن القاضي ولذا لا يملك القاضي عزله إذا لم يجعل له حق العزل ولا ينعزل كذلك بموت القاضي الذي استنابه (٣) راجع مصطلح وكالة.
الإنابة والتفويض:
التفويض هو التوكيل مع ترك الأمر الموكل فيه لإرادة الوكيل ومشيئته دون تقييده بإرادة الموكل عند مباشرته لما فوض إليه فيه إلا أن يصدر من الموكل ما يفيده في عمله بإرادة الموكل وعند ذلك ينتهى بهذا التقيد التفويض الذي أعطى له من قبل وعلى هذا فالتفويض هو التوكيل على صورة عامة مطلقة وإذن يكون أخص من التوكيل وعلى هذه الصورة كثر استعماله في كتب الفقه الإسلامي فهو توكيل مطلق عام في أمر معين من الأمور فإذا قيل إنه قد فوض إلى فلان في هذا الأمر كان معنى ذلك أنه ترك وإرادته في مباشرة هذا الأمر ومن ثم جاز له أن ينيب فيه غيره وإن لم يؤذن بالإنابة فيه صراحة وجاز له إذا أتاب غيره أن يعزله وإن لم يؤذن في ذلك بخلاف الوكيل إذ لا يوكل غيره ولا ينيب إلا بإذن أو تفويض وعلى هذا المعنى كانت الإنابة أعم من
стр. 8885
التفويض فكل تفويض إنابة. ويلاحظ أن التفويض بهذا المعنى وعلى هذا الاستعمال لا يختص بالتوكيل بل يكون في الإيصاء فيجوز أن يفوض إلى الوصى في وصايته كما يجوز أن يقيد في وصايته على رأى من ذهب إلى ذلك من الفقهاء وهذا ما لا يخرج بالتفويض في معنى الإنابة العامة أما الإنابة فتنفرد من التفويض في وكالة خاصة مقيدة كأن يوكل شخص آخر في بيع فزاد لفلان بمبلغ كذا من المال فإن هذا لا يعد في عرف الفقهاء تفويضا لما في التفويض من معنى العموم. ويستعمل الحنفية التفويض في تمليك الزوج حق تطليق زوجته لها أو لآخر وذلك ما يعبر عنه في كتاب الطلاق بتمليك الطلاق أو التفويض وكذلك يطلق على تفويض المرأة نفسها في الزواج وإذا زوجت نفسها بلا بيان مهر وتسمى المفوضة وذلك استعمال خاص للفظ التفويض وفى أقرب المسالك أن التفويض تحته ثلاثة أنواع التوكيل والتخيير والتمليك والتخيير والتمليك يكونان في الطلاق إذ يعطى الزوج لزوجته حق تخييرها في أمر نفسها أو حق تمليكها أو تمليك غيرها من التطليق (١) راجع مصطلح تفويض.
الإنابة والاستخلاف:
يقول الله تعالى في كتابه ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ (٢) ويقول: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ (٣) ويقول: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) ومعنى ذلك جعلهم خلفا من الذين سبقوهم ولم يكونوا على حالهم فهم مستخلفون غير أن الاستخلاف وهو بمعنى إقامة خليفة لا يختص بحال حياة المستخلف ولا بحال وفاته فالخليفة كما يكون حال الحياة كما هو الحال في استخلاف القاضي غيره إذا جعل له حق الاستخلاف وذلك بإقامة من يقوم مقامه وفى استخلاف الخليفة أمرا على قطر من الأقطار وكما في استخلاف مسافر من يقوم مقامه في أهله مدة سفره يكون بعد الوفاة كما في استخلاف الصحابة أبا بكر خليفة لرسول الله ﷺ واستخلاف أبى بكر لعمر أو جعله خليفة له من بعده وكما في استخلاف الأب من يقوم على تعهد أولاده بعد وفاته من وصى وعلى ذلك يكون معنى الاستخلاف بحسب استعماله إقامة شخص محل شخص في أمر من الأمور حال الحياة أو بعد الوفاة على وجه التفويض له في ذلك الأمر أو على وجه خاص ولذا يكون التفويض أعم من الاستخلاف من وجه إذ قد يكون المستخلف مقيدا وليس ذلك حال المفوض له ومن ثم يكون الاستخلاف نوعا من الإنابة في بعض حالاته التي يعد فيها المستخلف مستمدا ولايته ممن نصبه ولا يكون من الإنابة حيث لا يستمد ولايته من أحد ولا يعد نائبا عمن سبقه كاستخلاف قوم محل قوم واستخلاف خليفة محل خليفة إذ لا يمد نائبا عنه وفى مثل هذا ينفرد الاستخلاف عن الإنابة كما تنفرد الإنابة عن الاستخلاف في إنابة مشترك مع النائب من ناب عنه فيما عهد به إليه - وكذلك ينفرد عن الإنابة في استخلاف إمام الصلاة من يحل محله فيها إذا سبقه حدث إذ لا يعد في ذلك نائبا عنه
стр. 8886
ولا مستمدا ولايته منه (١). وقد جاء في شرح النيل: ما يفيد أن في توقف الاستخلاف على القبول قولين وأن الاستخلاف أعم من الوكالة فكل وكالة استخلاف ولا عكس ومعنى ذلك أنه أعم من الإنابة وجاء فيه ما يفيد أن الخيار في العقد يرثه الخليفة عن الميت ولا يرثه الوكيل ويقال في الاستخلاف أقمتك مقامى في كل شئ وأنبتك عنى في كل شئ أما الوكالة فيكفى أن يقال فيها وكلتك في كذا (٢). راجع مصطلح خلافة واستخلاف.
من له الإنابة:
كل من له حق مباشرة فعل أو تصرف لنفسه يثبت له حق الإنابة فيه فيستنيب فيه من هو أهل لمباشرة فيما يريد أن يستنيب فيه من تصرف معلوم جائز له وعندئذ يكون من أنابه وكيلا عنه فيه ولتصرفه في حكم تصرف من استنابه أن لو صدر منه (انظر مصطلح وكالة) وكذلك يكون كل من له حق مباشرة فعل أو تصرف لغيره حق الإنابة فيه إذا ما كان مفوضا فيه أو مأذونا بالإنابة فيه كالوكيل يستنيب غيره فيما وكل فيه إذا ما فوض إليه أو أذن بذلك أما إذا لم يكن المستناب مفوضا ولم يؤذن له بالإنابة فلا يكون له حق الإنابة فيما عهد إليه فيه كما في الوكيل ليس له استنابة غيره بدون إذنه بذلك إذا منع أو قيد على ما ذهب إليه بعض الفقهاء كان له حق الإنابة أو على هذا إذا كانت نيابة المتصرف مطلقة فإن حكم استنابة غيره في بعض ما عهد إليه فيه يختلف باختلاف الأحوال فحيث يتبين أن مستنيبه لا يرضى برأيه لم يجز له أن يستنيب كالوكيل في أكثر الأحوال وكالقاضى يعينه الخليفة أو الأمير وحيث يتبين خلاف ذلك وإن الغرض من ولايته مجرد حصول العمل الذي عهد إليه فيه منه أو من غيره جاز له أن يستنيب فيه وذلك كالوكيل يوكل فيما لا يستطيع القيام به وحده عادة لكثرته أو يوكل فيما لا يقوم مثله بمثله وكالقيم على عديم الأهلية أو ناقصها وكالخليفة يقيمه المسلمون وكقاضى القضاة وناظر الوقف ونحو ذلك مما لا يتسع هذا المقام لبيانه على التفصيل وإنما يرجع إليه في مواضعه المختلفة حيث تذكر أحكام هؤلاء النواب على وجه التفصيل ففى بيان ما يخص الوكيل من هذه الأحكام يرجع إلى مصطلح وكالة وفى بيان ما يخص الولى والقيم يرجع إلى ولى وفى بيان ما يخص القاضي يرجع إلى مصطلح قضاء وفى بيان ما يخص ناظر الوقف يرجع إلى مصطلح وقف وهكذا.
أسباب الإنابة:
للاستنابة أسباب عديدة منها المرض يصيب الشخص فلا يستطيع مباشرة ما يريده من عمل أو تصرف ومنها منعه عن القيام بالعمل لسبب من الأسباب كحبسه أو منعه من مباشرة العمل بنفسه ومنها كثرة أعماله على صورة مرهقة إن باشرها كلها ومنها عدم إحسانه ما يريده من عمل فيجد من يحسنه سواه ومنها حقارة العمل بالنظر إلى مكانته في المجتمع ومنها النظر إلى الراحة والترفيه عن نفسه ومنها السفر وغير ذلك من الأسباب التي يختلف أثرها باختلاف ما يراد الاستنابة فيه مما يستبين حكمه في مواضع الاستنابة المختلفة.
стр. 8887
ما تجوز فيه الإنابة:
تجوز الإنابة في كل عمل تجوز فيه النيابة شرعا أما مالا تجوز فيه النيابة شرعا فلا تجوز فيه الإنابة والأصل في النيابة أن يكون أثر الفعل فيها من فعل له نتيجة قيام النائب بالفعل نيابة عمن أنابه وكأن الفعل قد صدر من المنيب فكان له أثره فالإنابة إذا حدثت وكانت في محل تجوز فيه النيابة شرعا ترتبت عليها النيابة وفى هذه الحال قد يكون تقدم الإنابة شرطا في صحة النيابة وهذا هو الأصل وقد لا يكون شرطا في صحتها كما في النيابة للضرورة أو للعرف كما في بناء صاحب العلو السفل إذا انهدم لضرورة إحياء حقه وكما في إنفاق الإنسان مالا لاستنقاذ مال لغيره من التلف دون إذن من صاحب المال إذ يعتبر نائبا عرفا وإن لم تكن في محل تجوز فيه النيابة شرعا لم تصح كإنابة الغير بالنسبة لصلاة الفرض والخروج عن العهدة فإنها إنابة باطلة لا يترتب عليها أثر وليس من لازم ذلك ألا تكون نيابة عن الغير بدون إنابة عنه بل قد ينوب الإنسان عن غيره بدون إنابة منه بل بحكم الشارع كما في نيابة الأب عن ولده الصغير.
مذهب الحنفية:
الضابط في الإنابة أن من الأفعال ما لا يعد فعله عبادة ولا قربة. وهذا النوع من الأفعال تجوز فيه الإنابة بشروطها وهو يعم كل ما للإنسان أن يقوم به ويعد أهلا له وذلك كالعقود على اختلاف أنواعها والأعمال على اختلافها من حمل وبناء وهدم وزرع وتجارة وصياغة ودفع صدقة ودفع مال الزكاة إلى الفقراء وتسليم الودائع إلى أربابها وما إلى ذلك. وفى الأفعال ما يعد عبادة وقربة طلب الشارع أداءه أو ندب إليه فشغلت ذمة المكلف به وطلب إليه أداؤه وكانت نية المكلف به في فعله امتثالا للأمر به شرطا في خروجه عن العهدة وبراءة ذمته من المطالبة به حتى إذا فعل من غير نية لم يجزه ذلك ومن هذه الأفعال ما هو عبادة بدنية محضة كالصلاة والصوم والجهاد والاعتكاف وقراءة القرآن ومنها ما هو مالية محضه كالصدقات والأضحية وذبح الهدى والكفارات بالإطعام والإعتاق والنفقات ومنها ما يشمل الأمرين كالحج والعمرة وهذه الأفعال قد شرعت عبادة وقربة إلى الله تعالى وطلب من المكلف فعلها ولذا لا يكون الخروج من العهدة فيها إلا بنية فعلها. وقد وجبت فيها جميعها النية اتفاقا عند الامتثال سواء أفعلها المكلف بنفسه أم فعلها نائب عنه فيما تجوز فيه النيابة وأمكنت فيه النية بأن كانت ذلك حال حياة المكلف. ولما كان المقصود من التكاليف جملة الابتلاء والمشقة وذلك في البدنية بإتعاب النفس والجوارح بالأفعال التي تقوم بها تلك العبادة وليس يتحقق ذلك بفعل النائب عن المكلف إذ أن مشقته ليست مشقة للمكلف لم تجز النيابة مطلقا في العبادات البدنية سواء في ذلك حال العجز وحال القدرة ودليل ذلك قوله ﷺ لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد ومثل ذلك سائر العبادات البدنية أما في المالية فالمقصود نقص المال المحبوب إلى النفس بدفعه إلى الفقراء وذلك ما يتحقق بفعل النائب عن المكلف فجازت فيه النيابة في الدفع والأداء لا في النية والامتثال وقد ورد في هذا أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين
стр. 8888
أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته وأن سعد بن أبى وقاص سأل رسول الله ﷺ أن أمى كانت تحب الصدقة أفأتصدق عنها فقال النبي ﷺ : نعم وكان مقتضى ذلك ألا تجرى النيابة في الحج لتضمنه القصد إلى المشقتين البدنية والمالية والبدنية لا تتحقق بفعل النائب غير أنه تعالى قد رخص في إسقاطه بتحمل المشقة الثانية وهى إخراج المال وذلك عند العجز المستمر إلى الموت رحمة وفضلا بأن تدفع نفقة الحج إلى من يحج بالنيابة بخلاف حال القدرة فلم يعذر المقتدر لأن تركه العبادة عندئذ ليس إلا للإيثار رحمة بنفسه عن أمر ربه فلم يستحق لذلك التخفيف بإسقاط الطلب عنه وقد جاءت الأحاديث دالة على جواز النيابة في الحج فقد روى ابن عباس أن امرأة خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره أفأحج عنه؟ فقال رسول الله ﷺ فحجى عنه رواه الجماعة. وفى رواية عن علي أنها سألت فقالت إن أباها كبر وقد أفند أي خرف وقد أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أداءها أفيجزى عنه أن أؤديها عنه؟ فقال رسول الله ﷺ نعم رواه أحمد والترمذى وصححه. وعن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: فحجى عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقض الله فإنه أحق بالوفاء. رواه البخارى وإذا جازت الإنابة في العبادة المالية مطلقا فالعبرة لنية المنيب لا لنية النائب. وسواء أنوى المنيب وقت الدفع إلى النائب أو وقت دفع النائب إلى الفقراء أو فيما بينهما ولهذا جاء في الفتاوى الظهيرية من دفع مالا إلى آخر ليتصدق به على الفقراء تطوعا نيابة عنه فلم يتصدق النائب حتى نوى الآمر الزكاة المفروضة عليه ولو لم يتلفظ بذلك ثم تصدق النائب جاز في الزكاة ولهذا لا تعتبر أهلية النائب حتى لو أناب المسلم ذميا في دفع زكاة إلى الفقراء جاز كما في كشف الأسرار والأصل الذي ذهب إليه الحنفية وأسسوا عليه مذهبهم في الإنابة وقبولها في الأفعال مطلقا كما بينا سابقا هو جواز الإنابة إلى كل ما للإنسان أن يفعله لنفسه وأن يفعله لغيره نيابة عنه كالعقود على اختلافها والضحايا والزكاة والصيد ودفع الودائع ورد المغصوب والعاريات وأداء الديون ودفع النفقات وما إلى ذلك من الأعمال كالأعمال التي تختص بالأوصياء والقوام والأولياء والقضاء والشهادة وقبض الهبات وما أشبه ذلك ما لم يمنع من ذلك مانع ولذلك استثنوا من هذا الأصل فيما ليس عبادة مسائل دعا إلى استثنائها أسباب منها عدم الإضرار بالغير حين رأوا في الإنابة إضرارا بكير المنيب كما في الإنابة في الخصومة عند الإمام وكما في الإنابة في تنفيذ الحدود والقصاص وذلك مراعاة لاحتمال العفو من ولى الدم في القصاص إذا كان حاضرا ولذا جازت الإنابة عند حضوره التنفيذ وليس للوكيل أن لا يوكل فيما وكل فيه إلا بإذن من الموكل أو تفويض منه والمرتهن ليس له أن يحفظ الرهن عند غيره ممن لا يحفظ ماله لديه والوديع لا يودع الوديعة عند غيره إلا بإذن من المودع. والأب والجد إذ يجوز لهما شراء مال موليهما الصغير ولا يملكان التوكيل في ذلك إذ
стр. 8889
أن جواز ذلك كان بناء على كمال شفقتهما وليس ذلك لنائبهما وكذلك المقترض يملك الاستقراض لنفسه ولا ينيب عنه غيره فيه وإذا فعل كان القرض للنائب إذا ضافه لنفسه لا لالتزامه أمام المفوض. وما ينبغى الالتفات له أن الحنفية في مجال العبادات البدنية المحضة منعوا الإنابة فيها عند قدرته عليها وعند عجزه عنها على السواء لما تقدم في بيان الضابط غير أن جمهورهم أجازوا بكون ثوابها لغير المؤدى سواء أكان ذلك حال الحياة أم بعد الوفاة لورود الآثار بما يفيد ذلك وذلك تفضلا من الله ورحمة منه بعباده ولم يعد ذلك من قبيل النيابة بل من قبيل هبة الثواب من استحقه على فعل الطاعة كما أجازوا أخذ الأجرة على بعض هذه العبادات للضرورة كما في تعليم العلم وتعليم القرآن والأذان وإمامة الصلاة والإقامة وذلك لانصراف الناس عن أداء ذلك إلا أن يؤجروا على قيامهم به فأجازوا لذلك الإجازة فيه خوفا من الضياع والإهمال. ذلك ما يتعلق بالنوعين الأولين من العبادات أما ما يقوم منها بالبدن والمال وهو الحج فيما يلى بيان المذهب. ذهب الحنفية إلى أن الحج ما تجوز فيه الإنابة وتثبت فيه النيابة وهو إما أن يكون فرضا وإما أن يكون نفلا فإذا كان فرضا فالشرط في جواز الإنابة فيه عجز المنيب واستمرار عجزه إلى الموت لأن الحج فرض العمر فيجب أن يقوم به المكلف في أول سن الإمكان فإذا أخره أثم وتقرر عليه أداؤه في ذمته مدة عمره وإن كان فقد بعد ذلك بعض شروط وجوبه كلها فإذا عجز عن ذلك في مدة عمره رخص له الاستنابة رحمة به فإذا قدر عليه وقتا من عمره بعد استنابته لعجز لحقه وفى فتح القدير التفصيل بين مرض يرجى زواله أولا يرجى زواله فإن كان لا يرجى زواله فاستناب فيه ثم برئ سقط الفرض عنه استمر ذلك العذر أو زال فلا تبطل استنابت وإن كان يرجى زواله فاستناب فيه ثم برئ لم يسقط الغرض عنه ووجب عليه الحج وإن استمر إلى الموت فقد سقط عنه الفرض بأداء من أنابه وإذا لم تجد المرأة محرما لم تخرج إلى الحج حتى إذا جاء وقته والأمر على ذلك استنابت فيه وإذا دام ذلك حتى ماتت سقط عنها الفرض وإن لم يدم حتى وسعها الحج مع محرم حجت. ويشترط في صحة الإنابة أن يكون المنيب حال الإنابة عاجزا عن الأداء بنفسه وأن يصدر من المنيب ما يدل على الإنابة من لفظ أو إشارة فلا يجوز الحج عن الغير بدون استتابة إلا لوارث فإنه يحج عن مورثه ويجزئه ذلك كما يشترط في سقوط الفرض نية الحج عن المنيب ويكفى في ذلك النية بالقلب وأن يكون أكثر نفقة النائب من مال المنيب فلا يجزئ حج تبرع غير الآمر به ولكن إذا لم يوص به الآمر فيتبرع أحد الورثة أو غيرهم فإنه يرجى القبول ولا يجوز اشتراط أجرة له وإلا كانت الإجارة باطلة. وأن يكون كل من الآمر والمأمور مسلما عاقلا وأن يكون النائب مميزا ولذا يصح من المراهق إذ يحج عن غيره وهذه كلها شروط في حج الفرض أما حج النفل فلا يشترط في صحته إلا الإسلام والعقل في في المستنيب والتائب وتمييز النائب وعدم الاستئجار وارجع في تعريف بقية الإحكام إلى
стр. 8890
مصطلح (حج) وتجب الوصية بالحج إذا أخر بعد وجوبه فإن بين الموصى فيها مالا أو مكانا بيد آمنة فالأمر على ما بين في وصيته فإن عين مالا حج عنه من حيث يبلغ وإن بين مكانا حج عنه منه وإن لم يبين حج عنه من بلده وذلك إذا كان في ثلث تركته وفاء بذلك فإن لم يكن فيه وفاء حج عنه من حيث يبلغ استحسانًا ومن شرع في أداء الحج وهو قادر عليه له الإنابة في رمى الجمرات على العجز فقط مع القدرة وجاء في المبسوط أن المريض الذي لا يستطيع رمى الجمار.
يوضع الحصى في كفه حتى يرمى به لأنه فيما يعجز عنه يستعين بغيره وإن رمى عنه من استعان به أجزأه بمنزلة المغمى عليه فإن النيابة تجزى في الشك كما في الذبح ونقل إمام الحرمين عند الحنفية صحة استنابة العاجز عن الرمى ولو استناب فأغمى عليه النيابة وذلك خلاف الأصل في سقوط الإذن بخروج الإذن عن أهليته ولكنه خولف لأن الغرض إقامة النائب مقام العاجز.
الإنابة في العمرة:
يرى الحنفية في الإنابة بالعمرة ما رأوه في الإنابة في الحج وما كانت سنة ولم تكن فرضا عندهم لم يشترطوا في صحة الإنابة فيها عجز المنيب ذلك لأن المقصود منها يحدث بفعل النائب إذ المقصود منها الثواب وللمستنيب تركها أصلا فكان تحمله مشقة دفع النفقة فيها للنائب أولى من تركها بتاتا وما لم يشترطوا عجز المنيب في الحج نفلا لم يشترطوا كذلك عجز المنيب في العمرة وذلك ما يدل عليه إطلاقهم في الكلام على العمرة يراجع مصطلح حج وعمرة والنيابة فيها لتعرف بقية الأحكام.
تطبيق على الضابط المتقدم عند الحنفية:
١ - ويجوز للوكيل في تصرف أو عمل أن يستنيب غيره فيه إذا ما أذن بذلك من موكله أو فوض إليه فإذا لم يؤذن بذلك ولم يفوض إليه لم تجز استنابته لأن الموكل ما رضى بغير رأيه.
٢ - ويجوز للولى أن يستنيب غيره عنه في حدود ولايته سواء أكان وليا على النفس أم على المال لأنه يتصرف بأهليته وارجع في تفصيل أحكام ذلك إلى مصطلح ولى.
٣ - الوصى والقيم وناظر الوقف لكل من هؤلاء أن يستنيب غيره في حدود ولايته من التصرفات كما يجوز للوصى المختار أن يوصى إن غيره وارجع إلى مصطلح وصى في تفصيل أحكام ذلك.
٤ - لإمام المسلمين أن ينيب غيره في الولاية من بعده وفى أية ولاية من ولاياته حال حياته بحكم إمامته وذلك على تفصيل في أحكام ذلك يرجع إليه في مصطلح خلافه.
إنابة القاضي غيره:
جاء في البحر الرائق: وابن عابدين عليه: ولا يستخلف قاض غيره إلا إذا فوض إليه ذلك لأنه إنما فوض إليه القضاء دون التقليد به فلا يتصرف في غير ما فوض إليه كالوكيل لا يوكل فيما وكل فيه بدون إذن الموكل. ولا فرق في هذا بين أن يكون عذر يستوجب ذلك أم لا كما في النيابة فإن استخلف غيره دون أن يكون مأذونا بذلك فقضى كان قضاؤه موقوفا على إجازته ذلك الغير ممن استخلفه القاضي وكان الخليفة
стр. 8891
أهلا لذلك القضاء أما إن كان القاضي مأذونا بالاستخلاف من الخليفة فإن خليفته يكون نائبا عن الخليفة لا عن المستخلف وهو القاضي المأذون له بالاستخلاف ولذا لا يملك عزله إلا الخليفة ولا فرق في هذا الحكم بين أن تكون الإنابة في القضاء وبين أن تكون فيما يتوقف عليه القضاء كسماع الشهود وتحليف الخصم لأن مباشرة ذلك من اختصاص القاضي حتى يكون حكمه عن بينة قامت لديه "باب القضاء في الدر المختار وابن عابدين عليه" والإذن بالاستخلاف قد يكون صريحا إذا كان بعبارة تدل على ذلك مثل ول من شئت وقد يكون به بطريق الدلالة كأن يقول الخليفة لمن يوليه جعلتك قاضى القضاة إذ المعروف أن التولية بل والعزل من اختصاص قاضى القضاة. وفى الخلاصة إذا إذن الخليفة للقاضى في الاستخلاف فاستخلف رجلا وإذن له في الاستخلاف جاز له أن يستخلف كما يجوز لمن استخلفه أن يستخلف إذا إذن له وهكذا ويصح لمن إن بالاستخلاف أن يستخلف ابنه وارجع إلى أحكام النيابة عن القاضي في مصطلح نيابة وفى البحر في الموضع نفسه.
إنابة الشاهد: لمن تحمل شهادة في حادثة ودعى إلى الشهادة أن يستنيب غيره في أداء هذه الشهادة أمام مجلس القضاء على أن يقول المنيب لمن استنابه أشهد على شهادتى بكذا وعلى أن يقول النائب عند أدائه الشهادة في مجلس القضاء أشهد أن فلانا أشهدنى على شهادته بكذا. وقال لى اشهد على شهادتى بذلك وهذه مسألة على الشهادة وارجع في بقية أحكامها إلى مصطلح شهادة.
إنابة الإمام في الصلاة: أجاز الحنفية للإمام في الصلاة إذا حدث له أثناء الصلاة عذر يمنعه المضى فيها كحدث أن يستخلف غيره من المأمومين وارجع إلى تفصيل أحكام ذلك في مصطلح استخلاف الإمام في الصلاة.
وكذلك يجوز استخلاف الإمام في خطبة الجمعة وصلاتها.
الإنابة في الأضحية: الأضحية قربة مالية محضة كالزكاة والصدقة فتجوز فيها الإنابة مع ملاحظة اشتراط النية ممن هي عليه لأنها عبادة ولا عبادة بلا نية ولذا يجوز لمن أراد الضحية أن يستنيب في ذلك غيره ليذبح عنه ولو كان النائب كتابيا غير أن إنابته مكروهة لأنه ليس من أهل القرب ويكفى في الإنابة الدلالة فمتى عين شاة للأضحية فذبحها غيره عنه يوم النحر أجزأه ذلك ولا ضمان على الذابح خلافا لزفر. وقد روى أن رسول الله ﷺ قد ساق مائة بدنة فنحر بيده نيفا وستين ثم أعطى المدية عليا كرم الله وجهه فنحر باقيها يراجع مصطلح أضحية في تعريف بقية الأحكام.
الإنابة في إقامة الحدود واستيفاء القصاص:
لا تجوز الإنابة في استيفاء القصاص في حال غيبة المستنيب لجواز أن يكون قد عفا ولم يصل خبر عفوه ولأن في حضوره عند استيفاء القصاص احتمال العفو ورجاؤه منه وذلك عند معاينة وسائل التنفيذ والله يقول ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). أما إقامة الحدود فهى للإمام على التعيين قصدا إلى تحقيق مصالح العباد بصيانة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم لأن
стр. 8892
القضاة قد يمتنعون من التعرض لذلك خوفا على أنفسهم ممن يقام الحد عليه أو من ذويه خلافا للإمام لما له من الشوكة والقوة والمنعة فلا يخشى تبعة الجناة وأتباعهم وهذا إلى أن تهمة الميل والمحاباة والتوانى في التنفيذ منفية عن الإمام فلا يحصل المقصود من الحدود إلا بإقامته وله الاستخلاف في إقامتها وذلك على نوعين: تنصيص وتولية أما التنصيص فهو أن ينص الإمام صراحة في استنابة على إقامة الحد فيجوز لخليفة إقامتها من غير شك وأما التولية فعلى ضربين عامة وخاصة فالعامة أن يولى رجلا ولاية عامة مثل إمارة أقليم أو بلد عظيم فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها في ولايته لأن تقليده ولاية الإقليم أو البلد تعد تفويضا في القيام بمصالح أهله وإقامة الحدود من أهم مصالحهم (يراجع مصطلح حد في تعرف بقية الأحكام) والخاصة أن يولى رجلا ولاية خاصة مثل جباية الخراج فلا يملك بهذه الولاياة إقامة الحدود ولا يملكها إلا بالنص عليها ومن كان له ولاية إقامة الحد في بلد فخرج بأهله غازيا ملك عليهم في سيره إقامة الحد وأما إذا أخرج غازيا وجعل له إمارة أو فرقة ابتداء فلا يملك عليهم إقامة الحدود فيما بينهم لأنه ولاية خاصة لم تكن في ولايته من قبل.
الإنابة في الوظائف: الخاصة بالوقف:
اختلف فقهاء الحنفية في استنابة أرباب الوظائف كالإمامة والخطبة والأذان والقراءة والتعليم ونحو ذلك مما يشترطه الواقفون في أوقافهم وفيما وقفوه على المساجد فذهب فريق إلى أن الاستنابة من أرباب هذه الوظائف لا تجوز إلا لعذر اقتضاهم الاستنابة فيها ومن الفقهاء كالطوسى من ذهب إلى عدم جوازها ولو مع العذر معللا ذلك بأن هذا هو غرض الواقف وإلا لشرط أن يقوم مقامه عند العذر من يستنيبه واعترض صاحب البحر وذلك قائلا أن الخصاف وصاحب الإسعاف أجازا للقيم على الوقف الإنابة ويجوز أن يجعل له من المرتب أجر عن عمله وليس أرباب الوظائف بأقل شأنا من القيم وقال إن هذا كالتصريح بجواز الاستنابة مطلقا والمتأخرون على جواز الاستنابة في الوظائف قال ابن عابدين والذي تحرر من النقول العمل بفتوى المتأخرين من جواز الاستنابة في الوظائف. يراجع مصطلح وقف في تعرف بقية الأحكام.
الإنابة في قبض الهبة: قبض الهبة شرط لتمامها وثبوت ملك الموهوب له وهو حق للموهوب له إذا كان من أهل التصرف وله الإنابة فيه لأنه من الأفعال المتعلقة بالعقود تجوز فيها الإنابة فإن لم يكن الموهوب أهلا للتصرف كان قبضها للولى عليه أو لمن هو في عياله فله عندئذ الاستتنابة في ذلك لأن فيه مصلحة الموهوب له ويرجع إلى تفصيل ذلك في مصطلح هبة.
مذهب المالكية:
من الأفعال ما هو قلبى محض كالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالغيب وهذا النوع لا تجوز فيه الإنابة ولا النيابة واستثنى من ذلك بعض النوايا كإحجاج الصغير أو يقوم وليه عنه في النية وسائر نيات الأعمال التي
стр. 8893
تصح فيها النيابة واشترط فيها النية على حسب الخلاف في ذلك بين فقهاء المذهب ومن الأفعال ما ليس بقلبى محض بل هو من أفعال الجوارح أو مركب من عمل القلب والجارحة فالأول كرد العوارى والودائع والمغصوبات وقضاء الديون وتفريق الصدقات والكفارات وتقسيم لحوم الأضاحى وذبح النسك ورد التالف إلى ما كان عليه قبل إتلافه وتسليم اللقطة إلى صاحبها وما إلى ذلك ولا خلاف في صحة الإنابة في هذا النوع لأنها أفعال مالية محضه والثانى وهو ما كان مركبا من عمل القلب والجوارح سواء أدخله المال أم لم يدخله كالصلاة والحج والزكاة وقراءة القرآن والذكر والصدقة وصدقة الفطر فقد اختلف فيه الفقهاء فمنهم من حكى الخلاف في جواز النيابة والإنابة فيها ما عدا الصلاة الحكى الإجماع على عدم جواز النيابة والإنابة فيها ومنهم من أطلق فحكى الخلاف فيها أيضًا ومنهم من ذهب إلى أن الفعل المطلوب شرعا إن اشتمل على مصلحة يتوقف تحققها على مباشرة من طلب منه الفعل له وكان النظر إليها لذات الفاعل بحيث لا تحصل إلا بمباشرته ولا تحصل مصلحة إلا لمن باشره كاليمين فإن مصلحته في دلالته على صدق الحالف وهذه مصلحة لا تحصل بحلف غيره عنه وهذا لا تجوز فيه الإنابة إجماعا. ولذلك لم يكن من السنة أن يحلف أحد عن أحد فيستحق المحلوف عنه يمين الحالف وكالدخول في الإسلام مصلحته إجلال الله وتعظيمه وإظهار العبودية له فلا تحصل ذلك من الشخص إلا بمباشرته نفسه لا بمباشرة غيره وكوطء الزوجة مصلحته الإعفاف وتحصيل الولد الذي ينسب إليه شرعا وذلك لا يحصل بفعل غيره في هذا النوع تفوت المصلحة التي طلبها الشارع بفعل غير من طلب منه الفعل ولا توصف حينئذ بكونها مشروعة في حقه ومن هذا النوع أيضا أيمان اللعان والشهادات إذ المقصود منها الموثوق بصدق المدعى وبعدالة المتحمل وذلك يفوت بأداء الغير وجملة القول في ذلك أن مقصود الشارع من الفعل متى كان يحصل من عمل النائب كما يحصل من عمل المستنيب وهو مما يجوز الإقدام عليه جازت فيه الإنابة وإلا فلا مع قطع النظر عن فاعله وإن اشتمل ذلك الفعل على مصلحة لا يتوقف تحققها على شخص فاعلها بل على حدوث الفعل نفسه صحت فيه الإنابة قطعا بلا خلاف وذلك كرد الودائع والعوارى والمخصوبات وقضاء الديون لأنه المقصود منها انتفاع أهلها بها وذلك حاصل ممن هي عليه بحصولها من نائبه ولذا لم تشترط النية في أكثرها وإن اشتمل على مصلحة يتوقف تحققها على حدوث الفعل من فاعله المطلوب منه ومباشرته فكان النظر فيها لجهة الفعل ولجهة الفاعل وهى مترددة بينهما فقد اختلف الفقهاء في اعتبار أي الناحيتين تغلب على الفعل وينظر إليها فيه وذلك كالحج فإن مصلحته تتمثل في تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره ولتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من الحاج لما لا يعلم حقيقته كرمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة والوقوف في مكان خاص وغير ذلك من المصالح التي لا تحصى ولا تحصل إلا للمباشر له كما هو
стр. 8894
الحال في الصلاة بالنسبة إلى المصلى وكذلك تتمثل في إنفاق المال في سبيل الله إذا لا يعرى الحاج عن الإنفاق في سفره وفى ترحاله وما إلى ذلك فمن الفقهاء من غلب مصلحة الأولى على مصلحة الثانية لأنها أقوى المصلحتين وأوثقها صلة بالحج لحصولها بذات الحج بخلاف الثانية فإنها إنما تحصل فيه بطريق العرض وقد تتخلف عنه بدليل أن المكى يصح أن يحج دون أن يتكلف إنفاق مال وبناء على ذلك ذهب إلى عدم جواز الإنابة في الحج كمالك وأصحابه كما لم تجز الإنابة في صلاة الجمعة لمن يكلف الانتقال إليها مالا بسبب بعد محل إقامتها اتفاقا ومن الفقهاء من غلب مصلحته الثانية فأجاز في الحج كما تجوز الإنابة في الزكاة ويستند أرباب هذا الرأى إلى ما ورد من الأحاديث في الحج عن الصبيان والمرضى وجواز أن يحرم عنهم غيرههم ويفعل أفعال الحج عنهم ولا شك أن ذلك من العبادات التي أوردها على الاتباع. وقد اعترض به على هذا الضابط بأنه منقوض بالصوم فإنه عبادة بدنية محضة تتوقف مصلحته على مباشرته من فاعله من الإحساس بحاجة الفقير وجوعه والشعور بنعمة الله على الصائم وما أفاض به عليه من النعم والمال وسلامة جسمه وقلبه. ومع ذلك ورد عن رسول الله ﷺ روايات عديدة في الصحيحين وغيرهم ما يدل على جواز النيابة فيه ومن ذلك أيضا ما روته السيدة عائشة - رضى الله عنها - مرفوعا من مات وعليه صوم صام عنه وليه دوفع ذلك الاعتراض بأن ما جاء في السنة من ذلك قصد به إيصال الثواب إلى من فعل له الفعل لا إبراء ذمته مما فرضه الله عليه بدليل أنها وردت في الصوم عمن توفى والكلام في الإنابة التي تبرئ الذمة حال الحياة (١). وبناء على ما تقدم يرى المالكية أن الأصل في الأفعال على الجملة جواز الإنابة فيها ما لم تكن عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله تعالى قد طلبها الشارع من المكلف فإن كانت قربة كان النظر إلى المصلحة التي قصدت من شرعها فإن كانت لمن باشرها خاصة كالصوم وكصلاة لم تجز الإنابة فيها عند مالك لما ذكر لا فرق في ذلك بين حال العذر وعدمه وإن لم تكن المصلحة من شرعها خاصة بمن باشرها بل تتحقق بقطع النظر عمن باشرها كالزكاة والحج أو تتحقق لمن باشرها مصلحة له ترجع إلى تطهير النفس وتهذيبها وخضوعها لما أمر الله به من عبادة فيها صلاح المجتمع كما يتحقق بها شدة حاجة الفقير ومواساته وكالعتق ترجع المصلحة فيه إلى الرقيق بتحرير نفسه وإلى مالكه بحمل نفسه على تسوية عبده به وخضوعها لما أمر به الله من تحرير الرقاب. فقد اختلف في ذلك الفقهاء من المالكية فقالوا إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو بغير إذنه في ذلك فإن مقتضى قول الأصحاب في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه أو بغير إذنه أن الذابح لها إن كان صديق ربها ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أجزأته الأضحية. مقتضى رأيهم هذا في الأضحية والزكاة مثلا أن الزكاة تجزئه إذا قام بها عمن وجبت عليه من
стр. 8895
هذا شأنه وصفته؛ لأن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة إلى النية وإن كان القائم بها ليس كذلك لم تجزئ افتقارها إلى النية على الصحيح من المذهب لمعنى العبادة فيها وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها ينبغى أن يجز فعل الغير فيها مطلقا كأداء الدين ورد الوديعة ونحوهما. والقول بعدم اشتراط النية فيها ذهب إليه بعض الأصحاب قياسا على أداء الديون مستدلا بأخذ الإمام لها كرها وأجزائها عند ذلك مع عدم النية ممن وجبت عليه ولكن المنقول عن مالك اشتراط النية فيها لما فيها من معنى التعبد من جهة مقدارها في نصابها والواجب فيها وغير ذلك (١). ويلاحظ أن الإنابة في توزيع أموال الزكاة على اختلاف أنواعها جائزة عند المالكية من غير خلاف لأنه عمل مالى محض.
الإنابة في الزكاة: والاستنابة فيها عندهم مندوبة بعدا عن الرياء وحب المحمدة. وإذا كان من وجبت عليه الزكاة جاهلا بأحكام تفريقها أو خشى وقوع الرياء منه وجب عليه استنابة العارف بأحكامها.
الإنابة في العتق: في عتق الإنسان من غيره قال مالك في المدونة من أعتق عبده عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه عن كفارة الظهار وقال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء وهو المشهور قاله ابن القاسم وعدم الإجزاء ذهب إليه أشهب وقال عبد الملك بن الماجشون إن أذن في العتق أجزأ عنه وإلا فلا وعن اللخمى يجزئ العتق عن ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان المعتق أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ الدفع في الزكاة لأنها ليست في الذمة بل في المال ويجزئ في الكفارة لأنها في الذمة قال اللخمى والحق الإجزاء فيهما لأنهما كالدين (٢).
الإنابة في الحج: الحج كما تقدم من العبادات البدنية المالية ولكن المالكية غلبوا فيه جانب البدنية فذهبوا إلى عدم جواز الإنابة فيه إذا كان فرضا سواء في ذلك حال المرض، وحال الصحة فمن كان عليه حجة الإسلام لم يجز له أن ينيب عنه فيها حتى إذا استأجر غيره ليقوم بها كانت الإجازة فاسدة للأجير أجر مثله إن أتم عمله وإلا فلا شئ له أما إن كان الحج تطوعا كان يكون المستنيب مريضا لا يرجئ برؤه فسقط بذلك عنه الحج أو سبق له أن حج حجة الإسلام فإن الإنابة فيها صحيحة والإجارة عليها صحيحة مكروهة كالاستئجار على العمرة إذ الأولى له أن يؤدى ذلك بنفسه ومن عجز بنفسه ولم يقدر عليه في أي عام من حياته فقد سقط عنه الحج باتا ولا يلزمه الاستئجار عليه ولو كان غنيا قادرا على دفع الأجرة غير أنه إذا استأجر عليه سواء أكان صحيحا أم مريضا وسواء أكان الحج الذي استأجر عليه فرضا أو نفلا فلا يكتب له بل يقع الحج نفلا للأجير وللمستأجر ثواب مساعدة الأجير على الحج كما أنه إذا أوصى شخصا بأن يحج عنه فحج عنه تنفيذا للوصية أو حج عنه (٣)