أهلا لذلك القضاء أما إن كان القاضي مأذونا بالاستخلاف من الخليفة فإن خليفته يكون نائبا عن الخليفة لا عن المستخلف وهو القاضي المأذون له بالاستخلاف ولذا لا يملك عزله إلا الخليفة ولا فرق في هذا الحكم بين أن تكون الإنابة في القضاء وبين أن تكون فيما يتوقف عليه القضاء كسماع الشهود وتحليف الخصم لأن مباشرة ذلك من اختصاص القاضي حتى يكون حكمه عن بينة قامت لديه "باب القضاء في الدر المختار وابن عابدين عليه" والإذن بالاستخلاف قد يكون صريحا إذا كان بعبارة تدل على ذلك مثل ول من شئت وقد يكون به بطريق الدلالة كأن يقول الخليفة لمن يوليه جعلتك قاضى القضاة إذ المعروف أن التولية بل والعزل من اختصاص قاضى القضاة. وفى الخلاصة إذا إذن الخليفة للقاضى في الاستخلاف فاستخلف رجلا وإذن له في الاستخلاف جاز له أن يستخلف كما يجوز لمن استخلفه أن يستخلف إذا إذن له وهكذا ويصح لمن إن بالاستخلاف أن يستخلف ابنه وارجع إلى أحكام النيابة عن القاضي في مصطلح نيابة وفى البحر في الموضع نفسه.
إنابة الشاهد: لمن تحمل شهادة في حادثة ودعى إلى الشهادة أن يستنيب غيره في أداء هذه الشهادة أمام مجلس القضاء على أن يقول المنيب لمن استنابه أشهد على شهادتى بكذا وعلى أن يقول النائب عند أدائه الشهادة في مجلس القضاء أشهد أن فلانا أشهدنى على شهادته بكذا. وقال لى اشهد على شهادتى بذلك وهذه مسألة على الشهادة وارجع في بقية أحكامها إلى مصطلح شهادة.
إنابة الإمام في الصلاة: أجاز الحنفية للإمام في الصلاة إذا حدث له أثناء الصلاة عذر يمنعه المضى فيها كحدث أن يستخلف غيره من المأمومين وارجع إلى تفصيل أحكام ذلك في مصطلح استخلاف الإمام في الصلاة.
وكذلك يجوز استخلاف الإمام في خطبة الجمعة وصلاتها.
الإنابة في الأضحية: الأضحية قربة مالية محضة كالزكاة والصدقة فتجوز فيها الإنابة مع ملاحظة اشتراط النية ممن هي عليه لأنها عبادة ولا عبادة بلا نية ولذا يجوز لمن أراد الضحية أن يستنيب في ذلك غيره ليذبح عنه ولو كان النائب كتابيا غير أن إنابته مكروهة لأنه ليس من أهل القرب ويكفى في الإنابة الدلالة فمتى عين شاة للأضحية فذبحها غيره عنه يوم النحر أجزأه ذلك ولا ضمان على الذابح خلافا لزفر. وقد روى أن رسول الله ﷺ قد ساق مائة بدنة فنحر بيده نيفا وستين ثم أعطى المدية عليا كرم الله وجهه فنحر باقيها يراجع مصطلح أضحية في تعريف بقية الأحكام.
الإنابة في إقامة الحدود واستيفاء القصاص:
لا تجوز الإنابة في استيفاء القصاص في حال غيبة المستنيب لجواز أن يكون قد عفا ولم يصل خبر عفوه ولأن في حضوره عند استيفاء القصاص احتمال العفو ورجاؤه منه وذلك عند معاينة وسائل التنفيذ والله يقول ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). أما إقامة الحدود فهى للإمام على التعيين قصدا إلى تحقيق مصالح العباد بصيانة أنفسهم وأعراضهم وأموالهم لأن
стр. 8892
القضاة قد يمتنعون من التعرض لذلك خوفا على أنفسهم ممن يقام الحد عليه أو من ذويه خلافا للإمام لما له من الشوكة والقوة والمنعة فلا يخشى تبعة الجناة وأتباعهم وهذا إلى أن تهمة الميل والمحاباة والتوانى في التنفيذ منفية عن الإمام فلا يحصل المقصود من الحدود إلا بإقامته وله الاستخلاف في إقامتها وذلك على نوعين: تنصيص وتولية أما التنصيص فهو أن ينص الإمام صراحة في استنابة على إقامة الحد فيجوز لخليفة إقامتها من غير شك وأما التولية فعلى ضربين عامة وخاصة فالعامة أن يولى رجلا ولاية عامة مثل إمارة أقليم أو بلد عظيم فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها في ولايته لأن تقليده ولاية الإقليم أو البلد تعد تفويضا في القيام بمصالح أهله وإقامة الحدود من أهم مصالحهم (يراجع مصطلح حد في تعرف بقية الأحكام) والخاصة أن يولى رجلا ولاية خاصة مثل جباية الخراج فلا يملك بهذه الولاياة إقامة الحدود ولا يملكها إلا بالنص عليها ومن كان له ولاية إقامة الحد في بلد فخرج بأهله غازيا ملك عليهم في سيره إقامة الحد وأما إذا أخرج غازيا وجعل له إمارة أو فرقة ابتداء فلا يملك عليهم إقامة الحدود فيما بينهم لأنه ولاية خاصة لم تكن في ولايته من قبل.
الإنابة في الوظائف: الخاصة بالوقف:
اختلف فقهاء الحنفية في استنابة أرباب الوظائف كالإمامة والخطبة والأذان والقراءة والتعليم ونحو ذلك مما يشترطه الواقفون في أوقافهم وفيما وقفوه على المساجد فذهب فريق إلى أن الاستنابة من أرباب هذه الوظائف لا تجوز إلا لعذر اقتضاهم الاستنابة فيها ومن الفقهاء كالطوسى من ذهب إلى عدم جوازها ولو مع العذر معللا ذلك بأن هذا هو غرض الواقف وإلا لشرط أن يقوم مقامه عند العذر من يستنيبه واعترض صاحب البحر وذلك قائلا أن الخصاف وصاحب الإسعاف أجازا للقيم على الوقف الإنابة ويجوز أن يجعل له من المرتب أجر عن عمله وليس أرباب الوظائف بأقل شأنا من القيم وقال إن هذا كالتصريح بجواز الاستنابة مطلقا والمتأخرون على جواز الاستنابة في الوظائف قال ابن عابدين والذي تحرر من النقول العمل بفتوى المتأخرين من جواز الاستنابة في الوظائف. يراجع مصطلح وقف في تعرف بقية الأحكام.
الإنابة في قبض الهبة: قبض الهبة شرط لتمامها وثبوت ملك الموهوب له وهو حق للموهوب له إذا كان من أهل التصرف وله الإنابة فيه لأنه من الأفعال المتعلقة بالعقود تجوز فيها الإنابة فإن لم يكن الموهوب أهلا للتصرف كان قبضها للولى عليه أو لمن هو في عياله فله عندئذ الاستتنابة في ذلك لأن فيه مصلحة الموهوب له ويرجع إلى تفصيل ذلك في مصطلح هبة.
مذهب المالكية:
من الأفعال ما هو قلبى محض كالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالغيب وهذا النوع لا تجوز فيه الإنابة ولا النيابة واستثنى من ذلك بعض النوايا كإحجاج الصغير أو يقوم وليه عنه في النية وسائر نيات الأعمال التي
стр. 8893
تصح فيها النيابة واشترط فيها النية على حسب الخلاف في ذلك بين فقهاء المذهب ومن الأفعال ما ليس بقلبى محض بل هو من أفعال الجوارح أو مركب من عمل القلب والجارحة فالأول كرد العوارى والودائع والمغصوبات وقضاء الديون وتفريق الصدقات والكفارات وتقسيم لحوم الأضاحى وذبح النسك ورد التالف إلى ما كان عليه قبل إتلافه وتسليم اللقطة إلى صاحبها وما إلى ذلك ولا خلاف في صحة الإنابة في هذا النوع لأنها أفعال مالية محضه والثانى وهو ما كان مركبا من عمل القلب والجوارح سواء أدخله المال أم لم يدخله كالصلاة والحج والزكاة وقراءة القرآن والذكر والصدقة وصدقة الفطر فقد اختلف فيه الفقهاء فمنهم من حكى الخلاف في جواز النيابة والإنابة فيها ما عدا الصلاة الحكى الإجماع على عدم جواز النيابة والإنابة فيها ومنهم من أطلق فحكى الخلاف فيها أيضًا ومنهم من ذهب إلى أن الفعل المطلوب شرعا إن اشتمل على مصلحة يتوقف تحققها على مباشرة من طلب منه الفعل له وكان النظر إليها لذات الفاعل بحيث لا تحصل إلا بمباشرته ولا تحصل مصلحة إلا لمن باشره كاليمين فإن مصلحته في دلالته على صدق الحالف وهذه مصلحة لا تحصل بحلف غيره عنه وهذا لا تجوز فيه الإنابة إجماعا. ولذلك لم يكن من السنة أن يحلف أحد عن أحد فيستحق المحلوف عنه يمين الحالف وكالدخول في الإسلام مصلحته إجلال الله وتعظيمه وإظهار العبودية له فلا تحصل ذلك من الشخص إلا بمباشرته نفسه لا بمباشرة غيره وكوطء الزوجة مصلحته الإعفاف وتحصيل الولد الذي ينسب إليه شرعا وذلك لا يحصل بفعل غيره في هذا النوع تفوت المصلحة التي طلبها الشارع بفعل غير من طلب منه الفعل ولا توصف حينئذ بكونها مشروعة في حقه ومن هذا النوع أيضا أيمان اللعان والشهادات إذ المقصود منها الموثوق بصدق المدعى وبعدالة المتحمل وذلك يفوت بأداء الغير وجملة القول في ذلك أن مقصود الشارع من الفعل متى كان يحصل من عمل النائب كما يحصل من عمل المستنيب وهو مما يجوز الإقدام عليه جازت فيه الإنابة وإلا فلا مع قطع النظر عن فاعله وإن اشتمل ذلك الفعل على مصلحة لا يتوقف تحققها على شخص فاعلها بل على حدوث الفعل نفسه صحت فيه الإنابة قطعا بلا خلاف وذلك كرد الودائع والعوارى والمخصوبات وقضاء الديون لأنه المقصود منها انتفاع أهلها بها وذلك حاصل ممن هي عليه بحصولها من نائبه ولذا لم تشترط النية في أكثرها وإن اشتمل على مصلحة يتوقف تحققها على حدوث الفعل من فاعله المطلوب منه ومباشرته فكان النظر فيها لجهة الفعل ولجهة الفاعل وهى مترددة بينهما فقد اختلف الفقهاء في اعتبار أي الناحيتين تغلب على الفعل وينظر إليها فيه وذلك كالحج فإن مصلحته تتمثل في تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره ولتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من الحاج لما لا يعلم حقيقته كرمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة والوقوف في مكان خاص وغير ذلك من المصالح التي لا تحصى ولا تحصل إلا للمباشر له كما هو
стр. 8894
الحال في الصلاة بالنسبة إلى المصلى وكذلك تتمثل في إنفاق المال في سبيل الله إذا لا يعرى الحاج عن الإنفاق في سفره وفى ترحاله وما إلى ذلك فمن الفقهاء من غلب مصلحة الأولى على مصلحة الثانية لأنها أقوى المصلحتين وأوثقها صلة بالحج لحصولها بذات الحج بخلاف الثانية فإنها إنما تحصل فيه بطريق العرض وقد تتخلف عنه بدليل أن المكى يصح أن يحج دون أن يتكلف إنفاق مال وبناء على ذلك ذهب إلى عدم جواز الإنابة في الحج كمالك وأصحابه كما لم تجز الإنابة في صلاة الجمعة لمن يكلف الانتقال إليها مالا بسبب بعد محل إقامتها اتفاقا ومن الفقهاء من غلب مصلحته الثانية فأجاز في الحج كما تجوز الإنابة في الزكاة ويستند أرباب هذا الرأى إلى ما ورد من الأحاديث في الحج عن الصبيان والمرضى وجواز أن يحرم عنهم غيرههم ويفعل أفعال الحج عنهم ولا شك أن ذلك من العبادات التي أوردها على الاتباع. وقد اعترض به على هذا الضابط بأنه منقوض بالصوم فإنه عبادة بدنية محضة تتوقف مصلحته على مباشرته من فاعله من الإحساس بحاجة الفقير وجوعه والشعور بنعمة الله على الصائم وما أفاض به عليه من النعم والمال وسلامة جسمه وقلبه. ومع ذلك ورد عن رسول الله ﷺ روايات عديدة في الصحيحين وغيرهم ما يدل على جواز النيابة فيه ومن ذلك أيضا ما روته السيدة عائشة - رضى الله عنها - مرفوعا من مات وعليه صوم صام عنه وليه دوفع ذلك الاعتراض بأن ما جاء في السنة من ذلك قصد به إيصال الثواب إلى من فعل له الفعل لا إبراء ذمته مما فرضه الله عليه بدليل أنها وردت في الصوم عمن توفى والكلام في الإنابة التي تبرئ الذمة حال الحياة (١). وبناء على ما تقدم يرى المالكية أن الأصل في الأفعال على الجملة جواز الإنابة فيها ما لم تكن عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله تعالى قد طلبها الشارع من المكلف فإن كانت قربة كان النظر إلى المصلحة التي قصدت من شرعها فإن كانت لمن باشرها خاصة كالصوم وكصلاة لم تجز الإنابة فيها عند مالك لما ذكر لا فرق في ذلك بين حال العذر وعدمه وإن لم تكن المصلحة من شرعها خاصة بمن باشرها بل تتحقق بقطع النظر عمن باشرها كالزكاة والحج أو تتحقق لمن باشرها مصلحة له ترجع إلى تطهير النفس وتهذيبها وخضوعها لما أمر الله به من عبادة فيها صلاح المجتمع كما يتحقق بها شدة حاجة الفقير ومواساته وكالعتق ترجع المصلحة فيه إلى الرقيق بتحرير نفسه وإلى مالكه بحمل نفسه على تسوية عبده به وخضوعها لما أمر به الله من تحرير الرقاب. فقد اختلف في ذلك الفقهاء من المالكية فقالوا إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو بغير إذنه في ذلك فإن مقتضى قول الأصحاب في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه أو بغير إذنه أن الذابح لها إن كان صديق ربها ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أجزأته الأضحية. مقتضى رأيهم هذا في الأضحية والزكاة مثلا أن الزكاة تجزئه إذا قام بها عمن وجبت عليه من
стр. 8895
هذا شأنه وصفته؛ لأن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة إلى النية وإن كان القائم بها ليس كذلك لم تجزئ افتقارها إلى النية على الصحيح من المذهب لمعنى العبادة فيها وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها ينبغى أن يجز فعل الغير فيها مطلقا كأداء الدين ورد الوديعة ونحوهما. والقول بعدم اشتراط النية فيها ذهب إليه بعض الأصحاب قياسا على أداء الديون مستدلا بأخذ الإمام لها كرها وأجزائها عند ذلك مع عدم النية ممن وجبت عليه ولكن المنقول عن مالك اشتراط النية فيها لما فيها من معنى التعبد من جهة مقدارها في نصابها والواجب فيها وغير ذلك (١). ويلاحظ أن الإنابة في توزيع أموال الزكاة على اختلاف أنواعها جائزة عند المالكية من غير خلاف لأنه عمل مالى محض.
الإنابة في الزكاة: والاستنابة فيها عندهم مندوبة بعدا عن الرياء وحب المحمدة. وإذا كان من وجبت عليه الزكاة جاهلا بأحكام تفريقها أو خشى وقوع الرياء منه وجب عليه استنابة العارف بأحكامها.
الإنابة في العتق: في عتق الإنسان من غيره قال مالك في المدونة من أعتق عبده عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه عن كفارة الظهار وقال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء وهو المشهور قاله ابن القاسم وعدم الإجزاء ذهب إليه أشهب وقال عبد الملك بن الماجشون إن أذن في العتق أجزأ عنه وإلا فلا وعن اللخمى يجزئ العتق عن ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان المعتق أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ الدفع في الزكاة لأنها ليست في الذمة بل في المال ويجزئ في الكفارة لأنها في الذمة قال اللخمى والحق الإجزاء فيهما لأنهما كالدين (٢).
الإنابة في الحج: الحج كما تقدم من العبادات البدنية المالية ولكن المالكية غلبوا فيه جانب البدنية فذهبوا إلى عدم جواز الإنابة فيه إذا كان فرضا سواء في ذلك حال المرض، وحال الصحة فمن كان عليه حجة الإسلام لم يجز له أن ينيب عنه فيها حتى إذا استأجر غيره ليقوم بها كانت الإجازة فاسدة للأجير أجر مثله إن أتم عمله وإلا فلا شئ له أما إن كان الحج تطوعا كان يكون المستنيب مريضا لا يرجئ برؤه فسقط بذلك عنه الحج أو سبق له أن حج حجة الإسلام فإن الإنابة فيها صحيحة والإجارة عليها صحيحة مكروهة كالاستئجار على العمرة إذ الأولى له أن يؤدى ذلك بنفسه ومن عجز بنفسه ولم يقدر عليه في أي عام من حياته فقد سقط عنه الحج باتا ولا يلزمه الاستئجار عليه ولو كان غنيا قادرا على دفع الأجرة غير أنه إذا استأجر عليه سواء أكان صحيحا أم مريضا وسواء أكان الحج الذي استأجر عليه فرضا أو نفلا فلا يكتب له بل يقع الحج نفلا للأجير وللمستأجر ثواب مساعدة الأجير على الحج كما أنه إذا أوصى شخصا بأن يحج عنه فحج عنه تنفيذا للوصية أو حج عنه (٣)
стр. 8896
بلا وصية فلا يكتب هذا الحج له ولا تسقط به حجه الإسلام إذا كان لم يؤدها حال حياته وهو يستطيع قادرا عليها. وحاصل ما ذكره الأصحاب أن من العبادات مالا يقبل الإنابة والنيابة بإجماع كالإيمان بالله تعالى ومنها ما يقبلهما كالصدقة والوفاء بالدين واختلف في العتق عن الغير كما تقدم كما اختلف في الصوم والحج والمذهب عدم قبولهما سواء في الفرض والنفل وهو المروى عن مالك والمعتمد في المذهب منع الإنابة والنيابة في الحج عن الحى مطلقا صحيحا كان أم مريضا في الفرض والنفل على السواء (١). ولا تجوز الإنابة في الطواف والسعى والوقوف بعرفة لأنها عبادات بدنية كالصلاة وكذلك رمى الجمار لا تجزئ الإنابة فيه وعلى المستنيب الدم إذا رمى النائب وإن سقط الإثم عن المستنيب فيه إذا كانت الاستنابة عن عذر ويرجع في بقية أحكام حج النائب وقيامه بما يتطلبه من المناسك إلى مصطلح نيابة في الحج أو إلى مصطلح حج.
الإنابة في التضحية:
يندب للمضحى أن يذبح الأضحية بيده رجلا أو امرأة وكره له أن ينيب عنه لغير عذر ولكن إن أناب عنه غيره في الذبح فذبح أجزاء بعد أن يكون المستنيب قد تحققت منه النية وذلك لمعنى العبادة فيها وفى بيان بقية أحكام النائب في ذبح الأضحية يرجع إلى مصطلح نيابة في الأضحية.
الإنابة في الشهادة:
وتعرف بشهادة النقل وهى مقبولة في الأموال وفى الحدود والولاء وتحصل الإنابة بقول الشاهد الأصلى لغيره اشهد على شهادتى بكذا أو نحو ذلك وذلك بشروط منها:
١ - الأمر بالشهادة على نحو ما ذكر أو ما يقوم مقامه من سماع الفرع الأصل فيها يؤديها عند الحاكم.
٢ - غياب الأصل إذا كان رجلا أما إذا كان الأصل امرأة فتصح مع حضورها.
٣ - وأن يكون غيابه في مكان لا يلزم الأصل الأداء معه كأن يكون بعيدا مسافة القصر وفى حكم الغياب موت الأصل أو مرضه.
٤ - وألا يطرأ على الأصل فسق أو عداوة ويرجع في معرفة باقى الأحكام إلى مصطلح شهادة (٢).
الإنابة في الحدود:
إقامة الحدود واستيفاء القصاص إلى الإمام فذلك في ولايته وللإمام مباشرة ما كان من ولايته بنفسه وله إنابة غيره فيما يرى إسناده إلى غيره من ولايته تحقيقا عن نفسه وتوزيعا لأعماله وعلى ذلك كان له الإنابة في استيفاء القصاص وفى إقامة الحدود ويستحب له أن يختار لذلك رجلا عدلا عارفا بوجوه ذلك وأحكامه لما له في ذلك من حق وارجع في تعرف بقية الأحكام إلى مصطلح حد.
مذهب الشافعية:
لما كانت الإنابة أعم من الوكالة فإن كل ما جازت فيه الوكالة جازت فيه الإنابة إذ ليست
стр. 8897
الوكالة إلا ضربا من ضروب الإنابة وبناء على ذلك ذهب الشافعية إلى أن الإنابة لا تجوز في العبادات سواء كانت مما تتوقف صحتها على النية أم لا ذلك لأن مقصود الشارع منها امتحان المكلف المطلوبة منه نفسه وذلك مما لا يتحقق بفعل غيره كنائب له غير أن من أفعال العبادة ما لا يقصد منه هذا الاختيار وإنما يقصد منه مجرد الترك والبعد وهذا النوع تجوز فيه الإنابة كإزالة النجاسة من الثوب أو من الأعضاء وكذلك لا تجوز الإنابة فيما تكون المصلحة منه راجعة إلى فاعله كالإيمان وكذا الإيلاء واللعان وكل ما يعد يمينا كالنذر والتعليق بالطلاق والعتق والتدبير سواء أكان تعليقا عاريا عن حث أو منع أم لا ومنه التعليق بطلوع الشمس ونحو ذلك كما لا تجوز الإنابة فيما هو معصية كالظهار في الأصح لأنه منكر وإجازة الإنابة إقرار لها غير أن ما يكون الإثم فيه لمعنى خارج عنه تجوز فيه الإنابة كالبيع وقت صلاة الجمعة والطلاق في الحيض والضابط في ذلك أن ما كان مباحا في الأصل وحرم لعارض صحت الإنابة فيه وما كان محرما وممتنعا بأصل الشرع لا تجوز الإنابة فيه وتصح الإنابة في الأفعال العادية من الحمل وإصلاح الآلات والبناء والهدم ورد الودائع والعاريات والمغصوبات والالتقاط وإيفاء الديون وقبضها وإقباض الأموال وسائر العقود من بيع وهبة وسلم ورهن ونكاح وفسخها وفى الدعوى والجواب عنها وفى تملك المباحات كإحياء الأراضى الموات والاصطياد والاحتطاب في الأظهر فيثبت الملك للمستنيب إذا قصد النائب وذلك بخلاف ما إذا لم يقصده ومقابل الأظهر المنع قياسا على الاغتنام ولأن سبب الملك في ذلك وضع اليد وقد وجب من النائب فثبت أثره له ولا ينصرف عنه بالنية وتجوز الإنابة في استيفاء القصاص والحدود وقيل لا تجوز الإنابة في استيفائها إلا بحضرة المستنيب لاحتمال عفوه ولا تجوز الإنابة في الشهادة ولا في الإقرار كأنبتك لتفى عنى لفلان بكذا في الأصح أما الشهادة فلأنها قائمة على الاستيثاق والشاهد وضبطه وذلك خاص به ولبنائها على التعبد وأما الإقرار فلأنه إخبار عن حق فلا يقبل الإنابة وإنما قبلت الشهادة على الشهادة لأن الأصل فيها جعل بمنزلة الحاكم المؤدى عنه عند حاكم آخر لما في الشهادة من الولاية. واستثنى من عدم جواز الإنابة في العبادات الحج والعمرة عند العجز لورود الأثر بذلك ويتدرج فيها توابعها ومنها ركعتا الطواف كما سيأتي بيان ذلك وكذلك الإنابة في تفرقة الزكاة والصدقة وأموال الكفارة والنذر وذبح الأضحية والهدى (١). وخلاصة ذلك جواز الإنابة في كل ما لا يعد عبادة من الأفعال وجوازها في الأفعال العبادية المالية المحضة التي لا تفتقر إلى نية من مباشرها بالنيابة اكتفاء بنية المستنيب كتوزيع الصدقات وذبح الأضحية ونحو ذلك إذ يكتفى فيها بنية النيابة عمن فعلت له أو بقيام النائب فيها مقام من استنابه في الأفعال التي لا تتحقق المصلحة منها لغير مباشرها كالإيمان وفى المعاصى وعدم جوازها في العبادة المحضة إلا ما جاءت الآثار بجوازها فيها كالحج.
стр. 8898
الإنابة في الحج:
ذهب الشافعية إلى جواز الإنابة في الحج وأنه يجب على من عجز عنه أن يستنب غيره ليحج بدله إما باستئجار عليه وإما بالإنفاق عليه ويتحقق العجز بوجود عاهة أو بكبر سن أو مرض لا يرجى زوالة بقول طيبين أو باقتناعه إن كان عارفا بالطب. وحد العجز أن يكون على حالة لا يستطيع معها أن يثبت على راحلة إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة وتجب الإنابة على الفور إذا عجز بعد الوجوب والتمكن من الحج وعلى التراخى إذا عجز قبل ذلك أو بعده وكان غير متمكن على الأداء وبشرط في المستنب العاجز أن يكون بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر فإن قلت المسافة عن ذلك لم تجز الإنابة بل يلزمه المباشرة بنفسه فإن عجز في هذه الحال أحج عنه غيره بعد موته من تركته ولكن إذا أنهكه المرض وصار بحالة لا يحتمل معها الحركة جازت أنابته حينئذ في حياته ويشترط أن يكون النائب قد أدى فرضه وأن يكون ثقة عدلا وإذا كانت الاستنابة بطريق الإجارة اشترط معرفة العاقدين أعمال ما تحت الإجارة عليه من حج أو عمرة وأن يكون الأجير قادرا على الشروع في العمل فلا تصح إنابة أجير لا يستطيع وإذا برئ المستنيب العاجز بعد حج النائب لزمه الحج بنفسه بعد شفائه وكما تجوز الإنابة في الحج عن الأحياء تجوز عن الأموات ويكون ذلك من التركة فإن لم يكن للمتوفى تركة فلا تجب الإنابة وإنما يسن للوارث أو الأجنبى وإن لم يأذنه الوارث أن يؤديه بنفسه أو بالإنابة وهذا في الحج والعمرة الواجبين فإن لم يكونا واجبين فلا يحج من تركته وهذا كله في حج الفرض أما في النفل فلا يجوز الحج أو العمرة عنه بعد الوفاة إلا إذا أوصى المتوفى بذلك (١). وتجوز الإنابة في الحج والعمرة عند العجز ويندرج فيهما توابعهما المتقدمة والمتأخرة كركعتى الطواف (٢). ومن هذا جواز الإحرام عن الصغير الذي لم يميز والمجنون حتى وليه كما يجوز رمى الولى عنهما إذا قام بالحج عنهما (٣). وإذا عجز الحاج عن الرمى لعلة لا يرجى زوالها قبل فوات وقت الرمى كمرض أو حبس استناب من يرمى عنه وجوبا وبذلك صرح الاسنوى وقال أنه المتجه ولو كان ذلك بأجرة وسواء أن يكون النائب حلالا أو محرما لأن الاستنابة جائزة في النسك فكذلك في أبعاضه وتوابعه ولا فرق في الحبس بين أن يكون بحق أو بغير حق والحبس في الدين المقدور على وفائه لا يعد عجزا. وجاء في المجموع قال الشافعي والأصحاب ﵏ العاجز عن الرمى بنفسه في حج الفرض لمرض أو حبس ونحوهما يستنب من يرمى عنه سواء كان المرض مرجو الزوال أو غير مرجو الزوال وسواء استناب بأجرة أم بغيرها وسواء استناب رجلا أم امرأة وقالوا أيضا ويستحب أن يناول المستنب النائب الحصى ليرميه ويكبر المستنب العاجز عند الرمى ولو ترك المناولة مع القدرة صح ذلك وأجزأه رمى النائب لوجود العجز عن الرمى كما قالوا أن الاستنابة في الرمى تجوز للمحبوس سواء أكان
стр. 8899
محبوسا بحق أم بغير حق وهذا محل اتفاق لوجود العجز قال النووى وجمهور الأصحاب أطلقوا جواز الاستنابة للمريض سواء كان ميئوسا من برئه أم لا وقال إمام الحرمين ومن رأى رأيه أنها لا تجوز إلا من عاجز لا يرجى زوال عجزه قبل خروج وقت الرمى ولا يفيد رجاء الزوال بعد فوات الوقت وهذا الذي قاله الإمام ومتابعوه متعين وإطلاق كلام الأصحاب محمول عليه. ولو أغمى على المحرم قبل الرمى ولم يكن قد استناب غيره فناب عنه غيره فرمى لم يصح الرمى عنه وإن كان استناب قبل الإغماء جاز الرمى عنه وهذا هو المذهب راجع مصطلح حج والنيابة فيه لتعرف بقية الأحكام (١).
الإنابة في الزكاة:
تجوز الإنابة في إعطاء الزكاة إلى عامل الزكاة وفى توزيع أموالها بين مستحقيها بعد أن يسبق ذلك أو يقارنه نية المكلف بها حتى يجزئة ذلك عن الفرض وتبرأ ذمته وتكفى نية الوكيل إذا كانت الزكاة عن أموال مملوكة لعاقد الأهلية كالصبى والمجنون والسفيه لأن النية واجبة وقد تعذرت من المالك فيقوم بها وليه غير أنه يجوز لولى السفيه أن يفوض له في النية وتجزئ نيته والأفضل أن ينوى النائب عند الدفع دفعها عمن استنابه وإذا نوى المستنيب عند عزل المال للزكاة ثم دفعه إلى النائب فوزعه بين المستحقين أجزأه ذلك كما يجزئه لو كانت النية بعد العزل وقبل الدفع إلى المستحق وارجع في تعرف باقى الأحكام إلى مصطلح زكاة والنيابة في الزكاة (٢).
الإنابة في الأضحية:
يستحب للمضحى أن يذبح بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ ويجوز له أن يستنب في الذبح لما روى إنه ﷺ استناب عليا ﵁ في ذبح بعض بدنه التي جعلها للأضحية والمستحب ألا يستنيب إلا مسلما لما فيها من معنى العبادة ولو استناب كتابيا في ذلك جاز مع الكراهة (٣). ارجع في تعرف باقى الأحكام إلى مصطلح أضحية أو النيابة في ذبحها.
الإنابة في إقامة الحدود:
لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام ومن يفوض إليه الإمام لأن إقامتها من الولايات العامة التي ترجع إلى صلاح المجتمع ولأنه لم يقم حد على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه ولأن اقامتها تفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن الحيف في إقامتها واستيفائها (٤).
الإنابة في القضاء:
يجوز للقاضى إنابة غيره في الحكم إذا كان مفوضا إليه أو مأذونا بذلك من الإمام راجع مصطلح استخلاف في القضاء.
مذهب الحنابلة:
ذكر الحنابلة أن الأفعال ثلاثة أنواع نوع تجوز فيه الإنابة مطلقًا ونوع لا تجوز فيه الإنابة مطلقا ونوع تجوز فيه الإنابة مع العجز والعذر فأما ما تجوز فيه الإنابة مطلقا فكل فعل تمحض حقا
стр. 8900
للإنسان من بيع وشراء وإجارة وشركة ومضاربة وقرض وإبراء وحوالة ورهن وكل عقد شرع لحاجة الناس فيجوز فيها الإنابة إنشاء وفسخا وكذلك تجوز الإنابة والمطالبة بالحقوق ادعاء ومخاصمة وإنكارا وإقرارا وصلحا وتحصيلا لمباح كإحياء موات واستيلاء على مال مباح واصطياد واحتشاش وكذلك كل حق غلب فيه حق الله كالزواج والطلاق والخلع والإيلاء واللعان والرجعة والإعتاق وإثبات الحدود كحد الزنا وحد السرقة والقصاص واستيفائها وتفرقة أموال الزكاة والصدقات والكفارات والنذر من كل ما لا تتوقف مصلحته المقصودة منه على فعل من يباشره وتحصل دون نظر إليه ولذا تجوز الإنابة في إزالة الانجاس من البدن والثياب. وأما ما لا تصح فيه الإنابة مطلقا فهو العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم وطهارة البدن من الحدث والاعتكاف وغسل الجمعة ونحو ذلك من كل ما كان النظر في مصلحته المقصودة منه إلي فاعله وتجديد وضوء من ذلك الإيمان والظهار اللعان والإيلاء والنذر والقسامة والقسم من الزوجات والالتقاط والاغتنام والشهادة وما يعد معصية والجزية والرضاع وإنشاء العقود الفاسدة ذلك لأن الظهار قول منكر وزور محرم فكان معصية ولأن الإيمان على العموم والنذر والإيلاء واللعان والقسامة مرجعها إلى يمين الحالف واعتزامه ولا تجزئ في ذلك النيابة وكذلك القسم بين الزوجات والاستمتاع بالزوجة لأنه تختص بالزوج باعتباره زوجا ولأن الالتقاط الغالب فيه معنى الائتمان وذلك خاص بالنفس والاغتنام الاستحقاق فيه مناط الحضور بالنفس فلا تجوز فيه النيابة والجزية فيها معنى الصغار والقصد فيه إلى دافعها لا إلى نائبه والرضاع مرده إلى لبن المرضعه فلا تتصور فيه الإنابة وأما ما تجوز فيه الإنابة مع العجز والعذر فالحج والعمرة إذا كانا واجبين أما إذا كانا نفلا فلا يشترط في جواز الإنابة فيها العجز ذلك ما ذهب إليه الحنابلة في بيان ضابط ما تجوز فيه الإنابة وما لا تجوز وهو ما كاد يتفق مع ما ذهب إليه الشافعية على الوجه الذي بين وفيما يلى بعض التطبيقات (١).
الإنابة في الحج والعمرة:
الحج والعمرة كلاهما واجب عند أحمد ولذا كانت أحكام الإنابة فيهما واحدة فهى جائزة عند عجز من وجبا عليه فله عند عجزه ينيب من يؤديها عنه وجوبا فوريا ومن العجز كبر السن والعاهة والمرض الذي لا يرجى برؤه وتقل الجسم الذي يحول بين مريد الحج وثبوته على الراحلة إلا بمشقة لا تحتمل في العادة وكذلك الهزال الذي لا يثبت معه صاحبه على الراحلة إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة ومن العجز لا تجد المرأة محرما تحج معه فإذا أناب العاجز غيره فأدى عنه يسقط عنه الواجب وإذا عوفى قبل إحرام النائب بهما وجب عليه أداؤهما بنفسه ولم يجزه حج النائب ولا عمرته أن فعل وإذا كان العاجز ذا مال وقادرا على الإنفاق ولم يجد نائبا لم يجب عليه الحج فإذا وجد النائب بعد ذلك ولا يزال قادرا على الإنفاق أنابه عنه وإذا لم يجد العاجز نائبا عنه إلا بأجر استأجر فإن طلب الأجر زيادة عن أجر المثل لم يجب عليه الاستئجار وليس لمن
стр. 8901
يرجى زوال علته أن يستنب فإن استناب ففعل النائب لم يجزه فعله وفى النفل من الحج والعمرة تجوز الاستنابة من القادر عليهما في كل منهما وفى توابعهما وملحقاتهما ومن ذلك ركعتا الطواف وذلك على الأصح ومقابله (١). وتصح ويجوز للعجز أو للعذر أن يستنب الحاج في الرمى من ينوب عنه ويجوز للنائب أن يرمى عن أكثر من شخص على أن يرمى أولا عن نفسه ثم يرمى عمن أنابة. وإرجع إلى مصطلح إنابة في الحج لمعرفة باقى الأحكام.
الإنابة في إقامة الحدود:
إقامة الحدود للإمام وله الإنابة فيها لكثرة ولاياته ولأنها تكون في أقطار متعددة متباعدة وسواء في ذلك ما كان حقا لله تعالى كحد الزنا أو حقا غلب فيه حق الآدمى كحد القذف وإِنما كانت إقامتها للإمام لافتقارها إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيها الحيف. وكان ﵊ يقيم الحدود بواسطة نوابه فقد أمر أنيسا حين رفع إليه جريمة زنا بأن يغدو إلى امرأة ادعى عليها الزنا من أعرابى قال لرسول الله ﷺ إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وأنى أخبرت أن على ابنى الرجم فاقتديت منه بمائة شاة ووليدة فقال رسول الله ﷺ لرجل من أسلم يدعى أنيسا أغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها بأمر رسول الله ﷺ رواه أبو هريرة كما أمر برجم ماعز ولم يحضر رجمه وقال في سارق أتى به اذهبوا فاقطعوا يده (٢). وارجع إلى مصطلح حد لمعرفة باقى الأحكام.
الإنابة في ذبح الأضحية:
المستحب أن يذبح المضحى أضحيته بيده لأن النبي ﷺ ذبح بيده كبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ونحر البدن التي أهداها في حجة الوداع ثلاثا وستين منها بيده وأناب في نحر الباقى علي ﵁ ولأن الذبح قربة فكان الأولى أن يباشره الإنسان بنفسه ويجوز ان يستناب فيها الذمى وأن كره كما جاز أن ينوب في بناء المساجد وفى تعريف بقية الأحكام يراجع مصطلح أضحية (٣).
الإنابة في الزكاة:
يستحب للمزكى تفرقة زكاته وفطرته بيده ولك أفضل من دفعها إلى إمام عادل لقوله تعالى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) ولا فرق في ذلك بين الأموال الظاهرة والباطنة وله دفعها إلى الساعى أو إلى الإمام ولو فاسقا إن كان يضعها في مواضعها وإلا حرم دفعها إليه وله أن يستنب من يؤديها إلى مستحقيها إذا عرفه بالأمانة والعلم بأحكامها ولا يجزئ إخراجها عندئذ إلا بنية لحديث أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وغير المكلف ينوى عنه وليه فينوى الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال أو صدقة الفطر فإن لم ينو لم يجزئه ما أخرجه والأولى مقارنة النية
стр. 8902
لدفع المال للفقراء وإلى النائب وتجوز النية قبل ذلك وبخاصة عند إقران المال لها وإنما جازت الإنابة في تفريقها لأنها عبادة مالية محضة كتفرقة النذر وذبح الأضحية وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح زكاة والنيابة فيها (١).
الإنابة في القضاء:
يجوز للقاضى أن يستخلف من هو على علم بأحكام القضاء إذا كان مأذونا له في ذلك ممن ولاه فإن لم يكن مأذونا بذلك لم يجز له الإنابة وارجع في تعريف الأحكام إلى مصطلح استخلاف.
الإنابة في الشهادة:
يجوز للشاهد أن يستنيب من يؤدى الشهادة عنه أمام القضاء بثمانية شروط منها أن يكون في ذلك في حق آدمى لا في حق الله تعالى وأن يكون ذلك لعذر يمنع الشاهد من أدائها بنفسه كمرض وخوف من سلطان أو غيبة سفر قصر أو كون الشاهد امرأة مخدرة وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح شهادة في الشهادة على الشهادة (٢).
الإنابة في العتق: العتق من العبادات المالية ولذا تجوز فيه الإنابة من مالك العبد فإذا قام النائب بإعتاق عبد المستنب عتق وصار حرا وإذا كان ذلك في كفارة جاز بشرط النية من المستنب عند الإنابة أو عند مباشرة النائب وارجع في تعريف الأحكام إلى مصطلح عتق وكفارة.
مذهب الظاهرية:
ما تجوز فيه الإنابة وما لا تجوز فيه:
الإنابة جائزة في القيام على الأموال وفى التزكية وطلب الحقوق وإعطائها وأخذ القصاص في النفس وما دونها والبيع والشراء والإجارة والاستئجار سواء أكانت من حاضر أم من غائب ومن مريض أو صحيح وقد بعث رسول الله ﷺ الولاة لإقامة الحدود والحقوق بين الناس وأخذ الصدقات وتفريقها وكان بلال على نفقات رسول الله ﷺ وكان له ﷺ نظار على أرضه بخيبر وفدك.
وقد ورد أن رسول الله ﷺ أعطى عقبة بن عامر الجهنى غنما يقسمها بين الصحابة وأمر عليا ﵁ في حجة وداعه أن يقوم على بدنه وأن يقسم جلودها وجلالها والآثار في ذلك كثيرة ولا تجوز إنابة في طلاق ولا عتق ولا تدبير ولا رجعة ولا في إسلام ولا في توبة ولا في إقرار ولا في إنكار ولا في عقد هبة ولا في عقد ولا في إبراء ولا في ضمان ولا في قذف ولا في ردة ولا في صلح ولا في عقد زواج بغير تعيين الزوجة أو الزوج لأن كل ذلك الزام حكم لم يلزمه قط وحل عقد ثابت ونقل ملك بلفظ فلا يجوز أن يتكلم أحد عن أحد إلا حيث أوجب ذلك نص ولا نص على جواز الإنابة في شئ من ذلك والأصل أنه لا يجوز قول أحد عن أحد ولا حكمه على غيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) وكل ما ذكرنا كسب على الغير وحكم بالباطل فلا يمنعه
стр. 8903
أحد على أحد (١). ولا تجوز الاستنابة في الصلاة على أن تؤدى حال حياة المستنب مع قدرته عليها ولا تجوز الإجارة على كل واجب تعين على المرء من صوم وصلاة وحج وفتيا ويمين وغير ذلك ولا على معصية أصلا لأن كل ذلك أكل للمال بالباطل لأن الطاعة المفترضة لابد له من عملها والمعصية فرض عليه اجتنابها فأخذ الأجرة على ذلك لا وجه له فهو أكل مال بالباطل ولكن يجوز أخذ الأجرة على فعل ذلك إذا كان تطوعا مثل أن يحج عن غيره أو أن يصلى عنه تطوعا أو أن يؤذن عنه التطوع أو يصوم عنه التطوع لأن ذلك ليس واجبا على أحدهما وذلك نوع من الإنابة في فعل التطوع وإذا جاء مع الأجر جاز من غير أجر ولا تجوز الإجارة في أداء فرض من ذلك إلا عن عاجز عن أدائه أو عن ميت فيجوز الإنابة في الحج عن الغير عند العجز عنه. وفى تعرف بقية أحكام في الصلاة والصوم والحج حال حياة يرجع إلى مصطلح نيابة في هذه الموضوعات (٢). وتصح إنابة العاجز عن الحج ولو كان فرضا بسبب مرض أو زمانة أو عجز يمنعه من الركوب فإذا حج النائب ثم أطاق المستنيب بعد ذلك لم يجب عليه أن يحج مرة أخرى وسيان أن يكون عجزه عن أداء الحج قبل بلوغه أو بعد بلوغه ومن لم يجد من يحج أو يعتمر عنه إلا بأجر استأجر من يحج عنه ويعتمر لأن الحكم في العمرة كالحكم في الحج وكلاهما فرض مرة في العمر وشروطهما واحدة وتجوز الإجارة على كل تعين على المرء من صوم وصلاة وحج وفتيا وغير ذلك وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح حج عن الغير ومصطلح إجارة على الطاعات (٣). وتجوز الإنابة في أداء الزكاة ولا تجزئ أداؤها عندئذ إلا مع نية المكلف بها عند الإنابة أو عند فرز المال أو عند إعطائه أو عند تفريقه (٤). وإقامة الحدود إلى الإمام وله أن ينيب فيها من يرى من أهل العدالة ولا يقوم بها الشهود إلا أن يأمرهم الإمام أو أميره فتلزمهم طاعته حينئذ (٥). وتجوز الإنابة في الشهادة فتقبل الشهادة على الشهادة في كل شئ حتى في الحدود والقصاص ويقبل في ذلك واحد على واحد. وفى تعرف الأحكام يرجع إلى مصطلح شهادة على شهادة (٦).
الإنابة في الأضحية: يستحب للمضحى رجلا أو امرأة أن يذبح أضحيته أو ينحرها بيده فإن ذبحها أو نحرها له بأمره مسلم غيره أو كتابى أجزأه ذلك ولا حرج بعد أن يكون المضحى قد تحققت منه نية الأضحية ذلك لأن المصلحة المقصودة منها كما تحقق بذبحه تتحقق بذبح نائبه وهى التوسعة على الفقراء (٧). وفى تعريف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح (أضحية).
الإنابة في الإعتاق: جاء في المحلى أن الوكالة في الإعتاق لا تجوز كما لا تجوز (٨) وكالة على
стр. 8904
طلاق ولا على تدبير ولا على إسلام ولا على توبة ولا على عقد هبة إلى غير ذلك مما تقدم بيانه ولكن الإيصاء بالإعتاق والعتق يجوز (١).
مذهب الزيدية: ذهبوا إلى أن الإنابة لا تصح في عشرة أمور:
١ - في إيجاب أمر من الأمور من عبادة أو مال المسجد أو غيره فلا يصح أن يقول: وكلتك أن توجب على كذا وأما في النذر المطلق إذا كان معينا فإنه يصح أن يوكل بنذر لشئ من ماله على زيد أو نحوه فإن كان مشروطا أو في الذمة فلا يصح.
٢ - أن يوكل غيره في تأدية يمين فلا يصح أن يقول: وكلتك أن تحلف عني.
٣ - في اللعان لأنه من قبيل الإيمان وهذه الأمور الثلاثة لا تصح الاستنابة بلا استثناء حال من الأحوال.
٤ - أداء العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم بخلاف العبادات المالية كالزكاة فإن الإنابة في تأديتها جائزة إلا الحج فتصح فيه الإنابة عند العذر إذا كان قضاء وإلا ركعتا الطواف والقراءة والاعتكاف فتصح الإنابة فيها تبعا للإنابة في الحج وفى هذه الأمور الثلاثة الأخيرة خلاف وأما استخلاف الإمام في الصلاة فليس بإنابة في الصلاة على التحقيق وإنما هو استنابة في التقدم على المؤتمين على وجه الإمامة والمتابعة وذلك أمر غير الصلاة ودليل ذلك أنه بعده ليس للمنيب أن يتولاه بنفسه إذا زال عذره.
٥ - الإنابة في فعل المحظور كالقتل والقذف والغصب والظهار والطلاق البدعى.
٦ - في إثبات الحدود والقصاص لأنها تدرأ بالشبهات والمقصود فيها التستر فلا يجوز التوصل إلى اثباتها بواسطة الغير والحدود التي تصح الإنابة في اثباتها بحضور المنيب حد القذف والسرقة لأنهما لا يقامان إلا بعد ادعاء أما حد الزنا وحد الشرب فلا يتأتى فيهما الإنابة إذ لا يصح فيهما تداع.
٧ - في استيفاء القصاص إلا بحضرة المستنيب وذلك لجواز أن يكون قد عفا أو لرجاء عفوه وذلك يورث شكا في وجوب القصاص وهو يدرئ بمثله وذهب المؤيد بالله إلى جواز الإنابة فيه لأنه حق لآدمى فجازت فيه الإنابة كغيره من حقوق الآدميين.
٨ - في تأدية الشهادة إلا إذا كانت على وجه الادعاء وذلك لوجوب أدائها عن يقين من صاحبها ولا يقين للنائب فيها.
٩ - في المباحات كإحياء الأرض الموات واستقاء الماء والصيد وحفر معدن فإن الملك فيها مرتيط بفعل الفاعل شخصيا وهو النائب لا المستنيب.
١٠ - ما ليس للإنسان مباشرته بنفسه في الحال فلا يصح أن يستنب فيه غيره لأن النائب يستمد ولايته من المستنيب والمستنيب لا ولاية له كالصغير غير المأذون فكما لا يتولى بيعا ولا شراء
стр. 8905
لا يصح عنه الإنابة فيهما. ويستثنى من ذلك حالات تجوز فيها الاستنابة ممن لا تجوز منه المباشرة لعارض خارج كالمرأة التي لا ولى لها تستنيب من يزوجها ولا تباشر عقد زواجها وقد لا يعد هذا من قبيل الإنابة وإنما يعد من قبيل تعيين صاحب الولاية ومن هذه الصور أيضا إنابة الحائض من يطوف عنها في الحج طواف الزيارة وألزمته التي لا يرجى زوال علتها التي تحول دون طوافها إلى الموت تستنيب من يقوم مقامها في طواف الزيارة. وتجوز الإنابة فيما عدا ذلك من كل أحد مكلف أو مميز مأذونا إلا إذا كان المنيب محرما فلا تجوز إنابته وهو محرم في عقد نكاح له (١).
الإنابة في الحج والعمرة:
الحج منه الفرض وهو في العمر مرة ومنه الحج المنذور ومنه النفل وهو ما عدا ذلك أما العمرة فهى سنة خلافا للناصر فقد ذهب إلى أنها فريضة في العمر مرة كالحج ويجب أداء حج الفرض دون إنابة فلا يصح أن يحج عن المكلف به غيره متى كان قادرا على أدائه فإذا لحقه عذر ميؤسا منه كأن يكون شيخا كبيرا لا يثبت على راحلة أو مريضا مرضا لا يرجى زواله استتاب من يحج عنه أما إذا لم يكن العذر مما لا يرجى زواله كحبس أو مرض يرجى شفاؤه لم تجز الإنابة بلا خلاف وإذا زال العذر الميؤس منه قبل الوفاة وبعد الحج عنه لم يصح ووجب أن يحج بنفسه خلافا للهادى إذ ذهب إلى أنه يجزئه متى كان الحج قبل زوال العذر ويلحق بالعذر الميؤس منه ألا تجد المرأة محرما ويغلب على ظنها دوام ذلك إلى الموت والخائف الذي يغلب على ظنه عدم زوال خوفه إلي الموت والفقر إذا كان له شئ من المال يحج به ولا يكفيه للزاد لو حج بنفسه ففى هذه الثلاثة وهذا يعد الوجوب إذا غلب على الظن أنه لا يزال العذر جاز التحجيج فإن زال العذر جاء الخلاف (٢) وكما تجوز الإنابة في الحج عند العذر تجوز في المناسك التي لها وقت معين لا تؤدى في غيره كرمى الجمار والمبيت بمنى وليلة مزدلفة لا طواف القدوم ونحوه فيؤخرها حتى يزول العذر وإلا جبرها بدم وقيل تصح فيه النيابة لعذر أيضا (٣). ومن لزمه الحج بتوافر شروطه ولم يحج لزمه الإيصاء إذا كان له مال وإلا ندب له ذلك وإذا أوصى به فحج الوصى عنه وقع عنه وذهب بعض الزيدية إلى أنه لا يصح الإحجاج إلا عن الأبوين فقط وإن لم يوصيا أما الأب فلحد الخثعمية عن ابن عباس عن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة وإذا شددته خفت أن يموت أفأحج عنه؟ قال: نعم؛ قالت: أينفعه ذلك قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. وهذا الحديث قد ورد في الأب وأما الأم فبالقياس على الأب على أنه قد ورد النص بجواز النيابة عنها في الحج كالأب فقد روى عن ابن عباس أن امرأة سألته أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج فهل يجزيها أن تحج عنها فقال: ﷺ : أرأيت لو كان عليها دين تقضيه أما يجزئ عنها وإنما ينفذ الإيصاء بالحج من الثلث
стр. 8906
ويستوى في ذلك الفريضة والنافلة (١). وتصح الإنابة في الرمى للعذر من مرض أو خوف يمنع من الرمى أو حمل بالمرأة يخشى عليها من الرمى معه ولا يشترط في العذر المبيح للإنابة في الرمى أن يكون غير مرجو الزوال بخلاف الحج ذلك لأنه من المناسك المؤقتة فمتى خشى فوتها استناب فيها لا في غيرها إذ لا وقت له فلا يخشى فواتها ولا يدخل الوقوف بعرفة في هذا لقوله ﷺ الحج عرفة فلا يستناب فيه إلا لعذر فيؤدى وهذا في حق من أحرم عن نفسه أما الأجير فله الاستتابة بعذر لكن إذا شرط أن له الاستنابة كان له الاستنابة ولو لغير عذر كما أنه إذا شرط عليه عدم الاستنابة ولو لعذر لم يكن له الاستنابة أصلا من غير فرق بين النسك المؤقت وغيره ثم لا تصح الاستنابة إلا لمن رمى عن نفسه فإن استتاب من لم يرم عن نفسه فيستأنف لمن استنابه (٢).
الإنابة في الأضحية:
يندب للمضحى أن يذبح أضحيته بيده ناويا بها الأضحية حال الذبح فإن أناب غيره فالواجب أن تكون النية عند إنابته أو عند الذبح إن ذبحت من غير سبق إنابته وعندئذ تجزى عنه وقيل لا تجزى وعلى الذابح ضمانها وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح أضحية (٣).
الإنابة في إقامة الحدود والقصاص:
لا تجوز الإنابة في إثبات الحدود والقصاص للشبهة كما تقدم أما في الاستيفاء فقد ذهبوا إلى عدم جواز الإنابة في استيفاء القصاص لرجاء العفو عند حضور الولى ولذا جازت الإنابة عند حضوره أما الحدود فمنها ما هو إلى الإمام ولو فيها الإنابة بحكم ولايته العامة كحد الزنا وحد الشرب لأن ذلك إليه أما حد القذف وحد السرقة فالشرط في استيفائها تقدم الدعوى ولذا لا لكون الإنابة من الإمام بل من القاضي في التنفيذ خوف الجور والحيف فيه وفى الأزهار أن إقامة الحدود على الإمام أو نائبه (٤).
الإنابة في الشهادة: لا يرى الزيدية جواز الإنابة في الشهادة لما تقدم.
الإنابة في الوظائف: في أحكامها تفصيل يرجع إليه في مصطلح وقف ووظائف.
الإنابة في القضاء: يرجع في تعريف أحكامه إلى مصطلح استخلاف في الجزء ٦ من الموسوعة. ص ١١٧.
الإنابة في أمانة الصلاة وما يتبعها:
يرجع في بيان أحكامها إلى مصطلح استخلاف ج ٦ من الموسوعة ص ١٥٨.
مذهب الإمامية:
ما تجوز الإنابة فيه وما لا يجوز: كل ما تعلق غرض الشارع بإيقاعه من العبد مباشرة عند طلبه منه لا تصح الإنابة فيه وكل ما جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة جازت الإنابة فيه بشرط أن يكون المستنيب فيه ذا ولاية في مباشرته فلا تصح الإنابة في طلاق امرأة سيتزوجها ولا في عتق عبد سيشتريه ولا تصح الإنابة في الوضوء ولا في الغسل لتعين محلهما ولا يجوز أن يوضئه غيره بغسل أعضاء الوضوء إلا مع الضرورة ويجوز أن يستنيب غيره عند ذلك
стр. 8907
استعانة به كما تجوز الإنابة في تطهير البدن والثياب من الدنس ولا تجوز الإنابة في الصلاة حال الحياة وجازت فيما بعد الوفاة ما عدا ركعتى الطواف في الحج والعمرة فتجوز الإنابة فيهما عمن استناب غيره في الحج عنه أو العمرة وتجوز الإنابة في أداء الزكاة أي توزيعها على مستحقها فينوب عنه في ذلك من أنابه وتجوز الإنابة في إخراجها من مال النائب والإنابة في القبض سواء قام به الإمام بغرض التفرقة بين المستحقين أو قام به الفقراء أنفسهم لنفس الغرض - ولا تجوز الإنابة في الصيام لأنه عبادة بدنية محضة كالصلاة ولكن تجوز النيابة فيه بعد الموت فيصوم الولى عن موليه المتوفى ولا تجوز الإنابة في الاعتكاف لأنه عبادة بدنية محضة وتجوز الإنابة في الحج مع العجز والعذر ومنه حدوث الموت بعد الإنابة. ولحصول المصالح المقصودة من التصرفات والأفعال الآتية بمباشرتها دون نظر إلى فاعلها جازت الإنابة فيها فجازت في جميع العقود من بيع وشراء وإجارة ومزارعة ومساقاة وشركة ومضاربة وحوالة وضمان وشركة واصطياد واحتطاب واحتشاش وإحياء موات وجمالة وهبة ووقف وقبض حقوق وإيصاء وقسمة وإيداع وزواج إيجابا وقبولا وخلع وطلاق ورجعة واستيفاء قصاص بحضرة المستنيب وغنيمة وقتال أهل البغى وجهاد واستيفاء حد دون إثباته إلا حد القذف كما تجوز الإنابة في عقد الجزية وتسليمها وقبضها وفى الذبح وعقد السبق والرمى والقضاء والدعوى والفرض والصلح والإبراء والعتق والتدبير والكفالة والضمان والإنابة في توقيع الحجر من الحاكم ولا يجوز الإنابة في المعصية كالغصب ولا في القسم بين الزوجات ولا في الإيلاء ولا في الظهار ولا في اللعان ولا في الإرضاع ولا في الجنابة ولا في الإيمان ولا في القسامة ولا الأشربة بل يجب الحد على الشارب ولا في النذر ولا في العهد ولا في الاستيلاء وتصح الإنابة في الشهادة كما في الشهادة على الشهادة وجوز الشيخ أبو جعفر الإنابة في الإقرار وكل ما تصح الاستنابة فيه تصح أن تكون لرجل وامرأة أو لحر أو لعبد أو لمسلم أو لذمى أو لغير مميز وليس للنائب أن يستنيب فيما أنيب فيه إلا أذن له في ذلك وفى تعرف أحكام النيابة الشرعية يرجع إلى مصطلح نيابه (١).
الإنابة في الحج والعمرة: الحج والعمرة كلاهما فرض على من توفرت فيه شروط بها وهما سواء في شروط الوجوب وكلاهما فرض مرة واحدة في العمر ويجب على من توفرت فيه الشروط أداء كل منها بنفسه وفى وجوب استنابة الممنوع من مباشرته بنفسه لكبر أو مرض أو عدو قولان: أحدهما: وجوب الاستنابة وهو ما روى عن علي ﵇ حيث أمر شيخا لم يحج لو لم يطقه من كبره أن يجهز رجلا فيحج عنه. ثانيهما: عدم وجوب الاستنابة لفقد شرط وجوب الحج الذي هو الاستطاعة وموضع الخلاف ما إذا عرض المانع قبل استقرار الوجوب. وإلا وجبت قولا واحدا وهل يشترط في وجوب الاستنابة اليأس من البرء أم تجب مطلقا وإن لم يكن مع عدم اليأس قولان أولهما قوى،
стр. 8908
فإن استمر العذر أجزأه حج النائب وإن زال العذر فأمكنه الحج بنفسه حج ثانيا بعد حج النائب وإن كان العذر ميئوسا زواله عند عروضه لتحقق الاستطاعة وما وقع نيابة إنما وجب للنص (١).
ويجوز للصحيح غير المعذور أن يستنيب في حج التطوع وغيره كحج النذر وأحكام العمرة في ذلك كأحكام الحج. وفى تعرف باقى الأحكام يرجع إلى مصطلح نيابة في الحج والعمرة (٢).
الإنابة في القضاء: الإنابة في القضاء هي الاستخلاف فيه ويجوز للقاضى إذا أذن له في الاستخلاف أن ينيب غيره في القضاء إذا لم يؤذن له فعند منعه من الاستخلاف لا يجوز له وعند إطلاق توليته يجوز له الاستخلاف لا يجوز له. إن دلت الإمارات والقرائن على الإذن (راجع: مصطلح استخلاف في الموسوعة ج ٦ ص ١٧٢) وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح قضاء.
الإنابة في الصلاة على العموم:
راجع مصطلح استخلاف في الموسوعة ج ٦ ص ١٢٢ ص ١٢٨، ص ١٤٢، ص ١٤٩، ص ٢٥١ ومصطلح صلاة.
الإنابة في الشهادة: تقبل الشهادة على الشهادة في حقوق الناس ولو كانت عقوبات كالقصاص أو غير ذلك كالطلاق والنصب والعتق والنسب والفرض والدين والقراض وعقود المعاوضات وما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء والولادة ولا تقبل في الحدود مطلقا راجع تحرير الأحكام ج ٢ ص ٢١٥ وفى تعرف بقية الأحكام ارجع إلى مصطلح شهادة.
الإنابة في الأضحية: يندب للمضحى أن يباشر ذبح أضحيته بنفسه ولو استتاب مسلما في ذبحها جاز ولا يجوز أن يستنيب كافرا إن كان ذميا. وفى تعرف بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح أضحية (راجع تحرير الأحكام ج ١ ص ١٠٨).
الإنابة في الحدود: إقامة الحدود إلى الإمام ويجوز له أن يستنيب فيها تحرير راجع الأحكام جزء ٢ ص ٢٢٢ ص ٢٢٣.
مذهب الإباضية:
ما جاز فيه التوكيل جازت فيه الإنابة وذلك يتناول جميع الأفعال التي لا تعد من قبيل العباد كالعقود بجميع أنواعها بما فيها عقد النكاح وعقود المعاملات وما كان عبادة بدنية محضة لا تجوز فيه النيابة كالصلاة والصيام أما ما كان من العبادات متعلقا بالمال فتجوز النيابة في تنفيذه كالزكاة وتفريق الصدقات واختلف في الحج قيل تجوز فيه النيابة وقيل لا تجوز وفيما يلى بيان بعض الأحكام في ذلك (٣).
الإنابة في الشهادة:
وتسمى استيداع الشهادة واختلف في جواز ذلك فقيل يجوز وهو قول الأكثر وقيل لا يجوز وفى الديوان من أصحابنا من قال بالجواز ومنهم من قال بعدم الجواز وذهب فريق إلى جواز ذلك لضرورة مرض أو سفر أو نحو ذلك وعلى القول بالجواز ذهب فريق إلى جوازها في جميع الحقوق وذهب آخرون إلى عدم جوازها في
стр. 8909
الحدود والقصاص وفى بيان بقية الأحكام يرجع إلى مصطلح شهادة.
الإنابة في ذبح الأضحية: يستحب للمضحى أن يذبح أضحيته بيده لما روى إنه ﷺ قال ولوها أهل ملتكم ولا تولوها أهل ذمتكم وفى الأثر يكره للمسلم أن له أضحيته رجل ذمى لأنها قربة بالنظر إلى إراقة الدم يوم النحر فقد روى عنه ابن عمر قال: ما أنفق الناس نفقة أعظم من السفوح في هذا اليوم. وجملة القول أن الإنابة في ذبح الأضحية جائزة وتجزئ عن المستتيب إذا ذبحها النائب ولو نوى ذبحها عن نفسه لتعينها أضحية للمستنيب وأما إذا ذبحها من لم يؤمر بذبحها ففى ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح أضحية (١).
الإنابة في القضاء: يجوز للقاضى إذا ما أذن له أن يستنيب غيره في القضاء لأن القضاء ولاية يخص بها من نصب لها فإذا لم يؤذن بالإنابة لم يجز له أن ينيب لأنه يعمل فيها نائب عن ولى الأمر ولم يرتض ولى الأمر برأى غير رأيه لكن إذا اذن له في الاستخلاف فيه جاز وفى تفصيل أحكام ذلك يرجع إلى مصطلح قضاء والإنابة فيه.
الإنابة في الحج: أما الإنابة في الحج فجائزة على الجملة وكذلك في العمرة كما تجوز النيابة فيهما أيضا في مواضعها كما سيذكر في مصطلح نيابة ومصطلح حج وعمرة، وقد اختلف الفقهاء هل يحج أحد عن أحد؟ قال بعضهم: لا يحج أحد عن أحد كما لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد والمعمول به عند أصحابنا أن الوصية بالصوم والحج جائزة دون الصلاة فلا تصح الإيصاء بها وذلك من قبل الإنابة بعد الوفاة؛ وفى الأثر أنه يجوز أن يحج عمن لا يستطيع الحج بسبب الكبر والمرض الذي لا يصح منه ويدل عليه ما روى من طريق أنس بن مالك ﵁ عنه قال أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن أمى عجوز كبيرة لا تستطيع الركوب على البعير وإن ربطتها خفت عليها أن تموت أفأحج عنها قال نعم رواه أحمد والترمذى ولهذا يجوز الإنابة فيهما ولو كانا واجبين عند العذر والمائع من تأديتهما ولا تجوز مع القدرة ويجوز الحج عن الميت لما روى أن المسلمين قالوا يا رسول الله أفتحج عن آبائنا قال نعم: حجوا عنهم متفق عليه. فمضت السنة بذلك ولكن اختلف الأصحاب في هذا القول هل يحج أحد عن أحد قبل أن يحج عن نفسه؟ فقال بعضهم لا يصح حج الإنسان عن غيره حتى يحج عن نفسه فقد روى أن النبى ﷺ سمع ملبيا يلبى عن الغير فقال له ﷺ إن كنت حججت عن نفسك وإلا فحج عن نفسك ثم حج عن غيرك وقال آخرون إن ذلك جائز مع الضرورة على وجه الإجارة أما الحديث السابق فلعل النبي ﷺ عرف استطاعة الرجل الملبى فأمره بذلك لأنه لا يأمره إلا بالواجب عليه وجائز حج المرأة عن الرجل والرجل عن المرأة كما دل على ذلك دين حديث الخثعمية التي أمرها رسول الله ﷺ أن تحج عن أبيها انتهى ملخصا من الإيضاح. (٢)
стр. 8910
إنابة الإمام في الصلاة: إذا أحدث الإمام وهو في صلاة الجنازة جاز له أن يستخلف غيره كما يجوز له الاستخلاف في غيرها راجع مصطلح استخلاف في الموسوعة ج ٦ ص ١٢٦.
الإنابة في الوظائف: يراد بالوظائف ما يشرطه الواقف في وقفه من مرتبات لأناس يقومون ببعض الشعائر أو بعمارة المسجد أو نحو ذلك وقد يعين الواقف فيها من يراه وقد يترك التعيين لناظر الوقف أو للحاكم أو للقاضى وعلى أية حال ففى إنابة المعين فيها غيره تفصيل يرجع حدوث ذلك بناء عن عذر أو وقفه من غير عذر يدعو إلى ذلك وفى معرفة أحكام ذلك يرجع إلى مصطلح وقف ووظائفه.
الإنابة في دفع الزكاة: يجوز لمن وجبت عليه الزكاة أن يؤديها إلى مستحقها بنفسه ندبا وله أن يؤديها بواسطة من ينيبه عنه بالوكالة أو استخلاف أو أمر ولو عبدا أو ذميا أو مشركا مكلفا أو طفلا إذا أحتاج إلى الإنابة ولم يجد المسلم الأمين وتبرأ ذمته بوصولها إلى مستحقها ولا يكفى قول الطفل أو المشرك أو الذمى أو العبد إنى أوصلتها بل لابد من دليل يدل على صدقه وقيل يكفى قوله إن صدقه وفى إنابة المسلم الأمين لا يلزمه أن يسأله عن دفعها لمستحقها وقيل يلزمه وفى الديوان ولا يستخلف طفلا ولا مجنونا ولا مشركا ولكن إن استخلفهم فقاموا بما عهد به إليهم أجزاه وفى تعرف باقى أحكام الإنابة والنيابة يرجع إلى مصطلح نيابة في الزكاة (٢).
الإنابة في الصوم: الصوم عبادة بدنية محضة ولذا لا تجوز فيها الإنابة وفى الآثار لا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلى أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد استقلالا وأما القيام بالصلاة على وجه التبع فجائز كما في ركعتى الطواف في الحج والعمرة يصليهما الحاج والمعتمر عمن أنابهما فينوب فيهما وفى الوضوء لهما وكذلك ركعتا الإحرام ينوب فيهما المحرم عمن أحرم عنه وذهب فريق إلى جواز الإنابة في الصوم عمن احتضر وعليه قضاء صوم فيجوز لورثته أن يصوموا عنه إن أمرهم به ويدل على لذلك أن رسول الله ﷺ قال لامرأة ماتت أختها وعليها صوم صومى عن أختك وجاء فيما روى عن بريدة أنه قال بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ اتته امرأة فقالت إن أمى ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها قال صومى عنها قالت إنها لم تحج أفأحج عنها قال حجى عنها رواه أحمد ومسلم (٣).
الإنابة في الحدود والقود: إقامة الحدود إلى الإمام لأنها من المصالح العامة التي يتم بها صلاح الرعية وهى من الولايات التي يجوز للإمام الإنابة فيها قصدا إلى توزيع أعمال الإمامة كإنابته في الولايات والقضاء وما إلى ذلك وكذلك القود أمره إلى الإمام ومن يليه عنه من القضاة لما يحتاج إليه عند الفصل فيه من اجتهاد وسماع شهادة (٤).
стр. 8911
بحث: مصطلح "انتحار "
التعريف في اللغة:
جاء في (١) لسان العرب: نحر النحر الصدر والنحور الصدور قال ابن سيده نحر الصدر أعلاه وقيل هو موضع القلادة منه وهو المنحر ونحره نحرًا ينحره أصاب نحره ونحر البعير ينحره نحرًا طعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر؛ ويوم النحر عاشر ذى الحجة يوم الأضحى لأن البُدن تنحر فيه، وتناهد القوم على الشئ وانتحروا تشاحوا عليه فكاد بعضهم ينحر بعضًا من شدة حرصهم وتناحروا في القتال، ونحر النهار أوله وأثبته في نحر النهار رأى في أوله وكذلك في نحر الظهيرة. ونحر الرجل في الصلاة ينحر انتصب ونهد صدره وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) قيل هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة؛ وقيل معناه وانحر البدن؛ وقيل أمر بأن ينتصب بنحره بإزاء القبلة وأن لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا. والنحر النحرير الحاذق الماهر المجرب؛ والنحر في اللبة مثل الذبح في الحلق ورجل منحار وهو للمبالغة يوصف بالجود ويقال انتحر الرجل أي نحر نفسه وفى المثل سرق السارق فانتحر، وانتحر قتل نفسه.
التعريف عند الفقهاء:
لا يعبر الفقهاء بلفظ الانتحار وإنما يعبرون بلفظ القتل فالمنتحر هو قاتل نفسه ومن ذلك ما جاء في الهداية وشروحها (٣) أنه إن قتلت حرة نفسها قبل أن يدخل بها زوجها فلها المهر، وما جاء في (٤) المهذب: أنه من قتل نفسه خطأ لم تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته لما روى أن عوف بن مالك الأشجعى ضرب مشركًا بالسيف فرجع عليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وقالوا قد أبطل جهاده فقال رسول الله ﷺ بل مات مجاهدًا ولو وجبت الدية على عاقلته لبين رسول الله ﷺ ذلك، ولقاتل نفسه بعض الأحكام التي تتعلق به في الدنيا، أما في الآخرة فإنه يؤخذ بجنايته على نفسه فقد ورد في البخارى (٥) ومسلم والترمذى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من تردى (٦) من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تحسى (٧) سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا ومن قتل نفسه بحديدة في يده يتوجأ (٨) بها في نار
стр. 8912
جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا" وفى البخارى أيضًا قال رسول الله ﷺ : "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار والذي يقتحم (١) يقتحم في النار" وعن الحسن البصرى قال: حدثنا جندب بن عبد الله في هذا المسجد فما نسينا منه حديثًا وما نخاف أن يكون جندب كذب على رسول الله ﷺ قال: "كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله بدرنى (٢) عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة" رواه البخارى ومسلم وفى رواية "كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينًا فحز (٣) بها يده فما رفأ (٤) الدم حتى مات فقال الله بادرنى عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة" رواه البخارى ومسلم ولفظه قال: "إن رجلًا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته (٥) فتكأها (٦) فلم يرفأ الدم حتى مات قال ربكم قد حرمت عليه (٧) الجنة،" وعن جابر بن سمرة ﷺ أن رجلًا كانت به جراحة فأتى قرَنًا (٨) له فأخذ مشقصًا (٩) فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ رواه ابن حبان في صحيحه قال الإمام زكى الدين المنذرى بخبر النبي ﷺ أن الذي يقدم على الانتحار فيقتل نفسه بسكين أو يتناول مادة سامة أو يتعمد أن يرمى نفسه من شاهق مثل جبل أو شجرة أو نافذة أو سطح أو خنق نفسه أو ضرب نفسه برصاص وهكذا من أفعال السفهاء والجهلاء التي يأباها الدين ويقبحها العقل يعاقبه الله تعالى عقابًا صارمًا ويجعل نوع عذابه من جنس فعلته الشنعاء فيخلق الله له حديدة أو سمًا أو يهوى في قاع جهنم مستمرًا على ذلك زمنًا كثيرًا مخلدًا دائمًا كما قال النبي ﷺ قال في الفتح وأولى ما حمل عليه الحديث ونحوه من أحاديث الوعيد أن المعنى المذكور جزاء فاعل ذلك إلا أن يتجاوز الله عنه أما بالنسبة لأحكام الدنيا فمن ذلك ما يتعلق بالمهر إذا قتلت المرأة نفسها هل تستحق المهر أم لا؟ ومنها ما يتعلق بالدية ومنها ما يتعلق بالصلاة عليه وبيان ذلك في المذاهب على الوجه الآتى:
أولًا - ما يتعلق بالمهر إذا قتلت الزوجة نفسها أو قتل الزوج نفسه .
مذهب الحنفية:
جاء في بدائع الصنائع للكاسانى (١٠): أن المهر يتأكد بموت أحد الزوجين قال صاحب البدائع: لا خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية أنه يتأكد المسمى سواء كانت المرأة حرة أو أمة لأن المهر
стр. 8913
كان واجبًا بالعقد والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى نهايته لأنه عقد للعمر فتنتهى نهايته عند انتهاء العمر وإذا انتهى العمر يتأكد فيما مضى ويتقرر بمنزلة الصوم يتقرر بمجئ الليل فيتقرر الواجب ولأن كل المهر لما وجب بنفس العقد صار دينًا عليه والموت لم يعرف مسقطًا للدين في أصول الشرع فلا يسقط شئ منه بالموت كسائر الديون وكذا إذا قتل أحدهما سواء كان قتله أجنبى أو قتل أحدهما صاحبه أو قتل الزوج نفسه، فأما إذا قتلت المرأة نفسها فإن كانت حرة لا يسقط عن الزوج شئ من المهر بل يتأكد المهر عندنا وعند زفر والشافعى يسقط المهر ووجه قولهما أن المرأة بالقتل فوتت على الزوج حقه في المبدل فيسقط حقها في البدل كما إذا ارتدت قبل الدخول أو قبلت ابن زوجها أو قبلت أباه ودليلنا أن القتل إنما يصير تفويتًا للحق عند زهوق الروح لأنه إنما يصير قتلًا في حق المحل عند ذلك والمهر في تلك الحالة ملك الورثة فلا يحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو أجنبى بخلاف الردة والتقبيل لأن المهر وقت التقبيل والردة كان ملكها فاحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو قتل المولى أمته سقط مهرها في قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يسقط المهر بل يتأكد ووجه قولهما أن الموت مؤكد للمهر وقد وجد الموت لأن المقتول ميت بأجله فيتأكد بالموت كما إذا قتلها أجنبى أو قتلها زوجها وكالحرة إذا قتلت نفسها ولأن الموت إنما أكد المهر لأنه ينتهى به النكاح والشيء وإذا انتهى نهايته يتقرر وهذا المعنى موجود في القتل لأنه ينتهى به النكاح فيتقرر به المبدل وتقرر المبدل يوجب تقرير البدل ووجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن من له البدل فوت المبدل على صاحبه وتفويت المبدل على صاحبه يوجب سقوط البدل كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض أنه يسقط الثمن لما قلنا كذا هذا ولا شك أنه وجد تفويت المبدل ممن يستحق البدل لأن المستحق للمبدل هو المولى وقد أخرج المبدل عن كونه مملوكًا للزوج والدليل على أن هذا يوجب سقوط البدل أن الزوج لا يرضى بملك البدل عليه بعد فوات المبدل عن ملكه فكان إيفاء البدل عليه بعد زوال المبدل عن ملكه إضرارًا به والأصل في الضرر أن لا يكون فكان إقدام المولى على تفويت المبدل عن ملك الزوج والحالة هذه إسقاطًا للبدل دلالة فصار كما لو أسقطه نصا بالإبراء بخلاف الحرة إذا قتلت نفسها لأنها وقت فوات المبدل لم تكن مستحقة للبدل لانتقاله إلى الورثة على ما بينا والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره وها هنا بخلافه ولأن المهر وقت فوات المبدل على الزوج ملك المولى وحقه والإنسان يملك التصرف في ملك نفسه استيفاء وإسقاطًا فكان محتملًا للسقوط بتفويت المبدل دلالة كما كان محتملًا للسقوط بالإسقاط نصًا بالإبراء وهو الجواب عما إذا قتلها زوجها أو أجنبى لأنه لا حق للأجنبى ولا للزوج في مهرها فلا يحتمل السقوط بإسقاطهما ولهذا لا يحتمل السقوط بإسقاطهما نصًا فكيف يحتمل السقوط من طريق الدلالة والدليل على التفرقة بين هذه الفصول أن قتل الحرة نفسها لا يتعلق به حكم من أحكام الدنيا فصار كموتها حتف أنفها حتى
стр. 8914
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنها تغسل ويصلى عليها كما لو ماتت حتف أنفها، وقتل المولى أمته يتعلق به وجوب الكفارة وقتل الأجنبى إياها يتعلق به وجوب القصاص إن كان عمدًا والدية والكفارة إن كان خطأ فلم يكن قتلها بمنزلة الموت هذا إذا قتلها المولى فأما إذا قتلت نفسها فمن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان روى أبو يوسف رحمه الله تعالى عنه أنه لا مهر لها وروى محمد رحمه الله تعالى عنه أن لها المهر وهو قولهما ووجه الرواية الأولى أن قتلها نفسها بمنزلة قتل المولى إياها بدليل أن جنايتها كجنايته في باب الضمان لأنها مضمونة بمال المولى ولو قتلها المولى لسقط المهر عنده وكذا إذا قتلت نفسها ووجه الرواية (١) الأخرى أن البدل حق المولى وملكه فتفويت المبدل منها لا يوجب بطلان حق المولى بخلاف جناية المولى والدليل على التفرقة بين الجنايتين أن جنايتها على نفسها هدر بدليل أنه لا يتعلق بها حكم من أحكام الدنيا فالتحقت بالعدم وصارت كأنها ماتت حتف أنفها بخلاف جناية المولى عليها فإنها مضمونة بالكفارة وهى من أحكام الدنيا فكانت جنايته عليها معتبرة فلا تجعل بمنزلة الموت.
مذهب المالكية:
جاء في (٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوى عليه: أن المهر يتقرر بموت أحد الزوجين قبل الدخول إن سمى صداقًا بخلاف التفويض فلا شئ فيه بالموت قبل البناء وقبل الفرض وأما إذا مات واحد بعد الفرض فهو كنكاح التسمية وعلق الصاوى في حاشيته على قوله بموت أحد الزوجين قال ظاهره سواء كان الموت متيقنًا أو بحكم الشرع وهو كذلك كما نقله الجيزي في وثائقه عن مالك رحمه الله تعالى وهذا في النكاح الصحيح وفى الفاسد لعقده إذا لم يؤثر خللًا في الصداق وكان مختلفًا فيه كنكاح المحرم بحج أو عمرة وشمل قوله موت أحدهما من قتلت نفسها كرهًا في زوجها أو قتل السيد أمته المتزوجة فلا يسقط الصداق عن زوجها.
مذهب الشافعية:
جاء في (٣) المهذب: أن المرأة إن قتلت نفسها فالمنصوص أنه لا يسقط مهرها وقال في الأمة إذا قتلت نفسها أو قتلها مولاها أنه يسقط مهرها فنقل أبو العباس جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما يسقط المهر لأنها فرقة حصلت من جهتها قبل الدخول فسقط بها المهر كما لو ارتدت والقول الثاني لا يسقط المهر وهو اختيار المزنى رحمه الله تعالى وهو الصحيح لأنها فرقة حصلت بانقضاء الأجل وانتهاء النكاح فلا يسقط بها المهر كما لو ماتت وقال أبو إسحاق رحمه الله تعالى لا يسقط المهر في الحرة ويسقط في الأمة
стр. 8915
على ما نص عليه لأن الحرة كالمسلمة نفسها بالعقد ولهذا يملك منعها من السفر والأمة لا تصير كالمسلمة نفسها بالعقد ولهذا لا يملك منعها من السفر مع المولى، وجاء في مغنى المحتاج: أن المذهب المنصوص أن الحرة لو قتلت نفسها أو ماتت قبل الدخول لا يسقط مهرها أو قتل الأمة أجنبى أو ماتت قبل الدخول فلا يسقط مهرها كما لو هلكتا أي الحرة والأمة بعد الدخول فإن المهر لا يسقط جزمًا كما في المحرر وما ذكر في قتل الحرة هو المنصوص فيها عكس قتل السيد أمته والفرق أن الحرة كالمسلمة إلى الزوج بالعقد بخلاف الأمة وأيضًا الحرة إذا قتلت نفسها غنم زوجها من ميراثها فجاز أن يغرم مهرها بخلاف الأمة وأيضًا الفرض من نكاح الحرة الألفة والمواصلة دون الوطء وقد وجدا بالعقد والغرض من نكاح الأمة هو الوطء ولهذا يشترط فيه خوف العنت وذلك غير حاصل قبل الدخول وللأصحاب في المسألة طريقان أشهرهما في كل قولان بالنقل والتخريج أرجحهما المنصوص فيهما والطريق الثاني القطع بالمنصوص فيهما وفى وجه أن قتل الأمة نفسها لا يسقط المهر لأنها ليست المستحقة (١) له.
مذهب الحنابلة:
جاء في كشاف (٢) القناع: أن الصداق المسمى وهو المهر يتقرر كاملًا سواء كانت الزوجة حرة أو أمة بالموت أو القتل كالدخول لما روى معقل بن سنان - رضى الله عنه - أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشعة وكان زوجها قد مات ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقًا فجعل النبي ﷺ لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط. رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح ولأنه عقد عمر فبموت أحدهما ينتهى فيستقر به العوض كانتهاء الإجارة ومتى استقر المهر لم يسقط منه شئ بانفساخ النكاح ولا غيره حتى ولو قتل أحدهما أي الزوجين الآخر أو قتل أحد الزوجين نفسه لأن النكاح قد بلغ غايته فقام ذلك مقام استيفاء المنفعة.
مذهب الزيدية:
جاء في (٣) شرح الأزهار: أن من سمى مهرًا تسمية صحيحة أو في حكمها لزمه ذلك المسمى أو قيمته وتستحقه المرأة كاملًا بأحد أمرين الأول بموتهما قال في حاشية شرح الأزهار وإنما جعلنا الموت بمنزلة الدخول لأنه حد انقضاء الزوجية كاستكمال الأجرة بتخلية العين وإن لم تستعمل حتى مضت المدة؛ قال في شرح الأزهار وكذلك يلزم المسمى أو قيمته بموت أحدهما بأى سبب سواء كان موتهما أو موت أحدهما بأمر سماوي أو بجناية من غيرهما أو من بعضهما على بعض أو من الميت على نفسه بأن قتل نفسه ففى هذه الوجوه كلها تستحق الزوجة كمال المهر المسمى
стр. 8916
عندنا سواء كانت حرة أو أمة وقال في الزوائد إن الموت بمنزلة الطلاق عند الناصر ولا فرق بين أن تموت هي أو هو وقال المؤيد بالله في الإفادة خلاف الناصر في موت الزوج لا في موتها لأن موت الزوجة بمنزلة الدخول وموت الزوج بمنزلة الطلاق وقال الأستاذ إذا قتلت الحرة زوجها سقط مهرها كالميراث وإذا قتلت الحرة نفسها أو قتل الأمة سيدها بطل مهرها قلنا إن المهر دين فلا يسقط.
مذهب الإمامية:
جاء في (١) الروضة البهية: أنه لو مات أحد الزوجين مع تفويض البضع قبل الدخول فلا شئ لرضاهما بغير مهر ولصحيحة الحلبى عن الصادق ﵇ في المتوفى عنها زوجها قبل الدخول إن كان فرض لها مهرًا فلها وإن لم يكن فرض مهرًا لها فلا مهر لها وهذا مما لا خلاف فيه ظاهرًا.
ثانيًا - الحكم فيما يتعلق بقتل المرء نفسه من دية وغيرها .
مذهب الحنفية:
جاء في (٢) بدائع الصنائع: أن من حفر بئرًا في الطريق فوقع رجل فيها فتعلق بآخر وتعلق الثاني بثالث فوقعوا فماتوا فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن علم حال موتهم بأن خرجوا أحياء فأخبروا عن حالهم وإما إن لم يعلم فإن علم ذلك فأما موت الأول فلا يخلو من سبعة أوجه. إما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وإما أنه علم أنه مات لوقوع الثاني عليه خاصة وإما أنه علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أنه علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه وإما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه وإما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه وإما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه فإن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة فالضمان على الحافر لأن الحافر هو القاتل تسبيبًا وهو متعد فيه فكان الضمان عليه فإن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة فدمه هدر لأنه هو الذي قتل نفسه حيث جره على نفسه وجناية الإنسان على نفسه هدر وإن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه خاصة فالضمان على الثاني لأن الثاني هو الذي جر الثالث على الأول حتى أوقعه عليه وإن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه فنصفه هدر ونصفه على الثاني لأن جره الثاني على نفسه هدر لأنه جناية على نفسه وجر الثاني والثالث عليه معتبر فهدر النصف وبنى النصف وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه فالنصف على الحافر لوجود الجناية منه بالحفر والنصف هدر لجره الثاني على نفسه وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر والنصف على الثاني لأنه هو الذي جر الثالث على الأول وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه فالثالث هدر والثالث على الحافر
стр. 8917
والثالث على الثاني لأنه مات بثلاث جنايات أحدهما هدر وهى جره الثاني على نفسه جناية الحافر وجناية الثاني بجره الثالث على الأول فتعتبر وأما موت الثاني فلا يخلو من ثلاثة أوجه وإما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وإما أنه علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أنه علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه فإن علم أنه مات بسقوطه في البئر خاصة فديته على الأول وليس على الحافر شئ لأن الأول هو الذي جره إلى البئر فكان كالدافع وإن علم أن مات بوقوع الثالث عليه خاصة فدمه هدر لأنه مات بفعل نفسه حيث جر الثالث على نفسه فهدر دمه وإن علم أنه مات بسقوطه في البئر ووقوع الثالث عليه فالنصف هدر والنصف على الأول لأنه مات بشيئين. أحدهما فعل نفسه وهو جره الثالث على نفسه وجنايته على نفسه هدر الثاني فعل غيره وهو جر الأول وإيقاعه في البئر وأما موت الثالث فله وجه واحد لا غير وهو سقوطه في البئر وديته على الثاني لأنه هو الذي جره إلى البئر وأوقعه فيه هذا كله إذا علم حال وقوعهم وأما إذا لم يعلم فلا يخلو إما إن وجد بعضهم على بعض وإما إن وجدوا متفرقين فإن كانوا متفرقين فدية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني وهو قول محمد رحمه الله تعالى وفى الاستحسان دية الأول أثلاث ثلث على الحافر وثلث على الثاني وثلث هدر ودية الثاني نصفان نصف هدر ونصف على الأول ودية الثالث كلها على الثاني ولم يذكر محمد رحمه الله تعالى في الاستحسان أنه قول من وجه القياس أنه وجد لموت كل واحد سبب ظاهر وهو الحفر للأول والجر من الأول للثانى والجر من الثاني للثالث وإضافة الأحكام إلى الأسباب الظاهرة أصل في الشريعة، وجه الاستحسان أنه اجتمع في الأول ثلاثة أسباب كل واحد منها صالح للموت وقوعه في البئر ووقوع الثاني ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوع الثاني عليه حصل بجره إياه على نفسه فهدر الثلث وبنى الثلثان ثلث على الحافر بحفره وثلث على الثاني بجره الثالث على نفسه ووجد في الثاني شيئان الحفر ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوعه عليه حصل بجره فهدر نصف الدية وبقى النصف على الحافر ولم يوجد في الثالث إلا سبب واحد وهو جر الثاني إياه إلى البئر والأصل في الأسباب اعتبارها ما أمكن واعتبارها يقتضى أن يكون الحكم ما ذكرنا والله تعالى أعلم وبالنسبة لجناية العبد المرهون على نفسه جاء في البحر (١) الرائق: أن العبد المرهون لو قتل نفسه أو فقأ عينه فلا شئ عليه كما لو مات لأن جناية الإنسان على نفسه هدر.
مذهب المالكية:
جاء في التاج (٢) والإكليل بهامش الحطاب: أن الكفارة تجب على القاتل الحر المسلم وإن صبيا أو مجنونا أو شريكا إذا قتل مثله معصوما خطأ عتق رقبة وللعجز عن العتق صوم شهرين متتابعين إلا الصائل وقاتل نفسه قال ابن شاس
стр. 8918
رحمه الله تعالى لا تجب الكفارة في قتل الصائل ولا في قاتل نفسه قال ابن عرفة رحمه الله تعالى هذا مقتضى المذهب ولم أجده نصًا قال الجلاب رحمه الله تعالى وكذلك لا تعقل العاقلة من قتل نفسه سواء كان القتل عمدًا أو خطأ وفى حكم قتل النفس جاء في (١) الحطاب: أن من يأخذهم الولاة ويجزمون بأنهم مقتولون فيريد أن يستعجل الموت بشرب السم فإنه يجرى على ما جاء في المدونة قال مالك (٢): إذا أحرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر لأنهم فروا من موت إلى موت قال ابن رشد رحمه الله تعالى الصواب أن ترك ذلك أفضل وفعله جائز. قال خليل رحمه الله تعالى، ووجب إن رجا حياة قال ابن بشير رحمه الله تعالى إذا حصل أحد من المسلمين في صورة يخاف فيها من القتل فأراد أن ينتقل عنها فإن رجا السلامة فالانتقال واجب عليه وإن رجا السلامة بالبقاء وجب عليه البقاء، وقال عز الدين رحمه الله تعالى إذا رجا الإنسان حياة ساعة فلا يحل له استعجال موته وظاهر ذلك أنه لا يحل له ذلك وفى الأسئلة هل يجوز للمكلف قتل نفسه إذا علم أنه أتى ما يوجب ذلك أو يستحب أو يحرم فإذا فعل ذلك هل يسمى بذلك فاسقا أو مفتاتا؟ والجواب أن من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه لأن ستره على نفسه مع التوبة أولى به وإن أراد بذلك تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولى القتل ليقتله على الوجه الشرعى فإذا قتل نفسه لم يجز له ذلك لكنه إذا قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرًا لافتياته على الإمام ويلقى الله تعالى فاسقًا بالجريمة الموجبة للقتل وإن قتل نفسه بعد التوبة فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقى الله فاسقًا بقتل نفسه لأنه قتل نفسًا معصومة وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقى الله عاصيًا لافتياته على الأئمة ولا يأثم بذلك أثم من يرتكب الكبائر لأنه فوت روحًا يستحق تفويتها وأزهق نفسًا يستحق إزهاقها وكان الأصل يقتضى أن يجوز لكل أحد القيام بحق الله تعالى في ذلك لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كيلا يوقع الاستبداد به في الفتن.
مذهب الشافعية:
جاء في (٣) المهذب: أن من قتل نفسه خطأ لم تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته لما روى أن عوف بن مالك الأشجعى ﵁ ضرب مشركًا بالسيف فرجع السيف عليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وقالوا قد أبطل جهاده فقال رسول الله ﷺ بل مات مجاهدًا ولو وجبت الدية على عاقلته لبين رسول الله ﷺ ذلك وقال في موضع آخر (٤) من المهذب: أن من طرح رجلًا في نار يمكنه الخروج منها فلم يخرج حتى مات ففيه قولان أحدهما أنه تجب الدية لأن ترك التخلص من الهلاك لا يسقط به ضمان الجناية كما لو جرحه جراحة وقدر
стр. 8919
المجروح على مداواتها فترك المداواة حتى مات والقول الثاني أنها لا تجب وهو الصحيح لأن طرحه في النار لا يحصل به التلف وإنما يحصل ببقائه فيها باختياره فسقط ضمانه كما لو جرحه جرحًا يسيرًا لا يخاف منه فوسعه حتى مات، وإن طرحه في ماء يمكنه الخروج منه قلم يخرج حتى مات ففيه طريقان، من أصحابنا من قال فيه قولان كالنار ومنهم قال لا تجب قولًا واحدًا لأن الطرح في الماء ليس بسبب للهلاك لأن الناس يطرحون أنفسهم في الماء للسباحة وغيرها وإنما حصل الهلاك بمقامه فيه فسقط ضمانه بخلاف النار، وجاء في (١) نهاية المحتاج أنه إن أكره مميزًا ولو أعجميًا على قتل نفسه كاقتل نفسك وإلا قتلتك فقتلها فلا قصاص في الأظهر لانتفاء كونه إكراهًا حقيقة لاتحاد المأمون. به والخوف به فكأنه اختار القتل والثانى يجب كما لو أكرهه على قتل غيره ويجب على الأول على الآمر نصف الدية كما جزم به ابن المقرى تبعًا لأصله وهو المعتمد بناء على أن المكره شريك وإن سقط عنه القصاص للشبهة بسبب مباشرة المكره قتل نفسه، نعم لو أكرهه على قتل نفسه بما يتضمن تعذيبًا شديدًا كإحراق أو تمثيل إن لم يقتل نفسه كان إكراهًا كما جرى عليه الزاز ومال إليه الرافعى وإن نازع فيه البلقينى أما غير المميز فعلى مكرهه القود لانتفاع اختياره وبه فارق الأعجمى لأنه لا يجوز وجوب الامتثال في حق نفسه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير عليه: أنه إن جنى الرجل على نفسه خطأ أو على أطرافه ففيه روايتان قال القاضي أظهر الروايتين أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث وهذا قول الأوزاعى وإسحاق لما روى أن رجلًا ساق حمارًا فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ديته على عاقلته وقال هي يد من أيدى المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد ولم نعرف له مخالفًا في عصره ولأنها جناية خطأ فكان عقلها على عاقلته كما لو قتل غيره فعلى هذه الرواية إن كانت العاقلة الوارثة لم يجب شئ لأنه لا يجب للإنسان شئ على نفسه وإن كان بعضهم وارثًا سقط عنه ما يقابله نصيب وعليه ما زاد على نصيبه وله ما بقى إن كان نصيبه من الدية أكثر من الواجب عليه الرواية الثانية: جنايته هدر قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والشورى والشافعى وأصحاب الرأى وهى أصح لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فرجع سيفه على نفسه فمات ولم يبلغنا أن النبى ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها ولو وجبت لبينه النبي ﷺ ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجانى وتخفيفًا عنه وليس على الجانى ها هنا شئ يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه فلا وجه لإيجابه ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية
стр. 8920
على غيره فإنه لو لم تحمله العاقلة لأجحف به وجوب الدية لكثرتها، فأما إن كانت الجناية على نفسه شبه محمد فهل يجرى مجرى الخطأ؟ على وجهين، الوجه الأول هي كالخطأ لأنها تساويه فيما إذا كانت على غيره والوجه الثاني: لا تحمله العاقلة لأنه لا عذر له فأشبه العمد المحض (١)، وجاء في (٢) موضع آخر من المغنى: أنه إن ألقاه في ماء يسير يقدر على الخروج منه فلبث فيه اختيارًا حتى مات فلا قود فيه ولا دية لأن هذا الفعل يقتله وإنما حصل موته بلبثه فيه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره، وان تركه فى نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو كونه فى طرف منها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يفعل حتى مات فلا قود لأن هذا لا يقتل غالبًا وهل يضمنه؟ فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه مهلك لنفسه بإقامته فلم يضمنه كما لو ألقاه في ماء يسير لكن يضمن ما أصابت النار منه والثانى يضمنه لأنه جان بالإلقاء المفضى إلى الهلاك وترك التخلص لا يسقط الضمان كما لو قصده فترك شد فصاده مع إمكانه أو جرحه فترك مداواة جرحه. وفارق الماء لأنه لا يهلك بنفسه ولهذا يدخله الناس للغسل والسباحة والصيد وأما النار فيسيرها يهلك وإنما تعلم قدرته على التخلص بقوله أنا قادر على التخلص أو نحو هذا لأن النار لها حرارة شديدة فربما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلص به أو أذهبت عقله بألمها وروعتها. وإن ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص منها فالتقمه حوت ففيه وجهان أحدهما عليه القود لأنه ألقاء في مهلكة فهلك فأشبه ما لو غرق فيها والثانى لا قود عليه لأنه لم يهلك بها أشبه ما لو قتله آدمى آخر، وإن ألقاه في ماء يسير فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فلا قود عليه لأن الذي فعله لا يقتل غالبًا وعليه ضمانه لأنه هلك بفعله.
مذهب الزيدية:
جاء في (٣) التاج المذهب: قال في البحر أنه لو أمكن المجنى عليه دفع السبب الذي ليس بمهلك في العادة فلم يفعل حتى هلك سقط القصاص والدية كمن ألقى في ماء قليل مستلقيًا فيه حتى مات وكان يمكنه القيام وكمن فتح عليه عرق الفصد فلم يبده حتى هلك ونزف دمه وكان يمكنه دفعه فلا يضمن الفاعل إذ السبب بنفسه غير مهلك فكأنه أهلك نفسه أما لو كان السبب مهلك كمن جرح جرحًا يمكن مداواته فلم يداوه حتى هلك وكمن ألقى في ماء كثير وهو يمكنه السباحة ولم يسبح حتى هلك فلا يسقط القصاص. وجاء في موضع (٤) آخر من التاج المذهب: أن ما كان من القتل أو الجناية سببه منه أي من المجنى عليه فهدر لا شئ فيه لأنه في
стр. 8921
حكم الجانى على نفسه مباشرة ومن ذلك أن يعض يد غيره فانتزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض أو سقط العاض فاندقت عنقه مات فلا شئ على المعضوض إذا لم يمكنه خلاص يده إلا بذلك قال في البيان فإن سقط المعضوض من العاض ضمن العاض ما وقع فيه من جناية كما في متجاذبى الحبل، ومن عدا على غيره ظلمًا ليقتله أو ليضربه فدخل المتبوع في ماء فغرق أو نار فحرق أو سقط في بئر أو من شاهق أو في كوة فلا ضمان على التابع إلا أن يكون الهارب أعمى أو لا يشعر بذلك حتى وقع فيه ضمن الدية، وجاء في (١) البحر الزخار: أنه لا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدًا إن العمد في مال الجانى ولا يثبت له دين على نفسه وكذلك الخطأ بل على العاقلة قلنا: لم يوجب دية عوف بن مالك حين أصاب نفسه قالوا: قضى بدية من أصاب عين نفسه خطأ على عاقلته قلنا: غير مشهور سلمنا، فاجتهاد له، قلنا لم يوجب ﷺ دية عوف بن مالك حين أصاب نفسه، قال في الشفاء وروى أن عوف بن مالك الأشجعى ضرب مشركًا بالسيف فرجع السيف عليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله ﷺ من الصلاة عليه وقالوا: قد أبطل جهاده. فقال رسول الله ﷺ بل مات مجاهدًا، وقال في رواية أخرى فقال النبي ﷺ هو شهيد قتل نفسه خطأ ولم يوجب الدية على عاقلته قلت في هذا الخبر سهو ظاهر وعوف بن مالك المذكور لم يقتل نفسه ولا قتل في حياة النبي ﷺ بل بقى بعده إلى أن مات بالشام سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهو من مشاهير الصحابة وكان إسلامه عام خيبر جميع ذلك مشهور عند أهل الشأن المذكور في كتبه المعتبرة وإنما صاحب هذه القصة عامر الأسلمى عم سلمة بن الأكوع ولفظه فيما أخرجه مسلم عن سلمة بن الأكوع أن عمه عامرًا بارز مرحبا اليهودى يوم خيبر فاختلفا مرتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله وكانت فيها نفسه قال سلمة: وخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكى فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟ قال رسول الله: من قال ذلك؟ قلت ناس من أصحابك قال: كذب من قال ذلك. بل له أجره مرتين هذا طرف من الحديث المذكور. وفى حديث أخرجه أبو داود عن أبى سلام عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال "أغرنا على حى من جهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه فقال رسول الله ﷺ أخاكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمه وصلى عليه ودفنه فقالوا: يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد، وليس في أي الحديثين ذكر امتناع أصحاب رسول الله ﷺ من الصلاة عليه، وكذلك لم يذكر في أيهما إيجاب الدية على العاقلة وذلك المقصود.
стр. 8922
مذهب الإمامية:
جاء في (١) شرائع الإسلام: أن من صاح ببالغ فمات فلا دية أما لو كان مريضًا أو مجنونًا أو طفلًا أو المعتل البالغ الكامل وفاجأه بالصيحة لزم الضمان؛ ولو قيل بالتسوية بالضمان كان حسنًا لأنه سبب الإتلاف ظاهرًا وقال الشيخ الدية على العاقلة وفيه إشكال من حيث قصد الصائح إلى الإخافة فهو عمد الخطأ وكذا البحث لو شهر سيفه في وجه إنسان أما لو فر فألقى نفسه في بئر وعلى سقف قال الشيخ لا ضمان لأنه ألجأه إلى الهرب لا إلى الوقوع فهو المباشر لإهلاك نفسه فيسقط حكم التسبب وكذا لو صادفه في هربه سبع فأكله، ولو كان المطلوب أعمى ضمن الطالب ديته لأنه سبب ملجئ وكذا لو كان مبصرًا ووقع في بئر لا يعلمها أو انخسف يه السقف أو اضطره إلى مضيق فافترسه الأسد لأنه يفترس في المضيق غالبًا.
مذهب الحنفية:
جاء في البحر (٢) الرائق: أن قاتل نفسه يصلى عليه عند أبى حنيفة ومحمد وهو الأصح لأنه فاسق غير ساع في الأرض بالفساد وكذا في النهاية وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يصلى عليه لأنه باغ على نفسه كذا في غاية البيان وهو الأصح وقد نسب هذا القول إلى القاضي على السندى فقد اختلف التصحيح كما ترى لكن تأيد قول أبى يوسف بما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلى عليه وفى فتاوى قاضيخان رجلان أحدهما قتل نفسه والآخر قتل غيره كان قاتل نفسه أعظم وزرا وإثما وتقيد قتل النفس بكونه قتل نفسه عمدًا لأنه لو قتل نفسه خطأ فإنه يغسل ويصلى عليه اتفاقًا.
مذهب المالكية:
جاء في (٣) المدونة الكبرى: أن الإمام مالكا ﵁ قال يصلى على من قتل نفسه وإثمه على نفسه ويصنع به ما يصنع به ما يصنع بموتى المسلمين وقد سئل الإمام مالك عن امرأة خنقت نفسها قال: صلوا عليها وإثمها على نفسها ومثل قول مالك قول عطاء بن أبى رباح. قال سحنون وعن علي بن زياد عن سفيان عن عبد الله بن عون عن إبراهيم النخعى قال: السنة أن يصلى على قاتل نفسه وقد ذكر ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد أنهم اختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه وذلك لما روى جابر بن سمرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ : أبى أن يصلى على رجل قتل نفسه، قال ابن رشد فمن صحح هذا الأثر قال لا يصلى على قاتل نفسه ومن لم يصححه رأى أن حكمه حكم المسلمين وإن كان من أهل
стр. 8923
النار كما ورد به الأثر لكن ليس هو من المخلدين لكونه من أهل الإيمان وقد قال ﷺ حكاية عن ربه: "أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من الإيمان".
مذهب الشافعية:
جاء في (١) المجموع: أن من قتل نفسه أو غل في الغنيمة يغسل ويصلى عليه عندنا.
مذهب الحنابلة:
جاء في الشرح الكبير (٢) على المغنى: أنه لا يصلى الإمام على الغال ولا من قتل نفسه، والغال هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها ليأخذها لنفسه ويختص بها فهذا لا يصلى عليه الإمام ولا على من قتل نفسه عمدًا ويصلى عليهما سائر الناس نص على هذا أحمد وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعى لا يصلى على قاتل نفسه بحال لأن من لا يصلى عليه الإمام لا يصلى عليه غيره كشهيد المعركة وقال عطاء يصلى الإمام وغيره على جميع المسلمين لقول النبي ﷺ : "صلوا على من قال لا إله إلا الله". رواه الخلال بإسناده ولنا ما روى جابر بن سمرة - رضى الله عنه - أن النبى ﷺ جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصلى عليه رواه مسلم وروى أبو داود نحوه وعن زيد بن خالد الجهنى ﷺ قال: توفى رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه القوم فلما رأى ما بهم قال إن صاحبكم غل من الغنيمة" احتج به أحمد واختص الامتناع بالإمام لأن النبي ﷺ لما امتنع من الصلاة على الغال قال صلوا على صاحبكم وروى أنه أمر بالصلاة على قاتل نفسه وكان النبي ﷺ هو الإمام فألحق به من سواه في ذلك ولا يلزم من ترك صلاة النبي ﷺ ترك صلاة غيره فإنه كان في بدء الإسلام لا يصلى على من عليه دين ولا وفاء له ويأمرهم بالصلاة عليه فإن قيل هذا خاص بالنبى ﷺ لأن صلاته سكن قلنا ما ثبت فى حق النبى ﷺ يثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه به دليل قيل فقد ترك النبي ﷺ الصلاة على من عليه دين قلنا ثم صلى عليه بعد وروى أبو هريرة - رضى الله عنه - أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول هل ترك لدينه من وفاء فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم فلما فتح الله الفتوح قام فقال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى من المؤمنين وترك دينًا على قضاؤه ومن ترك مالًا فلورثته قال الترمذى هذا حديث صحيح ولولا النسخ كان كمسألتنا وهذه الأحاديث خاصة فيجب تقديمها على قوله صلوا على من قال لا إله إلا الله.
مذهب الظاهرية:
جاء في المحلى (٣): أنه يصلى على كل مسلم
стр. 8924
بر أو فاجر مقتول فى حد أو فى حرابة أو فى بغى ويصلى عليهم الإمام وغيره وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر وعلى من قتل نفسه وعلى من قتل غيره ولو أنه شر من على ظهر الأرض إذا مات مسلمًا لعموم أمر النبي ﷺ بقوله "صلوا على صاحبكم" والمسلم صاحب لنا "قال الله ﵎ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) فمن منع من الصلاة على مسلم فقد قال قولًا عظيمًا وإن الفاسق لأحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم وقد روينا عن (٣) ابن مسعود ﵁: أنه سئل عن رجل قتل نفسه: أيصلى عليه؟ فقال لو كان يعقل ما قتل نفسه وصح عن الشعبى أنه قال في رجل قتل نفسه ما مات فيكم مذ كذا وكذا أحوج إلى استغفاركم منه.
مذهب الزيدية:
جاء في البحر (٤) الزخار: أن من قتل نفسه لم يغسل لفسقه لقول الله ﵎ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥) وللخبر الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وقيل يصلى عليه غير الإمام.
مذهب الإمامية:
جاء في كتاب (٦) الحدائق الناضرة: ما رواه السكونى عن جعفر عن أبيه عن آبائهم قال رسول الله ﷺ "صلوا على المرجوم من أمتى وعلى القاتل نفسه من أمتى لا تدعوا أحدًا من أمتى بلا صلاة" قال صاحب كتاب الحدائق هذا الحديث تضمن الصلاة على قاتل نفسه مع ما ورد في جملة من الأخبار أنه من أهل النار ويمكن أن يقال أنه بقتل نفسه لا يخرج عن الإسلام بل غايته أن يكون من أهل الكبائر المستحقين للنار أيضًا وقد دل صحيح هشام بن سالم المروى على أن شارب الخمر والزانى والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا وبالجملة من حيث عدم الخروج عن الإيمان تدركهم الشفاعة ويكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه قول النبي ﷺ "إنما شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى".
مذهب الإباضية:
جاء في (٧) شرح النيل: أنه لا يصلى على قاتل ولو لنفسه عمدًا وإن تاب صلوا عليه والمرأة كالرجل في ذلك كله.
стр. 8925
مصطلح انفصال
• الانفصال لغة: الانقطاع، يُقال: فصل الشيء فانفصل أي قطعه فانقطع، فهو مطاوع فصل وهو ضد الاتصال. والانفصال هو الانقطاع الظاهر. هذا، ولا يخرج استعمال الفقهاء للانفصال عن المعنى اللغوى له.
• الانفصال في الغسل:
مذهب الحنفية:
جاء في (بدائع الصنائع): أن غُسالة النجاسة نوعان: غُسالة النجاسة الحقيقية؛ وغسالة النجاسة الحكمية؛ وهى الحدث.
أما غُسالة النجاسة الحقيقية وهى ما إذا غُسلت النجاسة الحقيقية ثلاث مرات فالمياه الثلاث نجسة؛ لأن النجاسة انتقلت إليها، إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة فأوجب تنجيسها، وحُكم المياه الثلاث في حق المنع من جواز التوضؤ بها والمنع من جواز الصلاة بالثوب الذي أصابته سواء لا يختلف، وأما في حق تطهير المحل الذي أصابته فيختلف حكمها، حتى قال مشايخنا: إن الماء الأول إذا أصاب ثوبًا لا يطهر إلا بالعصر والغسل مرتين بعد العصر. والماء الثاني: يطهر بالغسل مرة بعد العصر. والماء الثالث: يطهر بالعصر لا غير؛ لأن حكم كل ماء حين كان في الثوب الأول كان هكذا فكذا في الثوب الذي أصابه، واعتبروا ذلك بالدلو المنزوح من البئر النجسة إذا صُب في بئر طاهرة أن الثانية تطهر بما تطهر به الأولى، كذا هذا.
وهل يجوز الانتفاع بالغسالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقى الدواب ونحو ذلك؟ إن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها لا يجوز الانتفاع؛ لأنه لما تفسير دل أن النجس غالب فالتحق بالبول وإن لم يتغير شيء من ذلك يجوز؛ لأنه لما لم يتغير دل أن النجس لم يغلب على الطاهر. والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة، وعلى هذا إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه أنه إن كان جامدًا تُلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقى. وإن كان ذائبًا لا يؤكل ولكن يُستصبح به؛ ويُدبغ به الجلد، ويجوز بيعه.
وأما غُسالة النجاسة الحكمية وهى الماء المستعمل فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ به، ولم يذكر أنه طاهر أم نجس، وروى محمد عن أبى حنيفة أنه طاهر غير طهور. وأبو يوسف روى عنه أنه ينجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش، وبه أخذ، وقال زفر: إن كان المستعمِلُ متوضئًا فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثًا فهو طاهر غير طهور (١).
مذهب المالكية:
جاء في (الشرح الكبير): أن الغُسالة المتغيرة بأحد أوصاف النجاسة نجسة لا إن تغيرت بوسخ أو صبغ مثلًا، فلو غُسلت قطرة بول مثلًا في جسد أو ثوب وسالت غير متغيرة في سائره ولم تتفصل عنه كان طاهرًا، ولو زال عين النجاسة عن المحل بغير المطلق من مُضاف وبقى بلله فلاقى جافًا، أو جف ولاقى مبلولًا لم يتنجس مُلاقى محلها على المذهب، إذ لم يبق إلا الحكم وهو لا ينتقل (٢). وفيه أن المضاف قد يتنجس بمجرد الملاقاة. فالباقى نجس فالأولى التعليل بالبناء على أن المضاف كالمطلق لا يتنجس إلا
стр. 8926
بالتغير، فهو مشهور مبنى على ضعيف، فلو استنجى بمضاف أعاد الاستنجاء دون غسل ثوبه على الراجح (١).
مذهب الشافعية:
جاء في (مغنى المحتاج): أن الأظهر طهارة غسالة قليلة تنفصل بلا تغير وقد طهر المحل؛ لأن البلل الباقى على المحل هو بعض المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا لكان المحل كذلك فيكون المنفصل طاهرًا لا طهورًا؛ لأنه مستعمل في خبث، والثانى أنها نجسة؛ لانتقال المنع إليها، فلو انفصلت متغيرة أو غير متغيرة؛ ولم يطهر المحل فنجسةٌ قطعًا؛ وزيادة وزنها بعد اعتبار ما يأخذه المحل من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر كالمتغير، ويحكم بنجاسة المحل فيما إذا انفصلت متغيرة أو زائدة الوزن؛ لأن البلل الباقى على المحل هو بعض ما انفصل كما مر. أما الكبيرة فطاهرة ما لم تتغير، وإن لم يطهر المحل (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء في (المغنى): أن المنفصل من غُسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينفصل متغيرًا بها، فهو نجس إجماعًا؛ لأنه متغيِّر بالنجاسة. فكان نجسًا، كما لو وردت عليه. الثاني: أن ينفصل غير متغير قبل طهارة المحل، فهو نجس أيضًا؛ لأنه ماءٌ يسير لاقى نجاسة لم يُطهِّرها؛ فكان نجسًا؛ كالمتغير، وكالباقى في المحل، فإن الباقى في المحل نجس، وهو جزءٌ من الماء الذي غُسلت به النجاسة، ولأنه كان في المحل نجسًا، وعصره لا يجعله طاهرًا. الثالث: أن ينفصل غير متغير من الغسلة التي طهَّرت المحل. ففيه وجهان؛ أصحهما: أنه طاهر؛ لأنه جزءٌ من المتصل. والمتصل طاهر؛ فكذلك المنفصل. ولأنه ماء أزال حكم النجاسة، ولم يتغير بها، فكان طاهرًا، كالمنفصل من الأرض. والثانى: هو نجس؛ لأنه ماء يسير لاقى نجاسة. فينجس بها؛ كما لو وردت عليه. وإذا حكمنا بطهارته، فهل يكون طهورًا؟ على بوجهين: أحدهما: يكون طهورًا؛ لأن الأصل طهوريته، ولأن الحادث فيه لم ينجسه، ولم يغيره؛ فلم تزل طهوريته، كما لو غُسل به ثوبًا طاهرًا. والثانى: أنه غير مطهِّر: لأنه أزال مانعًا من الصلاة، أشبه ما رُفع به الحدث. وإذا جُمع الماء الذي أُزيلت به النجاسة قبل طهارة المحل وبعده في إناء واحد، وكان دون القلتين، فالجميع نجس، تغير أو لم يتغير (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء في (المحلى) أن الوضوء بالماء المستعمل جائزء وكذلك الغُسل به للجنابة. وسواء وُجد ماء، آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضأ به بعينه لفريضة أو نافلة أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضئ به رجلًا أو امرأة (٤).
مذهب الزيدية:
جاء في (البحر الزخار): أن المستعمل ما اغْتَسل به لقربة أو طهَّر به المحلَّ لا للتبرد فَقَراح بل مستعمل، وهو طاهر إذ لم يلق نجسًا، ولم يتحرز السلف عنه، وقيل: بل نجس؛ لقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" (٥). وهو غير مطهِّر: لتكميل السلف الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط من الماء (٦).
стр. 8927
مذهب الإمامية:
جاء في (شرائع الإسلام): أن الماء المستعمل في غَسل الأخباث نجسٌ، سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير، عدا ماء الاستنجاء فإنه طاهر ما لم يتغير بالنجاسة أو تلاقيه نجاسة من الخارج، والمستعمل في الوضوء طاهر مطهِّر: وما استُعمل في رفع الحدث الأكبر طاهر، وهل يُرفع به الحدث ثانيًا؟ فيه تردد، والأحوط المنع (١).
مذهب الإباضية:
جاء في (شرح النيل): وجاز في المستعمل المنفصل عن عضو من أعضاء البدن كلها، بأن كان في العضو الآخر في غُسل للجنابة أو الحيض أو غيرهما أن ينقله من عضوٍ لآخر، ويجوز أن يُريد بالغُسل غُسل النجس أو غسله وغُسل نحو الجنابة والحيض، والوجه الأول أولى، وإيضاحه أنه أراد الانفصال عن العضو في الوضوء كونه في عضو آخر، أو كونه قاطرًا منه، فلا يُرفع الحدث بالقاطر من العضو ولا بما في عضو آخر، لكن فيه استعمال الكلمة في حقيقتها ومجازها، فإن تسمية كون الماء في عضو آخر انفصالًا مجازٌ، وتسمية قطره انفصالًا حقيقةٌ، فيكون الضمير في قوله: (جاز) عائد إلى المنفصل بقيد كونه ما كان في عضو آخر، وأما في الواحد فأولى. فيكون من الاستخدام، ولك أن تريد في الموضعين المجاز فقط، وهو كون الماء في عضو آخر فيُفهم منع القاطر في الوضوء بالأولى، ويُفهم كون المتصل في عضو في الغُسل جائزًا بالأولى (٢).
انفصال السقط (٣):
مذهب الحنفية:
جاء في (بدائع الصنائع): إذا استهل المولود سُمى وغُسِّل وصُلى عليه وورث وَوُرِّث عنه، وإذا لم يستهل لم يُسمَّ ولم يُغسل ولم يرث، وعن محمد أيضًا أنه لا يُغسل ولا يسمى ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الكرخى، وروى عن أبى يوسف أنه يُغسل ويسمى ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الطحاوى. وقال محمد في السقط الذي استبان خلقه أنه يغسل ويكفى ويحنط ولا يُصلى على ما ولد ميتًا، والخلاف في الغسل (٤).
مذهب المالكية:
جاء في (الشرح الكبير): لا يُغسَّل سقط لم يستهل صارخًا ولو تحرك؛ إذ الحركة لا تدل على الحياة؛ إذ قد يتحرك المقتول، أو عطس أو بال أو رضع، إذ واحد منها لا يدل على استقرار الحياة، أي يُكره، إلا أن تتحقق الحياة بعلامة من علاماتها من صياح أو طول مدة فيجب غسله وغسل دمه، ولُف بخرقة، وورى وجوبًا فيهما، وفى غسل الدم نظر (٥).
مذهب الشافعية:
جاء في (مغنى المحتاج): أن السقط إن استهل أو بكى ككبيرٍ، وإلا فإن ظهرت أمارةُ الحياة كاختلاجٍ صُلى عليه في الأظهر، وإن لم تظهر ولم يبلغ أربعة أشهر لم يُصل عليه، وكذا إن بلغها في الأظهر (٦).
стр. 8928
مذهب الحنابلة:
جاء في (المغنى): أن السقط إذا وُلد لأكثرَ من أربعة أشهر، غُسِّل، وصَلّى عليه، وإن خرج حيا واستهل، فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه، بغير خلاف (١).
مذهب الظاهرية:
جاء في (المحلى): وتُستحب الصلاة على المولود يُولد حيًّا ثم يموت - استهل أو لم يستهل - وليس الصلاة عليه فرضًا ما لم يبلغ (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى (البحر الزخار): إذا وُجد بعض الميت فإن كان فيه الصدر أو الصدر وحده غُسل وكُفن وصُلى عليه ودُفن، وإن لم يكن وكان فيه عظم غُسل ولُف في خرقة ودُفن، وكذا سقط إذا كان له أربعة أشهر فصاعدًا. وإن لم يكن فيه عظم اقتصر على لفه في خرقة ودفنه، وكذا السقط إذا لم تَلجْه الروح. وإذا لم يحضر الميت مسلم ولا كافر ولا مَحْرِم من النساء دُفن بغير غُسل ولا تقربه الكافرة. وكذا المرأة، وروى: أنهم يَغسلون وجهها ويديها (٣).
مذهب الإمامية:
جاء في (شرائع الإسلام): يُستحب الصلاة على من لم يبلغ ست سنين إذا وُلد حيا، فإن وقع سقطًا لم يُصَلَّ عليه ولو ولجته الروح. والحمل مانع من الإرث إلا أن ينفصل حيًا، فلو سقط ميتًا لم يرث (٤).
مذهب الإباضية:
جاء في (شرح النيل): يُصلى على مولود عُرفت حياته إجماعًا، وإلا فقولان، ويُقصد بها من يُصلَّى عليه إذا اختلط بمن لا يُصلى عليه، وتلزم حقوقه ما غَطى جلده عظامه ولم تفترق أجزاؤه، فإن انسلخ أو افترقت سقط غسله وكفنه الصلاة عليه ولزم دفنه (٥).
انفصال أجزاء من الميت:
مذهب الحنفية:
جاء في (بدائع الصنائع): إذا وُجد طرف من أطراف الإنسان كيد أو رجل أنه لا يغسل؛ لأن الشرع ورد بغسل الميت والميت اسم لكله، ولو وُجد الأكثر منه غُسِّل؛ لأن للأكثر حكم الكل. وإن وُجد الأقل منه أو النصف لم يُغسل كذا ذكر القدورى في شرحه مختصر الكرخى؛ لأن هذا القدر ليس بميت حقيقة وحُكمًا، ولأن الغسل للصلاة وما لم يزد على النصف لا يُصلى عليه فلا يُغسل أيضًا، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوى: أنه إذا وجد النصف ومعه الرأس يُغسل وإن لم يكن معه الرأس لا يُغسل فكأنه جعله مع الرأس في حكم الأكثر؛ لكونه معظم البدن، ولو جد نصفه مشقوقًا لا يُغسل لما قلنا، ولأنه لو غسل الأقل أو النصف يُصلى عليه؛ لأن الغسل لأجل الصلاة، ولو صلى عليه لا يؤمن أن يوجد الباقى فيصلى عليه فيؤدى إلى تكرار الصلاة على ميت واحد، وذلك مكروه عندنا، أو يكون صاحب الطرف حيًا فَيُصلى على بعضه وهو حى وذلك فاسد، وهذا كله مذهبنا (٦).
стр. 8929
مذهب المالكية:
جاء في (الشرح الكبير): ولا يُغسل دون الجل - يعنى دون ثلثى الجسد - والمراد بالجسد ما عدا الرأس، فإذا وُجد نصف الجسد أو أكثر منه ودون الثلثين مع الرأس لم يُغسل على المعتمد، أي يُكره؛ لأن شرط الغُسل وجود الميت، فإن وُجد بعضه فالحكم للغالب، ولا حكم لليسير وهو ما دونها (١).
مذهب الشافعية:
جاء في (مغنى المحتاج): ولو وُجد عضوُ مُسلمٍ عُلم موته بغير شهادة، ولو كان الجزء ظفرًا أو شعرًا صُلى عليه بقصد الجملة بعد غسله وجوبًا كالميت الحاضر؛ لأنها في الحقيقة صلاة على غائب (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء في (المغنى): إن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يُغسل، ويُصلى عليه. ونقل ابن منصور عن أحمد أنه لا يُصلى على الجوارح، قال الخلال: ولعله قول قديم لأبى عبد الله. والذي استقر عليه قول أبى عبد الله أنه يُصلى على الأعضاء (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء في (المحلى): ويُصلى على ما وجد من الميت المسلم، ولو أنه ظُفر أو شعر فما فوق ذلك، ويغسل ويكفن إلا أن يكون من شهيد فلا يُغسل. لكن يُلف ويُدفن، ويُصلى على الميت المسلم وإن كان غائبًا لا يوجد منه شئ، فإن وُجد من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضًا غسل أيضًا وكفن ودفن ولا بأس بالصلاة عليه ثانية وهكذا أبدًا (٤).
مذهب الزيدية:
جاء في (البحر الزخار): ويُغسل الأكثر أو النصف الذي كمله الرأس لا الأقل. قياسًا على عضو قُطع من الحى، وقيل: يُغسل الأقل؛ إذ لم يُفَصِّل الدليل، ولصلاتهم على يد طلحة أو عتَّاب ونحوه، ولأنه بعضٌ كالأكثر (٥).
مذهب الإمامية:
جاء في (شرائع الإسلام): إذا وُجد بعض الميت: فإن كان فيه الصدر، أو الصدر وحده غُسل وكُفن وصلُى عليه ودُفن، وإن لم يكن وكان فيه عظم، غُسل ولُف في خرِقة ودُفن (٦).
مذهب الإباضية:
جاء في (شرح النيل): إن وُجدت جثة رجل دون رأسه فهل تلزم بها حقوقه نظرًا للكثرة أو يلزم لفه ومواراته فقط؟ قولان؛ ولزم الكل إن وُجد الرأس وحده قولًا واحدًا، وقيل: خلاف كالأمر الأول، وبالجملة فمن لا تلزم حقوقه كسقط ومشرك ونحوهما ممن تقدم، وكعظم وجلد وشعر ولحم لزم لفه ودفنه، والأصح عدم وجوب لف عظم ولحم وجلد وشعر، ولا يُجعل لمن ذُكر مقبرة (٧).
الانفصال في الزواج:
وهو وقوع الفرقة بين الزوجين، ويُنظر في: انفساخ وخلع وطلاق وتفريق ولعان.
стр. 8930
الانفصال في البيوع:
مذهب الحنفية:
جاء في (بدائع الصنائع): جملة الكلام في الزيادة أنها لا تخلو إما أن حدثت قبل القبض، وإما أن حدثت بعده، وكل واحدة من الزيادتين لا تخلو من أن تكون متصلة أو منفصلة، والمتصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال ونحو ذلك، أو غير متولدة منه كالصبغ في الثوب ونحوها، وكذلك المنفصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالولد، أو غير متولدة من الأصل كالكسب والصدقة، والبيع لا يخلو إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، أما الزيادة في البيع الصحيح: فإن حدثت الزيادة قبل القبض فإن كانت متصلة متولدة من الأصل فإنها لا تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة؛ لقيامها بالأصل، فكانت مبيعة تبعًا، وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب، وإن كانت - الزيادة - منفصلة متولدة من الأصل لا تمنع الرد، فإن شاء المشترى ردهما جميعًا، وإن شاء رضى بهما بجميع الثمن، بخلاف ما بعد القبض عندنا أنها تمنع الرد بالغيب. ولو قبض الأصل والزيادة جميعًا ثم وجد بالأصل عيبًا له أن يرده خاصة بحصته من الثمن بعد ما قسم الثمن على قدر الأصل وقت البيع، وعلى قيمة الزيادة وقت القبض؛ لأن الزيادة إنما تأخذ قسطًا من الثمن بالقبض، كذلك يُعتبر قبضها وقت القبض، ولو لم يجد بالأصل عيبًا ولكنه وجد بالزيادة عيبًا فله أن يردها خاصة بحصتها من الثمن؛ لأنه صار لها حصة من الثمن بالقبض فيردها بحصتها من الثمن؛ فإن كانت الزيادة منفصلة من الأصل فإنها لا تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، وإنما هي مملوكة بسبب على حِدَةٍ أو بملك الأصل فبالرد ينفسخ العقد في الأصل وتبقى الزيادة مملوكة بوجود سبب الملك فيه مقصودًا أو بملك الأصل لا بالبيع فكانت ربحًا لا ربًا: لاختصاص الربا بالبيع؛ لأنه فَضْلُ مالٍ قُصد استحقاقه بالبيع في عُرف الشرع، ولم يوجد ثم إذا رد الأصل، فالزيادة تكون للمشترى بغير ثمن عند أبى حنيفة لكنها لا تطيب له: لأنها حدثت على ملكه إلا أنها ربح ما لم يضمن فلا تطيب … وأصل المسألة في النكاح إذا ازداد المهر زيادة متصلة من الأصل بعد القبض ثم ورد الطلاق قبل الدخول أنها هل تمنع التصنيف؟ عندهما تمنع، وعليها نصف القيمة، وعنده لا تمنع، وإما أن يرده مع الزيادة، والرد وحده لا يمكن، والزيادة ليست بتابعة في العقد، فلا يمكن أن يجعلها تابعة في الفسخ إلا إذا تراضيا على الرد؛ لأنه صار بمنزلة بيع جديد، وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب، ويرد الأصل بدون الزيادة، وكذلك هذه الزيادة تمنع الفسخ من الإقالة، وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل لا يمتنع الرد بالعيب ويرد الأصل على البائع والزيادة للمشترى طيبةٌ له؛ لما مر من أن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلًا؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، بل مُلكت بسبب على حدة فأمكن إثبات حكم الفسخ فيه بدون الزيادة، فيرد الأصل وينفسخ العقد فيه وتبقى الزيادة مملوكة للمشترى بوجود سبب الملك فيها شرعًا، فتطيب له.