← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

بالتغير، فهو مشهور مبنى على ضعيف، فلو استنجى بمضاف أعاد الاستنجاء دون غسل ثوبه على الراجح (١). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): أن الأظهر طهارة غسالة قليلة تنفصل بلا تغير وقد طهر المحل؛ لأن البلل الباقى على المحل هو بعض المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا لكان المحل كذلك فيكون المنفصل طاهرًا لا طهورًا؛ لأنه مستعمل في خبث، والثانى أنها نجسة؛ لانتقال المنع إليها، فلو انفصلت متغيرة أو غير متغيرة؛ ولم يطهر المحل فنجسةٌ قطعًا؛ وزيادة وزنها بعد اعتبار ما يأخذه المحل من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر كالمتغير، ويحكم بنجاسة المحل فيما إذا انفصلت متغيرة أو زائدة الوزن؛ لأن البلل الباقى على المحل هو بعض ما انفصل كما مر. أما الكبيرة فطاهرة ما لم تتغير، وإن لم يطهر المحل (٢). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): أن المنفصل من غُسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينفصل متغيرًا بها، فهو نجس إجماعًا؛ لأنه متغيِّر بالنجاسة. فكان نجسًا، كما لو وردت عليه. الثاني: أن ينفصل غير متغير قبل طهارة المحل، فهو نجس أيضًا؛ لأنه ماءٌ يسير لاقى نجاسة لم يُطهِّرها؛ فكان نجسًا؛ كالمتغير، وكالباقى في المحل، فإن الباقى في المحل نجس، وهو جزءٌ من الماء الذي غُسلت به النجاسة، ولأنه كان في المحل نجسًا، وعصره لا يجعله طاهرًا. الثالث: أن ينفصل غير متغير من الغسلة التي طهَّرت المحل. ففيه وجهان؛ أصحهما: أنه طاهر؛ لأنه جزءٌ من المتصل. والمتصل طاهر؛ فكذلك المنفصل. ولأنه ماء أزال حكم النجاسة، ولم يتغير بها، فكان طاهرًا، كالمنفصل من الأرض. والثانى: هو نجس؛ لأنه ماء يسير لاقى نجاسة. فينجس بها؛ كما لو وردت عليه. وإذا حكمنا بطهارته، فهل يكون طهورًا؟ على بوجهين: أحدهما: يكون طهورًا؛ لأن الأصل طهوريته، ولأن الحادث فيه لم ينجسه، ولم يغيره؛ فلم تزل طهوريته، كما لو غُسل به ثوبًا طاهرًا. والثانى: أنه غير مطهِّر: لأنه أزال مانعًا من الصلاة، أشبه ما رُفع به الحدث. وإذا جُمع الماء الذي أُزيلت به النجاسة قبل طهارة المحل وبعده في إناء واحد، وكان دون القلتين، فالجميع نجس، تغير أو لم يتغير (٣). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) أن الوضوء بالماء المستعمل جائزء وكذلك الغُسل به للجنابة. وسواء وُجد ماء، آخر غيره أو لم يوجد، وهو الماء الذي توضأ به بعينه لفريضة أو نافلة أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضئ به رجلًا أو امرأة (٤). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): أن المستعمل ما اغْتَسل به لقربة أو طهَّر به المحلَّ لا للتبرد فَقَراح بل مستعمل، وهو طاهر إذ لم يلق نجسًا، ولم يتحرز السلف عنه، وقيل: بل نجس؛ لقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" (٥). وهو غير مطهِّر: لتكميل السلف الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط من الماء (٦).

стр. 8927

مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أن الماء المستعمل في غَسل الأخباث نجسٌ، سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير، عدا ماء الاستنجاء فإنه طاهر ما لم يتغير بالنجاسة أو تلاقيه نجاسة من الخارج، والمستعمل في الوضوء طاهر مطهِّر: وما استُعمل في رفع الحدث الأكبر طاهر، وهل يُرفع به الحدث ثانيًا؟ فيه تردد، والأحوط المنع (١). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): وجاز في المستعمل المنفصل عن عضو من أعضاء البدن كلها، بأن كان في العضو الآخر في غُسل للجنابة أو الحيض أو غيرهما أن ينقله من عضوٍ لآخر، ويجوز أن يُريد بالغُسل غُسل النجس أو غسله وغُسل نحو الجنابة والحيض، والوجه الأول أولى، وإيضاحه أنه أراد الانفصال عن العضو في الوضوء كونه في عضو آخر، أو كونه قاطرًا منه، فلا يُرفع الحدث بالقاطر من العضو ولا بما في عضو آخر، لكن فيه استعمال الكلمة في حقيقتها ومجازها، فإن تسمية كون الماء في عضو آخر انفصالًا مجازٌ، وتسمية قطره انفصالًا حقيقةٌ، فيكون الضمير في قوله: (جاز) عائد إلى المنفصل بقيد كونه ما كان في عضو آخر، وأما في الواحد فأولى. فيكون من الاستخدام، ولك أن تريد في الموضعين المجاز فقط، وهو كون الماء في عضو آخر فيُفهم منع القاطر في الوضوء بالأولى، ويُفهم كون المتصل في عضو في الغُسل جائزًا بالأولى (٢). انفصال السقط (٣): مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): إذا استهل المولود سُمى وغُسِّل وصُلى عليه وورث وَوُرِّث عنه، وإذا لم يستهل لم يُسمَّ ولم يُغسل ولم يرث، وعن محمد أيضًا أنه لا يُغسل ولا يسمى ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الكرخى، وروى عن أبى يوسف أنه يُغسل ويسمى ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الطحاوى. وقال محمد في السقط الذي استبان خلقه أنه يغسل ويكفى ويحنط ولا يُصلى على ما ولد ميتًا، والخلاف في الغسل (٤). مذهب المالكية: جاء في (الشرح الكبير): لا يُغسَّل سقط لم يستهل صارخًا ولو تحرك؛ إذ الحركة لا تدل على الحياة؛ إذ قد يتحرك المقتول، أو عطس أو بال أو رضع، إذ واحد منها لا يدل على استقرار الحياة، أي يُكره، إلا أن تتحقق الحياة بعلامة من علاماتها من صياح أو طول مدة فيجب غسله وغسل دمه، ولُف بخرقة، وورى وجوبًا فيهما، وفى غسل الدم نظر (٥). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): أن السقط إن استهل أو بكى ككبيرٍ، وإلا فإن ظهرت أمارةُ الحياة كاختلاجٍ صُلى عليه في الأظهر، وإن لم تظهر ولم يبلغ أربعة أشهر لم يُصل عليه، وكذا إن بلغها في الأظهر (٦).

стр. 8928

مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): أن السقط إذا وُلد لأكثرَ من أربعة أشهر، غُسِّل، وصَلّى عليه، وإن خرج حيا واستهل، فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه، بغير خلاف (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): وتُستحب الصلاة على المولود يُولد حيًّا ثم يموت - استهل أو لم يستهل - وليس الصلاة عليه فرضًا ما لم يبلغ (٢). مذهب الزيدية: جاء فى (البحر الزخار): إذا وُجد بعض الميت فإن كان فيه الصدر أو الصدر وحده غُسل وكُفن وصُلى عليه ودُفن، وإن لم يكن وكان فيه عظم غُسل ولُف في خرقة ودُفن، وكذا سقط إذا كان له أربعة أشهر فصاعدًا. وإن لم يكن فيه عظم اقتصر على لفه في خرقة ودفنه، وكذا السقط إذا لم تَلجْه الروح. وإذا لم يحضر الميت مسلم ولا كافر ولا مَحْرِم من النساء دُفن بغير غُسل ولا تقربه الكافرة. وكذا المرأة، وروى: أنهم يَغسلون وجهها ويديها (٣). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): يُستحب الصلاة على من لم يبلغ ست سنين إذا وُلد حيا، فإن وقع سقطًا لم يُصَلَّ عليه ولو ولجته الروح. والحمل مانع من الإرث إلا أن ينفصل حيًا، فلو سقط ميتًا لم يرث (٤). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): يُصلى على مولود عُرفت حياته إجماعًا، وإلا فقولان، ويُقصد بها من يُصلَّى عليه إذا اختلط بمن لا يُصلى عليه، وتلزم حقوقه ما غَطى جلده عظامه ولم تفترق أجزاؤه، فإن انسلخ أو افترقت سقط غسله وكفنه الصلاة عليه ولزم دفنه (٥). انفصال أجزاء من الميت: مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): إذا وُجد طرف من أطراف الإنسان كيد أو رجل أنه لا يغسل؛ لأن الشرع ورد بغسل الميت والميت اسم لكله، ولو وُجد الأكثر منه غُسِّل؛ لأن للأكثر حكم الكل. وإن وُجد الأقل منه أو النصف لم يُغسل كذا ذكر القدورى في شرحه مختصر الكرخى؛ لأن هذا القدر ليس بميت حقيقة وحُكمًا، ولأن الغسل للصلاة وما لم يزد على النصف لا يُصلى عليه فلا يُغسل أيضًا، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوى: أنه إذا وجد النصف ومعه الرأس يُغسل وإن لم يكن معه الرأس لا يُغسل فكأنه جعله مع الرأس في حكم الأكثر؛ لكونه معظم البدن، ولو جد نصفه مشقوقًا لا يُغسل لما قلنا، ولأنه لو غسل الأقل أو النصف يُصلى عليه؛ لأن الغسل لأجل الصلاة، ولو صلى عليه لا يؤمن أن يوجد الباقى فيصلى عليه فيؤدى إلى تكرار الصلاة على ميت واحد، وذلك مكروه عندنا، أو يكون صاحب الطرف حيًا فَيُصلى على بعضه وهو حى وذلك فاسد، وهذا كله مذهبنا (٦).

стр. 8929

مذهب المالكية: جاء في (الشرح الكبير): ولا يُغسل دون الجل - يعنى دون ثلثى الجسد - والمراد بالجسد ما عدا الرأس، فإذا وُجد نصف الجسد أو أكثر منه ودون الثلثين مع الرأس لم يُغسل على المعتمد، أي يُكره؛ لأن شرط الغُسل وجود الميت، فإن وُجد بعضه فالحكم للغالب، ولا حكم لليسير وهو ما دونها (١). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): ولو وُجد عضوُ مُسلمٍ عُلم موته بغير شهادة، ولو كان الجزء ظفرًا أو شعرًا صُلى عليه بقصد الجملة بعد غسله وجوبًا كالميت الحاضر؛ لأنها في الحقيقة صلاة على غائب (٢). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): إن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يُغسل، ويُصلى عليه. ونقل ابن منصور عن أحمد أنه لا يُصلى على الجوارح، قال الخلال: ولعله قول قديم لأبى عبد الله. والذي استقر عليه قول أبى عبد الله أنه يُصلى على الأعضاء (٣). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): ويُصلى على ما وجد من الميت المسلم، ولو أنه ظُفر أو شعر فما فوق ذلك، ويغسل ويكفن إلا أن يكون من شهيد فلا يُغسل. لكن يُلف ويُدفن، ويُصلى على الميت المسلم وإن كان غائبًا لا يوجد منه شئ، فإن وُجد من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضًا غسل أيضًا وكفن ودفن ولا بأس بالصلاة عليه ثانية وهكذا أبدًا (٤). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): ويُغسل الأكثر أو النصف الذي كمله الرأس لا الأقل. قياسًا على عضو قُطع من الحى، وقيل: يُغسل الأقل؛ إذ لم يُفَصِّل الدليل، ولصلاتهم على يد طلحة أو عتَّاب ونحوه، ولأنه بعضٌ كالأكثر (٥). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): إذا وُجد بعض الميت: فإن كان فيه الصدر، أو الصدر وحده غُسل وكُفن وصلُى عليه ودُفن، وإن لم يكن وكان فيه عظم، غُسل ولُف في خرِقة ودُفن (٦). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): إن وُجدت جثة رجل دون رأسه فهل تلزم بها حقوقه نظرًا للكثرة أو يلزم لفه ومواراته فقط؟ قولان؛ ولزم الكل إن وُجد الرأس وحده قولًا واحدًا، وقيل: خلاف كالأمر الأول، وبالجملة فمن لا تلزم حقوقه كسقط ومشرك ونحوهما ممن تقدم، وكعظم وجلد وشعر ولحم لزم لفه ودفنه، والأصح عدم وجوب لف عظم ولحم وجلد وشعر، ولا يُجعل لمن ذُكر مقبرة (٧). الانفصال في الزواج: وهو وقوع الفرقة بين الزوجين، ويُنظر في: انفساخ وخلع وطلاق وتفريق ولعان.

стр. 8930

الانفصال في البيوع: مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): جملة الكلام في الزيادة أنها لا تخلو إما أن حدثت قبل القبض، وإما أن حدثت بعده، وكل واحدة من الزيادتين لا تخلو من أن تكون متصلة أو منفصلة، والمتصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال ونحو ذلك، أو غير متولدة منه كالصبغ في الثوب ونحوها، وكذلك المنفصلة لا تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالولد، أو غير متولدة من الأصل كالكسب والصدقة، والبيع لا يخلو إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، أما الزيادة في البيع الصحيح: فإن حدثت الزيادة قبل القبض فإن كانت متصلة متولدة من الأصل فإنها لا تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة؛ لقيامها بالأصل، فكانت مبيعة تبعًا، وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب، وإن كانت - الزيادة - منفصلة متولدة من الأصل لا تمنع الرد، فإن شاء المشترى ردهما جميعًا، وإن شاء رضى بهما بجميع الثمن، بخلاف ما بعد القبض عندنا أنها تمنع الرد بالغيب. ولو قبض الأصل والزيادة جميعًا ثم وجد بالأصل عيبًا له أن يرده خاصة بحصته من الثمن بعد ما قسم الثمن على قدر الأصل وقت البيع، وعلى قيمة الزيادة وقت القبض؛ لأن الزيادة إنما تأخذ قسطًا من الثمن بالقبض، كذلك يُعتبر قبضها وقت القبض، ولو لم يجد بالأصل عيبًا ولكنه وجد بالزيادة عيبًا فله أن يردها خاصة بحصتها من الثمن؛ لأنه صار لها حصة من الثمن بالقبض فيردها بحصتها من الثمن؛ فإن كانت الزيادة منفصلة من الأصل فإنها لا تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، وإنما هي مملوكة بسبب على حِدَةٍ أو بملك الأصل فبالرد ينفسخ العقد في الأصل وتبقى الزيادة مملوكة بوجود سبب الملك فيه مقصودًا أو بملك الأصل لا بالبيع فكانت ربحًا لا ربًا: لاختصاص الربا بالبيع؛ لأنه فَضْلُ مالٍ قُصد استحقاقه بالبيع في عُرف الشرع، ولم يوجد ثم إذا رد الأصل، فالزيادة تكون للمشترى بغير ثمن عند أبى حنيفة لكنها لا تطيب له: لأنها حدثت على ملكه إلا أنها ربح ما لم يضمن فلا تطيب … وأصل المسألة في النكاح إذا ازداد المهر زيادة متصلة من الأصل بعد القبض ثم ورد الطلاق قبل الدخول أنها هل تمنع التصنيف؟ عندهما تمنع، وعليها نصف القيمة، وعنده لا تمنع، وإما أن يرده مع الزيادة، والرد وحده لا يمكن، والزيادة ليست بتابعة في العقد، فلا يمكن أن يجعلها تابعة في الفسخ إلا إذا تراضيا على الرد؛ لأنه صار بمنزلة بيع جديد، وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب، ويرد الأصل بدون الزيادة، وكذلك هذه الزيادة تمنع الفسخ من الإقالة، وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل لا يمتنع الرد بالعيب ويرد الأصل على البائع والزيادة للمشترى طيبةٌ له؛ لما مر من أن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلًا؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، بل مُلكت بسبب على حدة فأمكن إثبات حكم الفسخ فيه بدون الزيادة، فيرد الأصل وينفسخ العقد فيه وتبقى الزيادة مملوكة للمشترى بوجود سبب الملك فيها شرعًا، فتطيب له.

стр. 8931

هذا إذا كانت الزيادة قائمة في يد المشترى، فأما إذا كانت هالكة فهلاكها لا يخلو من أن يكون بآفة سماوية أو بفعل المشترى أو بفعل أجنبى: فإن كان بآفة سماوية له أن يرد الأصل بالعيب وتُجعل الزيادة كأنها لم تكن، وإن كان بفعل المشترى فالبائع بالخيار إن شاء قبل وردَّ جميع الثمن وإن شاء لم يَقبل ويرد نقصان العيب، سواء كان حدوث ذلك أوجب نقصانًا في الأصل أو لم يوجب نقصانًا فيه؛ لأن إتلاف الزيادة بمنزلة إتلاف جزء متصل بالأصل؛ لكونها متولدةً من الأصل، وذا يوجب الخيار للبائع، وإن كان بفعل أجنبى ليس له أن يرد؛ لأنه يجب ضمان الزيادة على الأجنبى، فيقوم الضمان مقام العين قائمة فيمتنع الرد ويرجع بنقصان العيب (١). مذهب المالكية: جاء في (الشرح الكبير): وَرُدَّتْ زيادة زادها أحدهما على الأصل حيث وقعت بعده أي بعد عقد الصرف بأن لقى صاحبه فقال له: استرخصتَ منى الدينار فزدنى لعيبه أي لوجود عيب في أصل الصرف؛ لأنه للصرف زاده فَتُردِ لرده كالهبة بعد البيع للبيع، فتُرد إن رُدت السلعة بعيب، لا ترد الزيادة لعيبها أي لوجود عيب بها فقط، وهل عدم ردها لعيبها مطلقًا عَينَّها أم لا أوجبها أم لا كما هو ظاهر (المدونة) وهو المذهب؛ فما في (الموازية) من أن له الرد وأخْذ بدل المزيد الزائف مخالف لها أو محل عدم ردها لعيبها إلا أنْ يوجبها الصيرفى على نفسه فتُرد وحدها ومعنى إيجابها أن يعطيها له بعد قوله: نقصتنى عن صرف الناس فزدنى ونحوه، وإن لم يقل له نعم أزيدك أو أن يقول له - بعد قوله عن صرف الناس -: أنا أزيدك، وأولى إن اجتمع طلب الزيادة مع قوله: أزيدك. فإن عَدِمَا لم يكن إيجابًا أو محل عَدَم ردها لعيبها إن عُينت كهذا الدرهم، وإن لم تُعَيَّنْ كأزيدك درهمًا، جاز ردها وأخذ البدل عليها، فما في (الموازية) وفاقٌ لها تأويلات، وفُهم من قوله: (بعده) أنها لو كانت في العقد تُرد لعيبه وعيبها (٢). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): أن الزيادة المتصلة بالمبيع أو الثمن كَالسِّمَنِ وكبر الشجرة وتعلم الصنعة والقرآن تتبع الأصل في الرد لعدم إمكان إفرادها؛ ولأن الملِك قد تجدد بالفسخ فكانت الزيادة المتصلة فيه تابعة للأصل كالعقد. والمنفصلة عينًا ومنفعةً كالولد والأجرة وكسب الرقيق والركاز الذي يجده وما وهب له فقبله وقبضه وما وُصِّى له به فقبله ومهر الجارية إذا وُطِئَت بشبهة لا تمنع الرد بالعيب عملًا بمقتضى العيب. والزيادة المنفصلة من البيع للمشترى ومن الثمن للبائع إن رد المبيع في الأولى والثمن في الثانية بعد القبض سواء أَحَدَثَ بعد القبض أم قبله (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة والكسب لا تمنع الرجوع بغير خلاف بين أصحابنا وسواء نقص بها المبيع أو لم ينقص، إذا كان نقص صفة والزيادة للمفلس. هذا ظاهر كلام الخرقيِّ؛ لأنه منع الرجوع بالزيادة المتصلة لكونها للمفلس فالمنفصلة أولى.

стр. 8932

وقال أبو بكر: الزيادة للبائع. ونقل حنبل عن أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة: هو للبائع؛ لأنها زيادة. فكانت للبائع كالمتصلة. ولنا: أنها زيادة انفصلت في ملك المشترى فكانت له. كما رده بعيب، ولأنه فسخ استحق به استرجاع العين، فلم يستحق أخذ الزيادة المنفصلة، كفسخ البيع بالعيب أو الخيار أو الإقالة. وفسخ النكاح بسبب من أسباب الفسخ. وأما الزيادة المتصلة؛ فقد دللّنا على أنها للمفلس أيضًا، وفى ذلك تنبيه على كون المنفصلة له. ثم لو سلمنا ثمَّ، فالفرق ظاهر، فإن المتصلة تتبع في الفسوخ والرد بالعيب، بخلاف المنفصلة، ولا ينبغى أن يقع في هذا اختلاف لظهوره. وكلام أحمد في رواية حنبل يُحمل على أنه باعهما في حال حملهما، فيكونان مبيعين، ولهذا خص هذين بالذكر دون بقية النماء (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): وبيع القصيل (٢) قبل أن يُسَنبِلَ جائز، وللبائع أن يتطوع للمشترى بتركه ما شاء إلى أن يرعاه أو إلى أن يحصده أو إلى أن بيبس بغير شرط؛ فإن غفل عنه حتى زاد فيه أولادًا من أصله لم تكن ظاهرة إذ اشتراه فاختصما فيهما فأيهما أقام البينة بمقدار المبيع قضى بها ولم يكن للمشترى إلا القدر الذي اشترى وكانت الزيادة من الأولاد للبائع، فإن لم تكن له بينة: حلفا، وقسمت الزيادة التي يتداعيانها بينهما (٣). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): أن الزيادة والنقص في المبيع والثمن يلحقان العقد ولو بعد التفريق فيفسُدُ بالفاسدة، وفى قول: لا، وهو المذهب؛ إذ الأصل فيه ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ الآية. وإنما يخاطب بالصحيح لا بالفاسد (٤). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): لو دفع إليه شاة فزادت زيادة متصلة كَالسِّمَنِ لم يكن له استفادة العين مع ارتفاع الفقر، وللفقير بذل القيمة، وكذا لو كانت الزيادة منفصلة كالولد، لكن لو دفع الشاة، لم يجب عليه دفع الولد (٥). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): وجاز شراء قصل لقصل فإن تركه مشتريه حتى مضت ثلاثة أيام فهل ينفسخ بها أو بسبعة أو حتى يطيب أو لا ينفسخ. وعليه فإن طاب فليس لمشتريه ما زاد على قدر الشراء، واشتركا فيه، وفى قدر الزائد والحب للبائع في الأظهر أقوال. والغلات وإن من حيوان كصوفٍ وشعرٍ كذلك (٦).

стр. 8933

مصطلح انفلات الانفلات لغة: مصدر الفعل انفلت المزيد بالهمزة والنون فأصل مادته فلت؛ وأفلت الشئ وتفلت وانفلت بمعنى واحد، والتَّفْلت والإفلات والانفلات التخلصُ من الشئ فجأة من غير تمكث. والإفلات يكون بمعنى الانفلات لازمًا وقد يكون متعديًا، يقال: أفلتُّه من الهلكة أي خلَّصته، وقد أفلت فلان من فلان وانفلت ومر بنا بعير منفلت، ولا يقال: مفلت. (١) الانفلات عند الفقهاء: لا يكاد الفقهاء يخرجون عن المعنى اللغوى عند كلامهم عن الانفلات وما يترتب عليه من أحكام، وهو التخلص من الشئ فجأة كانفلات الدابة؛ لأنها تتخلص من صاحبها أو من عقالها فجأة، وكانفلات الصيد بتخلصه من صاحبه أو من الشبكة، والفقهاء يعبرون تارة بلفظ انفلات كما جاء عند ابن عابدين: إذا انفلتت دابة فأصابت مالا أو آدميا نهارا أو ليلا فلا ضمان في الكل (٢) لقول النبي ﷺ : "العجماء جرحها جبار" (٣) أي: العجماء المنفلتة جرحها هدر، وتارة يعبر الفقهاء بألفاظ أخرى وهم يقصدون بها الانفلات كما جاء في (المبسوط): من ركب دابة ثم سقط عنها، ثم ذهبت الدابة على وجهها، فقتلت إنسانًا لم يكن عليه شئ؛ لأنها متفلتة، والمنفلتة جرحها جبار. (٤) الطهارة من انفلات الريح وما أشبهه مما يوجب الطهارة مذهب الحنفية: جاء في (البحر الرائق)؛ أن من به استطلاقُ بطن أو انفلاتُ ريح يتوضأ لوقت كل فرض لا لكل صلاة، وإذا خرج الوقت بطل وضوؤه واستأنف الوضوء لصلاة أخرى، وهذا عند العلماء الثلاثة. وقال زفر: استأنفوا إذا دخل الوقت. فإن توضئوا حين تطلع الشمس أجزأهم عن فرض الوقت حتى يذهب وقتُ الظهر. وهذا عند أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف وزفر: أجزاهم حتى يدخل وقت الظهر. وحاصله أن طهارة المعذور تنتقض بخروج الوقت أي عند خروج الوقت بالحدث السابق عند أبى حنيفة ومحمد، وتنتقض بدخوله فقط عند زفر، وبأيهما كان عند أبى يوسف وفى انتقاض الوضوء بنوم من به انفلات ريح. قالوا: إن من نواقض الوضوء الحكمية النومُ الذي يزيل القوة الماسكة بحيث تزول مقعدته من الأرض، وهو النوم على أحد جنبيه أو قفاه أو وجهه (٥). وفى حكم المسح على الخفين لمن به انفلات دم أو غيره جاء في (بدائع الصنائع): أن المسح على الخفين جاز للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وهذا في حق الأصحاء، أما في حق أصحاب الأعذار كصاحب الجرح السائل والاستحاضة ومن بمثل حالهما فكذلك الجواب عند زفر، وأما عند أصحابنا الثلاثة فيختلف الجواب إلا في واحدة. وبيان ذلك أن صاحب العذر إذا توضأ ولبس خفيه فهذا على أربعة

стр. 8934

أوجه: إما أن يكون الدم منقطعًا وقت الوضوء واللبس. وإما أن يكون سائلًا في الحالين جميعًا وإما أن يكون منقطعًا وقت الوضوء سائلًا وقت اللبس، وإما أن يكون سائلًا وقت الوضوء منقطعًا وقت اللبس، فإن كان منقطعًا في الحالين فحكمه حكم الأصحاء؛ لأن السيلان وجد عقب اللبس فكان اللبس على طهارة كاملة فمنع الخف سراية الحدث إلى القدمين ما دامت المدة باقية، وأما في الوجوه الثلاثة فإنه يمسح ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت نزع خفيه وغسل رجليه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يستكمل مدة المسح كالصحيح، ووجه قوله: أن طهارة صاحب العذر طهارة معتبرة شرعًا؛ لأن السيلان ملحق بالعدم ألا ترى أنه يجوز أداء الصلاة بها فحصل اللبس على طهارة كاملة فألحقت بطهارة الأصحاء، ووجه قول الثلاثة: أن السيلان ملحق بالعدم في الوقت بدليل أن طهارته تنتقض بالإجماع إذا خرج الوقت وإن لم يوجد الحدث، فإذا مضى الوقت مدار محدثًا من وقت السيلان. والسيلان كان سابقًا على لبس الخف ومقارنًا له، فتبين أن اللبس حصل لا على طهارة بخلاف الوجه الأول؛ لأن السيلان ثمة وُجد عقب اللبس فكان اللبس حاصلًا عن طهارة كاملة. (١) مذهب المالكية: جاء في (بلغة السالك): أنه لا ينقض الوضوء بسلس لازم نصف الزمن فأكثر وإلا نقض، فأولى في عدم النقض بملازمته كل الزمن، لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن، وسواء كان السلس - وهو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة - بولًا أو ريحًا أو غائطًا أو مذيًا أو منيًا. وهذا إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوى. فإن انضبط بأن جرت عادته أنه ينقطع آخر الوقت وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، أو ينقطع أوله وجب عليه تقديمها. (٢) وفى (حاشية الدسوقى) قال: وأما بالنسبة لغلبة الريح فقال: إذا كان في جوفه علة، أو كان شيخًا كبيرًا غلب عليه الريح، فإذا صلى من جلوس لا يخرج منه الريح؛ وإن صلى قائمًا يخرج منه الريح، قال الحطاب: الظاهر ما قاله ابن بشير والأبيانى، من أنه يصلى قائمًا لا جالسًا ولا يكون الريح ناقضًا لوضوئه كالبول. وكذلك من كان كلما تطهر بالماء أحدث بنقطة بول أو ريح فإنه يصلى بالوضوء ولا يكون الحدث ناقضًا؛ لأنه سلس عند ابن بشير، واستظهره الحَطاب. وقال اللخمى: يتيمم؛ والأحوط الجمع. (٣) مذهب الشافعية: جاء في (المجموع): أن من استطلق سبيله قدام خروج البول والغائط والريح منه فحكمه حكم المستحاضة في وجوب غسل النجاسة والوضوء لكل فريضة والمبادرة بالفريضة بعد الوضوء، وحكم الانقطاع وغير ذلك. (٤) مذهب الحنابلة: جاء في (شرح منتهى الإرادات): أنه يلزم كل من دام حدثه من مستحاضة ومن به سلس بول أو مذى أو ريح أو جرح لا يرقأ دمه أو رعاف - غسلُ المحل الملوث بالحدث لإزالته عنه وتعصيبه

стр. 8935

أي فعل ما يمنع الخارج حسب الإمكان؛ ويتوضأ من حدثه الدائم لوقت كل صلاة إن خرج شئ، وإن اعتيد انقطاع الحدث الدائم زمنا يتسع للصلاة والطهارة لها تعين فعل المفروضة فيه؛ لأنه قد أمكنه الإتيان بها على وجه لا عذر معه ولا ضرورة فتعين كمن لا عذر له، وإن عرض انقطاع الحدث زمنًا يتسع للفعل لمن عادته الاتصال للحدث وهو متوضئ بطل وضوؤه؛ لأنه صار به في حكم من حدثه غير دائم، وعلم منه أن انقطاعه زمنًا لا يتسع للفعل لا أثر له، لكنه يمنع الشروع في الصلاة والمضيَّ فيها لاحتمال دوامه. (١) مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أن الريح الخارجة من الدبر - خاصة لا من غيره - بصوت خرجت أم بغير صوت ينقض الوضوء، وهذا إجماع متيقن، ولا خلاف في أن الوضوء إنما يكون من الفسو والضراط؛ وهذان الاسمان لا يقعان على الريح ألبتة إلا إن خرجت من الدبر، وإلا فإنما يسمى جشاء أو عطاشًا فقطء فمن غلب عليه شئ مما ذكرنا توضأ ولابد لكل صلاة فرضًا أو نافلة، ثم لا شئ عليه فيما خرج منه من ذلك في الصلاة أو فيما بين وضوئه وصلاته؛ ولا يجزيه الوضوء إلا في أقرب ما يمكن أن يكون وضؤؤه من صلاته، برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) وقولُ الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) وقولُ الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤) فصح أنه مأمور بالصلاة والوضوء من الحدث، وهذا كله حدث، فالواجب أن يأتى من ذلك ما يستطيع وما لا حرج عليه فيه ولا عسر، وهو مستطيع على الصلاة وعلى الوضوء لها، ولا حرج عليه في ذلك فعليه أن يأتى بهما، وهو غير مستطيع للامتناع مما يخرج عنه من ذلك في الصلاة وفيما بين وضوئه وصلاته فسقط عنه. (٥) مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه يلزم من به سلس بول ونحوه من ريح وغائط أن يتوضأ لوقت كل صلاة. (٦) مذهب الإمامية: جاء في (مفتاح الكرامة): أن المريض من سلس البول على ضربين: أحدهما: أن يتراخى زمن الحدث منه فليتوضأ للدخول في الصلاة، فإذا بدره الحدث وهو فيها خرج من مكانه من غير استدبار للقبلة ولا تعمد لكلام ليس من الصلاة فتوضأ وبنى على صلاته، والضرب الثاني: أن يبادره على التوالى من غير تراخ بين الأحوال فينبغي أن يتوضأ عند دخوله إلى الصلاة، ويمضى في صلاته، ولا يلتفت إلى

стр. 8936

الحادث المستديم على اتصال الأوقات. فإذا فرغ من صلاته الأولى توضأ وضوءًا آخر للفريضة الثانية، ولا يجمع بين صلاتين بوضوء واحد، وقال محمد بن حمزة في (الوسيلة): إذا كان مبطونًا وحدث به ما ينقض الصلاة قطع وتطهر وبنى، وإن كان به سلس البول فكذلك. وأما المبطون: فالمراد به عليلُ البطن، أعم من أن يكون بريح أو غائط كما في (الروضة)، وفى (المنتهى) أُلحِق صاحب الريح بالمبطون. (١) مذهب الإباضية: جاء في (الإيضاح): من الأشياء التي تنقض الوضوءَ الحدثُ وهو كل نجاسة خرجت من مخرجى الإنسان أو من أحد مخرجيه أو من داخل بدنه مثل البول والغائط والريح وغير ذلك لقول الله ﵎: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢) وأجمعوا على أن البول والغائط والريح والمذى والودى تنقض الوضوء، والعلة التي من أجلها تنقض هؤلاء الأحداث الوضوء أنها أنجاس، والأنجاس مؤثرة في الطهارة. (٣)

стр. 8937

انفلات الدابة والنار والطير وما أشبه ذلك وما يترتب عليه مذهب الحنفية: أولًا: انفلات الدابة: جاء في (الفتاوى الهندية): أنه إن دخلت الدابة في ملك الغير من غير إدخال صاحبها، بأن كانت منفلتة، فلا ضمان على صاحبها، وإن دخلت بإدخال صاحبها فصاحب الدابة ضامن في الوجوه كلها سواء كانت واقفة أو سائرة. وسواء كان صاحبها معها يسوقها أو يقودها أو كان راكبًا عليها، أو لم يكن معها هكذا في (الذخيرة)، وإن كانت سائرة ولم يكن صاحبها معها فإن سارت بإرسال صاحبها فصاحبها ضامن ما دامت تسير في وجهها وما لم تسر يمينًا وشمالًا هكذا في الذخيرة، فإن عطفت يمينًا وشمالًا. فإن لم يكن لها طريق إلا ذلك فالضمان على المرسل، وإن كان لها طريق آخر لا يضمن، ولو وقفت الدابة ثم سارت خرج السائق من الضمان. فإن ردها راد فإن لم ترتد ومضت في وجهها فالضمان على المرسل، فإن ارتدت ثم وقفت ثم سارت فلا ضمان على أحد، وإن ارتدت ولم تقف ومضت في وجهها وأصابت شيئًا ضمن الراد كذا في (محيط السرخسي)، وإن سارت لا بتسيير صاحبها بأن كانت منفلتة فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلها كذا في (الذخيرة) (١). ومن أوقفت دابته في طريق المسلمين ولم يشدها فسارت عن ذلك المكان وأتلفت شيئًا فلا ضمان على من أوقفها كذا في (فتاوى قاضيخان)، ولو أوقفها في الطريق مربوطة فجالت في رباطها فأصابت شيئًا فإن أصابت بعد ما أدخل الرباط وزال عن مكانه فلا ضمان على صاحبها، وإن أصابت والرباط على حاله ضمن ما جنت. وإذا جمحت الدابة فضربها أو كبحها باللجام فضربت برجلها أو بذنبها لم يكن عليه شئ، ومن قاد دابة فنخسها رجل فانفلت من يد القائد فأصابت في فورها فهو على الناخس، وكذا إذا كان لها سائق فنخسها غيره، كذا في (الهداية)، ولو نفرت الدابة من حجر وضمه رجل على الطريق فالواضع بمنزلة الناخس، كذا في (محيط السرخسى)، ومن أوقف سبعًا في الطريق ضمن ما أتلف إذا كان مربوطًا فأصاب قبل حل الرباط، وإذا أصاب بعد ما أدخل الرباط وزال عن مكانه لم يضمن. وإذا أوقف رجل دابته في الطريق وأوقف رجل آخر دابته كذلك فنفرت إحدى الدابتين وأصابت الأخرى فلا يضمن صاحب الدابة التي نفرت، ولو عطبت التي نفرت بالأخرى يضمن صاحب الدابة الواقفة كذا في (فتاوى قاضيخان) (٢). وفى (المبسوط) أن من ركب دابة ثم سقط عنها ثم ذهبت الدابة على وجهها فقتلت إنسانًا لم يكن عليه شئ؛ لأنها منفلتة فالذى سقط منها ليس براكب ولا قائد ولا سائق والمنفلتة جرحها جبار لأنها عجماء لقوله ﷺ : "العجماء جبار" (٣)، وهى المنفلتة عندنا (٤). وإذا حمل رجل صبيًا حرًا على دابة فسار الصبى على الدابة فأوطأ إنسانا فقتله. فإن كان الصبى ممن يستمسك على الدابة فديته على

стр. 8938

عاقلة الصبى، لأنه متلف للرجل بدابته حين أوطأ إياه ولا شئ على عاقلة الذي حمله عليها؛ لأنه أحدث السير باختياره، وإن كان الصبى ممن لا يسير على الدابة لصغره ولا يستمسك عليها قدم القتيل هدر؛ لأن هذه الدابة بمنزلة المنفلتة فإنها سارت من غير أن يسيرها أحد، والدابة المنفلتة إذا وطأت إنسانا قدمه هدر وهذا الذي حمل الصبى على الدابة لم يسيرها فلا يكون هو قائدًا للدابة ولا سائقًا، والصبى الذي لا يستمسك على الدابة بمنزلة متاع موضوع عليها، فلا يكون هو مسيرًا للدابة بخلاف ما إذا كان يستمسك عليها (١). ومن وجد في زرعه في الليل ثورين وظن أنهما لأهل قريته، فإن كانا لغير أهل القرية فأراد أن يدخلهما مربطته فدخل في المربط أحدُهما وفر الآخر فتبعه فلم يقدر عليه. وجاء صاحب الثور فأراد تضمينه، قال محمد بن الفضل: إن كانت نيته عند الأخذ أن يمنعه من صاحبه كان ضامنًا، وإن كانت نيته أن يأخذه ليرده على صاحبه إلا أنه لم يقدر على الإشهاد ولم يجد من يشهد لا يكون ضامنًا، كذا في (فتاوى قاضيخان) فقيل لابن الفضل: أرأيت إن كان هذا نهارًا؟ فقال: إن كان الثور لغير أهل قريته كان حكمه حكم اللقطة إن ترك الإشهاد مع القدرة، وعليه أن يأخذه أو يحبسه في مربطه ليرده على صاحبه، ضمن. وإن لم يجد من يشهد كان ذلك عذرًا له. وإن كان الثور لأهل قريته وأخرجه من زرعه ولم يزد على ذلك لم يضمن إذا ضاع الثور، وإن ساقه بعد ما أخرجه من زرعه ضمن. كذا في (الذخيرة) (٢). وفى (تبيين الحقائق): أن من أرسل طيرًا أو كلبًا ولم يك سائقًا له أو انفلتت دابة فأصابت مالا أو آدميا نهارا أو ليلا فلا يضمن (٣). ثانيًا: انفلات النار: جاء في (الفتاوى الهندية): أنه لو أحرق رجل كلأ أو حصائد فى أرضه، فذهبت النار يمينا وشمالا وأحرقت شيئا لغيره لم يضمنه؛ لأنه غير متعدٍ في هذا التسبيب. فإن له أن يوقدَ النار في ملك نفسه مطلقًا وتصرف المالك في ملكه لا يتقيد بشرط السلامة، وقال بعضهم: هذا إذا كانت الرياح هادئة حين أوقد النار، فأما إذا أوقد النار في يوم ريح على وجه يعلم أن الريح تذهب بالنار إلى ملك غيره فإنه يكون ضامنًا بمنزلة ما لو أوقد النار في ملك غيره، ألا ترى أن من صب في ميزابه مائعًا وهو يعلم أن تحت الميزاب إنسانًا جالسًا فأفسد ذلك المائع ثيابه، كان الذي صبه ضامنًا وإن كان صبه في ملك نفسه. كذا في المبسوط (٤). ومن وضع في الطريق جمرًا فاحترق به شئ كان ضامنًا، وإن حركته الريح فذهب به إلى موضع آخر ثم أحترق به شئ لا يكون ضامنًا، كذا في (فتاوى قاضيخان) ومنهم من قال: هذا إذا حركت الريح عينها عن موضعها، فأما إذا ذهبت الريح بشرارها فأحرقت شيئًا فإن الضمان يجب عليه في ذلك أيضًا، وكان السرخسى يقول: إذا كان اليوم يوم ريح فهو ضامن وإن ذهبت الريح بعينها. والحداد إذا أخرج الحديد من الكير وذلك في حانوته

стр. 8939

فوضعها على القلاب وضربها بمطرقة فخرج شررها إلى طريق العامة فأحرقت رجلًا أو فقأت عينه فديته على عاقلته. ولو أحرقت ثوب إنسان فقيمته في ماله. ولو لم يضربها بالمطرقة ولكن الريح أخرجت شررها فأصاب ما أصاب فهو هدر كذا في (الخلاصة). ولو كان الحداد أوقد النار على طرف حانوته إلى جانب طريق على ما يحيط به العلم بأن تلك النار تشتعل إلى جانبها في الطريق حتى أحرقت كان ضامنًا، كذا في (الذخيرة) (١). ثالثًا: حكم انفلات الصيد والطير والمائع وما أشبه ذلك: جاء في (الفتاوى الهندية): من نصب شبكة فتعلق بها صيد، فجاء إنسان وأخذه قبل أن يتخلص ويطير فهو للأول؛ لأن سبب الملك انعقد في حق الأول؛ لأنه موضوع له، ولم ينتقض السبب بعد حتى لو أخذه الثاني بعدما تخلص وطار فهو للثانى؛ لأنه انتقض السبب قبل أخذ الثاني. ولو كان صاحب الشبكة أخذه ثم انفلت منه، ثم أخذه آخر فهو ملك للأول؛ لأنه ملكه بالأخذ وانفلاته بمنزلة إباق العبد وشرود البعير، وذلك لا يوجب زوال ملكه، وفى (المنتقى): أن من نصب حباله فوقع بها صيد فاضطرب وقطعها وانفلت منهاء فجاء آخر وأخذ الصيد، فالصيد للآخر، ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه فلما دنا منه بحيث يقدر على أخذه إن شاء اضطرب الصيد حتى انفلت، فأخذه آخر فهو لصاحب الحبالة، وكذا صيد الكلب والبازى على هذا التفصيل (٢). وفى (بدائع الصنائع): أن من فتح باب قفص فطار الطير منه وضاع لم يضمن في قولهما، وقال محمد: يضمن ووجه قوله: إن فتح باب القفص وقع إتلافًا للطير تسبيبًا؛ لأن الطيران للطير طبع له، فالظاهر أنه يطير إذا وجد المخلص، فكان الفتح إتلافًا له تسبيبًا فيوجب الضمان. كما إذا شق زقّ إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك. ووجه قولهما: أن الفتح ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبيبًا، أما المباشرة فظاهرة الانتفاء، وأما التسبيب فلأن الطير مختار في الطيران؛ لأنه حى وكل حي له اختيار فكان الطيران مضافًا إلى اختياره، والفتح سبب محض فلا حكم له كما إذا حل القيد عن عبد إنسان حي فأبق أنه لا ضمان عليه كما قلنا، كذا هذا، بخلاف شق الزق الذي فيه دهن مائع؛ لأن المائع يسيل بطبعه بحيث لا يوجد منه الاستمساك عند عدم المانع إلا على نقض المادة فكان الفتح تسبيبًا للتلف فيوجب الضمان، وعلى هذا الخلاف إذا حل رباط الدابة أو فتح باب الإصطبل حتى خرجت الدابة وضلت، وقالوا: إذا حل رباط الزيت أنه إن كان ذائبًا فسال منه ضمن، وإن كان السمن جامدًا فذاب بالشمس لم يضمن لما ذكرنا أن المائع يسيل بطبعه إذا وجد منفذًا بحيث يستحيل استمساكه عادة، فكان حل الرباط إتلافًا له تسبيبًا فيوجب الضمان بخلاف الجامد، لأن السيلان من طبع المائع لا الجامد، وهو إن صار مائعًا لكن لا بصنعه بل بحرارة الشمس فلم يكن التلف مضافًا إليه لا مباشرة ولا تسبيبًا فلا يضمن (٣).

стр. 8940

مذهب المالكية: أولًا: انفلات الصيد: جاء في (التاج والإكليل): قال ابن عرفة فيما نَدَّ من صائده وصاده طريقان: قال اللخمى والمازرى: إن صيد قبل توحشه وبعد تأنسه فهو للأول اتفافًا، ولو صاده بعد توحشه، فقال مالك وابن القاسم هو للثانى، قال ابن بشير: وإن ملكه الأول بشراء فهل يكون كالأول أم لا؟ قال ابن المواز: هو كالأول، وقال ابن الكاتب: هذا يكون للأول على كل حال بخلاف الأول. وفى (المدونة): ومن صاد طائرا في رجله ساقان أو ظبيًا في أذنيه قرطان أو في عنقه قلادة عرف بذلك ثم ينظر، إن كان هروبه ليس هروب انقطاع ولا توحش رده وما وجد عليه لربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فالصيد خاصة لصائده دون ما عليه (١). ثانيًا: انفلات الدابة: جاء في (بلغة السالك): أن ما أتلفته البهائم من الزرع والحوائط مأكولة اللحم أم لا -وهى غير معلومة العداء ولم يحفظها ربها بربط أو إغلاق باب- ليلا فعلى ربها ضمانه، فإن عرفت بالعداء فعلى ربها ولو نهار حيث لم يحفظها، فإن ربطها ربطا محكمًا أو أغلق الباب فانفلتت فلا ضمان مطلقا، وإن زاد ما أتلفته من زرع على قيمتها، فليس لربها أن يسلمها فيما أتلفته فليست كالعبد الجانى؛ لأنه مكلف، فلا ضمان على رب دابة انفلتت دابته ليلا أو نهارا فركبت على رجل نائم، فجرحته أو قتلته؛ لأن رسول الله ﷺ قال: العجماء جرحها جبار" (٢)، وإن انفلتت دابة فنادى ربها رجالا بإمساكها فأمسكها أو أمره بسقيها ففعل فقتلته أو قطعت له عضو لم يضمن ربها كعدم ضمان راكب وسائق وقائد ما حصل من ولدها، فإن نادى صبيا أو سفيها بإمساكها أو سقيها فأتلفته فالدية على عاقلة الآمر، كناخس دابة فقتلت رجلا فعلى عاقلة الناخس، فإن قتلت رجلا في مسك الصبى أو أمره بسقيها فعلى عاقلة الصبى ولا رجوع لهم على عاقلة الآمر (٣). ثالثًا: انفلات النار أو الماء: جاء في (التاج والإكليل): أن من أرسل في أرضه نارًا أو ماء فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فانتقلت النار بريح أو غيره فأحرقت فلا شيء عليه وأن لم يؤمن من ذلك لقربها فهو ضامن (٤). رابعًا: انفلات المائع وغيره: من فتح حرزًا فسال ما فيه إذا كان مائعًا، أو أخذ منه شيئًا إذا كان جامدًا ضمن المثلى ولو بغلاء مثله (٥). مذهب الشافعية: أولا: انفلات الصيد: جاء في (مغنى المحتاج): أنه يملك الصائد الصيد بوقوعه في شبكة نصبها للصيد إذا لم يقدر على الخلاص منها، فإن قطعها الصيد فانفلت منها صار مباحًا يملكه من صاده لأن

стр. 8941

الأول لم تثبته شبكته، وإن قطعها غيره فانفلت فهو باق على ملك صاحبها فلا يملكه غيره كما صححه في (المجموع)، ولو ذهب الصيد بالشبكة فإن كان على امتناعه بأن يعدو ويمتنع معها فهو ممن أخذه، وإن كان فتلُها يبطل امتناعه بحيث لا يتيسر أخذه فهو لصاحبها، ويملك أيضًا بإلجائه إلى مضيق ولو مغضوبًا لا يقدر الصيد على التفلت منه كبيت؛ لأنه صار مقدورًا عليه، فإن قدر الصيد على التفلت لم يملكه الملجئ ولو أخذه غيره ملكه، ومتى ملكه لم يزل ملكه عنه بانفلاته، فمن أخذه لزمه رده، سواء كان يدور في البلد أم التحق بالوحوش في البرية، كما لو شردت البهيمة، ويستثنى من ذلك ما لو انفلت بقطعه ما نصب له فإنه يعود مباحًا يملكه من يصطاده، ومن فتح قفصًا عن طائر وهيجه فطار في الحال ضمنه بالإجماع -كما قال الماوردى- لأنه ألجأه إلى الفرار، كإكراه الآدمى. وإن اقتصر على الفتح فالأظهر أنه إن طار في الحال ضمن؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وإن وقف ثم طار فلا يضمنه، لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره، والقول الثاني: يضمنه مطلقًا؛ لأنه لو لم يفتح لم يطر، والقول الثالث: لا يضمن مطلقًا؛ لأن له قصدًا واختيارًا، والفاتح متسبب والطائر مباشر، والمباشرة مقدمة على السبب ويجرى الخلاف فيما لو حَلَّ رباط بهيمة أو فتح بابًا فخرجت وضاعت؛ لأنه صحيح الاختيار فخروجه عقب ما ذكر يحال عليه (١). ثانيًا: انفلات الدابة: جاء في (مغني المحتاج)، أن من كان مع دابة أو دواب سواء كان مالكًا أم مستأجرًا أم مودعًا أم مستعيرًا أم غاصبًا ضمن إتلافها بيدها أو رجلها أو غير ذلك نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا؛ لأنها في يده وعليه تعهدها وحفظها. ولأنه إذا كان معها كان فعلها منسوبًا إليها كالكلب إذا أرسله صاحبه وقتل الصيد، وإن استرسل بنفسه فلا، فجنايتها كجنايته سواء أكان سائقها أم قائدها أم راكبها، ولو كان مع الدواب راع فهاجت ريح وأظلم النهار فتفرقت الدواب ووقفت في زرع فأفسدته فلا ضمان على الراعى في الأظهر للغلبة، كما لو نَدَّ بعيره أو انفلتت دابته من يده فأفسدت شيئًا (٢). ثالثًا: انفلات النار والماء: جاء في (المهذب): أنه إذا أجّج إنسان على سطحه نار فطارت شرارة إلى دار الجار فأحرقتها، أو سقى أرضه فنزل الماء إلى أرض جاره فغرّقها، فإن كان الذي فعله ما جرت به العادة لم يضمن؛ لأنه غير متعدٍ، وإن فعل ما لم تجر به العادة بأن أجج من النار أما لا يقف على حد داره أو سقى أرضه من الماء ما لا تحتمله ضمن، لأنه متعدٍ (٣). وفى (مغنى المحتاج): أن الشخص لو سقى أرضه فخرج الماء من جحر فأهلك شيئًا لم يضمنه إلا إن سقى فوق العادة. أو علم بالجحر ولم يحتط فيضمن لتقصيره (٤). رابع: انفلات المائع: جاء في (مغنى المحتاج): أنه لو فتح شخص رأس زق - وهو السقاء - مطروح على الأرض

стр. 8942

فخرج ما فيه بالفتح وتلف، أو زقٍ منصوبٍ فسقط بالفتح لتحريكه الوكاء وجذْبِه وخرج ما فيه وتلف ضمن؛ لأنه باشر الإتلاف (١). مذهب الحنابلة: أولًا: انفلات الصيد: جاء في (كشاف القناع): أنه إن وقع صيد في شرك إنسان أو شبكته ونحوه وانفلت منها في الحال أو خرقها وذهب منها، أو بعد حين، لم يملكه رب الشبكة، لأنه لم يثبته فإذا صاده غيره ملكه، وإن أخذ الشبكة وذهب بها فصاده إنسان مع بقاء امتناعه ملكه الثاني ويرد الشبكة لربها؛ لأن الأول لم يملكه، فإن لم يعرف رب الشبكة فهى لقطة، فإن مشى الصيد بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها؛ لأنه أزال امتناعه كما لو أمسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه، فإن ملكه لا يزول عنه بانفلاته (٢). ثانيًا: انفلات الدابة: جاء في (كشاف القناع): أنه لو انفلتت الدابة ممن هي في يده وأفسدت شيئًا فلا ضمان على أحد، لحديث "العجماء جرحها جبار" (٣) فلو استقبلها إنسان فردها فالقياس عندهم الضمان قاله الحارثى، ثم قال: ويحتمل عدم الضمان لعموم الخبر، ولأن يده ليست عليها (٤). وفى (الشرح الكبير): أن صاحب البهيمة يضمن ما أفسدته من الزرع والشجر ليلًا، ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارًا يعنى اذا لم تكن يد أحد عليها؛ لما روى مالك بسنده عن حزام بن سعيد بن محيِّصة أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم (٥)، ولأن العادة من أهل المواشى إرسالها في النهار للرعى وحفظها ليلًا. وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا دون الليل. فإذا ذهبت ليلًا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ، وإن تلفت نهارًا كان التفريط من أهل الزرع فكان الضمان عليهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته قال بعض أصحابنا: إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلًا إذا فرط بإرسالها ليلًا أو نهارًا أو لم يضمها بالليل أو ضمها بحيث يمكنها الخروج. أما إذا ضمَّها فأخرجها غيره بغير إذنه أو فتح عليها بابها، فالضمان على مخرجها أو فاتح بابها؛ لأنه المتلف وإن انفلتت دابة المحرم فأتلفت صيدًا لم يضمنه كالآدمى إذا أتلفه (٦). ثالثا: انفلات النار والماء: جاء في (المغنى): أنه إذا أوقد الشخص في ملكه نارا أو فى موات فطارت شرارة إلى دار جاره، فأحرقتها أو سقى أرضه فنزل الماء إلى أرض جاره فغرّقها لم يضمن إذا كان فعل ما جرت به العادة من غير تفريط؛ لأنه غير متعد، ولأنها سراية فعل مباح، فلم يضمن كسراية القود (٧).

стр. 8943

فإن كان بتفريط منه أو إسراف بأن أجج نارًا تسرى في العادة لكثرته، أو في ريح شديدة تحملها، أو فتح ماء كثير يتعدى. أو فتح الماء في أرض غيره، أو أوقد فى دار غيره، ضمن ما تلف به، وإن سرى إلى غير الدار التي أوقد فيها والأرض التي فتح الماء فيها؛ لأنها سراية عدوان أشبهت سراية الجرح الذي تعدى به ولذلك إن يبست النار أغصان شجر غيره يضمن؛ لأن ذلك؛ لا يكون إلا من نار كثيرة إلا أن تكون الأغصان فى هوائه فلا يضمن؛ لأن دخولها إليه غير مستحق فلا يمنع من التصرف في داره لحرمتها (١). رابعًا: انفلات المائع: جاء في (المغنى): أنه لو حَلَّ زِقًا فيه مائع فاندفق ضمنه سواء خرج في الحال أو خرج قليلًا قليلًا أو خرج منه شئ بَلَّ أسفله فسقط أو ثقل أحد جانبيه، فلم يزل يميل قليلًا قليلًا حتى سقط أو سقط بريح أو بزلزلة الأرض، أو كان جامدًا فذاب بشمس؛ لأنه تلف بسبب فعله، وقال القاضي أبو يعلى: لا يضمن إذا سقط بريح أو زلزلة، ويضمن فيما سوى ذلك؛ لأن فعله سبب تلفه، ولم يتخلل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه فوجب عليه الضمان، كما لو خرج عقيب فعله أو مال قليلًا قليلًا. وكما لو جرح إنسانًا فأصابه الحر أو البرد فسرت الجناية فإنه يضمن (٢). خامسًا: انفلات الصبى من أمه: جاء في (كشاف القناع): أنه إذا قال الرجل لزوجته: إن تركتِ هذا الصبى يخرج فأنت طالق، فانفلت الصبى بغير اختيارها، فخرج الصبى، فإن كان الحالف نوى أن لا يخرج الصبى حنث الحالف بخروجه، وإن نوى أن لا تدعه أي تتركه لم يحنث نصًا؛ لأنها لم تتركه، وإن لم تعلم نية الحالف انصرفت يمينه إلى فعلها فلا يحنث إلا إذا خرج الصبى بتفريطها في حفظه أو خرج باختيارها؛ لأن ذلك مقتضى لفظه فلا يعدل عنه إلا لمعارض ولم يتحقق. لكن إن كان لليمين سبب هيجها حملت عليها (٣). مذهب الظاهرية: أولًا: انفلات الدابة ونحوها: جاء في (المحلى): أنه لا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته فى مال أو دم ليلا أو نهارا. لكن يؤمر صاحبه بضبطه. فإن ضبطه فذاك، وإن عاد ولم يضبطه بيع عليه لقوله ﷺ : "العجماء جرحها جبار" (٤) ولقوله ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥) ومن البر والتقوى حفظ الزروع والثمار التي هي أموال الناس فلا يعان على فسادها فإبعاد ما يفسدها فرض، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالبيع المباح (٦)، ثم قال: والقول عندنا في هذا كله هو ما حكم به رسول الله ﷺ وثبت عنه من أن العجماء جرحها جبار وعملها جبار، فلا ضمان فيما أفسده الحيوان من دم أو مال لا ليلا ولا نهارا، فإن أتى بها وحملها على شئ وأطلقها فيه ضمن حينئذ؛ لأنه فعْلُه. ليلا كان أو نهارا (٧).

стр. 8944

ثانيًا: انفلات النار: جاء في (المحلى): من أوقد نارًا ليصطلى أو ليطبخ شيئًا أو أوقد سراجا ثم نام، فاشتعلت تلك النار فأتلفت أمتعته وناسًا فلا شئ عليه في ذلك أصلًا لما روى عن يحيى بن يحيى الغسانى، قال: أحرق رجل تبنًا في مَراح له فخرجت شرارة من نار فأحرقت شيئًا لجاره فكتبتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليَّ أن رسول الله ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار" وأرى أن النار جبار، فقد صدق ﵁: النار عجماء فهى جبار، وقد ورد عن أبى هريرة مرفوعًا: "النار جبار" (١) وهذا خبر صحيح تقوم به الحجة. ولا يحل خلافه، فوجب بهذا أن كل ما تلف بالنار فهو هدر إلا نارًا اتفق الجميع على تضمين طارحها، وليس ذلك إلا ما تعمد الإنسان طرحها للإفساد والإتلاف، فهذا مباشر متعد فعليه القود فيما عمد قتله، والدية على العاقلة في الخطأ، وأما نار أوقدها غير متعد فهى جبار كما قال رسول الله ﷺ ، وهذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا ما خصه نص أو إجماع، ولا إجماع إلا فيما ذكرنا من القصد (٢). مذهب الزيدية: أولًا: انفلات الصيد: جاء في (التاج المذهب): أنه إن فلت الصيد من يد الصائد لم يخرج عن ملكه كالآبق، وما وقع من الصيد في الشبكة والحظيرة وفلت قبل لبثه قدرًا يمكن إمساكه فهو لمن أخذه (٣)، ومن فتح قفصًا لطير أو باب إصطيل. فدخل السبع أو الذئب أو الهر فأتلفها سواء كانت مربوطة أم لا ضمن الفاتح ما تلف منهاء وكذا إذا هيجها بعد الفتح، وإن هيجها غيره ضمن المهيج لا الفاتح، فإن فتح ولم يهيجها، فإن خرجت بنفسها عقب شعورها بالفتح سواء كانت نفورًا أم لا ضمن الفاتح، وإن لم تخرج عقب شعورها بالفتح ثم خرجت بعد ساعة وتلفت فلا ضمان على الفاتح كما لا ضمان عليه إذا دخل بعد الفتح سارق فأخذها؛ لأن الفاتح فاعلُ سبب فلا ضمان عليه. والسارق مباشر فيضمن (٤). ثانيًا: انفلات الدابة: جاء في (التاج المذهب): أنه يضمن الشخص جناية حيوان وضعه واضع في طريق ونحوه كعقرب وكلب وحيوان وغيره، فما جناه ذلك الحيوان في ذلك الموضع. فإن كان غير مربوط، ولم ينتقل ضمن جنايته ما بقى في مكانه الذي وضع فيه لا إذا جنى بعد انتقاله فلا ضمان، وإن كان مربوطًا بجنايته في موضعه. وبعد انتقاله مضمونة على واضعه (٥). ثالثًا: انفلات النار: جاء في (شرح الأزهار): أنه لو تعدت النار موضع تأجيجها فأهلكت أحدًا في غير موضع التعدى، فإنه مضمون على واضعها أينما بلفت، بخلاف ما إذا وضعها فى ملكه فحملتها الريح إلى موضع فأهلكت فيه، فإنه لا يضمنه؛ لأنها انتقلت عن وضعه وبطل حكمه، ذكر ذلك القاسم، قال أبو طالب: وإذا كان متعديا بوضعها ضمن ما تولد منها ولو بهبوب الريح (٦).

стр. 8945

رابعًا: انفلات المائع: جاء في (التاج المذهب) فإن الشخص يُضمن من حل وكاء زق السمن إذا أزيل فأهرق فإنه يضمن من حل رباطها، ولو كان تلفه بعد الحل متراخيًا ولم يتلف فورًا فإنه يضمن والفرق بين هذا والحيوان أن الحيوان له اختيار، فلذا قيل: إذا وقف ولم يكن منه ذلك فورًا فقد ذهب تأثير فعل الأول وصار التأثير للحيوان بخلاف الجماد، أو كان السمن جَامدًا لا يخشى ذهابه بحل وكاء زِقه لكنه لما حُلَّ ذاب بالشمس، أو نحوها نحو أن يوقد نارًا في موضع غير متعد فيه فذاب بحرها، فإن الضمان على الفاتخ للرباط في جميع ذلك، ولا عبرة بالفور والتراخى. فإن ذاب بفعل الغير تعديًا كأن يفتح الغير بابًا لدخول الشمس أو يوقد بالقرب منه نارًا فلا ضمان على الفاتح، هذا إذا كان الزق ملقى فإن كان مستقيمًا فإن سقط بحر الشمس ونحوها من غير تعديهما، أو التبس بعد سقوطه هل كان بحرها أم بفعل أحد فالضمان على الفاتح. وإن ألقاه غير الفاتح فالضمان على الملقى (١). مذهب الإمامية: أولًا: انفلات الصيد: جاء في (الروضة البهية): أن ما يثبت في آلة الصيد من الصيود المقصودة بالصيد يملكه لتحقق الحيازه والثبت، هذا إذا نصبها بقصد الصيد كما هو الظاهر لتحقق قصد التملك وحيث يملكه يبقى ملكه عليه، ولو انفلت بعد ذلك لثبوت ملكه فلا يزول بتعذر قبضه كشرود الدابة، ولو كان انفلاته باختياره ناويًا قطع ملكه عنه ففى خروجه عن ملكه قولان، من الشك في كون ذلك مخرجًا عن الملك مع تحققه فيستصحب: ومن كونه بمنزلة الشئ الحقير من ماله إذا رماه مهملًا له، ويضعف بمنع خروج الحقير عن ملكه بذلك. وإن كان ذلك إباحة لتناول غيره فيجوز الرجوع فيه ما دام باقيًا، وربما قيل بتحريم أخذ الصيد المذكور مطلقًا، وإن جاز أخذ اليسير من المال لعدم الإذن شرعًا في إتلاف المال مطلقًا، إلا أن تكون قيمته يسيرة (٢). وفى (شرائع الإسلام): أن ما يثبت في آلة الصيَّاد كالحبالة والشبكة يملكه ناصبها، وكذا كل ما يعتاد الاصطياد به، ولا يخرج عن ملكه بانفلاته بعد إثباته. وفى (الخلاف): أن الصائد إذا ملك صيدًا فانفلت منه لم يزل ملكه عنه طائرا كان أو غير طائر لحق بالبرارى والصحارى أو لم يلحق، وذلك أنه قد ثبت أنه ملكه قبل الانفلات بلا خلاف، ولا دليل على زوال ملكه فيما بعد (٣). ثانيًا: انفلات الدابة والمائع: جاء في (شرائع الإسلام): أنه لو فك القيد عن الدابة فشردت ضمن؛ لأنه فعل يقصد به الإتلاف. وكذا لو فتح قفصًا عن طائر فطار مبادرًا أو بعد مكث، ولا كذا لو فتح بابًا على مال فسرق، لأن التلف بالمباشرة لا بالسبب، ولو أزال وكاء الزق فسال ما فيه ضمن إذا لم يكن يحبسه إلا الوكاء، وكذا لو سال منه ما ألان الأرض تحته فاندفع ما فيه ضمن؛ لأن فعله سبب مستقل بالإتلاف. أما لو فتح رأس الزق فقلبته الريح أو ذاب بالشمس ففى الضمان تردد، ولعل الأشبه أنه لا يضمن؛ لأن الريح والشمس كالمباشر فيبطل حكم السبب (٤).

стр. 8946

ثالثًا: انفلات النار والماء: جاء في (الروضة البهية): أن الشخص لو أجج نار فى ملكه ولو للمنفعة فى ريح معتدلة أو ساكنة ولم يزد النار عن قدر الحاجة التى أضرمها لأجلها فلا ضمان؛ لأن له التصرف فى ملكه كيف شاء، وان عصفت الريح بعد إضرامها بغتة لعدم التفريط، وإن لم يكن كذلك بأن كانت الريح عاصفة حال الإضرام على وجه يوجب ظن التعدى إلى ملك الغير، أو زاد عن قدر الحاجة وإن كانت ساكنة ضمن سرايتها إلى ملك غيره، فالضمان على هذا مشروط بأحد الأمرين: الزيادة أو عصف الريح. وقيل: يشترط اجتماعهما معًا، وقيل: يكفى ظن التعدى إلى ملك الغير مطلقًا، ومثله القول في إرسال الماء، ولو أجج في موضع ليس له ذلك فيه كملك غيره ضمن الأنفس والأموال. ولو قصد الإتلاف فهو عامد يقاد فى النفس مع ضمان المال، ولو أججها فى المباح فالظاهر أنه كالملك لجواز التصرف فيه (١). رابعًا: انفلات الأسير: جاء في (الخلاف): أنه إذا انفلت أسير من يد المشركين فلحق بالمسلمين بعد تقضى القتال وحيازة المال قبل القسمة فإنه يسهم له؛ لإجماع الفرقة على أن من لحقهم مدد قبل القسمة فإنه يسهم له، وهذا منهم (٢). مذهب الإباضية: أولًا: انفلات الصيد: جاء في (شرح النيل): أن من طرد صيدًا حتى عيى من طرده أو رماه بسهم فلحقه الحجز من سهمه أو وقع في شبكته شبكة البر أو البحر أو حبالته حرم على غيره اصطياده، وجاز إن قدر على تنجية نفسه بعد الطرد أو الرمى أو انفلت من الشبكة أو الحبالة ولو بقطعها ولو كان المثير المزعج خلفه. وكل ما قبض الصائد بيده فهرب عنه لم يحل لغيره (٣). ولا يحل ساقط من شبكة صياد أو وعائه بعد إمساك من صاحب الشبكة أو لوعاء حتى لا ينجو ما فيها، وهذا الإمساك على الشبكة أو مع الجر قبض فلم يحل ما فيها، ولو كان بفوت إلا بإذنه بخلاف شبكة الأرض إذا ذهب ما فيها ونحوها وهو قوى. وأما إن دخل السمك الشبكة وخرج منها فلغير صاحبها أخذه. وكذا غير الشبكة وقيل: إذا وقع منها وصار بحد التلف ولم يخرج من البخر فلغيره أخذه. والقولان أيضًا في صيد البر، وأما ما سقط من الشبكة أو غيرها بعد الخروج من البحر فلا يحل أخذه إلا إن كان متروكًا (٤). ثانيًا: انفلات الدابة: جاء في (شرح النيل): أن من أطلق مواشيه أو غيره لأحد فأكلت شجرًا أو زرعًا أو نحوهما ضمن. وقيل: لا يضمن إن أفسدت شيئًا من ذلك نهارا، إلا أن تعمد فوجهها إلى ذلك. ودليل ذلك قوله ﷺ : "العجماء جرحها جبار"، فقيل: ذلك إذا خرجت عن طاقة من هى بيده، وإلا ضمن ما أكلت ليلا أو نهارًا (٥).

стр. 8947

مصطلح أنقاض ١ - التعريف في اللغة: أنقاض: جمع مفرده: نقض. والنقض - بكسر النون وضمِّها - المنقوض، أي المهدوم، والنقض: اسم لبناء المنقوض إذا هُدم، والنقض - بالفتح: - الهدم، جاء في لسان العرب: النَّقْض: إفساد ما أبرمت من حبل أو بناء. وفى العين، النَّقض: البناء المنقوض، والجمع: الأنقاض (١). ولا يخرج معنى النَّقض في لسان الفقهاء عن المعنى الذي وضعه اللغويون له، فيأتى بمعنى الهدم أي المهدوم في كل ما يتعلق بالأبنية، وهذا هو النقض المادى. أو ما يتعلق بالعقود والعهود، وهذا هو النقض المعنوى. ٢ - التصرف في أنقاض الوقف: مذهب الحنفية: جاء في (المبسوط): وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته، فيصرفه فيهما؛ لأنه لابد من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف (٢). وجاء في (رد المحتار) قوله: وفى فتاوى قارئ الهداية سئل عن وقف انهدم ولم يكن له شئ يعمر به، ولا أمكن إجارته ولا تعميره، هل تباع أنقاضه من حجر وطوب وخشب؟ أجاب: إذا كان الأموال كذلك صح بيعه بأمر الحاكم، ويُشترى بثمنه وقف مكانه، فإذا لم يمكن - رده إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإلا يصرف للفقراء (٣). وفى (البحر الرائق): فعلى هذا يباع النقض في موضعين عند تعذر عوده، وعند خوف هلاكه، والمراد ما انهدم من الوقف، فلو انهدم الوقف كله (٤)، فحكمه ما سبق في فتاوى قارئ الهداية. في الفقرة السابقة. مذهب المالكية: جاء في (حاشية العدوى): ولا يباع الحبس وإن خرب، بحيث صار لا ينتفع به، ولو لم يُرج عوده. وكذا لا يجوز بيع أنقاضه. وهذا مقيد بما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه فيجوز له بيعه عملًا بالشرط (٥). وفى (الفواكه الدوانى): قال خليل: وله نقض وقف كهبة وصدقة ولو بناه مسجدًا. وتجعل الأنقاض في حبس آخر (٦). مذهب الشافعية: جاء في (مغنى المحتاج): وإذا انقلعت أشجار الموقوف أو انهدم بناؤه أجرت أرضه لما لا يراد ذوامه كزرعها، ولما يراد كغرس وشرط قلعه عند انتهاء المدة، وغرست الأرض أو بنيت بأجرتها الحاصلة بإيجارها بعد انقضاء مدة الإجارة. والأصح بيع حصر المسجد الموقوفة إذا بليت … لثلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة. فتحصيل نزر يسير من ثمتها يعود إلى الوقوف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك تحت بيع

стр. 8948

الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة .. وعلى هذا يصرف ثمنها في مصالح المسجد .. تنبيه: جدار الدار الموقوفة المنهدم إذا تعذر بناؤه كالتالف فيأتي فيه ما مرَّ (١). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): ومَنْ بنى بناءً بمكة، بآلة مجلوبة من غير أرض مكة جاز بيعها، كما يجوز بيع أبنية الوقوف وأنقاضها، وإن كانت من تراب الحرم وحجارته، انبنى جواز بيعها على الروايتين في بيع رباع مكة؛ لأنها تابعة لمكة، وهكذا تراب كل وقف وأنقاضه (٢). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): ومن حبس وشرط أن يُباع إن احتيج صحَّ الحبس، وبطل الشرط؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى. وهما فعلان متغايران. إلا أن يقول: لا أحبس هذا الحبس إلا بشرط أن يُباع فهذا لم يحبس شيئًا؛ لأن كل حبس لم ينعقد إلا على باطل لم ينعقد أصلًا (٣). مذهب الزيدية: جاء فى (البحر الزخار): ولا يجوز بيع المسجد بعد خرابه أو إقفار مكانه لتعلق القرية بالعرصة، بل يتخذ بثمنه مسجدًا في العمران. لبطلان منفعته كفرس شاخ وقيل: إذا صار في قفر نقلت أخشابه وأحجاره لبناء مسجد آخره فإن تعذر فللمصالح؛ إذ في تركها إضاعة. وتبقى العرصة على التسبيل لإمكان الانتفاع، لكن يبقى بعض الحائط ليمنع النجاسات .. وإذا صار في قفر فللمسلم اتخاذه لحفظ قماشه وطعامه؛ إذ هو من المصالح، فإن شرط الواقف عند تسبيله أن يبيعه ويصرف ثمنه إلى أفضل جاز، فإن مات قبل البيع نفذ التسبيل (٤). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): إذا وقف مسجدًا فخرب، وخربت القرية لم يعد إلى ملك الواقف: ولا تخرج العرصة عن الوقف (٥) … وفى موضع آخر: ولو انهدمت الدار لم تخرج العرصة عن الوقف، ولم يجز بيعها، ولو وقع بين الموقوف عليهم خلف، بحيث يخشى خرابه جاز بيعه، ولو لم يقع خلف ولا خشى خرابه، بل كان البيع أنفع لهم، قيل: يجوز بيعه، والوجه المنع (٦). مذهب الإباضية: جاء فى (شرح النيل): وإن اتصلت بالمسجد أرض وأحب أن يحول مكانها ويستغل مكانه عنها لم يجز في الحكم، وجاز في النظر إن كان أصلح للمسجد وماله، وإن خرب ذو مالٍ قليل لا يقوم بناؤه لم يجز بيع قطعته عليه، وجاز في النظر إن لم تسم وقفًا عليه، ولم ترج عمارته إلَّا بها (٧). ٣ - ما يفعل بأنقاض المسجد: مذهب الحنفية: جاء في (العقود الدرية): إذا تداعى المسجد إلى الخراب وبعض المتغلبة يستولون على خشب

стр. 8949

المسجد، فإنه يجوز أن يباع الخشب بإذن القاضي ويمسك ثمنه ويصرفه إلى بعض المساجد أو إلى هذا المسجد، وكذا يجوز بيع أنقاضه (١). وفى (البحر الرائق): ويصرف نقضه إلى عمارته إن احتاج، وإلا حفظه للاحتياج، ولا يقسمه بين مستحقى الوقف (٢). وفى (فتح القدير): ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه، أي استغنى عن الصلاة فيه أهل تلك المحلة أو القرية، فإن كان في قرية فخربت وحولت مزارع يبقى مسجدًا على حاله (٣). مذهب المالكية: جاء في (شرح مختصر خليل) للخرشى: إنَّ بيع حصر المسجد جائز إن استغنى عنها، وكذا أنقاضه، وتصرف في مصالحه (٤). وفى (الفواكه الدوانى) *: قال خليل: وله نقض: وقف كهبة وصدقة ولو بناه مسجدًا، وتجعل الأنقاض في حبس آخر (٥). وفى (الإتقان والإحكام): لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وأفتى ابن عرفة في جوامع خربت وآيس من عمارتها بدفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها (٦). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): ولو أكل البحر المسجد فتنقل أنقاضه لمحل آخر - أي مسجد - ويفعل بغلته ما ذكر، ومثل المسجد أيضًا غيره من المدارس والربط … ويصرف على مصالحه بعد نقله ما كان يصرف عليه في محله الأول (٧). وجاء في (مغنى المحتاج): والأصح: جواز بيع حصر المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك، كما في الروضة وأصلها … وهذا ما جرى عليه الشيخان وهو المعتمد، وعلى هذا يصرف ثمنها في مصالح المسجد (٨). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): ويجوز نقل آلة المسجد الذي يجوز بيعه لخرابه أو خراب محلته أو قذر مَحْلِّه. ونقل أنقاضه إلى مثله إن احتاجها مثله، واحتج الإمام بأن ابن مسعود ﵁ قد حوَّل مسجد الجامع من التمارين أي: بالكوفة. وهو (أي نقل آلته وأنقاضه إلى مثله) أولى من بيعه؛ لبقاء الانتفاع من غير خلل فيه، وعُلم من قوله: (إلى مثله) أنه لا يُعمّر بآلات المسجد مدرسةٌ ولا رباط، ولا بئر ولا حوض ولا قنطرة. وكذا آلات كل واحدٍ من هذه الأمكنة لَا يُعمر بها ما عداه؛ لأن جعلها في مثل العين ممكن فتعين. ويصير حكم المسجد بعد بيعه للثانى الذي اشترى بدله، وأما إذا نقلت آلته من غير بيع

стр. 8950

فالبقعة باقية على أنها مسجد، قال حرب: قلت لأحمد: رجل بنى مسجدًا فأذن فيه ثم قلعوا هذا المسجد، وبنوا مسجدًا آخر في مكان آخر. ونقلوا خشب هذا المسجد العتيق إلى ذلك المسجد قال: يرُمُّوا هذا المسجد الآخر العتيق، قال الحارثى: فلم يمنع النقلُ منعَ البيع، وإخراج البقعة عن كونها مسجدًا (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): ولا يحل بناء مسجد عليه بيت متملك ليس من المسجد. ولا بناء مسجد تحته بيت متملك ليس منه، فمن فعل ذلك فليس شئ من ذلك مسجدًا، وهو باقٍ علي ملك بانيه كما كان. برهان ذلك أن الهواء لا يتملك؛ لأنه لا يضبط ولا يستقر وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٢) فلا يكون مسجدًا إلّا خارجًا عن ملك كل أحد دون الله تعالى لا شريك له، فإذ ذلك كذلك فكل بيت متملك لإنسان فله أن يعليه ما شاء، ولا يقدر على إخراج الهواء ألذى عليه عنه ملكه. وحكمه الواجب له لا إلى إنسان ولا غيره. وكذلك إذا بنى على الأرض مسجدًا وشرط الهواء له يعمل فيه ما شاء - فلم يخرجه عن ملكه إلّا بشرط فاسد، وقد قال رسول الله ﷺ : "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل" (٣). وأيضًا: فإذا عمل مسجدًا على الأرض وأبقى الهواء لنفسه: فإن كان السقف له فهذا مسجد لا سقف له، ولا يكون بناء بلا سقف أصلًا، وإن كان السقف للمسجد فلا يحل له التصرف عليه بالبناء، فإن كان المسجد فلا حق له فيه، فإنما أبقى لنفسه بيتًا بلا سقف وهذا محال. وأيضًا: فإن كان المسجد سفلًا فلا يحل له أن يبنى على رءوس حيطانه شيئًا، واشترط ذلك باطل؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله، وإن كان المسجد علوًا فله هدم حيطانه متى شاء، وفى ذلك هدم المسجد وانكفاؤه.، ولا يحل منعه من ذلك؟ لأنه منعٌ له من التصرف في ماله، وهذا لا يحل" (٤). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): ويَعمر ما خرب من المسجد، ولو بيعت بسُطه ومصاحفه إن تعذر غيرُها من ماله، إذ وضعت لإحيائه. وهذا منه .. (٥). وجاء في (الروضة البهية): يجوز بيع آجرُ المسجد وصرفه في مصالحه. إن لم يمكن الاعتياض عنه بوقف، ولو لم يكن أصله موقوفًا، بل اشترى للمسجد مثلًا من غَلَّته، أو بذله له باذلٌ، صح للناظر بيعه مع المصلحة مطلقًا (٦). وجاء في (شرح النيل): وذكر الحاج يوسف في ترتيب لقط ما نصه: وسألته عن جدار مسجد يريد أن ينهدم، هل يهدم ويصلح؟ قال: حتى ينهدم ويبنى. وفى (التاج): عن أبى عبد الله: لا أرى نقضها يعنى المساجد وهى قائمة لتجدد

стр. 8951

أفضل مما هي؛ لأنى لا آمن أن يحدث ما يحدث قبل تمامها، وعن أبى الحوارى: لا بأس بنقضها لتجدد أحسن منها .. وقيل: لا يزاد في بنائه ولا يُنقصُ إلا إذا كان صلاحًا له، ولا يصنع ذلك لترفيه العمار، وقيل: إذا أُغمى عليه بجريد (١) فأرادوا كسره ويبنى فيه بنقضٍ ورأوه أصلح جاز. (٢) مواطن البحث: يأتى مصطلح "أنقاض" في مواطن كثيرة من أبواب الفقه، فينظر نقض العقد في مصطلح "عقد"، وينظر نقض العهد في مصطلح "عهد". أما عن نقض الأبنية فيأتى في إحياء الموات في ملك الغير بإذن الإمام أو بغير إذنه. وكذلك يأتى في الشفعة فيمن اشترى أرضًا وبنى فيها ثم حضر الشفيع وقضى له بشفعة الأرض، كما يأتى في باب الإجارة فيما إذا بنى المستأجر وانتهت مدة الإجارة فلمن يكون النقض، وفى الشركة إذا طلب الشريك نقض حائط مشترك، وكذا في الصلح.

стр. 8952

مصطلح انقراض المعنى اللغوى: جاء في اللسان: انقرض القوم، درجوا ولم يبق منهم أحد، ودرج القوم: إذا ماتوا جميعًا. ويقال: قَرضَ فلان أي مات، والقرْض أيضًا القطع. واستعمل الفقهاء هذه المادة في بيانهم لأحكام الوقف إذا كان على الذرية أو على جماعات من الناس مرتبين في الاستحقاق أو غير مرتبين، وذلك أن الوقف قد يكون على بطون من ذرية الواقف، أو من غيره مرتبين في استحقاق ريعه بطنًا بعد بطن؛ وهو الوقف الذي يوصف بأنه مرتب الطبقات، كما يكون على جماعات متعددة أو أفراد متعددين مرتبين في الاستحقاق كذلك جماعةٌ بعد جماعة. أو فردًا بعد فرد. وقد يكون على جماعة لا ترتيب بين أفرادها، بل يكون لهم استحقاق ريعه مشتركين دون سبق لأحدهم على غيره. وقد يكون على فرد واحد يؤول ريعه بعد موته إلى جهات البر. وقد ذهب الحنفية: إلى أنه يجب في الوقف أن يكون مؤيدًا غير موقوت، ومن أجل ذلك وجب في الموقوف عليه ألا يحتمل الانقطاع في مذهبهم. وذهب المالكية: إلى جواز توقيت الوقف. (وتفصيل القول في ذلك يرجع فيه إلى مصطلح: وقف). وبناءً على ما ذكر: يرى الحنفية أنه إذا جعل الواقف وقفه على جماعة تحتمل الانقراض دون ترتيب بينهم في الاستحقاق كفقراء آل فلان، أو فقراء شارع معين من بلد معين أو نحو ذلك، ثم آل الوقف إليهم، فانقرضوا، أو انقرضوا قبل أن يؤول إليهم فإن الريع في الحالة الأولى يكون للجهة التي عينها الواقف لاستحقاق ريعه بعد انقراضهم. فإن لم يكن نَصَّ في كتاب وقفه على جهةٍ معينة كان ريعه للفقراء والمساكين، وهو المصرف العام للوقف. أما إذا انقرض الموقوف عليهم قبل أن يؤول الوقف إليهم فإن الوقف في هذه الحال ينعت بأنه متقطع الأول. وعندئذ يكون ريعه لمن يستحقه بمقتضى كتاب الوقف في هذه الحال، أو لجهات البر باعتبارها المصرف العام، وذلك حسب الأحوال والشروط التي فصلت في كلام الفقهاء على أحكام الوقف المنقطع. (انظر مصطلح: وقف). وكذلك الحكم إذا رتب بينهم في الاستحقاق فجعلهم فيه بطونًا أو درجات مرتبة ثم انقضوا جميعًا. أما إذا رتب الواقف بين المستحقين فجعلهم بطونًا أو درجات متوالية في الاستحقاق بحيث لا تستحق طبقة أو درجة إلا بعد انقراض سابقتها، فإن انقراض أية طبقة أو درجة يترتب عليه انتقال الاستحقاق إلى الطبقة أو الدرجة التي تليها على أن يقسم الريع على أفرادها قسمة جديدة لا يراعى فيها قسمته على الطبقة السابقة عليها، ولا مقدار ما كان يستحقه كل أصل بالنظر إلى ضرعه. وهذا ما يسمى عند الحنفية بنقض القسمة عند الانقراض (وتفصيل ذلك في مصطلحى: وقف ونقض).

стр. 8953

وذلك ما ذهب إليه الحنفية، وإلى مثله ذهب الشافعية والحنابلة على تفصيل يراجع في مصطلح: وقف (١). انقراض الموقوف عليه: قد يوقف على الأغنياء غير الأقرباء. وهذا من صور الوقف لا الصدقة. مذهب الحنفية: جاء في (فتح القدير): الوقف يصح لمن يحب من الأغنياء بلا قصد القرابة، وهو وإن كان لابد في آخره من القرابة بشرط التأبيد، وهو بذلك كالفقراء ومصالح المسجدء لكنه يكون وقفًا قبل انقراض الأغنياء بلا تصدق (٢). إلى من يؤول الوقف بعد انقراض الموقوف عليه ؟ عود الموقوف عليه واجب، ولكن إذا انقرض الموقوف عليه انتقل الوقف إلى من يلى الموقوف عليه في الدرجة، فإن انقرض الجميع آل الموقوف إلى ولى الأمر إذا لم يكن وقفه على عبادة بعد انقراض الموقوف عليه. جاء في (فتح القدير): وقول الواقف: "على عيالى" يدخل كل من كان في عياله من الزوج والولد والجدات، ومن كان يعول من ذوى الرحم وغير ذوى الرحم. وإذا عُرف هذا، فلو قال: على أهل بيتى فإذا انقرضوا فعلى قرابتى فهو صحيح وتصرفُ بعدهم لمن يناسبه من قبيل أبيه، ولو عكس فقال: على قرابتى فإذا انقرضوا فعلى أهل بيتى لم يصح، ومثله لو قال: على إخوتى فإذا انقرضوا فعلى إخوتى لأبى، وله إخوة متفرقون إذ بعد انقراض الكل لا يبقى له أخ فيكون بعد انقراضهم للمساكين، وعلى جيرانه يجوز (٣). إلى من يؤول إليهم الوقف عند انقراض بعضهم: جاء في (الأشباه والنظائر): أن مَنْ مات عن ولد من أهل البطن الأول انتقل نصيبه إلى ولده ويستمر له ولا ينقض أصلًا بعده لو انقرض أهل البطن الأول فإذا مات أحد ولدى الواقف عن ولد والآخر عن عشرة كان النصف لولد من مات وله ولد والنصف الآخر للعشرة. فإذا مات ابنا الواقف استمر التصف للواحد والنصف للعشرة، وإن استووا في الطبقة فقوله: على أن من مات وله ولد مخصوص من ترتيب البطون فلا يراعى الترتيب فيه. ثم من كان له شئ ينتقل إلى ولده، وهكذا إلى آخر البطون حتى لو قدر أن الواقف مات عن ولدين ثم إن أحدهما مات عن عشرة أولاد والثانى عن ولد واحد والولد خلف ولدًا واحدًا وهكذا إلى البطن العاشر، ومن مات عن عشرة وخلف كلّ أولادًا حتى وصلوا إلى المائة في البطن العاشرة يعطى للواحد نصف الوقف والنصف الآخر بين المائة، وإن استووا في الدرجة. البطن الأعلى لو كانوا عشرة وكان لهم ابنان ماتا قبل الوقف وترك كلٌ ولدًا لا حق لهما ما دام واحد من الأعلى؛ لأنهما من البطن الثاني فلا حق لهما حتى ينقرض الأول، فلو مات العشرة وترك كلّ ولدًا أخذ كلٌ نصيب أبيه ولا شئ لولد

стр. 8954

من مات قبل الواقف، وإن استووا في الطبقة، فإن بقى منهم واحد قسمت على عشرة فما أصاب الحى أخذه، وما أصاب الموتى كان لأولادهم، فإن مات العاشر عن ولد انتقلت القسمة لانقراض البطن الأعلى ورجعت إلى البطن الثاني، فينظر إلى أولاد العشرة وأولاد الميت قبل الوقف فيقسم بالسوية بينهم ولا يرد نصيب من مات إلى ولده إلا قبل انقراض البطن الأعلى فيقسم على عدد البطن الأعلى، فما أصاب الميت كان لولده، فإذا انقرض البطن الأعلى نقضنا القسمة وجعلناها على عدد البطن الثاني (١). انتقال الوقف: وإذا انقرض الموقوف عليهم جاز توجيه الموقوف إلى أداء عبادة كالحج مثلًا. جاء في (المبسوط): وإذا كانت الأرض لرجل أو رجلين فتصدقا بها صدقة موقوفة وسلماها إلى رجل واحد، وجعل أحدهما نصيبه موقوفًا على ولده وولد ولده أبدًا ما تناسلوا فإذا انقرضوا كانت غلتها للمساكين، وجمل الآخر نصيبه وققًا على إخوته وأهل بيته، فإذا انقرضوا كانت غلته في الحج يحج بها في كل سنة أو كان المتصدق واحدًا فجعل نصف الأرض مشاعًا على الأمر الأول ونصفها على الأمر الآخر فذلك جائز، لأنها صدقة واحدة يقبضها والٍ واحدٌ فلا يضرهم على أي الوجوه فرقوا غلتها، ومعنى هذا أن تمام الصدقة بالقبض، وإذا كان الوالى واحدًا فهو يقبض الكل جملة فتتم الصدقة بالكل بقبضه ثم بتفرق جهات الصدقة لا تتفرق الصدقة (٢). تعذر معرفة مهر المثل لانقراض العصر: من مسائل الانقراض عند الحنفية تعذر معرفة مهر المثل بسبب انقراض العصر، وهذه صورة من صور التقادم، جاء في (العناية شرح الهداية): أرأيت لو ادّعى ورثة على عليّ ورثة عمر مهر أم كلثوم أكنت أقضى فيه بشئ؟ وهذا لأن مهر المثل يختلف باختلاف الأوقات. فإذا تقادم المهر وانقرض أهل ذلك العصر يتعذر على القاضي الوقوف على مقدار مهر المثل، وعلى هذا إذا لم يكن المهر متقادمًا بأن لم يختلف مهر مثل هذه المرأة يقضى بمهر مثلها (٣). مذهب المالكية: المالكية يجوّزون توقيت الوقف؛ ولذلك يرون أنه إذا وقّته الواقف بوقت أو بحياة الوقوف علينهم فإنه يرجع كما كان ملكًا بانتهاء وقته أو بانقراض الموقوف عليهم؛ ولذا إذا جعل الواقف وقفه على ذرية فلان دون ترتيب فلهم استحقاق ريعه إذا وجدوا، فإن حصل مانع كيأسٍ من وجود ذرية له رجعت أعيان الوقف ملكًا كما كانت (٤). وبناءً على ذلك إذا جعل الواقف ريع وقفه لأولاده وأولادهم فلم يوجد له أولاد. أو وجدوا ثم انقرضوا رجع الوقف ملكًا كما كان سواء رتب بينهم فجعلهم مستحقين طبقة بعد طبقة، أم لم يرتب بينهم، إذ يرون أن الترتيب في الوقف باعتبار كل واحد من الذرية على حدة، كأن الواقف قال: على فلان ثم على ولده، وهكذا.

стр. 8955

فكل من توفى انتقل نصيبه لأولاده لا لإخواته، خلافًا للحنفية. فيكون معنى قول الواقف: (الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى) أي أن كل أصل من الطبقة العليا يحجب فرعه دون فرع غيره، بناءً على أن الأصل عندهم في الترتيب ترتيب أفراد ما لم يوجد نص صريح يدل على أن الترتيب جملى. وعلى أية حال إذا انقرضت جميع الطبقات انتقل الوقف إلى من جعله الواقف بعدهم أو إلى جهات البر ادعاء ملكا حسب ما تفيده عبارته (١). وراجع في تفصيل أحكام هذه الأحوال، وفى بيان مذاهب الفقهاء فيها على التفصيل مصطلح (وقف). إلى من يؤول الوقف بعد انقراض الموقوف عليه ؟ جاء في (المدونة الكبرى): إذا انقرض هذا الذي جعلت له هذه الدار سكنًا لعقبه وانقرض عقبه، رجعت إلى الذي أسكن إن كان حيًّا يصنع فيها ما يصنع في ماله، وإن كان قد مات رجعت ميراثًا إلى أولى الناس به يوم مات أو إلى ورثتهم؛ لأنهم هم ورثته. وأصل الدار كانت في ماله يوم مات قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم، قلت: فإن قال: حبسًا فهلك الذي حبست عليه، وهلك عقبه الذين حبست عليهم، وقد هلك أيضًا الذي حبس ولم يدع إلا ابنة واحدة ولم يترك عصبة؟ قال: إنما قال مالك: إذا انقرض الذين حبست عليهم رجعت إلى أولى الناس بالمحبس يوم ترجع عصبته كانوا أو ولد ولده، وتكون حبسًا على ذوى الحاجة منهم وليس على الأغنياء منهم فيها شئ. قلت: فإن كانوا ولده؟ قال: فإن كان ولده فليس للأغنياء منهم فيها شيء عند مالك، وكذلك العصبة، وكذلك كل من ترجع إليهم إنما هي لذوى الحاجة منهم. قلت: فإن كان الذين رجعت إليهم الدار ورثة هذا المحبس أغنياء كلهم؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا ولكنى أرى إنما تكون لأقرب الناس من هؤلاء الأغنياء إذا كانوا فقراء (٢). قال لى مالك وابن وهب عن يونس بن يزيد أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يقول للرجل قد أعمرتك هذا العبد حياتك؟ قال ابن شهاب: تلك المنحة وهى مؤداة إلى من استثنى فيها، قال ابن شهاب: وإن قال ثم هو لفلان بعدك فإنه ينفذ ما قال إذا كان هبة للآخر قال ابن شهاب: وإن قال ثم هو حر بعدك قال: ينفذ ما قال (٣). قلت: أرأيت إن انقرضت الأم والزوجة أو لا أيدخل ورثتهما مكانهما؟ قال: نعم، قلت: فإن انقرض واحد من ولد الأعيان بعد ذلك؟ قال: يقسم نصيبه على ولد الولد وعلى من بقى من ولد الأعيان، ويرجع من بقى من ورثة الهالك من ولد الأعيان وورثة الزوجة وورثة الأم في الذي أصاب ولد الأعيان فيكون بينهم على فرائض الله. قلت: فإن مات ورثة الزوجة والأم وبقى ورثة ورثتهم؟ قال: يدخلون في ذلك ورثة ورثتهم

стр. 8956

وورثة من هلك من ولد الأعيان أبدًا ما بقى من ولد الأعيان أخذًا بحال ما وصفت لك، قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا قوله، قلت: فإن انقرض الولد وولد الولد رجعت حبسًا على أولى الناس بالمحبس في قول مالك؟ قال: نعم (١). والوالى يضع في بيت المال ما دفن المسلمون وأهل الذمة لعلامة تدل على ذلك يكون حكمه حكم اللقطة .. لكن القياس أنها إذا غلب على الظن انقراض صاحبها أو ورثته أن تكون كمالٍ جهلت أربابه فموضعه بيت المال (٢). مذهب الشافعية: إلى من يؤول الوقف بعد انقراض الموقوف عليه؟ جاء في (كفاية الأخيار): إذا انقرض الموقوف عليه لا يبطل الوقف على الراجح، ويصرف الوقف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلى يوم انقراض الموقوف عليهم (٣). وجاء في (المهذب): وإن قال: وقفت على أولادى فإن انقرض أولادى وأولاد أولادى فعلى الفقراء لم يدخل فيه ولد الولد ويكون هذا وقفًا منقطع الوسط فيكون على قولين كالوقف المنقطع الانتهاء. ومن أصحابنا من قال: يدخل فيه أولاد الأولاد بعد انقراض ولد الصلب؛ لأنه لما شرط انقراضهم دل على أنهم يستحقون كولد الصلب، والصحيح هو الأول؛ لأنه لم يشرط شيئًا وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم (٤). لا ينتقل الوقف إلا بانقراض الطبقة الموقوف عليها: جاء في (مغنى المحتاج)، ولو وقف على شخصين معينين ثم الفقراء مثلًا فمات أحدهما فالأصح أن نصيبه يصرف إلى الآخر؛ لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعًا ولم يوجد، وإذا امتنع الصرف إليهم فالصرف إلى من ذكره الواقف أولى (٥). وجاء في موضع آخر: ذهب الجمهور إلى أن قوله: "بطنًا" للترتيب كقوله: "الأعلى فالأعلى" وصححه السبكى، قال: وعليه هو لترتيب بين البطنين فقط، فينتقل بانقراض الثاني لمصرف آخر إن ذكره الواقف (٦). وفى موضع آخر: فإن مات الولد قبل الانتساب وله ولد قام مقامه أو أولاد وانتسب بعضهم لهذا وبعضهم لذاك دام الإشكال. فإن ماتوا قبل الانتساب أو بعده فيما إذا انتسب بعضهم لهذا وبعضهم لذاك، أو لم يكن له ولد ولا ولد ولد الرضيع حينئذ أما قبل انقراض ولده وولد ولده فليس له الانتساب بل هو تاب للولد أو ولده (٧). حكم الوقف بعد انقراض من لا يصح الوقف عليه: في ذلك آراء وهى: جاء في (المهذب): أحدها ينقل في الحال إلى من بعده؛ لأن الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه قصار كالمعدوم. والثانى وهو المنصوص أنه للواقف ثم لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل لمن بعده؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إلى الفقراء فبقى على ملكه

стр. 8957

والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه. وإن كان يمكن اعتبار انقراضه كالعبد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ينقل في الحال إلى من بعده؛ لأن الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه فصار كالمعدوم، والثانى؛ وهو المنصوص أنه للواقف ثم لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل لمن بعده؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إلى الفقراء فبقى ملكه. والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل للفقراء (١). ولا يعود الوقف ميراثًا بانقراض الموقوف عليه: جاء في (مغنى المحتاج): فإذا قال: تصدقت بدارى على قوم أو رجل معروف حى يوم تصدق عليه، وقال: صدقة محرمة. أو قال: موقوفة أو قال: صدقة مسبلة. فقد خرجت من ملكه فلا تعود ميراثًا أبدًا، ولا يجوز أن يخرجها من ملكه إلا إلى مالك منفعة يوم يخرجها إليه، فإن لم يسبلها على من بعدهم كانت محرمة أبدًا، فإذا انقرض المتصدق بها عليه كانت محرمة أبدًا ورددناها على أقرب الناس بالذي تصدق بها يوم ترجع، وهى على ما شرط من الأثرة والتقدمة والتسوية بين أهل الغنى والحاجة، ومن إخراج من أخرج منها بصفة ورده إليها بصفة، إن أعتق الأب بعده أي الجد انجر من موالى الجد إلى مواليه أي الأب، لأن الجد إنما جره لكون الأب كان رقيقًا. فإذا عتق كان أولى بالحر؛ لأنه أقوى من الجد في النسب، وإذا انقرض موالى الأب لا يعود إلى موالى الجد ولا إلى موالى الأم، بل يبقى لبيت المال (٢). مذهب الحنابلة: إلى من يؤول الوقف بعد انقراض الموقوف عليه، جاء في المغنى مع (الشرح الكبير): إذا خلف ثلاثة بنين وأبوين فادعى البنون أن أباهم وقف داره عليهم في صحته وأقاموا بذلك شاهدًا واحدًا حلفوا معه صارت وققًا عليهم وسقط حق الأبوين، وإن لم يحلفوا معه ولم يكن على الميت دين ولا وصية وحلف الأبوان كان نصيبهما طلقًا لهما ونصيب البنين وقمًا عليهم بإقرارهم؛ لأنه ينفذ بإقرارهم، وإن كان على الميت دين أو أوصى بشئ قضى دينه ونفذت وصيته، وما بقى بين الورثة فما حصل للبنين كان وقفًا، وإن حلف واحد منهم كان ثلث الدار وققًا عليه والباقى يقضى منه الدين وما فضل يكون ميراثًا، فما حصل للابنين منه كان وقفًا عليهما، ولا يرث الحالف شيئًا؛ لأنه يعترف أنه لا يستحق منه شيئًا سوى ما وقف عليه، وإن حلفوا كلهم فثبت الوقف عليهم، ولا يخلو من أن يكون الوقف مرتبًا على بطن ثم على بطن بعد بطن أبدًا أو مشتركًا، فإن كان مرتبًا فإذا انقرض الأولاد الثلاثة انتقل الوقف إلى البطن الثاني بغير يمين؛ لأنه قد ثبت كونه وققًا بالشاهدين ويمين الأولاد فلم يحتج من انتقل إليه إلى بينة. كما لو ثبت بشاهدين كالمال الموروث، وكذلك إذا انقرض الأولاد ورجع إلى المساكين لم يحتاجوا في ثبوته لهم إلى يمين.

стр. 8958

وإن انقرض أحد الأولاد انتقل نصيبه منه إلى إخوته أو إلى من شرط الواقف انتقاله إليه بغير يمين لما ذكرنا، فإن امتنع البطن الأول من اليمين فقد ذكرنا أن نصيبهم يكون وقفًا عليهم بإقرارهم. فإذا انقرضوا كان ذلك وقفًا على حسب ما أقروا به، فإذا كان إقرارهم أنه وقف عليهم ثم على أولادهم، فقال أولادهم، نحن نحلف ما شهدنا لتكون جميع الدار وقفًا لنا فلهم ذلك، لأنهم ينقلون الوقف من الواقف فلهم إثباته كالبطن الأول. وإذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فهو وقف منقطع الابتداء كالوقف على عبده وأم ولده أو مجهول، فإن لم يذكر له مآلها فالوقف باطل، وكذلك إن جعل له ما لا يجوز الوقف عليه؛ لأنه أخل بأحد شرطى الوقف فبطل كما لو وقف ما لا يجوز وقفه، وإن جعل له ما لا يجوز الوقف عليه كمن يقف على عبده ثم على المساكين، ففى صحته وجهان بناءً على تفريق الصفقة،، فإذا قلنا: يصح، وهو قول القاضي وكان من لا يجوز الوقف عليه لا يمكن اعتبار انقراضه كالميت المجهول والكنائس صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه؛ لأننا لما صححنا الوقف مع ذكر ما لا يجوز الوقف عليه، فقد ألغيناه لتعذر التصحيح مع اعتباره، وإن كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه كأم ولد وعبد معين فكذلك ذكره أبو الخطاب، وفيه وجه آخر أنه يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه. فإذا انقرض صرف إلى من يجوز، ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأن الواقف إنما جعله وققًا على من يجوز بشرط انقراض هذا فلا يثبت بدونه ويفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه لتعذر اعتباره، وإن كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط مثل أن يقف على ولده ثم على عبيده ثم على المساكين، خرج في صحة الوقف وجهان كمنقطع الانتهاء، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه، فإن لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة، وإن أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على وجهين كما تقدم، وإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط كرجل وقف على عبيده ثم على أولاده ثم على الكنيسة خرج في صحته وجهان. ومصرفه بعد من يجوز إلى مصرف الوقف المنقطع. وإن وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز كمن وقف على أولاده ثم على العبيد صح الوقف أيضًاء ويرجع بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى من يصرف إليه الوقف المنقطع كالمسألة قبلها؛ لأن ذكر من لا يجوز الوقف عليه وعدمه واحد يحتمل أن لا يصح الوقف، لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز فأشبه تفريق الصفقة. (١). مذهب الظاهرية: ورد مصطلح انقراض في كتاب (المحلى): بمعنى انقراض العصر، وجاء ذلك في مسألة شهادة ولد الزنا، قال ابن حزم: فإن قيل: قد جاء: "ولد الزنا شر الثلاثة" (٢)؟.

стр. 8959

قلنا: هذا عليكم لأنكم تقبلونه فيما عدا الزنا، ومعنى هذا الخبر عندنا: أنه في إنسان بعينه للآية التي ذكرنا، ولأنه قد كان فيمن لا يُعرف أبوه، ومن لا يعدله جميع أهل الأرض من حين انقراض عصر الصحابة - رضى الله عنهم - إلى يوم القيامة (١). مذهب الزيدية: ورد استخدام مصطلح (انقراض) عند الزيدية في كتاب الوقف. فقالوا: ويتقيد الوقف والمصرف بالشرط والاستثناء، إذ هو إخراجُ ملك كالعتق والطلاق. فيصح وقف أرض لما شاء، واستثناء علتها لما شاء، كعلى أولادى. فإذا انقرضوا فكذا، فلا يصير إلى الثاني إلّا بعد انقراض الأول (٢). مذهب الإمامية: ورد استخدام مصطلح انقراض عند الإمامية في (كتاب الوقف) ففى (الروضة البهية): وإذا تم الوقف لم يجز الرجوع فيه؛ لأنه من العقود اللازمة، وشرطه مضافًا إلى ما سلف - التنجيز: والدوام، فلو قرنه بمدة أو جعله على من ينقرض غالبًا لم يكن وققًا، والأقوى صحته حبسًا يبطل بانقضائها وانقراضه فيرجع إلى الواقف أو وارثه حين انقراض الموقوف عليه كالولاء. ويحتمل إلى وارث عند موته، ويسترسل فيه إلى أن يصادف الانقراض. ويسمى هذا منقطع الآخر. (٣) مذهب الإباضية: ورد استخدام مصطلح انقراض في الفقه الإباضى بمعنى انقراض العصر: وورد ذلك في استدلالهم على العول، جاء في (شرح النيل): أما الإجماع، فقد كان قبل إظهار ابن عباس الخلاف كما حكاه المتولى وغيره، ويدل عليه قول عطاء بن رباح لابن عباس: إن هذا لا يفنى عنك شيئًا، إلى آخر ما قال الشيخ. وهذا مبنى على عدم اشتراط انقراض العصر في انعقاد الإجماع، وقد أسلفنا أنه الراجح عند المحققين (٤).

стр. 8960

مصطلح انقضاء الانقضاء لغة: هو ذهاب الشئ وفناؤه وكذلك التقضى. وانقضى الشئ وتقضى بمعنى، وانقضاء الشئ وتقضيه: فناؤه وانصرامه (١). تعريفه شرعًا: يستعمل لفظ "الانقضاء" شرعا في نفس معناه اللغوى الوضعى، فيقال مثلا: انقضاء العدة بمعنى مضى زمنها وانتهائه، وانقضاء وقت الصلاة بمعنى انتهائه والخروج منه إلى غيره، وانقضاء أجل الدين بمعنى نفاد مدته وحلوله. أثر انقضاء مدة المسح على الخفين في الوضوء مذهب الحنفية: جاء في (شرح فتح القدير): إذا تمت المدة وهى يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر نزع خفيه وغسل رجليه وصلى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء (٢). مذهب المالكية: جاء فى (شرح الخرشى): لا حد واجب لمقدار زمن مسح الخفين بحيث لا يجوز أن يتعدى، ونفى الحد الواجب لا يستلزم نفى الحد مطلقا، فلا ينافى ما يأتى من التحديد المندوب وهو ندب نزعه كل جمعة. وعلى هذا فلا مجال عند المالكية للحديث عن انقضاء المدة ما دامت غير معتبرة في المسح على الخفين عندهم (٣). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): من نزع خفّيه أو انقضت مدته أو شك في بقائها أو ظهر بعض محل الفرض بتخرق وغيره وهو بَطُهْر المسح غسل قدميه إذ الأصل غسلهما والمسح بدل، فإذا قدر على الأصل زال حكم البدل كالتيمم بعد وجود الماء (٤). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إذا انقضت مدة المسح على الخفين وهى اليوم والليلة للمقيم والثلاثة للمسافر. ولو كان الماسح متطهرًا أو في صلاة استأنف الطهارة وبطلت الصلاة؛ لأن طهارته مؤقتة فبطلت بانتهاء وقتها كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم، ويعيد الوضوء، لا لوجوب الموالاة. بل لأن المسح يرفع الحدث. والحدث لا يتبعض فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الحائل عنه فيسرى إلى بقية الأعضاء فيستأنف الوضوء، وإن قرب الزمن. وهذا هو الصحيح من المذهب عند المحققين (٥). وفى (المغنى): إذا انقضت المدة بطل الوضوء، وليس له المسح إلا أن ينزعهما ثم يلبسهما على طهارة كاملة، وفيه رواية أخرى: أنه يكفيه غسل قدميه كما لو خلعهما. وهذا الاختلاف مبنى على وجوب الموالاة في الوضوء، فمن أجاز التفريق جوَّز غسل القدمين؛ لأن سائر أعضائه مغسولة ولم يبق إلا غسل القدمين، فإذا غسلهما كَمُلَ وضوؤه. ومن منع التفريق أبطل وضوءه لفوات الموالاة (٦).

стр. 8961

مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): إذا لبس الخفين أو جوربين مثلًا على وضوء جاز المسح عليه للمقيم يومًا وليلة. وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ثم لا يحل له المسح، فإذا انقضى هذان الأمدان - يعنى أحدهما - لمن وقت له، صلى بذلك المسح ما لم تنتقض طهارته. فإذا انتقضت لم يحل له أن يمسح لكن يخلع ما على رجليه ويتوضأ ولابدّ، وقال في موضع آخر مستدلًا على رأيه: أما قولنا: إذا انقضى أحد الأمدين المذكورين صلى الماسح بذلك المسح ما لم ينتقض وضوؤه ولا يجوز له أن يمسح حتى ينزعهما ويتوضأ؛ لأن رسول الله ﷺ أمره أن يمسح إن كان مسافرًا ثلاثًا فقط، وإن كان مقيمًا يوما وليلة فقط، وأمره ﵊ بالصلاة بذلك المسح ولم ينهه عن الصلاة به بعد أمده المؤقت له، وإنما نهاه عن المسح فقط، وهذا نص الخبر في ذلك ويؤخذ من هذا النص أن انقضاء مدة المسح غير ناقض للوضوء الذي مسح فيه على الخف بل يظل متوضئًا حتى يحدث، وينحصر أثر انقضاء مدة المسح في المنع من المسح بعدها دون طهارة جديدة بوضوء كامل أو تيمم (١). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): لو مسح المسافر يومًا وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الإقامة بطلت صلاته، إذ قد استكمل مسح المقيم، وإن لبس الخف في الحضر ثم سافر قبل الحدث مَسَحَ مَسْحَ مسافر، وإن أحدث في السفر فمسح ثم أقام أتم مسح مقيم لا غير. ويؤخذ من هذا أن انقضاء المدة مبطل للوضوء الذي مسح فيه على الخف (٢). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): يجب المسح على بشرة القدم، ولا يجوز على حائل من خف أو غيره إلا للتقية أو الضرورة. وإذا زال السبب أعاد الطهارة على قول. وقيل: لا يجب إلا لحدث. وعلى هذا فلا مجال لحديث عندهم عن انقضاء مدة المسح أو عدم انقضائها (٣). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): ولا يرد المسح على الخفين؛ لأنه لا قائل به لعدم صحة الأحاديث المدعى ورودها فيه، كما أنكرته عائشة رضى الله عنها، ولأنه إذا مسح على الخف لم يصدق أنه مسح على الرجلين، والخطاب إنما هو للرِّجل. ولأنه إذا مسح على الخفين ثم نزعهما وصلى لم يصدق عليه أنه صلى بوضوء رجليه. وإذا كانوا ينكرون المسح على الخفين أصلا فلا مجال للحديث عندهم عن أثر انقضاء مدته (٤). أثر انقضاء الوقت في التيمم مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): ويصلى بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل في وقت واحد أو أوقات متعددة ما لم يجد الماء أو يحدث؛ لأن التراب طهور بشرط عدم الماء بالنص، وكل ما هو طهور بشرط يعمل عمله ما بقى شرطه (٥).

стр. 8962

مذهب المالكية: جاء فى (شرح الخرشى): لا يجوز فرضان بتيمم واحد ولو قُصدَا معًا عند التيمم، وإذا وقع بطل الثاني، ولو لمريض لا يقدر على مس الماء، أو إحداهما منذورة أو فائتة أو مشتركة مع الأخرى في الوقت. وأعادهما على المشهور (١). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): لا يجوز للمتيمم أن يصلى بتيمم واحد أكثر من فريضة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: "من السنة ألا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة ثم يحدث للثانية تيممًا". (٢) والسنة في كلام الصحابي تتصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، أما النوافل فيجوز أن يصلى بتيمم واحد ما شاء منها (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): يبطل التيمم بخروج الوقت لقول على ﵁: "التيمم لكل صلاة" (٤) ولأنه طهارة ضرورة فتقيد بالوقت كطهارة المستحاضة. حتى التيمم من جنب لقراءة ولبث في مسجد، وحتى التيمم من حائض لوطء ولطواف ولصلاة جنازة ونافلة فيبطل في هذه الصور كلها بخروج الوقت، هذا ما لم يكن في صلاة جمعة، ويخرج الوقت وهو فيها فلا يبطل ما دام فيها ويتمها، لأنها لا تقضى. فيلزم من تيمم لقراءة ووطء ونحوه كلبث في المسجد إذا خرج الوقت التركُ حتى يعيد التيمم، ولكن لو نوى الجمع في وقت الثانية ثم لها أي للمجموعة أو تيمم لفائتة في وقت الأولى لم يبطل التيمم بخروج وقت الأولى؛ لأن نية الجمع صيرت الوقتين وقتًا واحدًا (٥). وفى (المغنى): إذا خرج وقت الصلاة وهو فيها بطل تيممه وبطلت صلاته؛ لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت صلاته كما لو انقضت مدة المسح على الخفين وهو في الصلاة (٦). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): والمتيمم يصلى بتيممه ما شاء من الصلوات الفرض والنفل ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود ماء (٧). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): ولا يتبع الفرضَ المؤدى بالتيمم إلا نفلُه كسنة الظهر والمغرب والفجر؛ فإنها تدخل تبعًا في تيمم ما هي تبع له لا فرض آخر. وقال الناصر: إنه يصح أن يصَلّى بالتيمم حتى يحدث أو يجد الماء (٨). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): لا ينقض التيمم بخروج الوقت ما لم يحدث أو يجد الماء (٩). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): هل التيمم رافع للحدث وعزيمة، يعنى أنه فرض أصيل غير متفرع على الغسل بالماء فيصلى به ما لم يحدث

стр. 8963

ناقضه ولو صلاة يوم أو أكثر فيجوز قبل الوقت ولا ينقضه إلا ناقض أصله أو مبيح للعبادة ورخصة مفرعة على الوضوء فلا يجوز قبله؛ لأنه كالترخيص في أكل الميتة للمضطر؛ فلا يفعل قبل يقين الاحتياج إليه وينقضه دخول وقت الثانية؟ أقوال، ويرى صاحب (شرح النيل) أنه رافع. وعليه فإن انقضاء وقت الصلاة غير ناقض للتيمم (١). انقضاء أوقات الصلاة أولًا: انقضاء وقت الظهر مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أنه اختلفت الروايات عن أبى حنيفة في آخر وقت الظهر فروى محمد عنه: إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه سوى في الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو الذي عليه أبو حنيفة، وروي الحسن بن زياد عنه: إذا صار ظل كل شئ مثله سوى في الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر؛ وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وزفر، وروى أسد بن جعد عنه: إذا صار ظل كل شئ مثله سواء - أي في الزوال خرج وقت الظهر ولم يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شئ مثليه، وعلى هذا يكون بين الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الظهر والفجر، قال الكرخى: هذا أعجب الروايات إليّ لموافقتها لظاهر الأخبار (٢). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه ينتهى آخر وقت الظهر المختار لآخر القامة - وقامة الإنسان سبعة أقدام بقدم نفسه؛ أو أربعة أذرع بذراعه، بغير ظل الزوال، يعنى أن الظل الذي زالت عنه الشمس لا اعتداد به في القامة، بل يعتبر ظل القامة مفردًا عن الزيادة؛ وأما وقته الضرورى: فهو إلى الغروب للظاهرين (٣). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أن آخر وقت الظهر مصيرُ ظلّ كل شئ مثله سوى ظل استواء الشمس أي: غير ظل الشئ حالة الاستواء، وقال الأكثرون: للظهر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة أوله، ووقت اختيار إلى آخره؛ ووقت عذر ووقتُ العصر لمن يجمع (٤). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله بعد الظل الذي زالت عنه الشمس، إن كان للشئ ظل عند الزوال. فيضبط ما زالت عنه الشمس ثم ينظر إلى الزيادة عليه، فإذا بلغت قدر الشخص فقد انقضى وقت الظهر (٥). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): يتمادى وقت الظهر إلى أن يكون ظل كل شئ مثله لا يُعد في ذلك الظل الذي كان له في أول زوال الشمس. لكن يعد مازاد على ذلك، فإذا كبر الإنسان لصلاة الظهر حين ذلك فما قبله أدرك صلاة الظهر بلا ضرورة (٦).

стр. 8964

مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أن آخر وقت للظهر الاختيارى مصيرُ ظلِّ الشئ المنتصب مثله سوى ظل الزوال. واختلف في تقدير المثل في القامة فقيل: إذا بلغ الظل ستة أقدام ونصفًا سوى القدم التي قام عليها فذلك قدر القامة، وقال أبو جعفر: الاعتبار بالمثل دون الأقدام، وهذا هو ظاهر المذهب، فكأن الأقدام ليست إلا تقريبًا وذكر الناصر في كتابه الكبير: أنه يعتبر بالأقدام فكأنه جعلها تحقيقًا؛ وأما وقته الاضطرارى فينتهى إلى بقية من النهار تسع العصر (١). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت الظهر والعصر، ويختص العصر من آخره بمقدار أدائها، وقال آخرون: ما بين الزوال حتى يصير ظل كل شئ مثله وقت للظهر وقيل: بل مثل الشخص، وقيل: أربعة أقدام، وهذا هو المختار، وما زاد على ذلك حتى تغرب الشمس وقت لذوى الأعذار (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه ينقضى وقت الظهر إذا زاد الظل على ظل الزوال بمقدار سبعة أقدام، وقيل: الظهر والعصر مشتركتان وتؤخر الظهر إلى أي وقت من أوقات العصر إلا ما يصير فيه العصر آخرًا، وقيل: يؤخر قدر ما يصلى أول العصر. وهناك أقوال أخرى (٣). ثانيًا: انقضاء وقت العصر: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أن آخر وقت العصر غروب الشمس (٤) لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" (٥). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أن آخر وقت العصر المختار إلى الاصفرار في الأرض والجدر وهو وقت التطفل: أي ميل الشمس للغروب؛ أما آخر وقته الضرورى فهو إلى الغروب (٦). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه ينقضى وقت العصر بالغروب لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". أما وقت الاختيار فينقضى بمصير ظل كل شئ مثليه غير ظل الاستواء (٧). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه ينقضى وقت العصر المختار ببلوغ ظل الشخص مثليه سوى ظل الزوال وهو اختيار الخرقى وغيره، وقطع به القاضي في المنتهى (٨) لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "الوقت ما بين هذين" (٩) وفى رواية أنه

стр. 8965

إلى اصفرار الشمس، واختاره الموفق لما روى عنه ﷺ قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" (١). وأما وقت الضرورة فينقضى بغروب الشمس. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه يتمادى وقت العصر إلى أن تغرب الشمس كلها، إلا أننا نكره تأخير العصر إلى أن تصفر الشمس إلا لعذر، ومن كبر للعصر قبل أن يغرب جميعُ القرص فقد أدرك العصر (٢). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه ينقضى وقت العصر الاختيارى إذا صار ظل الشئ مثليه سوى ظل الزوال. وقالوا أيضًا: إن للعصر وقتين اضطراريين؛ الأول: وقت الظهر جميعه الاختيارى إلا ما يسع الظهر الزوال فإنه ينقضي بالظهر؛ أما الثاني: فينقضى حين يبقى من النهار ما يسع ركعة، وهذا مأخوذ من عبارة (التذكرة)؛ فإنه قال فيها: إلى قبل الغروب بركعة (٣). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه ينقضى وقت العصر بغروب الشمس، وقيل بأن يصير ظل كل شئ مثليه؛ وقيل: ثمانية أقدام آخر وقتها المختار، وحتى تغرب الشمس لذوى الأعذار (٤). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه ينقضى وقت العصر عندهم. إذا صار ظل الشئ مثليه بعد قدر الزوال، وقيل: هو الإصفرار وقيل: غيوب الشمس أي بعض جرمها (٥). ثالثًا: انقضاء وقت المغرب: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أن آخر وقت المغرب ما لم يغب الشفق، لحديث أبى هريرة ﵁: "أول المغرب حين تغرب الشمس وآخره حين يغيب الشفق" (٦) والشفق عند أبى حنيفة هو البياض في الأفق بعد الحمرة، وفى رواية عنه أنه الحمرة وهو قول الصاحبين، ويرجح الرواية الأولى؛ ما رواه أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: "آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق" (٧) وهو لا يكون إلا إذا زال البياض (٨). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى) (٩): أن وقت المغرب المختار ينقضى بقدر فعلها بعد شروطها أي بعد أن يمضى من الوقت بقدر ما يسع ثلاث ركعات ويسع شروطها من طهارتى حدث وخبث كبرى وصغرى، مائيه وترابية، وستر عورة، واستقبال قبلة، ويزاد على شروطها الأذان والإقامة، ويجوز لمحصل الشروط التأخير بقدر تحصيلها، إن كان غير محصل لها، ووقت الضرورة للمغرب ينقضى بطلوع الفجر.
следующие страницы →