← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): إذا لبس الخفين أو جوربين مثلًا على وضوء جاز المسح عليه للمقيم يومًا وليلة. وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ثم لا يحل له المسح، فإذا انقضى هذان الأمدان - يعنى أحدهما - لمن وقت له، صلى بذلك المسح ما لم تنتقض طهارته. فإذا انتقضت لم يحل له أن يمسح لكن يخلع ما على رجليه ويتوضأ ولابدّ، وقال في موضع آخر مستدلًا على رأيه: أما قولنا: إذا انقضى أحد الأمدين المذكورين صلى الماسح بذلك المسح ما لم ينتقض وضوؤه ولا يجوز له أن يمسح حتى ينزعهما ويتوضأ؛ لأن رسول الله ﷺ أمره أن يمسح إن كان مسافرًا ثلاثًا فقط، وإن كان مقيمًا يوما وليلة فقط، وأمره ﵊ بالصلاة بذلك المسح ولم ينهه عن الصلاة به بعد أمده المؤقت له، وإنما نهاه عن المسح فقط، وهذا نص الخبر في ذلك ويؤخذ من هذا النص أن انقضاء مدة المسح غير ناقض للوضوء الذي مسح فيه على الخف بل يظل متوضئًا حتى يحدث، وينحصر أثر انقضاء مدة المسح في المنع من المسح بعدها دون طهارة جديدة بوضوء كامل أو تيمم (١). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): لو مسح المسافر يومًا وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الإقامة بطلت صلاته، إذ قد استكمل مسح المقيم، وإن لبس الخف في الحضر ثم سافر قبل الحدث مَسَحَ مَسْحَ مسافر، وإن أحدث في السفر فمسح ثم أقام أتم مسح مقيم لا غير. ويؤخذ من هذا أن انقضاء المدة مبطل للوضوء الذي مسح فيه على الخف (٢). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): يجب المسح على بشرة القدم، ولا يجوز على حائل من خف أو غيره إلا للتقية أو الضرورة. وإذا زال السبب أعاد الطهارة على قول. وقيل: لا يجب إلا لحدث. وعلى هذا فلا مجال لحديث عندهم عن انقضاء مدة المسح أو عدم انقضائها (٣). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): ولا يرد المسح على الخفين؛ لأنه لا قائل به لعدم صحة الأحاديث المدعى ورودها فيه، كما أنكرته عائشة رضى الله عنها، ولأنه إذا مسح على الخف لم يصدق أنه مسح على الرجلين، والخطاب إنما هو للرِّجل. ولأنه إذا مسح على الخفين ثم نزعهما وصلى لم يصدق عليه أنه صلى بوضوء رجليه. وإذا كانوا ينكرون المسح على الخفين أصلا فلا مجال للحديث عندهم عن أثر انقضاء مدته (٤). أثر انقضاء الوقت في التيمم مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): ويصلى بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل في وقت واحد أو أوقات متعددة ما لم يجد الماء أو يحدث؛ لأن التراب طهور بشرط عدم الماء بالنص، وكل ما هو طهور بشرط يعمل عمله ما بقى شرطه (٥).

стр. 8962

مذهب المالكية: جاء فى (شرح الخرشى): لا يجوز فرضان بتيمم واحد ولو قُصدَا معًا عند التيمم، وإذا وقع بطل الثاني، ولو لمريض لا يقدر على مس الماء، أو إحداهما منذورة أو فائتة أو مشتركة مع الأخرى في الوقت. وأعادهما على المشهور (١). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): لا يجوز للمتيمم أن يصلى بتيمم واحد أكثر من فريضة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: "من السنة ألا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة ثم يحدث للثانية تيممًا". (٢) والسنة في كلام الصحابي تتصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، أما النوافل فيجوز أن يصلى بتيمم واحد ما شاء منها (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): يبطل التيمم بخروج الوقت لقول على ﵁: "التيمم لكل صلاة" (٤) ولأنه طهارة ضرورة فتقيد بالوقت كطهارة المستحاضة. حتى التيمم من جنب لقراءة ولبث في مسجد، وحتى التيمم من حائض لوطء ولطواف ولصلاة جنازة ونافلة فيبطل في هذه الصور كلها بخروج الوقت، هذا ما لم يكن في صلاة جمعة، ويخرج الوقت وهو فيها فلا يبطل ما دام فيها ويتمها، لأنها لا تقضى. فيلزم من تيمم لقراءة ووطء ونحوه كلبث في المسجد إذا خرج الوقت التركُ حتى يعيد التيمم، ولكن لو نوى الجمع في وقت الثانية ثم لها أي للمجموعة أو تيمم لفائتة في وقت الأولى لم يبطل التيمم بخروج وقت الأولى؛ لأن نية الجمع صيرت الوقتين وقتًا واحدًا (٥). وفى (المغنى): إذا خرج وقت الصلاة وهو فيها بطل تيممه وبطلت صلاته؛ لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت صلاته كما لو انقضت مدة المسح على الخفين وهو في الصلاة (٦). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): والمتيمم يصلى بتيممه ما شاء من الصلوات الفرض والنفل ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود ماء (٧). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): ولا يتبع الفرضَ المؤدى بالتيمم إلا نفلُه كسنة الظهر والمغرب والفجر؛ فإنها تدخل تبعًا في تيمم ما هي تبع له لا فرض آخر. وقال الناصر: إنه يصح أن يصَلّى بالتيمم حتى يحدث أو يجد الماء (٨). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): لا ينقض التيمم بخروج الوقت ما لم يحدث أو يجد الماء (٩). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): هل التيمم رافع للحدث وعزيمة، يعنى أنه فرض أصيل غير متفرع على الغسل بالماء فيصلى به ما لم يحدث

стр. 8963

ناقضه ولو صلاة يوم أو أكثر فيجوز قبل الوقت ولا ينقضه إلا ناقض أصله أو مبيح للعبادة ورخصة مفرعة على الوضوء فلا يجوز قبله؛ لأنه كالترخيص في أكل الميتة للمضطر؛ فلا يفعل قبل يقين الاحتياج إليه وينقضه دخول وقت الثانية؟ أقوال، ويرى صاحب (شرح النيل) أنه رافع. وعليه فإن انقضاء وقت الصلاة غير ناقض للتيمم (١). انقضاء أوقات الصلاة أولًا: انقضاء وقت الظهر مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أنه اختلفت الروايات عن أبى حنيفة في آخر وقت الظهر فروى محمد عنه: إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه سوى في الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وهو الذي عليه أبو حنيفة، وروي الحسن بن زياد عنه: إذا صار ظل كل شئ مثله سوى في الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر؛ وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وزفر، وروى أسد بن جعد عنه: إذا صار ظل كل شئ مثله سواء - أي في الزوال خرج وقت الظهر ولم يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شئ مثليه، وعلى هذا يكون بين الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الظهر والفجر، قال الكرخى: هذا أعجب الروايات إليّ لموافقتها لظاهر الأخبار (٢). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه ينتهى آخر وقت الظهر المختار لآخر القامة - وقامة الإنسان سبعة أقدام بقدم نفسه؛ أو أربعة أذرع بذراعه، بغير ظل الزوال، يعنى أن الظل الذي زالت عنه الشمس لا اعتداد به في القامة، بل يعتبر ظل القامة مفردًا عن الزيادة؛ وأما وقته الضرورى: فهو إلى الغروب للظاهرين (٣). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أن آخر وقت الظهر مصيرُ ظلّ كل شئ مثله سوى ظل استواء الشمس أي: غير ظل الشئ حالة الاستواء، وقال الأكثرون: للظهر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة أوله، ووقت اختيار إلى آخره؛ ووقت عذر ووقتُ العصر لمن يجمع (٤). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله بعد الظل الذي زالت عنه الشمس، إن كان للشئ ظل عند الزوال. فيضبط ما زالت عنه الشمس ثم ينظر إلى الزيادة عليه، فإذا بلغت قدر الشخص فقد انقضى وقت الظهر (٥). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): يتمادى وقت الظهر إلى أن يكون ظل كل شئ مثله لا يُعد في ذلك الظل الذي كان له في أول زوال الشمس. لكن يعد مازاد على ذلك، فإذا كبر الإنسان لصلاة الظهر حين ذلك فما قبله أدرك صلاة الظهر بلا ضرورة (٦).

стр. 8964

مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أن آخر وقت للظهر الاختيارى مصيرُ ظلِّ الشئ المنتصب مثله سوى ظل الزوال. واختلف في تقدير المثل في القامة فقيل: إذا بلغ الظل ستة أقدام ونصفًا سوى القدم التي قام عليها فذلك قدر القامة، وقال أبو جعفر: الاعتبار بالمثل دون الأقدام، وهذا هو ظاهر المذهب، فكأن الأقدام ليست إلا تقريبًا وذكر الناصر في كتابه الكبير: أنه يعتبر بالأقدام فكأنه جعلها تحقيقًا؛ وأما وقته الاضطرارى فينتهى إلى بقية من النهار تسع العصر (١). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت الظهر والعصر، ويختص العصر من آخره بمقدار أدائها، وقال آخرون: ما بين الزوال حتى يصير ظل كل شئ مثله وقت للظهر وقيل: بل مثل الشخص، وقيل: أربعة أقدام، وهذا هو المختار، وما زاد على ذلك حتى تغرب الشمس وقت لذوى الأعذار (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه ينقضى وقت الظهر إذا زاد الظل على ظل الزوال بمقدار سبعة أقدام، وقيل: الظهر والعصر مشتركتان وتؤخر الظهر إلى أي وقت من أوقات العصر إلا ما يصير فيه العصر آخرًا، وقيل: يؤخر قدر ما يصلى أول العصر. وهناك أقوال أخرى (٣). ثانيًا: انقضاء وقت العصر: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أن آخر وقت العصر غروب الشمس (٤) لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" (٥). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أن آخر وقت العصر المختار إلى الاصفرار في الأرض والجدر وهو وقت التطفل: أي ميل الشمس للغروب؛ أما آخر وقته الضرورى فهو إلى الغروب (٦). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه ينقضى وقت العصر بالغروب لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". أما وقت الاختيار فينقضى بمصير ظل كل شئ مثليه غير ظل الاستواء (٧). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه ينقضى وقت العصر المختار ببلوغ ظل الشخص مثليه سوى ظل الزوال وهو اختيار الخرقى وغيره، وقطع به القاضي في المنتهى (٨) لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "الوقت ما بين هذين" (٩) وفى رواية أنه

стр. 8965

إلى اصفرار الشمس، واختاره الموفق لما روى عنه ﷺ قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" (١). وأما وقت الضرورة فينقضى بغروب الشمس. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه يتمادى وقت العصر إلى أن تغرب الشمس كلها، إلا أننا نكره تأخير العصر إلى أن تصفر الشمس إلا لعذر، ومن كبر للعصر قبل أن يغرب جميعُ القرص فقد أدرك العصر (٢). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه ينقضى وقت العصر الاختيارى إذا صار ظل الشئ مثليه سوى ظل الزوال. وقالوا أيضًا: إن للعصر وقتين اضطراريين؛ الأول: وقت الظهر جميعه الاختيارى إلا ما يسع الظهر الزوال فإنه ينقضي بالظهر؛ أما الثاني: فينقضى حين يبقى من النهار ما يسع ركعة، وهذا مأخوذ من عبارة (التذكرة)؛ فإنه قال فيها: إلى قبل الغروب بركعة (٣). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه ينقضى وقت العصر بغروب الشمس، وقيل بأن يصير ظل كل شئ مثليه؛ وقيل: ثمانية أقدام آخر وقتها المختار، وحتى تغرب الشمس لذوى الأعذار (٤). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه ينقضى وقت العصر عندهم. إذا صار ظل الشئ مثليه بعد قدر الزوال، وقيل: هو الإصفرار وقيل: غيوب الشمس أي بعض جرمها (٥). ثالثًا: انقضاء وقت المغرب: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): أن آخر وقت المغرب ما لم يغب الشفق، لحديث أبى هريرة ﵁: "أول المغرب حين تغرب الشمس وآخره حين يغيب الشفق" (٦) والشفق عند أبى حنيفة هو البياض في الأفق بعد الحمرة، وفى رواية عنه أنه الحمرة وهو قول الصاحبين، ويرجح الرواية الأولى؛ ما رواه أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: "آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق" (٧) وهو لا يكون إلا إذا زال البياض (٨). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى) (٩): أن وقت المغرب المختار ينقضى بقدر فعلها بعد شروطها أي بعد أن يمضى من الوقت بقدر ما يسع ثلاث ركعات ويسع شروطها من طهارتى حدث وخبث كبرى وصغرى، مائيه وترابية، وستر عورة، واستقبال قبلة، ويزاد على شروطها الأذان والإقامة، ويجوز لمحصل الشروط التأخير بقدر تحصيلها، إن كان غير محصل لها، ووقت الضرورة للمغرب ينقضى بطلوع الفجر.

стр. 8966

مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه ينقضى وقتها بمغيب الشفق الأحمر في القديم (١) لحديث مسلم مرفوعا "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (٢) وفى الجديد، ينقضى وقتها بمضى قدر زمن وضوء وغسل أو تيمم وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات؛ لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها، ورد الاستدلال بأنه إنما بيّن الوقت المختار المسمى بوقت الفضيلة. أما وقتها الجائز الذي هو محل النزاع فلم يتعرض له؛ وإنما استثنى قدر هذه الأمور للضرورة. والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل كما أطلقه الرافعى كالجمهور، ويعتبر أيضا مقدار زمن الاستنجاء وإزالة النجاسة من بدنه وثوبه وتحفظ دائم الحدث، وما يسن لها ولشروطها، وأكل لقم يكسر بها سورة الجوع (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أن للمغرب وقتين: وقت اختيار وهو إلى ظهور النجوم؛ ووقت ضرورة وهو إلى مغيب الشفق الأحمر؛ لأنه ﷺ صلى المغرب حين غابت الشمس ثم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق (٤) وعن عبد الله بن عمر عن النبى ﷺ قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (٥)؛ وهذا بالمدينة. وحديث جبريل كان أول فرض الصلاة بمكة؛ فيكون منسوحًا على تقدير التعارض، أو محمولًا على التأكيد والاستحباب (٦). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) أنه: يتمادى وقت صلاة المغرب إلى أن يغيب الشفق الذي هو الحمرة فمن كبر للمغرب قبل أن يغيب آخر حمرة الشفق فقد أدرك صلاة المغرب بلا كراهة ولا ضرورة (٧). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): آخر وقت المغرب ذهاب الشفق الأحمر؛ فإذا ذهب فذلك آخر اختيار المغرب، أما وقته الاضطرارى فينتهى إلى بقية من الليل تسع العشاء (٨). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أن آخر وقت المغرب ذهاب الحمرة (٩). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أن الأصح أنها تنقضى بغيوب الشفق الأحمر، وقيل: إنه غير موسع إلا بقدر ما يصلى؛ أو يصلى ويتطهر إن احتيج إلى التطهير، وقيل: وقت المغرب إلى الفجر إلا مقدار أربع ركعات أو خمس أو سبع (١٠). رابعًا: انقضاء وقت العشاء: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية) (١١): أن

стр. 8967

آخر وقت العشاء ما لم يطلع الفجر الثاني لما رواه أبو هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: "آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر" (١). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه ينقضى وقت العشاء المختار عندهم بمضى ثلث الليل الأول على المشهور. وقيل: إلى النصف، أما وقتها الضرورى فهو إلى الفجر (٢). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج) (٣): ينقضى وقتها الاختيارى بمضى ثلث الليل؛ وفى قول بمضى نصفه لحديث: "لولا أن أشق على أمتى لأخرت العشاء إلى نصف الليل" (٤)، أما وقتها الضرورى فينقضى بطلوع الفجر الصادق لخبر جبريل مع حديث "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٥). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع) (٦) أن: آخر وقتها المختار إلى ثلث الليل الأول. نص عليه واختاره الأكثر؛ لأن جبريل ﵇ صلاها بالنبى ﷺ في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفى اليوم الثاني حين كان ثلث الليل الأول، ثم قال: "الوقت فيما بين هذين" (٧) وفى رواية يمتد وقت العشاء المختار إلى نصف الليل، اختاره الموفق والمجد، قال في (الفروع): وهو أظهر لما روى أنس أن النبى ﷺ أخرها إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: "ألا صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها" (٨) .. أما وقت الضرورة، فينقضى بطلوع الفجر الثاني. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) أنه: يتمادى وقت صلاة العتمة إلى انقضاء نصف الليل الأول وابتداء النصف الثاني، فمن كبر لها في أول النصف الثاني من الليل. فقد أدرك صلاة العتمة بلا كراهة ولا ضرورة. فإذا زاد على ذلك فقد خرج وقت الدخول في صلاة العتمة (٩). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار) أن: آخر وقتها الاختيارى. ذهاب ثلث الليل الأول، وللعشاء وقتان اضطراريان. الأول: وقت اختيار المغرب إلا قدرًا منه يسع المغرب، وعقيب غروب الشمس، فإنه يختص بالمغرب، الثاني: من آخر اختياره، وينقضى ببقية من الليل تسع ركعة (١٠).

стр. 8968

مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه: ينقضى وقتها المختار بمضى ثلث الليل الأول، وما زاد على ذلك حتى ينتصف الليل للمضطر، وقيل: إلى طلوع الشمس (١). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه يمتد وقت العشاء إلى ثلث الليل الأول، وقيل: إلى نصفه، وقيل: إلى طلوع الفجر (٢). خامسًا: انقضاء وقت الصبح: مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية): أن آخر وقتها ما لم تطلع الشمس لحديث (إمامة جبريل ﵇ (٣). فإنه أمَّ رسول الله ﷺ فيها في اليوم الأول حين طلع وفى اليوم الثاني حين أسفر جدًّا، وكادت الشمس تطلع، ثم قال في آخر الحديث: "ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك" (٤). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه ينقضى وقتها المختار عند الإسفار الأعلى، وهو الذي يتوارى فيه الوجوه؛ والإسفار: الظهور. والأعلى: البين، أما الوقت الضرورى فينقضى بطلوع الشمس (٥). مذهب الشافعية: جاء في "نهاية المحتاج" أنه ينقضى وقتها بطلوع الشمس، والاختيار ألا تؤخر عن الإسفار (٦). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه ينقضى وقتها بطلوع الشمس، وليس لها وقت ضرورة (٧). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه يتمادى وقتها إلى أن يطلع أول قرص الشمس، فمن كبر لها قبل أن يطلع أول قرص الشمس. فقد أدرك صلاة الصبح. إلا أننا نكره تأخيرها؛ على أن يسلم منها قبل طلوع أول القرص إلا لعذر، فإذا طلع أول القرص؛ فقد بطل وقت الدخول في صلاة الصبح (٨). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أن وقت اختيارها ينقضى قبل طلوع الشمس بما يسع ركعة كاملة بقراءتها؛ قال المنصور: من غير قراءة؛ أما وقتها الاضطرارى فهو إدراك ركعة كاملة قبل طلوع الشمس، وقال أحمد بن الحسين وزيد بن علي: لابد من ركعتين في الفجر (٩). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه ينقضى الوقت المختار عند طلوع الحمرة، ومازاد على ذلك حتى تطلع الشمس للمعذور. وقيل: إن ذلك كله وقت فضيلة (١٠).

стр. 8969

مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه يمتد وقت الصبح إلى طلوع الشمس (١). انقضاء وقت الصلاة التي تجمع مع غيرها قبل تحقق شرط الوجوب، أو قبل زوال المانع مذهب الحنفية: جاء في (الفتاوى الهندية): أنه إذا حاضت الصبية في الوقت أو نفست سقط فرضه؛ بقى من الوقت ما يمكن أن يصلى فيه أولا، ولو افتتحت الصلاة آخر الوقت ثم حاضت لا يلزمها قضاء هذه الصلاة، وقالوا: إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضى عليها آخر وقت الصلاة الذي يسع الاغتسال والتحريمة؛ لأن الصلاة لا تجب: عليها إلا إذا وجدت من آخر الوقت هذا القدر (٢). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه إذا طرأ مانع من الصلاة في الوقت المدرك لمن زال عذره، واستمر حتى انقضى الوقت أسقطه، فكما تدرك الحائض مثلًا الظهرين والعشاءين بطهرها لخمس، والثانية فقط بطهرها لدون ذلك؛ كذلك يسقطان إذا حصل الحيض لخمس قبل الغروب، أو تسقط الثانية فقط، وتجب الأولى إن حاضت لدون ذلك. ولو أخرت الصلاة عامدة، كما يقصر المسافر ولو أخرها عامدًا، وعن ابن بشير: ومثل الحيض الإغماء والجنون، وأما الصبا فلا يتأتى لأنه لا يطرأ (٣). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه إذا زالت موانع الصلاة وهى الصبا والكفر والجنون والإغماء والحيض والنفاس؛ وقد بقى من الوقت قدر تكبيرة الإحرام أو قدر ركعة على أحد القولين فقد وجبت صلاة ذلك الوقت، ثم إذا كانت هذه الصلاة تجمع مع غيرها كأن أدرك من وقت العصر أو العشاء قدر تكبيرة الإحرام أو قدر ركعة ففيها رأيان، الأظهر: وجوب الصلاة التي تجمع معها، فتجب الظهر مع العصر. والمغرب مع العشاء؛ وذلك لأن وقت العصر وقت للظهر: ووقت العشاء وقت للمغرب في حالة العذر، ففى حالة الضرورة أولى؛ لأنها فوق العذر، الثاني: أنه لا تجب الأولى، إلا إذا أدرك مع التكبيرة التي في آخر العصر أربع ركعات؛ لأن إيجاب الصلاتين سببه الحمل على الجمع، وصورة الجمع إنما تتحقق إذا أوقع إحدى الصلاتين في الوقت وشرع في الأخرى. وإذا أدرك من أول وقت الصلاة الأولى التي تجمع مع غيرها قدر الفرض ثم عرض له ما يمنع الصلاة كالحيض والنفاس والجنون والإغماء ولم يَزُل المانع حتى خرج وقت الثانية وجبت الأولى كالظهر أو المغرب، ولم تجب الثانية التي تجمع معها؛ لأن وقتَ الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جميعًا بخلاف العكس، بديل عدم جواز تقديم الثانية في جمع التقديم

стр. 8970

وجواز تقديم الأولى؛ بل وجوبه على وجه في جمع التأخير (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إن بقى قدر تكبيرة الإحرام من آخر الوقت ثم زال المانع أو وجد المقتضى للوجوب ببلوغ صبى أو إفاقة مجنون أو إسلام كافر أو طهر حائض أو نفساء وجب قضاؤها وقضاء ما تجمع إليها قبلها، فإن كان زوال المانع أو طروُّ التكليف قبل طلوع الشمس لزمه قضاء الصبح فقط؛ لأن التي قبلها لا تجمع إليها، وإن كان قبل غروبها لزم قضاء الظهر والعصر، وإن كان قبل طلوع الفجر لزم قضاء المغرب والعشاء. لما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس رضى الله عنهما أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلى المغرب والعشاء، فإذا تطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعًا؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه قضاء فرضها كما يلزم فرض الثانية، وإنما تعلق الوجوب بقدر تكبيرة؛ لأنه إدراك فاستوى فيه القليل والكثير، وإن أدرك المكلف من وقت الأولى من صلاتى الجمع قدرًا تجب به ثم جُنَّ أو كانت امرأة فحاضت أو نفست ثم زال العذر بعد وقتها لم تجب الثانية في إحدى الروايتين، ولا يجب قضاؤهاء والرواية الأخرى تجب ويلزم قضاؤها؛ لأنها إحدى صلاتى الجمع فوجبت بإدراك جزء من وقت الأخرى كالأولى. ووجه الرواية الأولى: أنه لم يدرك جزءًا من وقتها ولا وقت تبعها فلم تجب كما لو لم يدرك من وقت الأولى شيئًا (٢). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه إذا حاضت المرأة في أول وقت الصلاة أو في آخر الوقت ولم تكن صلت تلك الصلاة سقطت عنها ولا إعادة عليها، وبرهان ذلك: أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محددًا أوّله وآخره؛ وصح أن رسول الله ﷺ صلى الصلاة في أول وقتها. وفى آخر وقتها فصح أن المؤخر لها إلى آخر الوقت ليس عاصيًا؛ لأنه ﵊ لا يفعل المعصية. فإذا ليست عاصية، فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها. فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها بعد مضى مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيًا لا مصليًا (٣) وفاسقًا بتأخيرها، ومؤخرًا لها عن وقتها، وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد، فإذا طهرت المرأة في آخر وقت الصلاة بمقدار لا يمكنها الغسل حتى يخرج الوقت فلا تلزمها تلك الصلاة ولها قضاؤها. وبرهان صحة ذلك قولنا: إن الله لم يبح الصلاة إلا بطهور. وقد حدد الله للصلاة أوقاتها. فإذا لم يمكنها الطهور وفى الوقت بقية فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يحل لها أن تؤديّها في وقتها، وإذا خرج وقت كل صلاة ذكرناها لم يجز أن يصليها لا صبى يبلغ ولا حائض تطهر ولا كافر يسلم، ولا يصلى هؤلاء إلا ما أدركوا في الأوقات المذكورة (٤).

стр. 8971

مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): أن من سقطت عنه الصلاة لجنون أو سُكر أو حيض قبل أن يتضيق وقت الأداء لم يلزمه القضاء إذ لم تفت حينئذ لجواز التأخير (١)، وفى (شرح الأزهار): أن القضاء يجب على من ترك إحدى الصلوات الخمس إذا تركها في حال تضيق عليه فيه الأداء. فأما إذا تركها قبل أن يتضيق عليه الأداء لم يجب عليه القضاء. نحو أن تحيض المرأة قبل تضيق وقت صلاتها كأول وقت الظهر أو العصر أو الفجر، فإنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة، ونحو من عرض له الجنون أو الإغماء وفى الوقت سعة فإنه لا يلزمه قضاء ما منع عنه ذلك العذر العارض، فلو زال العارض نحو أن يبلغ الصغير ويسلم الكافر ويفيق المجنون ويقدر المريض على الإيماء بالرأس وتطهر الحائض والنفساء وفى الوقت بقية تسع الصلاة أو ركعة منها كاملة مع الوضوء، وجب تأدية الصلاة. فإن لم يفعل وجب عليه القضاء؛ لأنه تركها في حال تضيّق عليه فيه الأداء (٢). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه إذا حصل أحد الأعذار المانعة من الصلاة كالجنون والحيض وقد مضى من الوقت مقدار الطهارة وأداء الفريضة وجب عليه قضاؤه. ويسقط الأداء إن كان دون ذلك على الأظهر، ولو زال المانع فإن أدرك الطهارة وركعة من الفريضة لزمه أداؤها ويكون مؤديًا ولو أهمل قضى، ولو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف الليل إحدى الفريضتين لزمته تلك لا غير، وإن أدرك الطهارة وخمس ركعات قبل الغروب، لزمه الفريضتان، وإذا بلغ الصبى والوقت باق يستأنف على الأشبه، وإن بقى من الوقت دون ركعة بنى على نافلته ولا يجدد نية الفرض (٣). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): قولهم على القول بالاشتراك بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر من أول وقت الأولى التي هي الظهر أو المغرب إلى آخر وقت الثانية التي هي الظهر أو العشاء، تختص الأولى من أول وقتها بمقدار ما تؤدى فيه، وتختص الثانية من آخر وقتها بمقدار ما تؤدى فيه، وظاهر كلام بعض قومنا أن منهم من قال: تختص الثانية، وعليه لا على الأول، تصلى الحائض التي طهرت في آخره ونحوها الأولى لا الثانية، وتقضى الثانية في وقت تجوز فيه الصلاة (٤). أثر انقضاء عدة المطلقة في مرض الموت (٥) هربًا من إرثها مذهب الحنفية: جاء في (فتح القدير) (٦): إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقًا بائنًا فمات وهى في العدة ورثته، وإن مات بعد انقضائها فلا ميراث لها، وهذا يسمى طلاق الفارّ (٧). والأصل

стр. 8972

فيه أن من أبان امرأته في مرض موته بغير رضاها وهى ممن ترثه، ثم مات عنها وهى في العدة ورثته، وقيد بالإبانة؛ لأن الطلاق إذا كان رجعيًا كان توريثها منه باعتبار أن حكم النكاح باق من كل وجه، وقيد بمرض الموت؛ لأنه لو طلقها بائنا في مرض فصح منه ثم مات لم ترث، وبغير الرضا لأنه إذا كان برضاها لا ترثه. وقيد بمن ترثه؛ لأنها إن كانت كتابية أو أمة لا ترث، وبالموت في العدة؛ لأنها إن مات بعد انقضائها لم ترث، وترثه؛ لأن الزوجية سبب إرثها في مرض موته والزوج قصد إبطاله فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدة دفعًا للضرر عنها وقد أمكن؛ لأن النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار، فجاز أن يبقى في حق إرثها منه (١). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): إذا طلق الشخص في مرضه المخوف ثم ماتت فيه فإن الرجل لا يرثها ولو طلقها مريضة؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان بيده، ولو مات الرجل فإن المرأة ترثه؛ لأنه فارٌّ بطلاقها حينئذ من الإرث، سواء كانت مدخولًا بها أم لا. انقضت عدتها وتزوجت أم لا، وكذلك إذا خير الرجل زوجته أو ملَّكها أمرَ نفسها في مرضه المخوف، أو في صحته فاختارت نفسها في المرض فإنها ترثه إذا مات من مرضه ذلك طال مرضه أم قصر، ولا يرثها إن ماتت هي في مرضه، وكذلك إذا تزوج بكتابية أو بأمة مسلمة ثم مرض فطلق زوجته المذكوة ولو بائنًا ثم أسلمت الكتابية أو عتقت الأمة في مرضه الذي مات فيه، فإن هذه الكتابية التي أسلمت والأمة التي عتقت ترثه لاتهامه في منعها منه لما خشى الإسلام أو العتق، وسواء أسلمت أو عتقت في العدة أو بعدها، ومذهب (المدونة): أن الرجل إذا طلق زوجته في مرضه وطال مرضه وانقضت عدتها منه وتزوجت غيره فإن إرثها لا ينقطع منه، بل لو تزوجت أزواجًا وطلقها كل منهم في مرضه المخوف وطال مرضهم ثم ماتوا فإنها ترثهم كلهم، ولو كانت في عصمة رجل آخر حيّ غير المريض، أما إذا صح المريض من مرضه صحة بينة انقطع إرثها. وإن طلقها في مرضه طلقة رجعية ثم صح منه صحة بينة ولم يرتجعها ثم مرض ثانيًا فاأدفها طلاقًا رجعيًا أو بائنًا ثم مات من ذلك المرض فإنها لا ترثه إلا إن بقى من عدة الطلاق الأول بقية؛ لأن الفرض أن الطلاق رجعى ومات في العدة فترثه، فإن لم يبق من عدة الطلاق الأول بقية فإنها لا ترثه بالطلاق في المرض الثاني؛ لأنه طلاق مردف على الأول وقد زالت تهمته في الصحة، هذا ما لم يكن ارتجعها قبل صحته، ثم مرض فطلقها رجعيًّا أو بائنًا فترثه إن مات في مرضه الثاني (٢). مذهب الشافعية: جاء في (الأشباه والنظائر): أن المطلقة ترث في عدة الطلاق الرجعى سواء في مرض الموت أو غيره، أما البائن فلا ترث مطلقًا في مرض الموت وغيره، ولو طلق في مرضه فارًا من الإرث نفذ ولا ترثه في الجديد؛ لئلا يلزم التوريث بلا سبب ولا نسب (٣).

стр. 8973

مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أن الزوج إن كان يتهم في الطلاق بقصد حرمانها الميراث كمن طلقها ابتداء بلا سؤال منها في مرض موته المخوف أو علق طلاقها في مرض موته المخوف على فعل لابد منه شرعًا كالصلاة ونحوها، أو عقلًا كالأكل والنوم ونحوهما ففعلت ولو عالمة أو سألته في مرضه المخوف أن يطلقها طلقة أو طلقتين فطلقها ثلاثًا. أو طلقها أو خلعها في مرضه المخوف بعوض من غيرها أو علقه على مرضه أو فِعْلٍ له ففعله في مرضه المخوف - ورثته في ذلك كله، ولو انقضت العدة ما لم تتزوج أو ترتد؛ لأن عثمان ﵁ ورث بنت الإصبع الكلبية من عبد الرحمن بن عوف وكان طلقها في مرضه فبتها، واشتهر ذلك في زمن الصحابة ولم ينكر، فكان كالإجماع، وروى أن عثمان ﵁ قال لعبد الرحمن: لإن متَّ لأورثنها منك، قال: قد علمتُ ذلك (١)، ولأن قصد المطلق فاسد في الميراث فعوقب بنقيض قصده كالقاتل القاصد استعجال الميراث يعاقب بحرمانه، فإن تزوجت لم ترث من الأول أبانها الثاني أم لا، وكذلك إذا ارتدت فلا ميراث لها منه، ولو أسلمت بعد الارتداد ولو قبل موته، فإن مجرد ردتها وتزوجها يسقط به إرثها؛ لأنها فعلت باختيارها ما ينافى نكاح الأول فإن لم يمت المطلِّق من المرض المخوف ولم يصح منه بل لسع بشئ من القواتل أو أكله سبع ونحوه فترثه أيضًا ما لم تتزوج أو ترتد، ولو أبان المريض في مرض الموت المخوف زوجته قبل الدخول والخلوة ورثته معاقبة له بضد قصده. وإن طلق أربعًا في مرضه المخوف طلاقًا يتهم فيه بقصد حرمانهن فانقضت عدتهن وتزوج أربعًا سواهن ثم مات فالميراث للثمان ما لم تتزوج المطلقات أو يرتددن؛ لأن طلاقهن لم يُسقط ميراثهن، فيشاركن الزوجات، ولو كانت المطلقة واحدة فانقضت عدتها، وتزوج أربعًا سواها ثم مات فالميراث بين الخمس على السواء؛ لأن المطلقة وارثة بالزوجية فكانت أسوة بمن سواها (٢). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أن طلاق المريض كطلاق الصحيح ولا فرق، مات من ذلك المرض أو لم يمت منه، فإن كان طلاق المريض ثلاثًا أو آخر ثلاث أو قبل أن يطأها فمات أو ماتت قبل تمام العدة أو بعدها، أو كان طلاقًا رجعيًا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة فلا ترثه في شئ من ذلك كله، ولا يرثها أصلًا، وكذلك طلاق الصحيح للمريضة وطلاق المريض للمريضة ولا فرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل والحامل المثقلة (٣). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أن من أحكام عدة الطلاق الرجعى الإرث، يعنى أن من مات من الزوجين في عدة الرجعى ورثه الآخر بخلاف عدة البائن فلا موارثة فيها بينهما وقالوا: بعدم الإرث في الطلاق البائن سواء وقع الطلاق في حال الصحة أو المرض (٤).

стр. 8974

مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أن من طلق في مرضه ثم مات في عدتها ورثته ولو طلقها ثلاث أو بائنًا، وسواء في الثلاث أن يكن بمرة أو واحدة بعد واحدة أو تسبق اثنتان ويزيد واحدة في مرضه أو تسبق واحدة ويزيد اثنتين فيه؛ لأنه طلقها إضرارًا لها. فإن طلقها واحدة غير بائنة أو اثنتين في مرضه ولم تتم ثلاث فإنها ترثه وتعتد للوفاة إن لم تنقض عدتها، ولا إرث لها إن انقضت قبل موته. ولو طلقها ثلاث أو بائنًا في مرضه بنية الإضرار، فلو لم يقصد بتطليقها الإضرار لم ترث ولو طلق ثلاثًا أو بائنًا مثل أن تقول له: طلقنى ثلاثًا أو بائنًا أو طلقنى واحدة أو اثنتين أو طلقنى فطلق ما قالت أو ثلاثًا (١). هل انقضاء عدة المطلقة شرط لحل التزوج بمن يحرم جمعها معها ؟ مذهب الحنفية: جاء في (الفتاوى الهندية): أنه لا يجوز أن يتزوج أخت معتدته. سواء كانت العدة من طلاق رجعى أو بائن أو ثلاث أو عن نكاح فاسد أو عن شبهة. وكما لا يجوز أن يتزوج أختها في عدتها فكذلك لا يجوز أن يتزوج واحدة من ذوات المحارم. التي لا يجوز الجمع بين اثنتين منهن. وكذلك لا يجوز أن يتزوج أربعًا سواها. هكذا في (الكافى). وإن قال الزوج: أخبرتنى أن عدتها قد انقضت. فإن كان ذلك في مدة لا تنقضى في مثلها العدة لا يقبل قوله ولا قولها إن أخبرت. إلا أن تفسره بما هو محتمل من إسقاط سقط مستبين الخلق أو نحوه. وإن كان ذلك في مدة تنقضى في مثلها العدة؛ فإن صدقته أو كانت ساكتة أو غائبة فله أن يتزوج أخرى أو أختها إن شاء ذلك. وكذلك إن كذبته في قول علمائنا. كذا في المبسوط ويجوز لزوج المرتدة إذا لحقت بدار الحرب تزوج أختها قبل انقضاء عدتها كما إذا ماتت، فإن عادت مسلمة فإما بعد تزوج الأخت أو قبله. ففى الأول لا يفسد نكاح الأخت لعدم عودة العدة. وفى الثاني كذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأن العدة بعد سقوطها لا تعود بلا سبب جديد، وعندهما ليس له تزوج الأخت (٢). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشي): أنه إذا عقد الشخص على امرأة بنكاح فلا يحل له وطء أختها أو عمتها مثلًا بملك أو نكاح ما دامت الأولى في عصمته. اللهم إلا أن يبينها، إما بأن يخالعها أو يطلقها ثلاثًا أو واحدة وهى غير مدخول بها، أو بخروجها من العدة حيث كان الطلاق رجعيًّا. والقول قولها في عدم انقضاء عدتها؛ لأنها مؤتمنة على فرجها. فإذا ادعت احتباس الدم صدقت بيمينها لأجل النفقة إلى انقضاء السنة، فإذا ادعت بعدها تحركًا نظرها النساء فإن صدقنها لم تحل أختها مثلًا. وإلا لم يلزم الزوج التربص إلى أقصى مدة الحمل، قاله عبد الحق. يؤخذ من هذا أنه لابد من انقضاء العدة إذا كان الطلاق رجعيًّا فقط، أما إذا كان بائنًا فلا يشترط في حل من يحرم الجمع بينهما انقضاء العدة (٣).

стр. 8975

مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه تحل الأخت ونحوها والخامسة للحر والثالثة لغيره في عدة بائن؛ لأنها أجنبية منه؛ لا في عدة رجعية ومتخلفة عن الإسلام ومرتدة بعد وطء وقبل انقضاء العدة لأنهن في حكم الزوجات (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه إذا وقع العقد على إحدى الأختين أو نحوهما ممن يحرم الجمع بينهما في عدة الأخرى بائنًا كانت أو رجعية بطل العقد (٢) لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين" (٣) ولأن البائنة محبوسة عن النكاح لحقه فأشبهت الرجعية. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) بعد أن ذكر أنه لا يحل الجمع في استباحة الوطء بين الأختين من ولادة أو رضاع لا بزواج ولا بملك، قال: فإن أخرجها عن ملكه أو زوجها أو بانت حلت له التي كانت حرامًا عليه، وكذلك إن ماتت الزوجة أو طلقها ثلاثًا أو قبل الدخول حل له زواج الأخرى. وكذلك إن طلقها طلاقًا رجعيًا تمت عدتها منه (٤). مذهب الزيدية: جاء في (البحر الزخار): أن من طلق قبل الدخول حلت له الأخت والخامسة فورًا إجماعًا لا الرجعى إلا بعد العدة إجماعًا (٥). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه إذا طلق واحدة من الأربع حرم عليه العقد على غيرها حتى تنقضى عدتها إن كان الطلاق رجعيًّا. ولو كان بائنًا جاز له العقد على الأخرى في الحال (٦). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه يحرم الجمع بين أختين وإن كانتا من رضاع، ولو كان الجمع بِتَسَرٍّ أو إحداهما بِتَسَرٍّ والأخرى بزواج. وكذا بين البنت والأم والعمة والخالة، فإن الجمع بين محرمتين حرام؛ ولو بتزوج إحداهما أو خطبتها قبل تمام عدتها منه إلا إن كان الطلاق لا تصح فيه الرجعة (٧). انقضاء مدة الإيلاء قبل الفئ أو الطلاق مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية) على الهداية: إن لم يقرب زوجته حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة؛ لأن معنى الإيلاء عندنا إن مضت أربعة أشهر ولم أجامعك فأنت طالقة تطليقة بائنة ولا تحتاج لتفريق القاضي؛ لأنه ظلمها بمنع حقها وهو الوطء في المدة فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضى المدة تخليصنا لها من ضرر التعليق ما دام حلف ألا يقربها في الأربعة أشهر. فوقع بائنًا. وهو المأثور عند عثمان وعلى والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت رضى الله عنهم أجمعين. فإذا مضت أربعة أشهر ولم يقربها فلا يخلو إما أن يكون قد حلف على أربعة أشهر أو

стр. 8976

على الأبد. فإن كان قد حلف على أربعة أشهر فقد سقطت اليمين؛ لأنها مؤمنة به وإن كان الثاني فاليمين باقية لأنها يمين مطلقة ولم يوجد الحنث لترتفع به. إلا أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج؛ لأنه لم يوجد منع الحق بعد البينونة إذ لا حق لها في الجماع بعدها. وهذا اختيار عامة المشايخ. وكان الفقية أبو سهيل الشرغى يقول: يتكرر الطلاق بتكرر المدة يعنى إذا مضت مدة الإيلاء قبل انقضاء عدتها؛ لأن الإيلاء في حق الطلاق بمنزلة شرط متكرر. فكأنه قال: كلما مضت أربعة أشهر ولم أقربك فيها فأنت طالق بائن. ألا ترى أنه لو لم يقربها حتى بانت ثم تزوجها ولم يقربها أربعة أشهر بانت. فدل ذلك على أنه بمنزلة شرط متكرر. والأصح قول العامة لما ذكرنا، أما إن عاد فتزوجها بعد البينونة بمضى أربعة أشهر - بعد انقضاء عدتها عاد الإيلاء. فإن وطئها في المرة وإلا وقعت تطليقة أخرى بمضى أربعة أشهر أخرى؛ لأن اليمين باقية لإطلاقها وبالتزوج حدث حقها فيتحقق الظلم فيزال بالطلاق البائن. فإن تزوجها ثالث عاد الإيلاء ووقعت بمضى أربعة أشهر أخرى إن لم يقريها؛ فإن تزوجها بعد زوج آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاق؛ لتقييده بطلاق هذا الملك. واليمين باقية لإطلاقها وعدم الحنث فيها. فإن وطئها كَفَّرَ عن يمينه لوجود الحنث (١). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): إن لم يحصل انحلال الإيلاء بوجه من الوجوه فللزوجة الحرة دون وليها صغيرة مطيقة أو كبيرة ولو سفيهة أو مجنونة المطالبة بعد الأجل - وهو أربعة أشهر - بالفيئة الآتى تفسيرها. هذا إذا لم يمتنع وطء الزوجة عقلًا كرتقاء، أو عادة كمريضة. أو شرعًا كحائض ومُحرِمة، وإلا فلا مطالبة لها. والفيئة المرادة هنا في اصطلاح الشرع مغيب الحشفة في القبل، فلو غيبها في دبرها فلا ينحل الإيلاء عنه، وافتضاض البكر فلا ينحل فيها بدونه. وإذا وطئها في حال جنونه فإنه ينحل الإيلاء بذلك الوطء لنيلها بوطئه ما تنال في صحته وسقطت مطالبتها. أما إذا حَلَّ الأجل وكان المولِى مريضًا أو محبوسًا لا يقدر على الخلاص بما لا يجحف بماله، والغائب الغيبة البعيدة ومن في معناهم من كل ذي عذر منه أو منها كالحائض، فإذا كان المولى عند انقضاء الأجل غائبًا غيبة بعيدة مسافتها شهران فإنه يبعث إليه ليعلم ما عنده، فإن كانت غيبته أكثر من ذلك طلق الحاكم عليه لكن بعد مضى الأجل رجاء أن يقدم في الأجل. وفهم من هذا أنه معلوم الموضع وإلا فهو مفقود فيطلق عليه لغير الإيلاء لعدم نفقته ونحوها؛ لأن الإيلاء مع الفقد ساقط. فإذا طلبت الزوجة أو طلب السيد بعد الأجل الفيئة فقال المولى: لا أفئ أي أمتنع عن الوطء وعن الطلاق فإن الحاكم يوقع عليه طلقة يملك المولى فيها الرجعة من غير تلوم، وإن لم يمتنع من الوطء، بل قال عند ذلك: أنا أفئ ولم يفعل فإن الحاكم يختبره المرة بعد المرة إلى ثلاث مرات؛ فإن لم يفعل طلق عليه؛ وإذا ادعى المولى أنه جامعها في أجل الإيلاء وكذبته فإن يصدق في ذلك بيمينه،

стр. 8977

ولا فرق بين البكر والثيب، فإن لم يدع الزوج الوطء ولا وعد به ومضى زمن الاختبار فإن الحاكم حينئذ يأمره بالطلاق لزوجته إذا طلبته الزوجة أو سيدها، فإن طلقها فلا كلام. وإن امتنع طَلَّقَ عليه الحاكم بلا تلوم، فإن لم يكن حاكم فصالحو البلد يقومون مقام الحاكم. وإذا رضيت المرأة بعد حلول أجل الإيلاء بالمقام معه بلا وطء وأسقطت حقها في الفيئة ثم رجعت عن ذلك الرضا وطلبت الفراق فلها أن توقعه من غير ضرب أجل، فإما أفاء وإلا طلق؛ لأنه أمر لا صبر عليه للنساء لشدة الضرر ودوامه فكأنها أسقطت ما لم تعلم قدره (١). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): يُمهل المولى أربعة أشهر رفقًا به فإذا انقضت ولم يطأها فيه فللمرأة دون وليها وسيدها مطالبته بعدها بأن يرجع إلى الوطء الذي امتنع عنه بالإيلاء أو يطلق، أي أن لها إن تردد الطلب بين الفيئة والطلاق. وقد صوب الزركشى وغيره ما ذكره الرافعى تبعا لظاهر النص أنها تطالبه بالفيئة، فإن لم يفئ طالبته بالطلاق؛ لأن نفسه قد لا تسمح بالوطء ولأنه لا يجبر على الطلاق إلا بعد الامتناع عن الوطء. ولو تركت حقها بسكوتها عن مطالبته أو بإسقاط المطالبة عنه فلها المطالبة بعده ما لم تنته مدة اليمين، لتجدد الضرر هنا كالإعسار بالنفقة، فإذا انقضت المدة وكان بالمرأة مانع من الوطء كحيض ونفاس وصوم فرض أو مرض لا يمكن معه الوطء فليس لها المطالبة بفيئة ولا طلاق؛ لأن المطالبة إنما تكون لمستحق، وهى لا تستحق الوطء لتعذره من جهتها، وإن كان فيه مانع طبيعى يضر معه الوطء ولو بنحو بطء برء طولب بالفيئة بلسانه، بأن يقول: إذا قدرت فئت؛ لأنه يندفع به إيذاؤه لها ثم إذا لم يفئ طالبته بالطلاق. أما إذا كان به مانع شرعى كإحرام لم يقرب تحلله منه وصوم فرض ولم يستمهل إلى الليل وظهار ولم يستمهل إلى الكفارة بغير الصوم فالمذهب أنه يطالب بالطلاق؛ لأنه الممكن ولا يطالب بالفيئة لحرمة الوطء، ويحرم عليها تمكينه. والطريق الثاني أنه لايطالب بالطلاق بخصوصه ولكنه يقال له: إن فئت عصيت وأفسدت عبادتك. وإن طلقت ذهبت زوجتك، وإن لم تطلق طلقنا عليك. أما إذا قرب التحلل من الإحرام أو استمهل في الصوم إلى الليل أو في الكفارة إلى العتق أو الإطعام فإنه يمهل. فإن عصى بوطء سقطت المطالبة وتأثم بتمكينه قطعًا وإن أبى عند ترافعهما إلى الحاكم الفيئة والطلاق فالأظهر أن القاضي يطلق عليه بسؤالها طلقة واحدة وإن بانت بها نيابة عنه؛ إذ لا سبيل إلى دوام ضررها ولا إجباره على الفيئة لعدم دخولها تحت الإجبار. وإن اختلف الزوجان في إيلاء أو في انقضاء مدته صدق بيمينه عملًا بالأصل وإن اعترفت بالوطء بعد المدة وأنكره سقط حقها من الطلب عملًا باعترافها ولم يقبل رجوعها عنه لاعترافها بوصولها لحقها (٢). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إذا صح الإيلاء

стр. 8978

لاجتماع شروطه ضربت له مدة أربعة أشهر، ولا يطالب بالوطء فيهن، فإذا مضت الأربعة الأشهر ولم يطأ ولم تعفه من آلى منها ورافعته إلى الحاكم أمره بالفيئة وهى الجماع، فإن أبى المُولى الفيئة أمره الحاكم بالطلاق. فإن لم يطلق المولى طَلَّقَ عليه الحاكم. أما إذا انقضت المدة وبالمرأة عذر يمنع الوطء كحيض وإحرام لم تملك طلب الفيئة ولا المطالبة بالطلاق، لأن الوطء ممتنع من جهتها، ولأن المطالبة مع الاستحقاق، وهى لا تستحق في هذه الأحوال. وتتأخر المطالبة بالوطء أو الطلاق إلى حين زوال العذر، وإن كان العذر بالمولى وهو مما يعجز به عن الوطء من مرض أو حبس يعذر فيه بأن كان عليه دين لا يمكنه أداؤه أو غيره لزمه أن يفئ بلسانه في الحال فيقول: متى قدرت جامعتك؛ لأن القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من الاعتذار. والقول مع العجز يقوم مقام فعل القادر. وإن كان المولى غائبًا لا يمكنه القدوم لخوف بالطرق أو نحوه فاء فيئة المعذور؛ لأنه متى قدرت جامعتها. وإن أمكنها الحضور فلها أن توكل من يطالبه بالسير إليها أو يحملها إليه ليوفيها حقها من الفيئة أو يطالبه بالطلاق إن لم يفعل؛ لأنه غير معذور إذن (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم -بعد أن بيَّن ما يكون به الإيلاء-: يلزم الحاكم أن يوقفه ويأمره بوطئها ويؤجل له في ذلك أربعة أشهر من حين يحلف سواء طلبت المرأة ذلك أو لم تطلب رضيت ذلك أو لم ترض، فإن فاء في داخل الأشهر الأربعة فلا سبيل عليه وإن أبى لم يعترض حتى تنقضى الأشهر الأربع، فإن تمت أجبره الحاكم بالسوط على أن يفئ فيجامع أو يطلق حتى يفعل أحدهما كما أمره الله أو يموت قتيل الحق إلى مقت الله تعالى؛ إلا أن يكون عاجرًا عن الجماع لا يقدر عليه أصلًا فلا يجوز تكليفه ما لا يطيق. لكن يكلف أن يفئ بلسانه ويحسن الصحبة والمبيت عندها أو يطلق ولابد من أحدهما. ولا يجوز أن يطلق عليه الحاكم، فإن فعل لم يلزمه طلاق غيره، وسواء استثنى في يمينه أو لم يستثن. برهان ذلك قول الله : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) فهذه الآية تقتضى كل ما قلنا (٣). مذهب الزيدية: جاء فى (شرح الأزهار): إذا آلى من زوجته رافعته إلى الحاكم بعد مضى أربعة أشهر فتطالبه برفع التحريم، وإن كانت قد عفت عن المطالبة فلها أن تطالبه إن رجعت عن العفو في مدة الإيلاء. فإن رجعت بعد مضيها لم يكن لها أن ترافعه بعد ذلك؛ لأنه قد ارتفع التحريم، فإن لم تعف عنه كان لها مطالبته بعد أربعة أشهر ولو قد مضت مدة الإيلاء عندنا. وولاية المرافمة في الإيلاء إلى الزوجة سواء كانت حرة أو أمة لا إلى الولى فلا يطالب لصغيرة أو مجنونة ولا للسيد

стр. 8979

عن أمته؛ وإن رافعته إلى الإمام أو الحاكم أمره بأن يفئ أو يطلق (١). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): إذا انقضت مدة التربص لم تطلق بانقضاء المدة، ولم يكن للحاكم طلاقها وإن رافعته فهو مخير بين الطلاق والفيئة، فإن طلق فقد خرج من حقها وتقع طلقة رجعية على الأشهر، وكذا إذا فاء، وإن امتنع عن الأمر حبس وضيق عليه حتى يفئ أو يطلق (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): إن لم يمس زوجته حتى مضت الأشهر الأربعة بانت بالإيلاء أي انفصالها بحلفه؛ وهو طلاق واحد إن لم ينو أكثر ولا يملك رجعتها ويخطبها إن شاء في جملة الخطاب (٣). انقضاء المدة التي يضربها القاضي للعنين مذهب الحنفية: جاء في (شرح العناية على الهداية): إذا كان الزوج عنينًا أجَّله الحاكم سنةٌ ابتداؤها من وقت الخصومة. فإن وصل إليها وإلا فرق الحاكم بينهما. إذا طلبت المرأة ذلك. وهو قول عمر وعلى وابن مسعود؛ لأن حقها ثابت في الوطء ويحتمل أن يكون الامتتاع لعلة معترضة ويحتمل أن يكون لآفة أصلية فلابد من مدة معرّفة لذلك وقدرناها بالسنة لاشتمالها على الفصول الأربعة؛ لأن العجز قد يكون لفرط رطوبة فيتداوى بما يضاده من اليبوسة أو بالعكس من ذلك. فإذا مضت ولم يصل إليها تبيَّن أن العجز بآفة أصلية ففات الإمساك بالمعروف ووجب عليه التسريع بالإحسان، فإذا امتنع ناب القاضي منابه ففرق بينهما. ولابد من طلبها؛ لأن التفريق حقها. وتلك الفرقة تطليقة بائنة؛ لأن فعل القاضي أضيف إلى الزوج فكأنه طلقها بنفسه، ولأن المقصد وهو دفع الظلم عنها ولا يحصل إلا بها؛ لأنها لو لم تكن بائنة تعود معلقة بالمراجعة (٤). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه يتأجل المعترض سنة. وإذا ادعى بعد السنة أنه وطئ فيها صدق المعترض بيمينه بعد إقراره بالاعتراض وضرب الأجل. فإن لم يدع الوطء بعد انقضاء السنة بل وافقها على عدمه فإنه يؤمر بالطلاق إن اختارته الزوجة، فإن طلق الزوج فواضح وله أن يوقع من الطلاق ما شاء. وإن أبى أن يطلق فهل يطلق الحاكم عليه واحدة بائنة. فإن زاد لم يلزم الزائد بخلاف الزوج. أو يأمر الحاكم الزوجة بإيقاع الطلاق فتوقعه ثم يحكم بذلك؟ قولان (٥). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): إذا ثبتت العنة ضرب القاضي له سنة بطلبها لقضاء عمر ﵁. وحكى فيه الإجماع، فإذا مضت السنة ولم يطأها

стр. 8980

علم أن عجزه خلقى ورفعته إلى الحاكم لامتناع استقلالها بالفسخ. فإن قال: وطئتُ فيها أو بعدها وهى ثيب حلف إن طلبت يمينه لتعذر إثبات الوطء؛ أما إذا كانت بكرا غير غوراء شهد ببكارتها أربع نسوة فتصدق هي؛ لأن الظاهر معها. ويحلف وجوبًا كما رجحه في (الشرح الصغير). فإن نكل عن اليمين حلفت هي على أنه لم يطأها؛ إذ النكول كالإقرار، فإن حلفت أو أقر هو بالعنة استقلت هي بالفسخ لكن بعد قول القاضي ثبتت العنة أو حق الفسخ، وقيل: يحتاج إلى إذن القاضي لها في الفسخ أو فسخه بنفسه. لاحتياجه إلى نظر واجتهاد، ورد بالاكتفاء بما سبق (١). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى): أنه: إذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها أُجِّل سنة منذ ترافعه. فإن مضت السنة ولم يصبها فيها خيرت بين المقام معه أو فراقه، فإن اختارت فراقه لم يجز الفسخ إلا بحكم الحاكم؛ لأنه مختلف فيه، فإما أن يفسخ. وإما أن يرد إليها فتفسخ هي في قول عامة القائلين، ولا يفسخ حتى تختار الفسخ وتطلبه؛ لأنه لحقها فلا تجبر على استيفائه كالفسخ بالإعسار فإن فسخ فهو فسخ لا طلاق (٢). مذهب الظاهرية: جاء في "المحلى": أنه من تزوج امرأة فلم يقدر على وطئها سواء كان وطئها مرة أو مرارًا أو لم يطأها قط فلا يجوز للحاكم ولا لغيره أن يفرق بينهما أصلًا، ولا أن يؤجل له أجلًا وهى امرأته إن شاء طلق وإن شاء أمسك (٣). مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه لا يفسخ العنين إلا بعد استمهاله سنة شمسية غير أيام العذر، فلا تحسب عليه أيام الحيض والإحرام وصوم الفرض، فإذا انقضت المدة ولم يطأها فهل يكفى فسخ المرأة أم لابد من فسخ الحاكم؟ فحكى في (الزوائد) عن أحمد بن الحسين وأحد قولى الناصر: أنه يحتاج إلى حكم الحاكم ولا يكفى فسخها، وقال في (الكافى): لا يحتاج إلى حكم حاكم (٤). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه إذا ثبت العنين فإن صبرت فلا كلام، وإن رفعت أمرها إلى الحاكم أجّلَهُ سنةٌ من حين الترافع، فإن واقعها أو واقع غيرها فلا خيار، وإلا فلها الفسخ ونصف المهر (٥). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): أنه إن وجد فتل (٦) بالزوج أتت واجدته به حاكمًا فيؤجِّله سنة. فإن قدر وإلا خرجت بلا طلاق إلا إن شاءت أن تقيم، وقيل: بطلاق ونسب للأكثر، ويتوارثان بموت فيها ما لم يفرق بينهما (٧).

стр. 8981

انقضاء أجل الدَّين مذهب الحنفية: جاء في (حاشية ابن عابدين): لا يحبس في دين مؤجل؛ لأنه لا يطالب به قبل حلول أجله. وكذا لا يمنع من السفر قبل حلول الأجل، فإن حل منعه منه حتى يوفيه. وإذا حل الدين فللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به؛ لأن حقه باق بعد الرهن والرهن لزيادة الصيانة، فلا يمنع من المطالبة والحبس جزاء الظلم (١). مذهب المالكية: جاء في (شرح الخرشى): أنه ينقضى أجل الدين المؤجل بإفلاس المدين أو بموته على المشهور؛ لأن الذمة في الحالتين قد خربت والشرع قد حكم بحلوله، ولأنه لو لم يحل للزم إما تمكين الوارث من القسم أو عدم تمكينه وكلاهما باطل؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). ولا يحكم بالتفليس إلا بثلاثة شروط، الأول: أن يطالبه أرباب الديون بديونهم الحالَّة كلهم أو بعضهم. الثاني: أن يكون الدين المطلوب تفليسه به قد حل أصالة أو لانتهاء أجله؛ إذ لا حجر بدين مؤجل. الثالث: أن يكون الدين الحال زائدًا على مال المفلس؛ إذ لا حجر بالدين المساوى. أو يبقى من ماله بعد وفاء الحال ما لا يفى بالدين المؤجل (٣). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه يحل الدين بانقضاء أجله أو بالموت أو بالردة المتصلة به أو استرقاق الحربى، وفى (أصل الروضة) أنه يحل بالجنون. فمن له دين مؤجل فليس له أن يطالب به حتى يحل أجله، فإذا حل فإن كان المدين له مال يزيد على دينه الزمه الحاكم بقضاء دينه. فإن امتنع باع عليه أو أكرهه عليه، وإن كان المال بقدر الدين، فإن كان كسوبًا فلا يحجر عليه وإن لم يكن كسوبًا فالأصح ألا حجر عليه لتمكن الغرماء من المطالبة في الحال. والثانى: يحجر عليه كيلا يضيع المال في النفقة (٤). مذهب الحنابلة: جاء في (المغنى مع الشرح الكبير): أن من لزمه دين مؤجل لم يطالب به حتى يحل أجله فإذا انقضى أجله وأصبح حالًا فإن كان له مال يفى بالدين لم يحجر عليه لعدم الحاجة إلى ذلك. ويأمره الحاكم بالوفاء، فإن أبى حبسه لقول رسول الله ﷺ : "ليُّ الواجد يُحل عِرضَه وعقوبَته. (٥) فعقوبته حبسه، وعِرضه أن يغلظ له في القول. فيقال له: يا ظالم يا متعدى ونحو ذلك. فإذا حبس فصبر على الحبس ولم يقض الدين قضى الحاكم دينه من ماله وإن احتاج إلى بيع ماله في قضاء دينه باعه وقضى دينه؛ وإن كان له مال لا يفى بالدين فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم إذا اتفق الغرماء على طلبه، ولا يجوز الحجر عليه بغير سؤال غرمائه، وكذلك إن سأل بعضهم، ويجب إظهار الحجر والإشهاد عليه، فإن لم يظهر له مال وادعى

стр. 8982

الإعسار فصدقه غريمه لم يحبس ووجب انتظاره ولم يجز ملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): "أنه يسوَّى في الحكم بين جميع الديون متى ثبتت على المدين. سواء كانت مؤجلة وانقضى أجلها أو كانت حالَّة" (٢). وعلى هذا لم نجد داعيًا لذكر آرائهم في هذا الموضوع. مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار): أنه يجب أن يحجر الحاكم على المدين بدين حالٍّ لا مؤجل قبل حلول أجله، وليس للحاكم أن يحجر على المدين إلا إن طلبه خصومه وهم أهل الدين، وإذا طلب البعض فإنه يلزم الحاكم أن يحجر لذلك الطلب فيكون الحجر لكلهم وللحاكم أن يبيع عليه ماله لقضاء دين الغرماء. وإنما يبيع عليه بعد تمرده من البيع بنفسه، وحكى عن الناصر وزيد بن علي أن الحاكم لا يبيع عليه بل يحبسه حتى إلا الدراهم والدنانير، قال في الكافى: ولا خلاف أنه يباع على المتمرد (٣). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): أنه إذا حل أجل الدين وكانت أموال المدين قاصرة على الأداء فلصاحب الدين أن يطلب من الحاكم الحجر عليه. فإذا حجر عليه تعلق به منع التصرف لتعلق حق الغرماء واختصاص كل غريم بحق ماله وقسمت أمواله بين غرمائه. ومن وجد من الغرماء عين ماله أخذها ولو لم يكن سواها، ولو وجد بعض المبيع سليمًا أخذه وضرب بالباقى مع الغرماء. وإذ حل الأجل وتعذر الأداء كان للمرتهن البيع إذا كان وكيلًا وإلا رفع أمره إلى الحاكم ليلزمه بالبيع، فإن امتنع كان له حبسه وله أن يبيع عليه (٤). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل)؛ أنه إذا حل أجل الدين جاز لصاحبه لزوم المدين، وإذا انقضى أجل الدين جاز للمرتهن والمسلط على البيع بعد حلول أجل دينه بيع رهنه (٥).

стр. 8983

مصطلح انقطاع التعريف اللغوى: انقطاع مصدر للفعل انقطع؛ وهو من أفعال المطاوعة، يقال: قطعته فانقطع، وهو فعل خماسى مزيد بالألف والنون، ومادته (قطع)، والقطع إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلًا: ويقال: قطعه يقطعه قطعًا وقطيعة وقطوعًا، وقطعه واقتطعه فانقطع وتقطَّع. شُدِّد للكثرة، ومقطع كل شئ ومنقطعه آخره حيث ينقطع كمقاطع الرمال والأودية. وقطع الماء قطعًا، شقه وجازه، وانقطع الشئ: ذهب وقته، ومنه قولهم: انقطع البرد والحر، وانقطع الكلام، أي وقف فلم يمض (١). التعريف الشرعى: لم يخرج الفقهاء في استعمالهم لمادة (انقطع، وقطع) عن المعنى اللغوى لها فقد وردت بمعنى انتهاء الشئ، ومن ذلك قولهم: من أحكام الحيض أن المرأة يلزمها الاغتسال إذا انقطع عنها الدم (٢). وكذلك قولهم: إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها في حياة الواقف، بأن وقف على أولاده، أو أولاد زيد فقط، فانقرضوا في حياته رجع الوقف إلى الواقف وقفًا عليه (٣). انقطاع دم الحيض والنفاس وما يترتب عليه: مذهب الحنفية: اختلف الحنفية في وجوب الغسل بالنسبة لدم الحيض والنفاس، هل الموجب للغسل هو خروج الدم أو انقطاعه؟ فجاء في (متن الكنز وشرحه (٤): يجب الغسل عند خروج دم حيض ونفاس، وخروجه بوصوله إلى فرجها الخارج، وإلا فليس بخارج فلا يكون حيضًا، أما الحيض فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥) بتشديد الطاء والهاء أي يغتسلن فلولا أن الغُسل واجب لما منع من حقه الواجب؛ وهو القربان، وقال في (الحواشى): والأصح أن الخروج من الحيض هو الموجب؛ لأن انقطاع الدم شرط لوجوب الاغتسال، واستحال أن يكون انقطاع السبب شرطًا لوجوب المسَّبب. وَعَلَّقَ الزيلعى على ذلك بقوله: وهذا فيه نظر؛ لأن الخروج عن الحيض ليس فيه إلا الطهارة، ومن المحال أن الطهارة توجب الطهارة، وإنما توجبها النجاسة، وهذا لأن الحيض منجس كسائر الأحداث … فوجب تطهيره منه؛ وإنما لم تغتسل قبل الانقطاع لعدم الفائدة؛ إذ الدم مستمره لا لأن الاغتسال لا يرفع الحدث المتقدم. وإذا طهرت المرأة من الحيض وعليها من الوقت مقدار ما تغتسل فيه فعليها قضاء تلك الصلاة. وإن كان عليها من الوقت مقدار ما لا تستطيع أن تغتسل فيه فليس عليها قضاء تلك الصلاة. وهذا إذا كانت أيامها دون العشرة، فأما إذا كانت أيامها عشرة فانقطع الدم وقد مر عليها من الوقت شئ قليل أو كثير فعليها قضاء تلك الصلاة، هكذا فسره في نوادر أبى سليمان رحمه الله تعالى؛ لأنه إذا كانت أيامها عشرة فبمجرد انقطاع الدم تيقنا خروجها من الحيض؛

стр. 8984

لأن الحيض لا يكون أكثر من ذلك. فإذا أدركت جزءًا من الوقت لزمها قضاء تلك الصلاة سواء تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن بمنزلة كافر أسلم وهو جنب أو صبى بلغ بالاحتلام في آخر الوقت فعليه قضاء تلك الصلاة سواء تمكن من الاغتسال في الوقت أو لم يتمكن. وأما إذا كانت أيامها دون العشرة فمدة الاغتسال من جملة حيضها على ما قال الشعبى: حدثنى سبعة عشر نفرًا من الصحابة أن الزوج أحق برجعتها ما لم تغتسل. وهذا لأن صاحبة هذه البلوى لا تكاد ترى الدم على الولاء ولكنه يسيل تارة وينقطع أخرى فبمجرد الانقطاع لا تخرج من الحيض لجواز أن يعاودها، فإذا اغتسلت يحكم بطهارتها شرعًا، فإذا ثبت أن مدة الاغتسال من حيضها قلنا: إذا أدركت من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتفتتح الصلاة فقد أدركت جزءًا من الوقت بعد الطهارة فعليها قضاء تلك الصلاة وإلا فلا. وعلى هذا حكم القربان للزوج: إن كانت أيامها عشرة فمتى انقطع الدم جاز للزوج أن يقر بها عندنا، وعند زفر رحمه الله تعالى ليس له ذلك ما لم تغتسل؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) والأطهار بالاغتسال. ودليلنا أنه بمجرد انقطاع الدم تيقنا خروجها من الحيض والمانع من الوطء الحيض لا وجوب الاغتسال عليها، ألا ترى أن الطاهرة إذا كانت جنبًا فللزوج أن يقربها. فكذلك هنا بعد التيقن بالخروج من الحيض للزوج أن يقربها، ولو كانت أيامها دون العشرة فانقطع دمها لم يكن للزوج أن يقربها ما لم تغتسل؛ لأن مدة الاغتسال من حيضها، فإن مضى عليها وقت صلاة فللزوج أن يقربها عندنا، وقال زفر رحمه الله تعالى: ليس له ذلك لبقاء فرض الاغتسال عليها، كما لو كان قبل مضى الوقت. وإذا انقطع دم المرأة دون عادتها المعروفة في حيض أو نفاس اغتسلت حين تخاف فوت الصلاة وصلت وتجنبها زوجها احتياطًا حتى تأتى على عادتها؛ لأن حيض المرأة لا يبقى على صفة واحدة في جميع عمرها بل يزداد تارة وينقص أخرى، فالانقطاع قبل تمام عادتها طهر ظاهر على احتمال أن لا يكون طهرًا بأن يعاودها الدم، فإن الدم لا يسيل في زمان الحيض على الولاء فينبغى لها أن تأخذ بالاحتياط. مذهب المالكية: جاء في (الشرح الكبير) (٢): أن أكثر الحيض للمبتدأة غير حامل تمادى بها الدم نصف شهر أي خمسة عشر يومًا؛ فإن انقطع قبله طهرت مكانها، وليس المراد بتماديه استغراقه الليل والنهار بل إذا رأت باستمراره قطرة في يوم أو ليلة حسبت ذلك اليوم أو صبيحة تلك الليلة يوم دم، وإن كانت تغتسل وتصلى كلما انقطع كأقل الطهر فإنه نصف شهر لمبتدأة وغيرها، ولا حد لأكثره. قال في المدونة: والتي أيامها غير ثابتة تحيض في شهر خمسة أيام؛ وفى آخر أقل أو أكثر إذا تمادى بها الدم تستظهر على أكثر أيامها وإذا رأت الطهر يومًا والدم يومًا أو يومين واختلط هكذا لفقت من أيام الدم عدة أيامها التي كانت تحيض وألغت أيام الطهر ثم تستظهر

стр. 8985

بثلاثة أيام؛ فإن اختلط عليها الدم في أيام الاستظهار أيضا لفقت ثلاثة أيام من أيام الدم هكذا ثم تغتسل وتصير مستحاضة بعد ذلك والأيام التي استظهرت بها هي فيها حائض وهى مضافة إلى الحيض رأت بعدها دمًا أم لاء إلا أنها في أيام الطهر التي كانت تلغيها تتطهر عند انقطاع الدم في خلال ذلك وتصلى وتصوم وتوطأ وهى فيها طاهر، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الدم قد ضُم بعضه إلى بعض فجعل حيضة واحدة. مذهب الشافعية: جاء في (المهذب) (١): أنه إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيه أمسكت عما تمسك عنه الحائض، فإن انقطع لدون اليوم والليلة كان ذلك دما فاسدًا فتتوضأ وتصلى، وإن انقطع ليوم وليلة أو لخمسة عشر يومًا أو لما بينهما فهو حيض فتغتسل عند انقطاعه سواء كان الدم على صفة دم الحيض أو غير صفته، وسواء كان لها عادة فخالفت عادتها أو لم تكن. ويقاس النفاس على الحيض فيما ذكر، والوطء بعد انقطاع الدم إلى الطهر كالوطء في آخر الدم كما في المجموع. مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع) (٢): أنه إذا انقطع الدم أي الحيض أو النفاس - أبيح فعل الصيام؛ لأن وجوب الغسل لا يمنع فعله كالجنب، وأبيح الطلاق؛ لأن تحريمه لتطويل العدة بالحيض وقد زال ذلك ولم يبح غيرهما حتى تغتسل، قال ابن المنذر: هو كالإجماع، وحكى إسحاق بن راهويه إجماع التابعين؛ لأن الله شرط لحل الوطء شرطين: انقطاع الدم والغسل فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣) أي ينقطع دمهن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن بالماء فأتوهن كذا فسر ابن عباس. وإن انقطع الدم لأقل الحيض، فإن انقطع عند مضى اليوم والليلة كان حيضًا؛ لأنه الأصل واغتسلت له؛ لأنه آخر حيضها، وإن جاوز الدم أقل الحيض بأن زاد على يوم بليلته ولم يجاوز الأكثر أي أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا بأن انقطع لخمسة عشر فما دونها لم تجلس المجاوز؛ لأنه مشكوك فيه بل تغتسل عقب أقله أي الحيض؛ لأنه آخر حيضها حكمًا أشبه آخره حسًا وتصوم وتصلى فيما جاوزه؛ لأن المانع منهما هو الحيض وقد حكم بانقطاعه، ويحرم وطؤها في الدم أي زمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره نصًا؛ لأن الظاهر أنه حيض، وإنما أمرناها بالعبادة احتياطًا لبراءة ذمتها فتعين ترك وطئها احتياطًا، فإن انقطع الدم يومًا فأكثر أو أقل قبل مجاوزة أكثره اغتسلت عند انقطاعه لاحتمال أن يكون آخر حيضها فلا تكون طاهرًا بيقين إلا بالغسل وحكمها حكم الطاهرات في الصلاة وغيرها؛ لأنها طاهرة لقول ابن عباس: أما من رأت الطهر ساعة فلتغتسل ويباح وطؤها إذا اغتسلت بعد انقطاع دمها؛ لأنها طاهرة. فإن عاد الدم فكما لو لم ينقطع؛ لأن الحكم يدور مع علته وتغتسل عند انقطاعه أي الدم غسلًا ثانيًا. تفعل ذلك الفعل وهو جلوسها يوما وليلة وغسلها عند آخرها. ولاحد لأقل النفاس؛ لأنه لم يرد في

стр. 8986

الشرع تحديده فيرجع فيه إلى الوجود؛ وقد وجد قليلًا عقب سببه فكان نفاسًا كالكثير فيثبت حكم النفاس من وجوب الغسل ونحوه ولو بقطرة؛ وعنه أقله يوم؛ فإن انقطع الدم في مدته أي في الأربعين يوم فهى طاهر لانقطاع دم النفاس كما لو انقطع دم الحائض في عادتها. ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير، قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبى العاص أنها أتته قبل الأربعين فقال: لا تقربينى. ولأنه لا يأمن عود الدم في زمن الوطء فإن عاد الدم بعد انقطاعه في الأربعين يومًا فمشكوك في كونه نفاسًا أو فسادًا؛ لأنه تعارض فيه الأمارات كما لو لم تر الدم مع الولادة ثم رأته في المدة أي في الأربعين فمشكوك فيه فتصوم وتصلى أي تتعبد؛ لأنها واجبة في ذمتها بيقين وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه، وفى غسلها لكل صلاة روايتان قال في تصحيح الفروع: الصواب عدم الوجوب. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) (١): انقطاع دم الحيض في مدة الحيض ومن جملته دم النفاس يوجب الغسل لجميع الجسد والرأس وهذا إجماع متيقن. وإذا رأت الحائض الطهر لم تحل لها الصلاة ولا الطواف بالكعبة حتى تغسل جميع رأسها وجسدها بالماء، أو تتيمم إن عدمت الماء أو كانت مريضة عليها في الغسل حرج. وإن أصبحت صائمة ولم تغتسل فاغتسلت أو تيممت إن كانت من أهل التيمم - بمقدار ما تدخل في صلاة الصبح صح صيامها، وهذا كله إجماع متيقن، ولقول رسول الله ﷺ : "وإذا أدبرت الحيضة فتطهرى" (٢) ولقول الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٣) وقد أخبر ﵇ أن الأرض طهور إذا لم نجد الماء فوجب التيمم للحائض عند عدم الماء، وفى تأخيرها الغسل والتيمم عن هذا المقدار خلاف. وأما وطء زوجها أو سيدها لها إذا رأت الطهر فلا يحل إلا بأن تغسل جميع رأسها وجسدها بالماء أو بأن تتيمم إن كانت من أهل التيمم، فإن لم تفعل فبأن تتوضأ وضوء الصلاة أو تتيمم إن كانت من أهل التيمم، فإن لم تفعل فبأن تغسل فرجها بالماء ولابدّ أي هذه الوجوه الأربعة، فإن فعلت حل له وطؤها وبرهان ذلك قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٤). فقوله: حتى يطهرن معناه حتى يحصل لهن الطهر الذي هو عدم الحيض، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ هو صفة فعلهن، وكل ما ذكرنا يسمى في الشريعة وفى اللغة تطهرًا وطهورًا وطهرًا فأى ذلك فعلت فقد تطهرت. ولم يختلف أحد في أن دم النفاس إن كان دفعة ثم انقطع الدم ولم يعاودها فإنها تصوم وتصلى ويأتيها زوجها. ثم قال ابن حزم: إن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض كما قدمنا تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فإن تلون أو انقطع إلى سبعة عشر يومًا فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصلى

стр. 8987

وتصوم ويأتيها زوجها، وإن تمادى أسود تمادت على أنها حائض إلى سبع عشرة ليلة، فإن تمادى بعد ذلك أسود فإنها تغتسل ثم تصلى وتصوم ويأتيها زوجها وهى طاهر أبدًا لا ترجع إلى حكم الحائض إلا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا فيكون حكمها إذا كان أسود حكم الحيض، وإذا تلون أو انقطع أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر. مذهب الزيدية: جاء في (شرح الأزهار) (١) أنه: إذا انقطع دم الحيض لدون ثلاث صلت - بالوضوء لا بالغسل - وعملت بأحكام الطهر. فإن تم ذلك الانقطاع طهرًا بأن استمر عشرة أيام كوامل قضت الفائت من الصلوات التي تركتها حال رؤية الدم. وإن لم يتم ذلك الانقطاع طهرًا بل عاد الدم قبل مضى عشرة أيام تحيضت أي عملت بأحكام الحيض ثم تفعل كذلك حال رؤية الدم وحال انقطاعه. وظاهر إطلاقهم أنه يجوز وطؤها حال انقطاع الدم مع الكراهة؛ وقال في (شرح البحر): لا يجوز تغليبًا لجنبة الحظر. وإذا امتنعت الزوجة من الغسل أو التيمم عند انقطاع الدم قال الفقيه يحيى بن أحمد: لا يجوز وطؤها وإن طالت المدة ذكره في (الكافى). وقال في (زوائد الإبانة): إذا امتنعت من التيمم جاز لزوجها وطؤها من غير تيمم، وإن امتنعت من الغسل مع القدرة على الماء لم يجز وطؤها. وإن انقطع الحيض ولو قبل الطلاق تربصت أي ليس لها أن تعتد بالأشهر بل تنتظر الحيض حتى يعود فتبنى إذا عاد الحيض وقد كانت حاضت بعد الطلاق ولا تستأنف أو حتى تيأس عن رجوع الحيض؛ وذلك بأن يبلغ عمرها ستين سنة؛ فإذا أيست عن رجوع الحيض ببلوغ هذه المدة فتستأنف العدة بالأشهر ولا تبنى على ما قد مضى من الحيض إذا كانت قد حاضت. وهل يكره وطء النفساء ولو انقطع دمها قبل كمال عشرة أيام في الانقطاع؟ قال الإمام يحيى: يكره وهو المروى عن علي ﵇ وابن عباس. فإن جاوز الأربعين فكالحيض إذا جاوز العشر في أن المبتدأة ترجع إلى عادتها فإنها والمعتادة ترجع إلى عادتها، فإن جاوز دمها الأربعين وكان ما بعد الأربعين وقت حيضها فهو استحاضة، ذكره المؤيد بالله لئلا يؤدى إلى توالى الحيض والنفاس من غير تخليل طهر. ولا يعتبر الدم في انقضاء العدة به أي بالنفاس، وهذا الحكم مجمع عليه. مذهب الإمامية: جاء في (الروضة البهية) (٢) أنه: يجب على النفساء إذا انقطع دمها في الظاهر الاستظهار بإدخال قطنة أو نحوها والصبر قليلًا وإخراجها وملاحظتها، وإذا استمر الدم إلى ما بعد العادة في الحيض يستحب لها الاستظهار بترك العبادة يومًا أو يومين أو إلى عشرة في غير ذات العادة ووجوب قضاء الصوم دون الصلاة وعدم جواز وطئها وطلاقها ومس كتابة القرآن واسم الله وقراءة آيات السجدة ودخول المساجد والمكث فيها؛ وكذا في كراهة الوطء بعد الانقطاع وقبل الغسل. وكذا في كراهة الخضاب وقراءة القرآن ونحو ذلك. وكذا في استحباب الوضوء أوقات

стр. 8988

الصلوات والجلوس في المصلى والاشتغال بذكر الله بقدر الصلاة؛ وألحقها بعضهم بالحائض في وجوب الكفارة إذا وطئها وهو أحوط، لكن الأقوى عدمه. مذهب الإباضية: جاء في (الإيضاح) (١): أيام الانتظار في حكم الحيض على الأصح، وهو قول ابن عباس ويدل له حديث "استظهرى بثلاثة أيام ثم اغتسل وصلى" (٢) فلم يأمرها بالإعادة. وكذا أيام الانتظار في النفاس في حكم النفاس؛ فالنفاس كالحيض؛ وقيل: أيام الانتظار فيهما على الاحتمال أن ينقطع ولا يرجع فيكون في حكم الطهر أولًا؛ فإن لم تر فيها جميعًا دمًا بل انقطع ولم يرجع حتى تحت أو رأت الصفرة أو نحوها فقط أعادت ما تركت فيها من الصلاة لانكشاف أنها في حكم الطهر بعدم عمومها بالدم مع عدم رجوعه حتى تحت، فهى تترك الصلاة إذا انقطع؛ لأنها لا تدرى هل يرجع فإذا حتت ولم يرجع أعادت: وإن رجع ولم ينقطع حتى تحت لم تعد الصلاة وقيل بعكس ذلك. وعلى قول من قال: إن أيام الانتظار في حكم الطهر إن صلت وصامت فيها أداء أو قضاءً فقيل: تؤمر بالقضاء ولا يجزيها ذلك؛ لأنها صلت وصامت لا على يقين أنها أيام طهر؛ ولو وافقت إذ لا تدرى لعلها يأتيها الدم فيها؛ وبعض أصحابنا يوجب عليها إعادة اليوم واليومين اللذين تركت فيهما الصلاة إلا أن ينقطع الدم فيهما فلا يوجبون عليها إعادتهما.

стр. 8989

انقطاع الأذان مذهب الحنفية: جاء في (المبسوط) (١): ومثله في (الفتاوى الهندية): أنه، إن غشى على المؤذن أو المقيم ساعة في الأذان أو الإقامة ثم أفاق فأحب إليّ أن يبتدئها من أولها، ألا ترى أنه لو غشى عليه في الصلاة لم يبن علي صلاته فكذلك فيما هو من أسباب الصلاة، وإن رعف فيها أو أحدث فذهب وتوضأ ثم جاء فأحب إليّ أن يبتدئها من أولها؛ لأن بذهابه انقطع النظم فربما يشتبه على الناس أنه كان يؤذن أو يتعلم كلمات الأذان، والأولى له إذا أحدث في أذانه أو إقامته أن يتمها ثم يذهب فيتوضأ ويصلى؛ لأن ابتداء الأذان أو الإقامة مع الحدث يجوز فإتمامه أولى. وإذا وقع في إقامته فمات أو أغمى عليه فأحب إلى أن يبتدئ الإقامة غيرُه من أولها؛ لأن عمله قد انقطع بالموت ولا بناء على المنقطع. وجاء في الفتاوى الهندية أن المؤذن إذا حصر في خلال الأذان أو الإقامة ولم يكن هناك من يلقنه يجب الاستقبال، وكذا إذا خرس أحدهما وعجز عن الإتمام يستقبل غيره كذا في فتاوى قاضيخان. وإذا وقف في خلال الأذان يعيده إذا كانت الوقفة بحيث تعتبر فاصلة، وإن كانت يسيرة من التنخم والسعال لا يعيد، هكذا في التتارخائية. ولا ينبغى للمؤذن أن يتكلم في الأذان أو في الإقامة أو يمشى، فإن تكلم بكلام يسير لا يلزمه الاستقبال. مذهب المالكية: جاء في (الحطاب) (٢) أنه: لا يفصل بين كلمات الأذان والإقامة بكلام ولا سلام ولا رده ولو بإشارة لرد سلام أو غيره ولا بغير ذلك، قال في المدونة: ولا يتكلم في أذانه ولا في تلبيته ولا برده على من سلم عليهما، قال سند: أما كلامه فمكروه لا يختلف فيه. وقال زروق في (العمدة): ويمنع الأكل والشرب والكلام ورد السلام. وقال الشيخ في (شرح الإرشاد): وأما اشتغاله بأمر عادى من أكل أو كلام فلا يجوز ابتداء، فإن اضطر للكلام مثل أن يخاف على صبى أو دابة أو أعمى أن يقع في بئر فإنه يتكلم ويبنى. قال ابن ناجى في (شرح المدونة): ما لم يطل فإن أطال ابتدأ ولو كان لحفظ آدمى، نص عليه اللخمى ثم قال في (الطراز): إذا قلنا لا يرد بإشارة ولا غيرها فإنه يرد بعد فراغه. وقال ابن عرفة: ولا يتكلم فيه ولا يرد سلامًا ويرده بعده. وإن رعف مقيم أو أحدث قطع وأقام غيره، وإن رعف مؤذن تمادى فإن قطع وغسل الدم ابتدأ، قال اللخمى: إن قرب يبنى. وإن أراد غيره، أن يبنى على أذانه فلا يفعل وليبتدئ ثم قال في (الطراز): فإن أغمى عليه في بعض الأذان أو جن ثم أفاق بنى فيما قرب، وقال أشهب: في الإقامة. مذهب الشافعية: جاء في (المجموع) (٣) أن: الموالاة بين كلمات الأذان مأمور بهاء فإن سكت يسيرًا لم يبطل أذانه

стр. 8990

بلا خلاف بل يبنى، وإن تكلم في أثناه فمكروه بلا خلاف. قال أصحابنا: فإن عطس حمد الله في نفسه وبنى، وإن سَلَّمَ عليه إنسان أو عطس لم يجبه ولم يشمته حتى يفرغ. فإن أجابه أو شمته أو تكلم بغير ذلك لمصلحة لم يكره وكان تاركًا للفضل، ولو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئر أو حية تدب إلى غافل أو نحو ذلك وجب إنذاره ويبنى على أذانه. وإذا تكلم فيه لمصلحة أو لغير مصلحة لم يبطل أذانه إن كان يسيرًا؛ لأنه ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ : تكلم في الخطبة فالأذان أولى أن لا يبطل فإنه يصح مع الحدث وكشف العورة وقاعدًا وغير ذلك من وجوه التخفيف، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يبطل أذانه باليسير هو المذهب، وبه قطع الأصحاب إلا الشيخ أبا محمد فتردد فيه إذا رفع به الصوت؛ والصحيح قول الأصحاب. وإن طال الكلام أو سكت سكوتًا طويلًا أو نام أو أغمى عليه في الأذان ثم أفاق ففى بطلان أذانه طريقان أحدهما: لا يبطل قولا واحد وبه قطع العراقيون وهو نص الشافعي رحمه الله تعالى في الأم. والثانى: في بطلانه قولان وهو طريقة الخراسانيين قالوا: والنوم والإغماء وأولى بالإبطال من الكلام، والكلام أولى بالإبطال من السكوت. قال الرافعى: الأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل. وحمل النص على الفصل اليسير، قال أصحابنا: والجنون هنا كالإغماء وممن صرح به القاضي أبو الطيب والمارودى والمحاملى والمتولى وغيرهم، ثم في الإغماء والنوم إذا لم توجب الاستئناف لعلة الفصل أو مع طوله على قولنا لا يبطل الطويل - يستحب الاستثناف نص عليه في (الأم)؛ واتفق الأصحاب عليه. وكذا يستحب في السكوت والكلام الكثيرين إذا لم نوجبه، فإن كان الكلام يسيرا لم يستحب الاستئثناف على أصح الوجهين وبه قطع الأكثرون. كما لا يستحب الاستئناف عند السكوت اليسير بلا خلاف. والوجه الثاني: يستحب ورجحه صاحب (الشامل) و (التتمة)؛ لأنه مستغن عن الكلام بخلاف السكوت، ثم إذا قلنا يبنى مع الفصل الطويل فالمراد ما لم يفحش الطول بحيث لا يعد مع الأول أذانًا. وحيث قلنا لا يبطل بالفصل المتخلل فله أن يبنى عليه بنفسه ولا يجوز لغيره على المذهب وهو المنصوص في (الأم) وبه قطع العراقيون لأنه لايحصل به إعلام. وأما إذا تكلم في الإقامة كلامًا يسيرًا فلا يضر، هذا مذهبنا وبه قال الجمهور، وحكى صاحب (البيان) عن الزهرى أنه قال: تبطل إقامته. دليلنا أنه إذا لم تبطل الخطبة وهى شرط لصحة الصلاة فالإقامة أولى، قال الشافعي في (الأم): ما كرهت له في الكلام في الأذان كنت له في الإقامة أكره. قال: فإن تكلم في الأذان والإقامة أو سكت فيهما سكوتا طويلًا أحببت أن يستأنف ولم أوجبه، وإن ارتد في أثناء الأذان لم يصح بناؤه في حال الردة فإن أسلم وبنى فالمذهب أنه إن لم يطل الفصل جاز البناء، وإلا فقولان: الصحيح منعه، وقيل في جوازه قولان مطلقًا. مذهب الحنابلة: جاء فى (المغنى والشرح الكبير) (١) أنه: لا يستحب أن يتكلم في أثناء الأذان وكرهه طائفة

стр. 8991

من أهل العلم، قال الأوزاعى: لم نعلم أحدًا يُقتدى به فعل ذلك. ورخَّص فيه الحسن وعطاء وقتادة، فإن تكلم بكلام يسير جاز، وإن طال الكلام بطل الأذان فلا يعلم أنه أذن، وكذلك لو سكت سكوتًا طويلًا ونام نومًا طويلًا أو أغمى عليه أو أصابه جنون يقطع الموالاة بطل أذانه. وإن كان الكلام يسيرًا محرمًا كالسب ونحوه، فقال أصحابنا: فيه وجهان أحدهما: لا يقطعه لأنه لا يخل بالمقصود فأشبه المباح، والثانى: يقطعه لأنه محرم فيه، وأما الإقامة فلا ينبغى أن يتكلم فيها لأنها يستحب حدرها (١) وأن لا يفرق بينها. قال أبو داود: قلت لأحمد الرجل يتكلم في أذانه؟ فقال: نعم فقيل: يتكلم في الإقامة فقال: لا وليس للرجل أن يبنى على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية فلا يصح من شخصين كالصلاة. والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه، وإن وجدت بعده فقال القاضي: قياس قوله في الطهارة أن تبطل أيضًا، والصحيح أنه لا تبطل؛ لأنها وجدت بعد فراغه وانقضاء حكمه بحيث لا يُبطله شئ من مبطلاته، فأشبه سائر العبادات إذا وجدت بعد فراغه منها بخلاف الطهارة فإنها تبطل بمبطلاتها فالأذان أشبه بالصلاة في هذا الحكم منه بالطهارة. مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى) (٢) أنه: من عطس في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يحمد الله تعالى، وإن سمع عاطسًا يحمد الله تعالى ففرض عليه أن يشمته في أذانه وإقامته؛ وإن سلم عليه في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يرد بالكلام، ثم الكلام المباح كله جائز في نفس الأذان والإقامة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣). فلم تخص النصوص حال الأذان والإقامة من غيرهما ولا جاء نهى قط عن الكلام في نفس الأذان، وروينا عن وكيع عن محمد بن طلحة عن جامع بن شداد عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمى عن سليمان بن صرد صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يؤذن للمعسكر فكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة (٤)؟ وعن وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصرى قال: لا بأس أن يتكلم في أذانه للحاجة. مذهب الزيدية: جاء في (الأزهار) (٥) أنه: إذا عرض للمؤذن أو المقيم ما يمنع من الإتمام للأذان أو للإقامة، أو استكمل الأذان وغير من الإقامة فإنها تصح من غيره النيابة عنه فيما قد بقى فيقيم ذلك الغير ويصح البناء على ما قد فعل فيتم غيره الأذان أو الإقامة ويبنى على ما قد فعله الأول، ولا يجب الاستئناف، ولا يصح ذلك كله إلا للعذر إذا عرض للأول نحو أن يؤذن ثم يحدث أو يعرض له عارض يؤخره عن الإقامة، واختلف في حده فقال الفقيه على: وقتًا يتضرر به المنتظرون للصلاة؛ وقيل: وقتًا يسع الوضوء، فلو أقام غير

стр. 8992

المؤذن للعذر ثم حضر فإن كان بعد الإحرام للصلاة فلا حق له بلا إشكال، وإن كان قبل الإحرام قال الإمام محمد بن يحيى: الأحوط إقامة. قال المهدى ﵇: والأقرب عندى خلافه إذ هو فرض كفاية والأذان للنيابة عن المؤذن كالعذر، فكما تصح النيابة للعذر عندنا تصح للأذان. فإذا أذن وأمر غيره بالإقامة صحت إقامة الغير وإن لم يكن ثم عذر للمؤذن. مذهب الإمامية: جاء في (العروة الوثقى) (١): أنه من المستحبات في الأذان والإقامة عدم التكلم في أثنائهما بل يكره بعد قد قامت الصلاة للمقيم ولغيره أيضًا في صلاة الجماعة، إلا في تقديم إمام، بل مطلق ما يتعلق بالصلاة كتسوية صف ونحوه. ولو نام في خلال أحدهما أو جن أو أغمى عليه أو سكر ثم أفاق جاز له البناء ما لم تفت الموالاة مراعيًا لشرطية الطهارة في الإقامة. لكن الأحوط الإعادة فيها مطلقًا خصوصًا في النوم، وكذا لو ارتد عن ملة ثم تاب. مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل) (٢) أن: القئ والرعاف والحدث يبنى معهما - يعنى في الأذان والإقامة - بأن يتوضأ ثم يتم الباقى قياسًا على الصلاة وهل يعيد إن تكلم معه أو أكل أو شرب؟ قولان، ثالثهما إن تكلم بغير حاجة أعاد، أو بحاجة فلا إعادة عليه.

стр. 8993

انقطاع الصلاة مذهب الحنفية: جاء في (المبسوط): إذا افتتح الرجل صلاة المكتوبة في المسجد وحده ثم أقيم له فيها ففى ذوات الأربع كالظهر والعصر والعشاء إن كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى وقعد وسلم، ثم دخل مع الإمام؛ لأنه لو قطعها كذلك كان مبطلًا عمله، فإن الركعة الواحدة لا تكون صلاة فيضيف إليها ركعة أخرى ليصير شفعًا ثم يسلم فيدخل مع الإمام لإحراز فضيلة الجماعة؛ فإن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (١). وكذلك إن قام إلى الثالثة ولم يقيدها بالسجدة عاد فقعد وسلم لكيلا تفوته فضيلة الجماعة، ولا يسلم كما هو قائمًا؛ لأن ما أتى به من القعدة كان سنة، وقعدة الختم فرض، فعليه أن يعود إلى القعدة ثم يسلم ليكون متنفلًا بركعتين، فإن قيد الثالثة بالسجدة مضى في صلاته؛ لأنه أتى بأكثرها، وللأكثر حكم الكمال فإذا فرغ منها دخل مع الإمام في الظهر والعشاء بنية النفل؛ لأن التنفل بعدهما جائز. فأما في العصر فلا يدخل؛ لأن التنفل بعده مكروه. وإذا كان في الركعة الأولى ولم يقيدها بالسجدة فالصحيح أنه يقطعها ليدخل مع الإمام فيحرز به ثواب تكبيرة الافتتاح؛ لأن ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة. فأما في الفجر فإن كان صلى ركعة قطعها؛ لأنه لو أدى ركعة أخرى تم فرضه وفاتته الجماعة، فالأولى أن يقطعها ليعيدها على أكمل الوجوه، وإن كان قيد الركعة الثانية بسجدة أتمها؛ لأنه أدى أكثرها. ثم إنه لا يدخل مع الإمام؛ لأنه يكون متنفلًا بعد الفجر. وذلك مكروه. وأما المغرب فإن صلى ركعة قطعها؛ لأنه لو أضاف إليها ركعة أخرى كان مؤديًّا أكثر الصلاة فلا يمكنه القطع بعد ذلك، ولو قطع كان متنفلًا بركعتين قبل المغرب وذلك منهى عنه، فلهذا قطع صلاته ليعيدها على أكمل الوجوه، وإن كان قيد الركعة الثانية بسجدة أتم صلاته؛ لأنه قد أدى أكثرها، ثم لا يدخل مع الإمام، وذلك مروى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما. وعن أبى يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يدخل معه فإذا فرغ الإمام قام فصلى ركعة أخرى ليصير شفعًا له، ولا يبعد أن يقوم لإتمامه بعد فراغ الإمام كالمسبوق. وهو بالشروع قد التزم ثلاث ركعات، فكأنه التزمها بالنذر فيلزمه أربع (٢). ومن خاف فوت شئ من ماله وَسِعَه أن يقطع صلاته ويستوثق من ماله، وكذلك إذا انقلبت سفينته أو رأى سارقًا يسرق شيئًا من متاعه؛ لأن حرمة المال كحرمة النفس، فكما يسعه أن يقطع صلاته إذا خاف على نفسه من عدو أو سبع فكذلك إذا خاف على شئ من ماله. وقَدَّروا ذلك بالدرهم فصاعدًا، وقالوا: ما دون الدرهم حقير فلا يقطع الصلاة لأجله. وإنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير،

стр. 8994

فأما إذا لم يحتج إلى شئ وعمل كثير بنى على صلاته، لحديث أبى برزة الأسلمى ﵁ أنه كان يصلى في بعض المغازى فانسل قياد الفرس من يده فمشى أمامه حتى أخذ قياد فرسه ثم رجع القهقرى وأتم صلاته. (١) وتأويل هذا أنه لم يحتج إلى عمل كثير (٢). هذا، وإن مراعاة الترتيب بين الفوائت وبين فرض الوقت واجب إلا في حالة النسيان أو ضيق الوقت أو كثرة الفوائت، ولو أن رجلًا نسى الظهر فصلى من العصر ركعة في أول وقتها ثم ذكر فإنه يقطع العصر ثم يصلى الظهر ثم يصلى العصر؛ لأنه لو كان ذاكرًا للظهر عند الشروع لم يصح شروعه في العصر في أول وقتها، فإذا ذكرها قبل الفراغ من العصر لا يمكنه إتمام العصر أيضًا. فإن مضى في العصر لم يَجْزْهِ لانعدام شرط الجواز؛ فإن مراعاة الترتيب بعد التذكر شرط لجواز العصر. وإن كان قد افتتح العصر لأول وقتها وهو ذاكر للظهر فصلى منها ركعة ثم احمرت الشمس فإنه يقطع الصلاة؛ لأنه لم يصح شروعه في العصر في أول وقتها مع ذكره للظهر، والبناء على الفاسد غير ممكن. فعليه أن يقطع صلاته ثم يستقبل العصر، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف، رحمهما الله، وعلى قول محمد ﵀ هو غير شارع في الصلاة أصلًا، فعليه أن يستقبل العصر. وإن افتتح العصر والشمس حمراء وهو ذاكر للظهر فإنه يجزئه؛ لأن هذه ساعة لا يجوز فيها أداء الظهر ولا غيره من الصلاة سوى عصر اليوم، فعليه أن يشتغل بما يكون الوقت قابلًا له. فإن غربت الشمس وهو في العصر فإنه يتمها. وطعن عيسى في هذا وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد غروب الشمس ثم يبدأ بالظهر ثم العصر؛ لأن ما بعد غروب الشمس الوقت قابل للظهر، والمعنى المسقط لمرعاة الترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم لغروب الشمس؛ لأن الوقت قد اتسع، فهو بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت وهو ناس للظهر ثم تذكر. ومنا ذكره عيسى - رحمه الله تعالى - هو القياس، ولكن محمدًا - رحمه الله تعالى - استحسن فقال: لو قطع صلاته بعد غروب الشمس كان مؤديًا جميع العصر في غير وقتها، ولو أتمها كان مؤديًّا بعض العصر في وقتها. فإن كان افتتح العصر بعد ما غربت الشمس وهو ذاكر للظهر فإنه يقطعها ويصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب؛ لأن الوقت واسع، وقد صارت العصر فائتة كالظهر، فعليه مراعاة الترتيب بينهما وبين فرض الوقت. وإن كان ناسيًا للظهر حين افتتح العصر بعد غروب الشمس فلما صلى منها ركعة ذكر أن الظهر عليه فإنه يفسد عصره ويصلى الظهر؛ لأن التذكر في هذا الوقت يمنعه من افتتاح العصر فيمنعه من إتمامها أيضًا (٣).

стр. 8995

هذا، ولو وجد المتيمم نبيذ التمر في خلال الصلاة فعند محمد - رحمه الله تعالى - يتم صلاته ثم يتوضأ ويعيد؛ لأنه كسؤر الحمار عنده. وعند أبى يوسف - رحمه الله تعالى - يتم صلاته ولا يعيد، لأن النبيذ عنده ليس بطهور. وعند أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - يقطع صلاته؛ لأن نبيذ التمر بمنزلة الماء عنده في حال عدم الماء، فتنتقض صلاته بوجوده فيتوضأ به ويستقبل. ولو وجد سؤر الحمار والنبيذ جميعًا: فعند أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - تفسد صلاته فيتوضأ بهما ثم يستقبل؛ لأن سؤر الحمار إن كان طاهرًا فالنبيذ معه ليس بطهور، فلهذا توضأ بهما. وعند أبى يوسف - رحمه الله تعالى - يمضي في صلاته، فإذا فرغ توضأ بهما، وأعاد الصلاة احتياطًا (١). وجاء في (الدر المختار): يباح قطع الصلاة - ولو كان فرضًا - لنحو قتل حية وَهَرَبٍ، ويستحب قطع الصلاة لمدافعة الأخبثين .. وقيل: إذا كان ذلك يشغل قلبه عن الصلاة وخشوعها فأتمها فإنه يأثم لأدائها مع الكراهة التحريمية، ومقتضى هذا أن القطع واجب لا مستحب، ويدل عليه حديث: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلى وهو حاقن حتى يتخفف" (٢). ويجب قطع الصلاة أيضًا لإغاثة ملهوف وغريق وحريق. سواء استغاث بالمصلى أو لم يعين أحدًا في استغاثته إذا قدر على ذلك .. ومثله خوف تردى أعمى في بئر مثلًا إذا غلب على ظنه سقوطه. ولا يجب قطع الصلاة لنداء أحد أبويه - أي الأصول وإن علوا - بلا استغاثة إلا في النفل، فإن علم أنه يصلى لا بأس أن لا يجيبه، وإن لم يعلم أجابه. وفى النفل يجيبه وجوبًا وإن لم يستغث؛ فقد ورد أن عابد بنى إسرائيل قد عوتب على تركه الإجابة، وقال النبي ﷺ ما معناه: "لو كان فقيهًا لأجاب أمه" (٣) وهذا إن لم يعلم أنه يصلى، فإن علم لا تجب الإجابة لكنها أولى (٤). مذهب المالكية: جاء في (حاشية الدسوقى): أنه إذا نودى شخص من أحد أبويه فإن كان أعمى أصم وكان هو يصلى نافلة وجب عليه إجابته وقطع تلك النافلة؛ لأنه قد تعارض معه واجبات فيقدم أوكدهما وهو إجابة الوالدين للإجماع على وجوبها، والخلاف في وجوب إتمام النافلة. وأما إن كان المنادى له من أبويه ليس أعمى ولا أصم، أو كان يصلى في فريضة فليخفف ويسلم ويكلمه. وكما يجب الكلام لإنقاذ الأعمى وإن أبطل الصلاة يجب أيضًا لتخليص المال إذا كان يخشى

стр. 8996

بذهابه هلاكًا أو أذى شديدًا قليلًا كان أو كثيرًا، ويقطع الصلاة سواء كان الوقت متسعًا أم لا. وأما إذا كان لا يخشى بذهابه هلاكًا ولا شديد أذى فإن كان يسيرًا فلا يقطع، وإن كان كثيرًا قطع إن اتسع الوقت. والكثرة والقلة بالنسبة للمال في حد ذاته (١). وجاء فيه أيضًا: يندب للإمام الاستخلاف وقطع الصلاة إذا خشى بتماديه تلف مال له أو لغيره، إن خشى بتركه هلاكًا أو أذى شديدًا لنفسه أو لغيره، سواء قَلَّ المال أو كثر، سواء ضاق الوقت أو اتسع. والمأموم والمنفرد مثل الإمام في القطع وعدمه. وإنما يختص الإمام بندب الاستخلاف فقط. وكذلك يقطع الصلاة إن خاف تلف نفس أو شدة أذاها، كخوفه على صبى أو أعمى أن يقع في بئر أو نار، وكذلك يقطع الإمام الصلاة ويستخلف إن مُنع من الإمامة لأجل حدوث عجز عن إقامة ركن كالركوع وقراءة الفاتحة، أما إن عجز عن أداء السنة فلا يقطع ولا يستخلف. وكذلك يقطع الصلاة بسبب سَبْقِ حدث أي خروج منه غلبةٌ في أثنائها، أو بسبب تذكره الحدث بعد دخوله فيها، وفى هذه الحالة لا تبطل صلاة المأمومين وهذا معنى قولهم: كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث أو نسيانه (٢). وجاء فيه أيضًا: ومن أحرم بنافلة في وقت نَهى فيقطع صلاته وجوبًا إن كان وقت تحريم، وندبًا إن كان وقت كراهة، ولا قضاء عليه؛ لأنه مغلوب على القطع، وذلك لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بمنهى عنه، سواء في ذلك أحرم بها جاهلًا أو عامدًا أو ناسيًا. وهذا التعميم في غير الداخل والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه إن أحرم بالنافلة جهلًا أو نسيانًا لا يقطعها، وذلك مراعاة لمذهب الشافعي من أن الأولى للداخل أن يركع ولو كان الإمام يخطب. وأما لو دخل الخطيب عليه وهو جالس فأحرم عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، أو دخل المسجد والإمام يخطب فأحرم عمدًا فإنه حينئذ يقطع صلاته، سواء في كل ذلك عقد ركعة أو لا، أما إذا أتم ركعتين فينبغى عدم القطع لخفة الأمر بالسلام (٣). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): إن دخل في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة. وإن خشى فوات الجماعة قطع النافلة؛ لأن الجماعة أفضل، وإن دخل في فرض الوقت ثم أقيمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة، فإن نوى الدخول في الجماعة من غير أن يقطع صلاته ففيه قولان: قال في الإملاء: لا يجوز وتبطل صلاته؛ لأن تحريمته سبقت تحريمة الإمام فلم يجز كما لو حضر معه في أول الصلاة فكبر قبله. وقال في القديم والجديد: يجوز وهو الأصح (٤).

стр. 8997

وجاء فيه أيضًا: وإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل، لما روى عن ثعلية بن أبى مالك قال: قعود الإمام يقطع السبحة (١)، وكلامه يقطع الكلام، وقد كان الصحابة - رضى الله عنهم - لا يزالون يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب ﵁ جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضى الخطبتين، فإذا أقيمت الصلاة ونزل عمر تكلموا (٢). ولأن النفل في هذه الحالة يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكُرِه (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إذا ذكر الإمام فائتة وهو في صلاة الحاضرة أنه يقطع الحاضرة نصًا مع سعة الوقت؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض بالمتنفل واستثنى جمع الجمعة فلا يقطعها الإمام إذا ذكر الفائتة في أثنائها إن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة أتمها الإمام وغيره، وإن اتسع للفائتة ثم الحاضرة فقط قطعها أيضًا غير الإمام لعدم صحة النفل إذن. وإن ذكر الإمام الفائتة قبل إحرامه بالجمعة استناب فيها وقضى الفائتة، فإن أدرك الجمعة مع نائبه وإلا صلى ظهرًا (٤). وجاء فيه أيضًا: وإن انقطع الصف عن يسار الإمام فقال ابن حامد: إن كان الانقطاع بعد مقام الثلاثة رجال بطلت صلاة المنقطعين عن الصف يسار الإمام (٥). ومن المسائل التي تكلم عنها الحنابلة حكم انقطاع العذر المبيح للجمع فجاء في (كشاف القناع): أن من شروط الأعذار المبيحة للجمع أن يكون العذر المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه موجودًا عند افتتاح الصلاتين المجموعتين وعند سلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية، وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع، فلو أحرم ناوى الجمع بالأولى من المجموعتين مع وجود مطر ثم انقطع المطر ولم يعد، فإن حصل وَحلٌ لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل من الأعذار المبيحة وهو ناشئ عن المطر فأشبه ما لو لم ينقطع المطر، وإن لم يحصل وَحْلٌ بطل الجمع لزوال العذر المبيح له فيؤخر الثانية حتى يدخل وقتها. وإن شرع في الجمع لأجل السفر فزال سفره بوصول إلى وطنه، أو نيته الإقامة ووُجد وحل أو مرض أو مطر بطل الجمع لزوال مبيحه (٦). هذا، وجاء في (المغنى): المرور بين يدى المصلى ينقص الصلاة ولا يقطعها فقد قال أحمد: يضع من صلاته ولكن لا يقطعها. وروى عن ابن مسعود ﵁ أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة (٧). وكان عبد الله إذا مَرَّ بين يديه رجل التزمه حتى يرده (٨). قال القاضي: ينبغى أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه ما. ينقص الصلاة فلا يؤثر فيها ذنب غيره (٩).

стр. 8998

وجاء في (المغنى) أيضًا: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم إذا مَرَّ بين يدى المصلى. هذا هو المشهور عن أحمد ﵀، وهو قول عائشة - رضى الله عنها -، وحكى عن طاوس. وروى عن معاذ ومجاهد أنهما قالا: الكلب الأسود البهيم شيطان يقطع الصلاة (١). ومعنى البهيم: الذي ليس في لونه شئ سوى السواد. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يقطعها الكلب الأسود، والمرأة إذا مرت والحمار (٢). ومن صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة لم ينقطع، وإن مَرَّ من وراثها غير ما يقطعها لم يكره، وإن مَرَّ بينه وبينها قطعها إن كان مما يقطعها، وإن لم يكن بين يديه سترة فمر بين يديه قريبًا منه ما يقطعها قطعها. وإن كان مما لا يقطعها كره، وإن كان بعيدًا لم يتعلق به حكم. هذا ولا يوجد من حَدَّ البعيد من ذلك ولا القريب إلا أن عكرمة قال: إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر لم يقطع الصلاة. وإذا صلى إلى سترة منصوبة فاجتاز وراءها كلب أسود، فهل تنقطع صلاته؟ فيه وجهان أحدهما: تبطل صلاته؛ لأنه ممنوع من نصبها والصلاة إليها فوجودها كعدمها. والثانى: لا تبطل (٣). وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلى أحد غير الداخل، يصلى تحية المسجد ويتجوز فيها؛ لما روى ثعلبة بن أبى مالك أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد (٤). وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم (٥). وجاء في (المغنى) أيضًا: أنه: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وإن تلبس بالصلاة بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت؛ لأنه قطع حكم النية قبل إتمام صلاته ففسدت، كما لو سلم ينوى الخروج منها، ولأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها بما حدث ففسدت لذهاب شرطها. فأما إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل؛ لأنه دخلها بنية متيقنة فلا تزول بالشك والتردد كسائر العبادات. وقال القاضي: يحتمل أن تبطل؛ لأن استدامة النية شرط، ومع التردد لا يكون مستديمًا لها فأشبه ما لو نوى قطعها. وإذا أحرم بفريضة ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى بطلت الأولى؛ لأنه قطع نيتها، ولم تصح الثانية؛ لأنه لم ينوها من أولها، فإن نقلها إلى نفل لغير فرض فقال القاضي: لا يصح، رواية واحدة. وقال في الجامع: يخرج على روايتين. وقال أبو الخطاب: يكره ويصح؛ لأن النفل يدخل في نية الفرض. بدليل ما لو أحرم بفرض فبان أنه لم يدخل وقته. وصحة نقلها إذا كان لغرض.

стр. 8999

فأما إن نقلها لغرض صحيح مثل من أحرم بها منفردًا فحضرت جماعة فجعلها نفلًا ليصلى فرضه في جماعة. فقال أبو الخطاب: تصح من غير كراهة. وقال القاضي: فيه روايتان: إحداهما لا يصح؛ لأنه لم ينو النفل من أولها، والثانية يصح لأنه لفائدة، وهى تأدية فرضه في الجماعة مضاعفة للثواب بخلاف من نقلها لغير فرض، فإنه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): أنه يقطع صلاة المصلى كون الكلب بين يديه - مارًا أو غير مارٍّ صغيرًا أو كبيرًا حيًا أو ميتًا - أو كون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدى الرجل مارة أو غير مارة صغيرة أو كبيرة. إلا أن تكون مضطجعة معترضة فقط فلا تقطع الصلاة حينئذ. ولا يقطع النساء بعضهن صلاة بعض، فإن كان بين يدى المصلى شئ مرتفع بقدر الذراع وهو قدر مؤخرة الرحل المعهودة عند العرب - ولا نبالى بغلظها - لم يضر صلاته كلُ ما كان وراء السترة مما ذكرنا، ولا ما كان من كل ذلك فوق السترة. ودليل ذلك ما روى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقى ذلك مثل مؤخرة الرحل" (٢). وجاء فيه أيضًا: وكل منكر رآه المصلى في الصلاة ففرض عليه إنكاره ولا تنقطع بذلك صلاته؛ لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حق، وفاعل الحق محسن ما لم يمنع من شئ منه نصٌ أو إجماع، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). ومن جملة ذلك: إطفاءٌ النار المشتعلة، وإنقاذ الصغير والمجنون والمقعد والنائم من نار أو من حنش (٤) أو سبع أو إنسان عادٍ، أو من سيل، والمحاربة لمن أراد المصلى أو أراد مسلمًا بظلم، وشد الأسير الكافر أو الظالم، إلا أن يمنع من شئ من ذلك نص أو إجماع. فعن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية (٥)، فبينما أنا على جرف نهر إذا رجل يصلى ولجام دابته في يده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها. قال شعبة: (وهو أبو برزة الأسلمى) فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ. فلما انصرف الشيخ قال: إنى سمعت قولكم وإنى غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات أو سبع غزوات، وشهدت تيسيره، وإن كنت أرجع مع دابتى أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى مالفها فيشق على (٦). ومن طريق الأزرق بن قيس أن أبا برزة الأسلمى خاف على دابته الأسد فمشى إليها وهو في الصلاة. وكذلك من خاف على ماله أو سرقة نعله أو خفه أو غير ذلك. فله أن يتبع السارق فينتزع منه متاعه، ولا يضر في كل ما ذكرنا ما اضطر إليه من استدبار القبلة وكثرة العمل وقلته ما لم يتكلم،

стр. 9000

فإن كان إمامًا أو مأمومًا فطمع بشئ من إدراك الصلاة بعد تمام حاجته أو بانتظار الناس فلابد أن يرجع، كما فعل النبي ﷺ يوم ذى اليدين، فإن لم يرج إدراك شئ من الصلاة أو أيقن أن الناس لا ينتظرونه أتم صلاته حين تمام حاجته في أول مكان تجوز له فيه الصلاة، أو لزوال عن مكان لا تجوز فيه الصلاة، فلو رجا صلاة في جماعة أخرى أقرب منها فليدخل فيها. وإذا مشى المصلى إلى فتح الباب للمستفتح فهذا حسن لا يضر الصلاة شيئًا (١). مذهب الزيدية: جاء في (الروض النضير): أن من أصابه قئ أو رعاف (٢) أو قلس (٣) أو مذى فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن علي صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم (٤). وجاء في (شرح الأزهار) أنه تفسد الصلاة بتوجه واجب على المصلى خشى فوته كإنقاذ غريق، فإنه يلزمه الخروج من الصلاة لفعل هذا الواجب، فإن لم يفعل فسدت، وسواء كان عروض هذا الواجب في أول الوقت أم في آخره فإنه يجب تقديمه ولو فات الوقت، ومثلُ إنقاذ الغريق إزالةُ منكر كالقتل ونحوه، أو ردُّ وديعة يخشى فوت صاحبها، أو عَرضَ واجبٌ لم يخش فوته لكنه قد تضيَّق وجوبه. بمعنى أنه لا يجوز تأخيره عن تلك الحال وهى - أي الصلاة التي قد دخل فيها - موسعة بمعنى أنه لما يتضيق وجوبها، مثال ذلك: أن تدخل في الصلاة في أول الوقت فلما أحرمت أتى غريمك بالدين أو من له عندك وديعة فطالبك بهما وحرَّج عليك في التأخير حتى تتم الصلاة: فإنه حينئذ يجب الخروج من الصلاة عندنا، فإن لم يخرج فسدت الصلاة عندنا. فأما إذا تضيق وقت الصلاة فلا يجب الخروج بل يلزم الإتمام (٥). مذهب الإمامية: جاء في (العروة الوثقى): أنه لا يجوز العدول في الصلاة من السابقة إلى اللاحقة ويجوز العكس، فلو دخل في الصلاة بنية الظهر ثم تبين له في الأثناء أنه صلاها لا يجوز له العدول إلى العصر بل يقطع ويشرع في العصر، بخلاف ما إذا تخيل أنه صلى الظهر فدخل في العصر ثم تذكر أنه ما صلى الظهر فإنه يعدل إليها. وإذا كان مسافرًا وقد بقى من الوقت مقدار أربع ركعات فدخل في الظهر بنية القصر ثم بدا له الإقامة فنوى الإقامة بطلت صلاته، ولا يجوز له العدول إلى العصر فيقطعها ويصلى العصر، وإذا كان في الفرض ناويًا للإقامة. فشرع بنية العصر لوجوب تقديمها حينئذ ثم بدا له فعزم على عدم الإقامة، فالظاهر أنه يعدل بها إلى الظهر قصرًا (٦). وإذا دخل المصلى في المكان المغصوب جهلًا أو نسيانًا أو بتخيل الإذن ثم التفت وبان الخلاف، فإن كان في سعة من الوقت لا يجوز له التشاغل (٧)
следующие страницы →