← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

وجاء في (المدونة): من بعث مع رجل مالًا يدفعه إلى آخر صدقة أو صلة أو سلفًا أو ثمن مبيع أو يبتاع له به سلعة فقال له: دفعته إليه. وأكذبه الآخر، لم يبرأ الرسول إلا ببينة (١). وقال الحطاب: إن من دفع الوديعة إلى غير اليد التي دفعتها إليه فعليه ما على ولى اليتيم من الإشهاد، فإن لم يشهد فلا يصدق في الدفع إذا أنكر القابض (٢). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه إذا اختلف المودع والوديع، فقال: أودعتك وديعة وأنكرها الوديع فالقول قوله، لما روى ابن عباس - رضى الله عنهما - أن النبى ﷺ قال: "لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس دماء ناس وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه والبينة على من أنكر" (٣) لأن الأصل أنه لم يودعه فكان القول قوله، وإن ادعى أنها تلفت نظر، فإن ادعى التلف بسبب ظاهر كالنهب والحريق لم يقبل حتى يقيم البينة على وجود النهب والحريق؛ لأن الأصل أن لا نهب ولا حريق، ويمكن إقامة البينة عليها فلم يقبل قوله من غير بينة، فإن أقام البينة على ذلك أو ادعى الهلاك بسبب يخفى فالقول قوله مع اليمين أنها هلكت؛ لأن الهلاك يتعذر إقامة البينة عليه فقبل قوله مع يمينه. ثم قال: فأما إذا ادعى عليه أنه أودعه فقال: ما له عندى شئ فأقام البينة بالإيداع، فقال: صدقت البينة أودعتنى ولكنها تلفت أو رددتها قبل قوله مع اليمين، لأنه صادق في إنكاره أنه لا شئ عنده، لأنها إذا تلفت أوردها عليه لم يبق له عنده شئ (٤). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إن أنكر المستودع الإيداع بأن قال: لم تودعنى ثم أقر بالوديعة أو ثبت الإيداع ببينة فادعى ردًا أو تلفًا سابقين بجحوده لم يقبل منه ذلك وإن أقام به بينة؛ لأنه صار ضامنًا بجحوده ومعترفًا على نفسه بالكذب المنافى للأمانة، ولأنه مكذب لبينته بجحوده. وإن كان ما ادعاه من الرد أو التلف بعد جحوده كما لو ادعى عليه بالوديعة يوم الخميس فجحدها ثم أقر بها يوم السبت ثم ادعى أنه ردها أو تلفت بغير تفريطه يوم الأربعاء وأقام بذلك بينة قبلت بينته بالرد أو التلف، لأنه حينئذ ليس بمكذب لها، فإن شهدت بينة بالتلف أو الرد بعد جحوده الإيداع ولم يعين هل ذلك التلف أو الرد قبل جحوده أو بعده واحتمل الأمرين لم يسقط الضمان؛ لأن وجوبه متحقق فلا ينتفى غير متردد فيه، وإن قال المدعى عليه الوديعة: مالك عندى شئ أو لا حق لك عليَّ أو قبلى، ثم أقر بالإيداع أو ثبت ببينة قبل قوله في الرد والتلف بيمينه؛ لأنه لا ينافى جوابه، لجواز أن يكون أودعه ثم تلفت عنده بغير تفريط أو ردها فلا يكون له عنده شئ (٥). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): القول في هلاك الوديعة أو في ردها إلى صاحبها أو في دفعها إلى من أمره

стр. 9137

صاحبها بدفعها إليه قول الذي أودعت عنده مع يمينه، سواء دفعت إليه ببينةٍ أو بغير بينة لأنه؛ ماله محرم فهو مدعى عليه وجوب غرامة، وقد حكم رسول الله ﷺ بأن اليمين على من ادعى عليه، ولا فرق بين دعوى جحد الدين وبين دعوى جحد الوديعة أو تضييعها. والمقرض مؤتمن على ما أقرض وعلى ما عومل فيه، كما أن المودع مؤتمن ولا فرق، وفرَّق قوم بين قول المودع: هلكت الوديعة فصدقوه إما ببينة وإما بغير بينة. وبين قوله: قد صرفتها إليك فألزموه الضمان. وكذلك في قوله: أمرتنى بدفعها إلى فلان فضمنوه وهذا خطأ؛ لأنه لم يأت بالفرق بين ذلك قرآن ولا سنة، والوجه في هذا هو أن كل ما قاله المودع مما يسقط به عن نفسه الفراصة ولا تخرج عين الوديعة عن ملك المودع فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ماله محرم إلا بقرآن أو سنة، سواء كانت الوديعة معروفة للمودع ببينة أو بعلم الحاكم أو لم تكن، ولا فرق بين شئ مما فرقوا بينه بآرائهم الفاسدة. وأما إذا ادعى المودع شيئًا ينقل به الوديعة عن ملك المودع إلى ملك غيره فإنه ينظر فإن كانت الوديعة لا تعرف للمودع إلا بقول المودع فالقول أيضًا قول المودع مع يمينه في كل ما ذكر له من أمره إياه ببيعها أو الصدقة بها أو بهبتها، أو إنه وهبها له وسائر الوجوه ولا فرق؛ لأنه لم يقر لي بشئ في ماله ولا بشئ في ذمته لا بدين ولا بتعد ولا قامت له عليه بينة بحق ولا بتعد وماله محرم على غيره، وأما إن كانت الوديعة معروفة العين للمودع بينة أو بعلم الحاكم فإن المودع مدع نقل ملك المودع عنها فلا يصدق إلا ببينة وقد أقر حينئذ في مال غيره بما قد منع الله تعالى منه إذ يقول: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها. . .﴾ الآية (١) فهو ضامن (٢). مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): إذا قال الوديع: ما عندى لك وديعة فأقام المالك البينة بإثباتها فادعى الوديع أنه قد ردها أو تلفت. فإنه لا يقبل قوله في ذلك بعد جحوده إياها، وأما البينة فتقبل، بخلاف ما لو قال الوديع: ما أودعتنى شيئًا؛ فلا تقبل له بينة؛ لأن إنكاره لأصلها يكذب بينة الرد، ويكون القول للمالك في ذلك (٣). مذهب الإمامية: جاء فى (الروضة البهية): أنه لو أنكر الوديعة حلف لأصالة البراءة، ولو أقام المالك بها بينة قبل حلفه ضمن؛ لأنه متعد بجحوده لها إلا أن يكون جوابه: لا يستحق عندى شيئًا، وشبهه كقوله: ليس لك عندى وديعة يلزمنى ردها ولا عوضها، فلا يضمن بالإنكار بل يكون كمدعى التلف يقبل قوله بيمينه أيضًا لإمكان تلفها بغير تفريط فلا تكون مستحقة عنده. ولا يناقض قوله البينة، ولو أظهر لإنكاره الأول تأويلًا كقوله: أليس عندى وديعة يلزمنى ردها أو ضمانها ونحو ذلك فالأقوى القبول أيضًا (٤). وجاء في (شرائع الإسلام): أنه لو أنكر الوديعة أو اعترف أو ادعى التلف أو ادعى الرد ولا بينة فالقول قوله. وللمالك إحلافه على

стр. 9138

الأشبه، أما لو دفعها إلى غير المالك وادعى الإذن فأنكر فالقول قول المالك مع يمينه (١). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): إن جحد المستودع ومن يشبهه من المؤتمنين كالمرتهن والمستعير والمضارب ما بيده وقال مثلا: لا رهن لك عندى، أو لا وديعة، أو لا أمانة، أو لا عارية أو نحو ذلك فبين عليه صاحبه أنه بيده ثم ادعى تلفه لم يصدق في ادعائه تلفه ولو متولى إلا ببيان أو يمين؛ لأنه بجحوده أخرج من كونه أمينًا في الشئ. ولو كان أمينًا فيه قبل، فعندى أنه لا يخرج عن الغرم باليمين، ولا يطالب باليمين، ولا يمين عليه، بل لزمه الغرم لا يخرج عنه إلا ببيان. وقال المصنف: كما رأيت أنه يبين أو يحلف فلا يغرم (٢).

стр. 9139

الإنكار في العارية مذهب الحنفية: جاء في (حاشية رد المحتار): لو قال: أعرتنى هذه الدابة فقال: لا ولكنك غصبتها، فإن لم يكن المستعير ركبها فلا ضمان. وإلا ضمن، وكذا لو قال: دفعتها إليَّ عارية أو أعطيتنيها عارية، وقال أبو حنيفة: إِن قال: أخذتها منك عارية، وجحد الآخر ضمن. وإذا قال: أخذت هذا الثوب منك عارية؛ فقال: أخذته منى بيعًا، فالقول للمقر ما لم يلبسه؛ لأنه منكر، فإن لبس ضمن. ولو قال: أعرتنى هذا، فقال: لا بل آجرتك لم يضمن إن هلك بخلاف قوله: غصبته لكن يضمن إن كان استعمله (١). مذهب المالكية: جاء في (حاشية الدسوقى): إن ادعى آخذ العارية كدابة، أو ثوب، أو آنية كما لو ركب دابة رجل لمكان كذا، أو لبس ثوبًا لإنسان جمعة، أو استعمل آنية لإنسان شهرًا ورجع بها فقال لريها: أخذتها منك على سبيل العارية، وقال ربها: اكتريتها منى، فالقول قول المالك أنه اكتراها منه بيمين، كما أن القول قول المالك إذا ادعى الإعارة، وادعى الآخذ لها أنه اشتراها منه؛ لأن القول قول من ادعى عدم البيع، لأن الشئ لا يخرج عن ملك ربه إلا ببينة. ظاهر (المدونة) (٢) أن هذا الحكم محله إذا وقع النزاع بعد الانتفاع، أما لو تنازعا قبله فالقول للآخذ في نفى عقد الكراء، لأن القول لمنكر العقد إجماعًا. وهو ظاهر (٣). مذهب الشافعية: جاء في (الأم): لو اختلف رجلان في دابة فقال رب الدابة: أكريتكها إلى موضع كذا وكذا فركبتها بكذا وكذا، وقال الراكب: ركبتها عارية منك، كان القول قول الراكب مع يمينه ولا كراء عليه. (قال أبو محمد) (٤): وفيه قول آخر: أن القول قول رب الدابة من قبل أنه مقر بركوب دابتى مدع عليّ أنى أبحت ذلك له، فعليه البينة وإلا حلفت وأخذت كراء المثل (٥). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إن دفع إليه دابة أو غيرها من الأعيان المنتفع بها مع بقائها ثم اختلف المالك والقابض فقال المالك: أجرتك فقال القابض: بل أعرتنى، وكان ذلك عقب العقد بأن لم يمض زمن له أجرة عادة والدابة أو غيرها قائمة لم تتلف، فقول القابض بيمينه؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وحينئذ ترد العين إلى مالكها؛ لأنه لا مستحق لها غيره، وإن كان الاختلاف بعد مضى مدة لها أجرة عادة فالقول قول مالك فيما مضى من المدة مع يمينه؛ لأنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك القابض فقدم قول المالك، وإذا حلف المالك فله أجرة مثل، لأن الإجارة لا تثبت بدعوى المالك بغير بينة، وإنما يستحق بدل المنفعة، وهو أجرة المثل (٦). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): من أضاع ما يستعير أو جحده ولم يؤمن ذلك منه فقد صح عن النبى ﷺ

стр. 9140

النهي عن إضاعة المال (١)، ونهى الله تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان فلا يجوز عونه على ذلك (٢). وجاء في موضع آخر: تقطع يد المستعير الجاحد كما تقطع من السارق، ولا قطع إلا ببينة تقوم بالأخذ والتمليك مع الجحد أو الإقرار بذلك. فإن عاد مرة أخرى قطعت اليد الأخرى؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بقطع يد المرأة المخزومية (٣). وهذا عموم، لأن المستعير طلبه العارية مستخفيا بمذهبه في أخذه فكان سارقًا فوجب عليه القطع (٤). مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): إذا اختلف المعير والمستعير كان القول للمستعير في أنها إعارة لا إجارة، والبينة على المالك أنها إجارة، هذا إذا لم يكن للمالك عادة بإجارة هذه العين أو استوت عادته فيهما معًا؛ لأن الأصل في المنافع عدم الأعواض عند الهادوية وهو المختار، فإن كان عادته تأجيرها أكثر من إعارتها كانت إجارة لا إعارة فيلزم له أجرة المثل إن لم الأجرة في الصحيحة. أو كانت الإجارة فاسدة (٥). مذهب الإمامية: جاء في (شرائع الإسلام): لو اختلفا، فقال الزارع: أعرتنيها، وأنكر المالك وادعى الحصة أو الأجرة، ولا بينة. فالقول صاحب الأرض، وتثبت له أجرة المثل، مع يمين الزارع وقيل: تستعمل القرعة، والأول أشبه. وللزارع تبقية الزرع إلى أو أن أخذه؛ لأنه مأذون فيه. أما لو قال: غصبتنيها، حلف المالك وكان له إزالته، والمطالبة بأجرة المثل. وأرش الأرض إن عابت، وطم الحفر إن كان غرسًا (٦). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): إن ادعى رب الدابة أو الدار أو السفينة أو غير ذلك من جميع ما يكرى أو يستأجر على عمل فيه كخياطة ثوب سواء بقى ذلك أو تلف في يد من كان عنده غصبًا أو سرقة أو إعارة أو ائتمانًا أو غير ذلك مما ليس إكراء ولا إجارة ولا عقدة بيع أو نحوه، وإنما ادعى يضمن له ما فسد في المعار بناءً على ضمان العارية، أو ليدعى عليه أنى قلت لك: اعمل واردد إليَّ؛ ليكون بذلك ضامنًا، أو ليدعى عليه أنى شرطت عليك الضمان وليدرك عليه الرد متى شاء، ولو كان الكراء كما قال مدعى الكراء لكان لمدعيه الامتناع من الرد إلى الأجل وادعى الآخر الكراء أو الاستئجار قبل قول رب الدابة (٧).

стр. 9141

الإنكار في الوكالة مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): أما بيان ركن التوكيل. فهو الإيجاب والقبول. فالإيجاب من الموكل أن يقول: "وكلتك بكذا أو "افعل كذا" أو "أذنت لك أن تفعل كذا" ونحوه. والقبول من الوكيل أن يقول: "قبلت وما يجرى مجراه، فما لم يوجد الإيجاب والقبول لا يتم العقد، ولهذا لو وَكَّلَ إنسانًا بقبض دينه فأبى أن يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه لم يبرأ الغريم؛ لأن تمام العقد بالإيجاب والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخره كما في البيع ونحوه (١). وجاء في (المبسوط): لو أن رجلًا كان له على رجل مال، فغاب الطالب ودفع المطلوب المال إلى رجل ادعى أنه وكيل الطالب في قبضه. ثم قدم الطالب فجحد ذلك فشهد للمطلوب ابنا الطالب بالوكالة جازت الشهادة، لأنهما يشهدان على أبيهما، فإن هذه الشهادة لو انعدمت كان للطالب أن يرجع في حقه على المطلوب إذا حلف أنه لم يوكل الوكيل. وعند قبول هذه الشهادة يبطل حقه في الرجوع على المطلوب، ويستفيد المطلوب البراءة بما دفع إلى الوكيل. فظهر أنهما يشهدان على أبيهما، وشهادة الواحد على والده مقبولة (٢). مذهب المالكية: جاء في (شرح مختصر خليل): أنه من باع سلعة لشخص أو اشتراها له وادعى أنه أمره ببيعها أو شرائها وخالفه الموكل في ذلك؛ فإن القول قول الموكل بلا يمين، وكذلك القول قول الموكل لكن بيمين إذا صدقه على التوكيل ولكن خالفه في صفة الإذن بأن قال: أمرتك برهنها وقال الوكيل: بل أمرتتى ببيعها، وكذلك إذا صدقه على البيع واختلفا في جنس الثمن فقال الموكل: أمرتك أن تبيعها بالنقد، وقال الوكيل: بل أمرتتى بطعام وكذلك إذا صدقه على أحدهما، وقال الوكيل: أمرتنى بعشرة وقلت بأكثر، وكذلك إذا صدقه على القدر وقلت أنت: حالًا. وقال الوكيل: بل مؤجلا فإن القول في ذلك كله قول الموكل وأما المفوض فالقول قوله إن ادعى الإذن أي في البيع. والتوكيل ثابت لا أنه ادعى التوكيل خلافًا لتت في الكبير، وإذا دفع له ثمنًا وقال: اشتر لي به تمرًا؛ فاشترى به طعامًا وقال: بذلك أمرتنى، وخالفه الآمر؛ فإن القول قول الوكيل بقيود أربعة: أن يدعى الإذن، وأن يكون الثمن مما يعاب عليه، وأن يحلف، وأن يشبه، والشبه يؤخذ من التشبيه (٣). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): أنه إذا ادعى رجل على رجل أنه وكَّله في تصرف فأنكر المدعى عليه فالقول قوله؛ لأنه ينكر عقدًا الأصل عدمه فكان القول قوله (٤). وجاء في (نهاية المحتاج): إذا اختلفا في أصل الوكالة فقال الوكيل: وكلتنى في كذا؛ فقال: ما وكلتك، أو في صفتها بل قال: وكلتني في البيع نسيئة أو في الشراء بعشرين، فقال: بل نقدًا أو

стр. 9142

بعشرة صُدِّق الموكل بيمينه في الكل؛ لأن الأصل معه. وصورة المسألة: أن يتخاصما بعد التصرف، أما قبله فتعمد إنكار الوكالة عزل فلا فائدة للمخاصمة. وتسميته فيها موكلا بالنظر لزعم الوكيل. ثم قال: ولو قال الوكيل: أتيت بالتصرف المأذون فيه من بيع أو غيره وأنكر الموكل ذلك صدق الموكل بيمينه؛ لأن الأصل معه فلا يستحق الوكيل ما شرط له من الجُعل على التصرف إلا ببينة. ولو قال رجل لآخر عليه أو عنده مال للغير: وكلنى المستحق بقبض ماله عندك من دين أو عين؛ وصدقه من عنده ذلك فله دفعه إليه؛ لأنه محق بزعمه، حيث غلب على ظنه إذن المالك له في قبضها بقرينة قولية (١). مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): أنه لو ظهر بالمبيع عيب وأسقط الوكيل خياره. وأراد الموكل الرد به فأنكر البائع أن الشراء وقع للموكل قبل قوله ولزم الوكيل؛ لأن الظاهر فيمن يباشر عقدًا أنه لنفسه، وليس للوكيل رده لإسقاطه خياره، فإن قال البائع للوكيل: موكلك قد رضى بالعيب، فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لا يعلم ذلك، لأنه الأصل ويرده الوكيل ويأخذ حقه في الحال. ولو ادعى الغريم أن الموكل عزل الوكيل في قضاء الدين أو ادعى موت الموكل أو نحوه مما تنفسخ به الوكالة حلف الوكيل على نفى العلم بما ادعاه الغريم؛ لأن الأصل عدمه، فإن رد الوكيل المعيب في غيبة الموكل فصدق الموكل البائع في الرضا بالعيب لم يصح الرد، وهو باق للموكل (٢). وجاء في موضع آخر: وإن قال: وكلتنى أن أتزوج لك فلانة ففعلت وصدقته المرأة، فأنكر المدعى عليه أن يكون وكله بأن قال: ما وكلتك فقول المنكر؛ لأنهما اختلفا في أصل الوكالة فقبل قول المنكر؛ لأن الأصل عدمها ولم يثبت أنه أمينه حتى يقبل قوله عليه بغير يمين نص عليه؛ لأن الوكيل يدعى حقًّا لغيره، ومقتضاه أنه يستحلف إذا ادعته المرأة، لأنها تدعى الصداق في ذمته فإذا حلف لم يلزمه شئ، ويلزم الموكل تطليقها إن لم يتزوجها لإزالة الاحتمال، لأنه يحتمل صحة دعواها فيتنزل منزلة النكاح الفاسد. ولا يلزم الوكيل شئ من الصداق لتعلق حقوق العقد بالموكل، هذا إن لم يضمنه، فإن ضمنه فلها الرجوع عليه بنصفه لضمانه عنه، ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر؛ لأنه لم يثبت نكاحها فترثه وهو منكر أنها زوجته فلا يرثها. وإذا حضر رجلان عند الحاكم فأقر أحدهما أن الآخر وكَّله ولم يسمعه شاهدان مع الحاكم، ثم غاب الموكل وحضر الوكيل فقدم خصمًا لموكله. وقال: أنا وكيل فلان فأنكر الخصم كونه وكيلًا، لم تسمع دعواه حتى تقوم البينة بوكالته؛ لأن الحاكم لا يحكم بعلمه، ولو حضر رجل وادعى على غائب مالا في وجه وكيله فأنكره الوكيل فأقام المدعى بينة بما ادعاه من الدين حلفه الحاكم، فإذا حضر الموكل وجحد الوكالة وادعى أنه كان قد عزله لم يؤثر ذلك في الحكم (٣).

стр. 9143

مذهب الظاهرية: انظر: مسألة الإنكار في البيع. مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): وإذا اختلف الموكل والوكيل في الوكالة فالبينة على من لم يكن القول قوله؛ ولهذا يكون القول للأصل والوكيل معًا في نفيهما. ويكون القول للأصل فقط في القدر الموكل فيه وجنسه ونوعه حيث تصادقا على الوكالة نحو أن يقول: وكلتنى بشراء ثوبين فيقول الموكل: بل ثوب واحد؛ أو يقول: وكلتنى أن اشترى ثوبًا بعشرين فيقول: بل بعشرة أو نحو ذلك؛ فالقول قول الموكل بعد الشراء، والبينة على الوكيل لا قبل الشراء فينعزل الوكيل، وأما في قدر الثمن الذي باع به الوكيل فالقول قوله؛ لأنه أمين (١). مذهب الإمامية: جاء في (العروة الوثقى): أنه لو اختلفا في أصل الوكالة فمع عدم البينة يقدم قول المنكر مع الحلف، سواء كان هو المالك - كما إذا تصرف في ماله بدعوى الوكالة فأنكر توكيله -؛ أو المدعى عليه الوكالة - كما إذا اشترى شيئًا فادعى واحد أنه اشتراه بوكالة عنه وأنه له وأنكر المشترى وقال: اشتريته لنفسى أو لفلان، وكما إذا اشترط في ضمن عقد لازم أو يوكله في أمر معين في وقت معين واختلفا بعد مضى ذلك الوقت أنه وكله حتى يبقى العقد على لزومه أو لا؟ حتى يثبت له خيار تخلف الشرط - فإنه يقدم قول منكر التوكيل، ثم لا فرق بينهما من أن يكون بينهما أم بين أحدهما ووارث الآخر أو بين الوارثين، وكذا إذا تنازع المالك مع المشترى كما إذا باع أحد داره من شخص فادعى المشترى أن البائع كان وكيلًا عن المالك وأنكر المالك ذلك فإنه يقدم قول المنكر الذي هو المالك (٢). مذهب الإباضية: جاء فى (شرح النيل): وإن قال الوكيل: قد دفعت إليك وأنكر الموكل فالقول قولٌ الوكيل مع يمينه، وإن طال الزمان فلا يمين عليه، وقيل: القول قولٌ الموكِّل مع يمينه ولو طال الزمان، وإذا قبض الوكيل شيئًا فادعى تلفه بعد قبضه لم يبرأ الدافع إليه إلا ببينة على الدفع. إلا إن صدقه الموكل في الدفع، وإن قال: وكلتنى. وقال الموكِّل: لا؛ فالقول قول الموكِّل (٣).

стр. 9144

الإنكار في الشفعة مذهب الحنفية: جاء في (بدائع الصنائع): لو اشترى دارين ولهما شفيع ملاصق فقال المشترى: اشتريت واحدة بعد واحدة وأنا شريك في الثانية، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما صفقة واحدة ولى الشفعة فيهما جميعًا، فقول قول الشفيع؛ لأن سبب الاستحقاق ثابت فيهما جميعًا وهو الجوار على سبيل الملاصقة؛ وقد أقر المشترى بشرط الاستحقاق وهو شراؤهما إلا أنه بدعوى تفريق الصفقة يدعى البطلان بعد وجود السبب وشرطه من حيث الظاهر فلا يصدق إلا ببينة، وأيهما أقام بينة قبلت بينته، وإن أقاما جميعًا البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبى حنيفة ومحمد، وعند أبى يوسف البينة بينة المشترى، ولو قال المشترى: وهب لى هذا البيت مع طريقة من هذه الدار ثم اشتريت بقيتها، وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل؛ فللشفيع الشفعة فيما أقر أنه اشترى ولا شفعة له فيما ادعى من الهبة؛ لأنه وجد سبب الاستحقاق وهو الجوار ووجد شرطه وهو الشراء بإقرار، فهو بدعوى الهبة يريد بطلان حق الشفيع فلا يصدق. وللشفيع الشفعة فيما أقره لشرائه ولا شفعة له في الموهوب؛ لأنه لم يجد من المشترى الإقرار بشرط الاستحقاق على الموهوب، وأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاما جميعًا البينة فالبينة بينة المشترى عند أبى يوسف ﵀؛ لأنها تثبت زيادة الهبة، وينبغى أن تكون البينة بينة الشفيع عند محمد ﵀؛ لأنها تثبت زيادة الاستحقاق، وروى عن محمد فيمن اشترى دارًا وطلب الشفيع الشفعة فقال المشترى: اشتريت نصفًا ثم نصفًا فلك النصف الأول، وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل صفقة واحدة ولى الكل فالقول قول الشفيع؛ لأن سبب ثبوت الحق في الكل كان موجودًا وقد أقر بشرط الثبوت؛ وهو الشراء، ولكنه يدعى أمرًا زائدًا وهو تفريق الصفقة فلا يقبل ذلك منه إلا ببينة. ولو أراد الشفيع أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة فقال البائع والمشترى: كان البيع فاسدًا فلا شفعة لك، وقال الشفيع: كان جائزًا ولى الشفعة فهو على اختلافهم في شرط الخيار للبائع في قول أبى حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبى يوسف: القول قول العاقدين ولا شفعة للشفيع. وفى رواية عن أبى يوسف: القول قول الشفيع وله الشفعة، فأبو يوسف يعتبر الاختلاف بينهم في الصحة والفساد باختلاف المتعاقدين فيما بينهما، ولو اختلفا فيما بينهما في الصحة والفساد كان القول قول من يدعى الصحة، كذا هذا، والجامع أن الصحة أصل في العقد، والفساد عارض (١). مذهب المالكية: جاء في (الحطاب): الشفيع الحاضر إذا أنكر عليه فإنه يصدق ولا تسقط شفعته، وهل تلزمه اليمن قال في (الواضحة): لو أنكر الشفيع العلم

стр. 9145

وهو حاضر فنقل أبو الحسن عن ابن القاسم وأشهب أنه يصدق وإن طال؛ لأن الأصل عدم العلم، قال المتيطى: وهو ظاهر المذهب وقاله غير واحد من الموثقين، ويحلف على ذلك، وقال محمد بن عبد الحكم وابن المواز: يصدق ولو بعد أربعة أعوام، وأن الأربعة كثيرة ولا يصدق في أكثر منها، قال أبو الحسن: ولو علم بالشراء وادعى جهل الشفعة قال: لا يصدق (١). وإذا أنكر المشترى الشراء وادعاه البائع فتحالفا وتقاسما فليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة بإقرار البائع؛ لأن عهدته على المشترى. فإذا لم يثبت المشترى على الشراء فلا شفعة للشفيع، قال في (المدونة): وإن أقر رجل أنه ابتاع هذا الشقص (٢) من فلان الغائب فقام الشفيع فلا يقض له بالشفعة بإقرار هذا حتى يقيم بينة على الشراء؛ لأن الغائب إذا قدم وأنكر البيع له الحق أن يأخذ داره ويرجع على مدعى الشراء بكراء ما سكن (٣). مذهب الشافعية: جاء في (المهذب): وإن أقر أحد الشريكين في الدار أنه باع نصيبه من رجل ولم يقبض الثمن وصدقه الشريك وأنكر الرجل؛ فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا نثبت الشفعة للشريك؛ لأن الشفعة تثبت بالشراء ولم يثبت الشراء فلم تثبت الشفعة للشريك. وذهب عامة أصحابنا إلى أنه تثبت الشفعة، وهو جواب المزنى فيما أجاب فيه على قول الشافعي ﵀؛ لأنه أقر للشفيع بالشفعة وللمشترى بالملك، فإذا أسقط أحدهما حقه لم يسقط حق الآخر، كما لو أقر لرجلين بحق فكذبه أحدهما وصدقه الآخر، وهل يجوز للبائع أن يخاصم المشترى؟ فيه وجهان أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه يصل إلى الثمن من جهة الشفيع فلا حاجة به إلى خصومة المشترى. والثانى: له أن يخاصمه؛ لأنه قد يكون المشترى أجهل في المعاملة من الشفيع، فإن قلنا لا يخاصم المشترى أخذ الشفيع الشقص من البائع وعهدته عليه؛ لأنه منه أخذ وإليه دفع الثمن، وإن قلنا: يخاصمه فإن حلف أخذ الشفيع الشقص من البائع ورجع بالعهدة عليه، وإن نكل فحلف البائع سلَّم الشقص إلى المشترى وأخذ الشفيع الشقص من المشترى ورجع بالعهدة عليه؛ لأنه منه أخذ وإليه دفع الثمن، وإن أقر البائع بالبيع وقبض الثمن وأنكر المشترى فمن قال: لا شفعة إذا لم يقر بقبض الثمن لم تثبت الشفعة إذ أقر بقبض، ومن قال: تثبت إذا لم يقر بقبض الثمن اختلفوا إذا أقر بقبضه، فمنهم من قال: لا تثبت؛ لأنه يأخذ الشقص من غير عوض وهذا لا يجوز، ومنهم من قال: تثبت؛ لأن البائع أقر له بحق الشفعة. وفى الثمن الأوجه الثلاثة والتي ذكرناها فيمن ادعى الشفعة على شريكه وحلف بعد نكول الشريك (٤).

стр. 9146

مذهب الحنابلة: جاء في (كشاف القناع): إن اختلف الشفيع والمشترى في الغراس والبناء اللذين في الشقص المشفوع فقال المشترى: أنا أحدثته فأنكر الشفيع وقال: بل اشريته مغروسًا ومبنيًا فقول المشترى بيمينه؛ لأنه ملك المشترى والشفيع يريد تملكه عليه، فلا يقبل منه إلا ببينة، وإن أقاما بينتين قدمت بينة شفيع، أو إن قال المشترى: اشتريته بألف وأقام البائع بينة أنه باعه بألفين فللشفيع أخذه بألف؛ لأن المشترى مقر له باستحقاقه بألف، فلم يستحق الرجوع بأكثر. فإن قال المشترى: غلطت، أو نسيت، أو كذبت والبينة صادقة لم يقبل قوله؛ لأنه رجوع عن إقراره بحق لآدمى فلم يقبل كما لو أقر له بدين، وإن ادعى الشفيع أنك أيها الواضع يدك على الشقص اشتريته بألف فلى الشفعة، احتاج إلى تحرير الدعوى، فيحدد المكان الذي فيه الشقص. ويذكر قدر الشقص وثمنه، فإن اعترف لزمه، وإن أنكر فقال واضع اليد: بل اتَّهَبتُه، أو ورثته فلا شفعة فالقول قوله مع يمينه أنه اتَّهَبَه، أو ورثه؛ لأن الأصل معه والمثبت للشفعة البيع ولم يتحقق، وإن قال: لا تستحق على شفعة فالقول قوله مع يمينه وهى على حسب جوابه، فإن نكل المدعى عليه عن اليمين أو قامت للشفيع بينة بدعواه فله أخذ الشقص بالشفعة؛ لأن البيع ثبت بالنكول لقيامه مقام الإقرار أو بالبينة، وإذا ثبت تبعته حقوقه، والأخذ بالشفعة من حقوقه وحينئذ يعرض عليه الثمن، فإن أخذه دفع إليه وإلا فيبقى الثمن في يده يعنى في ذمة الشفيع إلى أن يدعيه المشترى فيدفع إليه. وكذا لو ادعى الشفيع أن واضع اليد اشتراه فأنكر وأقر البائع، ولو ادعى شريك على حاضر بيده نصيب شريكه الغائب أنه اشتراه وأنه يستحقه بالشفعة فصدقه المدعى عليه أخذه منه، وكذا لو ادعى الشريك على الحاضر أنه باع نصيب الغائب بإذنه فقال: نعم، فإذا قدم الغائب فأنكر ذلك وانتزع الشقص وطالب بالأجرة من شاء منهما، وقرار الضمان على الشفيع، وإن أنكر واضع اليد أنه اشترى نصيب الغائب وقال: بل أنا وكيل في حفظه، أو مستودع، فالقول قوله مع يمينه؛ فإن نكل احتمل أن يقضى عليه؛ لأنه لو أقر لقضى عليه واحتمل ألا يقضى عليه؛ لأنه قضاء على غائب بلا بينة ولا إقرار (١). مذهب الظاهرية: جاء في (المحلى): في الرجلين بينهما دار أو أرض فقال أحدهما للآخر: أريد أن أبيع ولك الشفعة فاشتر منى؛ فقال له الآخر: لا حاجة لى به قد أذنت لك أن تبيع فباع، ثم يأتى طالب الشفعة فيقول: قد قام الثمن وأنا أحق، قال: الحكم لا شئ له إذا أذن. وجاء في موضع آخر: ومن لم يعرض على شريكه الأخذ قبل البيع حتى باع فوجبت الشفعة بذلك للشريك فالشريك على شفعته علم بالبيع أو لم يعلم، حضره أو لم يحضره، أشهد عليه أو لم يشهد حتى يأخذ متى شاء ولو بعد ثمانين أو أكثر، أو يلفظ بالترك فيسقط حينئذ ولا يسقط حقه بعرض غير شريكه أو رسوله عليه. (٢).

стр. 9147

مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): إذا سلم المشترى المبيع للشفيع ثم ادعى أن الشفيع لا يملك السبب أو أن الشفيع قد كان تراخى فالبينة على المشترى وتقبل بينته إن كان ناكرًا للشفيع عند طلبه أو سكت، وتكون البينة على إقرار الشفيع أنه لا ملك له أو أنه لفلان؛ لا على أنه لا يملك فلا يصح؛ لأنها على نفى، أو تكون البينة على مشاهدة تراخيه بعد العلم أو إقراره ما لم يكن قد حكم للشفيع، لا لو كان المشترى صادق الشفيع على ملك السبب فلا تقبل بينة المشترى؛ إلا أن يدعى أنه جهل ملك الشفيع ظنًا منه أنه يملك السبب ثم بان خلافه فإنها تقبل دعواه وبينته، ويحلف على ذلك إن نوزع في الجهل (١). ثم قال في موضع آخر: والقول عند الاختلاف لمنكر خلاف الأصل فمن ادعى الأصل قبل قوله، ومن خالفه بين، فإن سلم المبيع للشفيع ثم ادعى أنه لا يملك السبب فإن البينة عليه وتكون على أن السبب لفلان أو على إقرار الشفيع بأنه لا يملك السبب، هذا إذا ناكر المشترى الشفيع عند طلبه، لا لو صادقه فلا تقبل بينته إلا أن يدعي المشترى أنه جهل ملك الشفيع فسلم ظنًا منه أنه يملك السبب ثم بان له خلاف ذلك؛ فإنها تقبل دعواه وبينته ويحلف أنه سلم ظنًا منه ذلك، والقول للمشترى أيضًا في نفى السبب وملكه، فإذا قال المشترى للشفيع: لا سبب لك تستحق به الشفعة أو أن هذا السبب الذي تدعى استحقاق الشفعة به ليس بملك فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه، والبينة على الشفيع، ولو كان الظاهر معه، وكذلك الشفعاء فيما بينهم، قال في (الغيث): وإنما كانت البينة على الشفيع وإن كان معه الظاهر؛ لأن من الظاهر معه فالقول قوله إذا أدعى عليه حق مخالف للظاهر لا إذا ادعى بالظاهر حقًّا فعليه البينة. والقول للمشترى أيضًا في نفس العذر في التراخى لو تصادق الشفيع والمشترى على أنه قد وقع تراخٍ من الشفيع حين علم، لكن قال الشفيع: التراخى كان لعذر وأنكر المشترى ذلك فالقول قول المشترى؛ لأن الشفيع ادعى ما تمكن البينة عليه، مثال ذلك أن يقول الشفيع: ما تراخيت إلا أنى سمعت أن البائع وهب منه سهمًا، أو أن الشراء لزيد، أو أن الثمن كذا فأعرضت عن طلبها فتكون عليه البينة أن مخبرًا أخبره بذلك، ولو صغيرًا أو كافرًا، فإن لم يبين حلف المشترى ما يستحق عليه الشفعة، لا لو قال المشترى: أنت تراخيت ونفى ذلك الشفيع كان القول قول الشفيع؛ لأن الأصل عدم التراخى (٢). مذهب الإمامية: جاء في (الروضة البهية): لو ادعى أن شريكه اشترى بعده وأنه يستحق عليه الشفعة فأنكر الشريك التأخر حلف الشريك؛ لأنه منكر، والأصل عدم الاستحقاق، ويكفيه الحلف على نفى الشفعة وإن أجاب بنفى التأخر؛ لأن الغرض هو الاستحقاق فيكفى اليمين لنفيه، وربما كان صادقًا في نفى الاستحقاق، وإن كان الشراء متأخرًا لسبب من الأسباب المسقطة للشفعة فلا يكلف الحلف على نفيه، ويحتمل لزوم حلفه على

стр. 9148

نفى التأخر على تقدير الجواب به؛ لأنه ما أجاب به إلا ويمكنه الحلف عليه، ولو تداعيا السبق تحالفا؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فإذا تحالفا استقر ملكهما لاندفاع دعوى كل منهما بيمين الآخر ولا شفعة؛ لانتفاء السبق (١). مذهب الإباضية: جاء في كتاب (الإيضاح): إن اختصم الشفيع والمشترى على الشفعة فادعى الشفيع أنه اشترى وأنكر المشترى الشراء فعلى الشفيع البينة. ولا يجزيه في ذلك إلا الشهادة بعد إنكار المشترى؛ لأنه انتقال ملك. ويجزيه الخبر قبل الإنكار، وإن لم تكن للشفيع بينة فعلى المشترى اليمين بأنه لم يشتر، ولا يحلفه الحاكم حتى يرسل الأمناء فيردون تلك الأرض التي يحلف عليها؛ لأن ذلك يمين قاطعة، وإن حلف المشترى على ما ذكرنا ثم أتاه الشفيع أو شفيع غيره على ذلك مرة أخرى فليس لهما إليه سبيل بعد ما حلف على الشراء إلا أن يدعيا عليه أنه اشترى بعد اليمين، وإن أنكر البائع والمشترى جميعًا فليس للشفيع إلى ذلك منه سبيل؛ لأن ذلك منه دعوى لغيره، وإن أراد الشفيع أخذ الشفعة على المشترى فقال المشترى: إنك جوزت إلى الشراء؛ أو قطعت عنك الشفعة بعد الشراء؛ أو أطعمتك من ثمارها؛ أو استأجرتك فيها لعمل كذا وكذا وما أشبه ذلك من الوجوه التي تقطع بها الشفعة فعلى المشترى البينة في كل ذلك ويجزيه الخبر دون الشهادة؛ لأن ذلك ليس بانتقال ملك، وإنما هو دعوى في إبطال حق، فإن لم تكن له بينة فعلى الشفيع اليمين على ما يدعيه المشترى قبله، وكذلك أيضًا إن أخذ الشفيع شفعته على المشترى ثم أنكره بعد ذلك فقال: ما أخذت شيئًا فعلى الشفيع الشفعة بأنه قد أخذها عنه، ويجزيه في ذلك الخبر دون الشهادة؛ لأنه ليس بانتقال ملك كما ذكرنا، وإن لم تكن له بينة فعلى المشترى اليمين. وجاء في (الأثر): وأما إن أخذ الشفيع الشفعة عن المشترى ثم عارضه البائع في تلك الأرض وأنكر البيع فعلى الشفيع البينة بأن المشترى قد اشترى عنه، وأنه قد أخذ بالشفعة على المشترى، ثم يأتى بالشهود فيخبرون بالشراء ويخبرون بالخبر عن الشفعة، وهذا إذا كان الشهود الذين حضروا لشرائهم الذين حضروا الشفعة، وأما إذا كان الشهود الذين حضروا الشفعة غير شهود الشراء فلا يشهدون له على البائع، فإن لم تكن له بينة فعلى البائع اليمين، وإنما لزم البائع اليمين هنا؛ لأن الدعوى بعد ثبوت الشفعة له لا لغيره لانتقال ما للمشترى إليه، وإن أتى بالبينة على ما ذكرنا وحكم له الحاكم بالأرض ثم عارضه فيها المشترى وأنكر أن يكون الشفيع أخذها عنه بالشفعة فلا ينصت إليه الحاكم في قوله ولا يرفعه له منها (٢).

стр. 9149

الإنكار في الرهن مذهب الحنفية: جاء في (المبسوط): لو اختلفا في أصل الرهن فقال أحدهما: لم نرتهن، وقال الآخر: بل قد ارتهنا وأقام البينة، وقال الراهن: لم أرهنه لم يكن رهنًا حتى يجتمعا على الدعوى وهو قول أبى يوسف، وكذلك إن كانا شريكين شركة عنان أو مفاوضة وأنكر أحدهما الرهن فقد أكذب شهوده، ومع إكذابه يتعذر القضاء بالرهن في نصيبه فيتعذر القضاء به في نصيب الآخر لأجل الشيوع. ولو كان شريكى عنان فرهنا جميعًا رهنًا لم يكن لأحدهما أن ينقضه دون صاحبه؛ لأنهما كالأجنبى في نقض كل واحد منهما الرهن في نصيب صاحبه، فإن شركة العنان لا تتضمن إلا الوكالة بالبيع والشراء، وفيما سوى ذلك كل واحد منهما في حق صاحبه ينزل منزلة الأجنبى، فإن نقضه وقبضه فهلك عنده كان المرتهن ضامنًا لحصة الذي لم ينتقض؛ لأنه صار مخالفًا برد حصته على الآخر ويرجع عليهما بماله ويرجع بنصف القيمة التي ضمن على الذي قبض منه الرهن؛ لأن القابض منه لا يرده عليه (١). وجاء في موضع آخر: وإذا كان الراهن اثنين فادعى المرتهن عليهما رهنًا وأقام البينة على أحدهما أنه رهنه وقبضه والمتاع لهما جميعًا وهما يجحدان الرهن فإنه يستحلف الذي لم يقم عليه البينة ما رهنه؛ لأنه لو لم يقم البينة على واحد منهما توجهت اليمين عليهما، فكذلك إذا لم يقم البينة على أحدهما، وهذا لأنه يدعى عليه ما لو أقر به لزمه، فإذا أنكر استحلف عليه فإن نكل ثبت الرهن عليهما؛ على أحدهما بالبينة وعلى الآخر بالنكول القائم مقام إقراره، فإن حلف رد الرهن عليهما؛ لأن في نصيب الذي حلف انتفى الرهن من الأصل فلا يمكن القضاء في نصيب الآخر؛ لأن نصيبه نصف شائع من العين، ولو كان الراهن واحدًا والمرتهن اثنين فقال أحدهما: ارتهنت أنا وصاحبى هذا الثوب منك بمائة وأقام له البينة وأنكر المرتهن الآخر وقال: لم نرتهنه وقد قبضا الثوب فجحد الراهن الرهن؛ فإن الرهن يرد على الراهن في قول أبى يوسف، وقال محمد: أقضى به رهنًا وأجعله في يد المرتهن الذي أقام البينة أو على يد عدل، فإذا قضى الراهن المرتهن الذي أقام البينة ماله أخذه الرهن، فإن هلك الرهن ذهب نصيب الذي أقام البينة من المال، فأما نصيب الآخر في الرهن فلا يثبت بالاتفاق؛ لأنه أكذب شهوده بجحوده. ثم قال أبو يوسف: لما انتفى الرهن في نصيب الجاحد انتفى في نصيب المدعى أيضًا لأجل الشيوع كما في الفصل الأول، وهذا لأنه لا يمكن القضاء بجميعه رهنًا للذى أقام البينة، بدليل أنه لا يترك في يده وحده وإن بهلاكه لا يسقط جميع دينه، ولا يمكن القضاء له بالرهن في نصفه لأجل الشيوع ومحمد يقول: هو قد أثبت ببينته الرهن في جميع العين وهو خصم في ذلك؛ لأنه لا يتوصل إلى إثبات حقه في نصيبه إلا بإثبات الرهن على الراهن وعلى المرتهن الآخر، فعرفنا أنه خصم في ذلك كله فيقضى بالرهن في جميع حق الآخر وبجحوده صار رادًا للرهن

стр. 9150

في نصيبه وهو متمكن من ذلك، ولكن لا يتمكن من إبطال حق الآخر في نصيبه فلا يجوز إعادة شئ منه إلى الراهن؛ لأن فيه إبطال حق المرتهن المدعى، ولا يمكن إلزام الجاحد إمساكه مع رده بجحوده ويتعذر جعل الفضل في يد المرتهن المدعى لإقراره بأن الراهن لم يرض بذلك، فيجعل على يده وعلى يد عدل حتى يستوفى هو دينه فإذا سقط حقه ردت العين على الراهن، وإن هلك الرهن ذهب نصيبه من المال بخلاف الأول فهناك الشهود ما شهدوا بالرهن، إلا على أحد المالين فلا يمكن القضاء بالرهن على المالين بحكم تلك البينة (١). مذهب المالكية: جاء في (التاج والإكليل): قال الحطاب: إذا كان لشخص على آخر دين وكان تحت يد صاحب الدين شئ للمديان فادعى أحدهما أن ذلك الشئ رهن في الدين، وقال الآخر: ليس برهن. فالقول قول من ادعى نفى الرهنية. قال في (الجواهر): لو ادعى المرتهن أن ثمرة النخل رهن وأنكر الراهن؛ فالقول قوله (٢). مذهب الشافعية: جاء في (نهاية المحتاج): أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في أصل الرهن كأن قال: رهنتنى كذا فأنكر، أو في قدره أي الرهن بمعنى المرهون كأن قال: رهنتنى الأرض بأشجارها، فقال: بل الأرض فقط، أو في عين الرهن أو قدر المرهون به كمائتين فقال: بل مائة. أو صفة المرهون به كرهنتنى بالألف الحال فقال الراهن: بل بالمؤجل. أو في جنسه كما لو قال: رهنته بالدنانير، فقال: بل بالدراهم؛ صدق الراهن أي المالك بيمينه ولو كان المرهون بيد المرتهن، إذ الأصل عدم ما يدعيه المرتهن وإطلاقه بالنظر للمدعى وإلا فمنكر الرهن ليس براهن (٣). مذهب الحنابلة: جاء في (الكافى): إن قال الراهن: قبضت الرهن بغير إذنى فقال: بل بإذنك؛ فالقول قول الراهن؛ لأنه منكر وإن قال: أذنت لك ثم رجعت قبل القبض فأنكر المرتهن؛ فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الرجوع، وإن كان الرهن في يد الراهن فقال المرتهن: قبضته ثم غصبتنيه فأنكر الراهن؛ فالقول قوله؛ لأن الأصل معه (٤). مذهب الزيدية: جاء في (التاج المذهب): إذا اختلف الراهن والمرتهن كان القول للراهن؛ لأنه منكر خلاف الأصل، والبينة على مدعيه وهو المرتهن فالقول قول الراهن في نفى الرهنية، فلو قال الراهن: دينك ثابت على لكن أرهنك هذا الشئ فقال المرتهن: بل رهنتنيه، فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الرهن (٥). وجاء في موضع آخر: أن القول للمرتهن في أمور منها: لو كان عند المرتهن للراهن عين مرهونة وأخرى وديعة فتلفت إحداهما وبقيت الأخرى، فالقول قول المرتهن في أن الباقى الرهن

стр. 9151

والتالف الوديعة؛ لأن الأصل براءة الذمة وعدم الضمان (١). مذهب الإمامية: جاء في (الروضة البهية): لو اختلفا في الرهن الوديعة بأن قال المالك: هو وديعة، وقال الممسك: هو رهن حلف المالك لأصالة عدم الرهن؛ ولأنه منكر، وللرواية الصحيحة، وقيل: يحلف الممسك استنادًا إلى رواية ضعيفة، وقيل: الممسك إن اعترف له المالك بالدين، والمالك إن أنكره جمعًا بين الأخبار، وللقرينة، وضعف المقابل يمنع من تخصيص الآخر، ولو كان الرهن مشروطًا في عقد لازم تحالفا؛ لأن إنكار المرتهن هنا يتعلق بحق الراهن حيث إنه يدعى عدم الوفاء بالشرط الذي هو ركن من أركان ذلك العقد اللازم فيرجع الاختلاف إلى تعيين الثمن؛ لأن شرط الرهن من مكملاته؛ فكل يدعى ثمنًا غير الآخر فإذا تحالفا بطل الرهن، وفسخ المرتهن العقد المشروط فيه إن شاء (٢). مذهب الإباضية: جاء في (شرح النيل): إن ادعى رجل على رجل دينًا فأقر المدعى عليه بالدين وادعى أنه رهن له شيئًا فأقر المدعى بالرهن ثبت الدين والرهن جميعًا، وإن أنكر الرهن خَلَّف الحاكم مدعى البينة، وإن لم تكن حلف منكره ما رهن عنده شيئًا وحكم له بمال فيأخذه، وإن قال صاحب الشئ: هو في يدك رهن فيما كان لك على، وقال الآخر: أمانة أو قراض أو غصب فصاحب الشئ مدع (٣). وجاء في موضع آخر: ومن ارتهن دارًا وقيضها بإقرار الراهن بلا معاينة شهود يجوز إقراره عليه في ذلك، وإن حجد يوم الخصام وكانت بيده .... يومه قضى عليه بها ودفعت للمرتهن (٤).

стр. 9152

الإنكار في الدعوى وما يترتب عليه: لابد في الدعوى من مدَّعٍ ومدَّعَى عليه. والإنكار إنما يتأتى من المدَّعى عليه؛ ولذلك قيل في تعريف المدعى والمدعى عليه: كل من يشهد بما في يد غيره لنفسه فهو مدع، وكل من يشهد بما في يد نفسه لنفسه فهو منكر ومدعى عليه (١). وقال محمد - رحمه الله تعالى - في الأصل: المدعى عليه هو المنكر، والآخر هو المدعى. قال صاحب تبيين الحقائق: وهذا صحيح غير أن التمييز بينهما يحتاج إلى فقه وحدة ذكاء إذا العبرة للمعنى دون الصورة، فإنه قد يوجد الكلام من شخص في صورة الدعوى، وهو إنكار في المعنى كالمودّع عنده إذا ادَّعى رد الوديعة فإنه مدع للرد صورة، وهو منكر للوجوب معنى، فيحلفه أنه لا يلزمه رده ولا ضمانه، ولا يحلفه على أنه ردها؛ لأن اليمين تكون على النفى ليتحقق الإنكار؛ لأنه ينكر الوجوب عليه، والأصل براءة الذمة فكان القول له. وما دام الإنكار لا يتأتى إلا من المدعى عليه؛ لأنه هو المنكر فسيكون الكلام عن موقف المدعى عليه في الدعوى. متى يجب عليه اليمين؟ وذلك عملًا بقول النبي ﷺ : "البنية على من ادعى واليمين على من أنكر" (٢)، وهل في كل الدعاوى يجب عليه اليمين إذا أنكر أم أن اليمين تجب عليه في بعض الدعاوى دون بعضها الآخر؟ ثم إذا أنكر هل يحلف بمجرد إنكاره دون طلب اليمين منه أم لابد من طلب اليمين منه؟ وإذا حلف فكيف يحلف؟ وعلى أي شئ يحلف؟ وهل يبطل حق المدِّعى بهذه اليمين أم أنه إذا وجد بينة بعد ذلك يُقضى له بها؟ وهل يظهر كذب المنكر بإقامة البينة، ويعاقب على ذلك كشاهد الزور أم لا؟ وهل يعتبر حانثًا في يمينه أم لا؟ هذا إذا حلف، أما إذا أنكر وتوجهت عليه اليمين فنكل، فهل يحكم عليه بنكوله أم ترد اليمينُ على المدِّعى؟ وما الحكم إذا أنكر فبرهن المدعى على صحة دعواه؟ هذه كلها وغيرها آثار تترتب على الإنكار في الدعوى، وللفقهاء فيها آراء ستتبين فيما يأتى: مذهب الحنفية: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: قالوا (٣): إن الدعوى إذا صحت فإن القاضي يسأل المدَّعى عليه عنها لينكشف له وجه القضاء إن ثبت حقه؛ ولأن القضاء بالبينة يخالف القضاء بالإقرار. وهذا لأن الإقرار حجة ملزمة بنفسه، ولا يحتاج فيه إلى القضاء بخلاف البينة فإنها ليست بحجة إلا إذا اتصل بها القضاء فيسقط احتمال الكذب بالقضاء في حق العمل فيصير حجة يجب العمل به كسائر الحجج الشرعية، فإن أقر المدعى عليه، أو أنكر فبرهن المدِّعى، قضى عليه لوجود الحجة الملزمة للقضاء، وإن أنكر المدعى عليه ولم يكن للمدعى بينةٌ حلف المدعى عليه إذا طلب المدعى يمينه؛ لأن النبي ﷺ قال للمدعى: "ألك بينة"؟ قال: لا. فقال ﷺ : لك يمينه. فقال: يحلف ولا يبالى. فقال ﵊: ليس لك إلا هذا، شاهداك أو

стр. 9153

يمينه" (١)، فصار اليمينُ حقًّا له؛ لإضافته إليه بلام التمليك. وإنما صار حقًّا له؛ لأن المنكرَ قصد إثواء حقه على زعمه بالإنكار فمكنه الشارع من إثواء نفسه باليمين الكاذبة وهى الغموس، إن كان كاذبًا كما يزعم، وهو أعظم من إثواء المال وألا يحصل للحالف الثواب بذكر اسم الله تعالى وهو صادق على وجه التعظيم، ولا ترد اليمين على المدعى؛ لقول النبي ﷺ : "لو أعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، لكن اليمين علي المدعى عليه" (٢). جعل جنس اليمين على المنكر؛ لأن الألف واللام للاستغراق، وليس وراءه شئ آخر حتى يكون على المدعى، ولقوله ﵊: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" قَسَمَ بينهما والقسمة تنافى الشركة وفيه الألف واللام. أيضًا - تدل على ما تقدم فيفيد استغراق البينة واليمين، ولهذا لا تقبل بينه ذى اليد. ثانيا: نكول المدعى عليه عن اليمين: قالوا (٣): إن نكل المدعى عليه مرةً صريحًا بقوله: لا أحلف، أو دلالة بسكوته قُضى للمدعى على المدعى عليه، وذلك لإجماع الصحابة رضى الله عنهم أجمعين. وهو مذهب أبى موسى الأشعرى، ولأن النكول على كونه باذلًا أو مقرًا؛ إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين أداء للواجب ودفعًا للضرر عن نفسه فترجحت هذه الجهةُ على غيرها من الترفع والتورع والاشتباه؛ لأن الظاهر أنه يأتى بالواجب فلا يترفع عن الصادقة، والظاهر من حال المسلم أنه لايكذب فلا يكون نكولُه تورعًا عن الكاذبة ظاهرًا باعتبار حاله، ولو كان لاشتباه الحال لاستمهل حتى ينكشف له الحال فتعين أن يكون لأجل البذل ولا وجه لرد اليمين على المدعى، لما روينا من أن اليمين على المنكر، ويعرض القاضي اليمين على المدعى عليه ثلاث مرات ندبًا، يقول له في كل مرة: إنى أعرض عليك اليمين، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه؛ إعلامًا له للحكم؛ لأنه موضع خفاء. فإذا كرر عليه الإنذار والعرض ولم يحلف حكم عليه إذا علم أنه لا آفة به من طرش وخرس وعن أبى يوسف ومحمد. رحمهما الله تعالى. أن التكرار حتم حتى لو قضى القاضي بالنكول مرة لا ينفذ، والصحيح أنه ينفذ، والعرض ثلاثًا مستحب. وهو نظير إمهال المرتد ثلاثة أيام فإنه مستحب فكذا هذا، مبالغةٌ في الإنذار، ولابد أن يكون النكول في مجلس القاضي لأن المعتبَر يمينٌ قاطع للخصومة ولا يعتبر باليمين عند غيره في حق الخصومة فلا يعتبر. ثالثًا: ظهور البينة بعد اليمين: إذا حلف المدعى عليه فالمدعى على دعواه ولا يبطل حقه بيمينه، إلا أنه ليس له أن يخاصمه ما لم يقم البينة على دفعه دعواه، فإن وَجَدَ بينة أقامها عليه وقُضى له بها، وبعض القضاة من السلف كانوا لا يسمعون البينة بعد الحلف، ويقولون: يترجح جانب صدقة باليمين فلا تقبل

стр. 9154

بينة المدعى بعد ذلك كما يترجح جانب صدق المدعى بالبينة حتى لا يعتبر يمين المنكر معها. وهذا القول مهجور غيرُ مأخوذ به، وليس بشئ أصلًا؛ لأن عمر - رضى الله عنه - قَبل البينة من المدعى بعد يمين المنكر، وكان شريح - رحمه الله تعالى - يقول: اليمين الفاجرة أحق أن تُرَدَّ من البينة العادلة. هل يظهر كَذِبُ المنكر بإقامة البينة ؟ الصواب أنه لا يظهر كذبه حتى لا يُعَاقبَ عقوبةَ شاهدِ الزور، ولا يحنث في يمينه إن كان لفلان على فلان ألف فادعى عليه فأنكر فحلف ثم أقام المدعى البينة أن له عليه ألفًا، وقيل عند أبى يوسف: يظهر كذبه، وعند محمد لا يظهر، وفى النهاية: لو اصطلحا على أن المدعى لو حلف، فالمدعى عليه ضامن للمال وحلف فالصلح باطل ولا شئ على المدعى عليه. وفى حاشية الشلبى نقلًا عن الدراية أن الفتوى في دعوى الدَّيْن إن ادعاه من غير سبب فحلف ثم أقام بينة يظهر كذب المدعى عليه، وإن ادعى الدين بسبب وحلف ثم أقام المدعى بينة على السبب لا يظهر كذبُه لجواز أنه وجد القرض ثم وجد الإبراء أو الإلغاء كذا في الفصول (١). هل يُستحلف المنكر مع وجود البينة الحاضرة في المصر ؟ ولو قال المدعى: لى بينة حاضرة وطلب اليمين لم يستحلف، وهذا عند أبى حنيفة رَحِمهُ الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمُه الله تعالى: يستحلف، ومحمد مع أبى حنيفة في رواية، ومع أبى يوسف في رواية أخرى. وهذا الخلاف فيما إذا كانت البينة حاضرة في المصر، فإن كانت خارج المصر يحلف بالإجماع، وإن كانت في مجلس الحكم لا يحلف بالإجماع، ولأبى يوسف رحمه الله تعالى أن اليمين حقه بالحديث، وله غرض صحيح في الاستحلاف؛ وهو أن يدفع به مؤنة المسافة ويتوصل إلى حقه في الحال بإقراره أو نكوله، وفى البينة احتمال، فلعلها لا تقبل فيجيبه إذا طلبه كما إذا كانت خارج المصر، ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أن ثبوت الحق في اليمين مرتب على العجز عن إقامة البينة، فلا يكون حقه دونه، كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس بخلاف ما إذا كانت خارج المصر؛ لأنه قد يتعذر عليه الجمع بين خصمه وشهوده فيكون عاجزًا ولأنه في استحلافه مع حضور الشهود هتك المسلم إذا أقام البينة بعد ما حلف فيجب أن يتوفاة، وقيل لخصمه: أعطه كفيلًا بنفسك ثلاثة أيام كيلا يضيع حقه بتغييبه نفسه، وفيه نظر للمدعى، وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه؛ لأن بحضور واجب عليه إذا طلبه (٢). رابعًا: الدعاوى التي لا يستحلف فيها المنكر والتي يستحلف فيها: ولا يسْتَحْلَفَ المنكرٌ في دعاوى النكاح كما إذا ادعى الرجل النكاح وأنكرت المرأة أو بالعكس، ولا في دعوى الرجعة إذا ادَّعى الرجل بعد الطلاق وانقضاء العدة الرجعة في العدة وأنكرت المرأة أو بالعكس، ولا في دعوى الفئ إذا ادعى الرجل

стр. 9155

بعد انقضاء مدة الإيلاء الفئ وفى المدة وأنكرت المرأة أو بالعكس، ولا في دعوى الاستيلاد إذا ادعت الأمةُ على مولاها أنها ولدت منه ولدًا أو ادعاها وقد مات الولد، ولا يجرى في هذه المسألة العكسُ؛ لأن المولى إذا ادعى ذلك تصير أمّ ولد بإقراره ولا اعتبار بإذكار الأمة، ولا في دعوى الرق والنسب إذا ادعى الرجل على مجهول النسب أنه عبدُه أو ولدُه وأنكر المجهولُ أو بالعكس أو اختصما في ولاء العتاقة أو ولاء الموالاة على هذه الوجه، ولا يستحلف في دعوى الحد كما إذا ادعى رجل على آخر أنك قذفتنى بالزنا وعليك الحد، ولا في دعوى اللعان، كما ادعت المرأة على الزوج أنك قذفتنى بالزنا، وعليك الحد (١). وقال القاضي الإمامُ فخرُ الدين رحمه الله تعالى، الفتوى على أنه يُستحلف المنكر في الأشياء الستة أي في الأشياء التي سبق ذكرها ما عدا الحدَّ واللعانَ، وهو قول أبى يوسف ومحمد، والقول الأول قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى ووجه ما قاله أبو يوسف ومحمد أن هذه حقوق تَثْبتُ مع الشبهات فيجرى فيها الاستحلافُ كالأموال بخلاف الحدود واللعان، وهذا لأن فائدة الحلف ظهور الحق بالنكول، والنكول إقرار؛ لأن اليمين واجبُ فتركهُ دليلٌ على أنه باذلٌ أو مقرٌّ، ولا يمكن أن يجعل باذلًا؛ لأنه يجوز ممن لا يجوز البذلُ منه كالمكاتب والعبد المأذون له في التجارة، وكذا يجوز في الدين، ولا يجوز بذله، ويجب على القاضي أن يقضى بالنكول. ويصحٌ إيجابُه في الذمة ابتداءً، ولو كان بذلًا لما صح ولا وجب، فتعين أن يكون مقرًا، والإقرار يجرى في هذه الأشياء لكنه إقرار فيه شبهة البذل فلا يثبت به ما يسقط بالشبهات بذلًا لما صح، ولا وجب وكذا يجب القصاص به فيما دون النفس ويصح في الشائع فيما يقسَّم ولو كان؛ لأنه كالحدود واللعان، وهذا لأن نكولَه يدل على أنه كاذب في الإنكار. ولولا ذلك لما نكل، لأن اليمين الصادقة فيها الثوابُ بذكر الله تعالى على وجه التعظيم وصيانة ما له وعرضه بدفع تهمة الكذب عن نفسه، والعاقل يميل إلى مثل هذه، واليمين الكاذبة فيها هلاك النفس، فالظاهر أنه أعرض عنها مخالفة الهلاك ومخالفةٌ لهواه وشح نفسه وإيثارًا للرجوع إلى الحق؛ إذ هو أولى من التمادى على الباطل، قال الله تعالى، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فيكون إقرارُه ضرورة. ووجه ما قاله أبو حنيفة من أن المنكر لا يستحلف في الأشياء الستة أن النكول بذل وإباحة، وهذه الحقوق لا يجرى فيها البذل والإباحة فلا يقضى فيها بالنكول كالقصاص في النفس وكالحدود واللعان، وفى حمله على البذل صيانة عرضه من الكذب فكان أولى؛ ولهذا لا يجوز إلّا في مجلس القاضي وقضائه، ولو كان إقرارًا لجاز مطلقًا بدون القضاء (٣). ثم قال صاحب (تبيين الحقائق): إن الدعوى في هذه المسائل تتصور من أحد الخصمين أيهما كان إلا الحد واللعان والاستيلاد، فإنه لا يتصور

стр. 9156

أن يكون المدعى فيها إلا المقذوف والمُولى. واختار فخر الإسلام على البزدوى قول أبى يوسف ومحمد للفتوى على ما ذكره في المختصر، واختيار المتأخرين من مشايخنا على أن القاضي ينظر في حال المدعى عليه، فإن رأه متعنتًا يحلفه أخذًا بقولهما، وإن رآه مظلوما لا يحلفه أخذًا بقول أبي حنيفة ﵁، وهو نظر ما اختاره شمس الأئمة في التوكيل بالخصومة بغير رضا الخصم إن رأى من الخصم التعنت وقصد الإضرار بالآخر قبل بغير رضاه وإلا فلا. وذكر الصدر الشهيد - رحمه الله تعالى - أن الحدود لا يُسْتَحلف فيها بالإجماع إلا إذا تضمن حقًّا بأن علَّق عتق عبده بالزنا وقال: إن زنيت فأنت حرٌ، فادعى العبد أنه قد زنى، ولا بينة عليه يُستحلف المَولى حتى إذا نكل ثبت العتق دون الزنا، ثم إذا لم يحلف المنكر في النسب عند أبى حنيفة، هل تقبل بينة المدعى؟ ينظر فإن كان نسبًا يثبت بالإقرار تقبل بينة، وذلك مثل الولد والوالد، وإن لم يثبت بإقراره لا تقبل بينته مثل الجد وولد الولد والأعمام والإخوة وأولادهم؛ لأن فيه حمل النسب على الغير بخلاف دعوى المولى الأعلى أو الأسفل، حيث تقبل، وإن ادعى أنه معتق جدّه، ونحو ذلك، وعند أبى يوسف ومحمد يثبت بالنكول إذا كان نسبًا يثبت بإقراره، وإلا فلا (١). وفى (حاشية الشلبى) نقلًا عن الهداية قال: إنما يستحلف في النسب المجرد عند أبى يوسف ومحمد إذا كان يثبت بإقراره قال الأفنانى: يعنى يثبت الاستحلاف عند أبى يوسف ومحمد في النسب المجرد بدون دعوى حق آخر، ولكن يشترط أن يثبت النسبُ بإقرار المقر، أما إذا كان بحيث لا يثبت النسب بإقرار المقر فلا يجرى الاستحلاف في النسب المجرد أيضًا، قال شيخ الإسلام المعروف (بخوا هرزاده) في مبسوطه في باب الاستحلاف في الادعاء: الأصل في هذا الباب أن المدعى قبل النسب إذا أنكر: هل يستحلف؟ إن كان بحيث لو أقر به لا يصح إقراره عليه، فإنه لا يستحلف عندهم جميعًا؛ لأن اليمين لا يفيد، فإن فائدة اليمين النكول حتى يجعل النكول بدلًا أو إقرارًا فيقضى عليه، فإذا كان لا يُقضى عليه لو أقر فإنه لا يُستحلف عندهم جميعًا، وإن كان المدعى قبله بحيث لو أقر به لزمه ما أقر به، فإذا أنكر هل يستحلف على ذلك؟ فالمسألة على الاختلاف، فعند أبى حنيفة لا يستحلف، وعند أبى يوسف ومحمد يستحلف، فإن حلف برئ عن الدعوى، وإن نكل عن اليمين لزمته الدعوى ثم قال: وما ذكر من أنه لا يمين في النسب إذا وقعت الدعوى في مجرد النسب، فأما إذا وقعت بلا ادعاء في النسب والميراث والنفقة وأنكر المدعى قبله فإنه يستحلف عند أبى حنيفة للمال لا للنسب، يستحلف بالله ما له في ذلك المال الذي يُدعى حق وعند أبى يوسف ومحمد يستحلف للنسب والمال جميعًا؛ لأن الإدعاء وقع في النسب والمال جميعًا، والمال مما يجرى فيه الاستحلاف عندهم جميعًا، فيستحلف للمال وإن كان لا يستحلف للنسب عند أبى حنيفة (٢).

стр. 9157

ثم قال صاحب الكنز وشارحه: ويستحلف السارق، فإن نكل ضمن ولم يقطع؛ لأن موجب فعله شيئان: الضمان وهو يجب مع الشبهة، فيجب بالنكول والقطع، وهو لا يجب مع الشبهة، فلا يجب بالنكول فصار نظير ما إذا ثبتت السرقة بشهادة رجل وامرأتين، أو بالشهادة على الشهادة أو بكتاب القاضي إلى القاضي، فإن ضمان المال يجب بها دون القطع ويقول في الاستحلاف بالله: ما له عليك هذا المال، وعن محمد (رحمه الله تعالى): أن القاضي يقول للمدعى: ماذا تريد؟ فإن قال: أريد القطع، قال له: إن الحدود لا يستحلف فيها فليس لك يمينه، فإن قال: أريد المال، قال له: دع دعوى السرقة وادّع المال، ويستحلف الزوج إذا ادعت المرأة طلاقا قبل الوطء، فإن نكل ضمن نصف المهر، وهذا بالإجماع؛ لأن الاستحلاف يجرى في المال بالاتفاق، لا سيما إذا كان المقصود هو المال، وكذا في النكاح، إذا ادعت الصداق أو النفقة؛ لأنه دعوى المال، ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح، وكذا يستحلف في النسب إذا ادعى حقًّا كالإرث والحجر والنفقة والعتق بسبب الملك امتناع الرجوع في الهبة، فإن نكل ثبت الحق، ولا يثبت النسب إن كان نسبًا لا يصلح الإقرار به، وإن كان يصح الإقرار به فعلى الخلاف الذي ذكرنا، ويستحلف جاحد القود، فإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر، ولا يقتص منه وفيما دون النفس يقتص منه، وهذا عند أبى حنيفة (رحمه الله تعالى)؛ وقال أبو يوسف ومحمد: يجب عليه الأرش فيهما؛ لأن النكول إقرار فيه شبهة عندهما؛ لأن في امتناعه عن اليمين احتمالا لأجل الترفع فلا تجب به العقوبة كالحدود، فإذا امتنع وجوب القصاص يجب عليه الأرش (١). مذهب المالكية: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: تنقسم الدعاوى الصحيحة المستكملة إلى قسمين: القسم الأول: دعاوى تثبت بدون شاهدين، وإنما يكتفى في إثباتها بشاهد وامرأتين أو أحدهما ويمين، وذلك كدعاوى المال أو ما يؤول إلى المال، والقسم الثاني: الدعاوى التي لا تثبت إلا بشاهدين كالقتل والطلاق والعتق والنسب وغيرها (٢). القسم الأول: الدعاوى التي تثبت بدون شاهدين: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أنه إذا أقيمت الدعوى وبين المدعى السبب فإن القاضي يأمر المدعى عليه بأن يجيب بالإقرار أو الإنكار، فإن أقر فواضح، وإن لم يقر طلب الحاكم من المدعى البينة، فإن أقامها فظاهر، وإلّا توجهت اليمين على المدعى عليه، وهي لا تتوجه عليه إلّا إذا أثبت المدعى أنه خالط، فإن أنكر المدعى عليه أن بينهما معاملة فيشترط لتوجه اليمين حينئذ أن يثبت المدعي أنه خالط المدعى عليه بدين مترتب على بيع الأجل أو مال أو قرض ولو مرة بأن تقول البينة تشهد أنه كان أقرضه أو باع له سلعة كذا بثمن في الذمة حال أو مؤجل ولا نعرف قدر الثمن أو القرض ولا نعلم بقاءه أو يثبت المدعى أنه تكرر

стр. 9158

بينهما بيع بالنقد الحال؛ ولو كان ثبوت الخلطة بشهادة امرأة لأن القصد من الخلطة حصول الظن بثبوت المدعى به وهو يثبت بشهادة الواحد ولو أنثى ولا تثبت الخلطة ببينة جرحها المدعى عليه بعداوة ونحوها، ثم إن الذي عليه العمل أنه لا يشترط في توجه اليمين ثبوت الخلطة، وهو قول ابن نافع وصاحبه (١). وفى المتيطية عن ابن الحكم مثل ذلك، وأن اليمين تجب على المدعى عليه دون خلطة، وبه أخذ ابن لبابة وغيره من المتأخرين؛ لقول النبي ﷺ : "البينة على المدعى واليمين على من أنكر". أما ما ذكره خليل من اشتراط الخلطة لتوجه اليمين على المنكر فهو قول الإمام مالك وعامة أصحابه، وهو المشهور من المذهب، لكن المعتمد قول ابن نافع لجريان العمل به، ومعلوم أن ما جرى به العمل مقدم على المشهور في المذهب إن خالفه (٢). القسم الثاني: الدعاوى التي لا تثبت إلا بشاهدين: وهذه لا تتوجه اليمين فيها على المنكر بمجردها، فقد جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أن كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين كالقتل والعقد والنكاح والطلاق فلا يمين على المدعى عليه بمجردها من المدعى بل حتى يقيم عليها شاهدًا واحدًا ويعجز عن الثاني فيحلف المدعى عليه لرد شهادته، فإذا ادعى إنسان على شخص أنه قتل وليه ولم يقم بينة فلا يمين على ذلك الشخص المدعى عليه، إذا ادعى العبد على سيده أنه أعتقه أو كاتبه بكذا ولم تقم بينه فلا يمين على ذلك السيد، أو ادعت المرأة على زوجها أنه طلقها ولم تقم بينة فلا يمين على الزوج، أو ادعى إنسان على ولى مجبره أنه زوَّجِه بنته أو أمته ولم يقم بينة فلا يمين على الولى، فإن لم تتجرد الدعوى بأن أقام المدعى عدلًا فقط توجهت اليمين على المدعى عليه، ولا ترد لكن توجهت في غير النكاح، فإن حلف من توجهت عليه وهو المدعى عليه كالسيد في العتق ترك وإن نكل حُبس، فإن طال حبسه دُيِّن (٣). أما في النكاح فلا تتوجه اليمين كما لو ادعى رجل أن فلانًا زوجه ابنته وأنكر الأب فأقام الزوج شاهدًا واحدًا بذلك فلا تتوجه اليمين على الأب، ولا يثبت النكاح والفرق بين النكاح وغيره كالعتق والطلاق أن الطالب في النكاح الشهرة فشهادة الواحد فيه ريبة؛ فلذا لم يطالب الولى المجبر باليمين لرد شهادة الشاهد بخلاف غير النكاح كالعتق والطلاق فإنه ليس الطالب فيه الشهرة فلا ريبة في شهادة الواحد فيه؛ ولهذا أمر المدعى عليه باليمين لرد شهادته، ولا يجوز للمدعى عليه أن يرد هذه اليمين على المدعى بحيث إذا حلفها يثبت الحق المدعى به من قتل وعتق ونكاح وطلاق؛ لئلا يلزم ثبوت ما ذكر بشاهد ويمين مع أنه لا يثبت إلا بعدلين، وحينئذ فلا فائدة في رد اليمين على المدعى (٤).

стр. 9159

من له حق تحليف المنكر: جاء فى (الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه): أنه إذا توجهت اليمين على المنكر فتحليفه يكون بطلب من المدعى؛ لأن اليمين المعتد بها في مقام المخاصمة المسقطة للبينات هي اليمين المطلوبة، وأنه لو حلَّفه القاضي بغير طلب خصمه لم تفده يمينه ولخصمه أن يعيدها عليه ثانية وله إقامة البينة إذا وجدها، وهو كذلك كما في ابن غازى والشيخ أحمد الزرقانى، فإذا طلب المدعى تحليفه حلَّفه القاضي يمينًا واحدة، سواء كان ما ادعى به المدعى شيئًا واحدًا أو كان أمورًا متعددة، فاليمين الواحدة كافية في إسقاط الخصومات وفى صنع إقامة البينة بعد ذلك، ولو كان المدعى به متعددًا (١). ثم قال: ولو ادّعى شخص على آخر بحق فقال المدعى عليه للمدعى: أنت قد حلفتنى عليه سابقًا وكذَّبه المدعى، للمدعى عليه تحليف المدعى أنه لم يحلفه أولًا، ويكون القول للمدعى بيمينه، فإن حلف أنه ما حلفه قبل ذلك فله تحليفه، فإن حلف إلا غُرم، وإن نكل للمدعى عليه أن يحلف أنه قد حلفه سابقًا، ويسقط الحق، فإن نكل لزمته اليمين المتوجهة عليه ابتداءً، وبرئ، وله ردها على المدعى، قال المازرى: وكذا للمدعى عليه إذا شهدت عليه البينة تحليف المدعى أنه لم يعلم بفسق شهوده، فإن حلف بقى الأمر بحاله، فإن نكل ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف سقط الحق (٢). إنكار المدعى عليه بعد إقراره إذا أقر الخصم بالحق في مجلس القاضي وحكم عليه من غير أن يشهد على إقراره ثم أنكر الخصم إقراره بعد الحكم عليه بالحق، فإن إنكاره لا يفيد، والحكم قد تم فلا ينقض. أما لو أنكر قبل الحكم عليه والحال أنه لم يحصل إشهاد على إقراره فلا يحكم عليه؛ لأنه من الحكم المستند لعلمه ما لم تكن بينة حاضرة تشهد عليه به، وهذا على المشهور، وهو قول ابن القاسم، وقال عبد الملك وسحنون: إنه يحكم عليه (٣). ثانيا: المدعى عليه عن اليمين: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أنه إن نكل المدعى عليه حيث توجهت عليه اليمين في مال وما يؤول إليه كخيار وأجل استحق الطالب حقه بالنكول مع يمين منه - أي من الطالب - لا بمجرد النكول، وهذا إن حقق المدعى ما ادعى به، فالتحقيق قيد في يمينه، فإن لم يحلف المدعى سقط حقه، أما لو كان موجب توجه اليمين التي نكل عنها المدعى عليه هو التهمة؛ فإن المدعى يستحق ما داعى به بمجرد النكول؛ لأن يمين التهمة لا ترد، قال الدسوقى: وقد اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه وهو قول ابن القاسم، وقال الشهب: لا تتوجه، وعلى الأول فالمشهور أنها لا تنقلب بل يغرم المطلوب بمجرد النكول، وفى سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب، ثم إنه على توجه يمين التهمة فإنها تتوجه، ولو كان المدعى عليه ليس من

стр. 9160

أهل الاتهام؛ لأن المراد بالتهمة ما قابل التحقيق، ويجب على الحاكم أن يبين للمدعى عليه حكم النكول، أي ما يترتب عليه في دعوى التحقيق أو التهمة بأن يقول له في التحقيق: إن نكلت حلف المدعى واستحق، وفى الاتهام: إن نكلت استحق بمجرد نكولك، والبيان من الحاكم شرط في صحة الحكم، ولا يمكن من توجهت عليه يمين منها إن نكل أو بأن قال: لا احلف، أو قال لخصمه: أحلف أنت وخذ، وسواء كان من توجهت عليه مدعيا أو مدعى عليه، فالأول كما لو وجد المدعى شاهدًا وامتنع من الحلف معه، وطلب تحليف المدعى عليه، والثانى كما لو عجز المدعى عن البينة وطلب اليمين من المدعى عليه فنكل، وقال: لا أحلف بخلاف من التزم اليمين أولا ثم رجع، فله الرجوع، وذلك يشمل المدعى والمدعى عليه، وصورته في المدعى أن يدعى زيد علي عمرو بحق، وأقام شاهدًا واحدًا فقيل له: احلف مع شاهدك فرضى والتزم بالحلف ثم رجع عن الحلف وقال: لى شاهد ثان أو يحلف المدعى عليه فإنه يمكن من الرجوع، وصورة المدعى عليه أن يدعى زيد على عمرو بحق ولا بينة لذلك المدعى فطلبت اليمين من عمرو، وهو المدعى عليه فقال: احلف، ورضى باليمين والتزمها ثم إنه رجع عنها وقال: أنا لى بينة بالدعوى، أو قال: لا أحلف وإنما يحلف المدعى وأنا أغرم له فإنه يمكن من الرجوع عن اليمين؛ وذلك لأن التزامه لا يكون أشد من إلزام الله له، فإذا كان له أن يرد اليمين ابتداء على المدعى مع إلزام الله له باليمين فأحرى أن يردها عليه مع التزامه هو لها، وإن ردت يمين على مدع أو مدعى عليه من مقيم شاهد في مال وسكت من ردت عليه زمنا لم يقض العرف بأنه نكول فيما يظهر، وأولى لو طلب المهلة ليتروى في الإقدام عليها والاحجام ثم طلب الحلف بعد ذلك فله الحلف، ولا يعد سكوته نكولًا (١). ثالثا: ظهور البينة: جاء في (الشرح الصغير): أنه إن أنكر المدعى عليه قال القاضي للمدعى: ألك بينه تشهد لك عليه؟ فإن نفاها فللمدعى استخلافه، فإن حلف برئ، وإذا برئ فلا تقبل للمدعى بعد ذلك بينة إلا لعذر كنسيان لها عند تحليفه المدعى عليه، وحلف إن أراد القيام بها أنه نسيها، وكذا إذا لم يعلم بها قبل تحليف المدعى عليه فله إقامتها، وحلف ما لم يشترط أنه إن ظهرت له بينة يقيمها ولا يحلف، فإنه يعمل بذلك ولا يحلف، وكذا إذا كانت عندة بينة ولكنه ظن أنها لا تشهد له، أو ظن أنها ماتت فله إقامتها، وكذلك إذا كانت الدعوى لا تثبت إلّا بشاهدين وأحضر المدعى شاهدًا واحدًا وطلب منه الشاهد الثاني فقال: ليس عندى إلا هذا فحلف المدعى عليه يمينا لرد شهادة هذا الشاهد ثم وجد المدعى الشاهد الثاني، وكان قد نسيه أو كان لم يعلم به فله أن يقيمه ويضمه للأول بعد حلفه أنه نسيه مثلًا، ويلغى يمين المدعى لكونه لم تصادف محلًا (٢)، ثم قال: وإن أقام المدعى البينة قال القاضي للمدعى عليه: أبقيت لك حجة وبعد هذه البينة، فإما أن يقول: نعم، وإما أن يعجز (٣)، فإن قال المدعي عليه: نعم

стр. 9161

لى حجة ومطعن في هذه البينة أنظره القاضي للإتيان بها بالاجتهاد منه؛ إذ ليس للإنذار حد معين، وإنما هو موكول إلى اجتهاد الحاكم، وهذا ما لم يتبين لرده، وإلا حكم عليه من حين تبين اللدد ومثل ذلك ما لو قال: لى بينة بعيدة الغيبة هي التي تجرح بينة المدعى، فإنه يحكم عليه من الآن إلا أنه في هذه يكون باقيًا على حجته إذا قدمت بينة ويقيمها عند القاضي أو عند غيره كما في الخرشي (١). ثم قال: وإذا لم يأت بحجة معتبرة شرعًا حكم عليه بمقتضى الدعوة من مال أو غيره كما يحكم عليه إذا نفى حجته وقال: لا حجة عندى، وحكم القاضي بعجزه بعد إنظاره، وسجَّل التعجيز فلا تقبل له حجة بعد ذلك … ويستثنى من التعجيز خمس مسائل ليس للقاضى فيها تعجيز، وهى: المسألة الأولى: دعوى الدم، كأن يدعى عليه بأنه قتل وليه عمدًا، وله بينة بذلك، فأنظره القاضي ليأتى بها فلم يأت بها فلا يعجزه، فمتى أتى بها حكم بقتل المدعى عليه. المسألة الثانية: ادعاء الرقيق أن سيده أعقته وأنكر السيد وقال العبد: عندى بينة فأنظره لها فلم يأت بها فلا يعجزه بل متى أقامها حكم بعتقه (٢). المسألة الثالثة: إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها وأن لها بينة بذلك، ولم تأت بها فلا يعجزها فمتى أقامتها حكم بطلاقها. المسألة الرابعة: إذا ادعى إنسان الحبس على الواقف أو واضع اليد المنكر وقال: لى بينة على وقفه فأنظره الحاكم فلم يأت بها فلا يعجزه فمتى أتى بها حكم بالوقف، المسألة الخامسة: مسألة النسب إذا ادعاه إنسان أنه من ذرية فلان وله بذلك بينة، فإن لم يأت بها بعد الإنظار لم يحكم بتعجيزه، وهو باق على حجته متى أقامها حكم بنسبه، فهذه المستثنيات إنما هي مفروضة في كلام الأئمة في الطالب، وأما المطلوب فيعجزه فيها وفى غيرها كما ذكره بعضهم، وإن أنكر المدّعى عليه المعاملة تكذب بينته بالقضاء، وهذا بخلاف قوله للمدعى: لا حق لك عليّ فأقام المدعى بينة بالحق، فأقام هو بينة بالقضاء فتقبل بينتة؛ لأنه لم ينكر أصل المعاملة، وإنما أنكر الحق المطلوب منه فقط، وليس فيه تكذيب لبينته بالقضاء (٣). رابعًا: الدعاوى التي يستحلف فيها المنكر والتي لا يستحلف فيها: جاء في (الشرح الكبير): وحلف المدعى عليه في دعوى لا يثبت إلا بشاهدين كزوج وسيد بشاهد أي: بسبب إقامته عليه، ومثل الشاهد كما في المدونة في دعوى طلاق ادعته المرأة على زوجها فأنكر، ودعوى عتق ادعاه العبد على سيده فأنكر، ومثلهما - القذف كما قال اللخمى - ادعاه حر عفيف على غيره فأقام المدعى شاهدا فقط أو امرأتين على ما ذكر فيحلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد لا في نكاح ادعاه أحد الزوجين على الآخر، فلا يحلف المدعى عليه المنكر، فإن منكر الطلاق أو العتق برئ، وإن نكل حبس ليحلف فيهما كالقذف عند اللخمى فمتى حلف ترك، وإن لم يحلف وطال حبسه كسنة دُيِّن - أي: وكل لدينه - وخلى بينه وبين زوجته ورقيقه، ولا

стр. 9162

يحد القاذف، والفرق بين ما ذكر وبين النكاح أن غير النكاح لو أقر به ثبت ولزم بخلاف النكاح، ولأن الأصل عدم النكاح فمدعيه ادعى خلاف الأصل بخلاف من ادعى الطلاق والعتق فإنه ادعى الأصل من حيث إن الأصل في الناس الحرية وعدم العصمة، وأيضا الغالب في النكاح شهرته، فلا يكاد يخفى على الأهل والجيران فالعجز عن إقامة الشاهدين فيه قرينة كذب مدعيه (١). وجاء في (التاج والإكليل): لو أن رجلا ادعى نكاح امرأة أو العكس أنه لا يمين على المنكر إذ لا يقضى فيه بالنكول، إذ لا ينعقد النكاح بالإيمان (٢). مذهب الشافعية: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: جاء في (مغنى المحتاج): إذا ادعى أحد الخصمين دعوى صحيحة طالب القاضي الخصم بالجواب وإن لم يسأله المدعى؛ لأن المقصود فصل الخصومة وبذلك ينفصل، فإن أقر الخصم بما ادُّعى عليه به حقيقة أو حكما فذاك ظاهر في ثبوته بغير حكم بخلاف البينة، فإنها تحتاج إلى نظر واجتهاد، وللمدعى بعد الإقرار أن يطلب من القاضي الحكم عليه، وإن أنكر الخصم الدعوى، وكانت مما لا يمين فيها في جانب المدعى فللقاضى أن يقول للمدعى: ألك بينة؟ وإن كان الحق مما يثبت بالشاهد واليمين قال له: ألك بينة أو شاهد مع يمين؟ فإن كان اليمين في جانب المدعى لكونه أمينا أو في قسامة قال له: أتحلف ويقول للزوج المدعى على زوجته بالزنا: أتلاعنها؟ وللقاضى أن يسكت ولا يستفهم من المدعى عن البينة تحرزا عن اعتقاد ميله إليه، إلا إذا جهل المدعى أن له إقامة البينة، فلا يسكت بل يجب إعلامه بأن له ذلك (٣). إذا أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى لغير دهشة أو غباوة جعل حكمه كمنكر للمدعى به ناكل عن اليمين، وحينئذ فترد اليمن على المدعى بعد أن يقول له القاضي: أجب عن دعواه وإلا جعلتك ناكلا، فإن كان سكوته لنحو دهشة أو غباوة شرح له ثم حكم بعد ذلك عليه، وسكوت الأخرس عن الإشارة المفهمة للجواب كسكوت الناطق، ومن لا إشارة له مفهمة كالغائب، والأصم الذي لا يسمع أصلا إن كان يفهم الإشارة فهو كالأخرس، وإلا فكالمجنون، فلا تصح الدعوى عليه فلو كان البصير الأصم أو الأخرس الذي لا يفهم كاتبا قال الأدزَعِيُّ: يشبه أن يقال كتابته دعوى وجوابا كعبارة الناطق أما إذا لم يُصبَّر المدعى عليه على السكوت فَيُنْظْر، فإن ادعى عليه عَشَرةٌ مثال فقال في جوابه: هي عندى، أو ليس لك عندى شئ فذاك ظاهر، وإن قال: لا تَلزِمِنى العشرة لم يكف ذلك في الجواب حتى يقول: لا تلزمنى العشرةٌ ولا بعضها، وكذا يحلف إن حلفه القاضي؛ لأن مدعى العشرة مدع لكل جزء منها، فاشترط مطابقة الإنكار واليمين دعواه وقوله: لا تلزمنى العشرة، إنما هو نفى لمجموعها، ولا يقتضى نفى كل جزء منها فقد

стр. 9163

تكون عَشَرة إلَّا حَبَّة، فإن حلف على نفى العشرة واقتصر في حلفه عليه فيعتبر ناكلا عما دون العشرة، فيحلف المدعى عَلى استحقاق دون العشرة بجزء، وإن قلَّ ويأخذه أي ما دون العشرة وإن لم يجدد دعوى. هذا إذا لم يسْند المدعى إلى عقد، فإن أسنده إلى عقد كأن ادعت امرأة نكاحا بخمسين كفاه نفى العقد بها والحلف عليه، فإن نكل لم تحلف هي على البعض إلا بدعوى جديدة لا تناقض ما داعته، وإن ادعى دارًا بيد غيره فأنكرها فلابد أن يقول في حَلِفِهِ: ليست لك ولا شئ منها، ولو ادعى أنه باعه إياها كفاه أن يحلف أنه لم يبعها، ولو ادعى عليه مالا فأنكر وطلب منه اليمن فقال: لا أحلف وأعطى المال لا يجب على المدعى قبوله من غير إقرار وله تحليفه؛ لأنه لا يأمن من أن يدعى عليه بما دفعه بعد هذا (١). وكذا لو نكل عن اليمين وأراد المدعى أن يحلف يمين الرد فقال المدعى عليه: أنا أبذل المال له بلا يمين فللمدعى عليه أن يحلف ويقول له الحاكم: إما أن تقر بالحق أو يحلف المدعى بعد نكولك، قاله البغوي والمروزى وغيرهما، وإن ادعى مالا مضافا إلى سبب كأقرضتك كفاه في الجواب عن هذه الدعوى: لا تستحق أنت على شيئًا، أو لا يلزمنى تسليم شئ إليك، وإن ادعى عليه شفعة كفاه في الجواب أن يقول: لا تستحق أنت على شيئًا، أو لا تستحق عليّ تسليم الشفعة، ونازع البلقينى في جواب دعوى الشفعة وقال: أكثر الناس لا يعدون الشفعة مستحقة على المشترى؛ لأنها ليست في ذمته فلا يتعلق به ضمانها كالغصب وغيره، فالجواب المعتبر هو أن يقول: لا شفعة لك عندى، وإذا ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها كفاه في الجواب: أنت زوجتى، واستثنى بعضهم من ذلك ما لو ادعى عليه وديعة فلا يكفى في الجواب أن يقول: لا يلزمنى التسليم إذ لا يلزمه تسليم، وإنما يلزمه التخلية فالجواب الصحيح أن ينكر الإيداع أو يقول: لا تستحق على شيئًا أو يقول: هلكت الوديعة أورددتها، ويحلف المدعى عليه على حسب جوابه هذا، أو على نفى السبب ولا يكلف التعرض لنفيه، فإن تبرع وأجاب بنفى السبب المذكور كقوله في صورة القرض السابقة: ما أقرضتنى كذا حلف على نفى السبب، كذلك ليطابق اليمين الإنكار، وقيل له: الحلف بالنفى المطلق كما لو أجاب به، الأول راعى مطابقة اليمين للجواب، ولو حلف على نفى السبب بعد الجواب المطلق جاز كما نقلاه عن البغوي وأقراه، ولو كان بيده مرهون أو مكرى وادعاه كلٌّ من مالكه أو نائبه كفاه في الجواب أن يقول: لا يلزمنى تسليمه إليك، ولا يجب التعرض للملك فلو اعترف بالملك للمدعى، ولكن ادعى بعده الرهن والإجارة وكذبه المدعى فالصحيح أنه لا يقبل منه ذلك إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه، والثانى يقبل قوله بدونها؛ لأن اليد تصدقه في ذلك (٢). كل من وجبت عليه يمين بأن الزم بها في دعوى صحيحة لو أقر بمطلوبها لزمه ذلك المطلوب فأنكر خُلِّفَ لخبر "البينة على المدعى

стр. 9164

واليمين على المنكر" (١) وفى الصحيحين: "اليمين على المدعى عليه (٢) (٣) ولو قال المدعى عليه: أنا صبى وأحتمل ذلك لم يحلف ووقف أمره في الخصومة حتى يبلغ فيدعى عليه، وإن كان لو أقر بالبلوغ في وقت احتماله قبل، والكافر المسبى المُنْبِتُ إذا قال: تعجلت العانة حلف وجوبا في الأظهر لسقوط القتل بناء على أن الإثبات علامة للبلوغ، فإن نكل قتل، ولو كان دعوى الصبا من غيره، كما إذا ادعى له وليه مالا وقال المدعى: من تدعى له المال بالغ فللولى طلب يمين المدعى عليه أن لا يعلمه صغيرا، فإن نكل لا يحلف الولى على صباه، وهل يحلف الصبى؟ وجهان في فتاوى القاضي بناء على القولين في الأسير، ويستثنى مع ما استثناه المصنف مسائل منها: ما لو علَّق الطلاق على شئ من أفعال المرأة كالدخول فادعته المرأة وأنكره الزوج، فالقول قوله، فلو طلبت المرأة تحليفه على أنه لا يعلم وقوع ذلك لم يحلف، نعم إن ادعت وقوع الفرقة حلف على نفيها، كما نقله الرافعى عن القفال وأقره، ومنها ما إذا ادعت الجارية الوطء وأمية الولد وأنكر السيد أصل الوطء فالصحيح في أصل الروضة أنه لا يحلف، وصوَّب البلقينى التحليف سواء أكان هناك ولد أم لم يكن، وصوَّب السبكى حمل ما في الروضة على ما إذا كانت المنازعة لإثبات النسب، فإن كانت لأمية الولد ليمتنع من بيعها وتعتق بعد الموت فيحلف قال: وقد قطعوا بتحليف السيد إذا أنكر الكتابة، وكذا التدبير إذا قلنا: إن إنكاره ليس برجوع، ومنها لو طلب الإمام الساعى بما أخذه من الزكاة فقال: لم آخذ شيئًا لم يحلف، وإن كان لو أقر بالأخذ لزمه، ومنها ما لو قسَّم الحاكم المال بين الغرماء فظهر غريم آخر وقال لأحد الغرماء: أنت تعلم وجوب دينى وطلب يمينه لم يلزمه، ومنها ما لو ادعى من عليه زكاة مسقطا لم يحلف إيجابا مع أنه لو أقر بمطلوب الدعوى لزمه، ولو أقر بمطلوبه فأنكر أن من لا يقبل إقراره لا يحلف، وهو كذلك لكن يستثنى منه صورتان: الأولى: لو ادعى على من يستخدمه أنه عبده فأنكر فإنه يحلف وهو لو أقر بعد إنكاره الرق لم يقبل، لكن فائدة التحليف ما يترتب على التفويت من تغريم القيمة لو نكل. الثانية: لو جرى العقد بين وكيلين فالأصح في زوائد الروضة في اختلاف المتبابعين تحالفهما مع أن إقرار الوكيل لا يقبل لكن فائدته الفسخ، ثم إذا حلف المدعى عليه اليمين المتوجهة عليه لإنكاره، فإن هذه اليمين تفيد قطع الخصومة وعدم المطالبة في الحال، ولا تفيد براءة لذمة المدعى عليه؛ لما راوه أبو داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس - رضى الله عنه - أن النبى ﷺ - أمر رجلا بعدما حلف بالخروج من حق صاحبه (٤) كأنه ﷺ - علم كذبه، كما رواه أحمد على أن اليمين لا توجب براءة فلو حلف المدعى عليه ثم أقام المدعى بينة بمدعاه شاهدين فأكثر، وكذا شاهد ويمين كما قاله ابن الصباغ وغيره حكم بها، وإن نفاها المدعى حين الحلف (٥)؛ لقوله ﷺ : - "البينة

стр. 9165

العادلة أحق من اليمين الفاجرة" (١)، ولو ردت اليمين على المدعى فنكل ثم أقام بينة حكم بها لاحتمال أن يكون نكوله للتورع عن اليمين الصادقة: ولو قال بعد إقامة بينة بدعواه: بينتى كاذبة أو مبطلة سقطت، ولم تبطل دعواه، واستثنى البلقينى ما إذا أجاب المدعى عليه وديعة بنفى الاستحقاق، وحلف عليه، فإن حلفه يفيد البراءة حتى لو أقام المدعى بينة بأنه أودعه الوديعة المذكورة لم تؤثر، فإنها لا تخالف ما حلف عليه من نفى الاستحقاق (٢). ثانيا: نكول المدعى عليه عن اليمين: النكول شرعًا: أن يقول المدعى عليه بعد عرض القاضي اليمين عليه أنا ناكل عنها، أو يقول له القاضي: احلف فيقول لا أحلف لصراحتهما في الامتناع، فيرد اليمين، وإن لم يحكم القاضي بالنكول. إذا نكل المدعى عليه عن يمين طلبت منه حلف المدعى اليمين المردودة لتحول الحق إليه، قضى له بمدعاه، ولا يقضى بنكول المدعى عليه؛ وذلك لأن النبى ﷺ - (رد اليمين على طالب الحق) (٣) وقال الله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤) أي بعد الامتناع من الأيمان الواجبة فدل على نقل الأيمان من جهة إلى جهة، والمعنى أن النكول كما يحتمل أن يكون تحرزا عن اليمين الكاذبة يحتمل أن يكون تورعا عن اليمين الصادقة فلا يقضى مع التردد، والنكول، هو أن يقول المدعى عليه بعد أن يعرض القاضي اليمين عليه: أنا ناكل عنها أو يقول له القاضي: احلف فيقول لا أحلف لصراحتها في الامتناع فيرد اليمين، وإن لم يحكم القاضي بالنكول، وفى أصل الروضة أن القاضي لو قال له: قل بالله فقال بالرحمن فإنه يعتبر نكولًا، ولو قال له: قل بالله فقال: والله أو تالله فهل هو نكول أم لا؟ وجهان: صحيح البلقينى منهما أنه لا يكون نكولا، وصوبه الزركشى، قال الشيخان: ويجرى الوجهان أيضًا فيما لو غلظ عليه باللفظ أو بالزمان أو المكان وامتنع، وصحح البلقينى أيضًا أنه لا يكون نكولا وهو الظاهر؛ لأن التغليظ بذلك ليس واجبا فلا يكون الممتنع منه ناكلا، وقال القفال: الأصح في التغليظ اللفظى أنه ناكل، وقطع بعضهم به في المكانى والزمانى لا اللفظى، ولو قال له: قل تالله بالمثناة فقال بالموحدة قال الشيخان عن الققال: يكون يمينا؛ لأنه أبلغ وأشهر فإن سكت المدعى عليه بعد عرض اليمين عليه لا لدهشة ونحوها حكم القاضي بنكوله، كما أن السكوت عن الجواب في الابتداء نازل منزلة الإنكار ولابد من الحكم هنا ليرتب عليه رد، واليمين بخلاف ما لو صرَّح بالنكول فإن اليمين يرد، وإن لم يحكم القاضي، وللخصم العود إلى الحلف بعد نكوله ما لم يحكم بنكوله حقيقة أو تنزيلا على المعتمد، وإلا فليس له العود إلا برضا المدعى والحكم كقوله: جعلتك ناكلا أو نكَّلتك بالتشديد، ويسن للقاضى أن يعرض اليمين على المدعى عليه ثلاث مرات والاستحباب فيما إذا سكت أكثر منه فيما إذا صرح بالنكول، ويبين القاضي النكول للجاهل به

стр. 9166

كأن يقول له: إن نكلت عن اليمين حلف المدعى وأخذ منك الحق، وليس هذا من تلقين الدعوى، فإن لم يفعل وحكم بنكوله نفذ حكمه لتقصير المدعى عليه بترك البحث عن الحكم النكول، وقول القاضي للمدعى: احلف يعتبر حكما بنكول المدعى عليه، وفى الروضة كأصلها نزل منزلة الحكم، فليس للمدعى عليه أن يحلف بعد هذا إلا برضا المدعى؛ لأن الحق له (١). واليمين المردودة برد المدعى عليه أو القاضي كالبينة التي يقيمها المدعى على قول، وفى الأظهر تعتبر كإقرار المدعى عليه؛ لأنه بنكوله توصل للحق فأشبه إقراره، ويتفرع على القولين ما لو أقام المدعى عليه بينة بأداء أو إبراء أو غير ذلك من المسقطات؛ لم تسمع هذه البينة على القول الثاني، وإن خالف في ذلك البلقينى لتكذيبه لها بإقراره، أما على القول الأول فإنها تسمع، وإن نكل المدعى عليه وردت اليمين على المدعى فلم يحلف ولم يتعلل بشئ أي لم يبد علة ولا عذرًا، ولا طلب مهلة سقط حقه من اليمين المردودة وغيرها لإعراضه وليس له ردها على المدعى؛ لأن اليمين المردودة لا ترد، وليس له في هذا المجلس ولا غيره مطالبة خصمه إلا أن يقيم بينة كما لو حلف المدعى عليه، وإن تعلل المدعى بإقامة بينة أو سؤال ففيه هل يجوز له الحلف أولا أو مراجعة حساب أو بأن يتروى أمهل ثلاثة أيام ولا يزاد عليها؛ لأنها مدة معتبرة شرعًا. فإن لم يحلف بعدها سقط حقه من اليمين، وقيل: يمهل أبدًا؛ لأن اليمين حقه فله تأخيره إلى أن يشاء كالبينة، وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه لم يمهل إلا برضاء المدعى؛ لأنه مقهور على الإقرار، واليمين بخلاف المدعى فإنه مختار في طلب حقه وتأخيره، وقيل: يمهل ثلاثة من الأيام كالمدعى، واختاره الرويانى. ولو طلب المدعى عليه الإمهال في ابتداء الجواب ليراجع حسابه ونحوه أمهل إلى آخر المجلس، قال في الروضة: إن شاء المدعى، وقال ابن المقرى: إن شاء القاضي، وهو ظاهر كلام الرافعى، وهذا أولى (٢). ثالثا: ظهور البينة بعد اليمين: جاء في (مغنى المحتاج): أنه إذا أنكر المدعى عليه الدعوى وسئل عن بينته فإن قال: لى بينة وأقامها فذاك، أو قال: أريد تحليفه فله ذلك؛ لأنه إن تورع عن اليمين وأقر، سهل الأمر على المدعى واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف أقام المدعى البينة وأظهر خيانته وكذبه فله في طلب تحليقه غرض ظاهر، واستثنى البلقينى ما إذا ادعى لغيره بطريق الولاية أو النظر أو الوكالة، أو أدعى لنفسه، ولكن كان محجورًا عليه بسفه أو فلس أو مأذونًا له في التجارة أو مكاتبًا فليس له ذلك في شئ من هذه الصور لئلا يحلف المنكر ثم يرفعه لحاكم يرى منع البينة بعد الحلف فيضيع الحق، وإن قال المدعى: لا بينة لى وأطلق أو زاد لا بينة لى حاضرة ولا غائبة أو كل بينة أقيمها فهى باطلة أو كاذبة أو زور وحلفه ثم أحضرها قبلت في الأصح؛ لأنه ربما لم يعرف له بينة أو نسى ثم عرف أو تذكر، ومقابل الأصح: أن بينة المدعى لا تقبل بعد حلف المدعى عليه للمناقضة حيث قال أولًا: لا بينة لى إلا أن يذكر لكلامه تأويلا ككنت ناسيًا أو جاهلًا. ونسبة الماوردى والرويانى إلى الأكثرين، أما لو قال: لا

стр. 9167

بينة لى حاضرة ثم أحضرها فإنها تقبل قطعًا لعدم المناقضة، ولو قال: شهودى فسقة أو عبيد فجاء بعدول وقد مضت مدة استبراء أو عتق قبلت شهادتهم وإلا فلا، قال الأذرعى: وهذا ظاهر فيما إذا اعترف أن هذه البينة هي التي نسب إليها ذلك، أما لو أحضر بينته عن قرب فقال: هذه بينه عادلة جهلتها أو نسيتها غير تلك ثم علمتها أو تذكرتها فيشبه أن تقبل لا سيما إذا كانت حرية المحضرين وعدالتهم مشهورة (١)، ثم قامت البينة على المدعى عليه، فليس له تحليف المدعى على استحقاقه ما ادعا؛ لأنه تكليف حجة بعد حجة بل هو كالطعن في الشهود ويستثنى من ذلك صورتان الأولى: إذا أقيمت بينة بعين الشخص، وقالت البينة: لا نعلمه باعها ولا وهبها فيحلف المدعى أنها لم تخرج عن ملكه بوجه من الوجوه ثم تدفع إليه، وهذا كما قال الإمام الشافعي رضى الله تعالى عنه - والصورة الثانية: إذا أقيمت بينة بإعسار المديون فلصاحب الدين تحليفه في الأصح لجواز أن يكون له مال في الباطن، وإن ادعى من أقيمت عليه البينة ما يسقط الحق كأن ادعى أداء له أو إبراء منه في الدَّين أو شراء عين من مدعيها أو هبتها وإقباضها منه؛ حلَّفه على نفى ما ادعاه، وهو أنه ما تأدى منه الحق ولا أبرأه من الدين ولا باعه العين ولا وهبه إياها، ومحل ذلك إذا ادعى حدوث شئ من ذلك قبل إقامة البينة والحكم، وكذا بينهما بعد مضى زمن إمكانه، فإن لم يمض زمن إمكانه لم يلتفت إليه، وكذا إن ادعى بعد الحكم حدوثه قبل البينة على الأصح، في أصل الروضة لثبوت المال عليه بالقضاء، ولو ادعى الخصم على المدعى بفسق شاهده الذي أقامه أو كذبه فله تحليفه أيضًا على نفى ما ادعاه في الأصح المنصوص؛ لأنه لو أقر به لبطلت شهادته، والقول الثاني المقابل للأصح: لا يحلفه؛ لأنه لم يدع عليه حقًّا، وإنما ادعى عليه أمرًا لو ثبت لنفعه واحترز بالبينة عما لو حلف المدعى قبل ذلك، أما مع شاهد أو يمين الاستظهار فإنه لا يحلف بعد هذه الدعوى على نفى ذلك كما صوبه البلقينى؛ لأن الحلف مع ذلك قد يعرض فيه الحالف لاستحقاقه، الحق فلا يحلف بعد ذلك على نفى ما ادعاه خصمه (٢). رابعًا: الدعاوى التي يستحلف فيها المنكر والتي لا يستحلف فيها: ويجرى التحليف في العقود والفسوخ كنكاح وطلاق وسائر حقوق الآدميين ولو شتما وضريا أوجبا تعزيرًا لخبر: (البينة على المدعى واليمين على من أنكر) وخبر: (اليمين على المدعى عليه) ولا تسمع دعوى في حد الله تعالى وتعزيزه (نعم لو) تعلق به حق آدمى كأن (قذفه) غيره (فطالبه بالحد فله تحليفه أنه ما زنى) (فإن) حلف حد القاذف. وإن (نكل وحلف القاذف سقط) عنه (الحد ولم يثبت الزنا) على المقذوف (بحلفه)؛ لأنه لا يثبت بعدلين فكيف يثبت باليمين المردودة. (وكذلك) له (تحليف وارث المقذوف) أنه يعلم أن مورثه زنى (إن طالبه) بالحد، كما مر في الباب المذكور (ويثبت) باليمين (المردودة) في دعوى السرقة (المال دون القطع كما في السرقة) (٣).

стр. 9168

مذهب الحنابلة: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: جاء في (كشاف القناع): أنه إذا حرر المدعى الدعوى، قال القاضي للمدعى عليه: ما تقول فيما ادعاه؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة، فإن أقر بقوله: نعم. لم يحكم القاضي للمدعى حتى يطالب المدعى بالحكم؛ لأن الحكم عليه حق له فلا يستوفيه إلا لمسألة مستحقة، والحكم أن يقول الحاكم: قد ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك له، أو يقول: اخرج إليه منه. وإن أنكر المدعى عليه مثل أن يقول المدعى: أقرضته ألفًا أو بعته كذا بكذا فيقول المدعى عليه: ما أقرضتنى ولا باعنى. أو يقول: ما يستحق على ما ادعاه ولا شيئًا منه، ولا حق له على، صح الجواب لنفيه عين ما ادعى عليه، ولأن قول: لا حق له عليَّ نكرة في سياق النفى فتعم بمنزلة قوله: ما يستحق على ما ادعاه ولا شيئًا منه ما لم يعترف المدعى عليه بسبب الحق، كما إذا ادعت امرأة على من يعترف بأنها زوجته المهر فقال: لا تستحق على شيئًا. لم يصح الجواب ويلزمه المهر إن لم يقم بينه بإسقاطه، وكذا لو ادعت عليه نفقة وكسوة وقلنا: لا يقبل قوله إلا ببينة كجوابه في دعوى قرض اعترف به لا يستحق على شيئًا؛ ولهذا لو أقرت في مرض موتها أنها لا مهر لها عليه لم يقبل إقرارها إلا ببينة أنها أخذتها مطلقًا أو أسقطته في الصحة؛ لأن إقرار المريض لوارثه كالوصية وإبراءه له عطية وحكمها حكم الوصية، ولو قال المدعى عليه لمدع دينارًا مثلًا: لا تستحق عليّ حبَّة فليس بجواب عن ابن عقيل؛ لأنه لا يكتفى في دفع الدعوى إلا بنص ولا يكتفى بالظاهر؛ ولهذا لو حلف المدعى مع شاهده مثلًا والله إنى لصادق فيما ادعيته عليه أو حلف المنكر أن المدعى كاذب فيما ادعاه على يُقبل منه ذلك، ويحلف على طبق الدعوى في الأولى، وعلى طبق الجواب في الثانية، وعند الشيخ يعم الجهات ويعم ما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى إلا أن يقال: يعم حقيقة عرفية، وقال في تصحيح الفروع: قلت: الصواب ما قاله الشيخ تقى الدين وهو الظاهر، قال الأزجى: لو قال: لك على شئ، فقال: ليس لى عليك شئ، وإنما لى عليك ألف درهم لم يقبل منه دعوى الألف؛ لأنه نفاها بنفى لى عليك شئ، ولو قال: لك على درهم، فقال: ليس لك على درهم ولا دانق، وإنما لى عليك ألف. قبل منه دعوى الألف؛ لأن معنى نفيه: ليس حقى هذا القدر. قال: ولو قال ليس لك على شئ إلا درهم صح ذلك، ولو قال المدعى للمدعى عليه: لى عليك مائة. فقال المدعى عليه جوابًا له: ليس لك على مائة، اعتبر قوله ولا شئ منها، كاليمين أي كما لو حلف، فلابد أن يقول: ليس له على مائة ولا شئ منها؛ لأن نفيه المائة لا ينفى ما هو أقل منها، فإن نكل المدعى عليه عن الحلف على ما دون المائة بأن حلف أنه لا يستحق عليه مائة ونكل عن قوله ولا شئ منها حكم عليه بمائة، إلا جزءًا من أجزاء المائة، وللمدعى إذا أنكر المدعى عليه أن يقول: لى بينة؛ لأن الحق له، والبينة طريق إلى تخليصه (١).

стр. 9169

وإن قال المدعى: ما لي بينة، فالقول قول المنكر بيمينه للخبر (١)، ولأن الأصل براءة ذمته إلا النبي ﷺ إِذا ادُّعى عليه أو ادعى هو ﷺ على أحد فقوله بلا يمين لعصمته قبل النبوة وبعدها فيعلم الحاكم المدعى الذي لا بينة له أن له اليمين على خصمه؛ لأنه موضع حاجة، فإن سأل إحلافه أحلفه؛ لأن اليمين طريق إلى تخليص فلزم الحاكم إجابة المدعى إليها السماع البينة وخلى سبيل المدعى عليه بعد إحلافه؛ لأنه لم يتوجه عليه حق، وليس للقاضى استحلاف المدعى عليه قبل سؤال المدعى؛ لأن اليمين حق له كنفس الحق ويمين المنكر على الفور، فإن أحلفه القاضي قبل سؤال المدعى لم يعتد بيمينه أو حلف المدعى عليه قبل سؤال المدعى تحليفه وسؤال الحاكم له لم يعتد بيمينه؛ لأنه أتى بها في غير وقتها، فإن سأله المدعى أعادها له؛ لأن الأولى لم تكن يمينه ولابد في اليمين التي تقطع الخصومة من سؤال المدعى لها طوعًا؛ لأن فعل المكره لا اعتداد به - ومن إذن الحاكم فيها فلو حلف قبل إلقاء الحاكم الحلف عليه لم تنقطع الخصومة (٢). ثانيًا: نكول المدعى عليه عن اليمين: جاء في (المغنى): "فإن نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب، وقال أصحاب الشافعي: إن نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعى فحلف خمسين يمينًا واستحق القصاص إن كانت الدعوى عمدًا والدية إن كانت موجبة للقتل؛ لأن يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الإقرار، والقصاص يجب بكل واحد منهم" (٣). وجاء في (شرح منتهى الإرادات): "ادعى فلان بن فلان عليه كذا فأقر له أو فأنكر، فقال القاضي للمدعى: ألك بينة؟ قال: نعم فأحضرها وسأله سماعها ففعل، أو فأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعى وسأل من الحاكم تحليفه فحلفه وإن نكل المدعى عليه عن اليمين أو عن الجواب ذَكَّرهِ وأنه حكم بنكوله" (٤). ثالثًا: ظهور البينة: إذا قال المدعى: لى بينة، بعد قوله: ما لى بينة، لم تسمع؛ لأن سماع البينة قد تحقق كذبه فيعود الأمر على خلاف المقصود، وكذا قوله: كذب شهودى، أو كل بينة أقمتها فهى زور وباطلة أو فلا حق لى فيها. فلا تسمع بينته. كما لو قال: ما لى بينة وأولى؛ لأنه أصرح في تكذيب شهوده، ولا تبطل دعواه بقوله: كذب شهودى، أو كل بينة أقمتها فهى زور وباطلة فله تحليف المدعى عليه؛ لأنه قد يكون الحق لا بينة به، وإن قال المدعى: لا أعلم لى بينة، ثم قال: لى بينة، سمعت بينته؛ لأنه يجوز أن يكون له بينة لا يعلمها ونفى العلم بها ليس نفيًا لها فلا يكون مكذبًا لها، وإن قال: لا أعلم لى بينة، فقالت بينته: نحن نشهد لك، فقال: هذه بينتى سمعت، وهى أولى من التي قبلها؛ لأنه لا تهمة فيه لكن لو شهدت البينة له بغير ما ادعاه فهو مكذوب لها فلا تسمع (٥).

стр. 9170

وإن حلف المنكر مع غيبة البينة ثم أحضر المدعى بينته حكم له بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق؛ لقول عمر ﵁: (البينة الصادقة أحب إلي من اليمين الفاجرة) (١) ولأن كل حال يجب عليه فيها الحق بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين، ولأن اليمين لو أزالت الحق لاجترأ الفسقة على أموال الناس. وإن سكت المدعى عليه فلم يقر ولم ينكر أو قال المدعى عليه: لا أقر ولا أنكر، أو قال: لا أعلم قدر حقه، قال له القاضي: احلف وإلا جعلتك ناكلًا وقضيت عليك؛ لأنه ناكل لما توجه عليه الجواب فيه، فيحكم عليه بالنكول عنه كاليمين، والجامع بينهما أن كل واحد من القولين طريق إلى ظهور الحق ويسن تكراره من الحاكم ثلاثًا (٢). ولو أقام المدعى شاهدًا واحدًا فلم يحلف المدعى مع شاهده وطلب يمين المدعى عليه فأحلف له ثم أقام شاهدًا آخر بعد ذلك كملت بينته وقضى بها كما لو لم يكن استحلف المدعى، وإن قال المدعى عليه: لى مخرج مما ادعاه المدعى لم يكن مجيبًا؛ لأن الجواب إقرار أو إنكار، وهذا ليس واحدًا منهما. فإن عجز المدعى عليه عن بينة القضاء أو الإبراء حلف المدعى على نفى ما ادعاه من القضاء والإبراء؛ لأن الأصل عدمه، واستحق ما ادعى به؛ لأن الأصل بقاؤه، فإن نكل المدعى عن اليمين قضى عليه بنكوله وصدّق المدعى عليه؛ لأنه منكر توجهت عليه اليمين فنكل عنها فحكم عليه بالنكول، كما لو كان مدعى عليه ابتداء، هذا كله إن لم يكن المدعى عليه أنكر أولًا سبب الحق، فأما إن أنكره ثم ثبت فادعى قضاءً أو إبراءٌ سابقًا لإنكاره لم يسمع منه وإن أتى ببينة، فلو ادعى عليه ألفًا من عرض فقال: ما اقترضت منه شيئًا أو من ثمن مبيع، فقال: ما ابتعت منه شيئًا ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى ببينة أو إقرار فقال: قضيته من قبل هذا الوقت أو أبرأنى من قبل هذا الوقت، لم يقبل منه، ولو أقام به بينة؛ لأن القضاء أو الإبراء لا يكون إلا عن حق سابق، وإنكار الحق يقتضى نفى القضاء أو الإبراء منه فيكون مكذبًا لدعواه وبينته فلا تسمع لذلك، واحتراز بقوله: "سابقًا على إنكاره" عما لو ادعى قضاءً أو إبراءً بعد إنكاره فإنه تسمع دعواه بعد ذلك وتقبل بينته؛ لأن قضاءه الدين بعد إنكاره كالإقرار به فيكون قاضيًا لما هو مقر به فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعى بعد الإنكار إقرار بعدم استحقاقه فلا تنافى بين إنكاره وإبراء المدعى فتسمع البينة بذلك (٣). رابعًا: الدعاوى التي يستحلف فيها المنكر والدعاوى التي لا يستحلف فيها: جاء في (المغنى): أن الحقوق على ضربين: أحدهما: ما هو حق لآدمى. والثانى: ما هو حق لله تعالى، فحق الآدمى ينقسم قسمين: أحدهما: ما هو مال أو المقصود منه المال، فهذا تشرع فيه اليمين بلا خلاف بين أهل العلم، فإذا لم تكن للمدعى بينة حلف المدعى عليه وبرئ، وقد ثبت

стр. 9171

هذا في قصة الحضرمى والكندى اللذين اختلفا في الأرض، وعموم قول النبي ﷺ : "ولكن اليمن على المدعى عليه" (١)، القسم الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاد والولاء والرق ففيه روايتان: إحداهما: لا يستحلف المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين، قال أحمد: لم أسمع ممن مضى جوزوا الأيمان إلا في الأموال والعروض خاصة، والرواية الثانية: يستحلف في الطلاق والقصاص والقذف، وقال الخرقى: إذا قال: ارتجعتك، فقالت: انقضت عدتى قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها، وإذا اختلفا في مضى الأربعة أشهر فالقول قوله مع يمينه، فيخرج من هذا أنه يستحلف في كل حق لآدمى؛ لقول النبي ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" أخرجه مسلم (٢) وهذا عام في كل مدعى عليه وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى مع عموم الأحاديث، ولأنها دعوى صحيحة في حق لآدمى فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه كدعوى المال، الضرب الثاني: في حقوق الله تعالى، وهى نوعان: أحدهما: الحدود فلا تشرع فيها يمين ولا نعلم في هذا خلافًا؛ لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قُبل منه وَخُلّىَ من غير يمين فلئلا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره والتعريض، للمقر به بالرجوع عن إقراره وللشهود بترك الشهادة والستر عليه قال النبي ﷺ لهُزَال في قصة ماعز: "يا هزَّال لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" (٣) فلا تشرع فيه يمين بمال، النوع الثاني: الحقوق المالية كدعوى الساعى الزكاة على رب المال وأن الحول قد تم وكمل النصاب فقال أحمد: القول قول رب المال من غير يمين ولا يستحلف الناس على صدقاتهم، والدليل على ذلك: أنه حق لله تعالى أشبه الحد، ولأن ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة، ولو ادعى عليه أن عليه كفارة يمين أو ظهار أو نذر صدقة أو غيرها فالقول قوله في نفى ذلك من غير يمين، ولا تسمع الدعوى في هذا، ولا في حد لله تعالى؛ لأنه حق للمدعى فيه ولا ولاية له عليه فلا تسمع منه دعواه كما لو ادعى حقًّا لغيره من غير إذنه ولا ولاية له عليه، فإن تضمنت دعواه حقًّا له مثل أن يدعى سرقة ماله ليضمن السارق أو يأخذ منه ما سرقه أو يدعى عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه، ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمى دون حق الله تعالى (٤). مذهب الظاهرية: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: كل من ادعى على أحد وأنكر المدعى عليه، فكُلّف المدعي البينة، فقال: لى بينة غائبة، أو قال: لا أعرف لنفسى بينة، أو قال: لا بينة لى - قيل له: إن شئت فدع تحليفه حتى تحضر بينتك أو لعلك تجد بينة، وإن شئت حلفته وقد سقط حكم بينتك الغائبة جملة، فلا يقضى لك بها أبدًا

стр. 9172

وسقط حكم كل بينة تأتى بعد هذا التحليف ليس لك عليه إلا هذا فقط، فأى الأمرين اختار قضى له به، ولم يلتفت له إلى بيّنة في تلك الدعوى تأتى بعدها إلا أن يكون تواترًا يوجب صحة العلم ويقينه أنه حلف كاذبًا فيقضى عليه بالحق أو يقر بعد أن يكون حلف فيلزمه ما أقر به (١)، ودليل ذلك ما روِّينا - بالسند - إلى علقمة بن وائل بن حجر قال: "كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فذكر أن رسول الله ﷺ قال للطالب: بينتك، قال: ليست لى بيّنة، قال: يمينه، قال: إذًا يذهب بها، يعنى بما لى، قال رسول الله ﷺ : ليست لك إلا ذلك" (٢)، فقضى ﵊ على أنه ليس للطالب إلا بينة أو يمين المطلوب، فصح يقينًا أنه ليست إلا أحدهما لا كلاهما، وبطل أن يكون له كلا الأمرين بيقين. ثانيًا: نكول المدعى عليه عن اليمين: إن لم يكن للطالب بينه، وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها، أحب أم كره بالأدب، ولا يقضى عليه بنكوله في شئ من الأشياء أصلا، ولا ترد اليمين على الطالب البتة، ولا ترد يمين أصلا إلا في ثلاثة مواضع فقط، وهى: القسامة فيمن وجد مقتولًا، فإنه إن لم تكن لأوليائه بيّنة حلف خمسون منهم واستحقوا القصاص أو الدية، فإن أبوا حلف خمسون من المدعى عليهم وبرئوا، فإن نكلوا أجبروا على اليمين أبدًا، وهذا مكان يحلف فيه الطالبون، فإن نكلوا رد على المطلوبين. والموضع الثاني: الوصية في السفر، لا يشهد عليها إلا كفار، والشاهدان الكافران يحلفان مع شهادتهما، فإن نكلا لم يقض بشهادتهما، فإن قامت بعد ذلك بينة من المسلمين حلف اثنان منهم مع شهادتهما وحكم بها ونسخ ما شهد به الأولان، فإن نكلا بطلت شهادتهما وبقى الحكم الأول كما حكم به، فهذا مكان يحلف فيه الشهود لا الطالب ولا المطلوب. والموضع الثالث: من قام له بدعواه شاهد واحد عدل أو امرأتان عدلان فيحلف ويقضى له، فإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل أجبر على اليمين أبدًا، فهذا مكان يحلف فيه الطالب، فإن نكل ردّ على المطلوب (٣). ثالثًا: ظهور البينة بعد اليمين: يسقط حكمُ كلِّ بيِّنةٍ تأتى بعد التحليف، ولا يلتفت إلى بينة تأتى بعد التحليف إلا أن يكون تواترًا يوجب صحة العلم ويقينه أنه حلف كاذبًا فيقضى عليه بالحق، أو يقر بعد أن يكون حلف فيلزمه ما أقر به (٤). رابعًا: الدعاوى التي يستحلف فيها المنكر والدعاوى التي لا يستحلف فيها: الأصل المطرد في كل دعوى في الإسلام من دم أو مال أو غير ذلك من الحقوق - ولا تحاشى شيئًا - هو أن البيّنة على المدعى واليمين على من ادعى عليه كما أمر رسول الله ﷺ إذ يقول: "لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، وقول رسول الله ﷺ : "بينتك أو يمينه" (٥)، وهذان

стр. 9173

عامان، ولا يصحّ لأحد أن يخرج عنهما شيئا إلا ما أخرجه نصّ أو إجماع. واليمين في الدعاوى كلها دماء كانت أو غيرها يمين واحدة فقط على من ادعى عليه إلا في الزنا والقسامة، وما عدا ذلك فعلى عمومه (١). ومن ادعى عليه أنه صرح بالقذف وهو منكر فلا تحليف في ذلك؛ لأن الحد في ذلك من حدود الله وحقوقه، لا من حقوق الآدميين (٢). "ومن ادّعت على رجل أنه غلبها على نفسها فهى مشتكية مدعية؛ وليست قاذفة، وتكلف البيّنة على دعواها، فإن جاءت بها أقيم حدّ الزنا على الرجلء وإن لم تأت ببينة فلا شئ على الرجل أصلًا، فإن قال قائل: فإن لم تكن بيّنة فاقضوا عليه باليمين، قلنا: إن دعواها انتظمت حقًّا لها وحقًّا لله تعالى، فحقها هو التعدى عليها وظلمها، وحق الله تعالى هو الزنا فواجب أن يحلف لها في حقها، فيحلف بالله ما تعديت عليك في شئ ولا ظلمتك وتبرأ ذمته، ولا يجوز أن يحلف بالله ما زنى؛ لأنه لا خلاف في أن أحدًا لا يحلف في حقّ ليس له فيه مدخل (٣). مذهب الزيدية: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: البينة على المدعى، وعلى المنكر اليمين (٤)، ومن ثبت عليه دين أو يمين فادعى فيه حقًّا أو إسقاطا كأجل وإبراء أو كونه لغير المدعى ذاكرًا سبب يده لم تقبل إلا ببينة، فلو ادّعى رجل على رجل مالًا أو عينًا قر له بذلك. أو ثبت عليه بالبينة؛ لكن ادّعى فيه حقًّا أو إسقاطا، فالحق نحو أن يدعى عليه دينًا فيقرّ به مؤجّلا أو دارًا فيقرّ بها ويدعى أنها في يده رهن أو إجارة. والإسقاط نحو أن يدعى عليه دينا فيقرّ به ويدعى أنه قد أبرأه؛ ومن الحق أن يقر بأن ذلك الشئ في يده لكن يذكر أنه لغير المدعى، ويذكر سبب كونه في يده من ذلك الغفير من عارية أو رهن أو غيرهما؛ فإن لم يذكر السبب لم يسمع قوله ولو بيّن عليه؛ لأنها دعوى لغير مدعٍ بخلاف ما إذا ذكر السبب فقد صارت البينة لمدعى، وهو من الشئ في يده؛ لأنه يدعى حق الحفظ في الوديعة والانتفاع في المستأجر والمستعار والحبس في الرهن لكن لا يقبل قوله في هذا كله إلا ببيّنة (٥)، فإن بين قبلت بينته سواء ثبت الدين بالبينة أو بالإقرار، وسواء كان الدين عن كفالة أو غيرها، وقال صاحب الوافى: إن كان الدين عن كفالة قُبِل قوله، وإلا فعليه البيّنة. وحاصل الكلام في المدعى عليه إذا أقرّ بما ادعي عليه لغير المدعى أن المقرّ له لا يخلو إما أن يكون حاضرًا أو غائبًا؛ إن كان غائبًا؛ فالمقرّ لا يخلو إما أن يضيف إلى سبب أو لا، إن لم يضف لم يمنع هذا الإقرار الدعوى عنه سواء أقام البينة أم لا، بل يحكم للمدعى بما ادعاه إذا أقام البينة أو نكل المدعي عليه عن اليمين. وأما إذا أضاف إلى سبب فإن أقام البينة أنه لفلان الغائب وأنه في يده بحقّ ذلك السبب قبلت بينته وانصرفت عنه الدعوى عندنا خلافًا للمؤيّد بالله. هذا إذا عيِّن

стр. 9174

الغائب باسمه، فإن لم يسمه بل قال لرجل غائب، وشهد الشهود أن رجلا أودعه أو أجره لا يعرفونه، فذكر أبو جعفر أن الدعوى تنصرف عنه. فإن أقام المدعى البينة أنه له؛ فإن الحاكم ينتزعه من يد المدعى عليه، ويقف حتى يحضر الغائب أو يوكل وكيلا، وقيل: وغاية مدة وقف ذلك الشئ إلى شهر. وإن لم يبيّن أن الشئ لفلان لم تنصرف عنه الدعوى. وحكم عليه بالتسليم كما تقدّم (١). ثم إذا حضر الغائب فإن قبل الإقرار فعن أبى نصر أنه لا يحتاج المدعى إلى إعادة الدعوى عليه والبينة بل الدعوى الأولى كافية، وإن ردّ الإقرار فعند أبى العباس لا يحكم للمدعى إلا ببينة يقيمها؛ لأن هذه الدعوى على بيت المال. وذكر المروزى أنه يسلم إلى المدعى من غير بينة، وأما إذا كان المقرّ له حاضرا، فإن لم يقبل الإقرار انصرفت دعوى المدعى إلى بيت المال، وإن قبل انصرفت إليه الدعوى. وكانت المحاكمة بينه وبين المدعى. وقال المؤيد بالله: إن الدعوى لا تنصرف عن المدعى عليه سواء بيّن أم لا وقيل: تتصرف (٢). وإذا ادعى رجل على غيره شيئا فإنه لا تجب عليه إجابة هذه الدعوى بإقرار ولا إنكار، فينصّب الحاكم من يدافع عن الخصم الممتنع إذا كان غائبا، وإن لم يكن غائبًا وكان حاضرًا ولم يجب بنفى ولا إثبات، أو قال: لا أقرّ ولا أنكر حكم عليه الحاكم، ولا يلزمه الإجابة، ولا يوقف خصم لمجئ بينة عليه غائبة إلا لمصلحة (٣)، فإذا ادّعى رجل حقًّا فأنكره المدعى عليه، فزعم المدعى أن له بينة غائبة، وطلب منع المدعى عليه من السفر حتى يأتى ببينة؛ فإن الحاكم لا يجيبه إلى توقيف المدعى عليه لأجل ذلك إلا أن يرى في ذلك صلاحًا؛ والصلاح أن يظن صدق المدعى بقرينة تظهر إما بحجة فيها ثبوت الحق وخط الشهود أو بحضور شاهد واحد، أو كان أن المدعى فاضل ورع أو نحو ذلك. فإذا رأى الحاكم مصلحة في توقيف المدعى عليه حتى تحضر البينة فطلب منه الكفيل بوجهه وجب ذلك فيكفل عشرا في المال وشهرا في النكاح، وهذا إذا كان توقيفه قبل تحليفه، وأما إذا كان بعد أن حلف فمقدار مجلس الحكم فقط (٤). ثانيًا: نكول المدعى عليه عن اليمين: لا تسقط اليمين الأصلية بوجود البينة في غير المجلس، وإن كانت حاضرة في البلد. وإذا لم يكن للمدعى بينة فى المجلس فطلب يمين المنكر فنكل عن اليمين فإنه يجب عليه ذلك الحق بالنكول إذا وقع في مجلس الحاكم إلا فى الحد والنسب فإنه لا يحكم فيهما بالنكول. وقيل: لا في النفس ولا فيما دونها، وقيل: إذا سكت المدعى عليه ولم يجب المدعى بشئ أو قال: لا أنكر ولا أقرّ فإنه لا يحكم عليه كما يحكم بالنكول. ولكن مع سكوته يحبس حتى يقر بما ادّعى عليه أو ينكر فيطلب منه اليمين، وإن نكل حكم عليه. ولو نكل المدعى عليه عن اليمين ثم أجاب إلى الحلف وجب أن يقبل اليمين بعد النكول وسقط عنه الحق (٥).

стр. 9175

ثالثًا: ظهور البينة بعد اليمين: إذا ادّعى رجل على غيره حقا فأنكره المدعى عليه وحلف، ثم أتى المدعى ببينة فلا حكم لهذه اليمين، وقبلت البينة بعدها وحكم بها (١). وقيل: لا تقبل البينة بعد اليمين، وإنما تقبل اليمين بعد النكول والبينة بعد اليمين ما لم يحكم فيهما، أي في النكول واليمين. فأما إذا كان الحاكم قد حكم على الناكل بالحق لأجل نكوله لم تقبل يمينه بعد الحكم، أو حكم بسقوط الحق عن المنكر لأجل يمينه؛ لم تسمع بينة المدعى بعد الحكم، ومتى وردت اليمين على المدعى لزمته، فإن نكل لم يحكم له بما ادعاه. وقيل: لو طلب أنه يحلف بعد أن ردها لم يجب إلى ذلك لأن حقه قد بطل بالرد أو طلب المدعى عليه من المدعى تأكيد بينته بيمين أن شهوده شهدوا بحق فإنها تلزم تلك اليمين بشروط أربعة. الشرط الأول: أن يطلب المدعى عليه، الشرط الثاني: أن تكون بينته غير البينة المحققة. وهى أن لا يشْهد الشهود على التحقيق بل يشهدون بالظاهر، فإذا شهدوا على التحقيق لم تلزم هذه اليمين المؤكدة، وقيل: إنها تجب سواء شهدوا على التحقيق أم على الظاهر. الشرط الثالث: أن تكون الدعوى لآدمى في حقه المحض فيؤكد ببينة بها أي باليمين من المدعى، فلو كان مشوبا بحق الله تعالى لم تجب. والشرط الرابع: أن يكون ذلك حيث أمكنت اليمين بخلاف ما لو ادعى الولى لصبى أو لمسجد فطلب المنكر من الولى تأكيد البينة باليمين. فهى هاهنا لا تمكن فلا تلزم؛ وكذا لو ردّت عليه لم تلزم، فمتى كملت هذه الشروط لزمت اليمين المؤكدة (٢). وقد زيد شرط خامس، وهو أن يكون طلبها عند الحاكم (٣). وقيل: لا يجمع بين البينة واليمين. وذلك ظلم عند السادة والفقهاء إلا عند الهادى والأوزاعى والحسن بن صالح (٤). رابعًا: الدعاوى التي يستحلف فيها المنكر والدعاوى التي لا يستحلف فيها: اليمين الأصلية تجب على كل منكر يلزم بإقراره حق لآدميّ غالبا، فأما لو كان يلزمه بإقراره حق لله محض كالزنا وشرب الخمر وكذا السرقة حيث يدعى عليه للقطع لا للمال. فإنه لو ادعيت عليه هذه الأشياء فأنكرها لم تلزمه اليمين (٥). مذهب الإمامية: أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر: الفاصل بين الخصومات مع عدم إقرار المدعى عليه وعدم علم الحاكم - إنما هو البينة واليمين، كما هو في جملة من الأخبار منها صحيفة أسعد وهشام، قال رسول الله ﷺ "إنما أقضى بينكم بالبينات والأيمان" وهذه الأخبار مجملة من حيث اعتبار ضمّها معًا أو كفاية أحدهما لأحدهما أيهما كان، أو كل منهما لمعيّن، لكن يستفاد من جملة أخرى أن البينة وظيفة المدعى عليه، ومنها صحيفة العجلى: "الحقوق كلها البينة على المدعى، واليمين على
следующие страницы →