والتفصيل فى ذلك ينظر فى مصطلحى «صيد، جزاء الصيد».
ثم ذكر باقى المحظورات وهى تسعة:
الاستمتاع بالنساء فمن جامع أهله قبل أحد الموقفين، وهما الوقوف بعرفة والمشعر الحرام، عامدا عالما بالتحريم أتم حجه ولزمه بدنة.
والحج من قابل فرضا كان حجه أو نفلا ولو طاوعته لزمها ما يلزمه ولم يتحمل عنها كفارة ولو كان ذلك بعد الوقوف بالمشعر لم يلزمه الحج من قابل وجبره ببدنة.
ولو جامع قبل طواف الزيارة لزمه بدنة فان عجز فبقرة أو شاة، ولوطائف من طواف النساء خمسة أشواط ثم واقع لم يلزمه الكفارة وأتم طوافه، وقيل يكفى فى البناء مجاوزة النصف.
ولو عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل فعلى كل واحد كفارة، وكذا لو كان العاقد محلا على روآية سماعه.
ومن جامع فى احرام العمرة قبل السعى فعليه بدنة وقضاء العمرة ولو نظر الى أهله لم يلزمه شئ الا أن ينظر اليها بشهوة فيمنى فعليه بدنة، ولو مسها بشهوة فشاة أمنى أم لم يمن، ولو قبلها بشهوة كان عليه جزور وكذا لو أمنى من ملاعبة.
والطيب، ويلزم باستعماله شاة صبغا واطلاء وبخورا فى الطعام، والقلم، وفى كل ظفر مد من طعام، وفى يديه ورجليه شاة اذا كان فى مجلس واحد ولو كل واحد منهما فى مجلس فدمان، ولو أفتاه بالقلم فأدمى ظفره فعلى المفتى شاة.
والمخيط يلزم به دم ولو اضطر جاز، ولو لبس عدة فى مكان وحلق الشعر فيه شاة أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين مدائن أو عشرة لكل مسكين مد، وصيام ثلاثة أيام مختارا أو مضطرا.
وفى نتف الأبطين شاة، وفى أحدهما اطعام ثلاثة مساكين ولو مس لحيته أو رأسه وسقط من رأسه شعائر تصدق بكف من طعام.
والتظليل فيه سائرا شاة، وكذا فى تغطية الرأس ولو بالطين أو الارتماس أو حمل ما يستره.
والجدال: ولا كفارة فيما دون الثلث صادقا وفى الثلث شاة، وفى المرة كذبا شاة، وفى المرتين بقرة وفى الثلث بدنة، وقيل فى دهن للتطيب شاة، وكذا قيل فى قلع الضرس، وهناك مسائل ثلاث:
الأولى: فى قلع الشجر من الحرم الاثم عدا ما استثنى سواء كان أصلها فى الحرم أو فرعها، وقيل فيها بقرة، وقيل فى الصغيرة شاة وفى الكبيرة بقرة.
الثانية: لو تكرر الوط ء تكرر الكفارة ولو كرر اللبس فان اتحد اللبس لم يتكرر وكذا لو كرر الطيب ويتكرر مع اختلاف المجلس.
الثالثة: اذا أكل المحرم أو لبس ما يحرم عليه لزمه دم شاة وتسقط الكفارة عن الناسى والجاهل الا فى الصيد (١).
стр. 947
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: من احتزم لغير عمل لزمته الفدية، ومن عقد ثوبه أو غيره على نفسه أو تقلد سيفا أو قوسا أو شد نفقة غيره على نفسه أو نفقته فوق الثوب افتدى، وقيل ان تقلد لضرورة فلا فدية عليه، ولا فدية على من احتبى بثوب هو على جسده ملبوسا أو لبس كذلك.
ومن تعمد لبس منهى عنه أو تغطية رأسه أو فعل ما لا يجوز لزمه دم وان نسى نزعه من حينه ولبى ولا فدية عليه الا ان تركه بعد الذكر، وان تركه ناسيا الى ليل ولو من وسط النهار أو آخره لزمه دم، وكذا ان تركه من ليله للصبح، ولا يجوز تعمد ما لا يجوز على أن يجبر بكفارته الا لضرورة، وان نزعه من فوق فعليه دم لأنه يمس رأسه أو وجهه سواء كان ذلك فى بدء الاحرام أو بعد بدئه، وان غطى رأسه ناسيا نزعه من حين تذكر ولبى ولا شئ عليه ان لم يترك لليل أو صبح.
وقيل لا يلزم الا بكمال يوم وليلة وقيل بكمال أحدهما.
ومن تعمد لبس خف بلا قطع من أسفل الكعبين وقميص وسروال ونحو ذلك فى وقت شيئا بعد شئ بلا فصل لزمته كفارة الفداء لأنها من جنس واحد وهو لبس المخيط، وان لبسها فى أوقات فعليه كفارات ثلاث بتعدد الوقت.
وان احتاج لقميص أو عمامة لبرد أو مرض أو لنحو ذلك لزمته الفدية ان فعل لقول الله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.﴾. الآية».
ويقاس عليه جميع التفث، يعنى ان حلق وقيس غير الحلق على الحلق، أى ان حلق أو فعل ما يدافع به المرض لعموم قوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً.﴾. الآية» أو فعل ما لا يجوز فى الاحرام، فان عصب رأسه لضر حل به، جاز له وعليه فدية واحدة، ولو فعل ذلك مرارا للضر لا للبرد، ومن تعمد الطيب بأن شمه والتذ بريحه لزمه دم، وان لبس المحرم ولو امرأة حريرا أو ذهبا لزمه دم للنهى عن التزين فيه.
وعن لبس الحلى للمرأة وتنزع حليها ان لم تخف كسره بالنزع أو القعود عليه بعد النزع أو بمصادمة، والخاتم اذا كان ذهبا لزم به الدم ولو امرأة، والمرأة لو اكتحلت باثمد أو نحوه مخلوطا بطيب فدم وان لوجع.
وفى تقليم ظفر ونتف شعائر الابط وازالة الشعر بالنورة والحلق مطلقا حلق عانة أو شارب أو ابط أو غير ذلك، والقص كذلك وان بلغ شعائر ابطه أو عانته أو شاربه أو ظفره حيث تجب ازالته أزاله وافتدى، وأما ان بلغ الحد الذى تجب ازالته قبل الاحرام ولم يزله فأزاله بعد احرامه فعليه فداء مع لزوم ازالته، ولزم بنتف شعائرة أو قطعها ولو من طرفها اطعام مسكين وضعفه بضعف الشعرة، والمراد اثنتان فقط وبالثلاثة فأكثر دم وان لم يكفر حتى نتف ثلاثا أخرى فواحدة ولو فى أيام مثل أن ينتف شعائرة فى يوم ثم ينتف شعائرتين فى يوم آخر، ثم ثلاثا فى يوم آخر فانه يعطى الكفارة على الثلاثة، وهكذا يكفر على الأكثر اذا تعدد
стр. 948
أنواع نتفه مثل أن ينتف شعائرة ثم شعائرتين فى يوم آخر فكفارة شعائرتين لا كفارة ثلاث، ومثل أن ينتف شعائرتين ثم واحدة فانه يكفر كفارة الشعرتين فقط، واذا كفر ثم أعاد نتفا أعاد تكفيرا ولو فى يوم واحد، وقيل لكل يوم كفارة ورجح الأولى.
والظفر كالشعر، وان حلق لزمه دم، وان اضطر لممنوع فعله وافتدى كالاحتزام للفتق وكمن أصابه أذى برأسه وحلق فانه يصوم أياما ثلاثة أو يطعم مساكين ستة، وقيل ثلاثة، وقيل عشرة لكل مدائن، أو يذبح بمكة شاة، وهو المعنى بقول الله تعالى:
«فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ … الآية».
وان خمش بدنه خمشة بظفره فمسكين أو خمشتين فمسكينان ولو ناسيا، وان احتك بنحو جدار فانسلخت منه جلدة أو انقلعت شعائرة فاطعام مسكين ان تعمد وان أصابته شوكة فنقش لها فأدمى فلا شئ عليه، وان عصر رجله حتى أدمى فالفدية لا ان أدمى قبل عصره، ومن جرح نفسه أو غيره فأدمى فدم.
أما جزاء الصيد فعلى من قتله (أى الصيد) وان خطأ أو أشار إليه فاصيب أو أزمنه ولم يعلم بصحته بعد أو دل عليه أحدا أو حيوانا ففعل به شيئا لزمه الجزاء لقول الله تعالى «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ .. ﴾. الآية (١)».
اضافة الاحرام الى الاحرام
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: اضافة الاحرام الى الاحرام من أهل مكة وممن منزله داخل الميقات جناية، وكذا اضافة احرام العمرة الى الحجة من الآفاقى اساءة، بخلاف اضافة الحجة الى احرام العمرة من الآفاقى فانها مشروعة فمكى طاف شوطا لعمرته فأحرم بحج رفضه وعليه حج وعمرة ودم لرفضه، وهذا عند أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه، وقالا يرفض العمرة ويقضيها وعليه دم لرفضها ويمضى فى الحج لأن الجمع بينهما غير مشروع فى حق المكى، فلا بد من رفض أحدهما فكانت العمرة أولى بالرفض لأنها أدنى حالا وأقل أعمالا وأيسر قضاء لكونها غير مؤقتة وليس فيها الا الطواف والسعى وهى سنة، وليس الحج كذلك، ولأنه لو رفض العمرة يلزمه قضاؤها لا غير، واذا رفض الحج يلزمه قضاؤه وقضاء العمرة بخلاف ما اذا طاف لها أربعة أشواط حيث يرفض العمرة بالاجماع، لأن للاكثر حكم الكل.
وفى المبسوط لا يرفض واحدا منهما لأن للاكثر حكم الكل فصار كما اذا فرغ منها وعليه دم لمكان النقض بالجمع بينهما.
ولأبى حنيفة رضى الله عنه ان احرام العمرة تأكد بما أتى به من الطواف واحرام الحج لم يتأكد بشئ من أعماله، وغير المتأكد أولى بالرفض، وانما يرجح بالأيسر اذا استويا فى القوة.
والدليل على انه يتأكد بالسقوط أن الآفاقى اذا جاوز الميقات غير محرم فأحرم
стр. 949
داخل الميقات فطاف شوطا، ثم عاد إلى الميقات لا يسقط عنه الدم لبى أو لم يلب بالاتفاق لتأكده بالطواف، ولأن فى رفض العمرة ابطال العمل.
وفى رفض الحج امتناعا عنه فكان أولى وعليه دم للرفض أيهما رفض لتحلله قبل أوانه كالمحصر. ثم ان رفض العمرة قضاها لا غير، وان رفض الحج قضاه وقضى العمرة معه، فلو أتمهما جاز وعليه دم لأنه أداهما كما التزمهما، غير أنه منهى عنه، والنهى لا يمنع المشروعية ولا تحقق الفعل وعليه دم لجمعه بينهما وهو دم جبر.
ومن أحرم بحج ثم بآخر يوم النحر فان حلق فى الأول لزمه الآخر ولا دم، والا لزمه وعليه دم قصر أو لا.
ومن فرغ من عمرته الا التقصير أو الحلق فأحرم بأخرى لزمه دم للجمع بينهما، وأصل هذا أن الجمع بين احرامى الحج أو احرامى العمرة بدعة، فاذا أحرم بالحج الثانى بعدما حلق للأول لزمه ولا شئ عليه بالاتفاق، لأنه حل من الأول وأحرم للثانى بعده وان لم يحلق حتى أحرم بالثانى لزمه لصحة شروعه فيه وعليه دم، حلق بعدما أحرم بالثانى أو لم يحلق عند أبى حنيفة لأنه أن حلق يكون جانيا على الاحرام الثانى، وان لم يحلق يكون مؤخرا للحلق فى الحج الأول عن أيام النحر وهو يوجب الدم عنده، وعندهما، ان حلق بعد الاحرام بالثانى يجب عليه الدم لما قال أبو حنيفة، وان لم يحلق فلا شئ عليه لأن تأخير الحلق عندهما لا يوجب شيئا، ومن أحرم بحج ثم بعمرة ثم وقف بعرفة فقد رفض عمرته، وان توجه الى عرفة ولم يقف بها بعد لا يصير رافضا لأنه يصير قارنا بالجمع بين الحج والعمرة لأنه مشروع فى حق الآفاقى لكنه مسئ بتقديم احرام الحج على احرام العمرة لكونه أخطأ السنة، لأن السنة فى القران أن يحرم بهما معا أو يقدم احرام العمرة على احرام الحج، فلو طاف للحج ثم أحرم بعمرة ومضى عليهما يجب دم.
وندب رفض العمرة لآنه فات الترتيب فى الفعل من وجه بتقديم طواف القدوم على العمرة، وان أهل بعمرة يوم النحر لزمته ولزمه الرفض والدم والقضاء لأنه أدى أركان الحج، فيكون بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه فكان خطأ محضا.
وقد كرهت العمرة فى هذه الأيام تعظيما لأمر الحج، وترفض فاذا رفضها يجب عليه دم لرفضها للتحلل منها قبل أوانه، ويجب عليه قضاؤها لصحة الشروع فيها، فان مضى عليها صح ويجب دم بالمضى عليها لأنه جمع بينهما فى الاحرام أو فى بقية الأفعال.
ومن فاته الحج فأرحوم بعمرة أو حجة رفضها لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة من غير أن يقلب احرامه احرام العمرة، والجمع بين الحجتين أو العمرتين غير مشروع فاذا أحرم بحجة يصير جامعا بين الحجتين احراما وهو بدعة فيرفضها، وان أحرم بعمرة يصير جامعا بين العمرتين أفعالا وهو بدعة أيضا فيرفضها (١).
стр. 950
مذهب المالكية:
قال المالكية: لا تنعقد عمرة على حج ولا على عمرة (١) أما ادخال الحج على العمرة. فقد جاء فى الشرح الصغير ما نصه:
الثانية من صور القران أن ينوى العمرة ثم يبدو له فيردف الحج عليها قبل الشروع فى طوافها قبل تمامها، على خلاف بين ابن القاسم وأشهب فى وقت الارداف، ان بقيت العمرة صحيحة لوقف الارداف فان فسدت بجماع أو انزال قبل الارداف لم يصح الارداف عند ابن القاسم ووجب اتمامها فاسدة ثم يقضيها وعليه دم وكمل الطواف الذى أردف الحج على العمرة فيه ولا يسعى لهذه العمرة حينئذ لأنه صار غير واجب لاندراج العمرة فى الحج.
وكره الارداف بعد الطواف فلا يصح بتمام غالب أركانها اذ لم يبق عليه منها الا السعى والواجب اصالة ترك الاحرام بالحج حتى يحلق للعمرة فان خالف ذلك الواجب وأحرم به قبل حلاقها وبعد سعيها صح ولزمه تأخير الحلق للفراغ من الحج وأهدى (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: ان أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف جاز، ويصير قارنا فقد روى مسلم أن عائشة رضى الله عنها أحرمت بعمرة فدخل عليها رسول الله ﷺ فوجدها تبكى، فقال: ما شأنك؟
قالت: حضت، وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت.
فقال لها رسول الله ﷺ :
أهلى بالحج. ففعلت، ووقفت المواقف حتى اذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لها رسول الله ﷺ :
قد حللت من حجك وعمرتك جميعا.
فلو شرع فى الطواف لم يصح الاحرام بالحج لأنه اشتغل بعمل من أعمال العمرة ولا يجوز عكسه فى الجديد وهو أن يحرم بالحج فى أشهره ثم بعمرة قبل الطواف للقدوم وجوزه القديم قياسا على العكس فيكون قارنا أيضا، ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم أدخله عليها فى أشهره فقيل لا يصح هذا الادخال لأنه يؤدى الى صحة الاحرام بالحج قبل أشهره، وقيل يصح لأنه انما يصير محرما بالحج وقت ادخاله.
وقال فى الروضة الثانى أصح، وان أحرم بالحج وأدخل عليه بالعمرة ففيه قولان أحدهما يجوز، فان أحرم بالعمرة فأفسدها ثم أدخل عليها الحج ففيه وجهان
стр. 951
أحدهما ينعقد الحج ويكون فاسدا، والثانى لا ينعقد (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: اذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الشروع فى طواف العمرة كان نوعا من القران لأنه ليس من اللازم فى القران أن يحرم بهما جميعا.
وقد روت عائشة رضى الله عنها قالت:
أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج.
وفى الصحيحين أن ابن عمر رضى الله عنه فعله وقال هكذا صنع رسول الله ﷺ .
وفى الصحيحين أنه أمر عائشة رضى الله عنها بذلك.
فان كان شرع فى طواف العمرة لم يصح ادخاله عليها لأنه شرع بالتحلل من العمرة كما لو سعى الا لمن معه الهدى فيصح الادخال ولو بعد السعى بناء على المذهب أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدى محله ويصير قارنا جزم به فى المبدع والشرح وشرح المنتهى هنا وهو مقتضى كلامه فى الانصاف، ولا يعتبر لصحة ادخال الحج على العمرة الاحرام به فى أشهره لصحة الاحرام به قبلها، وان أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح احرامه بها لأنه لم يرد به أثر ولم يستفد به فائدة بخلاف ما سبق ولم يصر قارنا لأنه لا يلزمه بالاحرام الثانى شئ (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى فى المحلى: المرأة المتمتعة بعمرة ان حاضت قبل الطواف بالبيت ففرضها أن تضيف حجا الى عمرتها ان كانت تريد الحج من عامها وتعمل عمل الحج، حاشا الطواف بالبيت، فاذا طهرت طافت، وهذا لأمر رسول الله ﷺ عائشة رضى الله عنها بذلك، على ما جاء فى الحديث السابق ونحوه فى مذهب الشافعية (٣).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: من أدخل نسكا على نسك نحو أن ينوى احرامه بحجة فقط ثم بعد ذلك يهل بعمرة أو حجة غير الذى قد كان نواها أو العكس، وهو أن يبتدئ الاحرام بعمرة ثم يهل بحجة أو عمرة غير التى نواها استمر فى الأول منهما، ويتعين رفض ما أدخله ولو كان الدخيل حجة على عمرة ولو خشى فوت الحجة أيضا.
وقال أبو جعفر: ان أدخل حجة على عمرة صار قارنا وعليه دم للرفض (٤).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: اضافة الاحرام الى الاحرام معناه ادخال أحد النسكين على الآخر بأن
стр. 952
ينوى الثانى قبل اكمال تحلله من الأول، وهو الفراغ منه، لا مطلق التحلل، فيبطل الثانى ان كان الداخل حجا على العمرة قبل السعى لها ولو كان بعده وقبل التقصير وتعمد ذلك، فالمروى صحيحا عن أبى بصير عن أبى عبد الله ﵇، أنه يبقى على حجة مفردة بمعنى بطلان التمتع وصيرورتها بالاحرام قبل اكمالها حجة مفردة، فيكملها ثم يعتمر بعدها عمرة مفردة (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: لا يجوز أن يحرم الانسان بالحج ثم يردف عليه العمرة فيكون قارنا بعد كونه مفردا، أما أن يحرم بالعمرة ثم يردف عليها الحج فيكون قارنا بعد أن كان متمتعا. قال فى التاج: أجمع المسلمون أن لمن أهل بعمرة ادخال حج عليها ما لم يبتدئ الطواف (٢).
متى يكون التحلل من الاحرام
وكيف يتحلل
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: التحلل من الاحرام يكون بعد الذبح لقول الله تعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (٣) مرتبا على الذبح.
وعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق خذ (وأشار الى جانبه الأيمن ثم الأيسر) ثم جعل يعطيه الناس .. رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
ويكون التحلل من الاحرام بالحلق أو التقصير، والحلق أحب لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم اغفر للمحلقين»
قالوا: يا رسول الله، والمقصرين.
قال: «اللهم اغفر للمحلقين».
قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين.
قال: «اللهم اغفر للمحلقين».
قالوا: وللمقصرين.
قال: «وللمقصرين» … متفق عليه.
ولأن المقصود قضاء التفث لما تلونا وهو بالحلق أتم فكان أولى (٤)، على تفصيل ينظر فى مصطلح «حلق».
مذهب المالكية:
قال المالكية: وحل برمى جمرة العقبة كل شئ يحرم على المحرم غير نساء وصيد وكره له الطيب، وهذا هو التحلل الأصغر، فان طاف للافاضة سبعة أشواط حل به ما بقى من نساء وصيد وطيب، وهذا هو التحلل الأكبر. فيجوز له وط ء حليلته بمنى أيام التشريق ان حلق أو قصر قبل الافاضة أو بعدها، وقدم سعيه عقب القدوم، فان لم يقدمه عقبه أو كان لا قدوم عليه فلا يحل ما بقى الا بالسعى، فان وطئ أو اصطاد قبله فالدم (٥).
стр. 953
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: اذا رمى المحرم وحلق وطاف حصل له التحلل الأول والثانى، فان قلنا ان الحلق نسك حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهى الرمى والحلق والطواف، وحصل له التحلل الثانى بالثالث، وان قلنا ان الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين، وهى الرمى والطواف وحصل له التحلل الثانى بالثانى.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: اذا دخل وقت الرمى حصل له التحلل الأول، وان لم يرم، كما اذا فات وقت الرمى حصل له التحلل الأول وان لم يرم. والمذهب الأول، لما روت عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: اذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شئ الا النساء. فعلق التحلل بفعل الرمى، ولأن ما تعلق به التحلل لم يتعلق بدخول وقته كالطواف، وفيما يحل بالتحلل الأول والثانى قولان: أحدهما، وهو الصحيح، أنه يحل بالأول جميع المحظورات الا الوط ء وبالثانى يحل الوط ء لحديث عائشة رضى الله عنها. والقول الثانى أنه يحل بالأول كل شئ الا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء وقتل الصيد (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: اذا فرغ المحرم من السعى فان كان متمتعا بلا هدى حلق أو قصر من جميع شعره وقد حل، فيستبيح جميع محظورات الاحرام، والأفضل هنا التقصير ليتوفر الحلق للحج، وان كان مع المتمتع هدى أدخل الحج على العمرة، وليس له أن يحل ولا أن يحلق حتى يحج فيحرم به بعد طوافه وسعيه لعمرته، ويحل منهما (أى من الحج والعمرة يوم النحر)، نص عليه لحديث حفصة، قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك.
فقال: «انى لبدت رأسى وقلدت هدى فلا أحل حتى أنحر» … متفق عليه.
وان كان الذى طاف وسعى لعمرته معتمرا غير متمتع، فانه يحل (أى يحلق أو يقصر) وقد حل، ولو كان معه هدى سواء كان فى أشهر الحج ولم يقصد الحج من عامه أو كان فى غير أشهر الحج.
وللمحرم تحللان: الأول منهما يحصل باثنين من ثلاثة: رمى لجمرة العقبة وحلق أو تقصير، وطواف افاضة.
ويحصل التحلل الثانى بالثالث منها (أى من الحلق والرمى والطواف مع السعى) ان كان متمتعا أو كان مفردا أو قارنا، ولم يسع مع طواف القدوم، فالحلق أو التقصير نسك لقول الله تعالى: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً» (٢).
فوصفهم وامتن عليهم بذلك، فدل أنه من
стр. 954
العبادة لا اطلاق من محظور، ولقول رسول الله ﷺ ، فليقصر ثم ليحل (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: اذا أتى المحرمون منى ورموا جمرة العقبة فقد تم احرامهم، ويحلقون أو يقصرون، والحلق أفضل للرجال، وينحرون الهدى، ان كان معهم، ثم قد حل لهم كل ما كان من اللباس حراما على المحرم، وحل لهم الصيد فى الحل والتطيب، حاشا الوط ء فقط. برهان ذلك ما روينا من طريق سعيد بن منصور قال:
عمر رضى الله عنه اذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ الا الطيب والنساء».
فقالت عائشة رضى الله عنها: أنا طيبت رسول الله ﷺ ، فسنة رسول الله أحق أن تتبع.
واذا نهض الى مكة فطاف بالبيت سبعا لا رمل فيها، وسعى بين الصفا والمروة ان كان متمتعا أو لم يسع ان كان قارنا وكان قد سعى بينهما فى أول دخوله فقد تم حجه وقرانه وحل له النساء بالاجماع لا خلاف فيه مع النص (٢) فى قول الله تعالى:
«وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (٣).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يحل للمحرم محظورات الاحرام غير الوط ء للنساء بعد أول حصاة يرمى بها ولا يحل له الوط ء حتى يطوف طواف الزيارة فلو قدم طواف الزيارة على الرمى جاز له جميع المحظورات من وط ء وغيره، والمتمتع يتحلل عقيب السعى فيتحلل بعده من المحظورات فيما عدا الوط ء فانه لا يحل الا بعد أن يحلق رأسه أو يقصر (٤).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: يتحلل المحرم من كل ما حرمه الاحرام الا من النساء والطيب والصيد بالحلق بعد الرمى والذبح فلو قدمه عليهما أو وسطه بينهما ففى تحلله به أو توقفه على الثلاثة، قولان: أجودهما الثانى، واذا طاف طواف الحج وسعى سعيه حل الطيب، وقيل يحل بالطواف خاصة، والأول أقوى، هذا اذا أخر الطواف والسعى عن الوقوفين، أما لو قدمهما على أحد الوجهين ففى حله من حين فعلهما أو توقفه على أفعال منى وجهان، وقطع العاملى بالثانى، وبقى من المحرمات النساء والصيد، فاذا طاف للنساء حللن له ان كان رجلا، ولو كان صبيا فالظاهر أنه كذلك، من حيث الخطاب الوضعى. وأما المرأة فلا اشكال فى تحريم الرجال عليها بالاحرام، وانما الشك فى المحلل، والأقوى أنها كالرجل (٥).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية، كما جاء فى شرح النيل:
اذا ذبحت فاحلق، وخذ من شاربك لا
стр. 955
لحيتك وقلم أظفارك واحلق عانتك، وقد حل بعد ذبح وحلق كل حلال غير صيد ونساء حتى تزور البيت. وقيل يحل له غير النساء والصيد برمى جمرة العقبة حلق أو لم يحلق قصر أو لم يقصر (١).
تجديد الاحرام يوم التروية
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: المتمتع يحرم بالحج يوم التروية من الحرم، لأنه فى معنى المكى، وميقات أهل مكة فى الحج الحرم، وان أحرم قبل يوم التروية جاز وهو الأفضل لقول رسول الله ﷺ :
«من أراد الحج فليتعجل»، ولأن فيه مسابقة الى الخير وزيادة فى المشقة، فكان أولى، وهذا الحكم عام فى متمتع سواء من ساق الهدى ومن لم يسقه (٢).
مذهب المالكية:
قال ابن القاسم من المالكية عن المتمتع:
اذا كان يوم التروية أحرم للحج.
قال: وكان مالك يستحب أن يحرم فى أول العشر (أى أول ذى الحجة) (٣).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: تجديد الاحرام يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذى الحجة خاص بالمتمتعين والمكيين بخلاف غيرهم من المفردين والقارنين والآفاقيين لعدم تحللهم (٤).
وجاء فى المجموع: اذا تحلل المتمتع من العمرة استحب له ألا يحرم بالحج الا يوم التروية، هذا اذا كان واجد الهدى. وان كان عادمه استحب له تقديم الاحرام بالحج قبل اليوم السادس لأنه فرضه الصوم ولا يجوز الا بعد الاحرام بالحج وواجبه ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجع الى أهله، ويستحب ألا يصوم يوم عرفة، فيتعين ثلاثة أيام قبله، وهى السادس والسابع والثامن، هذا مذهبنا.
ودليلنا ما ثبت عن جابر رضى الله تعالى عنه قال: حججنا مع رسول الله ﷺ عام ساق الهدى معه (يعنى حجة الوداع) وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال رسول الله ﷺ :
«أحلوا من احرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالا، حتى اذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التى قدمتم بها متعة» (٥).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: يستحب للمتمتع الذى حل من عمرته ولغيره من المحلين بمكة وقربها الاحرام بالحج يوم التروية لقول جابر رضى الله عنه فى صفة حج النبى صلى الله عليه
стр. 956
وسلم: فحل الناس كلهم وقصروا الا النبى ﷺ ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذى الحجة (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: وأما استحبابنا للمتمتع أن يهل بالحج يوم التروية فى أخذه فى النهوض الى منى، فلما ذكرنا من فعل أصحاب النبى ﷺ بحضرته.
عن عطاء بن أبى رباح قال: رأيت ابن عمر رضى الله تعالى عنه فى المسجد الحرام وقد أهل بالحج اذ رأى هلال ذى الحجة عاما ثم عاما آخر، فان كان فى العام الثالث قيل له قد رؤى هلال ذى الحجة.
فقال: ما أنا الا كرجل من أصحابى وما أرانى أفعل الا كما فعلوا فأمسك الى يوم التروية ثم أحرم من البطحاء حين استوت به راحلته بالحج (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: اذا فرغ المتمتع من أعمال العمرة كان حكمه حكم الحلال، فاذا كان يوم التروية فانه يحرم ان شاء للحج وليس الاحرام من مكة شرطا فى صحة الحج ولا فى صحة التمتع بل لو أحرم للحج من المواقيت جاز له ذلك وصح تمتعه ولا دم عليه (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام ما نصه: أما المتمتع فصورته أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتع بها ثم يدخل مكة فيطوف سبعا بالبيت ويصلى ركعتيه بالمقام، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعا ويقصر، ثم ينشئ احراما آخر للحج من مكة يوم التروية على الأفضل، والا بقدر ما يعلم أنه يدرك الوقوف (٤).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: يحرم المتمتع للحج يوم التروية، وهو ثامن ذى الحجة وذلك هو المختار واختار بعضهم من أول ذى الحجة وأجيز قبل ذلك (٥).
الفرق بين من يسوق الهدى
ومن لم يسقه
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: من لم يسق الهدى فى حج التمتع يجوز له أن يتحلل بعد الفراغ من العمرة، أما من ساق الهدى فلا يجوز له التحلل لحديث ابن عمر رضى الله تعالى عنه
стр. 957
قال: تمتع الناس بالعمرة الى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: «من كان معه هدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة، وليقصر وليتحلل» … متفق عليه، والهدى اما أن يكون لمتعة أو قران أو احصار أو جزاء صيد أو كفارة جناية أخرى (١).
وتفصيل القول فى هذا الموضوع بالنسبة للمذاهب الثمانية يراجع فى مصطلحات «هدى، قران تمتع، احصار جزاء صيد، كفارة».
الاحرام عن الغير
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: اذا أهل الرجل عن ولده الصغير الذى معه لا يجب عليه من جهة اهلاله عن ابنه شئ لأن عبارته فى اهلاله عن ابنه كعبارة ابنه، فيصير الابن محرما بهذا لا أن يصير الأب محرما عنه.
واذا أم الرجل البيت فأغمى عليه، فأهل عنه أصحابه بالحج ووقفوا به فى المواقف وقضوا له النسك كله يجزيه ذلك عن حجة الاسلام فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله:
لا يجزئه. والقياس قولهما، لأنه لم يأمر أصحابه بالاحرام عنه، وليس للأصحاب عليه ولاية، فلا يصير هو محرما باحرامهم عنه، لأن عقد الاحرام عقد لازم، والزام العقد على الغير لا يكون الا بولاية، ولأن الاحرام لا ينعقد الا بالنية، وقد انعدمت النية من المغمى عليه حقيقة وحكما، لأن نية الغير عنه بدون أمره لا تقوم مقام نيته، والدليل عليه أن سائر المناسك لا تتأدى بأداء الأصحاب عنه، فكذلك الاحرام وجه قول أبى حنيفة ﵀، وهو أنه لما عاقدهم عقد الرفقة، فقد استعان بهم فى كل ما يعجز عن مباشرته بنفسه والاذن دلالة بمنزلة الاذن افصاحا، واذا ثبت الاذن قامت نيتهم مقام نيته كما لو كان أمرهم بذلك نصا، ومن أصحابنا من فرق، فقال الاحرام بمنزلة الشرط فتجزئ النيابة فى الشروط، وان كان لا تجزئ فى الأعمال، فان أصاب الذى أهل عن المغمى عليه صيدا فعليه الجزاء من قبل اهلاله عن نفسه، وان كان محرما وليس عليه من جهة اهلاله عن المغمى عليه شئ (٢).
مذهب المالكية:
سئل ابن القاسم من المالكية عمن أغمى عليه قبل أن يأتى عرفة فوقف به بعرفة وهو مغمى عليه حتى دفعوا (أى أفاضوا) من عرفات، وهو بحاله مغمى عليه، فقال:
قال لى مالك: ذلك يجزئه. فسئل ان أتى الميقات وهو مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه أيجزئه.
стр. 958
فقال: ان أفاق فأحرم قبل أن يقف بعرفات أجزأه حجه، وأن لم يفق حتى يقفوا به بعرفات وأصبحوا من ليلتهم لم يجزه حجه.
فقيل: فان أفاق قبل انفجار الصبح، فأحرم ووقف أيجزئه حجه فى قول مالك، قال: نعم.
فسئل: عما اذا مر به أصحابه بالميقات وهو مغمى عليه فأحرموا عنه ثم أفاق بعدما جاوز الميقات فأحرم حين أفاق أيكون عليه الدم لترك الميقات.
قال: لا أحفظ هذا عن مالك، وأرجو ألا يكون عليه شئ.
فسئل عما اذا كان أصحابه قد أحرموا عنه بحج أو بعمرة أو قرنوا عنه، فلما أفاق أحرم بغير ذلك.
قال: ليس الذى أحرم عنه أصحابه بشئ وانما احرامه هذا الذى ينوى به هو، وهو رأيى.
وقال ابن القاسم عن الصبى يصيب صيدا أنه يحكم عليه فى قول مالك. وقال الذى استحب من ذلك أن يكون ما يحكم به على والده، لأن والده هو الذى أحجه فلزم الصبى الاحرام بفعل والده، فعلى الوالد ما يصيب هذا الصبى فى حجه (١).
ويندب احرام ولى لما ورد أن له أجرا بقرب مكة لا من الميقات للمشقة عن رضيع بأن ينوى ادخاله فى النسك ومجنون أطبق عليه أو خيف الفوات وجرد المحرم عنه وقت الاحرام، فان خيف ضرر فالفدية ولا يجرد ولا يندب الاحرام عن مغمى عليه بل لا يصح الاحرام عنه (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: الصبى ان كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن امرأة رفعت صبيا إلى النبى ﷺ من محفتها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج.
قال «نعم، ولك أجر».
ويجوز لأبيه قياسا على الأم، ولا يجوز للأخ والعم أن يحرما عنه لأنه لا ولاية لهما على الصغير، فان عقد له الاحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه، ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه لما روى جابر رضى الله عنه قال:
حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.
وقال صاحب المجموع: قال أصحابنا:
يحرم عنه وليه سواء كان الولى محرما عن نفسه أو عن غيره أو حلالا، وسواء كان حج عن نفسه أم لا، وهل يشترط حضور الصبى ومواجهته بالاحرام فيه وجهان:
أصحهما لا يشترط.
стр. 959
وجزم صاحب المهذب وآخرون بعدم صحة الحج من المجنون وأنه لا يجوز الاحرام عنه لأنه ليس من أهل العبادات.
وجزم البغوى والمتولى والرافعى وآخرون بصحته منه كالصبى الذى لا يميز قالوا: وأما المغمى عليه فلا يجوز أن يحرم عنه غيره لأنه ليس بزائل العقل ويرجى برؤه عن قريب فهو كالمريض (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: غير المميز يحرم عنه وليه، لما روى جابر رضى الله تعالى عنه فى الحديث السابق فى مذهب الشافعية، فيعقد له وليه الاحرام، ولو كان الولى محرما أو لم يحج عن نفسه والولى من يلى ماله من أب ووصيه وحاكم، ولا يصح من غير الولى والأقارب ومعنى احرامه عنه عقده الاحرام له فيصير الصغير بذلك محرما وكل ما أمكن الصغير مميزا كان أو دونه أن يفعله بنفسه لزمه فعله كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة سواء أحضره الولى فيهما أو حضر غيره أو لم يحضر أحد، وما عجز عنه الصغير فعله عنه الولى، لكن لا يجوز أن يرمى عن الصغير الا من رمى عن نفسه، وان كان الولى حلالا لم يعتد برميه ولا يصح الحج من المجنون ان عقد الاحرام بنفسه أو عقد له وليه (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: نستحب الحج بالصبى وان كان صغيرا جدا أو كبيرا وله حج وأجر وهو تطوع، وللذى يحج به أجر ويجتنب ما يجتنب المحرم ويجزى الطائف به طوافه ذلك عن نفسه، وأورد حديث ابن عباس رضى الله عنه السابق فى مذهب الشافعية، ولا تلزم الصبى النية انما تلزم المخاطب المأمور المكلف (٣).
مذهب الزيدية:
ذهبت الهادوية من الزيدية الى أنه لا تنعقد نية الصبى فى الحج.
قال فى الجامع: قول محمد يدل على أن حج الصبى جائز وأنه يحرم عنه ويلبى عنه، ويجتنب ما يجب على الرجل اجتنابه من الطيب واللباس وأخذ الشعر ويطاف به ويرمى عنه الجمار، ويصلى عنه ركعتا الطواف ان كان لا يعقل الصلاة، ويشهد به المشاهد كلها لأنه قال: كان من مضى من آل رسول الله ﵌ يرون أن يصلوا عن الصبى ركعتى الطواف اذا كان لا يعقل الصلاة.
وقال محمد: واذا كان الصبى لا يفهم الرمى رمى عنه، ويكون حاضرا عند رمى الجمرة أحب الى ويرمى عنه حاج من أهله وان رمى عنه حاج أجنبى أجزأه، ثم ذكر حديث الصبى الذى رفعته من هودجها ثم قال:
وعن جعفر ﵇ قال: حججت مع على بن الحسين ومع أبى فكانوا اذا كان
стр. 960
الاحرام جردونا من القمص وتركونا فى الأزر فاذا قدموا مكة بعثوا بنا مع الغلمان فطافوا بنا وصلوا عنا (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: يحرم الولى عن غير المميز ان أراد الحج به ندبا طفلا كان أو مجنونا، محرما كان الولى أم محلا لأنه يجعلهما محرمين بفعله لا نائبا عنهما، ويكون الولى عليه حاضرا مواجها له ويأمره بالتلبية ان أحسنها والا لبى عنه ويلبسه ثوبى الاحرام ويجنبه تروكه (محظوراته) واذا طاف به أوقع به صورة الوضوء وحمله ولو على المشى أو ساق به أو قاد به أو استناب فيه ويصلى عنه ركعتيه ان نقص سنه عن ست ولو أمره بصورة الصلاة فحسن، وكذا القول فى سائر الأفعال فاذا فعل به ذلك فله أجر حجة (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل تعليقا على الحديث الذى رواه ابن عباس رضى الله عنه الذى سبق ذكره، أما حديث المرأة التى قال لها نعم ولك أجر، انما هو فى صحته نفلا للصبى لا فى اجزائه عن حجة الفرض.
وقال بعض المخالفين ان الصبى يحرم عنه وليه ويجتنب ما يجتنبه البالغ المحرم والظاهر أن وليه يحرم لنفسه أولا وأنه اذا بلغ السن الذى يؤمر فيه بالصلاة يحرم بنفسه، وذكر المخالفون أن الرضيع يجرد قرب الحرم، ويعيد المجنون بعد افاقة.
وزعم المخالفون أنه يحرم عنه أبوه أو وليه (٣).
стр. 961
إحصار
التعريف به:
الاحصار فى اللغة المنع والحبس (١)، وفى الشرع المنع من بعض أعمال معينة فى الحج أو العمرة على تفصيل فى المذاهب فيما يلى بيانه:
مذهب الحنفية:
عند الحنفية يكون الاحصار فى الحج بمنع الوقوف بعرفة والطواف الركن، فاذا قدر على أحدهما فليس بمحصر، وفى العمرة المنع من البيت ودليلهم قوله تعالى:
«فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (٢).
ونقل الزيلعى عن المحيط والبدائع والتحفة والمرغينانى والأسبيجابى وغيرها.
أن المرأة اذا أحرمت بغير زوج أو محرم أو مات محرمها أو زوجها بعد احرامها فهى محصرة، ويكون الاحصار بالمرض، فان كان بغيره فهو مطلق فيتناوله وغيره من الأعذار فيكون بالعدو، والعدو يكون من المشركين والبغاة وقطاع الطريق والعدو يكون من المسلمين وغيرهم.
وبمعناه فى المبسوط وغيره وفيه أيضا أن الذى ضل الطريق فهو محصر يبقى محرما الى أن يحج ان زال الاحصار قبل فوات الحج (٣).
قال الحنفية: ومن منع بمكة من الطواف والوقوف بعرفة صار محصرا لانه تعذر عليه الوصول الى الأفعال كما اذا كان ذلك فى الحل، وان لم يمنع عنها بأن قدر على أحدهما لا يكون محصرا، أما اذا قدر على الوقوف بعرفة فلأنه أمن الفوات، واذا قدر على الطواف فلأنه فائت الحج يتحلل به والدم بدل عنه فى التحلل، فلا حاجة الى الهدى (٤). انظر مصطلح «تحلل، فوات، دم».
مذهب المالكية:
الاحصار عند المالكية على ثلاثة أقسام:
الأول: من أحصر عن البيت، وعن الوقوف بعرفة معا لمحرم بالحج، أو أحصر عن البيت والسعى لمحرم بالعمرة.
والثانى: من أحصر عن البيت فقط.
والثالث: من أحصر عن عرفة فقط.
ويكون المنع بعدو كافر أو بسبب فتنة وقعت بين المسلمين أو بسبب حبس بدون حق (أى ظلما) أو كان الحق ثابتا لكن ثبت عسره، أو كان المنع لمرض أو بسبب هبوب ريح عطلت السفينة أو بسبب خطأ فى الأيام أو بسبب حبس بحق (٥).
стр. 962
ومن منع بسبب حق بأن منعه الدائن حتى يؤدى دينه وكان قادرا على دفع الدين فلا يباح له التحلل لأنه متمكن من التخلص والسير فى نسكه فلا يكون محصرا (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: يكون الحصر عن الوقوف أو الطواف أو السعى، والحصر يكون بالعدو سواء كان من المسلمين أو من المشركين، والحصر بالعدو هو الحصر العام أما الحصر الخاص فيكون بمنع الغريم له وحبسه ولم يجد ما يقضى دينه، ويكون بالمرض كذلك (٢).
وجاء فى نهاية المحتاج (٣) بعد أن ذكر أن الاحصار هو المنع قال: ان الاحصار المنع من المقصود سواء منعه مرض أو عدو أو حبس، والحصر التضييق.
وقال موانع اتمام النسك ستة:
الأول: الحصر العام، وهو ما كان بسبب قطع طريق أو غيره، وسواء كان المانع كافرا أو مسلما، وسواء أمكن المضى بقتال أو بذل مال أو لم يمكن، اذ لا يجب احتمال الظلم فى أداء النسك، وسواء كان العدو فرقا أم فرقة واحدة لقول الله : «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .. الآية»، وقد نزلت بالحديبية حين صد المشركون رسول الله ﷺ عن البيت وكان معتمرا فنحر، والأولى قتال الكفار عند القدرة عليه ليجمعوا بين الجهاد ونصرة الاسلام واتمام النسك.
الثانى: الحصر الخاص، بمثل الحبس ظلما أو بدين مع الاعسار والعجز عن اثباته وبمثل المرض.
الثالث: الرق، فان أحرم العبد بلا اذن سيده، فان لسيده تحليله على تفصيل موضعه فى مصطلح «رق».
الرابع: الزوجية فللزوج تحليل (أى اخراج زوجته من الاحرام) من حج تطوع لم يأذن فيه، وفى حج الفرض بلا اذن على الأظهر، وفيه تفصيل ينظر فى مصطلح «حج»
الخامس: الأبوة، وذلك بشرط أن يكونا مسلمين، فان كانا كذلك فلهما تحليله من نسك التطوع اذا أحرم بغير اذنهما، وفى ذلك تفصيل محله مصطلح «حج، أب، ابن».
السادس: الدين، فلصاحب الدين منع المديون من السفر ليستوفيه الا ان كان معسرا، أو الدين مؤجلا أو يستنيب من يقضيه من مال حاضر وليس له تحليله.
стр. 963
وجاء فى المهذب: ان أحصره العدو عن الوقوف أو الطواف أو السعى وكان له طريق آخر يمكنه الوصول منه الى مكة فلا يعتبر محصرا (١).
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: المحصر هو من يمنع من أداء النسك بعد الاحرام بحج أو عمرة سواء منعه عدو من المشركين أو من المسلمين ولم يكن له طريق آمن للحج وسواء كان الحصر عاما بالنسبة لكل الحجاج أو كان خاصا فى شخص واحد مثل أن يحبس بغير حق أو يأخذه اللصوص أو حبس بحق أو دين حال لكنه قد يستطيع أداءه أو منع لمرض أو ذهاب نفقة (٢)، أما من منعه العدو وكان يمكنه الوصول الى الحرم من طريق أخرى غير التى أحصر فيها فلا يعتبر محصرا، كذلك من حبس بحق أو دين حال وكان قادرا على أدائه فلا يعتبر محصرا
مذهب الظاهرية:
وقال ابن حزم الظاهرى: كل من عرض له ما يمنعه من اتمام حجه أو عمرته قارنا كان أو متمتعا، من عدو أو مرض أو كسر أو خطأ طريق، أو خطأ فى رؤية الهلال، أو سجن أو أى شئ كان فهو محصر.
والاحصار والحصر بمعنى واحد، وهما اسمان يقعان على كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذلك أى شئ كان (٣).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: الاحصار هو حصول مانع اضطرارى عقلى أو شرعى منع من اتمام ما أحرم له، وأسباب الحصر تسعة هى:
الحبس، أو المرض، أو الخوف، أو انقطاع الزاد بحيث يخشى على نفسه التلف أو الضرر اذا حاول الاتمام مع حصول أى هذه الأعذار. وهذه الموانع الاربعة عقلية.
أما الموانع الباقية فشرعية، وهى:
انقطاع المحرم فى حق المرأة، فاذا انقطع محرمها بسبب من الأسباب العقلية المتقدمة أو بموت أو بغيرها ولو تمردا منه، ولم تجد محرما غيره صارت بانقطاعه محصرة، فلو أحصر محرمها وقد بقى بينها وبين الموقف دون بريد، فهل يجوز لها الاتمام من دونه؟.
قال «الامام»: الأقرب أنه لا يجوز لها الاتمام من دونه الا ألا يبقى بينها وبين الموقف الا ما يعتاد فى مثله مفارقة المحرم فى السفر ويتسامح بمثله وأقرب ما يقدر به ميل.
والسبب الثانى من موانع الحصر الشرعية، من أحصره مرض من يتعين عليه
стр. 964
أمره نحو أن يمرض الزوج أو الزوجة أو الرفيق أو بعض المسلمين أو الذميين وخشى عليه التلف ان لم يكن معه من يمرضه وجب على زوجته أو رفيقه أن يقف معه ليمرضه ولا يجوز أن يعين غير الأخص كأن يجتمع مع الرجل زوجة ومحرم فيتعين فى حق الزوجة.
قال الامام: الا أن يعرف أن المحرم أرفق من الزوجة فانه يجوز له أن يعين المحرم.
وجاء فى حاشية شرح الأزهار تعليقا على ما سبق، مع يمينه أن تلك المحرم أرفق.
والسبب الثالث: من أحصره تجدد عدة كامرأة طلقت بعد الاحرام أو مات زوجها فالواجب عليها أن تعتد حيث طلقت.
والسببان الأخيران: بمنع الزوج أو السيد اذا جاز له المنع من الاتمام، وذلك اذا كان الاحرام بالنافلة من غير اذن الزوج أو السيد فان لهما المنع عن اتمام ما أحرما له، وبذلك تصير الزوجة محصرة ويصير العبد كذلك محصرا، ويلحق بمنع السيد لعبده كل من طولب بحق يجب عليه كالمطالب بالدين الحال لا المؤجل (١).
وجاء فى البحر الزخار (٢): ويصير محصرا بالعدو المشرك اجماعا لنزول الآية فى احصار الحديبية، وكذا الباغى.
مذهب الإمامية:
أما الإمامية فقد فرقوا بين الاحصار والصد، فالمراد بالاحصار عندهم فى باب الحج منع الناسك بالمرض عن نسك يفوت الحج أو العمرة بفواته مطلقا كالموقفين (الوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر الحرام) وذلك بالنسبة للحج، أو عن النسك المحلل.
والمراد بالصد، منع الناسك بالعدو وما فى معناه عما يفوت الحج أو العمرة مع قدرة الناسك بذاته على الاكمال، فأثبتوا بهما أصل التحلل فى الجملة وفرقوا فى عموم التحلل على ما سيأتى (٣).
ومن الفروع التى تقوى تحقق الاحصار والصد فيها المنع عن مكة وأفعال منى معا ويقوى عدم تحققها بالمنع عن مكة بعد التحلل بمنى، وكذلك منع المعتمر عن أفعال مكة بعد دخولها، ومنع الحاج عن مناسك منى يوم النحر اذا لم يمكنه الاستنابة، فيه نظر من حيث تحقق الاحصار والصد به وعدم تحققه (٤).
مذهب الإباضية:
وقال الإباضية: المحصر هو الممنوع من اتمام الحج أو العمرة بعد الاحرام به ويقال أيضا محصور لأنه يقال حصر، وأحصره، والحصر يشمل السجن والقيد وخوف القتل
стр. 965
أو المثلة أو الضرب المبرح أو نحو ذلك، ويشمل المرض كذلك (١).
بم يتحلل المحصر
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: يتحلل المحصر بذبح الهدى على قول أبى حنيفة ومحمد، ولا حلق عليه ولا تقصير، وان حلق فحسن.
وقال أبو يوسف: عليه أن يحلق، ولو لم يحلق فلا شئ عليه لأن النبى ﷺ وأصحابه أحصروا فى الحديبية وأمرهم بأن يحلقوا وحلق ﵊ بعد بلوغ الهدايا محلها.
وفى الكافى أن المراد فى قول أبى يوسف عليه الحلق، الاستحباب لا الوجوب، بدليل قوله: ولو لم يفعل لا شئ عليه.
لأن ترك الواجب يوجب الدم، وترك السنة اساءة.
وفى الكرمانى، فى حلق المحصر روايتان عن أبى يوسف: فى رواية واجب، وفى رواية غير واجب. وفى رواية النوادر عنه يجب الدم بتركه.
ولأبى حنيفة ومحمد أن الحلق لم يعرف كونه نسكا الا بعد أداء الأفعال وقبله جناية فلا يؤمر به.
وفى الكافى: لا يحلق عندهما اذا أحصر فى الحل، وأما اذا أحصر فى الحرم فيحلق لأن الحلق مؤقت بالحرم عندهما، وان لم يجد ما يذبح بقى محرما حتى يذبح أو يطوف (٢).
ولو كان المحصر قارنا بعث هديين: هديا لحجه، وهديا لعمرته لأنه محرم باحرامهما فلا يتحلل الا بعد الذبح عنهما، ولو بعث بهدى واحد يتحلل عن الحج ويبقى فى احرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما لأن التحلل منهما لم يشرع الا فى حالة واحدة فلو تحلل عن أحدهما دون الآخر يكون فيه تغيير للمشروع.
ولا يحتاج الى تعيين أحدهما للعمرة والآخر للحج لأن هذا التعيين غير مقيد، ولا يكفى هدى واحد ليتحلل من الاحرامين لأنه شرع قربة مقصودة بنفسها فلا ينوب الواحد عن اثنين، ولأن جهة الكفارة فيه راجحة، والكفارة تتعدد على القارن لجنايته على الطرفين (٣).
مذهب المالكية:
قال المالكية: يختلف ما يكون به التحلل للمحرم المحصر باختلاف النسك الذى يمنع منه، وذلك على الوجه الآتى:
أولا: من أحرم بحج ومنع من الوقوف بعرفة والبيت معا، أو أحرم بعمرة ومنع عن البيت والسعى معا، وكان المنع ظلما
стр. 966
بسبب عدو أو فتنة أو حبس بدون حق، أو بحق لكن ثبت عسره، فالأفضل له التحلل بالنية، بأن ينوى الخروج من الاحرام، ومتى نوى ذلك صار حلالا ولا يحرم عليه شئ مما يحرم على المحرم.
ويسن له أن ينحر هديه ويحلق رأسه أو يقصر فان لم يكن معه هدى لا يجب عليه.
وقوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» محمول على ما اذا كان الهدى مع المحصر من قبل كأن ساقه تطوعا، والنية فى الأصل كافية للتحلل ويجوز له البقاء على احرامه للعام القابل الا أن التحلل أفضل من البقاء على احرامه، وانما يجوز له التحلل بثلاثة شروط:
الأول: ان لم يعلم حين الاحرام أن هناك من يمنعه من عدو أو فتنة أو حبس، فان كان يعلم بذلك فليس له التحلل، بل يبقى على احرامه حتى يحج فى العام القابل، لكن ان علم بما يمنعه حين الاحرام وظن أنه لا يمنعه فمنعه فله حينئذ أن يتحلل بالنية، كما وقع للنبى ﷺ حين أحرم بالعمرة عام الحديبية عالما بالعدو وهو يظن أنه لا يمنعه فمنعه، فلما منعه تحلل بالنية.
الثانى: أن ييأس من زوال المانع قبل فوات الحج بأن يعلم أن يظن أن المانع لن يزول قبل فوات الوقوف بعرفة فان لم ييأس اتنظر لعل المانع يزول.
الثالث: أن يكون الوقت متسعا لادراك الحج عند الاحرام به بحيث أنه اذا لم يمنع يتأتى له ادراكه، أما لو أحرم بوقت لا يدرك فيه الحج فليس له أن يتحلل، وان أحصر لأنه داخل على البقاء على احرامه، ولا يلزم المحصر طريق مخوف على نفسه وماله.
ثانيا: من وقف بعرفة وحصر عن البيت الحرام وما بعده عن مواضع النسك كمزدلفة ومنى لمرض أو عدو أو حبس ولو بحق أو فتنة فقد تم حجه لأن الحج عرفة، لكن لا يجوز له التحلل من احرامه الا بطواف الافاضة اذا كان قد قدم السعى، فان لم يكن قد سعى فلا يحل الا بطواف الافاضة والسعى ولو بعد سنين، فان بقى محصرا حتى فاته النزول بمزدلفة ورمى الجمار والمبيت بمنى ليالى الرمى فعليه هدى واحد لفوات الجميع.
ثالثا: من تمكن من البيت وأحصر عن الوقوف بعرفة فله أن يتحلل من احرامه ان شاء، وان شاء بقى على احرامه للعام القادم، لكن ان دخل مكة أو قاربها فالأفضل له التحلل، ويكره له البقاء على احرامه لقابل، ويكون التحلل بفعل عمرة ما لم يفته الوقوف وهو بمكان بعيد عن مكة جدا، فحينئذ يكون له التحلل بالنية كالمحصور عن البيت والوقوف معا، وفسر التحلل بالعمرة بأن يطوف ويسعى ويحلق بنية العمرة من غير تجديد احرام غير الأول بل ينوى التحلل من احرامه الأول بفعل العمرة ويخرج المتحلل بالعمرة للحل ليجمع
стр. 967
فى احرامه المتحلل منه بالعمرة بين الحل والحرم، لأن كل احرام يجب فيه الجمع بين الحل والحرم، وهذا اذا كان قد أحرم أولا بالحج من الحرم، أما لو أحرم بحجه أولا من الحل فلا يحتاج للخروج ثانية الى الحل، ولا يجوز له التحلل ان استمر على احرامه حتى دخل وقت الحج فى العام القابل، فان خالف وتحلل بعمرة فقيل يمضى تحلله ويكون متمتعا، وقيل لا يمضى تحلله وهو باق على احرامه وما فعله من التحلل لغو (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: من أحصر عن اتمام حج أو عمرة جاز له التحلل لأن الرسول لما صد عن البيت وكان معتمرا تحلل وأمر أصحابه بالتحلل لأن فى مصابرة الاحرام الى أن يأتوا بالأعمال مشقة وحرج وقد رفعه الله تعالى عنا. ولو منعوا من الرجوع أيضا جاز لهم التحلل فى الأصح، واذا جاز التحلل فان كان المحصر واجدا للهدى لم يجز له أن يتحلل حتى يهدى لقوله تعالى:
«فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ».
ويجب أن ينوى بالهدى التحلل لأن الهدى قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره فوجب أن ينوى ليميز بينهما ثم يحلق.
وعلى القول بأن الحلق نسك حصل له التحلل بالهدى والنية والحلق، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك حصل له التحلل بالنية والهدى، فان كان عادما للهدى حسا أو شرعا كأن احتاج اليه أو الى شنه أو وجده غاليا فقيل لا بدل له لعدم ورود البدل فى الآية فيبقى فى ذمته، والأظهر أن له بدلا كغيره من الدماء ويكون البدل طعاما فيقوم فان عجز صام عن كل مد من المقوم به يوما كما فى الدم الواجب، وله اذا انتقل الى الصوم التحلل فى الحال على الأظهر بالحلق والنية، وقيل لا يتحلل الا بعد الصوم، ولا يجوز له التحلل اذا أحصره المرض لأنه لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذى هو فيه فلا يتحلل كمن ضل الطريق، وتحلل الرقيق يكون بالنية والحلق (٢).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: ويكون التحلل بذبح هدى شاة أو سبع بدنة، أو سبع بقرة لقوله تعالى «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ»، وينوى بذبح الهدى التحلل وجوبا، لقول النبى ﷺ :
«إنما الأعمال بالنيات»، ولفعله ﷺ عام الحديبية، سواء كان الحصر عاما أو خاصا، وسواء كان المنع قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
ولا يحل المحصر القادر على الهدى قبل ذبحه، فان كان معه هدى قد ساقه أجزأه وان لم يكن معه لزمه شراؤه ان أمكنه، فان لم يمكنه صام عشرة أيام بنية التحلل ثم حل، ولا اطعام فى الاحصار لعدم وروده
стр. 968
وقال الآجرى: ان عدم الهدى مكان احصاره قومه طعاما، وصام عن كل مد يوما وحل، وأوجب عليه ألا يحل حتى يصوم ان قدر فان صعب عليه حل ثم صام، ويجب مع الهدى حلق أو تقصير، وهو احدى الروايتين عن أحمد، لأن النبى ﷺ حلق يوم الحديبية وفعله فى النسك دال على الوجوب.
والرواية الثانية وهى ظاهر كلام الخرقى أنه لا يلزمه الحلق أو التقصير لأن الله تعالى ذكر الهدى وحده ولم يشترط سواه (١). ومن حصر عن طواف الافاضة فقط بأن رمى وحلق بعد وقوفه لم يتحلل حتى يطوف طواف الافاضة ويسعى ان لم يكن قد سعى، وكذا لو حصر عن السعى فقط، لأن الشرع ورد بالتحلل عن احرام تام يحرم جميع المحظورات، ومن حصر عن واجب كرمى الجمار لم يتحلل وعليه دم وحجه صحيح، ومن صد عن عرفة دون الحرم فى حج تحلل بعمرة ولا شئ عليه، لأن قلب الحج الى العمرة مباح بلا حصر فمع الحصر أولى، فان كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر تحلل بطواف وسعى آخرين لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة ولا سعيها وليس عليه أن يجدد احراما (٢).
وما تقدم انما هو فى الاحصار ظلما بعدو كان أو بحق غير ثابت أو بحق مع اعسار، أما الاحصار بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق لم يكن له التحلل، ويبقى على احرامه حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالاحلال الانتقال من حال الى حال خير منها ولا التخلص من الأذى الذى به (٣)
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: للمحصر أن يحل من احرامه سواء شرع فى عمل الحج أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى له أكثر فرضهما أو أقله، كل ذلك سواء .. وعليه هدى ولا بد، الا أنه لا يعوض من هذا الهدى صوم ولا غيره فمن لم يجد فهو عليه دين حتى يجده وقال: المحصر اذا صد فقد بلغ هديه محله فله أن يحلق رأسه (٤).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: من أحصر بأى سبب من الأسباب التى ذكرت آنفا فانه يتحلل بعد أن يبعث بالهدى الى منى، ان كان المحصر حاجا، ولكنه ان كان معتمرا ويعين لنحره وقتا معلوما ينحر فيه فيحل من احرامه بعد ذلك الوقت بمعنى أنه يحل له محظورات الاحرام بعد ذلك الوقت، ولو لم يبلغه الخبر بأن الهدى قد ذبح.
لكن يستحب له تأخير الخروج عن الاحرام نصف نهار عن الموعد ليغلب على ظنه أنه قد ذبح الا أن يغلب على ظنه أنه لم يذبح لأمارة دلت على ذلك أنه يؤخر الاحلال حينئذ وجوبا، فان انكشف أنه
стр. 969
أحل، ففعل المحظور قبل الوقت الذى عينه أو قبل الذبح لزمته الفدية الواجبة فى ذلك المحظور وبقى محرما، ولو قد فعل ذلك المحظور، حتى يتحلل اما بفعل عمرة أو بهدى آخر ينحره فى أيام النحر من هذا العام أو من القابل فى مكانه، ومن أحصر ولم يجد هديا يتحلل به فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجع الى أهله، لكن التحلل يحصل بصيام الثلاثة الأول.
قال الامام: ذلك فيمن أحصر عن الحج أما من أحصر عن العمرة، ولم يمكنه الهدى فالظاهر وجوب صيام ثلاثة أيام حيث عرض الاحصار، وأى وقت كان، وسبعة اذا رجع، فاذا تعذر عليه الصوم والهدى جميعا جاز له التحلل، ويبقى الهدى فى ذمته (١).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: ومن صد بالعدو عن الموقفين ومكة ولا طريق غير الطريق المصدود عنه، أو له طريق آخر ولكن لا نفقة له تبلغه ولم يرج زوال المانع قبل خروج الوقت ذبح هديه المسوق أو غيره وقصر أو حلق وتحلل حيث صد حتى من النساء من غير تربص ولا انتظار لطوافهن ولو أحصر عن عمرة التمتع، فتحلل فالظاهر حل النساء أيضا، اذ لا طواف لهن بهما حتى يتوقف حلهن عليه.
ومتى أحصر الحاج بالمرض عن الموقفين معا أو عن أحدهما مع فوات الآخر عن المشعر مع ادراك اضطرارى عرفة خاصة دون العكس، وبالجملة متى أحصر عما يفوت بفواته الحج أو أحصر المعتمر عن مكة أو عن الأفعال بها فان دخلها بعث كل منهما ما ساقه ان كان قد ساق هديا أو ثمنه ان لم يكن ساق، والاجتزاء بالسوق مطلقا هو المشهور لأنه هدى مستيسر، والأقوى عدم التداخل ان كان السياق واجبا لاختلاف الأسباب المقتضية لتعدد السبب ولو لم يتعين ذبحه وكفى.
ويكون اطلاق هدى السياق حينئذ عليه مجاز، واذا بعث وأعد نائبه وقتا معينا لذبحه أو نحره، فاذا بلغ الهدى محله وحل وقت المواعدة حلق أو قصر وتحلل بنيته الا من النساء حتى يحج فى القابل، أو يعتمر مطلقا ان كان النسك الذى دخل فيه واجبا مستقرا أو يطاف عنه للنساء مع وجوب طوافهن فى ذلك النسك ان كان ندبا أو واجبا غير مستقر بأن استطاع له فى عامه، ولا يبطل تحلله الذى أوقفه بالمواعدة لو ظهر عدم ذبح الهدى وقت المواعدة ولا بعده لامتثال المأمور المقتضى لوقوعه مجزيا يترتب عليه أثره، ويبعثه فى القابل لفوات وقته فى عام الحصر، ولا يجب الامساك عند بعثه عما يمسكه المحرم الى أن يبلغ محله على الأقوى لزوال الاحرام بالتحلل السابق، والامساك تابع له، والمشهور وجوبه، ويمكن حل الرواية القائلة بالوجوب على الاستحباب كامساك باعث هديه من الآفاق تبرعا (٢).
стр. 970
مذهب الإباضية:
وقال الإباضية: قيل فى المحصر أن يبعث الهدى ان كان معه، فاذا نحر عنه حل له غير النساء والصيد، ويواعد على وقت الذبح، والا فيحتاط بتأخير حكم الاحلال، وقيل لا يحرم عليه الصيد والنساء اذا حل.
وقال أبو عبيدة وأبو نوح والربيع: لا حج لمن فاته الوقوف بها (أى عرفة)، وليصنع كالناس أى يفعل ما بقى من أفعال الحج ويجعله عمرة ثم يحل من احرامه، وقالوا: والمحصر عن حج أو عنهما فانما يتحلل اذا نحر عنه هديه يوم النحر أو يفوته الحج فيجعلها عمرة، فاذا نحر عنه يوم النحر حل له كل شئ الا النساء والصيد والطيب فحتى يحج من قابل وان لم يكن مع المحصر عن الحج بمرض هدى فلا يحل حتى يفوت وقت الحج، وقيل حتى يصح ويحج.
وقال قوم: لا هدى على محصر بعدو، وان كان معه هدى فلينحره حيث أحل، وقيل عليه هدى ينحره حيث أحل، وقيل لا ينحره الا فى الحرم، ومن فاته الحج بخطأ فى عدد الأيام أو لخفاء الهلال أو غير ذلك من الأعذار، فحكمه حكم المحصر بمرض ان بقى على احرامه حتى يحج من قابل فلا هدى عليه (١).
أثر الاشتراط عند الاحرام
مذهب المالكية:
قال المالكية: ان نوى المحرم عند احرامه أو شرط باللفظ أنه متى حصل له مرض أو حصر من عدو أو فتنة أو حبس ظلما أو بحق أو غير ذلك من كل ما يمنعه من تمام نسكه كان متحللا من غير تجديد نية التحلل فى الحصر عن الوقوف والبيت، ومن غير فعل العمرة فى الحصر عن الوقوف فان تلك النية وذلك الاشتراط لا يفيده، ولو حصل له ذلك المانع بالفعل فهو عند وجود المانع باق على احرامه حتى يحدث نية التحلل أو يتحلل بعمرة (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: اذا أحرم وشرط التحلل اذا مرض أو ضاعت نفقته فقيل: ان الشرط لا يثبت لأنه عبادة لا يجوز الخروج منها بغير عذر فلم يجز التحلل منها بالشرط، وقيل: يثبت الشرط لحديث ضباعة بنت الزبير حيث دخل عليها الرسول ﷺ فقالت: انى أريد الحج وأنا شاكية، فقال الرسول: «حجى واشترطى أن محلى حيث حبستنى»، وعلى هذا اذا شرط أنه اذا مرض صار حلالا، فمرض صار حلالا، وقيل لا يتحلل الا بالهدى (٣).
стр. 971
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: من شرط فى ابتداء احرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفدت أو قال ان حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى فله التحلل بجميع ذلك، لحديث ضباعة السابق، وليس عليه هدى ولا صوم ولا قضاء، وله البقاء على احرامه حتى يزول عذره ويتم نسكه (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: ان كان اشترط الحاج أو المعتمر عند احرامه أن محله حيث حبسه الله ، فليحل من احرامه ولا شئ عليه سواء شرع فى عمل الحج أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى له أكثر فرضهما أو أقله، كل ذلك سواء، ولا هدى فى ذلك ولا غيره ولا قضاء عليه فى شئ من ذلك الا أن يكون لم يحج قط ولا اعتمر، فعليه أن يحج ويعتمر ولا بد (٢).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: لا يسقط الهدى الذى يتحلل به بالاشتراط وقت الاحرام أن يحله حيث حبسه، وله تعجيل التحلل مع الاشتراط من غير انتظار بلوغ الهدى محله وهذه فائدة الاشتراط فيه. وقيل: انها سقوط الهدى، وقيل سقوط القضاء على تقدير وجوبه بدونه، والأقوى أنه تعبد شرعى، ودعاء مندوب، والاشتراط يفيد تعجيل التحلل للمحصر دون المصدود لجوازه بدون الشرط (٣).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: ان قال المحرم: ان محلى حيث حبست، فليحل من حين حبس، ولا تلزمه كفارة هدى ان حبس ويحل من احرامه حيث حبس ولم يرج التسريح ان لم يكن معه هدى، والا فحتى يبلغ محله، ويجوز له أن يحرم بحج وينوى ان تيسر فهو حج وان حبس ففعله عمرة (٤).
مكان الذبح
مذهب الحنفية:
وقال أبو يوسف ومحمد: يتوقت بالحرم حتى لا يجوز ذبحه فى غيره، وهذا هو رأى أبى حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتوقت بالزمان وبالمكان وهو الحرم، وهذا فى المحصر بالحج، أما دم العمرة فالاجماع على عدم تعين الزمان لأن أفعال العمرة لا تتوقت فيه وانما قيد بالمكان بقوله تعالى: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» وهو اسم للمكان والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى: «ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٥» بعد ذكر الهدايا، وقال تعالى: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ٦» ولأنه دم كفارة لأنه يجب للاحلال قبل أوانه، ودم الكفارة يختص بالحرم (٧).
стр. 972
مذهب المالكية:
قال المالكية: من أحصر عن الحج أو العمرة وتحلل نحو هديه الذى كان معه بمكانه الذى هو به ان لم يتيسر ارساله المكة، فان تيسر له ذلك بعثه، ومن أحصر عن الوقوف وتمكن من البيت وتحلل بفعل عمرة، وكان معه هدى، فلا يخلو، اما أن يخاف عليه العطب اذا أبقاه عنده حتى يصل الى مكة أولا، فان لم يخف عليه ندب حبسه معه حتى يأتى مكة ليأخذه معه لينحره بمكة (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: من أحصر وتحلل بالذبح، فان كان فى الحرم ذبح الهدى فيه، وان كان فى غير الحرم ولم يقدر على الوصول الى الحرم ذبح الهدى حيث أحصر لأن الرسول ﷺ نحر هديه بالحديبية وهى خارج الحرم، وان قدر على الوصول الى الحرم، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز أن يذبح فى موضعه لأنه موضع تحلله فجاز فيه الذبح كما لو أحصر فى الحرم، والرأى الثانى: لا يجوز أن يذبح الا فى الحرم لأنه قادر على الذبح فى الحرم، فلا يجوز أن يذبح فى غيره (٢).
مذهب الحنابلة:
محل ذبح الهدى عندهم فى موضع حصره حلا كان أو حرما الا أن يكون قادرا على أطراف الحرم، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه نحره فى الحرم، لأن الحرم كله منحر وقد قدر عليه.
والثانى: ينحره فى موضعه، لأن النبى ﷺ نحر هديه فى موضعه، وعن أحمد: ليس للمحصر نحر هديه الا فى الحرم فيبعثه ويواطئ رجلا على نحره فى وقت يتحلل فيه.
وعقب صاحب المغنى على ذلك فقال:
وهذا، والله أعلم، فيمن كان حصره خاصا، أما الحصر العام فلا ينبغى أن يقوله أحد لأن ذلك يفضى الى تعذر الحل لتعذر وصول الهدى الى محله، ولأن الرسول وأصحابه نحروا هداياهم فى الحديبية، وهى فى الحل، ولا ينحر من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة، الهدى الذى معه الا بالحرم فيبعث به ليذبح فى الحرم (٣).
مذهب الظاهرية:
المحصر اذا صد فقد بلغ هديه محله، وأورد ابن حزم ما رواه أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر أنه أخبر أنه كان مع عبد الله بن جعفر فخرج معه من المدينة فمروا على الحسين بن على وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى اذا خاف الفوات خرج وبعث الى على بن أبى طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عليه وأن حسينا أشار الى رأسه فأمر على بحلق رأسه فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا، ثم قال: انما أتينا بهذا الخبر لما فيه
стр. 973
أنه كان معتمرا، فهذا على والحسين وأسماء رأوا أن يحل من عمرته ويهدى فى موضعه الذى كان فيه وهو قولنا (١).
مذهب الزيدية:
لا يصح ذبح الهدى الا فى محله وهو منى، ان كان المحصر حاجا، ومكة ان كان معتمرا (٢).
مذهب الإمامية:
المصدود يذبح هدى التحلل أو ينحره حيث وجد المانع، أما المحصر فيبعثه الى محله وهو منى، ان كان حاجا، ومكة ان كان معتمرا، واذا اجتمع الاحصار والصد على المكلف بأن يمرض ويصد بالعدو فله أن يتخير أخذ حكم ما شاء منهما، وأخذ الأخف من أحكامهما لصدق الوصفين الموجب للأخذ بالحكم سواء عرضا دفعة أم متعاقبين (٣).
مذهب الإباضية:
المحصر بعدو يحل من عمرته أو حجته حيث أحصر عند الجمهور.
وقال أصحابنا: المحصر عن عمرة بعدو أو مرض يبعث هديه الى الحرم ان لم يصد فيه، ينحر فى يوم معلوم فيتحلل من احرامه اذا قضى ذلك اليوم، وان كان فى الحرم ذبحه حيث كان، وقال قوم: لا هدى على محصر بعدو، وان كان معه هدى فلينحره حيث أحل، وقيل: عليه هدى وينحره حيث أحل، وقيل لا ينحره الا فى الحرم (٤).
التوقيت بالحرم
اختلفت المذاهب على أقوال: فمنها ما وقت بالحرم فلا يذبح هدى المحصر الا فيه، ومنها ما وقت بالزمان فى أيام النحر مع التوقيت المكانى بالحرم، ومنها ما وقت بمكان الاحصار مع التفصيل بين هدى الحج وهدى العمرة فى كل ذلك.
مذهب الحنفية:
يتوقت دم الاحصار بالحرم حتى لا يجوز ذبحه فى غيره ولا يتوقت بيوم النحر حتى جاز ذبحه فى أى وقت شاء وهذا عند أبى حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتوقت بالزمان وهو أيام النحر وبالمكان وهو الحرم، وهذا الخلاف فى المحصر بالحج، وأما دم المحصر بالعمرة فلا يتعين بالزمان بالاجماع لأن أفعال العمرة لا تتوقت فيه فكذا الهدى الذى يتحلل به منها، وجه قولهما أن هذا دم يتحلل به من احرام الحج فيختص بيوم النحر كالحلق فى الحج، وربما يعتبران بدم المتعة والقران، وله (أى لأبى حنيفة) قوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» ذكره
стр. 974
مطلقا، والتقييد بالزمان فسخ له، فلا يجوز الا بمثله (١).
مذهب الزيدية:
وقال الزيدية: اذا بعث المحصر بالهدى الى منى أو مكة عين لنحره وقتا معلوما للرسول ينحره فيه ليحل من احرامه بعد ذلك الوقت، ولا بد أن يكون ذلك الوقت من أيام النحر فى هدى الحج لا العمرة فلا يحتاج لتعيين اذ لا وقت له فلو عين غير أيام النحر قبلها لم يصح، وأما بعدها فيصح، ويلزم دم التأخير، فان أمر بالهدى ولم يعين وقتا بل أطلق تعينت أيام النحر ولا يتحلل الا بعد خروجها (٢).
وبقية المذاهب يتضح ما ذهبت اليه فى عنصر مكان الذبح السابق.
ما يجب على المحصر بعد التحلل
مذهب الحنفية:
المحصر عند الأحناف فى هذه المسألة اما أن يكون محصرا عن الحج أو عن العمرة أو عنهما معا، فقالوا: على المحصر بالحج ان تحلل حجة وعمرة، كذا روى عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم، لأنه لزمه الحج بالشروع وتلزمه العمرة للتحلل لأن المحصر فى معنى فائت الحج، والعمرة واجبة عليه لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، فان لم يأت بها قضاها فكذا المحصر، ولا يقوم الدم مقام العمرة الا فى حق التحلل، وهذا لأن احرام الحج لا يخرج عنه الا بأفعال الحج أو العمرة.
وينعقد لازما وان لم يقصد الالتزام، كمن شرع فى الحج بنية الفرض لزمه المضى وان فسد وجب عليه قضاؤه، وهذا اذا لم يقصد الحج من عامه ذلك، وأما اذا قضاه فيها لا يجب عليه العمرة لأنه لا يكون بمنزلة فائت الحج حينئذ، كذا روى عن أبى حنيفة، وعنه أنه لا يحتاج الى نية التعيين اذا قضاه فى تلك السنة.
وروى الحسن عنه أن عليه حجة وعمرة فى الوجهين وعليه نية القضاء، وهو قول زفر، ولو قضاهما من قابل فهو مخير ان شاء أتى بكل واحد منهما على الانفراد وان شاء قرن، ولو لم يحل حتى تحقق بوصف الفوات تحلل بالأفعال بلا دم ولا عمرة فى القضاء (٣).
والمعتمر اذا أحصر وتحلل يجب عليه قضاؤها لا غير.
والاحصار عنها متحقق عندنا لأنه ﵊ وأصحابه أحصروا بالحديبية وكانوا معتمرين فكانت تسمى عمرة القضاء ولأن التحلل ثبت لدفع ضرر امتداد الاحرام والحج والعمرة فى ذلك سواء (٤).
وعلى القارن اذا أحصر وتحلل حجة وعمرتان لأنه صح شروعه فى الحج والعمرة فيلزمه بالتحلل قضاؤهما وقضاء عمرة أخرى اذا لم يقصد الحج فى تلك السنة.
стр. 975
وروى الحسن عن أبى حنيفة أن الحاج عليه العمرة بعد التحلل، وان قضى العمرة فى تلك السنة.
والظاهر أنه لا يقضى العمرة اذا قضى الحج فى تلك السنة لأنه لم يؤخرها بل أتى بجميع أفعال الحج فى وقته الذى شرع فيه، وان شاء أدى عمرتين متفرقتين والحجة مفردة فيكفيه دم الاحصار، وان شاء ضم احدى العمرتين الى الحجة فيكون قارنا فيلزمه دم القران مع دم الاحصار، وفى المحيط ان شاء ضم احدى العمرتين فيكون قارنا فيلزمه ثلاثة دماء:
دم شكر للقران، ودما جبر لاحصاره قارنا، ولا يلزمه أن يقضى قارنا لأنه بالشروع التزم أصل العبادة لا صفتها (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: لا يسقط عن المحضر الذى تحلل بالنية أو بفعل عمرة حجة الفريضة وعمرة الاسلام ولو كان الحصر من عدو أو حبس ظلما بخلاف حجة التطوع فيقضيها اذا كان المانع لمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق، أما لو كان المانع فى حجة التطوع ظلما بسبب عدو أو فتنة أو حبس فلا يطالب بالقضاء (٢).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: لا قضاء على المحصر المتطوع اذا تحلل لعدم وروده لأنه لو وجب لبين فى القرآن أو الخبر لأن الفوات نشأ عن الاحصار الذى لا صنع له فيه، فان كان نسكه فرضا مستقرا عليه كحجة الاسلام وكالنذر والقضاء بقى فى ذمته ومن أحصر وبقى على احرامه غير متوقع زوال الاحصار حتى فاته الوقوف لزمه القضاء لفوات الحج كما لو فاته بخطأ طريق أو خطأ فى الأيام وتحلل بأفعال العمرة ان أمكنه التحلل بها (٣).
وجاء فى المهذب (٤): من أحصر بسبب عدو منعه أداء النسك فلا قضاء عليه وان كان الحصر خاصا كمنع غريم فقيل لا يلزمه القضاء كما لا يلزمه فى الحصر العام، وقيل يلزمه لأنه تحلل قبل الاتمام بسبب يختص به فيلزمه القضاء كما لو ضل الطريق.
وان أحصر فلم يتحلل حتى فاته الوقوف فان زال العذر وقدر على الوصول تحلل بعمرة ولزمه القضاء وهى للفوات، وان فاته والعذر لم يزل تحلل ولزمه القضاء وهدى للفوات وهدى للاحصار.
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: لا قضاء على محصر ان كان حجه نفلا، لظاهر الآية. وذكر فى الانصاف أنه المذهب وقيده فى المستوعب والمنتهى بما اذا تحلل قبل فوات الحج، أما لو لم يتحلل حتى فاته الحج لزمه القضاء (٥).
أما فى الواجب فانه يفعله بالوجوب السابق فى الصحيح من المذهب (٦).
стр. 976
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: نحن لا نمنع من القضاء عاما آخر لمن أحب، وانما نمنع من ايجابه فرضا، لأن الله تعالى لم يأمر بذلك ولا رسوله ﷺ ، وقد صح أن الله تعالى لم يوجب على المسلم الا حجة واحدة وعمرة فى الدهر فلا يجوز ايجاب أخرى الا بقرآن أو سنة صحيحة توجب ذلك (١).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: يجب على المحصر القضاء لما أحصر عن اتمامه سواء كان الذى أحصر عنه واجبا أم تطوعا، وصفة القضاء كصفة الابتداء فبقضى الحج حجا والعمرة عمرة (٢).
مذهب الإمامية:
قال الإمامية: لا يسقط الحج الواجب مع الصد، ويسقط المندوب والمحصر الذى حل الا من النساء كما سبق يحج فى القابل ان كان واجبا، أو يطاف عنه للنساء ان كان مندوبا (٣).
متى يأمن المحرم الاحصار
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: لا احصار بعد ما وقف بعرفة لأنه لا يتصور الفوات بعده فأمن منه، وهذا بالنسبة للحاج، فلا يتحلل بالهدى ويمكنه أن يتحلل بالحلق فى يوم النحر فى غير النساء وان لزمه دم لكونه حلق فى غير الحرم فلا حاجة الى أن يبعث دم الاحصار ليتحلل من غير عذر، ثم ان دام الاحصار حتى مضت مدة التشريق فعليه لترك الوقوف بالمزدلفة دم ولترك رمى الجمار دم ولتأخير الحلق وطواف الزيارة دم عند أبى حنيفة.
وعندهما ليس لتأخير الطواف شئ، واختلفوا فى تحلله فى مكانه قيل: لا يتحلل، وقيل يتحلل (٤)، على تفصيل ينظر فى مصطلح «تحلل، حلق».
مذهبا الشافعية والحنابلة:
وذهب الشافعية والحنابلة: الى أن المحرم اذا تمكن من الوصول الى الحرم من طريق أخرى غير التى أحصر فيها لا يكون محصرا (٥).
مذهب الإمامية:
وذهب الإمامية الى أن من منع من المبيت بمنى أو منع من رمى الجمرات
فهو غير محصر فقالوا: أطبقوا على عدم تحقق الصد والحصر بالمنع من المبيت بمنى ورمى الجمرات بل يستنيب فى الرمى فى وقته ان أمكن والا قضاه فى القابل (٦).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: وان أغمى على الواقف بعد الزوال بعرفة أو وقع عليه مانع
стр. 977
كجنون أو حبس بعد الوقوف فى بعض الزمان بعد الزوال حتى مضت أيام منى تم حجه ولا يخرج حتى يزور (١).
ما يفعله من زال عنه الاحصار
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: ان بعث المحصر بالحج الهدى ثم زال عنه الاحصار فان كان يقدر أن يدرك الهدى والحج وجب التوجه عليه لأداء الحج، وليس له أن يتحلل بالهدى لأن ذلك كان لعجزه عن ادراك الحج فكان فى حكم البدل، وقد قدر على الأصل، قبل حصول المقصود بالبدل، فسقط اعتباره، ويصنع بالهدى ما شاء، لأنه ملكه وقد كان عينه لجهة فاستغنى عنه، وان كان لا يقدر أن يدركها لا يجب عليه التوجه، وان توجه يتحلل بأفعال العمرة جاز لأنه الأصل فى التحلل وفى التوجه فائدة وهو سقوط العمرة عنه فى القضاء، واذا أدرك الحج دون الهدى فعلى قول أبى حنيفة يجوز له التحلل استحسانا والقياس أنه لا يجوز وهو قول زفر، وهو أيضا رواية الحسن عن أبى حنيفة، أما على قول أبى يوسف ومحمد فلا يتصور لأنه دم الاحصار بالحج عندهما يتوقت بيوم النحر، فاذا أدرك الحج أدرك الهدى ضرورة وفى المحصر بالعمرة يتصور اتفاقا، فينبغى أن يكون جوابهما فيها كجواب أبى حنيفة، وجه القياس أن العجز عن أداء الأفعال قد زال فيسقط حكم البدل وهو الهدى لقدرته على الأصل وهو الحج، ووجه الاستحسان أنه لو لم يتحلل يضيع ماله مجانا وحرمة المال كحرمة النفس فيتحلل، والأفضل أن يتوجه لأن فيه ايفاء بما التزم كما التزم (٢).
مذهب الحنابلة:
قالت الحنابلة، كما جاء فى كشاف القناع (٣): من زال عنه الحصر بعد تحلله وأمكنه فعل الحج الواجب فى ذلك العام لزمه فعله.
وجاء فى المغنى (٤) لو لم يتحلل المحصر حتى خلى عنه لزمه السعى، وان كان بعد فوات الحج يتحلل بعمرة.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية، على ما جاء فى شرح الأزهار (٥): ان بعث المحصر بالهدى ثم زال عذره قبل الحل فى احرام العمرة وقبل مضى وقت الوقوف فى الحج لزمه فى هاتين الصورتين الاتمام لما أحرم له، وسواء كان الهدى قد ذبح أم لا فيتوصل اليه بغير مجحف، أى يتوصل الى حصول الاتمام بما لا يجحف بماله من بذل المال فيلزمه أن يستكرى ما يحمله ان احتاج الى ذلك ويستأجر من يعينه أو يهديه الطريق، واذا زال عذره الذى أحصر به
стр. 978
فأتم ما أحرم له جاز له أن ينتفع بالهدى ان أدركه قبل أن ينحر فيفعل به ما شاء، فان أدركه بعد النحر قبل أن يصرف.
قال الامام: فالأقرب أن له أن ينتفع به كما لو أدركه حيا، وهذا انما يكون فى هدى العمرة سواء كان أتمها أم لا، وانما ينتفع به اذا أدركه وقد عرف أن تمام العمرة غير متعذر عليه فى ذلك الاحرام.
وأما فى هدى الحج فانه لا يجوز له أن ينتفع به قط الا ان أدرك الوقوف بعرفة، فاذا أدرك الوقوف انتفع به، وان لم يدرك الوقوف تحلل من احرامه بعمرة ولا يحتاج الى تجديد الاحرام لها بل يكفيه أن يطوف ويسعى ويحلق، ولا يجوز له الانتفاع بالهدى، ولهذا قال الامام: والا تحلل بعمرة ونحر.
مذهب الإمامية:
قال الإمامية، كما جاء فى الروضة البهية (١): لو زال عذره التحق وجوبا وان بعث هديه فان أدرك والا تحلل بعمرة، وان ذبح أو نحر على الأقوى، لأن التحلل بالهدى مشروط لعدم التمكن من العمرة فاذا حصل انحصر فيه، ووجه العدم الحكم بكونه محللا قبل التمكن وامتثال الأمر المقتضى له.
إحصان
بيان المعنى فى اللغة:
مادة: حصن تدل على المنع ومنه الحصن لأنه يمنع من فيه، ويقال: أحصن الرجل اذا تزوج وأحصن، اذا أسلم وأحصن اذا صار حرا، وأحصن اذا عف ..
وفى جميع ذلك معنى المنع. فالرجل اذا تزوج منع نفسه من الزنا، واذا أسلم منع نفسه من القتل، واذا عتق منع نفسه من أن يملك، والعفيف يمنع نفسه من الفحش.
فى القاموس: حصن ككرم منع فهو حصين، والحصن بالكسر كل موضع حصين لا يوصل الى جوفه، وامرأة حصان كسحاب: عفيفة أو متزوجة، ورجل محصن كمكرم، قد حصنه التزوج، وأحصن تزوج.
وفى مختار الصحاح: أحصنت المرأة عفت وأحصنها زوجها. وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة فهى محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة فهى محصنة بالفتح لا غير، وقرئ «فاذا أحصن» على ما لم يسم فاعله زوجن.
والاحصان فى الشرع قسمان:
ا) احصان الرجم.
ب) احصان القذف.
ولكل شروط:
стр. 979
فاحصان الرجم عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب رجم الشخص اذا زنى.
واحصان القذف: عبارة عن اجتماع صفات فى المقذوف تجعل قاذفه مستحقا للجلد.
وعرف صاحب المبسوط الاحصان بأنه عبارة عن خصال حميدة بعضها مأمور به وبعضها مندوب اليه وبأنه عبارة عن حال فى الزانى يصير الزنا فى تلك الحالة موجبا للرجم (١).
شروط احصان الرجم
اتفق الفقهاء على أن الاحصان من شروط الرجم، ولكنهم اختلفوا فى شروط الاحصان على الوجه الآتى:
مذهب الحنفية:
قالوا ان الصفات التى اعتبرها الشرع لوجوب الرجم سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والاسلام، والنكاح الصحيح وكون الزوجين جميعا على هذه الصفات والدخول فى النكاح الصحيح.
لأن هذه الصفات اذا اجتمعت فى الرجل أو المرأة ثم زنى كان مستحقا للرجم لأنها كلها مانعة من الزنا فهى كالحصن يمنع من دخل فيه ويحفظه.
أما العقل: فلأن الزنا عاقبته ذميمة، والعقل يمنع عن ارتكاب ماله عقابة ذميمة.
وأما البلوغ: فلأن الصبى لنقصان عقله وقلة تأمله لانشغاله باللهو واللعب لا يقف على عواقب الأمور فلا يعرف الحميدة منها والذميمة.
وأما الحرية: فلأن الحر يستنكف عن الزنا، وكذلك الحرة، ولهذا لما قرأ رسول الله ﷺ آية المبايعة على النساء وهى قوله تعالى فى سورة الممتحنة «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلا يَسْرِقْنَ، وَلا يَزْنِينَ»، ولما بلغ الى قوله «وَلا يَزْنِينَ» قالت هند امرأة أبى سفيان: أو تزنى الحرة يا رسول الله؟.
وأما الاسلام: فلأنه نعمة كاملة موجبة للشكر فيمنع من الزنا الذى هو وضع كفر النعمة موضع شكرها.
وأما اعتبار اجتماع هذه الصفات فى الزوجين جميعا: فلأن اجتماعها فيهما يشعر بكمال حالهما، وذلك يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين، لأن انقضاء الشهوة بالصبية والمجنونة قاصر، وكذا بالرقيق لكون الرق من نتائج الكفر فينفر عنه الطبع وكذا بالكافرة، لأن طبع المسلم ينفر عن الاستمتاع بالكافرة، ولهذا قال النبى ﷺ لحذيفة رضى الله عنه حين أراد أن يتزوج يهودية: «دعها فانها لا تحصنك».
стр. 980
وأما الدخول فى النكاح الصحيح:
فلأنه اقتضاء الشهوة بطريق حلال فيقع به الاستغناء عن الحرام، والنكاح الفاسد لا يفيد فلا يقع به الاستغناء، وجعل الدخول متأخرا عما سبقه، لأن وجوده قبل استيفاء سائر ما سبق لا يجعل اقتضاء الشهوة على سبيل الكمال فلا يقع الاستغناء به عن الحرام على التمام وبعد استيفائها يقع به الاستغناء على الكمال والتمام.
وظاهر الرواية على اعتبار هذه الصفات مجتمعة أى انها شرائط الاحصان حتى لا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية والدخول بها، وكذلك الذمى العاقل البالغ الحر الثيب لا يرجم اذا زنى بل يجلد.
وروى عن أبى يوسف أن الاسلام ليس من شرائط الاحصان، ولذا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية، ويرجم الذمى اذا زنى، وليس بشرط فى المذهب أن يكون كل واحد من الزانيين محصنا حتى يجب الرجم، فلو كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن، فالمحصن منهما يرجم وغير المحصن يجلد.
ويتفرع على ما ذكرنا:
ا) أنه اذا اختلى الزوجان خلوة صحيحة وتصادقا على أنه لم يدخل بها لا يكونان محصنين لأن الخلوة انما تجعل كالاستيفاء فيما هو من حكم العقد، والاحصان ليس من ذلك فى شئ، فاذا أقرا بالجماع لزمهما حكم الاحصان، وان أقر به أحدهما صدق على نفسه دون صاحبه.
ب) وأنه لا يحصن الخصى اذا كان لا يجامع، وكذا المجبوب والعنين، فان جاءت بولد وثبت نسبه من الزوج ففى الخصى والعنين يكونا محصنين للزوجة لأن الحكم بثبوت النسب حكم بالدخول، وفى المجبوب ذكر فى اختلاف زفر ويعقوب رضى الله عنهما أنه على قول زفر ﵀ تصير الزوجة محصنة لما حكمنا بثبوت النسب من الزوج. وعند أبى يوسف لا تصير محصنة، لأنه لا يتصور الجماع بدون الآلة والحكم بثبوت النسب بطريق الانزال بالسحق وليس ذلك من الجماع فى شئ، وثبوت حكم الاحصان يتعلق بعين الجماع.
ج) وأن الرتقاء لا تحصن لانعدام الجماع مع الرتق.
د) وأن النكاح الفاسد لا يحصن لأن الاحصان عبارة عن كمال الحال وذلك يحصل بوط ء هو نعمة بل نهاية فى النعمة حتى لا يحصل بالوط ء بملك اليمين والوط ء بالنكاح الفاسد حرام فلا يوجب الاحصان.
هـ) وأن الخنثى اذا دخل بامرأته أو دخل بالخنثى زوجها فهما محصنان لأنه لما حكم بكونه رجلا أو امرأة بالجماع فالنكاح الصحيح تحقق بينهما فثبت به حكم الاحصان.
стр. 981
و) وانه لو دخل مسلم بامرأته المسلمة ثم ارتدا - والعياذ بالله - بطل احصانهما، لأن الردة تحبط العمل، ويلحق المرتد بمن لم يزل كافرا، فكما أن الكافر الأصلى لا يكون محصنا فالمرتد كذلك، فان أسلما جميعا لم يكونا محصنين الا بجماع جديد بمنزلة زوجين حربيين أو ذميين أسلما.
ز) وأن العبد مع امرأته الأمة اذا عتقا لم يكونا محصنين حتى يجامعها بعد العتق، فان جامعها فهما محصنان علما بالعتق أو لم يعلما.
ح) وأنه اذا ولدت المرأة من الرجل وهما ينكران الدخول فهما محصنان لأن الولد شاهد على الدخول بينهما وهو أقوى من شهادة شاهدين (١).
مذهب المالكية:
قالوا: ان المحصن هو المكلف الحر المسلم اذا وطئ وطئا مباحا بنكاح لازم ابتداء أو دواما فخرج من أصاب بملك أو زنا وخرج بنكاح غير لازم كنكاح عبد حرة بلا اذن سيده ومعيب أو فاسد مع انتشار الآلة بلا مناكرة بين الزوجين فى الوط ء بأن يعترفا بحصوله لا ان أقر أحدهما بحصوله وأنكره الآخر.
وغير المحصن: هو من لم يتقدم له وط ء مباح فى نكاح لازم بأن لم يتقدم له وط ء أصلا أو تقدم له وط ء فى أمته أو زوجته لكن فى حيضها أو نكاح فاسد.
وشروط الاحصان عندهم عشرة، اذا تخلف شرط منها لم يرجم وهى بلوغ، وعقل، وحرية، واسلام، وأصابة فى نكاح لازم، ووط ء مباح بانتشار، وعدم مناكرة، وكون الموطوءة مطيقة ولو لم تكن بالغا.
وخرج بكون الوط ء مباحا ما اذا كان محظورا كأن يكون فى الحيض أو الصيام فانه لا يحصن، وعمدة مالك فى اشتراط الاسلام أن الاحصان عنده فضيلة، ولا فضيلة مع عدم الاسلام.
فالحاصل أن الذكر المكلف الحر يتحصن بوط ء زوجته المطيقة ولو صغيرة أو كافرة أو أمة أو مجنونة، والأنثى البالغة تتحصن بوط ء زوجها ان كان بالغا ولو عبدا أو مجنونا، فشرط تحصين الذكر - مع مراعاة بقية الشروط - اطاقة موطوءته، وشرط تحصين الأنثى - مع الشروط الأخرى بلوغ واطئها فقط، ولا يقال واسلامه، لأن الكافر لا يصح نكاحه المسلمة فهو خارج بالنكاح الصحيح (٢).
مذهب الشافعية:
قالوا: ان شروط الاحصان أربعة:
١، ٢ - البلوغ، والعقل .. فلا
стр. 982
حصانة لصبى ومجنون لعدم الحد عليهما.
٣ - الحرية، فالرقيق ليس بمحصن ولو مكاتبا ومبعضا ومستولدة لأنه على النصف من الحر والرجم لا نصف له، ويرجم الحر ولو كان ذميا أو مرتدا لأنه ﵇ رجم اليهوديين كما ثبت فى الصحيحين، وعقد الذمة شرط لاقامة الحد على الذمى لا لكونه محصنا، فلو وطئ حربى فى نكاح وصحح نكاحه فهو محصن، ولذا لو عقدت له ذمة فزنى رجم، ومثل الذمى المرتد والمستأمن لا يقام عليه حد الزنا على المشهور.
٤ - ووجود الوط ء فى نكاح صحيح بغيبوبة الحشفة أو قدرها عند فقدها من مكلف بقبل ولو لم تزل البكارة.
وحجتهم فى عدم اشتراط الاسلام ما ثبت «من أن النبى ﵇ رجم اليهوديين اللذين زنيا، ولو كان الاسلام شرطا ما رجمهما» (١).
مذهب الحنابلة:
قالوا: ان شروط الاحصان سبعة:
الأول: الوط ء فى القبل لأن النبى ﵇ قال «الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة»، والثيابة تحصل بالوط ء فى القبل توجب اعتباره وعقد النكاح الخالى عن الوط ء لا يحصل به احصان سواء حصلت فيه خلوة أو وط ء فيما دون الفرج أو فى الدبر أو لم يحصل شئ من ذلك، لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبا ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام، بمقتضى الخبر، ولا بد من أن يكون وطأ حصل فيه تغييب الحشفة فى الفرج لأن ذلك حد الوط ء الذى يتعلق به أحكام الوط ء.
الثانى: أن يكون فى نكاح لأن النكاح يسمى احصانا بدليل قوله تعالى:
«وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ»، يعنى المتزوجات فالتسرى لا يحصل به الاحصان لكونه ليس بنكاح ولا تثبت به أحكامه.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحا لأنه اذا لم يكن النكاح صحيحا يكون الوط ء فى غير الملك فلا يحصل به الاحصان كالوط ء بشبهة.
الرابع: الحرية، لقوله تعالى: «فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ»، والرجم لا يتنصف وايجابه كله يخالف النص مع مخالفة الاجماع.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل فلو وطئ وهو صبى أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا.
السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعا حال الوط ء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة لأنه اذا كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوط ء فلا يحصل به الاحصان كما لو كانا غير كاملين، ولا يشترط الاسلام
стр. 983
فى الاحصان، وبذلك الذميان محصنين فان تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين.
وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: «جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا … وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما» ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمى فيجب أن يستويا فى الحد، وما قيل من أن النبى ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعها فلما تبين له أن ذلك حكم الله عليه أقامه فيهم وفيها أنزل الله تعالى: «إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا»، فذلك غير سديد لأن النبى ﵇ انما حكم عليهم بما أنزل الله اليه، بدليل قوله تعالى:
«فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» ولأنه لا يسوغ للنبى ﷺ الحكم بغير شريعته، فلو ساغ ذلك لساغ لغيره، وانما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما حكم به عليهم، وأنهم تاركون لشريعتهم مخالفون لحكمهم.
وفوق ذلك فانه اذا كان حكم الله فى وجوب الرجم ثابتا فى حقهم وجب أن يحكم به عليهم، فقد ثبت وجود الاحصان فيهم فانه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الاحصان فيه (١).
مذهب الظاهرية:
أما الظاهرية، فقد قال ابن حزم فى المحلى: ما نعلم الاحصان فى اللغة والشريعة يقع الا على معنيين: على الزواج الذى يكون فيه الوط ء، فهذا اجماع لا خلاف فيه، وعلى العقد فقط، وما نعلمه يقع على الحرة المطلقة فقط، وان احصان العبد بتزوج الحرة واحصان الأمة أن يتزوجها الحر .. وفرعوا على ذلك.
ا) أن الحر والحرة اذا زنيا وكانا غير محصنين فان عليهما جلد مائة وتغريب عام، واستدلوا بقوله تعالى «الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ»، وبقوله ﵇ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وبما صح عن عمر رضى الله عنه من أنه جلد امرأة زنت مائة جلدة وغربها عاما، وروى مثله عن على بن أبى طالب.
ب) وان الحر والحرة اذا زنيا وكانا محصنين فان عليهما جلد مائة والرجم واستدلوا بقوله ﵇:
«خذوا عنى، خذوا عنى، وقد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب جلد
стр. 984
مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة». وبما روى عن على بن أبى طالب من أنه دعا بشراخة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
ج) وأن الأمة المحصنة اذا زنت فان حدها نصف حد الحرة، وهو جلدها خمسون جلدة، ونفيها ستة أشهر، واستدلوا بقوله تعالى: «فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ». والحرة المحصنة عليها جلد مائة والرجم، والرجم لا نصف له لأنه موت، والموت لا يتنصف، فبقى عليهن نصف المائة، وهو خمسون، وأما النفى ستة أشهر فمن حديث «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» والعام يتنصف كما هو واضح.
د) وأن المملوك اذا زنى فان حده نصف حد الحر، أى جلده خمسين جلدة ونفيه ستة أشهر للمعنى الذى ذكره فى الأمة، واستدلوا بقوله تعالى:
«الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ»، وبقوله ﵇ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، والعام يتنصف كما مائة والرجم» فان الله عنى فى الآية الأحرار والحرائر، وكذا رسول الله ﷺ لا العبيد ولا الاماء -، فقد جاء فى القرآن والسنة بعموم لا يحل أن يخص الا ما خصه الله ورسوله.
وقد جاء النص من القرآن بتخصيص الاماء بأن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وبالنسبة للعبيد فان تخصيصهم من هذا العموم بما جاء من قوله ﵇ «اذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق فيه» فقد اقتضى هذا الحديث أن يكون حكم المماليك فى الحد بخلاف حكم الأحرار جملة، وبما روى عن على ابن أبى طالب رضى الله عنه من أنه قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، فانه موجب للحدود على العبيد والاماء، ولولا نص رسول الله ﷺ على اقامة الحدود على ما ملكت أيماننا لكانت الحدود ساقطة عنهم جملة، فاذ قد صحت للحدود عليهم فلا يجوز أن يقام عليهم منها الا ما أوجبه عليهم نص أو اجماع، ولا نص ولا اجماع بوجوب الرجم عليهم ولا بايجاب أزيد من خمسين جلدة، ونفى نصف سنة، فوجب الأخذ بما أوجبه النص والاجماع واسقاط ما لا نص فيه ولا اجماع (١).
стр. 985
مذهب الزيدية:
الاحصان فى الشرع مشترك بين الحرية ومنه «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ» أى الحرائر وبين التزويج، ومنه «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ»،﴾ والاسلام، ومنه «فَإِذا أُحْصِنَّ» (أى أسلمن)، والعفة، ومنه «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ».
وشروط الاحصان عندهم المقتضية للرجم ستة:
الأول: النكاح، فلا احصان بالوط ء فى الملك اذ لا يسمى محصنا لغة.
الثانى: الجماع، فلا احصان بمجرد العقد اجماعا ولا بالخلوة الصحيحة اذ لا يحصل بمجردها تحصين فرج.
الثالث: صحة العقد، فلا احصان بباطل اجماعا لشبهه بالزنا لمخالفته الشرع قطعا واجتهادا، ولا بالفاسد اذ الاحصان صفة مدح فلا يستحق بما يستحق به الذم فى حل كالوط ء فى الدبر.
الرابع: التكليف، فلا احصان بوط ء فى صغر أو حال جنون اذ لا كمال للذتهما فلا تحصنهما.
الخامس: أن تكون الموطوءة غير مجنونة اذ لا كمال للذة فى جماعها فأشبه وط ء الصغيرة.
السادس: الحرية، فلا احصان لمملوك لتنصيف حده، وان حصن غيره، ولا يشترط الاسلام ولا احصان بوط ء المحرمة والحائط كالوط ء فى الدبر (١).
مذهب الإمامية:
قالوا: ان الاحصان هو اصابة البالغ العاقل الحر فرجا أو قبلا مملوكا بالعقد الدائم أو الرق متمكنا بعد ذلك منه بحيث يغدو عليه ويروح، أى يتمكن منه أول النهار وآخره صابة معلومة بحيث غابت الحشفة أو قدرها فى القبل فلو أنكر من يملك الفرج على الوجه المذكور صدق بغير يمين، وان كان له منها ولد، لأن الولد قد يلحق من استرسال المنى بغير وط ء، فهذه قيود ثمانية بيانها ما يأتى:
ا) الاصابة: أى الوط ء قبلا على وجه يوجب الغسل، ولا يشترط الانزال ولا سلامة الخصيتين فيتحقق من الخصى ونحوه، لا من المجبوب وان ساحق.
ب) أن يكون الواطئ بالغا: فلو أولج الصبى حتى غيب مقدار الحشفة لم يكن محصنا وان مراهقا.
ج) أن يكون عاقلا: فلو وطئ مجنونا وان عقد عاقلا لم يتحقق الاحصان ويتحقق بوطئه عاقلا، وان تجدد جنونه.
د) الحرية: فلو وطئ العبد زوجته حرة أو أمة، لم يكن محصنا، وان عتق