← Фатава

Фатава · id 4382

لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء

ملتقى أهل الحديث

Полный текст (753 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مات خادم السنة النبوية الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بقلم: زهير الشاويش. انتقل إلى رحمة الله صباح الثالث عشر من شوال ١٤٢٥هـ الموافق ٢٦/ ١١/٢٠٠٤م أخي الغالي، وصاحبي في العمل، وصديقي العالم الإمام المحقق الشيخ عبد القادر (قدري) المشهور بـ الأرناؤوط، الدمشقي، تغمده الله برحمته، وأدخله فسيح جنته، وعوّض أهله وأولاده والمسلمين بفقده خيرا، ولله ما يشاء، ولنا التسليم التام بكل ما يصيبنا من قضاء وقدر. جاء والد الشيخ عبد القادر من كوسوفو، وأقام في دمشق في حي الديوانية، وفيه مجموعة من الألبان، فنُسب إليهم، ولم يكن عنده ما عرفنا من بعضهم من شدة!! وكان مولده سنة ١٣٤٦هـ الموافقة سنة ١٩٢٧م. ونشأ الأخ عبد القادر في بيئة دينية فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم التحق بمدارس الفتح الإسلامي؛ التي أسسها الشيخ صالح فرفور عليه رحمة الله. وبعد ذلك عمل مدرسا وواعظا في مدرسة الإسعاف الخيري لرعاية الأيتام. وفي سنة ١٣٧٧هـ الموافقة سنة ١٩٥٧م انتقل إلى المكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش، وهناك ظهر نبوغه بقيامه بنشر آثار السلف الصالح مع مجموعة من أهل العلم، ومنهم: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ شعيب الأرناؤوط، والدكتور محمد الصباغ، والشيخ عبد القادر الحتاوي، وآخرون. وعمل فترة مديرا للمكتب الإسلامي بعد سفري خارج سورية لظروف قاهرة، وكان عمله في المكتب الإسلامي أكثر من عشر سنوات منقطعا، ثم كان متعاونا مع المكتب حتى وفاته ﵀. وهناك تأثر بالمنهج السلفي السليم، فأصبح من أكبر دعاته في سورية، وظهر ذلك في دعوته العامة في دروسه ومساجده وتلامذته، وفي تحقيقاته للكتب مثل باقي إخوانه في المكتب الإسلامي. وشارك في تحقيق عدد من إصدارات المكتب مُعينا لصاحبه زهير، وللشيخ ناصر، والشيخ شعيب، والدكتور الصباغ، والشيخ الحتاوي، وغيرهم. فشارك بتحقيق عدد من الكتب المخطوطة التي طُيع أكثرها في المكتب الإسلامي، مثل: "الكلم الطيب"، و"مشكاة المصابيح"، وساعد في إعداد مؤلفات الشيخ ناصر الدين الألباني، مثل "صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير"، و"شرح العقيدة الطحاوية"، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة"، و"شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد"، وغير ذلك. وكان من أواخر أعماله إعادة تحقيق "شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد"، عمله للمكتب الإسلامي، وهو تحت الطبع الآن، وكانت آخر رسالة منه إليّ بتاريخ .. رمضان ١٤٢٥هـ مهنئا بالشهر، وراغبا بطبع شرح الثلاثيات. وفي أواخر عمر الشيخ ناصر الألباني -غفر الله له- وبعد إقانته في الأردن محاطا بالذين لم يوفروا أحدا من أعمالهم الضارة صدرت منه كلمات بحق الشيخ عبد القادر وغيره من أهل العلم. غير أن الشيخ عبد القادر غضَّ الطرف، ولم يذكره بشيء مما يعرف عنه، بل سمعت منه أنه قال: يغفر الله للشيخ ناصر كل ما قال، مع أنه ليس بحق! وكانت الصلات عامرة مع الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فإنه يقدّر الشيخ عبد القادر وجميع العاملين في المكتب الإسلامي، وكان للشيخ ابن باز مع الشيخ عبد القادر علاقة خاصة، دلّت على تقديره البالغ له، فعينه داعية في كوسوفو يذهب إليها كلما أتيحت له الفرصة. وكان متأثرا جدا بالعمل العام الذي يقوم به الأستاذ عصام العطار، وبالدعوة السلفية التي يقوم بها الأستاذ عبد الرحمن الباني، وكذلك ببعض الإخوان. وكان ﵀ سهل العبارة، فصيح اللسان، حسن الاستشهاد بالأحاديث النبوية الصحيحة، وبما كان عند السلف الصالح من مواعظ مختارة منتقاة. وذهب إلى بلاده الأصلية كوسوفو أكثر من مرة يعظ الناس ويدلهم على الخير (وكان يتقن لغتهم). وكان يُحْضِر من بلاده الأولى ومن تركية الطلاب للدراسة في الشام، وتأمين التحاقهم في المملكة العربية السعودية للتعليم، وتقديم المساعدات المالية والعلمية لهم. والشيخ عبد القادر ﵀ نُكب أكثر من مرة بأمور صعبة، فقد أصيب بوفاة زوجته الأولى أم محمود رحمها الله. ثم لقي المتاعب من قبل بعض الجهات، فمنع من الخطابة والتعليم ومن حضور الاجتماعات، ثم أُلزم البقاء في بيته لفترات، مع أنه كان رقيق الوعظ، حسن النصح للناس. والتف الناس حوله محبين له، ومنهم مجموعة من طلاب العلم الذين تخرجوا على يديه، وفيهم من بلغ منزلة عالية وكبيرة في سورية وغيرها. وقد صُلِّي عليه في جامع الشيخ زين العابدين التونسي الحسيني عقب صلاة الجمعة، وشهده الخلق الكثير، ثم دفن في مقبرة الحقلة، وأم المصلين شيخ القراء العلامة الشيخ محمد كريم راجح. تغمده الله برحمته، ولله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار، وأرجو أن يكون الله عونا لأهله وأولاده الثمانية وبناته، وأن ينبتهم النبات الحسن، ويُحسن إليهم (وكان أبوهما صالحا)، والحمد لله على كل حال، وإنا لله وإنا إليه راجعون. الجمعة ١٣ شوال ١٤٢٥ إن المكتب الإسلامي للطباعة والنشر والشيخ زهير الشاويش يذكر انتقال المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط إلى رحمة الله وعفوه وغفرانه في دمشق، وقد دُفن في مقبرة الحقلة، وإنا نحتسبه عند الله جل شأنه، ولله ما أخذ، ولله ما أعطى، والحمد لله على كل حال. (*)

стр. 247

رثاء الدكتور عاصم ابن الشيخ محمد بهجة البيطار ـ[بعنوان:. . مات أخي: عاصم البيطار، مربي الأجيال، والساعد الأيمن لشيخنا العلامة محمد بهجة البيطار. . . بقلم: الشيخ زهير الشاويش. ]ـ مات أخي: عاصم البيطار مربي الأجيال، والساعد الأيمن لشيخنا العلامة محمد بهجة البيطار بقلم: زهير الشاويش *** اتصل بي ابن تيمية سبطي من دمشق، وأخبرني بوفاة الدكتور عاصم ابن شيخ الشام محمد بهجة البيطار، مساء الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى ١٤٢٦هـ الموافق ٢٤/ ٦/٢٠٠٥م. وعرف حفيدي أن لي علاقة به، لأن عنده من مطبوعات المكتب الإسلامي كتاب "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" للشيخ بهجة البيطار. ولم يعرف أن أخي عاصم كان الساعد الأيمن لوالده في حلِّه وترحاله، وفيما ينقل أو يحقق من كتب، وبين يدي -الآن- العشرات من النقول التي يقول فيها الشيخ بهجة: " ... أكتب هذه الكلمة في مكتبكم الإسلامي العامر بالعلم والدين، ولله الحمد ... ... ولكني منتظرفي هذه الأيام مجيئ ابني عاصم من (الرياض)، وأرجو مسامحتي على تقصيري في الكتابة، إذ أن رجيف اليد يشوهها، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". أنا أقدم ولادة من أخي عاصم بمقدار سنة ونصف تقريباً، وكان "عاصمٌ" (لصلة الأبوة) الأوثق والألصق بشيخنا علاّمة الشام والده الشيخ محمد بهجة البيطار. والشيخ بهجة قد ربى الأجيال وكبار العلماء أمثال: الشيخ سعدي ياسين الصبَّاغ، والشيخ مسلم الغنيمي، والشيخ نعيم البيطار، والمئات بل الألوف، وكنت أنا من تلامذته الصغار. كما أنه درَّس زوجتي أم بلال كذلك. كان عاصم الوسط بين أخويه: فيسار الأكبر، وعبد العزيز الأصغر، وسبقاه إلى رحمة الله تعالى. درس عاصم العربية مع والده بصورة متواصلة، ثم كان خير خلف لوالده يربي ويعلم جيلاً بعد جيل. ذهب عاصم إلى السعودية مع والده وعلَّم معه في الطائف. وكان معهما العلامة الشيخ سعدي ياسين، والعالم الرياضي الشيخ نسيب المجذوب، وكان لهم الأثر العلمي الباقي حتى اليوم، جزاهم الله الخير. وكان -أكثر الطلاب إن لم أقل كلهم- أكبر من عاصم سناً. رجع عاصم إلى دمشق والتحق بكلية الآداب في الجامعة السورية، ورافق عدداً من أصحابي، منهم الدكاترة: محمد بن لطفي الصباغ، وعبد الكريم الأشتر، ومازن المبارك حفظهم الله، والأستاذ أحمد راتب النفَّاخ رحمه الله تعالى الذي اختير عضواً في المجمع العلمي العربي مكان أستاذه الشيخ بهجة البيطار. وبعد ذلك قدَّر الله وفاة راتبٍ، وأن يكون اختيار المجمع لعاصم محل الأستاذ أحمد راتب النفَّاخ -رحم الله الجميع-. وكانت صلتي بالأخ عاصم عريقة وثيقة. ثم قدَّر الله أن أغادر بلدي، ووجدت عاصماً قد عاد إلى المملكة العربية السعودية أستاذاً للصفوف العليا في معهد اللغة العربية، الذي أصبح فيما بعد "كلية اللغة في جامعة الملك سعود". وبعد ذلك تسلم إدارة مجلة "الفيصل" السعودية سنوات عدة، وتوّجها بإدارة جيدة جداً، مما جعلها من أكبر مجلات العالم العربي. ومنذ سنوات قليلة قرر الاستقالة من المجلة -مع حرصهم على بقاءه-، ورجع إلى دمشق، واختير عضواً في المجمع العلمي العربي، وكان أهلاً لذلك، ولما هو أكبر وأنفع. كان من مآثر أستاذنا الشيخ محمد بهجة البيطار، أنه لا يتقاضى نصيبه من نشر مؤلفاته، ولمَّا كان مني الإصرار ومنه الامتناع، فإنه كان يوافق ﵀ أن أوزع ما يكافئ نصيبه عيناًً على طلاب المدارس. فإذا ما احتاج لبعض النسخ فإنه كان يحاول شراءها؟! وبعد وفاة الشيخ بهجة، قلت لأخي عاصم: "الآن أصبح الحق لكم، فما تريد أن نفعل؟ ". فقال: "يا زهير كان (والدي المادي؟ )، وكان يسميك (ولده الروحي)؟، فهل تريد أن تتغلب المادة على الروح!؟، افعل ما كان والدي يرضاه، وبس". وكان يشير إلى ما كان شيخنا بهجة يخاطبني به، وما كان يكتبه لي وعني، ومن ذلك هذه الرسائل المرفقة. لم أعرف في مشايخ الشام أكرم من الشيخ بهجة البيطار، ووجدت في ابنه الدكتور عاصم مثل ذلك في دمشق، وأثناء وجوده في الرياض كان كذلك، ومعه ومثله في ذلك الدكتور محمد بن لطفي الصباغ -حفظه الله. وكان أخي الدكتور عاصم حريصاً على الحصول على ما عندي من مراسلات بيني وبين والده الكريم معي، أو ما جمعته من مراسلاته، أو فتاوى له مع الفاضل الشيخ محمد نصيف، أو آل اللاذقي في بيروت -الشيخ محمد طاهر وأخيه عبد الحفيظ وابنه إبراهيم-، الذي كان يحرص على جمع فتاوى كبار العلماء حول القضايا المستجدة، وكان منهم أستاذنا الشيخ محمد بهجة. ليتني أستطيع تذكر كل ما كان بيني وبين عاصمٍ من علاقات فأكتبها، ولكن: إن الثمانين وقد بلغتها .. !؟ رحم الله الوالد شيخنا محمد بهجة، وابنه أخينا الطبيب عاصم. وإنا لله وإنا إليه راجعون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بيروت في ٢٠ جمادى أول ١٤٢٦هـ الموافق ٢٧/ ٦/٢٠٠٥م

стр. 248

كلمة عند وفاة الشيخ رمزي دمشقية تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وجميع صحبه، أما بعد،، فقد سبق للشيخ زهير الشاويش حفظه الله تعالى، أن كتب كلمة ساعة سماعه خبر انتقال الشيخ رمزي دمشقية إلى رحمة الله. ونشرت كلمته القيِّمة يوم وفاته في عدد من الجرائد والمجلات -جزاه الله خيراً. كما شارك في تقبل العزاء به في ساحة مسجد الخاشقجي مع مندوب سماحة المفتي محمد رشيد رضا القباني (لسفره)، وبعض أهل العلم، ومنهم: سماحة الشيخ محمد كريم راجح شيخ قراء دمشق، وفضيلة الشيخ محمد كنعان رئيس المحاكم الشرعية في لبنان. ثم قرئت كلمته في مشاركته بتقبل العزاء بعد صلاة المغرب في خلية حمد. واليوم وقد مضى على وفاة الأخ رمزي ما يقرب من السنة. وقد مرّت على الأمة ما شاهدنا من النكبات، وكان أكثرها بسبب بعدنا عن أوامر ديننا. نسأل الله -سبحانه- أن يعافي المسلمين من منغصاتها. فقررنا جمع هذا الكتاب عن ذكراه باسم "دار البشائر وأقوال أخوان الشيخ رمزي عنه" [أو الاسم المقرر]. فطلبنا من أستاذنا المحدث العلامة الشيخ زهير الشاويش أن يشارك في كلمة عنه، فتفضل وأضاف إلى كلمته ما ذادها وضوحاً وإفادة. ولذلك فإننا ننشر كلمته المعدلة في كتابنا هذا. راجين الله أن يكتب للأخ رمزي الرحمة، ولجميع الأخوة الذين شاركونا بذكراه طول البقاء، إنه جلَّ وعلا على كل شيء قدير. وأن الحمد لله رب العالمين، وصلىَّ الله على سيدنا محمد وآله وجميع صحبه. *** عالم عامل فقدناه بقلم: زهير الشاويش انتقل إلى رحمة الله العالم الشاب الشيخ رمزي سعد الدين دمشقية، صاحب "دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر"، فلله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجر وثواب.

стр. 249

كان ﵀ من شباب بيروت المؤمنين العاملين في حقل الدعوة إلى الإسلام، والأخلاق الحميدة، ونشر العلم. درس الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية، ووجد في الجامعة المغريات، ولكن ترفع عنها مع مجموعة من رفاقه، والتحق بالدعوة إلى الله، ورفض الانجرار وراء ما وقع فيه العديد من شباب عصره، الذين انساقوا وراء العاجل من التفلت، واغتنام الاتصالات المشبوهة، والدخول في الخصومات بين أبناء البلد الواحد، والاندفاع في الأعمال التي أودت بالوطن إلى الحضيض، وتقسيم البلاد إلى طوائف أوجدت بينهم الاحقاد. بعيداً عن السمو المطلوب، والعيش المرغوب، تحت رعاية المفتي السابق العلامة الشهيد الشيخ حسن خالد -تغمده الله برحمته، ومع سماحة المفتي الشيخ محمد رشيد رضا القباني -حفظه الله-، متعاوناً مع العديد من شيوخ وسياسييّ الإسلام في لبنان. وكذلك العديد من الشباب، حيث يعقد الجلسات العلمية والدعوية في منزله، وبالرغم من ظروف لبنان الصعبة ... وقبل أن يتخرّج حاملاً شهادة الهندسة، كانت له شهادة هي محل الفخر بدراسة العلوم الشرعية، وعمل بتحقيق الكتب، والقيام على نشر المجموع الكبير منها بإتقان مشهور مشهود في "دار البشائر الإسلامية". واستمر يعمل باعتدال ووسطية معروفة عنده وعند القلة ممن سبقه في هذا العمل، الذي هو تابع لما عند الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام. وكان -ومن معه- بعيدين عن الشدة والتطرف، عاملين في الدعوة الى الله -سبحانه- بما علموا من أدلة الكتاب والسنة، بالحكمة والموعظة الحسنة، والاعتدال الذي وجدنا أثره الحسن في حياتنا الاجتماعية. مع الدقة التامة المقبولة مع قربها المقبول من التزمت من باب الحرص على الأمانة التي أمر سيدنا رسول الله ﷺ على كل مؤمن إذا عمل عملاً أن يتقنه.

стр. 250

وكتب الله له النجاح في دار البشائر الإسلامية، ومن ذلك ما كان له معنا من تعامل في المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، سواءً في دمشق أو بيروت. ووجدنا في أكثر كتبه كل ما ذكرت، وإذا وجدنا شيئاً خلاف ذلك فهو مع ندرته وقلته، مما لا يخلو منه كتاب فيما هو معتاد عند الناس، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، بل كانت الكلمة الذهبية أمام أنظارنا: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا به"، كما كان الأمر عند كبار دعاتنا منذ شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، وعند الشيخ رشيد رضا، والإمام الشهيد حسن البنا ﵏. وبعض ذلك من اختلاف الاجتهاد، وهذا أيضاً لا يخلو منه كتاب، ولا محقق، ولا مؤلف، ولا دار نشر. لأن الله سبحانه أبى العصمة لغير كتابه القرآن الكريم. وقد قام مع عدد من أفاضل العلماء الشباب، فتعاهدوا على اللقاء في العشر الأخير من رمضان يتدارسون بعض الكتب، ثم يخرجون بعضها بالطباعة المتقنة، وقد سموها: "لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام"، وعرفت من الذين قاموا بهذا الجهد المفيد غير الأخ رمزي، أخي فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي، و ... ، و ... ، و ... . وقد اطلعت على بعض أجزائها، ومنها: - بغية المستفيد في علم التجويد، لابن بلبان. - جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى. - نشر ألوية التشريف، لابن علاّن. - الإعلام الملتزم بفضيلة زمزم، لأحمد الشافعي. - تحرير الأقوال في صوم الست من شوال، للعلامة ابن قطلوبغا. - إجازة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ حفيد الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لتلميذه. - رسالة في شرح حديث "انت ومالك لأبيك"، للأمير الصنعاني. - إفادة المبتدي المستفيد، لبرهان الدين الناجي. - قطع الجدال في أحكام الاستقبال، للعجيمي. - مقدمة إملاء الاستذكار، للحافظ أبي طاهر السَّلفي.

стр. 251

- الانتهاض في ختم الشفا للقاضي عياض، للحافظ السخاوي. وهذه كتب تعليمية تربوية مفيدة يحتاج إليها للمراجعة العالم المربي، كما هي لازمة للطالب في عبادته وتربيته ودراسته. ومن يراجع فهرس مطبوعات داره الكريمة لا يكاد يجد فيها أي كتاب مرفوض، بل هي مقبولة، والاختلاف في بعضها من باب اختلاف الاجتهاد كما قدمت، ومثل ذلك ما تجده في التعليقات عليها فإنه من تلك البابة. * * * وأذكر اليوم الذي جائني به مع أحد إخوانه منذ سنوات بعيدة، وهما من أفاضل طلاب العلم لزيارتي في المكتب الإسلامي ببيروت، لرغبتهم في زيادة العلم، والتماس الطريق الصحيح إلى العقيدة السليمة، التي ارتضاها الله لعباده، وبعد مدارسة استمرت أياماً طويلة، وجدنا أن الأفضل لهم الذهاب والالتحاق في إحدى المعاهد القائمة خارج لبنان، وعلى الأخص في البلاد السعودية. وقد ذهب مع صحبه، ورجعوا بعد أن نالوا شهادات تلك المعاهد، وتلقوا العلم والإجازات على المشايخ الأفاضل والدعاة فيها. وأظن أنه لم يتابع الدراسة هناك، ولكنه كان فيمن تلقى بعد ذلك العلم على نفسه، في بلده -بيروت- على علماء تخيرهم، على فراغ من وقته، ومع ذلك فقد نال مما عندهم علماً جيداً، نجد آثاره فيما نشر من كتب، وفيما كان يقوله من كلام في دروسه ومقدماته. وقد وجدت عنده من الكرم ما يذكر بأهل التضحية وحسن الضيافة، فلا يكاد يحضر إلى لبنان من بلاد الله الواسعة أحد من أهل العلم والدعوة، إلا ويجد في داره المآوي والطعام، ووسائل الراحة، وتسهيل الانتقال بين بيروت والجبل، والمساعدة على الرحلة للحج، أو السفر إلى دمشق، وغيرهما من البلاد السورية. ومن ثم قيامه مع ضيوفه بزيارة كبار أهل العلم للتعريف بهم، وتمكين الصلة بينهم، ومدارسة ما في كل بلد من شؤون العمل الدعوي، وتبادل الإجازات العلمية على ما كانت عليه في الأيام الخوالي بين الطلاب والمشايخ. * * *

стр. 252

ومن باب ذكر الخير لأهله أقول: لقد وجدنا من تعامله التجاري مع المكتب الإسلامي الأمانة، شراءً وبيعاً، وعنايةً متقنة، ورد الحق إلى أصحابه. وإذا ذكرت هذا عنه وعن قلة ممن تعاونّا معهم خلال أكثر من الستين سنة الماضية، أذكره وقد وجدنا من كثيرين ضياع هذا عندهم. وقد وجدت منه وعياً عاماً، ونباهة واضحة، والأدب في التحدث، ونحن في بلد كثرت مشاكله، وتداخلت أموره. اللهم إن الأخ الشيخ رمزي دمشقية، قد غادرنا إلى ديار الحق، فيا رب وسع مدخله، واغفر له وارحمه وعوضه الجنة. وإننا نرفع حسن العزاء به إلى سماحة الشيخ محمد رشيد رضا راغب القباني المفتي العام، وإلى جميع العلماء وإخوانه من الدعاة. ويا رب اكتب الصبر لوالدته، وزوجته، وقد كانتا خير معين له في دنياه، واحفظ ابنه (محمداً)، وبناته الثلاث، وعوضهم عنه خيراً، وأحسن تربيتهم بفضلك، يا أرحم الراحمين، وأسبغ من نعمك وأفضالك على أهله وإخوانه، وأحسن عزاء أخواله وأقاربه بما أنت له أهل، يا رب استجب. وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وجميع صحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. نشرت في ٢٤ شعبان ١٤٢٣ هاالموافق ٣٠/ ١٠/٢٠٠٢م، ثم أعيد النظر فيها في ٢٨ ربيع ثان ١٤٢٤ هـ الموافق ٢٨/ ٠٦/٢٠٠٣م. * * *

стр. 253

طرائف مع الشيخ سعدي ياسين بقلم: زهير الشاويش هذا العلامة دمشقي الأصل، تتلمذ على أستاذنا الشيخ بهجة البيطار مع الشيخ مسلم الغنيمي، والشيخ نعيم البيطار إمام جامع الدقاق، والشيخ نسيب المجذوب (الرياضي)، والعديد من رجالات العلم. والشيخ سعدي مثل الشيخ البيطار سلفي المعتقد بل وأكبر دعاة السلفية في عهده لما حضر إلى لبنان وأقام في بيروت، وبعد أن طلب القبض عليه من حكومة فرنسة لأنه اشترك في الثورة السورية. وكان ﵀ يعتبرني كأحد أولاده، بل فوق ذلك، لأنه كان له ولد درس الهندسة، وبقي في أمريكا، وآخر مازال مريضاً عافاه الله، وعدد من البنات، وله سبط يعمل في الصحافة -وفقه الله-. ومنذ أن وصلت إلى بيروت لم ينقطع عن رعايتي -تغمده الله برحمته-، وصادف أن مرض أواخر أيامه، فكرر إجازته لي في القرآن والحديث، ثم طلب ورقة وكتب زيادة على إجازته الشيء الذي لا يكون إلا من كريمٍ فاضلٍ (المرفق). وكانت وفاته أيام القصف الشديد على بيروت، في حوادث لبنان الأليمة، ولم أتمكن من حضور جنازته، وبيننا مسافة بسيطة، وكذلك لم يتمكن جوار بيته من تشييعه، فدفن بجوار صديقه الزعيم الإسلامي الكبير الحاج أمين الحسيني في مقبرة الشهداء -القسم الفلسطيني-. وبعد أن هدئت الأحوال (قليلاً)، أقمنا له احتفالاً في دار الفتوى برعاية الشهيد حسن خالد بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله (المرفق). وتكرَّم بالحضور من الرياض ابن عمه الدكتور الشيخ محمد بن لطفي الصباغ ليتكلم باسم العائلة، ثم ألقى الشيخ فهمي أبو غنيمة، والمفتي العام الشيخ حسن خالد. وقال: لقد وهب الشيخ سعدي مكتبته إلى أخيه الشيخ زهير، ولكن الأخ زهير أمر أن توضع في مدرسة الإيمان، وبعد ذلك تكون في مكتبة دار الفتوى إذا تقرر إغلاق المدرسة.

стр. 254

وقد حضر من دمشق لهذا الحفل الشيخ حسن حبنكة، والشيخ مسلم الغنيمي، والشيخ صادق حبنكة، وشيخ القرَّاء محمد كريم راجح، ومن السعودية الشيخ محمد السقا أميني الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي ووفد من العلماء مندوبين من قبل الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، وغيرهم العدد الكبير. وجاءت البرقيات من أقطار الدنيا. * * *

стр. 255

من ذكرياتي مع الداعية الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري بقلم: زهير الشاويش لست أدري ما الذي يدفعني اليوم لتذكر مواقف كانت لي مع أخي العالم الجليل الداعية المنفتح على جميع الناس والمذاهب في كل القضايا الفقهية والاجتماعية والتربوية، الشيخ عبد الله الأنصاري ابن قاضي مدينة الخور في قطر الشيخ إبراهيم الأنصاري. أذكرها لتكون عبرة للناس في زماننا هذا الذي وجدنا فيه التشدد في الدين ممن قلَّ علمهم، وضاعت معارفهم، وساقوا الناس إلى التشدد، وورطوا بعضهم إلى السجون والمعتقلات. كما وجدنا ممن قلَّ تمسكهم بالدين، وتورط مع غيرهم بالسير وراء العولمة، والانشغال بما لا ينفع، وغير ذلك من الأمور التافهة، واتباع الخط (الإفرنجي، بزعم أنه البرنجي، يعني الأول)، وهو في حقيقته الأخير ... وإنني أسأل الله سبحانه تعالى: أن يعيد المسلمين إلى دينهم الحق، والتمسك بالوسط الذي جعله الله لنا شرعة ومنهاجا، بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ومنذ مدة مرَّ بخاطري عدد من أخواني الأفاضل، ومنهم الشيخ الأنصاري، وفي أثناء ذلك، تكرم واتصل بي الأخ الأستاذ عمر ناجي، وسألني عن الشيخ عبد الله، بعد أن اطلع على ما كتبت عن الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وسمو حاكم قطر الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، والشيخ محمد نصيف، وغيرهم من الأفاضل. فأجيبه وأقول:

стр. 256

عملي في قطر ذهبت إلى قطر أوائل سنة ١٣٦٠ هـ، وبعد تكليفي بإدارة إحدى مدارس الدوحة، الروضة القديمة، اتفق أن تعرف عليَّ في اليوم الثاني مباشرة صاحب السمو الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني -حاكم البلاد- وهو الرجل العالم. ووزير المعارف الشيخ قاسم بن درويش فخرو، وبتدخل مدير المعارف الأستاذ عبد البديع صقر ﵏، لأنني اعترضت على الكتب المقررة لدروس الدين، وامتناعي عن تدريسها في مدرستي أولاً، ونصحي بعدم تدريسها في كل المدارس ثانياً، لأنها مؤلفة حسب طريقة بعيدة عن الأساليب العلمية المناسبة، في بلد يُنشأ فيه التعليم لأول مرة، وتعطى لطلاب الروضة والابتدائي؟، بعد أن يطلب من كل تلميذ أن يختار المذهب الذي عليه أهله مثلاً؟ أهو المالكي أو الشافعي!، مع أن الأساتذة الذين جاءوا للتعليم، من طلاب مدارس علمانية، وأكثرهم من فلسطين، ولا يعرفون الفارق بين المذهبين، إن لم أقل غير ذلك. وعدّلت الكتب بعد الاجتماع مع سمو حاكم البلاد، وفضيلة القاضي الشرعي العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وكان أن كلفت المستشارية بطبع الكتب المصححة مني في البحرين، ووزعت على المدارس. وهذا الموضوع أوجد لي عند سمو الحاكم منزلة، حيث أُدعى أكثر من مرة في الأسبوع للجلوس مع سموه، حتى أصبحت شبه مستشار له في أمور كثيرة، (والكلام عن ذلك يطول). زيارة الخور وفتح المدارس وفي تلك الأيام ذهبت لزيارة مدرسة بلدة الخور مع الأخ الأستاذ موسى بن الشيخ حسن أبو السعود مستشار المعارف، وكان مديرها السيد روحي الخطيب الفلسطيني، وهو رجل طيب، ومدرس الديانه العالم الفاضل الشيخ عبد الله الخليفي (١).

стр. 257

وكان في مدينة الخور قاضيها الشيخ إبراهيم الأنصاري، وهو رجل مسن ملئ علماً وفضلاً، وكان شافعي المذهب. ودارت الأبحاث معه (وكنت على معرفة بسيطة بمذهب إمامنا الشافعي)، فوجد في كلامي بعض ما أعجبه، وأخبرني أن ابنه يدرس في دارين (من بلاد المملكة السعودية)، وأنه سيحضر خلال أيام ليكون في التعليم معكم في قطر. ولم يمض سوى أسابيع حتى حضر الشيخ عبد الله وزارنا في إدارة المعارف، وسأل عني، وقمت بواجب تعريفه بسعادة مدير المعارف الشيخ عبد البديع صقر، والمفتش الأستاذ موسى أبو السعود، وباقي الموظفين، وتقرر أن يكون موظفاً في المعارف، تحت اسم: مدير الشؤون الدينية في المعارف. وكان يومها شاباً (أصغر سناً مني)، وله نشاط كبير، ودعوة للخير واضحة. وجرئ على أشياء لم يكن أحد يقدر على التعرض لها. الأمر بالمعروف من ذلك أنه طالب يومها بمنع تقبيل ولمس الأنف، الأمر المعتاد في بلاد الخليج!، مكتفياً بالعناق السائد بين الناس في أكثر البلاد الإسلامية. وكان لا يقوم بتقبيل أحد على أنفه سواء كان الحاكم أو العلماء الكبار، مما جعله موضع الإعجاب عند الكثيرين الذين لم يعتادوا ذلك. ولم يكتف بذلك، بل أظنه ألَّف رسالة في الموضوع (ولم أجدها عندي الآن). وكنا ندخل معه بجدل (لطيف)، وأذكر أنني نقلت له يومها ما كان معروفاً عند بعض السلف، ويمثله الشعر الذي كان متداولاً عند التابعين وقبلهم، وتمثل به سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ عن ابنه سالم: يُديرونَني عَن سالِمٍ وَأُديرُهُم ... وَجِلدَةُ بَينَ العَينِ وَالأَنفِ سالِمُ واعتبر هذا منه، مع غيره من التصرفات الكثيرة، دليل خير منه عند الكثير من الأهالي، وموظفي الدولة في المعارف، وغيرها من الدوائر. وكانت تصرفاته هذه مدار الحديث في مجالس القوم في البيوت والأسواق، في بلد ليس فيه صحف ولا مجلات.

стр. 258

وفي إحدى المرات قامت دائرة الأشغال بنقل الماء المبتذل المتجمع من الأبنية، ويصب حولها في حفر متَّسعة، ونقل ذاك الماء لسقي الحدائق ذات المروج بين الشوارع والممرات، ووراء المساجد. وكان الناس يصلون عليها، فأصدر بياناً باسم (إعلان هام)، وطالب الناس باتخاذ حواجر للطهارة لتصح صلاتهم، وقوله هو الموافق لمذهب الشافعية الذي كان الأنصاري يتبعه. وإن كان هناك أمامه قول آخر عند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، وقول عند السادة الأحناف يبيح تلك الصلاة مع الرطوبة، وهذا من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر [انظر المرفق رقم: ٧]. تدريس العلوم الدينية في المدرسة الثانوية واقترحت على مدير المعارف: أن يقوم الشيخ عبد الله بتدريس علوم الدين في المدرسة الابتدائية الثانوية (الوحيدة)، وأن يؤم الطلاب ظهراً في المدرسة إضافة لعمله، فوافق على القسم الأول، واعتذر عن القسم الثاني لارتباطه بإمامته في مسجد وسط البلد قرب بيته، وأظنه كان مسجد الأمير الشيخ خليفة بن حمد. طلب العشائر فتح المدارس وجاءت وفود العشائر من أطراف قطر، وكل شيخ يطلب فتح مدرسة عند بيوته (ونصف البيوت كانت مضارب شعر)، والإقامة فيها غير تامة كل السنة، وإنما يذهب الأهل إلى البادية مع أغنامهم، وأولادهم. وطبعاً يراد أن يذهب المعلم معهم في خيمة تأمنها له إدارة المعارف، وأن تصلهم كل يوم سيارة ماء (صهريج)، من قبل متعهد ينقلها من مكان بعيد، ويدفع للطلاب مبالغ يومية!!. وكلفت بزيارة هذه المضارب، والاجتماع بأهل القرى مع فضيلة الشيخ عبد الله، وفي السنة الثانية كان معنا (بل يرئس بعثتنا) الأخ الدكتور عز الدين إبراهيم (المفتش العام).

стр. 259

وكانت الرحلات متعبة جداً، والسيارات من دائرة الأشغال التي تعطى لنا (مع غنى الحكومة) ولكنها من النوع المقيد سرعتها بـ ٦٠ كيلوامتراً في الساعة، وطبعاً لم تكن مكيفة، ونحمل فيها الطعام والشراب وبعض الحوائج. وكان الكثير منها يعد في بيت الشيخ عبد الله، وأكثر الأحيان لا نأكل ما أعددنا، بل نتركه للعربان في الطريق، لأن أهل الشمال كانوا أهل كرم وضيافة. وأما في بلدة الخور حيث كنا نقيم فيها ساعات في الذهاب وفي العودة، وهي في منتصف الطريق بين الدوحة وقرية الرويس آخر قطر، وسكانها من سادة آل البيت النبوي ﷺ . فكان الطعام الأول عند والده الشيخ إبراهيم، وكان رئيس المحاكم الشرعية الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود عينه بعد عودته من بارين في منطقة الخور، وهي أكبر تجمع سكاني في قطر بعد الدوحة، للحكم في كل القضايا المستعجلة، من تحرير الإقرارات، وتثبيت الشهادات، وإبرام عقود الزواج، وهذه كانت تسجل في قطر للمرة الأولى. وبعد ساعات عند الصديق الوفي لنا جميعاً الشيخ عبد الله المسند شيخ قبيلة المهاندة، وبيته كان مفتوحاً لكل الناس، فضلاً عن بعثة المعارف. وحدثت صلات قوية بيني وبينه (حتى أنه كان يترك شرب النرجيلة (الكدو) بحضوري، ومع أولاده الشيخ ناصر، والشيخ أحمد، واستمرت الصلة معهم يوم هاجروا إلى الكويت (لبعض الخلافات العشائرية)، وتكرموا بزيارتنا في سورية ولبنان، وتعرفوا على القيادات الإسلامية في سورية، مثل: الشيخ محمد الأشمر، والدكتور مصطفى السباعي، والأستاذ عصام العطار، ووالدي مصطفى الشاويش رحم الله الجميع. وأنشأنا المدارس في كل القرى الشمالية، وجمعنا بعض المضارب مع بعضها، وتم نقل الطلاب بواسطة السيارات.

стр. 260

وصادفنا بعض التعنت خصوصاً من الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني شيخ (قرية أم صلال محمد) بإدخال كل الأطفال في مدرسة أوجدها قرب بحيرة حفرها هناك، وأقام حولها مزارع من النخيل والثمار، حتى أنشأ معملاً لألياف النخيل يصدر الفراشي لتنظيف الخيل والحيوانات وطرش البيوت، ومما يستعمله عمال الدهان، ويصدّر ذلك للسعودية وغيرها. وكان رجلاً يقارب التسعين من عمره، ولكنه كان قوي البنية والإرادة، وحججت معه ومع الشيخ عبد الله الأنصاري في إحدى السنوات مع سمو الشيخ علي، ووجدت منه عبادة مستمرة مع السؤال عن العلم والفقه ﵀. ووجدنا كل التسهيلات من رجل الفضل الشيخ علي بن جاسم آل ثاني وأولاده في قريتهم (أم صلال علي). تسلمه شؤون القرى وبعد ذلك تسلم الشيخ عبد الله إدارة شؤون القرى بما يخص دائرة المعارف وغيرها من دوائر الدولة، ونجح في ذلك نجاحاً واضحاً سنة ١٣٨٥=١٩٦٥، وفي الرسالة إلي منه [انظر المرفق رقم: ٦]. شكواه من الملحدين في التربية وفي نهاية السنة الثانية تركت ومدير المعارف الأستاذ عبد البديع صقر العمل في المعارف، لخلاف دبَّ في العائلة الحاكمة، واعتبرت والأستاذ المدير أننا مع أحد الأطراف، (وأنا والله لم أكن مع أي واحد منهما، ولكن اعتبرت عند الطرف الذي تسلم المعارف -مدير المعارف غير المتوج-). وصادف ذلك أن المدير الجديد للمعارف كان من حزب قومي من بلدي، وله خصومة معنا شخصية، وعنده روح تربية علمانية. ندوة المعارف وقد أقامت دائرة المعارف ندوة إسبوعية، وكلفت بإدارتها، وحاضر فيها عدد كبير من علماء البلاد، وكان منهم الشيخ عبد الله الأنصاري، ومدير الجوازات علي الأنصاري، ومدير المعارف الأستاذ عبد البديع صقر، والدكتور عز الدين إبراهيم، ومن كان يزور قطر من العلماء، مثل: الشيخ محمد سالم البيحاني، والشيخ محمد بن عبد الله آل عبد القادر، وعلماء آل المبارك، وعبد الحكيم عابدين، ومحمد سعيد الطنطاوي، وغيرهم.

стр. 261

وصادف أن اعترض على بعض ما يلقى فيها أحد وجوه قطر، ورددت عليه مخالفاً لرأيه المبني على العصبية، فما كان من الشيخ الأنصاري إلا أن قام ورد عليه مباشرة رداً مفحماً. وقد استمر الشيخ عبد الله بعد ذلك في إقامة ندوات مماثلة لها أسبوعية في المساجد، أو المدارس، أو في بيته بصورة مستمرة. وعندي دعوة منه لحفلة أقامها للشيخ ضياء الدين رئيس الإدارة الدينية في طشقند أيام الاتحاد السوفييتي سنة ١٣٩٢هـ. ولكن بقيت صلتي مع سمو حاكم البلاد الشيخ علي آل ثاني قوية جداً، وعند تركي العمل طلبني أن أذهب إليه في الحج بالبر (ولم يكن هناك طيران بين قطر والسعودية) إلا عن طريق البحرين بواسطة طيران الخليج بطائرات صغيرة جداً، وأن أرجع معه من مكة، ولم يكن الطريق معبداً بعد إلى الدوحة، وعدنا بسيارته الخاصة (١). تسلمه إدارة الشؤون الدينية وبعد ذلك تسلم الشيخ عبد الله المراكز الكبيرة في دولة قطر، ومنها إدارة الشؤون الدينية في وزارة التربية والتعليم، وأحياناً كان يقوم بأعمال مدير المعارف لأشهر من السنة، وأصبح الرجل الأول عند سمو الحاكم الجديد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وعند إخوانه الأمراء، ومنهم معالي وزير الداخلية الأخ الشيخ خالد بن حمد آل ثاني حفظه الله. وتسلم بعدها مركز (إدارة الشؤون الدينية في دولة قطر، وقد توسعت كثيراً وزاد من نشاطها ما جعلها أهم مراكز وزارة المعارف. وانبثق عن ذلك "إدارة إحياء التراث الإسلامي" التي تولى إدارتها حتى وفاته ﵀، والتي تولت إحياء ما كان سابقاً في عهد سمو الشيخ علي بن عبد الله، بتوزيع الكتب الإسلامية على الدنيا، كما كنت المستشار لسمو الشيخ علي في ذلك وغيره. ويقوم العالم الجليل الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع باقتراح الكتب التي تطبع على نفقة سموه.

стр. 262

وقام الشيخ عبد الله بطبع وتصوير العشرات من الكتب وتوزيعها، وقمت بمساعدته في طبع ذلك في المكتب الإسلامي. وكان بيني وبينه تعاون جزئي في ذلك، وتوقف هذا التعاون فترات لأسباب ليست بدافع مني ولا منه، وإنما لظروف متعددة أصابتنا جميعاً، مع بقاء الأخوة عامرة بفضل الله علينا. ثم لتوسعه في الخلق الجميل المحمود، ولعل في بعض الرسائل التي أنشر بعضها آخر المقال، ما يدل على ذلك. دعوته إلى المؤتمرات في قطر وقد قام بالدعوة إلى عدد من المؤتمرات في قطر تخص العالم الإسلامي، ومنها المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية في شهر محرم ١٤٠٠ - تشرين الثاني ١٩٧٩، وكان يشرفني بدعوتي لحضورها، وقد حضرت أكثرها، واعتذرت عن بعضها لأسباب قاهرة، خارجة عن إرادتي. ومرة دعينا لقطر في أحد تلك المؤتمرات، وأيامها قامت فتنة (جماعة جهيمان في مكة المكرَّمة)، وكان إمام الحرم والمسؤول عن الحرمين الشريفين صديقي العلامة الشيخ حمد الراشد، الذي كان المسؤول عن تعليم البنات في السعودية سابقاً، وهي الآن أضيفت لوزارة التربية أيام الوزير الحالي العالم الدكتور محمد أحمد الرشيد. وتكلم أثناء حصار البيت الحرام العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود، وبيّن أن ليس هناك مهدي ينزل أو يحضر، والذي لخصه في رسالته (لا مهدي ينتظر بعد محمد خير البشر). وتكلم الشيخ الأنصاري بما يماثل ذلك. ويومها انتخب الشيخ عبد الله الأنصاري رئيساً للمؤتمر لتلك السنة في المؤتمر الخامس عشر للسيرة والسنة النبوية.

стр. 263

وقد جمع هذا المؤتمر بعض من ليس لهم في السنة والسيرة قول ولا فعل، وذلك بتأثير بعض من حول الشيخ يومها ممن لا همَّ لهم سوى الاستفادة المادية والدعائية من هذا العمل الكبير، وهم من موظفي المعارف الذين لا يعرفون شيئاً عن السنة والسيرة، وحرم من الدعوة له الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والأستاذ عبد الرحمن الباني، والدكتور عمر سليمان الأشقر، والشيخ محمد إبراهيم شقرة، والدكتور محمد لطفي الصباغ، وعدد من الذين يخدمون السنة النبوية!، مع أنني اقترحت دعوتهم وغبرهم للحضور، وكان ذلك من عجائب الأمور. ويومها ذهب مجموعة (اختارها الذين أحاطوا بالشيخ) لزيارة سمو أمير البلاد الشيخ خليفة بن حمد. ولما لم يجدني معهم سألهم أين الشيخ زهير؟، وأين الشيخ الألباني؟، وسبق أن زارانا وهما يعملان في خدمة السيرة والسنة النبوية. والشيخ زهير ممن أسس العلم في قطر؟. فقال له الشيخ الأنصاري: "الشيخ زهير موجود غير أنه لم يحضر معنا الآن، والشيخ ناصر دعي ولكنه مرتبط بأعمال حالت دون حضوره (وهذا الكلام كان من ادعاء الذين عملوا معه، ولم يصدقوه القول). وقال الشيخ خليفة: "نحب الاجتماع بالشيخ زهير قبل سفره"، وفعلاً كان لي لقاء خاص معه بحضور الشيخ الأنصاري. وفي تلك الاجتماعات جرى بحث بيني وبين بعض الحاضرين المتأثرين بالمذهب الحنفي، وقال أحدهم: "صحاح السنن الستة؟، وقدّم بحثاً بذلك". فقلت له: "لا يقال الكتب الستة صحاحاً، وإنما هذا يقال: عن الصحيحين البخاري ومسلم فقط، وأما الأربعة الباقية فيقال لها: السنن الأربعة". وطلبت منع إلقاء البحث الذي عنوانه يدل على خطأ، وحاول أحد أهل الشام الدفاع عن البحث، عصبيةً لمذهبه الحنفي!!، ولم يفلح. وانتصر لي الشيخ الأنصاري، ولكن سمح بعد ذلك لمداخلات بطبع بحث ذاك الرجل الهندي ليوزع فقط من غير إضاعة الوقت في قراءته في اللقاءات. إمارة الحج

стр. 264

وقد تولى إمارة الحج القطري سنوات متعددة، وأمَّن للحجَّاج التطبيب والأدوية، والنقل، والأماكن المناسبة في الحجاز، ويحمل معه الكتب والأموال للمساعدة، ثم أنشأ مسجداً ومعه دائرة لتوزيع المصاحف والكتب الإسلامية، ومازال المسجد والمركز حتى الآن في مكة المكرّمة، والحمد لله. وحججت مرة بعد وفاة الشيخ علي آل ثاني، ولم أكن مدعواً للحج من قبل إدارة الحرمين الشريفين، حيث كنت أدعى من قبل سماحة مدير الحرمين الشريفين العلامة الشيخ سليمان بن عبيد، أو من رابطة العالم الإسلامي، التي كنت أُدعى مرات متعددة للنزول في مركزها، لأنني كنت من المؤسسين لها. ونزلت في فندق، وزارني الشيخ عبد الله الأنصاري ﵀ وأصر عليَّ أن أنزل في مركز حملتهم القطرية، لأنني مازلت أعتبر قطري الجنسية!. غير أنني اعتذرت لارتباطي مع مجموعة أحج معهم. وفي السنة الثانية وقبل الحج بثلاثة أشهر وصلتني دعوة من فضيلته، أن أحج -أنا ومن أحب- وأنزل في مراكزهم، وكتبت له شاكراً معتذراً. ولما زرت قطر مع سماحة الشهيد الشيخ حسن خالد ﵀، وأخي فضيلة الشيخ طه الصابونجي، استقبلنا الشيخ عبد الله في بيته (الجديد يومها)، الذي يقيم به دروس القرآن الكريم، وأقام لنا حفلاً كبيراً جمع العدد الكثير من أهل قطر والموظفين من الخارج، وفيهم الأخوة الأكارم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي ﵀، وفضيلة الشيخ علي الخشان، والأستاذ خليل حمد، والداعية الشيخ إسماعيل الكيلاني، والأستاذ عمر عبيد حسنه مدير مكتبة الشيخ علي، ومدير مركز البحوث والدراسات، والأستاذ محمد الشافعي، والأستاذ فاروق عرب، والشيخ عبد الله الدباغ، وغيرهم. وكذلك عندما زرت قطر ومعي أستاذنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في طريقنا إلى نجد والحجاز، أقام لنا احتفالاً كبيراً جداً.

стр. 265

صبره على المصائب ومما أذكر من صبره وتوكله على الله سبحانه: أنه يوم أن مرض والده الشيخ إبراهيم ونقل إلى مستشفى صغير كان في الدوحة قرب وزارة المالية الحالي، وكنت أزوره كثيراً، وأجد الشيخ عبد الله عنده يقوم بخدمته شبه الكاملة بِراً بوالده تأسياً بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسراء ٢٣]، مع أن المستشفى على صغره، هيَّأ عدداً من الأطباء والممرضين لذلك. ولما توفي والده الشيخ إبراهيم -تغمده الله برحمته- وجدته محتسباً عند الله بمصابهم الأليم، وحضرت مع سمو الشيخ علي حاكم البلاد للتعزية به، ومعنا العديد من العلماء، مثل: الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، ووجوه البلد، وكان صابراً. ولما أصيب بنكبة وفاة زوجته الشهيدة السعيدة -إن شاء الله- رحمها الله بحادث بيتي أليم، تلقى ذلك أيضاً بصبر المؤمن المتمكن بما عند الله تعالى. الموسوعة الفلسطينية وعندما صدرت "الموسوعة الفلسطينية"، والتي نالت من الحكومات العربية الكثير من الأموال، وصرفت بدعوى الدفاع عن حق المسلمين العرب في فلسطين. ولكنها صدرت على غير ذلك تماماً، وكتبت بفضحها كتابي: "الملحوظات على الموسوعة الفلسطينية" فقام ﵀ بشن حملة على "الموسوعة" معتمداً على ما في كتابي "الملحوظات"، وقابل حاكم البلاد، وناقش الأخوة في وزارة التربية، ومنهم الأستاذ كمال ناجي، ومنع توزيع "الموسوعة" على المدارس. وبعد أن وزعتُ الطبعتين من "الملحوظات" كتبَ إليّ راغباً بأن أطبعها مرة ثالثة (وهذا توافق مع عدّة طلبات كريمة من الجهات الإسلامية الأخرى"، وفعلاً تم طبعها للمرة الثالثة.

стр. 266

مما أدى -بفضل الله- إلى إلغاء "الموسوعة" وتأليف لجنة جديدة فيها عدد ممن عرفت فضلهم، للنظر بما فيها من أخطاء، وأجرت إصلاحات لها (غير أنها لم تطبع بعد أن مضى على تأليفها أكثر من سنتين، وكانت هذه اللجنة تكرمت واتصلت بي لمعرفة ما عندي مما لم أنشره لينشروه). توقيت الصلوات كانوا في قطر وتقريباً كل بلاد الخليج يستعينون بتوقيت الصلوات الذي يصنعه آل العجيري في البحرين. فقمت بطبع توقيت للصلاة أوزعه شهرياً في سورية ولبنان، ثم طلب إليَّ سمو الشيخ علي آل ثاني ﵀ أن أطبع كميات كبيرة توزع في قطر شهرياً، فطلبت من الشيخ عبد الله بن إبراهيم أن يبعث إليَّ بالتوقيت مع العناية بالذي يهتم به أهل الخليج. فتكرم وبعث إليّ بما طلبت، ولما وجدت أن توقيتي متناسب مع توقيته الدقيق، وما وضعت معه من خطوط شيخ خطاطي الشام الشيخ بدوي الديراني، وما أضفت إليه من مواعظ جانبية كتبتها، فرغب أن أعينه على إصدار توقيت لقطر يطبع باسمه، ومازال حتى اليوم ١٤٢٥ - ٢٠٠٤ يطبع والحمد لله. وفي رسالة تفضل وطلب مني ذلك بشكل موسع، وفيها ما يفيد [انظر المرفق رقم: ٥]. الشكوى من إدارة المعارف الجديدة وقبل ذلك كتب إليّ بعد أن وجد ممن عين مديراً للمعارف بعد الأستاذ عبد البديع صقر ما يلي: "فقد مضت الأيام التي كانت جميلة بحضوركم عندنا في قطر. وقدّر الله أن تتغير بالذين لم نحبهم، لأننا وجدنا منهم ما نستعيذ بالله منه. وعلى الأخص المدير الذي قدِم لنا بدلاً من الأخ الشيخ عبد البديع. وهذا قدِم إلينا على أنه ابن عالم جليل من حمص، وأنه مدير تربية، ومتخرج بلقب (دكتوراه)، غير أننا وجدناه، بعد طول الخبرة، فاسد الخلق في دينه، حزبي في معتقده، بل متحزب لكل فاسد صعلوك. وقد استعان بمن أظهروا ما كانوا يخفوه علينا من شيوعية، وبعثية، ومذاهب لا نعرف عنها والله شيئاً، والآن ظهر الخفاء، وعرفنا منهم كل شر.

стр. 267

وأنا بفضل الله لم ينالني منهم سوء أبداً، ولكنني أهتم بإخواني المؤمنين الذين صاروا بعدك كالأيتام على موائد اللئام، وانتصرت ما أمكن لعدد منهم عند الشيوخ الحكام، وفرَّج الله عن أكثرهم. ". اهتمامه بالأخبار الطيبة وكتب إلي مرة ثانية بما يلي: "حضر إلى قطر الشيخ محمد سالم البيحاني، ولما سأل عنك أخبرته أنك في الشام، وبعث إليك بالتحيات العطرات، وتذكر أنه أملى على الشيخ محمد بن علي المحمود إجازته لك بالحديث النبوي الشريف، الذي وجدك أهلاً لحمله، وأنه شملني والشيخ عبد البديع تبعاً لك، فجزاك الله وإياه كل خير. ومن عندنا الجميع يسلمون عليك، وأذكر منهم الشيخ مبارك الناخي، وآل محمود (أهل الشارقة)، وجمعنا الله بكم على أحسن حال. ". تهنئته لي بالنجاح في الانتخابات النيابية السورية ولما نجحت بدخول المجلس النيابي السوري، وأعلن ذلك في ٩ شعبان ١٣٨١ الموافق ١٥/ ١/١٩٦٢، كتب إلي الرسالة الآتية: "فضيلة شيخنا الواعي المكرم زهير الشاويش عضو مجلس النواب السوري السلام عليكم وعلى إخوانكم نواب الحركة الإسلامية في دمشق. لقد علمنا بفوزكم الكبير من الأخوة والإذاعات والصحف، بما أدخل السرور على المشايخ وإخوانكم الأحباب في قطر، الذين عرفوا ما لكم من فضائل عليهم وعلى بلدهم، بل على العالم الإسلامي. فلكم التهنئات، وننتظر أن يجري الله على يدكم الخير للبلاد والعباد. ولن أسمي من كلفني بحمل التحيات لكم، فإنهم أكثر من أن يتسع لهم كتابي هذا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "

стр. 268

منع الربا في المجلس النيابي ولما علم بأنني -بفضل الله- انتصرت على دعاة الربا في المجلس النيابي، كتب إلي بما معناه: "فقد تلقينا من العزيز الأستاذ عبد البديع صقر، والعم الشيخ قاسم بن درويش، وما جاءنا من الجرائد: الأخبار السارة عن انتصاركم على رئيس الوزراء، ووزير العدلية، وبعض من انحرفوا عن الإسلام، ومنهم مع الأسف أحد المشايخ!!، حيث أرادوا إقرار الربا، ونجاحكم بتحريم الربا في مجلس الشعب السوري. وكان لموقفكم الذي كان محل الشجاعة التي عرفناها منكم في كل مواقفكم، الأثر الكبير عندنا وعند إخوانكم أهل العلم في قطر والسعودية، وكل الخليج. ". صلته الاجتماعية معي وكان ﵀ يبلغني إذا توفي أحد من أصحابنا في الخليج، وكنت أكتب له التعزية بهم، وكان ممن أخبرني عن وفاته: الشيخ اليماني الشاعر الضرير، والذي أملى لنا الإجازة الشيخ محمد سالم البيحاني -العدني- مع عدد من المشايخ ومنهم: الشيخ عبد الله العلي المحمود، والشيخ عبد الله بن تركي السبيعي، والشيخ مبارك الناخي، والشيخ عبد الله المسند، وغيرهم. وكان ابني بلال خلال زياراته للدوحة يجتمع به ويجد منه كل اهتمام وسؤال عن أحوالنا -جزاه الله خيراً. وبعد وفاته زرت قطر في رمضان ١٤١٩ فما كان من أولاده إلا التكرم بالاحتفاء بي وبمن معي بما ذكرني بالأيام الجميلة التي أمضيتها في قطر بحضور كل من عرفت من أهل البلاد من الأمراء والعلماء والأخوان، رحم الله تعالى من سبقنا، وحفظ من بقي بفضله وكرمه. وكذلك وجدت زوجتي أم بلال من أهله وزوجات أولاده، ومنهم بنات عائلة الدرويش كل عناية وإكرام. جزى الله الجميع الخير، وحفظ الأبناء والحفدة، ورحم بفضله وكرمه الآباء والأجداد. وفي الرسائل الملحقة بمقالي هذا، والتي بلغ عددها ١٠ رسائل، ما يدل على فضله في التعامل معي بأخوة حميمة واهتمام بالغ. تغمده الله برحمته، وإننا نحتسبه عند الله جلَّ شأنه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 269

الإبداع في قضايا الاجتهاد والتقليد والاتباع والابتداع بقلم: زهير الشاويش ٢٠/ ٨/٢٠٠٢ إن هذا البحث المقدم إلى المركزين الكريمين: المعهد العالمي للفكر الإسلامي - فرع بيروت-. كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية -بيروت-. في ندوة بناء الشخصيَّةِ الإسلامية في دعم خصائص الإبداع. وتنقية الثقافة من عوامل التخلف. فلابُدَّ من تقديم الشكر للجهتين الكريمتين, واللجنة التحضيرية, على اهتماماتهم المتعددة في خدمة الإسلام, وتنمية الثقافة العربية. وإن كلامي سيكون في المنهج المقدَّمِ في المادتين ٣و٤ لما فيهما من تقارب وتداخل, راجياً التوفيق من الله، ثم القبول من إدارة الندوة, واللجنة التحضيرية, والرضى من الحضور الكريم. * * * إنَّ أهميةَ تنمية روح البحث والاجتهاد, وحض الإسلام على الاجتهاد والإبداع والتجديد, وإقراره المتنوع، كل ذلك يفتح أمام المتكلم باباً واسعاً جداً. ولكن مع ضيق الوقت المحدد للإعداد أولاً, ومن بعد ذلك التقديم, يُلزم القائل بالإيجاز, وتقديم عناوين لرؤوس المسائل فقط. ولكن -للمرة الثانية أيضاً- آمل باستدراك بعض ذلك, إذا تقرر طبع ما يكتب, وأتيح له المجال للزيادة والإضافة, لأنَّ النشرَ يوصلُ البحث إلى ما يحتاج إليه من إيضاح وبيان أكثر مما يسمعه الحضور الكريم في هذه الندوة, التي تجمع جُلَّ العلماء المطَّلعين, كما أن في الأبحاث المتعددة التي ستقدم في هذه الندوة المباركة, ما يسد الكثير من الثغرات, وما سيكون فيه غنى وثراءٍ إن شاء الله تعالى. الحمد لله الذي أنزل على محمد بن عبد الله الدين الذي سعدنا به, وفَتَحَ للناس من أبوابِ رحمته ما وَسَّع علينا أمور حياتنا, وخفف عنَّا ما تراكم من عقائد من سبقنا من أهل الكفر والشرك والعدوان والظلم من الأمم السابقة. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد, وعلى آله وجميع أصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد.

стр. 270

فإننا نعيش في زمن اضطربت فيه أحوال الأمة الإسلامية, فتجد جماعة أو أفراداً أوجدوا لأنفسهم منهجاً انفردوا فيه عن الأكثرية الساحقة, فكانت لهم اجتهادات وتشريعات, وإن استقلت بفكر نشأ بينهم, غير أنها لا تعتمد على الأصلين الذين قام عليهما وبهما الإسلام: الكتاب والسنة. وبالمقابل نجد بقايا الجمود مستولياً على عدد كبير من أتباع التقليد الأعمى, والمذهبية الضيقة التي قادت الكثير إلى التعصب المذهبي, بناءً على ما وجدوا عليه آباء آبائهم, وكان أصل فكرتهم جيداً, وهو الاعتماد على الكتاب والسنة وفقه أئمة كبار سبقوهم, غير أن التعصب حاد بهم عن الطريقة المثلى, فأصبح عملهم الفقهي مبنياً على التخلف, وأثراً من الماضي البعيد, المبني غالباً على الأقيسة والتأويل, حتى وجدنا عند بعضهم قولهم: الحكم كذا -قياساً- ثم بقول الله كذا, أو الحديث كذا؟ وبعد ذلك تجد أن الحديث لا أصل له, وأن القياس غير صحيح, فتأمَّل!! واقتنع العديد بالثقافة الأجنبية, مقتدين بالأمم التي نقلوا عنها القانون البشري المتحلل, البعيد عن مصلحة الأمة وأخلاقها, فاستوردوا قانونهم مع بقايا مخترعاتهم وبضائعهم, وتراث بداوتهم الهمجية. وساد هذا الفهم عند الكثير من أبنائنا, بل وبعض مثقفينا, منذ مطلع القرنين الماضيين الذين تولى أمرنا فيهما مستعمرون من أعدائنا, والتخلف في الحياة المدنية عندنا. وأمثال ذلك كثير في مختلف مناحي الحياة, حتى اختلط الحابل بالنابل, وهذا كله أوصلنا إلى ما نحن فيه. تجديد الاجتهاد وهذا مهَّدَ السبيلَ أمام فئةٍ مخلصةٍ من علماء الدين, والشباب الناهض المثقف, في عدد من بلادنا, نادوا بلزوم إيجاد حركة فقهية متجددة, تبث روحاً في العلوم الإسلامية, مع بقاء الإفادة من الأصلين: الكتاب والسنة.

стр. 271

فطرقوا أبواب هذا الفقه القديم بفهم وإمعان نظر, وأساليب جديدة, فكان منهم بالجملة إصلاح جديد للمجتمع البشري كافة, وإنقاذ للإنسانية من هاوية المادية المتردية. وهذا أوجد فيهم بعض الخلاف بين بعضهم في الجزئيات, تبعاً لظروفهم الخاصة, وسيراً على ما عند كل واحد منهم من علوم وثقافة ومعرفة, بل وأحياناً ما تأثر به في محيطه الخاص, وبيئته المحيطة به, سواء كانت علمية أو أدبية أو تربوية. واشتد الخلاف بينهم وبين من سبقهم من أهل الجمود والرضى بالبقاء على ما كان عليه الفقه من القرن الرابع الهجري (عندما تأسست المذاهب) وأصبحنا نسمع من كلامهم: "كل آية أو حديث ليس في مذهبنا, فهو مؤول أو منسوخ؟ ". وهو بهذا جعل مذهبه هو الحكم على القرآن الكريم, والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] , وقال أيضاً: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨] , والرسول الكريم قال: "بلغوا عني ولو آية"! وعلى آراء غيره من خلق الله, وفيهم أهل علم وتجارب, من الصحابة ومن بعدهم. ووجدنا القول بوجوب اتباع أحد المذاهب الأربعة دون غيرها, بدعوى أن الخروج عن هذه المذاهب ضلال, وقد يصل إلى الكفر, وبعضهم صرح بذلك, وفتح باب التكفير من غير دليل, والعياذ بالله سبحانه. * * * فيسر الله لهؤلاء المجددون الانطلاق بأبحاث اجتهادية فيما تحتاج الأمة إليه, ولم تخرج عن القديم في الحقيقة والواقع, ولكن عملت بكل قديم مقبول, بعد إيجاد الدليل لكل مسألة, والتبويب لكل قضية. واعتبر بعض عملهم من باب "التلفيق المذهبي", الذي عابه بعض الباقين على تعصبهم, مع أنه ليس من بابة هذه المقولة, بل هو الموافقة, والاقتداء, والاتباع فقط, وقد يوافق في بعضه مذهباً ما, ثم يوافق مذهباً آخر في قضية ثانية, مع الدليل لكل واحدة منها, وهكذا ..

стр. 272

ووجد من أباح التلفيق بشروط أوجدوها, وهذا كان منهم دليل خير, يواجه أهل التعصب المذهبي! ويرد دعواهم. وكذلك اجتهدوا بما حدث من مستجدات طرأت على حياتهم مما لم يكن معروفاً (أيام المذهب القديم) فأصابوا في أكثرها, وفتحوا للناس أبواب العلم بالفهم والعقل والاقتداء والاتباع الصحيح بالأصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وهو الكتاب الكريم وصحيح السنة المطهرة بأقسامها: القولية, والفعلية, والإقرارية. وهذه أحكامهم وآراءهم موجودة بيننا متفرقة متداولة, مع أنه لا يكاد يجمعها كتاب جامع, ولا فقه مدون, ولا مذهب مقنن -إلى اليوم-. حتى قامت منذ عشرين سنة -تقريباً- تلك المجامع الفقهية في عدد من البلاد, ونادت بحركة اجتهادية جماعية أوجدت الكثير من الأحكام النافعة (مع اختلاف فيما بينهم بآراء قليلة) وهذا لم يمنع بعض الأفراد من اجتهادات (على انفرادها) مقبولة. وبين أيدينا العشرات من الكتب التي ألفت, دعا فيها أصحابها إلى الاجتهاد الكلي أو الجزئي, وهي بالجملة مقبولة بل ومتداولة, وزاد الله في أعداد أتباعها, بما يسر الله في التوسع بالنشر والطباعة المتقنة, والفهرسة المساعدة, مما لم يعد خافياً على أحد. * * * واليوم يفتح لنا المعهدان الكريمان الباب الواسع للحديث عن الاجتهاد في تربية المسلم والمسلمين, بعد أن شهدنا آثار الاضطراب السابق في المجتمعات الإسلامية المتعددة, ومنها انتشار الإسلام الواسع في الميادين والمواطن الجديدة في أوروبة وأمريكا والمشرق وإفريقية وغير ذلك من البلاد. وبعد أن قامت علينا بعض الدنيا -بالظلم- من بلاد الكفر بنشر حرب تعلن على الإسلام, تارة بصريح القول, وأحيانا بالكيد المستتر .. وفينا ويا للأسف سماعون لهم.

стр. 273

ولهذا كان لنا الدخول في البحث العلمي مع ثقافات العالم, ووسيلة لإقناع الناس بصلاحية فقهنا الإسلامي القديم والجديد على السواء وأنهما الصالحان لكل زمان ومكان والرسول ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" (١) , وأنهما سبيل النهضة بالشريعة لتطبق على الجميع, وفي مقدمتهم المسلمين. وبالمناسبة فإن هذه الثروة الفقهية ذخيرة لا نظير لها عند غيرنا!! ولم يهمل الله - جل شأنه - عقول هذه الأمة التي أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, وتؤمن بأنه -سبحانه- خالقهم, وسوَّى أمورهم, ولم يعطِّل مداركهم, ولم يجمِّد أفكارهم, لتكون متحيرة أمام المسائل الجزئية التي تحل بهم وتنزل في ساحتهم مع تغيير العصر, أو تبدل المصر, بل ساقهم إلى التفكير الدائم في الإنسان, والكون, والحياة, وحثهم على العمل الدؤوب لصالح الأمة, وحملهم على الاجتهاد المنشود لاستنباط الجزئيات المتفرعة من الكليات المقررة, والأصول الثابتة من الكتاب والسنة. ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ [النساء: ٨] , وقوله تعالى ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢] , وقال العلماء بأنها بمعنى العبور من النص الموجود إلى المسألة الجديدة. ولما كان إعمال الفكر في نصوص الكتاب والسنة, هو الوسيلة إلى التعرف على الأحكام التي لا نصوص عليها, وأن الاجتهاد طريقاً حتمياً للوقوف على أهداف الشريعة, وسبيل الحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها.

стр. 274

لذلك فتح الإسلام باب الاجتهاد على مصراعيه إلى أن تقوم الساعة, أمام علماء الأمة الأكفاء البررة العاملين بالكتاب والسنة, وذلك لتأمين حاجات الناس الضرورية حسب تجدُّد المصالح, وتغيُّر الأعراف, وتقدم الزمن, وهو في كل ذلك أوجد للناس السعادة والحياة الطيبة. وقد وضع العلماء شروطاًً للاجتهاد قررها الأصوليون, وفيها بعض الاختلافات من حيث الزيادة والنقصان والدلالة, وفي بعض ما ذكروا -مع الأسف- التعنت والتعجيز والإطالة بلا مستند شرعي من غير فائدة, ولن ندخل في شرح تفاصيلها -في عجالتنا هذه- لأنه ليس محلها هنا, وأنتم في غنى عنها. أهمية الاجتهاد وإن الاجتهاد في الإسلام أقوى دليل على أن ديننا الحنيف هو الدين الشامل الخالد الوحيد الذي يساير ركب الحضارات الإنسانية عبر كل العصور والأجيال, ويرحب بكل التغيرات الطارئة, والمشاكل الناجمة من تجدد الحوادث والظروف والمصالح على اختلاف المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها, ويعرض لها الحلول المناسبة في ضوء الأحكام الكلية, والأصول الثابتة من الكتاب والسنة إلى قيام الساعة. والاجتهاد هبة ربانية أتاحها الله للإسلام إن مسائل العصرِ -وكل عصر- تتجدَّدُ, ووقائعُ الوجود لا تنحصر, ونصوص الكتاب والسنة (مع اتساعها) محصورة محدودة, فكان لزوم وجوب ووجود الاجتهاد في الأمور المستحدثة, حاجةً إسلامية -بل إنسانية- ملحة لمسايرة ركب الحياة وتأمين مصالح الخلق. وتلبية لهذه الحاجة فقد قام عدد من فقهاء الصحابة ﵃ أجمعين- بالاجتهاد ومنهم الخلفاء الراشدون الأربعة, وابن مسعود, وابن عباس, وأبي هريرة, والسيدة الصديقة عائشة أم المؤمنين, وغيرهم, وتبعهم من بعدهم من علماء التابعين وأتباعهم, وكان منهم أئمة الإسلام وفقهاء الأمة ﵏ أيضاً, بالاجتهاد في المسائل المستجدة في عصورهم, وصار الاجتهاد منحة ربانية مستمرة, يتمتع بها المسلمون, بجهود المجتهدين في كل زمانهم.

стр. 275

غير أن ذلك لم يكن خاصاً بعصرهم, بل استمر -في أغلبهم- بعدهم, ومن ثم جاءت العصبية لبعضهم, حتى كاد أن يفهم -ونعوذ بالله تعالى- أن رحمة الله صارت عقيمة بعد ذلك, وانقطعت عن العلماء المتأخرين المتأهلين, وهنا رأينا بعد ذلك آثار العصبية المذهبية وحزازاتها, إن لم أقل مصائبها وبلاييها. ولا شك أن هذا الاعتقاد بالعصبية, أدى إلى الإيمان بانتهاء الاجتهاد والمجتهدين, وهو تحجير لرحمة الله الواسعة, وحكم على قدر الله وقضائه بدون علم, أمام فضل الله, تجاه ما حكم به الناس, ويسره لعباده, في كل الأمور, ومنها: العلم والقدرة على الاستنباط, وأمامهم قول الله : ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم, ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ [الجمعة: ٢ - ٣].

стр. 276

حرية التفكير والاجتهاد عند الأئمة إن الأئمة منهم من لذكرهم نوع اختصاص: النعمان, ومالك, والشافعي, وأحمد, والأوزاعي, وداود الظاهري, مع وجود العشرات غيرهم قبلهم وبعدهم ﵏ كانوا يبذلون أقصى جهودهم للوصول إلى الحق في المسائل الاجتهادية, ومع هذا لم يكونوا يقطعون بأن اجتهادهم هو الحق الذي لا مرية فيه, وإنما هو رأي وقد يقابله رأي آخر, ولا يجوز أن يكون في الناس خلافه قطعاً, بل كانوا يحتاطون احتياطاً لازماً عند إبداء آرائهم في المسائل, ويخافون في كل ذلك مخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة, ولأجل هذا نصوا على الرجوع إلى السنة عند ظهور مخالفتهم إياها, وأوصوا تلاميذهم وأصحابهم بترك أقوالهم المخالفة لها, وهي مستفيضة في مكانها (١).

стр. 277

ولا يتصور أن أي إمام من الأئمة الأعلام, مهما بلغ من العلم, والحفظ, والضبط, والإتقان, يستقل بالحكم على الشيء, ويستبد برأيه, ويفرضه على الآخرين من أتباعه فرضاً, ولا يجد لنفسه دليلاً بمثل قوله تعالى: ﴿نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]. وأمام عينيه كلام الله جل شانه في قوله: ﴿قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. وإنني مع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في خلاصة قوله في كتابه القيم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": أن الأئمة كانوا أبعد من أن يتصفوا بهذه الصفة من الاستبداد بالرأي, وفرضه على الآخرين. وكانوا يدورون حيث دار الحق بكل أمانة وإخلاص، حسب فهمهم, وما وصل إليه علمهم. فالحق ليس محصوراً في رأي أحد قطعاً, إلا النبي المعصوم ﷺ [فيما يبلغ عن ربه جل وعلا]. ويتضح من ذلك أن اجتهاد المجتهد ورأيه لا يمكن أن يكون بمثابة حكم الله ، ولو كان كذلك لما ساغ لأتباع الأئمة أن يخالفوا آراء شيوخهم. وهكذا كان الفقه الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخير في ازدهار مستمر، ونمو متواصل، وتقدم دائم. وكانت اجتهاداتُ الأئمةِ بين الأخذ والعطاء، والرد والقبول, حتى في أوساط أصحابهم، حتى إن تلامذة الإمام أبي حنيفة لم يتركوا من أقواله في المذهب إلا أقلَّ من ٣٠% وأصبح المذهب من كلام الأتباع, بل وأتباع من جاء بعدهم بأزمان! وكذلك كان الأخذ والرد بينهم وبين خصومهم, حيث يرجع بعضهم أحياناً إلى رأي غيره, والحادثة المشهورة عن رجوع الإمام محمد بن الحسن الشيباني الحنفي إلى مذهب أصحاب الإمام مالك في عدد من المسائل معرفة مشهورة.

стр. 278

وكذلك اعتماد الإمام الشافعي على أقوال تلميذه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فيما صح عنده من أحاديث, أكثر من أن تحصر, فضلاً عن رجوعه في مذهبه المصري الجديد, عن الكثير من أقواله في مذهبه في العراق, وأن رجال مذهبه أبقوا المذهب على عدد كبير من المسائل تابعة لما كان عليه في بغداد, مع أن رسالته "الأم" بين أيديهم. إلى أن فشا التقليد في منتصف القرن الرابع، وبدأ التعصب المذهبي البغيض يسود بعض تلك الأوساط. وكلما جاء قرن بعد ذلك, كان أكثر تقليداً، وأشد انتزاعاً للأمانة من صدور الرجال, حتى اطمأنوا كلهم, أو كثرتهم الغالبة إلى القول: ﴿إنا وجدا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: ٢٢] (١). وكان بعد ذلك التناحر بين أتباع المذاهب بحيث لم يكن يحب صاحب مذهب -أو كبار أتباعه- أن تبقى المذاهب الأخرى، وذلك تحت رعاية الدولة التي تدين برأيه. يقول المقريزي: "وكانت الإفريقية الغالب عليها السنن والآثار, إلى أن أقدم عبد الله بن فروج أبو محمد الفارسي بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان (٢) قاضي إفريقية بمذهب أبي حنيفة".

стр. 279

" ... ثم إن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك، وترك ما عداها من المذاهب، فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك إلى اليوم رغبة فيما عند السلطان، وحرصاً على طلب الدنيا، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن وسائر القرى لا يكون إلا لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك, فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشا هذا المذهب هناك فشوًا طبق تلك الأقطار, كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق" (١). وليس عهدنا ببعيد عما كانت عليه الدولة العثمانية والبلاد التي وراءها, من العصبية الشديدة لمذهب السادة الأحناف, وسوق الناس إلى مذهبهم بالترهيب قبل الترغيب, حتى حولت الخلافات السياسية إلى خلافات دينية, كما فعلت مع حنابلة الجزيرة مستعينة بمحمد علي باشا الألباني, وقادة الجيش الفرنسي والإنكليزي. "وذكر الحافظ أبو الفدا إسماعيل بن كثير الدمشقي: أن الملك الأفضل ابن صلاح الدين (ت ٥٩٥هـ) كان قد عزم في السنة التي توفى فيها على إخراج الحنابلة من بلده، وأن يكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد" (٢). (وذكر أيضاً أن المحدث عبد الغني المقدسي تعرض إلى مسألة صفات الله في دمشق, فغضب عليه أتباع المذاهب الأخرى، فأمر الأمير صارم الدين برغش بنفيه من البلد، وأرسل الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة، وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة (٣). وفيهم قال الإمام أحمد بن رسلان الشافعي -المتوفى سنة ٨٤٤هـ وكان من أهل الرملة ردها الله وسائر بلاد المسلمين- في كتابه متن الزبد:

стр. 280

فعالم بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن ولكن جاء بعده الشيخ إبراهيم اللقاني المتوفى سنة ١٠٤١هـ فنظم: فواجب تقليد حبر منهم كذا حكى القوم بلفظ يُفهم مع أنه يشيد باتباع سلف الأمة في الأرجوزة نفسها بمثل قوله: فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف وبرروا ذلك بقولهم: من قلد عالماً لقي الله سالماً؟ مع أن العالم القادر على الاجتهاد إن قلد غيره, لقي الله مجرماً, لأنه عطل نعم الله عليه, ولم يعمل بعلمه. وهذا بحث يحتاج إلى كلام طويل نكتفي منه بالإشارة. وبعد أن بينا طرفاً من التناحرات المذهبية المقيتة, آمل أن يتضح أمام أنظاركم الكريمة حقيقة دعوى "أن المذاهب كلها حق وعلى صواب" وتنكشف نوايا المقلدة البعيدة عن الحق والصواب, ضد الأئمة الآخرين، وحربهم العشواء على المذاهب الأخرى بدعواهم, مؤمنين إيماناً جازماً بأن المذهب الذي هم عليه, هو الحجة الشرعية الوحيدة, وعلى كل فرد من أفراد الأمة إتباعه وتقليدهم فيه. ولا يجوز لأحد أن يخرج عنه, ولا حتى للدليل الوارد عن النبي ﷺ , وجعلوا الأحاديث تروى للتبرك فقط!!. ومن المؤسف المحزن أن الجذوة التقليدية الجائرة هذه, بكل فروعها ومسائلها, لم تخمد حتى الآن في أوساط أتباع بعض المذاهب الأخرى. ودع عنك أكثر ما تسمع من افتراء على الدعاة الباقين على أصل الاتباع, التاركين للتقليد الأعمى, والتعصب المذهبي الذين يتألمون من واقع المسلمين المرير، ووضع الأمة المتدهور, وينادون بوحدة الأمة بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما في المسائل المختلف فيها مع التقدير والاعتبار لجميع اجتهادات الأئمة السابقين وروّاد هذه الأمة. وكذلك دع عنك من يرمونهم بالتقوقع، والرجعية, والتقهقر، والانفلات. باب الاجتهاد لم يغلق ولم يسد!

стр. 281

لما تغلغل تقليد المذهب في سويداء قلوبهم، وغرز التقليد الجامد براثنه في جسم الأمة، وفرّطوا في القيام بالاجتهاد في المسائل النازلة بهم، واعتمدوا على الاحتكام إلى مذهب واحد فقط من المذاهب المتعددة, بل ولم يرجعوا إلى كلام الأئمة المشهود لهم بالعلم من غير مذهبهم. ولكن رجعوا إلى أفراد تأخر بهم زمنهم, وتأخروا عن معاصرة أهل العلم السابقين, وحتى أبناء أزمانهم, فكتبوا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان, فكانت لهم المرجع والمرتكز! وكان قولهم هو المعتمد، مهما كان دليله قوة وضعفاً, وكيف كان قبوله في واقع الحياة. وذلك لأنهم نادوا بسد باب الاجتهاد في منتصف القرن الرابع بدون دليل, وبدون حق, والذين نادوا بذلك ليسوا باعترافهم من أهل الاجتهاد .. وقد لخص ذلك أخي الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه "المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" كما يلي: (ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين مما أثر في حياة الفقه والفقهاء. فلم يجدوا التشجيع الذي كان يحفزهم على الإنتاج الفقهي. (تدوين المذاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مما جعل الفقهاء يركنون إلى هذه الثروة الفقهية، ويستغنون بها عن البحث والاستنباط. (ضعف الثقة بالنفس والتهيّب من الاجتهاد مما جعل الفقهاء يؤثرون التقليد على الخوض في ميدان الاجتهاد المطلق. (إدعاء الاجتهاد ممن ليسوا أهلاً له، فأفتوا بسد باب الاجتهاد دفعاً لهذا الفساد وحفظاً لدين الله (١). (شيوع التحاسد بين العلماء مما جعل الكثير منهم يحجم عن الاجتهاد خوفاً من أن يكيد له أعداؤه، ويرموه بالابتداع، فوقفوا عند أقوال المتقدمين. (تعيين القضاة والمفتين على المذاهب مما كسر همم الفقهاء في الخوض في المسائل. (عدم اعتداد العامة باجتهادات العلماء المعاصرين، وثقتهم بالعلماء المتقدمين.

стр. 282

(خوف الحكام من استمرار الاجتهاد، لما كانت تسببه اجتهادات بعض المجتهدين لهم من تشويش وإحراج وقلق. يتضح جلياً بعد إمعان النظر في هذه الأسباب بأن مخاوف العلماء في استمرار الاجتهاد التقت مع رغبة الحكام والساسة على إغلاق باب الاجتهاد، وإن اختلفت المقاصد والأهداف. متى انسد باب الاجتهاد اختلف العلماء القائلون بسد باب الاجتهاد في تعيين وقت بدء إغلاق باب الاجتهاد, قال صاحب فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثبوت: "ثم إن من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي، واختتم الاجتهاد به، وعنوا الاجتهاد في المذهب. وأما الاجتهاد المطلق فقالوا: اختتم بالأئمة الأربعة, حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الأمة. وهذا كله بعيد عن الحق, يجانب الدين, ولم يقل به أحد من أهل العلم من الأئمة, فضلاً عن خلوه من أي دليل, ولذلك لا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث أنهم: أفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا، ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى" (١). وقد خالفهم الحنابلة حيث قالوا بعدم جواز خلو العصر عن المجتهد, وهو قول الإمام أحمد في مقدمتهم ولذلك لم يؤلف أي كتاب في الفقه, بل اكتفى بتقديم الأجوبة على المسائل التي قدمت إليه, وهي التي وصلتنا, ووجدنا فيها الفقه الغزير المعتمد على الكتاب والسنة, واتباع من سبقه من أهل العلم.

стр. 283

والجميل من الإمام أحمد إنكاره لدعوى الإجماع من بعد الصحابة, والإجماع المدعى بعدهم كان من أسباب الفرقة بين المسلمين عند دعواهم: أن من أنكر الإجماع فقد كفر!! من غير أن يعرفوا كيف كان هذا الإجماع!! (١) وقال شيخ مشايخنا عبد القادر ابن بدران (٢): "ذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وإلى ذلك ذهب طوائف، ولم يذكر ابن عقيل خلاف هذا إلا عن بعض المُحْدَثِين" (٣). وقد رد العلماء على مقالة سد باب الاجتهاد في كل عصر. وإليكم بيان وجهات نظرهم حول سد باب الاجتهاد باختصار، نصاً أو إشارة. (قال أبو الحسن علي بن عمر المعروف بابن القصار المالكي البغدادي (ت ٣٩٧هـ) في كتابه "المقدمة في أصول الفقه" الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وفيه تسعة فصول، ثم قال: "الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا ﵏ بأن العلم على قسمين: فرض عين, وفرض كفاية. ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها. (وأما فرض الكفاية: العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان، فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين حفظاً للشرع من الضياع، والذي يتعين من هذا من الناس من جاد حفظه, وحسن إدراكه، وطابت سجيته، ومن لا فلا" (٤).

стр. 284

فلذلك وجب الاجتهاد على من تقع به الكفاية. "وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعاً لما فيه من تعطيل أحكام الشرع. قال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] (١). (وقال أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن برهان (ت ٥٢٠هـ): "الباري قادر على التنصيص على حكم الحوادث والوقائع ولم يفعل، ولكن نصّ على أصول، وردّ معرفة الحكم في الفروع إلى النظر والاجتهاد" (٢). (قال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ): "ثم الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان حتى إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وإن قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه، وأشرفوا على خطر عظيم. فإن الأحكام الاجتهادية إذا كانت مرتبة على الاجتهاد، وترتيب المسبّب على السبب، ولم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة، فلا بد إذن من مجتهد" (٣). (وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية بعد ذكر من يقول بوجوب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقاً: "والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد" (٤).

стр. 285

(وقال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ) بصدد الرد على التقليد: "وهذه بدعة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى مرتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء. وأبعد منه من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة [وتفصيلا] إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من سائر الأئمة والفقهاء. مع أن المذاهب التي دُونت اكثر من ثمانين مذهباً, ومنها مذهب الظاهرية, ومذهب إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي الذي كان سائداً لمدة مائتي سنة في بلاد الشام والأندلس, خلال الخلافة الأموية فيها وبعدها, فضلاً عن المذاهب الفردية الأخرى. هل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟! والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال. فهذا أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله" (١). (وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠هـ).
следующие страницы →