لما تغلغل تقليد المذهب في سويداء قلوبهم، وغرز التقليد الجامد براثنه في جسم الأمة، وفرّطوا في القيام بالاجتهاد في المسائل النازلة بهم، واعتمدوا على الاحتكام إلى مذهب واحد فقط من المذاهب المتعددة, بل ولم يرجعوا إلى كلام الأئمة المشهود لهم بالعلم من غير مذهبهم.
ولكن رجعوا إلى أفراد تأخر بهم زمنهم, وتأخروا عن معاصرة أهل العلم السابقين, وحتى أبناء أزمانهم, فكتبوا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان, فكانت لهم المرجع والمرتكز! وكان قولهم هو المعتمد، مهما كان دليله قوة وضعفاً, وكيف كان قبوله في واقع الحياة.
وذلك لأنهم نادوا بسد باب الاجتهاد في منتصف القرن الرابع بدون دليل, وبدون حق, والذين نادوا بذلك ليسوا باعترافهم من أهل الاجتهاد .. وقد لخص ذلك أخي الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه "المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" كما يلي:
(ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين مما أثر في حياة الفقه والفقهاء. فلم يجدوا التشجيع الذي كان يحفزهم على الإنتاج الفقهي.
(تدوين المذاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مما جعل الفقهاء يركنون إلى هذه الثروة الفقهية، ويستغنون بها عن البحث والاستنباط.
(ضعف الثقة بالنفس والتهيّب من الاجتهاد مما جعل الفقهاء يؤثرون التقليد على الخوض في ميدان الاجتهاد المطلق.
(إدعاء الاجتهاد ممن ليسوا أهلاً له، فأفتوا بسد باب الاجتهاد دفعاً لهذا الفساد وحفظاً لدين الله (١).
(شيوع التحاسد بين العلماء مما جعل الكثير منهم يحجم عن الاجتهاد خوفاً من أن يكيد له أعداؤه، ويرموه بالابتداع، فوقفوا عند أقوال المتقدمين.
(تعيين القضاة والمفتين على المذاهب مما كسر همم الفقهاء في الخوض في المسائل.
(عدم اعتداد العامة باجتهادات العلماء المعاصرين، وثقتهم بالعلماء المتقدمين.
стр. 282
(خوف الحكام من استمرار الاجتهاد، لما كانت تسببه اجتهادات بعض المجتهدين لهم من تشويش وإحراج وقلق.
يتضح جلياً بعد إمعان النظر في هذه الأسباب بأن مخاوف العلماء في استمرار الاجتهاد التقت مع رغبة الحكام والساسة على إغلاق باب الاجتهاد، وإن اختلفت المقاصد والأهداف.
متى انسد باب الاجتهاد
اختلف العلماء القائلون بسد باب الاجتهاد في تعيين وقت بدء إغلاق باب الاجتهاد, قال صاحب فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثبوت:
"ثم إن من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي، واختتم الاجتهاد به، وعنوا الاجتهاد في المذهب. وأما الاجتهاد المطلق فقالوا: اختتم بالأئمة الأربعة, حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الأمة. وهذا كله بعيد عن الحق, يجانب الدين, ولم يقل به أحد من أهل العلم من الأئمة, فضلاً عن خلوه من أي دليل, ولذلك لا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث أنهم: أفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا، ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى" (١).
وقد خالفهم الحنابلة حيث قالوا بعدم جواز خلو العصر عن المجتهد, وهو قول الإمام أحمد في مقدمتهم ولذلك لم يؤلف أي كتاب في الفقه, بل اكتفى بتقديم الأجوبة على المسائل التي قدمت إليه, وهي التي وصلتنا, ووجدنا فيها الفقه الغزير المعتمد على الكتاب والسنة, واتباع من سبقه من أهل العلم.
стр. 283
والجميل من الإمام أحمد إنكاره لدعوى الإجماع من بعد الصحابة, والإجماع المدعى بعدهم كان من أسباب الفرقة بين المسلمين عند دعواهم: أن من أنكر الإجماع فقد كفر!! من غير أن يعرفوا كيف كان هذا الإجماع!! (١)
وقال شيخ مشايخنا عبد القادر ابن بدران (٢): "ذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وإلى ذلك ذهب طوائف، ولم يذكر ابن عقيل خلاف هذا إلا عن بعض المُحْدَثِين" (٣).
وقد رد العلماء على مقالة سد باب الاجتهاد في كل عصر. وإليكم بيان وجهات نظرهم حول سد باب الاجتهاد باختصار، نصاً أو إشارة.
(قال أبو الحسن علي بن عمر المعروف بابن القصار المالكي البغدادي (ت ٣٩٧هـ) في كتابه "المقدمة في أصول الفقه" الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وفيه تسعة فصول، ثم قال:
"الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا ﵏ بأن العلم على قسمين: فرض عين, وفرض كفاية. ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها.
(وأما فرض الكفاية: العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان، فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين حفظاً للشرع من الضياع، والذي يتعين من هذا من الناس من جاد حفظه, وحسن إدراكه، وطابت سجيته، ومن لا فلا" (٤).
стр. 284
فلذلك وجب الاجتهاد على من تقع به الكفاية.
"وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعاً لما فيه من تعطيل أحكام الشرع. قال الله تعالى:
﴿فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] (١).
(وقال أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن برهان (ت ٥٢٠هـ):
"الباري قادر على التنصيص على حكم الحوادث والوقائع ولم يفعل، ولكن نصّ على أصول، وردّ معرفة الحكم في الفروع إلى النظر والاجتهاد" (٢).
(قال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ):
"ثم الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان حتى إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وإن قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه، وأشرفوا على خطر عظيم. فإن الأحكام الاجتهادية إذا كانت مرتبة على الاجتهاد، وترتيب المسبّب على السبب، ولم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة، فلا بد إذن من مجتهد" (٣).
(وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية بعد ذكر من يقول بوجوب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقاً:
"والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد" (٤).
стр. 285
(وقال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ) بصدد الرد على التقليد:
"وهذه بدعة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى مرتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء.
وأبعد منه من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.
فيا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة [وتفصيلا] إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من سائر الأئمة والفقهاء.
مع أن المذاهب التي دُونت اكثر من ثمانين مذهباً, ومنها مذهب الظاهرية, ومذهب إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي الذي كان سائداً لمدة مائتي سنة في بلاد الشام والأندلس, خلال الخلافة الأموية فيها وبعدها, فضلاً عن المذاهب الفردية الأخرى.
هل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟! والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال. فهذا أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله" (١).
(وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠هـ).
стр. 286
" ... إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره. فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوص على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد. وعند ذلك فإما أن يترك الناس مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضاً اتباع للهوى، وذلك كله فساد، فلا يكون بدّ من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً، وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق، فإذاً لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان" (١).
(وقال الزركشي:
"فلا بد أن يكون وجود المجتهد من فروض الكفاية، ولا بد أن يكون في كل قطر من تقوم به الكفاية، ولهذا قالوا: إن الاجتهاد من فروض الكفايات" (٢).
(وقال جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١هـ) في مقدمة كتابه: "الرد على من أخلد إلى الارض".
"وبعد، فإن الناس قد غلب عليهم الجهل وعمهم، وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد, وعدّوه منكراً بين العباد.
ولم يشعر هؤلاء الجهلة أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر, وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر, وهذا كتاب في تحقيق ذلك ... " (٣).
(وقال محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني.
" ... فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار, وإنه أسهل منه في الأعصار الخالية, لمن له في الدين همة عالية، ورزقه الله فهما صافياً وفكراً صحيحاً ونباهة في علمي السنة والكتاب".
стр. 287
والعجب من مقالات تخالف ذلك والقول ببقاء التقليد على العالم والجاهل, فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء, فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصاً بمن كانوا في العصور السابقة, ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدمهم, ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة وهل النسخ إلا هذا, سبحانك هذا بهتان عظيم"؟!! (١)
(وقال عبد القادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقي:
"قد أطال العلماء النفس في هذا الموضوع، وأورد كل من الفريقين حججاً وأدلة, وكأن القائلين بجواز خلو عصر عن مجتهد, قاسوا جميع علماء الأمة على أنفسهم، خيّلوا لها أنه لا أحد يبلغ أكثر من مبلغهم من العلم, ثم رازوا أنفسهم فوجدوها ساقطة في الدرك الأسفل من التقليد, فمنعوا فضل الله تعالى, وقالوا: لا يمكن وجود مجتهد في عصرنا البتة, بل غلا أكثرهم فقال: لا مجتهد بعد الأربعمائة من الهجرة، ويَنْحَّلُّ كلامهم هذا أن فضل الله كان مدراراً على أهل العصور الأربعة ثم أنه نضب فلم يبق منه قطرة تنزل على المتأخرين، مع أن فضل الله لا ينضب, وعطاؤه ومدده لا يقفان عند الحد الذي حدده أولئك" (٢).
(وقال الأخ المعاصر العلامة الدكتور وهبة الزحيلي -بارك الله فيه-:
" وقد أحسن بعض العلماء كابن تيمية, والحركات السلفية الحديثة إذ قرروا بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لمن كان أهلاً له" (٣).
стр. 288
ونقل أيضاً عن الشيخ محمد سعيد الباني: "لا دليل أصلاً على سد باب الاجتهاد, وإنما هي دعوى فارغة وحجة واهنة أوهن من بيت العنكبوت، لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى المتوارث" (١).
وقال أخي العلامة الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله-:
"وإن مما اتفقت عليه كلمة الداعين إلى تحكيم الشريعة الغراء: أن هذا لا يتم إلا بإحياء (الاجتهاد) الذي هو إحدى الوسائل الأساسية لتجديد الدين, وأداة ضرورية لإثبات سعة شريعته ومرونتها وقدرتها على مواجهة التطور, وحل مشكلات الفرد والمجتمع .... والذي أومن به, وأدعو إليه, وأدافع عنه هو: (المنهج الوسط) للأمة الوسط, وهو الاجتهاد بكل أنواعه ودرجاته, كلياً وجزئياً, فردياً وجماعياً, ترجيحياً وإنشائياً, بشرط أن يصدر من أهله في محله, منضبطاً بضوابطه الشرعية المعتبرة, بعيداً عن غلو الغالين, وتفريط المفرّطين" (٢).
(وقال أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة:
"إن قضية فتح باب الاجتهاد في المذهب الحنبلي قضية تضافرت عليها أقوال المتأخرين وأقوال المتقدمين, حتى لقد قال ابن عقيل من متقدمي الفقهاء في ذلك المذهب الجليل: إنه لا يعرف خلافاً فيه بين المتقدمين".
ثم قال: "وإذا كان الاجتهاد مفتوحاً, وإذا كان العلية من أصحاب أحمد وأتباعه قد استنكروا أن يخلوا زمن من المجتهدين المستقلين، فإن ذلك المذهب يكون ظلاً ظليلاً لاحرار الفكر من الفقهاء, ولذلك كثر فيه العلماء الفطاحل في كل العصور" (٣).
لأجل هذا قال الإمام الشوكاني:
стр. 289
"لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيراً لم يكن للسابقين لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره, والسنة المطهرة قد دوّنت, وتكلم الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح، بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد. وقد كان السلف الصالح ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر, فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين, ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سوي. " (١)
ولأخي العالم الفاضل الأستاذ عمر عبيد حسنة كتاب جليل طبع باسم "الاجتهاد للتجديد سبيل الوراثة الحضارية" ذكر فيه من المباحث والنظريات الكثير النافع المفيد, ولست بحاجة الآن إلى النقل عنه, ولكن أَلِفْتُ النظر إليه, فقد توسع فيه بما يغني كل محتاج (٢).
وتوضيح لبعض المشكلات لابد من قول فيه بعض التفصيل
أولاً: إن العلماء الذين ردوا على القول بإغلاق باب الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة لم يدّعوا لأنفسهم الاجتهاد (٣) , بل حاولوا الدفاع عن المواهب الإلهية التي حظي بها العلماء الفطاحل القادرين على الاجتهاد, وإخراج الفقه الإسلامي من دائرة محدودة إلى ميدان واسع فسيح, وذلك مع الاستمداد من فقه الصحابة والتابعين وأتباعهم, وفقه المذاهب الأربعة وغيرها من فقه أئمة الاجتهاد الآخرين.
стр. 290
ثانياً: لا يعني الاجتهاد الآن إحداث آراء جديدة لوقائع مستحدثة فقط, وإنما مجاله أيضاً النظر في دلالة أدلة المذاهب الفقهية من حيث القوة والضعف, وترجيحها على الأخرى, بدون تقيّد بمذهب معين, ليجد الباحث عن الحق بغيته بدون أي تخبط.
ثالثاً: ليس المقصود بهذا العرض أن يسمح لكل من هب ودب أن يتلاعب بالشريعة باسم الاجتهاد, ولذلك قلنا مع شيخ الإسلام ابن تيمية: بوجوب الاجتهاد على العالم, ووجوب التقليد على العامي.
بل المقصود أن لا يُشَنَّع على من زَيَّنَه الله بعلم الشريعة وفقهها, ولا يُمْنَع فضله سبحانه على من عنده كفاءة للخوض في المسائل, ولا يُتَّهَم بالخروج على الأئمة لأجل الاجتهاد, ولا يُرمى بالشذوذ إذا خالف آراء الآخرين بالأدلة, لأن أدلة الكتاب والسنة لا تكون شاذة, بل هي مستقلة بذاتها لا تحتاج إلى دليل آخر (١).
قال محمد أبو زهرة: "ولقد كان ابن تيمية ينهى من عنده أدوات الاجتهاد عن التقليد, ويوصي الدارس الفاحص ألا يَتَّبِعَ إلا من يوصله عليه الدليل, غير معتد على سواه, ولا يتبع غير سبيله ... "
"وأنه يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه للقادر عليه, وإن كان يستطيع أن يجتهد في بعض أبواب الفقه دون البعض الآخر, وسعه أن يقلد فيما لا يستطيع أن يجتهد فيه, ولا يسعه التقليد فيما يستطيع الاجتهاد فيه" (٢).
اجتهادات منتقدة
نعم وقد وجد عند بعض المُحدَثين بعض المسائل التي اجتهد فيها أفراد منهم, وكانوا محل اعتراض من غيرهم, من أهل العلم مثل:
стр. 291
الذين أفتوا بمنع الزكاة بالأوراق النقدية, لأنها ليست من النقدين, فأمات من أموال الزكاة ما لا يقل عن ٩٥% فلقد أصبحت هذه الأوراق هي النقد المتعامل به بين الناس, وهو في الحقيقة ما كان إلا عِوضاً عن النقدين أو ما يماثلهما (أي غطاء لها) من أموال الدولة التي أصدرته.
ومثلهم من فتح أبواب التعامل بالربا زاعماً الفرق بين ربا الفضل وربا النسيئة, والذي أبقاه من الأموال قابلاً لإدخاله في القروض الربوية لا يعادل ٥% من التعامل بقروض الحبوب الزراعية التي يستعين بها الفلاح في طعامه أيام الشتاء منتظراً البيدر؟ وأباح ربا البنوك والأموال الكثيرة الفائضة.
والذي أباح الربا في أحد المجالس النيابية للخلاص -بزعمه- من تأميم الأرض الزراعية؟ وتبعه بعض المشايخ.
وكذلك من أفتى بجواز الاحتفالات بالمولد واعتبرها سنة حسنة؟ , وما يترتب على قوله, وعلى فعلهم من مخالفات شرعية, ناهيك عن الاحتفالات بالذكريات الحسنة أو السيئة التي تثير حساسياتٍ تُفَرِّق المسلمين إلى يوم القيامة, مع أن محل الخلاف انقرض زمانه, ومات وقته ..
ومثلهم من نادى بتحريم صوم يوم السبت, لأنه فهم حديثاً واحداً -واحد فقط- لم يَقُلْ به أحد من العلماء من قبله, ولم يُنْقَلْ في دواوين السُنَّةِ المطهرة بكتابٍ واحدٍ معتبرٍ, إلا مع بيان حكمه وأنه في حكم المنسوخ, مما أدخل على الناس في عبادتهم التشويش, والعمل بما لا يَصِحُّ من الحديث.
والذي منع على النساء التحلي بالذهب المُحَلَّقِ مع السماح بالمبسط, وما لا يحيط (كذا) , مع أن النبيَّ ﷺ قد أباحه للنساء, وحرمه على الرجال, وأفتى بجهل أكثر أهل العلم, إن لم أقل كُلَّهم (١).
стр. 292
ومن أفتى -دون جميع علماء زمانه وأهل الجهاد والخبرة بالفقه بواقع الحياة- بخروج أهل فلسطين من أرضهم وبلادهم, لأن اليهود قد استولوا على بعض تلك الأرض, زاعماً -بما لقن من الأدعياء- بأن هذا لتأمين عبادتهم, مع أن عبادتهم لم تُمَسْ, بَل تُؤَدَّى على أوسعِ ما تُؤَدَّى به في بعض الجوار, واليوم نجد في الصحف أن الذين أدوا صلاة الجمعة في المسجد الأقصى في الرابع عشر من جمادى الآخرة ١٤٢٣ = ٢٣/ ٨/٢٠٠٢ بلغ أكثر من أربعين ألفاً, وأن مجموع الحجاج -أو الذين ذهبوا لأداء العمرة- من أرض فلسطين تفوق نسبتهم ما ذهب للحج من ليبيا (طرابلس الغرب) بأربع مرات!!
وغافلاً عن أن أرض المسلمين المجاورة لهم لا تقبل منهم أحداً, للسكنى فيها, وإن أكثرهم ذهبوا إلى بلاد الكفر مثل كندا وغيرها, ونتيجة هؤلاء الكفر بعد الجيل الثاني أو الثالث كما هو مشاهد!!.
وأن اليهود لهم رغبة في إخراجهم للاستيلاء على أرضهم وإدخال الملايين من أتباع ديانتهم وإسكانهم في تلك الأرض, بما هو مشاهد وظاهر للعيان.
والذي أباح زواجَ المسلمةِ برجل من أهل الكتاب عدواناً منه واتباعاً لما نادى به المستعمرُ في قانون الأحوال الشخصية, منذ أن دخلت فرنسا إلى بلادنا بعد الحرب العالمية الأولى بقيادة الجنرال غورو, ولكن الثورة السورية الكبرى سنة ١٩٢٥ أفسدت مسعاه, وكذلك سنة ١٩٣٧ عُطِّل في الشام وفي بلاد المغرب بمسعى من المجاهدين الكرام.
وحتى الذين حاولوا وضع مثل هذا القانون الجائر! في لبنان استعانوا بتلك الفتاوى الجائرة.
ولكن الله سبحانه أسقط دعواهم وعطل مسعاهم بفضله ثم بجهود المؤمنين التي ترأس حملتها سماحة مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني, ودولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري من الجهة الإسلامية, وغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير من الجانب المسيحي, وغيرهم من أهل العلم والغيرة على الأعراض.
* * *
стр. 293
وطبعاً فإن أمثال هذه الفتاوى الفردية لا تمنع ما وجدنا من خير عميم في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه في غير ذلك من الأمور, وأن تطبيق التلفيق والأخذ به من كل المذاهب كان الأنفع للأمة.
وكل هذه الأمثلة تحتاج إلى شرح -إن شاء الله- فيما بعد.
وإنني أختم عجالتي هذه داعياً إلى:
١ - وجوب الاتباع للأئمة بعد معرفة دليل كل منهم.
٢ - وجوب إعمال الفكر فيما وصلوا إليه بعد دراسة الأدلة التي يصل إليها العالم بعد بذل الجهد, وعلى الأخص في الأحوال المستجدة.
٣ - وجوب التقليد على الجاهل العامي، والأفضل له تقليد أحد المذاهب الأربعة المدونة, أو سؤال عالم متحقق مُطَّلِعٍ على السنة المطهرة, والفقه المقارن.
٤ - أدعو الجهات العلمية إلى التوسع في تنظيم مجالس وندوات في هذا المجال مثل ندوتنا هذه.
وأخيراً وفق الله المعهدين الكريمين للخير والسداد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 294
السلفية ((حركة قائمة في وجه الإلحاد، والشرك، والضلال، والطغيان))
بقلم: زهير الشاويش
حفل معهد الدراسات الإسلامية للمعارف الحكمية، بيروت ١٣ ذو القعدة ١٤٢٤=٥/ ١/٢٠٠٤
* * *
إن الحمد لله، والصلاة على رسل الله، وآل كل واحد منهم، وصحب وحواري الجميع، من الذين اتبعوا ما أنزل الله على كل رسول من الوحي، وآمنوا بما جاء عنهم من الحكمة والموعظة الحسنة، حتى آخر ما أرسل به سيدنا محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وحامل راية التوحيد، والقيام بالعبادة، والتفقه الحق، وذلك الدين القيِّم، إلى يوم الدين. وبعد
فإن البحثَ الذي عُرض عليَّ أن أتكلمَ به وعنه، في هذا الجمع الكريم، واللقاءِ العلميِّ، من الذين أحترمُ وأقدِّرُ من أهلِ العلمِ والجهادِ والدعوة، والصحوةِ الإسلاميةِ العامةِ والشاملة، ولا أستطيع لهم مخالفة.
وفيهم من يوافقني في خطِّي ومنهجي، ومنهم من يخالِفُني في بعضِ ذلكَ أو أكثرِه، ولكنَّ اختلافَ الرأيِ لا يُفسدُ للودِّ قضية.
وإننا جميعاً -كما عهدتهُم- ننشدُ الحقَّ ونسعى إليه، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع.
وكنّا في حياتنا نبتغي عندَ الوفاقِ والخلافِ الرجوعَ إلى الجملةِ -القاعدة- التي وُجِدَ أصلُها عندَ شيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ (ت ٧٢٨هـ) من كتابِ "رفعِ الملام"، وفي كلامِ تلميذهِ العلامة ابن قيِّم الجوزية (ت ٧٥١هـ) في كتاب "إعلامِ الموقعين"، ووجدتُ العددَ الكبيرَ من مشايخي قد أخذ بها، وهي:
"نتعاونُ فيما اتفقنا عليه، ويَعذُرُ (وينصَحُ) بعضُنا بعضاً فيما اختلفْنا فيه"
السلفية
والسلفيةُ لم يكن لها أصلٌ من هذه التسميةِ إلا بعدَ زمنٍ طويلٍ من عصرِ الدعوةِ التي حملَ رايتها وأَرسَىَ قواعِدَها سيدُنا وقدوتُنا جميعاً رسولُ الله محمدٌ ﷺ وصحبُهُ الكرام ﵃، وقد كانوا يوصَفوُنَ بأنَّهُم "السَّلَفُ الصالِح".
стр. 295
وتسميةُ (السلفيةِ) لا بُدَّ لها مِن سَلفٍ يَسبِقُها تنتهي إليه، وهي تكونُ خلفاً لسلف. وكان هذا السلفُ من تابعيِ التابعين. وقد تَبِعَ كُلُ السلفيين وغيرُهُم من المذاهِبِ من كل الفِرق. بعضاً من التابعينَ حتى أصبحَ الفِقهُ بل والعقيدةُ، وحتى الأخلاقُ أنواعاً كثيرةً جداً، وفي بعضها اختلافٌ ظاهرٌ من اتباعِ الأثر، أو التمسّكِ بالنَّصِ والدليل، أو الجنوح إلى الرأيِ وقولةِ: "نحنُ رجالٌ وهُم رجال"، بعضُهُم اقتصرَ على ما دلَّتهم عليهِ عُقُولُهُم.
وكان مثلُ ذلكَ عنَد كُلِّ المَذاهِبِ الإسلاميةِ المنقَرِضَةِ أو الباقيةِ حتى اليوم: من الحنفية، والمالكيةِ، والشافعيةِ، والحنابلةِ، والظاهريةِ.
والسلفية: أثبتت أكثر ما تقدم، أخذت من كل فرقة ما صحّ عندها عنهم.
والبعض بالبعض اكتفى ... ومن حوى الكل حاز الشرفا
ووجدْنا مِثلَ ذلكَ تماماً في عُهُودٍ أقدمَ من ذلكَ وأقربَ إلى عهدِ الصحابة، كما وجد عند الخوارج، والعثمانيِة، والشيعة، وما تفرق عن كلِّ فِرقَةٍ منها من الجماعات والأتباع. وكذلك ما ترسَّبَ من عقائد المعتزلة، ومن ذلك تقديم العقل على النقل، وهو من أخطر ما عندهم!، وكذلك الأشاعرة، وقد توسطوا في كل ذلك، والماتريدية الذين خالفوا الأشاعرة بعشرات المسائل من غير دليل راجح غالباً!، وكلهم اعتمد التأويل، ولكن على درجات مختلفة، والحق أنها كلها باطلة، وهي مبنية على علم الكلام، ويجمع كل ذلك قولهم على القاعدة عندهم هي: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"، والحق أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم".
والسلفيون ينكرون التأويل اللفظي والباطني. وقل على مثل ذلك كان هؤلاء السلفيون، مع أن كل المذاهب والفرق الباطنية، وحتى عند الديانات المنحرفة، وما أوجدَ الناس من أحزابٍ مُخترعة مثل ذلك.
стр. 296
ولا بد من صرف النظر عما كان من فُرقة واختلافات بعد الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، وما ترسب بين المسلمين من أقوال وفرق في مسائل الحكم، والعقائد، والفقه، وكان منهم عدد كبير من مختلف الفرق، وكان منهم من سمي: "السلفيون".
إذن فالسلفية: طريقة في المعتقد، والفقه، مفادها: الرجوع إلى ما كان عليه الجيل الأول -السلف الصالح- في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والسلوك -كما في باقي المذاهب أنها ترجع إلى من انتسبت إليه، وبقيت هكذا حتى اليوم-. تتسع حيناً، وتضيق حيناً آخر، لعوامل مختلفة. وفيها الصواب كل الصواب من جانب، وفيها بعض الخطأ من جانب آخر، وهو مغفور لهم إن شاء الله. لأنه من الاجتهاد الذي يؤجر صاحبه أجرين عند الصواب، ويؤجر أجراً واحداً أيضاً عند الخطأ، وأرجو الله أن تكون كل المذاهب الإسلامية كذلك.
وأما اتساع السلفية فقد كان في فترات، كما أن ضيقها كان في فترات أخرى، وهذا كله لعوامل متعددة.
والسلفية معتمدة على الصحيح الواضح من الكتاب والسنة، والوقوف عند اتفاق الصحابة، وما تتابع بعد ذلك بعمل وفهم التابعين من القرون الثلاثة التي شهد لها سيدنا محمد ﷺ بالخيرية، وتتابعت بعد ذلك بأقوال أهل العلم، والمعتقد، والحديث، والدعوة.
وتركزت أقوالهم عند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) في المعتقد، وفي الفقه غير المكتوب، والمعتمد على مسائل الإمام أحمد، والإمام إسحاق بن راهويْه (ت ٢٣٨هـ)، ومجموعة أمثالهما.
خصوصاً بعد فتن المعتزلة وعلى رأسها أحمد بن أبي دُؤاد (ت ٢٤٠هـ) أيام الخليفة المأمون العباسي (ت ٢١٨هـ) بدءاً من فتنة خلق القرآن، وما تبع ذلك من أقوال المعتزلة الخمسة، وهي:
[١ - التوحيد، ٢ - العدل، ٣ - الوعد والوعيد، ٤ - المنزلة بين المنزلتين، ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ]
стр. 297
وما تعرض له الإمام أحمد، وأتباع الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤هـ)، وغيرهما من العلماء للفتنة، والحبس، والنفي، والضرب، والقتل، حتى نصر الله أهل السنة في عهد الخليفة العباسي المتوكل على الله (ت ٢٤٧هـ).
وبعد ذلك تجمع لهم الرأي، أيام فتنة عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري (ت ٥١٤هـ) في القرن الخامس الهجري، حتى انتصارات الحنابلة عليهم في بغداد وخراسان.
وكذلك كانت للسلفيين الجولات المنصورة في عصر شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية على من قام عليهم من آل السبكي (في القرن السابع) من الشافعية، والإمام المطهّر الحلي من الشيعة (ت ٧٢٦هـ)، وبعض الحكام من المماليك الجراكسة، ومجموعة محمد بن محمد العجمي (العلاء البخاري (ت ٨٤١هـ) من الحنفية.
ومضى الزمن والخلاف بين الأخذ والرد، حتى ظهر إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي (ت ١٢٠٦هـ).
وإذ ذاك نشأت معارضة شديدة لهم من قبل العثمانيين الأتراك، والدولة الإنكليزية والإفرنسيين بعد الثورة الفرنسية وعهد نابليون. ومن قبل حاكم مصر محمد علي باشا وأولاده (ت ١٢٦٥هـ)، حيث تسلَّط كلّ هؤلاء على المشرق العربي، وأحوال محمد علي في الجزيرة العربية والحجاز ونجد، وسورية، ولبنان معروفة، لا تخفى على أي مؤرِّخٍ حصيفٍ بصير.
وكل ذلك لم يمنع تمتعهم بانتشارات كبرى في الشام: العلامة جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ)، والشيخ طاهر الجزائري (ت ١٣٣٨هـ)، وتلامذته ومنهم الشيخ محب الدين الخطيب (ت ١٣٨٩هـ)، والشيخ محمد سعيد الباني (ت ١٣٥١هـ)، وآل البيطار وآخرهم شيخنا محمد بهجة البيطار (ت ١٣٩٦هـ)، والشيخ عبد القادر بدران (ت ١٣٤٦هـ)، ومن تبعهم.
وكذلك في اليمن كالإمام محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، والإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢هـ).
стр. 298
وكذلك ظهر في الهند علماء أفاضل رغم الانتشار الماتريدي الحنفي، ورغم قيام الإنكليز على هؤلاء العلماء الأفاضل أيام الحكم البريطاني الذي أوجد طوائف لمحاربة الإسلام، مثل: البابية، والبهائية، والقاديانية.
وكانت منهم الجماعة الإسلامية في الهند، ثم باكستان والبنغال (الإمام أبو الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩هـ) وجماعات أهل الحديث المتعددة.
وفي المغرب العربي ومع انتشار المذهب المالكي فقهاً، وعقائد ما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ)، ظهر أمثال المشايخ: عبد الحميد بن محمد بن باديس (ت ١٣٥٩هـ)، ومحمد البشير طالب الإبراهيمي (ت ١٣٨٥هـ)، والفضيل الورتلاني (ت ١٣٧٨هـ)، والدكتور تقي الدين الهلالي (ت ١٤٠٧هـ)، وفيما نراه حتى اليوم في بعض فصائل الجهاد الجزائري الصادق. وقد تركت الأحياء من السلفية، أو غيرها لأن الإنسان لا يحكم عليه إلا بعد وفاته، ونسأل الله أن يحسن ختام الجميع.
وقد قامت الدولة السعودية معتمدة على السلفية عقيدةً وفقهاً في مجمل شبه الجزيرة العربية، وتمكنت من الانتشار في الحجاز مرتين إحداهما سنة (. . . =. . . )، والثانية ١٣٤٣هـ=١٩٤٤ وحتى اليوم.
وقامت بمصر نهضات دعوية، وتألفت جمعيات اعتمدت على السلفية في أصول مناهجها، كدعوة الشيخ محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤هـ)، وجماعة أنصار السنة المحمدية برئاسة الشيخ محمد حامد الفقي (ت ١٣٧٨هـ)، والأخوان المسلمين، وأفراد من الأزهر الشريف، مثل المفتي الأكبر شيخ الأزهر الشيخ عبد المجيد سليم (ت ١٣٧٢هـ)، والشيخ سيد سابق (ت ١٤٢٠هـ)، مؤلف كتاب: "فقه السنة"، والشيخ محمد الغزالي الجبالي (ت ١٤١٦هـ)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي (ت ١٤١٥هـ)، والدكتور عبد العزيز كامل (ت ١٤١١هـ)، والشيخ عبد الرحمن الوكيل (ت ١٣٩٠هـ)، وغيرهم.
وكذلك ظهر في الأردن: المفتي العام الشيخ عبد الله القلقيلي (ت ١٣٩٣هـ)، والأستاذ أبو الوليد إبراهيم الترهي (ت ١٣٩٢هـ)، وغيرهما.
стр. 299
وكذلك حركة اعتمدت الحديث النبوي، قام بها جماعة رأسهم من الناحية العلمية الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ) ﵀ وقام المكتب الإسلامي بنشر الكثير من مؤلفاته.
وفي سورية ظهرت جماعة الأخوان المسلمين بقيادة الدكتور مصطفى السباعي (ت ١٣٨٤هـ)، والأستاذ عبد الفتاح الغندور وغيرهما.
وكان مشاركاً لهم في الجماعة أو قبلها: الشيخ عبد القادر بدران، والشيخ عبد الفتاح الإمام (ت ١٣٨٣هـ)، والشيخ علي الطنطاوي (ت ١٤٢٠هـ)، وغيرهم.
ثم في حلب ظهر الشيخ نسيب الرفاعي (ت ١٤١٣هـ)، وفي حماه الشيخ سعيد الجابي (ت ١٣٧٦هـ)، والشيخ نعسان معطي (ت ١٤١٢هـ).
وفي دير الزور الشيخ محمد سعيد العرفي (ت ١٣٧٥هـ)، والدكتور عز الدين جوالة، والأستاذ عبد الرؤوف بعاج، والأستاذ سعيد شرف، وغيرهم.
وكل من ذكرت، ومن لم أذكر هم تجمعات وأخوان وأتباع يربط بينها اتفاق عام على أكثر الأمور السلفية، واختلافات فرعية في العديد من الأمور.
وقد تركت الكلام عما في المملكة العربية السعودية لأن الدولة هناك كلها تقوم على الفكر السلفي المتمثل بالشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وليس على مجرَّد حركات اجتماعية أو فردية كالتي في البلاد الأخرى.
ولكن وجدنا فيها أخيراً خلافات بين المجموعات التي تدّعي كلها بأنها سلفية، وأكثر هذه الخلافات على جزئيات شبه لفظية، ولا يكاد يعرفها سواهم.
* * *
وفي هذا العرض البسيط يمكن تحديد ما هي السلفية -اليوم-.
هي عقائد متفقة على الأصول، وقد تختلف في الفروع، كما اختلفوا في بعض الأمور المستجدة، مما جعلها فرقاً متعددةً لا جامع صحيحاً بين بعضها على التحقيق والعمل المشترك.
стр. 300
وثورات وانتفاضات فلسطين منذ عام ١٩٢٠ وحتى اليوم، ما قام بها إلا من تمثلوا العقيدة السلفية، من الحاج محمد أمين الحسيني (ت ١٣٩٤هـ)، والشيخ فرحان السعدي (ت ١٣٥٦هـ)، والشيخ محمد الأشمر (ت ١٣٨٠هـ)، والشيخ عطية سالم (ت ٠٠٠هـ)، والأستاذ أبو الوليد إبراهيم الترهي، وغيرهم.
وأما ثورة القسام عام ١٩٣٥ فكان قائدها من كبار السلفيين هو الشيخ عز الدين القسام من أهل جبلة من الساحل السوري (ت ١٣٥٤هـ)، والدال على ذلك كتابه الذي ألفه مع الداعية الشيخ محمد كامل القصاب (ت ١٣٧٣هـ)، وسمياه: "النقد والبيان"، وقدّمت له ببحثْ ضافٍ مع التوسع في التراجم.
وأكبر دليل على ذلك قادة وعلماء الانتفاضة يوم أبعدتهم الصهيونية إلى مرج الزهور في جنوب لبنان سنة (١٤١٣هـ)، اللذين أنشأوا لأنفسهم جامعة تنشر فيما بينهم العلم، وتخرجهم على معالم الجهاد والدعوة السليمة، حيث أطلقوا عليها اسم "جامعة ابن تيمية"، وقد تخرج منها أكثر المجاهدين من شباب حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهم.
والسلفية في لبنان موجودة -والحمد لله- من غير مشاكل مع الناس، ولا مع الدولة، وما سمعتم عنهم، أو سمي منهم من جهات ليست منهم، منذ ثلاث سنوات فإنه بعيد عنهم، وعن السلفية جملة وتفصيلاً، وإنما هو تسلط على التسمية. وقد بلغني -من خصومهم أيضاً- أن التوبة انتشرت فيهم، والموجود حقيقة هو حلقات علمية دعوية بعيدة عن الغلو والتطرف.
حضور السلفية
بقيت السلفية بعد الإمام أحمد بن محمد بن حنبل هي السائدة في عقائد المسلمين السنة على التحديد. وكان الإمام أبو الحسن الأشعري حامل اللواء فيها، مناهضاً للاعتزال والمعتزلة بعد انسحابه منها، ومعرفة ما فيها من أخطاء. ولم يبق عنده من مذهبهم سوى كلمات قليلة، ليست محل نزاع من أفاضل العلماء، وبذلك بقي مذهبه هو مذهب أهل السنة والجماعة بالجملة لمدة زادت على المئتي سنة.
стр. 301
حتى قام ابن القشيري (الزاعم بأنه شافعي الفقه) بفتنته التي فرقت المسلمين، وادعى أنه على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري عقيدة.
ثم كان للسلفيين بعد ذلك "بيان أهل السنة والجماعة" تأليف الإمام أبي جعفر الطحاوي (ت ٣٢١هـ)، وهو حنفي مشهور.
وبعده بمئتي سنة قام آل السبكي بإضافة ما عندهم من تفصيلاتٍ في العقيدة، زاعمين بأنَّ ذلك معتمدٌ على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، ومرتكز على فقه مذهب الإمام الشافعي.
وتولى الرد عليهم الإمام ابن تيمية وتلامذته خلال مئة سنة، ولعل من أبرز ما يمثل تلك الفترة كتاب "شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢هـ) ".
واستمر ذلك الخلاف يظهر حيناً ويختفي أحياناً أخرى، حتى ظهر الشيخ محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١هـ)، وأثار حقد الماتريدية، وحتى الأشعرية، رغم أنه على خلاف معها، ضد السلفية في حملة مسعورة، ومع علمه فقد حرّف النقول!!، وطعن في الصحابة الكرام، الذين نقلوا لنا دين الله، وتبع الكوثري عدد ممن جاء بعده ممن شم لديه انطلاقاً عن مذهبه الحنفي في تركية ومصر، وأفرادٌ في بعضهم علم، ولكن غلبت عليهم المذهبية والعصبية.
وكذلك كانت الفتن المتأخرة، وشارك في الدفاع عن السلفية كبار علماء العصر الماضي، أمثال: الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت ١٣٨٦هـ)، والشيخ محمد نصيف (ت ١٣٩١هـ)، والعلامة أحمد محمد شاكر (ت ١٣٧٥هـ)، والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمد بهجت البيطار، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
ومع أن الخلافَ في قول بعضهم (خلافٌ لفظيٌ) فمازال حتى اليوم يثيره من هؤلاء طرف، ويرد عليهم من الطرف الآخر أفراد وجماعات.
وتبع هؤلاء من ليس في العير ولا في النفير ممَّن يدعي أتباعه التفقه بالمذهب الشافعي، ووالله ما وجدت عندهم سوى أقوال ضعيفة غير مفتى بها في مذهب الإمام الشافعي ﵀، وتشير إلى اتباع فيه لا يقبل قولهم.
стр. 302
ووجدت عندهم أيضاً أقوالاً وأفعالاً يدعى أنها من طريقة الإمام الزاهد أحمد الرفاعي العراقي (ت ٥٧٨هـ).
وأقول: والله لدى بحثي وتنقيبي لم أجد لها أصلاً صحيحاً، وبيَّنت أنها ليست لهذا الإمام الداعية أو أنها أقواله. بل هي خزعبلات تنسب إلى الطريقة من القبوريين، والمزمرين المطبلين، وهو منها براء. وقد كشف أمرهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. ولعلّ أوضح شيء يظهر للعيان تلك الفرق الموسيقية ذات الأوتار والأبواق والأجواف التي يجتمعون عليها أمام الناس، وقد أجمع العلماء من كل المذاهب والاتجاهات على تحريم جميع ذلك.
ولكن الفتن تفتح الأبواب، ويدخل فيها من يشاء، والله أسأل هداية الجميع.
مناقشات
وقد قام أحد العلماء الأفاضل بتأليف كتاب عن السلفية، أطلق عليه عنوان:
"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"
والحق أن ما جاء في كتابه يخالف ما كتبه عنواناً له.
ووجدت في الكتاب النقول الكثيرة التي تثبِّت للسلفية ما نفاه عنهم، بل وتثبت أن السلفية مذهب إسلامي، وحركة مباركة، مثل باقي المذاهب الأخرى، التي اعتبرها مذاهب!!، وقديماً قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح، بل إن مذاهب الأئمة السابقين مثل الإمام أبي حنيفة النعمان (ت ١٥٠ هـ)، والإمام مالك (ت ١٧٩هـ)، والإمام الشافعي لا تكاد تجد عند واحد منهم أنه سمى فقهه (مذهباً)، وما سمي كذلك إلا بعد ذلك بزمن طويل، وكذلك التسمية "السلفية".
وهذا كان عند من صار له مذهب (فيما بعد) وعند من لم يكن له مذهب، كالأئمة: إبراهيم النخعي (ت ٩٦هـ)، والحسن البصري (ت ١١٠هـ)، والأوزاعي (ت ١٥٧هـ) ... إلخ.
ولا يغيب عني أفراد من أهل العلم في مختلف العصور، سموا أنفسهم بـ (الأثريين) تميزاً عن غيرهم من (المذهبيين المقلدين). ولهم أن يفعلوا ذلك، إذا وافق قولهم الفعل الصحيح بأنهم من أتباع الأثر الثابت عن النبي ﷺ وأتباعه، ومن جاء بعدهم من غير تقليد!!.
стр. 303
ولكن وجدنا في أيامنا من تطاول وافتخر بإلحاق ذلك باسمه ونسبه أو كتاباته ولقبه، دون أن نجد عندهم ما يُصَحِّحُ ذلك لهم من التزام بالأثر.
وعلى كل حال فإن هذا منهم ينطبق على هؤلاء الأفراد، ولا ينسحب إلى تلك الطائفة السلفية. ولله في خلقه شؤون.
ومن سمح لهؤلاء أن يكون لهم مذهب! يسمح للسلفيين أن يكون لهم طريقة ومنهج في فهم الإسلام. ففي العقيدة: اتباع ما جاء من الجيل الأول، وفي الفقه: الأخذ بما صحَّ من الدليل، وفي العبادة: التمسك بالسنة وعدم الابتداع.
وكل ذلك مذهب، بل موفق المذاهب، وهو معتمد ومعتبر. ومن باب الجدل هب أنهم ليسوا مذهباً، فماذا يضرهم أن يكونوا واقعاً منذ عهد التابعين وحتى اليوم على الطريقة التي اختاروها نسبة لأنفسهم، وعُرفوا بها!!، يرحمك الله يا أخي.
وإن باقي ما جاء في كتابه (القيم بحق) يدخل في باب اختلاف وجهات النظر، لو ابتعد عن حزلقات المماحكة المتأثرة بالعداوة لبعض معاصريه، من المجاهدين الصابرين الذين دخل وإياهم في معارك ما أنزل الله بها من سلطان، وكتابه قارب الثلاثمائة صفحة، وفقه الله وهداه.
وقد رد عليه العديد من السلفيين، وطبعاً بالحق، وقد يكون من بعضهم بالباطل!، وركوب الصعب والذلول.
ولكن ثمةَ كتاب صدر في هذا الموضوع كان في غاية اللطف والأدب، وحسن الدعوة اسمه: "هي السلفية نسبة وعقيدة ومنهاجاً"، لسماحة الشيخ محمد إبراهيم شقرة -من علماء الأردن- زاد عليه بمئة صفحة.
أثبت فيه كل ما نفاه المؤلف السابق بغاية الإقناع، والأدب الجم، والأسلوب الحكيم، والحجج المقنعة، استناداً على الكتاب والسنة الصحيحة، والأقوال المعتمدة عن كبار علماء المسلمين من مختلف العصور، وأثبت فيه أن السلفية ليست فرقة واحدة، بل هي فرق متعددة.
ولم أجد فيه كلمة نابية (خلافاً لما نجده عند بعض إخواننا السلفيين، وإخواننا غير السلفيين غفر الله للجميع) فحق للكتاب الرواج، والنفع العام للناس.
стр. 304
والله أسأل للأخ المؤلف الصحة والعافية، وأن يكتب له التوفيق والخير.
وكذلك كتاب "العقيدة السلفية، والرد على المنحرفين عنها" تأليف الأخ الطيب عمر بن الحسين الجكني، وفيه كلام طيب، ومناقشات علمية مفيدة، كتبت بروح توافقية، وما أحوجنا إلى التوافق بين المسلمين.
* * *
والسلفية اليوم بالجملة تنكر كل ما جاء مخالفاً لما كان عليه المسلمون في العهود الأولى، مما اخترع في العقائد، والفقه (من التقليد الأعمى، والعصبية المذهبية)، وما وجد عند المتصوفة من عقائد، أمثال: وحدة الوجود، وإسقاط التكاليف، وإباحة أنواع من المنكرات، وتعطيل العبادات، وعلى الأخص عند مشايخهم الكبار.
ولذلك فإن السلفيين ينكرون كل ما نسب إلى الشاذلية بأنواعها المتعددة، وما ينسب إلى الجشية الهندية، والقادرية (بعد الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١هـ))، والرفاعية (بعد الشيخ أحمد الرفاعي)، والتجانية وكتب مؤسسها أحمد التجاني (ت ١٢٣٠هـ) وخلافاته، وكلها نشهد لهم بضلالها ديناً وسياسة.
* * *
وقد تجنب السلفيون كل ما علق بالصفات الإلهية، والعقائد في منطق الفلاسفة اليونان، ووثنيات الرومان، والفلسفات الأخرى، وعلم الكلام، وكل أقوال القدرية، وهم المعتزلة منكري القدر الذين سموا علم التوحيد بعلم الكلام، واعتمد السلفيون على رفض التأويل، مكتفين بما صح من كلام عربي مبين، وردوا كلام الجبرية بأنها ضلال ومحال، والجهمية والماتريدية ومن تبعهم من الأشاعرة المتأخرين.
стр. 305
أما الأوائل من الأشاعرة فليسوا كذلك، وكتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري السلفي بل الحنبلي شاهد على ذلك، والغلط هو عند المتأخرين، لأنه من أكبر الانحرافات عن العقيدة في منهج الاستدلال الصحيح الاعتماد على ما أحدثه علماء الكلام بعد نزول القرآن، وورود الأحاديث، لأن الواجب اتباع كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وقول الأشاعرة منه خليط بين الحق والباطل، بينما العقيدة تعتمد على الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.
* * *
والسلفيون ومن كان قبلهم يعملون بخبر الواحد، ويأخذون به، خلافاً لمن زعم أنه لا يؤخذ به في العقيدة، مع أنه في الواقع يعمل به مستدلين بالآيات والأحاديث الكثيرة، التي تجاوزت العشرات، بل وبعهد النبي ﷺ .
وأهل السنة والجماعة وفي مقدمتهم السلفيون يأخذون بخبر الواحد في العقيدة، وهو عندهم يفيد العلم، وفي الفقه قد يفيد الظن عند التعارض، وهو معمول به بإجماع أهل الفقه.
* * *
خاتمة
أقول: هذه هي السلفية بمفهومها القديم، وواقعها المعاصر بالجملة، وأنا أعلم أن إخواني خصوم السلفية لن يعجبهم قولي، لأنه لم يعطهم ما فهموه عنها .. ، ويريدون مني المزيد لأنني -في ظنهم- أعرف منهم بأمورها وخفاياها.
وكذلك ما أظنه يعجب بعض إخواني السلفيين الذين نشأت معهم وبينهم، ولعلي قدمت لهم في مطبوعاتي الكثير الكثير، مما اعتمدوا عليه في دعوتهم، وكأنهم يريدون مني أن أنتصر لما هم عليه ...
ولكن الحق أقررت، وقدمت ما علمت وما ظننت أنه النافع المفيد في سبيل جمع أمة الإسلام على الحق.
وإنني لم أقل إلا ما علمت أنه الصدق.
стр. 306
وسبق لي في "المؤتمر الثامن للوحدة الإسلامية المنعقد بطهران (١٥ ربيع الأول ١٤١٦هـ = ١١/ ٨/١٩٩٥م) أن دعوت جميع العاملين في شأن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، إلى التمسك بالقاعدة الذهبية التي سبقني بها العلامة ابن قيم الجوزية، وتبعه فيها السيد محمد رشيد رضا، وشيخنا محمد بهجت البيطار، ونسبت إلى أستاذنا الإمام حسن البنا (ت ١٣٦٨هـ)، وهي:
نتعاون فيما اتفقنا عليه، (وينصح) بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه
مع رعاية أسباب التقريب والبعد عن إثارة كوامن الحقد .. ، لتحقيق التقريب المنشود لدى أهل الخير من الطرفين.
وقد استقبل كلامي من فضيلة رئيس المؤتمر ومن أعضائه، وفيهم ما لا يقل عن خمس مائة من العلماء المجتهدين، وأغلبهم من أخواننا الشيعة، بكل ترحيب وقبول.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 307
كلمة الشيخ زهير الشاويش حول مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية
المنعقد في بيروت في ١٥ شوال ١٤٢٤هـ الموافق ٩/ ١٢/٢٠٠٣م
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونصلِّي ونسلم على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى أهله الصالحين، وجميع أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فقد تلقيت خبر قيام دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية بالدعوة إلى عقد اجتماعات المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية من دول العالم الإسلامي.
وحمدت الله أن مكّن دار الفتوى من القيام بهذا الواجب، بعد أن خيّم الله بفضله على لبنان، وأعاد إليه أمنه الذي افتقده لمدة عشرين سنة تقريباً، وهذا الأمن الذي نرجوه ونتمناه لكل بلد إسلامي، والله سبحانه قد امتنَّ على عباده يوم قال: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) قريش ٣ - ٤، فجعل الله جلَّ شأنه سبيل عبادته، أمنهم وسد جوعهم.
وإن لبنان البلد العريق في العمل والدعوة للإسلام، لوجود من فيه من أهل العلم والمطابع والمكتبات والصحف، وفي الكثير منها النافع المفيد، ويشرُف لبنان بمثل هذا المؤتمر، وعلى الأخص وجود سماحة المفتي العام الأكبر أخي الدكتور محمد رشيد راغب القباني، وباقي الوزراء الأكارم، وخصوصاً حضور سماحة أخي معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
وإننا في المكتب الإسلامي للطباعة والنشر يشرفنا أن نستقبل معاليه لزيارة المعلم الأول لنشر وإعداد وطبع كتب الدعوة في مطبوعاته في لبنان وتوزيعها على العالم.
стр. 308
وإنني وقد أمضيت في لبنان أربعين سنة تقريباً، متعاوناً مع سماحة المفتي الشيخ محمد رشيد راغب القباني، ومن قبله سماحة الشهيد الشيخ حسن خالد ﵀، والداعية السلفي أستاذنا الشيخ سعدي ياسين، وباقي المفتين والعلماء والدعاة الكرام، وسعادة مدير الأوقاف الأسبق ورئيس صندوق الزكاة الأخ الدكتور مروان القباني، والجمعيات الإسلامية الخيِّرة في العمل العام.
أرحب بحضور معالي وزير الأوقاف السعودي وإخوانه، والذي كان له ولأسلافه الكرام ودولته الفضل الكبير في رعاية الدعوة إلى العقيدة الصحيحة والمنهج السلفي السليم، والنهج التعليمي الأثر الكبير.
وبهذه المناسبة لا بد من شكر وزارة الشؤون الإسلامية في المملكة وباقي هيئات الحج والعمرة والدعوة ما قدمت وتقدم من خير لحجاج ومعتمري بيت الله العتيق، وزوار مسجد سيدنا رسول الله ﷺ من مساعدات وخدمات، سبق ونوهت بها في كلمتي في مجلة الحج والعمرة العدد الخامس جمادى الأولى ١٤٢٤هـ بعنوان: "ذكريات حاج قبل خمسين عاماً".
وذكر ما وجدت في البلد الأمين قبل خمسين سنة، وما أنعم الله على الحجاز من فضل وعمران.
وقد سبق لي أن اقترحت على مؤتمر "وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م، حيث شاركت به مع سماحة المفتي السابق الشهيد الشيخ حسن خالد ﵀.
بأن طلبت أن تشكل لجنة لمتابعة أوقاف الحرمين الشريفين والقدس في مختلف البلاد الإسلامية لمتابعة ما لكل حرم من أوقاف ما زالت محجوزة عليها، وفيها المزارع الكبيرة والعقارات العامة الدارة للمبالغ الضخمة، وعندي دفتر من القرن التاسع الهجري فيه ما كان يجمع ويوزع على علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة.
واليوم أعيد طلب ذلك، وأرجو أن تشكل مثل هذه اللجنة لتسجل الأوقاف والعناية بها، وأما نقل الأموال منها فمتروك للدولة السعودية، والدولة التي فيها تلك الأوقاف لتأخذ سبيلها بالاتفاق الموافق للشرع الحنيف.
стр. 309
وهذه رسالتي التي قدمتها منذ خمسة وعشرين سنة في مكة المكرمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا
رابطة العالم الإسلامي ... مؤتمر وزراء الأوقاف
الأمانة العامة ... والشؤون الإسلامية
مكة المكرمة ... ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م
معالي رئيس مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية وأعضاؤه الكرام ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
فإنه غير خافٍ عليكم أنَّ تحرير القدس وجميع فلسطين يحتاج فيما يحتاجه المال الكثير، وإن جمع التبرعات مهما كثر العطاء سيكون أقل من المطلوب، قياساً على ما نعرف في هذه المجالات، يضاف إلى ذلك أن المطلوب جمعه وإنفاقه غير مقيّد بزمن قريب فقط، بل هو من الأمور التي تحتاج المورد الدائم، والجمع المستمر، والإنفاق المتتابع أيضاً.
لذلك فإنني أقترح ما يلي:
١ - إيجاد صندوق خاص لدى الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي يسمى "صندوق إنقاذ المقدسات الإسلامية في فلسطين، وحفظ الأوقاف"، تجمع به التبرعات، ويوظفها وينفقها حسب الحاجة، ضمن أغراضها الإسلامية التي أوقفت وحبست من أجلها فقط.
٢ - اتخاذ قرار من المؤتمر الكريم بالطلب من الدول المشتركة به لعمل جدول يتضمن ما عندها من أوقاف مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس، ومسجد الخليل، وسكة حديد الحجاز وغيرها، ودفع ريع هذه الأوقاف إلى الصندوق المذكور آنفاً.
وفي حال تعذّر معرفة العين الموقوفة، كأن تكون دخلت في مرافق أخرى عطلت مواردها. يقوم الصندوق أو لجنة منبثقة عنه بالاتفاق مع وزارة أوقاف البلد الذي فيه لإيجاد بديل مماثل عن ذلك الوقف.
٣ - ولما كانت هذه الأوقاف من الكثرة بمكان يعرفه من اطلع على تاريخ هذه البلاد، وعلى وقفيات الملوك والمحسنين في تاريخنا القديم والحديث.
стр. 310
لذلك أقترح تأليف لجنة علمية فنية مهمتها البحث عن هذه الأوقاف، وجمع وثائقها بالطرق التي تراها مناسبة، والاستعانة بمن ترى من اهل العلم والخبرة بذلك، وتكون عوناً للصندوق والحكومات في استخراج هذا الحق ووضعه في مصرفه الشرعي. مع التوصية لجميع وزارات الأوقاف بتسهيل مهمتها ..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
عضو وفد لبنان
زهير الشاويش
وختاماً فإنني باسمي واسم المكتب الإسلامي أرحب بسماحة أخي العلامة الشيخ صالح ضيف سماحة المفتي الشيخ القباني.
وإنه حيث يحل يكون صاحب المكان، وأهلاً وسهلاً به، وبباقي وزراء الأوقاف، ونرجو من الله سبحانه التوفيق للأخوة المؤتمرين في هذا اللقاء الذي تتعاون فيه الجهود الخيِّرة، وعلى الأخص بما ينفع أرضنا السليب وما حولها من ديار الإسلام، التي بارك الله فيها، ومنها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (القدس).
والحمد لله رب العالمين.
زهير الشاويش
عميد المكتب الإسلامي
стр. 311
ملاحق
مقال نُشر في جريدة الرياض بعنوان:
الشيخ زهير الشاويش: صاحب أكبر مكتبات العالم الإسلامي
كتب راشد بن محمد بن عساكر:
لن أقدم شيئاً جديداً في التعريف بهذا العالم المحدَث بل الموسوعي الثقافة، وفضله على التراث الإسلامي،
وتحقيقه وطبعه ونشره، فإن ذلك يحتاج إلى تآليف خاصة، وبحوث متعددة، حيث استفادت الأمة الإسلامية من
إثراءات هذا العالم وتطريزاته وتعليقاته الفريدة، وفوائده الجمة التي مازالت مستمرة منذ أكثر من ستة عقود،
كالسحابة التي تجود بمائها، ومازال بحمد الله يقدم هذا العطاء، والدفاع عن عقيدة السلف الصالح حتى اليوم،
رغم الظروف العصيبة التي مرت عليه في حياته .. صادم الأمواج المتلاطمة حاملاً راية الدفاع عن عقيدة هذا
البلد ودولة التوحيد طوال العقود الماضية رغم تباعد المسافات في البلاد الشامية على الأخص.
أمضيت عدة أيام وساعات طوال في مدينة بيروت ودارته العامرة، من أيام شهر رجب لهذا العام - ١٤٢٤هـ -
تمنيت ان تزداد للاستماع والفائدة من غزارة علم الشيخ وفوائده. ثم أكرمني خلالها وفقه الله بمطالعتي لجزء
من مكتبته الضخمة، أمضيت فيها مع شيخنا أجمل الأوقات، وفي الافادة من بعض المخطوطات، والاستفاضة
الكريمة مع كل زائر، كل ذلك بتواضع وسمت عرف عنه، كما هو خلق العلماء، الأمر الذي اخجلني رغم أن
الشيخ في الثمانين من عمره أطال الله بقاءه حيث (ولد في دمشق عام ١٣٤٤هـ) متغالباً على ما يعتريه من
مرض بقوله: "مع المحابر حتى المقابر! ".
دار الحديث حول شؤون التراث والمخطوطات وحول ما لدى علماء الجزيرة العربية والعلماء الحنابلة
النجديين من مشاركة في التأليف وطلب العلوم ولاسيما في بلاد الشام ونسخهم للكتب المفيدة كما دار الحديث
عن زيارة الشيخ للرياض قبل خمسين عاماً ولقائه الملوك والأمراء والعلماء وكيف كانت الرياض آنذاك، كما
أفاض بالحديث عن شيخ الإسلام ابن تيمية باقعة العصر وأعجوبة التاريخ، والذي يمتلك الشيخ العالم زهير
عدداً من مخطوطاته وتعليقاته وتلامذته ﵏، وحدثني ان بعضها قد اشتراها من الرياض.
ثم أخبرني عن مكان مسجد شيخ الإسلام في دمشق الذي يصلي فيه ويدرس به والمسمى بالجامع القرشي،
إضافة إلى غيره من العلماء وغيرها من المعلومات المفيدة.
في مكتبة الشيخ:
أكرمني الشيخ بالاطلاع على بعض المخطوطات والمصورات وهذه عادته بدون منة، حيث يراسله كثير من
الدارسين في مختلف بقاع العالم، والباحثين وطلبة الدراسات العليا، للاستفادة منه ويقدم لهم ما يحتاجونه مبتغياً
الأجر من الله .
أما في مكتبة الشيخ فقد شاهدت بعض ما تحويه مكتبته من المخطوطات المفيدة النادرة، وقد حرصت على
تتبع بعض المخطوطات والوثائق التي لها علاقة بجهود بعض العلماء النجديين أو ما يخص تاريخ الجزيرة
العربية، فوجدت الكثير، وليعلم القارئ الكريم ان هذا غيض من فيض كما يقال ولا يمكن الإلمام بجميع ما فيها
- وقد أذكر ذلك في مواضيع أخرى.
نماذج من هذه المخطوطات:
١ - بلاد العرب: للغدة الأصفهاني (ت٣١٠) تقريباً ولعلها من أقدم النسخ لهذا الكتاب، وقد علمت من الشيخ
زهير انه أرسلها للشيخ حمد الجاسر ﵀ قلت: ولعل ذلك تم بعد تحقيق الشيخ حمد لكتاب لغدة سنة
١٣٨٨هـ والنسخة واضحة الخط مشكلة تخلو من السقط. كتب في أعلاها تاريخ الحجاز. جاء في أول هذه
النسخة ما نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم وهو المستعان وعليه التكلان قال أبوعلي لغدة الأصفهاني رحمه الله تعالى قال
أبوالورد العقيلي من مياة بني عقيل بنجد ... ).
٢ - رسالة تقع في أكثر من مائة وتسعين ورقة وهي عبارة عن حمل الأموال وتوزيع الأوقاف من مدينة
دمشق إلى المدينة المنورة في سنة ٩٩٢هـ وهي بيان للأموال ونتاج ما يخرج من الضياع التي كانت تجمع
للحرمين الشريفين مما هو وقفاً عليها، وقد سجل على جوانب هذا المخطوط تقديرات وحسابات لهذه الأموال
حتى القرن الحادي عشر الهجري، ويرد في هذه الأسماء بعض الأسر الحنبلية ومقدار أوقافهم، وهذا الكتاب
شيء نادر جداً وعلمت من الشيخ زهير الشاويش أن أحد أجداده بكري الحسيني "وهو الذي لقب بالشاويش"
كان يحمل هذا الدفتر مع العلماء والقضاء إلى المدينة لتوزيعها، وفي هذه النسخة أرقام وتعليقات معينة،
وتواريخ مختلفة.
٣ - نسخة من مخطوطة (تذكرة الألباب بأصول الأنساب) للبتى الأندلسي ت٤٨٨هـ والمعروف ان هذه النسخة
حققها العلامة الجاسر واعتمد على نسختين محفوظتين في مكتبة عارف حكمت في المدينة النبوية ونشرها في
مجلة العرب عام ١٤٠١هـ كما نشرت محققة - على نسخة مكتبة عارف حكمة أيضاً - وحققها السيد محمد
مهدي الموسوي ونشرها في مجلة الذخائر في عام ١٤٢٠هـ ولعل هذه النسخة المحفوظة لدى الشيخ زهير من
أقدمها وتعود إلى ما قبل القرن الثاني عشر الهجري تقديراً.
٤ - نسخة في صيام يوم الشك: للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وهي رسالة رد بها على الشيخ عثمان
بن منصور.
ثم سؤالات أخرى واجابات الشيخ عبد الرحمن كالتحذير من التكفير. ورسالة لعبد الله أبا بطين وفيها اختصارات
لكتب الإمام ابن القيم. ورسالة من حسن بن حسين إلى الشيخ حسن العجيري وغيره من الرسائل.
وهذه النسخة بخط الشيخ والكاتب المشهور عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي المتوفي في نهاية الستينات من
القرن الماضي والذي كان كاتباً للشيخ محمد بن عبد اللطيف وهذه النسخة كتب الشيخ زهير عليها (من كتب
الرياض) حيث سألت الشيخ زهير عنها فقال: (انه اشتراها مع مجموعة كبيرة من الرياض من دكان في
منطقة دخنة من شخص اسمه حنيشل .. ) وذلك في السنة الأولى لقدومه للرياض سنة ١٣٧٥هـ.
قلت: وحنيشل هو ممن زاول مهنة بيع الكتب فيما بعد الخمسينات الهجرية من القرن الماضي مع غيره من
الوراقين في الرياض.
٥ - تحفة السالك في أحكام المناسك للشيخ عبد الله بن داود النجدي الحنبلي في سنة ١٢٩٠هـ.
٦ - ذاد المستقنع شرح مختصر المقنع للمقدسي وهو بخط محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد (تملك ابن
فهيد) سنة ١٢٩٤هـ.
٧ - شرح ديباجة المصباح كتبت سنة ١٠٦٣هـ محمد بن ميكائيل (شراء من الرياض).
٨ - شرح الاجرومية للكفراوي، وهو شرح نادر وناسخة من أهل الرس من منطقة القصيم في نجد وجاء
اسمه: زيد بن حزيم بن سلامة من أهل بلدة الرس النجدي الحنبلي خطه في سنة ١٢٦٩هـ.
٩ - شرح الأربعين النووية نسخ سنة ١٠٥٤هـ (وهذا الكتاب شراه من الرياض).
وتحفل هذه المكتبة بخطوط وتعليقات العلامة والمؤرخ النسابة ابراهيم بن صالح بن عيسى المتوفى سنة
١٣٤٣هـ - ولعل الشيخ زهير اشترى بعض هذه المخطوطات لابن تيمية من الرياض - حيث تملك هذا العالم
ابن عيسى نسخاً مهمة لمخطوطات شيوخ الإسلام ومن خطوطهم بأيديهم كخط ابن تيمية، حيث قال ابن عيسى
ما نصه: قف على خط شيخ الإسلام أحمد بن تيمية بيده رحمه الله تعالى قاله كاتبه ابراهيم بن صالح بن
عيسى ساكن بلد اشيقر).
كما تأتي تعليقات ابراهيم بن عيسى على خط الإمام عبد الله المقدسي المتوفى سنة ٦٣٧هـ حيث قال ابن عيسى:
(قف على خط عبد الله بن عبد الغني المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي المولود في شوال ٥٨١هـ المتوفى في رمضان
سنة ٦٣٧هـ رحمه الله تعالى له ترجمة في الطبقات لابن رجب .. ).
وفي نسخة مخطوطة أخرى علق العلامة ابن عيسى على خط المزي فقال: (وقف على خط المزي يوسف ابن
الزكي) .. وغيرها من التعليقات والفوائد.
قلت كم يتحفنا العلامة الباقعة ابراهيم بن عيسى بهذا الاهتمام والتعليقات النادرة له على طرة المخطوطات ويا
ليت طلبة الدراسات العليا وغيرهم من المهتمين يتجهون إلى دراسة شاملة ومفيدة عن جهود العلامة ابن عيسى
في جمع التراث المخطوط، هذا فضلاً عن كشف مخطوطاته واظهارها للنور التي لاتزال بعض منها قابعة
فوق الأرفف وتحت الأقبية!!
حدثني الشيخ الشاويش عن بعض علماء الجزيرة العربية وتتبعهم للتراث الإسلامي وصبرهم وتحملهم على
طلب العلوم الشرعية ومنها ما كان يقوم به الشيخ العلامة محمد بن مانع - ت ١٣٨٥هـ - في أيام الطلب في
بلاد الشام وتردده على الظاهرة فقال:
(كان الشيخ محمد بن مانع ﵀ يأتي إلى مكتبة الظاهرية ويحمل معه أكلاً بسيطاً - وهو شيء من
الحمص المحمص - وعندما ينتهي عمل المكتبة يغلقون الباب عليه، ويمكث إلى مساء اليوم .. وهكذا يستمر
أياماً .. وقد اطلع على قضايا في مخطوطات الظاهرية من حفظه منذ خمسين عاماً منها: الفقهية كقضية متعلقة
بالذبح من كتاب روضة الطالبين للشافعية ومن غرائب الأمور انه حدثني بها منذ خمسين عاماً وأحدثك بها بعد
خمسين عاماً كذلك).
قلت كم كنت أتمنى ولازلت والكثيرون غيري كذلك أن يقوم ابنة الشيخ العالم والأديب المبتعد عن الأضواء
شيخنا أحمد بن الشيخ محمد بجمع ما يخص والده العلامة من فتاوى ومراسلات وفوائد تاريخية وأنساب
وتراجم، وظني ان العلامة زهير لن يتوانى في تقديم ما يخص والده في هذا الأمر إذا علمنا ان الشيخ - زهير
- يحمل محبة لشيخه ابن مانع ﵀.
كما انه ينبغي حث طلبة الدراسات العليا والمهتمين في القيام بدراسة هذه الشخصية التي عنيت بالاهتمام
بالتراث الإسلامي العظيم من تراجم وأعلام وكتب، هذا بخلاف اشرافه على التعليم في منطقة نجد. ولكن
الشيخ زهير يحرص على مراسلة العلماء في السعودية ويبعثون له بعضاً من المخطوطات النجدية لأنها نادرة
كنسخة بعثها له الشيخ عبد الملك بن ابراهيم آل الشيخ وهو كتاب الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمقدسي
المتوفى في ٦٢٠هـ وهي مخطوطة في عام ١٢٢٦هـ وهي بخط محمد بن ابراهيم بن مانع ابن حمدان وقد
أعارها عبد الرحمن بن رشيد بن عوين للشيخ عبد الملك وهي النسخة التي طبع عليها كتاب الكافي.
ومن النسخ التي رأيتها في مكتبة الشيخ القاموس المحيط وهي من النسخ النادرة وعليها تعليقات وهواش غير
التي في المطبوع، وهي بخط متقن جداً مع الشكل الكامل.
واطلعت لدى الشيخ على مخطوطة الرسالة القشيرية كتبت بالقلم الأندلسي، وهي نسخة نادرة جداً كانت - كما
أعلمني الشيخ - أوراقها متلاصقة إلا انه قام بعلاجها والآن يسعى في نشرها وعلى هذه النسخة سماعات كعام
٥٨٦هـ. والقشيري توفي عام ٤٦٥هـ.
ويحتفظ الشيخ زهير - حفظه الله بفهارس وأضابير كثيرة من العلماء ومما شاهدته لديه على سبيل المثال
أضابير خاصة للعلامة الدكتور لمصطفى السباعي، وكذلك للشيخ عبد الفتاح أبوغدة، وللداعية عبد القادر بدران،
ولزعيم فلسطين المفتي الأكبر الشيخ محمد أمين الحسيني، والعلامة الشيخ محمد بهجت البيطار، وغيرهم.
كما يوجد لديه أضابير خاصة لمراسلاته مع علماء المملكة العربية السعودية كالشيخ محمد بن مانع - ت
١٣٨٥هـ - وهذه المجاميع فيها من الفوائد العلمية والأخبار التاريخية والتراجم النجدية التي ستقدم معلومات
جديدة إذا خرجت للنور كما ذكرت من قبل.
كما وضع الشيخ زهير لهذه المكتبة اضبارات خاصة عن البلدان وأخباره التاريخية كالأردن والسعودية وقطر
والبحرين وسوريا ولبنان وغيرها. كما اهتم الشيخ بوضع اضابير مختلفة لبعض الفرق المذهبية كالشيعة
والماسونية والدروز والبهائية وغيرها من الفنون ..
كما شاهدت بعض المخطوطات الفلكية، وتصفحتها مع الشيخ شارحاً لبعض مؤلفيها، ورأيت المخطوطات ذات
اللغات المختلفة كالتوراتية العبرية في لفافات ضخمة، وغيرها.
هذا بخلاف الدشتات الممتلئة بالمخطوطات الكثيرة في كل فن .. وبالجملة فإن هذه المكتبة حافلة لكل العلوم
والفنون وهي في نظري المتواضع أضخم مكتبة خاصة شاهدتها، وتحتوي على هذا العدد الضخم من
المخطوطات التي تتجاوز أربعة عشر ألف مخطوطة بخلاف الكتب المطبوعة والتي تعد من بواكير الطباعة
العربية ويبلغ عمر بعض هذه الكتب مائتي عام.
هذه لمحة موجزة عن فوائد الشيخ ومكتبته العامرة هذا بخلاف ما سجلته من الفوائد التي لا تتسع الصفحات
لها.
نسأل الله ان يجزي الشيخ زهير خير الجزاء على ما قدمه لحفظ تراث أهل السنة وأهل الحديث، والتي بحمد
الله مازالت مضيئة بأمثال هؤلاء العلماء وقبل الختام.
كما لا يفوتني ان أشكر أولاده الفضلاء الذين يساعدونه في حفظ هذه المكتبة العامرة وحسن أخلاقهم كالأستاذ
بلال والمهندس علي والاخوة الذين يساعدونهم في حفظها، وفي ادارة المكتب الإسلامي.
وفي النهاية نسأل الله ان يجزي الشيخ خير الجزاء على ما قام به من خدمة السنّة المطهرة والشرع الحنيف.
كما يهنئه محبيه على نجاح العملية التي أجريت لعينيه الكريمتين قبل أسبوع ونسأل الله أن يمتعه بالصحة
والعافية وأن يمد في عمره على طاعته.
стр. 312
مجلس مع ملتقى أهل الحديث
(كتب الشيخ عبد الرحمن بن عمر الفقيه الغامدي ٢٣\ ١٢\١٤٢٣ هـ: )
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
أما بعد
جمعنا الليلة جلسة علمية حافلة مع الشيخ زهير الشاويش حفظه الله مع جمع من أهل العلم في منزل الشيخ طلال الملوح صاحب دار عالم الفوائد
ومعنا المشايخ حاتم بن عارف العوني والشيخ علي بن محمد العمران والشيخ عبد الله المطيري والشيخ عبد الرحمن حسن قائد الريمي والأخ خليل بن محمد الشاعري
وقد أجازنا جميعا بمروياته
وقد اطلع الشيخ على الموقع وكتب كلمة طويلة، نسأل الله أن يحفظ الشيخ ويبارك في علمه وعمره
وهذه كلمة الشيخ حفظه الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونصلي على محمد وآله وجميع صحبه ... وبعد
فقد أسعدني الله سبحانه في مكة المكرمة وبجوار بيته الحرام باللقاء بأفاضل علماء هذا البلد الكريم وآنست بهم وتشرفت بالحديث إليهم وأسأل الله أن يكتب لهم التوفيق والسداد.
وأحمل إليهم تحيات إخوانهم في بلاد الشام كل الشام وسوريه ولبنان والأردن وفلسطين درة بلادنا ومركز جهادنا فرج الله عنها وجعلنا من الشهداء في سبيلها ومن السعداء في الإقامة بها.
وإننا في بلاد الشام قد كتب الله لنا القدرة على كثرة مطبوعات علم الحديث النبوي الشريف وكتب العقيدة السليمة التي ارتضاها الله لعباده المروية عن الصحابة الكرام ﵃ وتلقاها علماء الأمة بالقبول والعمل وإنني أدعوا الله ان يفرج عنا ما نحن فيه من كروب بفضلة وكرمه
وقد امتن الله علينا بالقدرة على القيام بهذه العبادة الطيبة بسهولة ويسر ومعونة لنا ولجميع المسلمين.
وإنني أشكر هذا الجمع الغفير ممن لقيت من علماء المملكة وشكرت لهم اهتمامهم بإخوانهم من مختلف البلاد وفي هذا المؤتمر الذي جعله الله للمسلمين في كل عام وتتلاقى أجسامهم وتجتمع أفكارهم ويتعاونوا على البر والتقوى مع الدعاء إلى الله أن يفرج عنهم جميعا.
كما شاهدت الاهتمام بالعقيدة الإسلامية الصحيحة التي هي عماد الدين ومنها ينبع النصر المأمول من فضل الله.
وإنني أدعوا لإخواني المسلمين أن يبارك في أيامهم وأن يجعلني وإياهم من عباده الصالحين وإنني أنتهز هذه الفرصة الكريمة التي دعاني إليها إخواني الأفاضل في (ملتقى أهل الحديث) على الشبكة المفيدة النافعة، وأرجوا الله أن أتمكن مستقبلا من التعاون معهم على الخير عملا بقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى)
وكتب
ابو بكر محمد زهير بن مصطفى الشاويش الهاشمي الحسني -الدمشقي الميداني- البيروتي ثم الحازمي -غفر الله له
مكة المكرمة
الإثنين
٢٣\ ١٢\١٤٢٣
стр. 313
مشايخ الشيخ زهير الذين يجيز عنهم في إجازته
(كتب الشيخ عبد الرحمن بن عمر الفقيه الغامدي: )
أسوق هنا مشايخ الشيخ زهير الذين يجيز عنهم في إجازته وقد انتقاهم من جمع ممن أخذ منهم الإجازة:
١ - الداعية الجليل المجاهد الشيخ صلاح الدين بن رضا الزعيم (الدمشقي).
٢ - العلامة الأديب الداعية الشيخ سعدي بن أسعد ياسين الصباغ (الدمشقي ثم البيروتي).
٣ - السيد الحسيب حسين أحمد المدني (مرجع أسانيد أهل الهند).
٤ - العلامة المحدث عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي (اليمني ثم المكي).
٥ - العلامة المؤرخ الشيخ محمد راغب الطباخ (الحلبي).
٦ - العالم الداعية الشيخ محمد بن محمود الحامد (الحموي).
٧ - العلامة السياسي الشيخ محمد سعيد العرفي (الفراتي).
٨ - العلامة محمد بن عبد العزيز المانع (القصيمي ثم القطري).
٩ - العلامة الرحالة الدكتور تقي الدين الهلالي (المغربي)
١٠ - العلامة المجاهد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.
١١ - المحدث المحقق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (الهندي).
١٢ - العالم المربي الشيخ إبراهيم الراوي -شيخ الرفاعية- (العراقي).
١٣ - العالم الشاعر الشيخ محمد سالم البيحاني (العدني).
١٤ - العالم الشيخ سيف بن محمد بن مدفع (الشارقي).
١٥ - العالم الجليل الشيخ عبد الله القلقيلي (مفتي فلسطين والأردن).
١٦ - المفتي الحنبلي الشيخ محمد جميل الشطي.
١٧ - شيخ أحناف الشام الشيخ عبد الوهاب الحافظ -دبس وزيت- (الدمشقي).
١٨ - العلامة الشيخ محمد بن عبد الله آل عبد القادر (الأحسائي).
١٩ - العلامة اللغوي المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر (المصري).
٢٠ - العالم المربي الشيخ نافع الشامي (الإدلبي).
стр. 314
تنبيه (مهم) من زهير الشاويش بخصوص كتاب (المرعشلي)
ذكر الشيخ / زهير الشاويش ـ حفظه الله ـ، أن الدكتور / يوسف المرعشلي أخطأ في كتابه الأخير (معجم المعاجم والمشيخات ... ) خطأً كبيرًا في حقه، حيث زاد (بقلمه) على إجازته أربعة من الشيوخ وهم بأرقام:
٢١ ـ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
٢٢ ـ أخوه عبد اللطيف.
٢٣ ـ أخوه عبد الملك.
٢٤ ـ عبد الرحمن الإفريقي.
انظر (معجم المعاجم: ٤ / الملاحق ـ صور إجازات الشيوخ، ويظهر فيها بوضوح إلحاق هؤلاء الأربعة بالقلم، زيادة على العشرين شيخاً الذين سماهم الشاويش في إجازته)
قال الشيخ: وهؤلاء الأربعة أعرفهم، ولي بهم صِلات قوية، لكني لم أستجزهم.
ثم قال لي: لقد هاتفت المرعشلي، فاعتذر عن ذلك، وأنه فعل ذلك ظناًّ منه أنهم قد أجازوني، لما سمعني أذكرهم كثيراً (*).
قال: ثم أرسل إليَّ اعتذاراً خطياًّ، يوضح فيه ذلك.
قال: وقد استغلّ هذا الخطأ بعض الناس في الرياض (وهو محمد الرشيد، صاحب أبي غدة)، وأخذ يشنع علي َّ، ويتهمني بالكذب والتزوير .. و ..
стр. 315
الشيخ علي بن محمد العمران
ترجمة الشيخ المحقق علي بن محمد العمران
الاسم:
علي بن محمد بن حسين العمران (بكسر العين)
ولد في اليمن عام ١٣٩٠, في السودة، إحدى ضواحي مدينة عمران (بفتح العين). ثم انتقل إلى المملكة وهو دون الخامسة، واستقر بمدينة الطائف، وأكمل بها المراحل التعليمية الثلاث.
ثم التحق بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية بكلية الحديث والدراسات الإسلامية، وتخرج فيها عام ١٤١٢ بتقدير ممتاز
فأخذ من مشايخ الجامعة، كفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان , والشيخ عبد المحسن العباد في العقيدة، والشيخ حافظ الحكمي في المصطلح، والشيخ عبد العزيز العبد اللطيف _ رحمه الله_ في الجرح والتعديل، وأخذ عن غيرهم من مشايخ الكلية، وأساتذتها.
وكان لتعرفه على ثلة من من طلبة العلم النابهين أثر كبير في حياته العلمية، كالشيخ صالح بن حامد الرفاعي والشيخ أحمد بن علي القرني، وغيرهم.
واستقر بعد التخرج في مدينة الطائف وانتفع فيها بإمور ثلاثة:
١ - تفرغه للطلب والتحصيل والبحث والتأليف.
٢ - ملازمته للدروس العلمية للشيخ عبد العزيز بن باز- ﵀ في يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع في أيام الإجازة الصيفية.
٣ - ملازمته لمجالس الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - حفظه الله - في بيته، فقل يوم إلا ويجتمع به ويستفيد منه ويذاركره العلم.
له عدد من المصنفات والتحقيقات وهي:
١ - تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في ميزان الإعتدال- جمع وتعليق.
٢ - القواعد والفوائد الحديثية من منهاج السنة النبوية - جمع وتعليق-.
стр. 316
٣ - المشوق إلى طلب العلم (وهو ماتع جدا) - تأليف.
٤ - العلماء الذين لم يتجاوزا سن الأشد - تأليف-.
٥ - الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية- خلال سبعة قرون - جمع وتعليق وفهرسة فنية دقيقة- بالإشتراك مع الشيخ الشيخ / محمد عزير شمس - وفقه الله - قدم له العلامة الفهامة الشيخ / بكر بن عبد الله أبوز زيد- حفظه الله- وفي هذا الجامع فوائد عظيمة!!!.
٦ - منجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري - اعتناء وتحقيق-.
٧ - أسامي شيوخ البخاري للصغاني-أخرجه بخط مؤلفه وقدم له ووضع فهارسه -.
٨ - عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع للسخاوي - اعتناء وتحقيق-.
٩ - تجريد التوحيد المفيد للمقريزي - تحقيق-.
١٠ - منسك شيخ الإسلام ابن تيمية - اعتناء وتحقيق-.
١١ - تقييد المهمل وتمييز المشكل لأبي علي الغساني - دراسة وتحقيق في ثلاثة مجلدات - بالإشتراك مع الشيخ محمد عزير شمس.
١٢ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير - دراسة وتحقيق - قدم له الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد.
١٣ - النفحة القدسية والتحفة الأنسية، للحفظي، تحقيق.
١٤ - مختصر الصارم المسلول.
١٥ - المنهج القويم اختصار الصراط المستقيم، كلاهما للبعلي، تحقيق.
١٦ - ذيل التبيان لبديعة البيان، للحافظ ابن حجر، تحقيق.
١٧ - بدائع الفوائد، لابن القيم، في خمسة مجلدات، تحقيق.
تحت الطبع:
١٨ - شفاء العليل اختصار بطلان التحليل، للبعلي، تحقيق.
١٩ - اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية للبرهان ابن القيم، تحقيق.
٢٠ - صوارم اليقين لقطع شكوك القاضي أحمد بن سعد الدين، ليحيى بن الحسين بن القاسم، تحقيق.
٢١ - الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية.
٢٢ - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عبد الهادي، تحقيق.
стр. 317
ثناء الشيخ العلامة بكر أبو زيد عليه:
قال الشيخ بكر أبو زيد في تقديمة لكتاب الروض الباسم لابن الزير (١/ج) (وقد سمت همة الشيخ الفاضل / علي بن محمد العمران، إلى الإمساك بناصيته، والاعتناء بإخراجه على مجموعة نسخ خطية، فلما أحضره الي _ تقبل الله منا ومنه- مطبوعا في تجربته الأخيرة في نحو ((٦٠٠)) صفحة، ومقدمة التحقيق في نحو ((١٠٠)) صفحة، قرأت مقدمة التحقيق، وجملة من التعاليق، وفي مواضع من المتن، وفي فهارسه الكاشفة عن مخبآته، فتذكرت قول من مضى: ((دل على عاقل حسن اختياره)) وأضيف اليه ((ودل على عاقل حسن عمله وإتقانه)) فقد جمع هذا الفاضل بين الحسنيين، وحاز الدلالتين؛ إذ قد مشى في تحقيقه على أصول نيرة، يعرف بها التزامه بها من كان له فضل عناية بالتحقيق، ولا أريد أن أطيل، فالعمل أمام فوقة القراء، ومنصفيهم.
وقد عافاه الله من حشر الحواشي الطوال بلا طائل - تلك الظاهرة التي تمكن غير المختصين من استباحة حمى العلوم الشرعية -.
وله - أثابه الله - لفتات نفيسة في المقدمة، والحواشي، وقد أحسن كل الإحسان في كشافات الكتاب المصنفة على مجموعتين:
((الفهارس النظرية)) التي في وسع كل أحد عملها، و ((الفهارس العلمية)) التي لايستطيع عملها بصفة موعبة إلا طالب علم متمكن، ولا أحسب المحقق الا كذلك)) انتهى كلام الشيخ بكر حفظه الله.
стр. 318
حول رسالة العشق المنسوبة لابن تيمية
ـ[الشيخ الفاضل وفقه الله. . وجدت كلاما حول مشروعكم عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المنتديات. . وخاصة في نسبة رسالة في العشق لابن تيمية. . وهذا نص الموضوع. . ((حبا لشيخ الاسلام ولما له من الفضل واليد الطولى في نصرة السنة وتحقيق المسائل المشكلة، وحماية له من ان ينسب له ما ليس له كتبت هذا التنبيه على هذا المجموع الذي لا يخلو من انتقادات. . فمن اهم الملاحظات:. . نسبتهم فتوى لشيخ الاسلام في العشق .. !!!. . مع ما فيها من كلام يخالف كلام شيخ الاسلام ابن تيمية فهو ايضا خاوي من نفس شيخ الاسلام ﵀. . وذلك: بان في هذه الرسالة المنسوبة لشيخ الاسلام - زعموا - يجيز فيها تقبيل المعشوق شهوة .. !!. . والكلام فيها كلام ركيك ودعوة للعشق بذكر فوائده وجواز الكلام بين المعشوقين والنظر والتقبيل إن دعت الحاجة الى ذلك .. !!. . وهذا مع مصادمة للسنة فهو ايضا مصادم لما قرره شيخ الاسلام في المجلد العاشر من مجموع الفتاوى (السلوك). . . وقد اعتمد المحقق على نسخة خطية ليس عليها سماع ولا اسم للناسخ وقال: انها نسخت في القرن العاشر على الاقرب (أو بما معناه). . فهل هذا تحقيق!!؟؟ أم شغل تجاري!!؟؟. . أرجو أن تصل هذه الملاحظة إلى الأخ المحقق ليراجع نفسه وما خطت يده. . . وان شاء الله لي وقفة مع كتاب المجموع في ترجمة شيخ الاسلام المطبوع ضمن هذه المجموعة. )). . ]ـ
ـ[أود التأكيد على طلب الأخ، وأرجو عرض الموضوع على الشيخ محمد عزير؛ فهذه الرسالة (العشق) أكاد أجزم بأنها ليست لشيخ الإسلام ﵀ لأسباب:. . ١ - لم يذكر المحقق من ذكر هذه الرسالة من العلماء عن شيخ الإسلام، وهذا في غاية الأهمية نظرا لغرابة الكلام المذكور فيها. . . ٢ - ليس من سبيل لإثباتها إلا ما جاء على طرتها من اسم شيخ الإسلام!!. . ٣ - أن أسلوبها الركيك يشكك في ثبوتها، فليس فيها ذاك النفس المعهود عنه ﵀. . . ٤ - أنه من غير الممكن أن يقول الشيخ ﵀ بجواز تقبيل المعشوق في ألأحيان!!! وأنه من الأفضل أن يمكنه المعشوق من ذلك!!!. . . ٥ - أن كلام الشيخ في غير هذا الموطن يخالف المذكور هناك، وأن على العاشق البعد عن من عشقه، وأن هذا يزيل عنه ما يجد، انظر مثلا: ١٠/ ١٣٢. . أتمنى من الشيخ علي إيصال هذا الموضوع إلى المحقق، كما أتمنى أن يتحفنا برأيه فيما ذُكر ... خاصة إذا تأمل المتأمل في حجم الخطر الكامن وراء انتشار هذا الكلام بين ضعاف النفوس، فاللهم سلم. ]ـ
ـ[كتب بعض الإخوة كلاما في أحد المنتديات، قال [كنت هممت من عدة أيام كتابة ملاحظات على المجموعة التي أصدرتها عالم الفوائد والتي تتضمن مجموعة رسائل لابن تيمية وبعض المختصرات ومقدمة لبكر أبو زيد ولكن أشغلتني قضايا أخرى حتى رأيت لشخص يسمي نفسه القشيري كتب تعليقا على هذه المجموعة، وغرضي هنا بيان بطلان فتوى العشق المنسوبة لابن تيمية التي نشرها عزير شمس أصلحه الله فعزير شمس لم يتبع المنهج العلمي في توثيق الكتب والرسائل لأصحابها ولذلك وقع في هذه المشكلة وفتوى العشق التي نشرها في مجموعته في الجزء الأول بين الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب روضة المحبين كذب هذه الفتوى على ابن تيمية ففي روضة المحبين ص١١٨ ذكر ابن القيم جزءا من هذه الفتوى التي نشرها عزير شمس، وبين في ص١٣١ أنها مكذوبة على شيخ الإسلام وأنها بخط رجل متهم بالكذب فهذا أخص تلاميذ ابن تيمية وهو ابن القيم ومن أعرف الناس بكتب شيخه وفتاويه ومذهبه يبين للناس كذب هذه الفتوى وأنها لا تصح نسبتها إلى ابن تيمية وإنه لمن الواجب على دار عالم الفوائد أن تتقى الله وتقوم بسحب جميع نسخ الكتاب من السوق واتلاف الجزء الأول منها وإعادة طباعته بدون الفتوى المذكورة، لأنهم إن لم يفعلوا ذلك فقد أسهموا بنشر هذا الكتاب وما تحويه من فتوى خطيرة يطير بها الفساق فرحا يسهمون بنشر الفساد ونسبة جواز الفسق إلى علم من أعلام الأمة اللهم أهدنا جميعنا لما تحبه وترضاه]. . آمل من الشيخ - حفظه الله - مراجعة ما كتبه الأخ بهذا الخصوص وجزاكم الله خيراُ، والله يحفظكم ويحفظ المسلمين آمين]ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
في أول إجاباتي على الأسئلة الواردة من الإخوة الفضلاء، أقدم الجواب عن سؤال تكرر كثيرا في هذا المنتدى وفي غيره من المنتديات ألا وهو ما يتعلق ب ((رسالة العشق)) المطبوعة في (جامع المسائل: ١/ ١٧٧ - ١٨٦)، ومدى صحة نسبتها لشيخ الإسلام ابن تيمية، فأقول:
أولا: ينبغي على طالب العلم أن يستعمل الأدب في حواراته العلمية، وأن يدعم قوله بالأدلة والحجج ما استطاع الى ذلك سبيلا، وبعيدا عن سفيه القول وطائش الكلام، الذي يذهب بروح البحث.
ثانيا: مهما كان الباحث واسع الإطلاع قوي المعرفة بما يكتب - كالشيخ محمد عزير شمس - فإنه قد يفوته كثير مما يدركه غيره، وهذا من طبيعة البشر، فكان ماذا لو فاته الاطلاع على كلام ابن القيم في نفي هذه الرسالة وأنها مكذوبة على الشيخ؟!
ثالثا: أن عذره في إثبات هذه الرسالة أمور:
١ - كثرة كتب ابن تيمية ورسائله وفتاويه، فعدم ذكرها ضمن كتبه ومؤلفاته، ليس دليلا على نفيها.
٢ - أن ابن القيم قد نقل بعض التقسيمات الموجودة فيها في كتابه ((الجواب الكافي)) كما أشار إليه عزير شمس في الهوامش.
٣ - أن النسخة الخطية قد نسبت هذه الفتوى لابن تيمية.
٤ - أن الرأى الذي استغربه الكثيرون وهو: جواز تقبيل من خاف على نفسه الهلاك، ليس رأيا خارجا عن الإجماع، بل قد اختاره بعض العلماء ومنهم أبو محمد بن حزم - كما ذكر ابن القيم-.
أقول فهذه الأمور مجتمعة - إذا تجردت عن قرينة نفي ابن القيم للرسالة وتكذيبه لها الذي لم يطلع عليه عزير شمس - تسوغ هذه النسبة، وإن لم نجزم بها جزما لايقبل الشك.
رابعا: هذا العذر - في تقديري على الأقل -مسوغ لهذه النسبة، فكيف لو اجتمع إليه دليل خامس، وهو: أن الأمير علاء الدين مغلطاي وهو من تلاميذ ابن تيمية وأنصاره - قد أثبت هذه الرسالة للشيخ ونقل منها في كتابه ((الواضح المبين فيمن مات من المحبين)).
خامسا: بعد هذا كله فالرسالة - عندي - لاتثبت لشيخ الإسلام ابن تيمية، فليس فيها نفسه ولا أسلوبه المعهود في الكتابة، وما ذكره ابن القيم من أدلة في نفيها كاف. وقد ذكر في الروضة " ((ص/١٣١) أن أحد الأمراء - ويعني به مغلطاي - قد أوقفه على هذه الفتوى، ثم نقدها.
سادسا: استدراكا لهذا الأمر؛ فإنه سينبه في آخر (المجموعة الخامسة) - إن شاء الله- على ما استجد من معلومات وفوائد وتصحيحات فيما يتعلق بهذه السلسة (١ - ٨) تحت عنوان: ((استدراكات)) وسيكون التنبيه على هذه الرسالة منها. هذا أولا.
وثانيا: أنه في الطبعة الجديدة (للآثار. . . ) - وهي قريبة إن شاء الله تعالى - ستحذف هذه الرسالة منها.
هذه خلاصة رأيي في هذه المسألة، والحمد لله حق حمده.
. . . وآمل أن يكون فيما ذكرته كفاية ومقنع، وأخبر الأخوة أن الشيخ محمد عزيز شمس خارج البلاد الآن، والإ لا لتمسنا منه أن يجيب على هذا التسائل بنفسه.
ـ[هل مغلطاي المذكور هو الأمير (*) المشار اليه]ـ
نعم هو الأمير المذكور على ما أرجح
стр. 319
ـ[من واقع عنايتكم بالتحقيق الرجاء إبراز أهم الصعوبات التي تواجه المحقق ؟ وكيف يمكن أن يتغلب عليها. ]ـ
بالنسبة للصعوبات التي تواجه المحقق؛ فلا يخفى أنها كثيرة ومتنوعة بتنوع متعلقات المخطوط، من جهة عدد النسخ، فقد تكون المشكلة من كثرة النسخ وقد تكون من قلتها، ومن جهة تمامها وعدمه، ومن جهة موضوع المخطوط ومادته، ومن جهة وضوح الخط وعدمه. . . . الخ
ولو نظر الناظر في مقدمات الكتب المحققة فى الرسائل الجامعية لوجد فصلا ثابتا عن الصعوبات التي واجهوها في التحقيق، وهذا النظر كفيل بأن يطلع الباحث على ما يعانية المحققون، وكيف عالجوا تلك المصاعب، وأرجو أن لا تكون صارفة له عن التفكير في التحقيق جملة.
والموضوع يحتمل أكثر من هذا، ولكن .. !!!
стр. 320
ـ [هل الأصوب في مجال التحقيق التلفيق، أم الاعتماد على أصل واحد وذكر الفوارق في لحواشي؟ ]ـ
خلاصة رأيي في مسألة التلفيق، أو اختيار أصل واحد يتلخص في أمور
١ - أن المسألة اجتهادية اعتبارية، ولايمكن الجزم بخطأ إحدى الطريقتين.
٢ - أن التنفير من طريقة (النص المختار) بأن يطلق عليه (التلفيق) لا يغني من الحق شيئا.
٣ - يلزم المحقق أن يختار أصلا واحدا في حالة ما إذا وجد الكتاب بخط مؤلفه، أو بخط أحد تلاميذه وعلية قراءة أو تصحيح المؤلف، أو كان بخط أحد العلماء وكان مع ذلك في درجة من الصحة والجودة بحيث يركن اليها المحقق، فهنا يلزمه أن يختار هذا الأصل ولا يحيد عنه إلا في حالات نادرة، كأن يكون الإخراج الأول للمؤلف. . . . أو نحو ذلك مما يعلمه أهل الشأن، فهنا يجوز الخروج عن الأصل مع التنبيه على ذلك.
٤ - آما إذا كانت النسخ متقاربة في الصحة أو لا مزية لأحدها على الأخرى فلا يلزم المحقق حينئذ اختيار أصل واحد وجعله حاكما على بقية النسخ، وإن كانت هذه الطريقة (اعني اختيار أصل واحد) مريحة للمحقق، لأنه سيثبت ما في النسخة المختارة ويملأ هوامش الكتاب بفروق النسخ الأخرى، بدون إعمال ذهن، ولا ترجيح راجح، ولا فهم لطريقة المؤلف وأسلوبه، فسيقول لك مثلا: (في الأصل [غير] وفى م: عير)!! فهو لا يفرق بين (غير وعير)!!
وهذه الطريقة (أعنى اختيار أصل واحد) يوصى بها -غالبا- المبتدئون في التحقيق من طلبة الماجستير، لعدم امتلاكهم أهلية أختيار النص الصحيح، أما المتمرسون في هذا الشأن فطريقتهم هي اختيار النص السليم
مثل: محمود شاكر وعبد السلام هارون وغيرهم، وليس معنى هذا تصويب أخطاء المؤلف، كلا. . .