Полный текст (753 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
في صحيح البخاري عندما جاء رجل إلى محمد بن سيرين وهو حبيب بن الشريد يحدثه بحديث عن الحسن عن سمرة في حديث العقيقة فقال: أذهب واسأل الحسن ممن سمعه فذهب وسأله فقال: سمعته من سمرة، باقي الأحاديث التي رواها عن سمرة وهي كثيرة يعني قد تكون بالمكرر أكثر من مئة حديث فهذه الأحاديث أختلف الحفاظ هل كلها سمعها أو لم يسمعها أو بعضها دون بعض مع أن هناك من الأئمة من يرى أن الحسن لم يسمع من سمرة ولا حديث فأقول أن رواية الحسن عن سمرة لا تحمل على السماع والاتصال لما تقدم. لكن من رواه عن غيره ممن ثبت سماعه منهم كأنس بن مالك فكل ما يرويه الحسن عن أنس فهذا محمول على السماع والاتصال إلا إذا دل دليل على خلاف ذلك. نعم، فهذه القاعدة في ذلك فيما يتعلق بهذه المسألة وفيما يتعلق بالتدليس أنا تكلمت على هذا في مقدمة كتاب (منهج المتقدمين في التدليس).
ما قولكم بارك الله فيكم في هذه الأحاديث ؟
ـ[(أ) من أدرك تكبيرة الإحرام لصلاة الفجر أربعين ليلة برئ من النفاق (في الترمذي): ]ـ
الجواب: هذا الحديث ضعفه الترمذي والأقرب أنه موقوف على أنس كما جاء عند عبد الرزاق في كتابه المصنف.
ـ[(ب) أمتي هذه أمة مرحومة جُعل عذابها في دنياها أو نحو هذا اللفظ. ]ـ
هذا جاء في حديث أبو موسى الأشعري وقد جاء من طرق متعددة وهذا لا ينافي أحاديث الشفاعة والتي فيها أنه يعذب أناس من هذه الأمة يعذبون في النار ثم يخرجون بشفاعة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وبالذات نبينا محمد ﵊، وبشفاعة الملائكة وبشفاعة الأولياء والصالحين وبشفاعة الأفراط لآبائهم. فأقول هذا لا ينافي الأحاديث التي جاءت في الشفاعة فهي لا شك أصح وأكثر وأكبر كما جاء في تاريخ البخاري الكبير لكن حديث أبو موسى ﵁ حديث صحيح وأصله في صحيح مسلم.
стр. 387
ـ[(جـ) من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة . ]ـ
هذا الحديث ضعيف جاء من طريقين وكلاهما لا يصح.
ـ[(د) أمر بعبد من عباد الله أن يجلد في قبره مئة جلدة .. حتى خفف إلى واحدة فلما جلد اشتعل عليه (قلبه) ناراً .. الطبراني من حديث ابن عمر، والطحاوي من حديث ابن مسعود (مع أن الطحاوي قد تفرد بهذا الإسناد في كل الطبقات فهل يكفي هذا لإعلال الحديث مع وجود جعفر الضبعي وعاصم بن بهدلة). ]ـ
لعله قبره وليس قلبه كما جاء في السؤال. بالنسبة لهذا الحديث لا أدري عن صحته ولكن فيما يتعلق بجعفر بن سليمان الضبعي اختلف فيه، وثقه قوم وتكلم فيه آخرون، وخرج له الإمام مسلم في صحيحه عدة أحاديث فجعفر بن سليمان له أحاديث مستقيمة وله أحاديث أنكرها بعض الأئمة عليه وعاصم بن بهدلة أيضاً مختلف فيه على جلالته في القراءة لكن في الحديث مختلف فيه له بعض الأوهام والأخطاء وحديثه ينقسم إلى أقسام لعله ليس هذا موضع ذكر هذه الأقسام لكن الأصل أنه لا بأس به فهو حسن الحديث هذا هو الأصل إلا في بعض مروياته هذا من حيث الرجلين؛ وأما من حيث الحديث فكما ذكرت لم أدرسه من قبل.
ـ[(هـ) مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره (أنا خرجت الحديث وكل طرقه ضعيفة فما رأيكم يا شيخ، وأيضاً هل المتن منكر أم لا)؟ ]ـ
هذا الحديث كما ذكر السائل جاء من طرق متعددة وبعض أهل العلم قواه كالسخاوي ونقل عن ابن عبد البر أنه حسنه، لكن من المعلوم أن التحسين بالذات عند المتقدمين أن أمره واسع، يعني يطلق على عدة أمور، والأقرب في هذا الحديث كما توصل إليه السائل أنه لا يصح وأن الصواب في هذا الحديث أنه مرسل عن الحسن البصري. هذا الأقرب (والله أعلم) وبالتالي لا يصح. وأما المتن: فهذا المتن لو ثبت الإسناد لكان صحيحاً وقد جاءت أحاديث تفيد أنه سوف يكون في آخر هذه الأمة تمكين لهذا الدين ونصر لعباد الله المؤمنين وذلك بخروج المهدي ونزول عيسى بن مريم ﷺ .
стр. 388
ـ[(و) حديث الأوعال: ] ـ
هناك من صححه كأبي بكر بن خزيمة، وإلى ذلك يميل الإمام ابن تيمية وهناك من ضعفه وهذا هو الأقرب والله أعلم. وفيه ثلاث علل:
١) أن الأحنف بن قيس لم يثبت له سماع من العباس بن عبد المطلب، وهذا تعليل البخاري.
٢) عبد الله بن عميرة فيه جهالة. كما قال الحربي.
٣) والاضطراب الذي وقع في إسناده على سماك كما قال ابن حجر أو البخاري قال أن عبد الله بن عميرة لم يثبت له سماع من الأحنف.
فهذا الحديث لا يصح لما تقدم وبحمد الله فيما يتعلق بإثبات العلو لله جل وعلا فهذا ثابت بالكتاب والسنة والفطرة والعقل.
ـ[(حـ) أن الرعد ملك والبرق سوطه (وقد ذكر السيوطي في الدر روايات كثيرة، فما درجة هذا الحديث). ]ـ
بعض طرقه رواه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير وهناك من أهل العلم ممن قواه ولكن بالنسبة لي ليس عندي حكم فيه.
стр. 389
ـ[(ط) حديث ركعتي الإشراق . ]ـ
لعل السائل يقصد "من صلى الصبح ثم جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كتب له أجر حجة وعمره تامة تامة" هذا الحديث قواه جمع من أهل العلم وضعفه جمع آخر والأقرب أنه لا يصح وأبو عيسى الترمذي ما صححه، وابن حبان ضعف بعض طرقه، وهذا الحديث له طرق كثيرة وكلها لا تصح. والأقرب أنه لا يتقوى ومما يدل أيضاً على ضعفه غير ضعف أسانيده غير ما تقدم هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث سماك عن جابر بن سمرة أن الرسول ﷺ "كان يجلس عندما يصلي الصبح حتى تطلع الشمس حسناً، وعند أبي داود حتى تطلع الشمس حسناء" وهذا الحديث قد رواه عن سماك شعبة بن الحجاج ورواه أيضاً أبو الأحوص. فهذا الحديث حديث صحيح وهذا من قديم حديث سماك وقد صححه كما تقدم الإمام مسلم. الشاهد من هذا الحديث أنه ما ذكر أن الرسول ﷺ كان يصلي بعد جلوسه ركعتين. وما أعرف عن الصحابة أنهم كانوا يصلون ركعتين. نعم جاء بأن عبيد بن عمير عندما كان يذكر أنه كان يقوم ناس في وقت السنة كانوا يصلون، يعني يصلون صلاة الضحى أما صلاة الإشراق فهذه غير صحيحة وإنما صلاة الضحى. فهذا الحديث لا يصح لكن لا شك أن الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح أو في أي وقت هذا مرغب فيه كما جاءت بذلك الأحاديث وكون الإنسان يصلي ركعتين أو أكثر بعد ارتفاع الشمس أيضاً بنيّة سنة الضحى هذا قد جاءت به النصوص. لكن الكلام على الحديث السابق باللفظ الذي تقدم ذكره لا يصح.
стр. 390
ـ[أين أجد تقسيمات مرويات الرواة الذي تذكرونه دائماً في دروسكم، هل هو اجتهاد شخصي؟ وهل يمكن أن نجده مطبوعاً في كتاب لكم؟ ]ـ
بالنسبة للتقسيمات التي أذكرها أحياناً في الحكم الراوي، هذه إما أن يكون أهل العلم ذكروها نصوا عليها صراحةً وإما أن تؤخذ من جمع كلام أهل العلم في الراوي فمثلاً ما تقدم الكلام فيه على عبد الله بن لهيعة أصل التقسيم ذكره أهل العلم أو ذكره بعض أهل العلم فرقوا ما بين من روى عنه بعد الاختلاط أو قبل احتراق كتبه ومن روى عنه بعد احتراق كتبه. وبالمناسبة أن الذين رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه هم جمع كبير ليس خاصاً بالعبادلة، فأقول أصل هذا التقسيم ذكره بعض أهل العلم وأنا فرقت أيضاً بين من روى عنه قديماً فجعلت عبد الله بن وهب أقوى من غيره وهذا لما ذكرت أن عبد الله بن يزيد المقرئ ذكر بأنه روى عنه قديماً لكن عبد الله بن وهب أقدم فذكر في الحديث الذي تقدم ذكره وهو أن القرآن لو كان في إيهاب لما احترق قال عبد الله بن وهب أن ابن لهيعة ما كان يرفعه في ما سبق يعني رفعه فيما بعد فاستفدت من هذا أن ابن وهب أقوى في ابن لهيعة من عبد الله بن يزيد المقرئ مثلاً فأقول هذا من التنصيص لبعض الحفاظ أو يؤخذ من جمع كلام الحفاظ في هذا الراوي فمثلاً أبو معاوية جمع من الحفاظ قدم أبو معاوية في روايته عن الأعمش وبعض الحفاظ تكلم في أبي معاوية في روايته عن غير الأعمش كهشام ابن عروة مثلاً فيقال أن حديث أبي معاوية ثلاثة أقسم:
١) ما رواه عن الأعمش وهو مقدم فيه.
٢) ما رواه عن غير الأعمش ولا يكون هذا الذي روى عنه تُكلم في رواية أبي معاوية عنه كهشام بن عروة مثلاً.
٢) رواية أبي معاوية عن من تُكلم في رواية أبي معاوية عنه فهذا كما ذكرت يُؤخذ من كلام الحفاظ.
стр. 391
ـ[ما رأيكم في الخلاصة التي خرج بها الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب عن أحوال الرواة؟ وهل يصح أن يعتمد عليها طالب العلم عند الحكم على الحديث؟ ]ـ
كتاب التقريب للحافظ ابن حجر ﵀ كتاب مفيد جداً وكتاب قيم ويستفيد منه طالب العلم كثيراً وذلك لما حوى من كلام الحافظ ابن حجر على آلاف من الرواة الذين ذكروا في هذا الكتاب وأن هؤلاء الرواة أكثرهم من المشاهير وهم كلهم من رجال الكتب الستة فهم من أشهر الرواة. فهذا الكتاب كتاب قيم ومفيد لطالب العلم لكن لا شك أن هذا الكتاب لا يكفي في الحكم على الراوي وذلك لأن الحافظ ﵀ أراد أن يختصر ما في تهذيب التهذيب وغيره من كتب الرجال فيعطي حكم مختصر على هذا الراوي فهناك بعض الأشياء التي ما يذكرها وذلك إما أنه ﵀ أراد أن يعطي حكماً مختصراً فإذا فصل فإنه لم يعط حكماً مختصراً في الراوي، أو قد تفوت الإنسان وما شابه ذلك فأقول لا يكتفى في الحكم على الراوي بما جاء في حكم الحافظ ابن حجر وإنما يستفاد منه ويُرجع أيضاً إلى كتب الرجال وكتب الجرح والتعديل ويُتتبع كلام الأئمة في الحكم على هذا الراوي.
ـ[ماذا ظهر لكم في مصطلح (مقبول) الذي يستخدمه الحافظ في حال بعض لرواه؟ وكما لا يخفى عليكم أنه استخدمه في بعض رواة الصحيحين. ]ـ
الحافظ عندما يستخدم مصطلح مقبول يقصد به (لين) كما ذكر هو ﵀ في مقدمة التقريب، ثم هذا اللين إما أن يكون ضعف في هذا الراوي فحكم عليه باللين وهذا قليل في استخدامه لكلمة مقبول، وإما أن يكون هذا اللين جاء من عدم شهرة هذا الراوي أي أن هذا الراوي ليس فيه توثيق معتبر وإنما فيه توثيق ابن حبان أو العجلي مثلاً فيقول عنه أنه مقبول وكم ذكرت هو قد نص في المقدمة أن معنى مقبول عنده أي حيث يتابع وإلا فلين.
стр. 392
ـ[لا يخفى أن من معتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة (رضوان الله عليهم) كلهم عدول ثقات، ولكن نجد في بعض الروايات أن بعض الصحابة -من الذين تأخر إسلامهم- قد وقعوا في أمور تنافي التعريف المشهور للعدالة . وهذا كالذي يروى مثلا عن سمرة بن جندب أو المغيرة بن شعبة (رضوان الله عليهما). فهل هذه الروايات عنهم صحيحة؟ فإن لم يصح شيء منها، فالسؤال ساقط من أصله. وإلا فما توجيهها لتوافق ما تقرر في اعتقاد أهل السنة؟ ]ـ
أولاً أشكر هذا الأخ السائل على دعواته التي ذكرها وأسأله جل وعلا أن يوفقنا وإياه وأن يقبل منا ومنه وكما ذكر هذا السائل أن الصحابة لا شك أنهم عدول بثناء الله (جل وعلا) عليهم غي كتابه الكريم وثناء الرسول ﷺ عليهم في سنته فهم عدول (رضي الله تعالى عنهم) وما جاء مما فيه قادح في بعضهم فهذا إما أن يكون غير ثابت أصلاً مثل القصة التي تحكى في اجتماع إبي موسى مع عمرو بن العاص ﵄ في الصلح وأنه ذكر أن عمرو بن العاص خدع أبو موسى وأنه قال له لنخلع الاثنين يعني علي ومعاوية (رضي الله عن الجميع) ثم بعد أن اتفق معه على ذلك قال تكلم يا أبا موسى فأنت أقدم مني إسلام وأفضل مني وما شابه ذلك فأخبر أبو موسى أنه خلع علي ﵁ وأنه عندما جاءت النوبة لعمرو بن العاص أنه ثبت معاوية فهذا لم يصح وإ نما أرادوا أن يتفقوا على الصلح ولم يحصل هذا الصلح ولم يقع فأقول أن هناك أخبار غير صحيحة. وإما أن تكون هذه الأشياء التي قد يظن أنها قادحة في بعض الصحابة أنها من قبيل الاجتهاد والتأول، يعني مثل ما حصل من خروج عائشة ﵂ وكذلك الزبير ﵁ وطلحة بن عبيد الله ﵁ في معركة الجمل كانوا متأولين وأرادوا الإصلاح بين طائفة علي ﵁ وبين طائفة معاوية ﵁ وأرادوا أيضاً أن يتتبعوا قتلة عثمان ونحو ذلك فقد خرجوا وهم قد تأولوا في خروجهم فلذلك عائشة عندما سمعت نباح الكلاب أرادت أن ترجع فقالوا لها كيف ترجعين ولعل الله أن يصلح بك بين طائفتين من المسلمين أو لعل الله أن يصلح بك بين المسلمين فاستمرت في مسيرها. فالشاهد من هذا أنهم أرادوا الإصلاح فهم تأولوا في ذلك ولا شك أن المجتهد المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد. أو تكون هذه الأشياء قد تابوا منها ورجعوا عنها كما حصل لماعز ﵁ لما وقع فيه فتاب وطلب من الرسول (صلى الله عليه
стр. 393
وسلم) أن يقيم عليه الحد وكما حصل من المرأة الغامدية عندما أيضاً طلبت من الرسول ﷺ أن يقيم عليها الحد. فيحمل على ما تقدم. فالصحابة ﵃ عدول وثقات ﵃ أجمعين.
ـ[من المعلوم أن بعض الكتب الحديثية المشهورة مفقودة (مثل مسند بقي بن مخلد، أو قسم من صحيح ابن خزيمة). وهنا سؤال يطرح بإلحاح: هل يمكن أن تكون هذه الكتب قد انفردت بأحاديث (أو على الأقل بطرق وأسانيد) لا توجد في الكتب المشهورة؟ فإن كان الجواب: لا، كان ذلك بعيداً، لأنه يلزم منه أن يكون أصحاب هذه الكتب ما زادوا على أن كرروا ما في الكتب الأخرى. والاستقراء في الكتب التي كانت مفقودة ثم وجدت، أو كانت مخطوطة ثم طبعت، يثبت العكس. فكم هي المتون والأسانيد التي اطلعنا عليها في هذه الكتب بعد أن لم تكن معروفة لدينا .. وإن كان الجواب: نعم، كان ذلك منافياً لما تقرر من أن الله قد حفظ السنة من الضياع. فالرجاء منكم إزالة هذا الإشكال. ]ـ
لا شك أن الدين محفوظ بحفظ الله له فقوله (جل وعلا): "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" هذا يشمل ويلزم منه حفظ السنة النبوية لأن السنة النبوية تفسر وتبين القرآن الكريم وألا إذا لم تحفظ السنة فهذا يودي إلى عدم حفظ القرآن لأن السنة تبين القرآن فإذا كان ليس هناك ما يبين القرآن إذاً فهو غير محفوظ فلا شك أن القرآن والسنة محفوظان بحفظ الله لهما وبالتالي يتبين جواب سؤال هذا الأخ أو استشكاله: فبحمد الله من كتب الحديث وكتب الآثار الموجود منها الشيء الكثير والشيء الكبير. وليعلم هذا الأخ أن أغلب الأحاديث الصحيحة إنما هي في الكتب الستة، أغلب الأحاديث الصحيحة إنما هي في
стр. 394
الكتب الستة. نعم موجود في غير الكتب الستة أحاديث كثيرة صحيحة لكن الأكثر والأغلب هو موجود في الكتب الستة ومثلاً ابن خزيمة الذي جاء السؤال عنه أن ربعه الموجود وثلاثة أرباعه غير موجود فأقول: كثيراً ما يتفق ابن خزيمة مع ابن حبان في رواية الأحاديث إما أن يرويها ابن حبان عن ابن خزيمة مباشرةً أو يرويها عن شيوخ آخرين فأغلب ما في ابن خزيمة هو موجود في صحيح ابن حبان كما أنه أغلب ما هو موجود في مسند بقي بن مخلد موجود في مسند الإمام أحمد أو في مصنف أبي بكر بن أبي شيبة لأن بقي بن مخلد من رواة أبي بكر بن أبي شيبة. فلا شك أن الدين محفوظ بحفظ الله له.
ـ [ما هي الفوائد التي تنصحون بأن يستخرجها من أراد القيام بجرد الكتب التالية: فتح الباري لابن حجر وسميه لابن رجب - المحلى لابن حزم - شرح السنة للبغوي - نيل الأوطار للشوكاني - المغني لابن قدامة - تفسير ابن كثير . ]ـ
طبعاً هذه الكتب بينها اختلف في الموضوعات يعني تفسير ابن كثير هذا في تفسير كلام الله (جل
وعلا) وبعضها في الحديث في شرح كلام الرسول ﷺ كفتح الباري لابن رجب ولابن حجر وبعضها في الفقه ككتاب المغني لابن قدامة فاختلاف الموضوعات هذا يؤدي إلى اختلاف الفوائد التي تستخرج منها والتي ينبغي أن ينبه عليها أو تقصد من قراءة وجرد هذه الكتب لكن السمة العامة لهذه الكتب هو أنه ينبغي للشخص أن ينتبه إلى أمرين:
١) ما فيها من فوائد وهذا واضح.
стр. 395
٢) تتبع مناهج الأئمة ومسالكهم من خلال هذه الكتب لأن هذه الكتب تجمع كلام أهل العلم من الصحابة ومن التابعين ومن أتباع التابعين وهلم جراً. فمثلاً ما يتعلق في فتح الباري لابن رجب: يذكر كلام الأئمة والحفاظ فينبغي تتبع مناهجهم حتى الإنسان يسلك ويسير وفق هذه المناهج أو كتاب المغني لابن قدامة يعني ينبغي هنا عندما يذكر كلام أهل العلم في المسائل العلمية ينبغي أيضاً تتبع مناهجهم في المسائل العلمية ومعرفة القواعد الفقهية فمن المعلوم أن كتاب المغني فيه قواعد فقهية كثيرة وفيه مسائل أصولية عديدة فأيضاً ينتبه إلى مثل هذا وفيما يتعلق بفتح الباري لابن رجب وابن حجر فيما يتعلق بالصناعة الحديثية يتتبع الفوائد التي تكون في ذلك أو في كتاب المحلى لابن حزم يعرف كيف يستدل بطريقته ومنهجه والأشياء التي يذكرها فكل هذا ينبغي للشخص أن ينتبه له في قراءته فهذه كتب موسوعات فيها من الفوائد ومن الأشياء المفيدة الشيء الكثير.
ـ[ما رأيكم في كتاب تحرير تقريب التهذيب ؟ ]ـ
الجواب: هذا الكتاب لم أطلع عليه فلذلك ولم أقرأ فيه لكن بالنسبة لأحد المؤلفين وهو بشار عواد له كلام جميل في الحكم على الرواة أو نقل كلام الحفاظ من الكتب الأخرى فيستفاد من هذا الكتاب ومن غيره من الكتب التي الفت في الصناعة الحديثية والحكم على الرواة.
ـ [ما حكم التسمية عند الوضوء ؟ ]ـ
تقدم فيما سبق أن أحاديث التسمية على الوضوء أنها لاتصح وأغلب الحفاظ السابقين ضعفوها كالإمام أحمد كما ذكرت وابن المنذر وكذلك ابن الجوزي وهذا ما يستفاد من كلام البخاري والترمذي وهناك من قواها والأقرب أنها لاتصح لأمرين:
١) لأن الأحاديث أسانيدها كلها ضعيفة ولا تتقوى بمجموع طرقها.
٢) أن الصحابة قد نقلوا لنا صفة وضوء النبي ﷺ بالأسانيد الصحيحة كحديث عثمان الثابت في الصحيحين وحديث عبد الله بن زيد الثابت في الصحيحين وحديث ابن عباس في البخاري وغيره من الأحاديث وليس فيها ذكر التسمية، فلو كان التسمية ثابتة لجاءت في هذه الأحاديث الصحيحة فلذلك الأقرب أنها لا تتقوى
стр. 396
وأحب أن أنبه على قضية قد يغفل عنها وهي أنه ينبغي أن يفرق بين أمرين:
الأول: عندما يأتي إليك شخص وهو ليس بالحافظ له أوهام وأخطاء فيخبرك عن شيء حصل فهنا تشك في ثبوت ما أخبرك به هذا الشخص وذلك لأنه عنده بعض الأوهام والأخطاء والأغلاط، وعندما يأتي ثاني مثله يخبرك بمثل ما أخبرك به الأول فهنا يقوى عندك هذا الخبر بمجموع هذين الطريقين وعندما يأتي ثالث تجزم بثبوت هذا الأمر.
الثاني: الذي ينبغي أن يفرق به هذه المسألة عن الأولى هو عندما يأتي إليك عشرة من الناس سبعة منهم حفاظ من أهل الإتقان وثلاثة منهم عندهم ضعف وعندهم خطأ فالسبعة اتفقوا على شيء الثلاثة زادوا رووا نفس ما رووا السبعة وزادوا شيء آخر فهنا لن تقبل رواية هؤلاء الثلاثة لأمرين:
١) أن فيهم ضعف.
٢) أن هذا الضعف لاينجبر باجتماعهم وذلك لأن هذه الزيادة ما جاءت في رواية هؤلاء الحفاظ السبعة فلو كان هذا الشيء ثابت لجاء في رواية هؤلاء الحفاظ السبعة فيكون عندنا تعارض وتضاد بين رواية جمع من الحفاظ وبين رواية جمع من الرواة الذين فيهم ضعف.
стр. 397
فعندما يكون هناك تعارض فهنا تقدم رواية الأحفظ والأوثق فكذلك هنا في حديث التسمية جاءت أحاديث كثيرة تبين صفة وضوء الرسول ﷺ وليس فيها أنه سمى فدل على ضعف هذه الأحاديث وأنها لا تتقوى بالإضافة إلى ضعف طرقها. هناك أحاديث أخرى لكن ليس فيها دلالة على التسمية وهذه الأحاديث جاءت في حديث أنس وابن مسعود نحو حديث أنس وهو أن الرسول ﷺ في مره من المرات عندما قل عندهم الماء وحضرت الصلاة أوتي بإناء فيه قليل من الماء ما كادت أن تدخل يد النبي ﷺ فيه فعندما قال: بسم الله، أخذ الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ فهذه التسمية ليست للوضوء إنما للبركة في الماء لأنه لم تأت إلا في مثل هذا. ولذلك جاء في حديث ابن مسعود حي على الطهور المبارك والبركة من الله فهنا ذكر التسمية من باب البركة في هذا الماء لعل الله أن يبارك فيه ولذلك أخذ ينبع من بين إصابته فهذه الأحاديث قد استدل بها بعض أهل العلم كالنسائي على مشروعية التسمية والأقرب أنه ليس فيها ذلك لما تقدم هذا وبالله التوفيق.
стр. 398
الشيخ حمزة المليباري
مقدمة الأجوبة للشيخ حمزة المليباري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا وإياكم ممن اتبعوهم بإحسان.
أما بعد:
فإني أشكر إخوتي الأفاضل القائمين على هذا الملتقى (المبارك بإذن الله تعالى)، الذي يشكل مرجعا متخصصا في الحديث وعلومه، ومؤسسة تعليمية مفتوحة الأبواب أمام الطلبة والباحثين في دول العالم كلها، كما أنه يتيح لهم جميعا فرص الاطلاع دون عناء على الأبحاث والمناقشات التي تدار فيه كل يوم، بل وطرح إشكالات أو أسئلة، ليستفيد الكل من ذلك.
مما يشد انتباهي أن هذا الملتقى يحافظ بقدر الإمكان على القيم الإسلامية بعيدا عن الغيبة والنميمة والسب والشتم والطعن في أعراض الناس باسم الإسلام، مما يعكس نزاهة القائمين على هذا الملتقى، وحرصهم الشديد على نشر العلم النافع والدفاع عن الحق.
وفقكم الله - إخوتي الأفاضل - لما فيه الخير، وسدد خطاكم، وحفظكم من كل شر وفتنة تصرفكم عن الانشغال بالأهم.
وعلينا أن نستبشر دائما بقول الله تعالى (إن العاقبة للمتقين) الذي تكرر في كتابه العزيز أكثر من مرة.
وقول الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين. (العنكبوت ٦٩) وقول الله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال. (الرعد ١٧).
стр. 399
وحين أتابع بعض المناقشات والمداخلات التي تدار في هذا الملتقى (المبارك إن شاء الله)، أرى لغة المحدثين النقاد آخذة في بلورتها بين كثير من الشباب والباحثين، وهذا خير كثير يبشرنا بمستقبل هذه الأمة، وما كنا نسمع هذه اللغة العلمية أصلا حين كنا في مرحلة التكوين، بل إن كثيرا من الأساتذة كانوا يفرضون على الطلبة الباحثين التقيد بمراتب الجرح والتعديل في عملية التصحيح والتضعيف والتحسين؛ فما رواه الثقة عندهم يعني صحيح لذاته، وإذا كان الراوي صدوقا فحسن لذاته، وإذا كان ضعيفا فحديث ضعيف، وإذا توبع فحسن لغيره، وما رواه المتروك يسمى متروكا، وما رواه المتهم يطلق عليه حديث واه، أو حديث مطروح، وما رواه الكذاب فموضوع، وما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق فشاذ، والراجح الذي رواه الأوثق يقال عنه محفوظ، وما خالف فيه الضعيف للثقة فمنكر، والراجح الذي رواه الثقة فمعروف، بعد أن اعتبروا كتاب التقريب للحافظ ابن حجر دليلا في ذلك.
وهذه هي الخطوات العامة التي يتم تدريب طلاب الدراسات العليا عليها، ورسائل الجامعات خير شاهد على ذلك.
وفي هذه المناسبة لا يسعني إلا أن أدعو الله تعالى أن يوفق إخوتي الأفاضل القائمين على هذا الملتقى، ومسؤوليه، ومشرفيه، ومشاركيه، لمزيد من الإثراء، وتجدد العطاء، وتشييد ما بناه السابقون، حتى يظل هذا الملتقى منارا شامخا ومنبعا صافيا، ومرجعا موثوقا، وقدوة حسنة، كما أدعو الله ﷻ أن يمنهم جميعا بالإخلاص، والرفق في الأمر كله، والتوفيق للتحمل والصبر في سبيل الدفاع عن الحق إيمانا واحتسابا.
كما أتقدم بالشكر والامتنان إلى كل إخواني الذين رحبوا بهذا اللقاء مع هذا العبد الضعيف وأعلنوا حبهم لي وطرحوا أسئلتهم لطفا منهم، وتواضعا للحق، وحرصا على زيادة المعرفة، وأقول لهم جميعا: زادكم الله علما وتقوى وإخلاصا، ومتعة بالعلم والصحة والعافية، وأحبكم الله الذي أحببتموني من أجله.
стр. 400
كما أرجو منكم جميعا التسامح على تأخر الإجابات، فقد كنت مشغولا ببعض الشواغل العلمية ثم جاءنا شهر رمضان المبارك شهر العبادة.
وها أنا أود أن أركز على إجابة أسئلتكم، متوكلا على الله تعالى، وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.
ـ [ما هي نصيحتكم ـ بارك الله فيكم ـ لطالب العلم، وبخاصة علم الحديث . ]ـ
نصيحتي لطلبة العلم، أن يخلصوا لله النية، ويتضرعوا إلى الله تعالى دائما دون انقطاع، ويرجوا منه الصحة والعافية والسلامة والتوفيق وسداد الخطوات ونجاح الجهود، ويحاولوا بقدر الإمكان أن يهيئوا أنفسهم من خلال دراسة كتاب مختصر، كخطوة أولى في مجال التكوين، وحفظ ما فيه من المصطلحات أو القواعد، وإن لم يفهم منها شيئا؛ إذ الهدف من ذلك هو تهيئة النفس لدراسة الكتب الأخرى في الموضوع ذاته.
بعد ذلك ينتقل الطالب إلى كتاب آخر لدراسة الموضوع ذاته، لكن بأسلوب آخر، وهو دراسة كل مسألة على حدة عن طريق المقارنة بين أكثر من كتاب، لا سيما بين كتب المتقدمين وكتب المتأخرين، حيث يساعد ذلك على استيعاب الطالب الموضوع الذي يقوم بدراسته.
فإذا لاحظ الطالب في أثناء المقارنة شيئا من الفروقات بين الكتب حول مسألة ما، فعليه أن يتجه نحو أستاذ متخصص، أو يعتمد على نفسه - إن أمكن - لتحديد الإشكال ثم الإجابة عنه.
стр. 401
لا ينبغي أن يشكّل هاجس الخوف من احتمال وقوع خطأ في فهمه أو استنتاجه مانعا من سعيه شخصيا في سبيل ذلك، وإن كان الخطأ مما لا بد منه في بداية الطريق بشكل طبيعي فإن هذا الأسلوب المتمثل في المقارنة يساعده في المستقبل على تجنب الأخطاء، وتنمية مواهبه العلمية، وذلك فقط إذا كان نفسه مستعدا للنقاش مع إخوانه حول ما استنتجه وتوصل إليه، وقبول الحق منهم، حتى وإن كانوا ممن يكرههم أو أقل منه شأنا.
أما إذا كان متكبرا ومقدسا لما كان يفهمه، ومعظما لنفسه، فعليه أن يترك هذا المجال العلمي لأهله.
إن طريقة المقارنة في الدراسة مفيدة جدا، وعلى الطالب أن يتدربها شيئا فشيئا منذ الخطوة الأولى في مرحلة التكوين، فإذا اعتمد الطالب في بداية حياته العلمية هذا الأسلوب، واستمر على ذلك تحت توجيهات الأساتذة المتخصصين، فإنه بإذن الله تعالى يستطيع أن يكوِّن نفسه تكوينا علميا صحيحا يساعده على إثراء المكتبات العلمية بالإبداع والعطاء العلمي المتجدد.
للأسف الشديد نرى من الباحثين من لا يهتم بدراسة المقارنة إلا لدافع عدائي، فإذا ظهر بينه وبين غيره عداوة سعى جادا في تتبع ما ألقاه من المحاضرات وما كتبه من الأبحاث وما ألفه من الكتب، ونبش المهملات التي تراجع عنها مخالفه، ذلك من أجل المقارنة بين الجديد والقديم، ثم يهيئ نفسه لتوجيه التهم نحوه بالتناقض أو بالانحراف أو غير ذلك. أما في غير ذلك فهو هادئ مقلد ومعيد ومعظم مقدس.
بقي هنا أمر آخر مهم للغاية، وهو ما يتصل بسلوك الطالب؛ فمثلا؛ لما تتبين له الإجابة ويتم حل الإشكال، سواء عن طريق الأستاذ أو بناء على جهده الشخصي، وأصاب الحق في ذلك، فعليه أن يحمد الله تعالى ويشكره، ولا يتخذ من ذلك ذريعة لإثارة الفتن أو للتكبر على زملائه أو أساتذته، ولتحقيرهم، كما يجب عليه أن يعتقد ذلك نعمة من الله تعالى، أعطاه الله تعالى إياها ليبلوه أيشكر أم يكفر. (والله تعالى أعلم).
стр. 402
ـ[فضيلة الشيخ حفظك الله وسدد خطاك:. . معرفة رجال الحديث لا يتقنه أي أحد بالجرح والتعديل، ولا يسير على منهجه الصحيح إلا من وفقه الله تعالى لذلك، فأرشدنا حفظك الله للطريق الصحيح لهذا الدرب. وهل هو بسرد كتب الرجال؟ أم يعتمد ذلك على حفظ الأسانيد؟ ]ـ
أقول: (وبالله التوفيق) جزاك الله خيرا، وكم يسرنا أن نسمع من شبابنا اليوم مثل هذا السؤال الذي يدل على مدى اهتمامهم بالحديث وعلومه، وما يلاقونه في سبيل طلب العلم من حيرة، لقلة من يوجههم توجيها سليما.
أحب أن أذكرك بما يلي:
أولا: إن علم الجرح والتعديل ليس أساسا في التصحيح والتعليل، كما هو الشائع لدى الكثيرين، وإنما جاء هذا العلم بعد التصحيح والتعليل كنتيجة، لقد كان النقاد يستثمرون جهدهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها من أجل معرفة أحوال رواتها وتمييز الثقات من الضعفاء، وتصنيفهم في سلم الجرح والتعديل بدقة متناهية ليكون ذلك معولا عليه في التصحيح والتضعيف عند الضرورة؛ لذا ينبغي أن لا نتوجه مباشرة - قبل أن نعرف حالة الرواية من حيث التفرد والمخالفة والموافقة - نحو ترجمة كل من ورد في السند من الرواة، وهذا عمل غير منهجي، بل هو عمل مرهق دون فائدة تذكر.
ثانيا: على الباحث أن يستوعب القواعد والضوابط في ترجمة الرواة، التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن المعلمي في الجزء الأول من كتابه التنكيل، ثم طبقها في نماذج كثيرة من تراجم الرواة، وكذلك ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل.
ثالثا: على الباحث أن يقوم قبل الترجمة بتخريج الحديث تخريجا علميا، ليمهد نفسه للمقارنة بين ما جمعه من المرويات لمعرفة مدى الموافقة بين رواة ذلك الحديث أو المخالفة أو التفرد، ثم يقوم بترجمة الراوي الذي خالف أو الذي تفرد بالحديث، مرتكزا على إبراز
стр. 403
الجوانب التي تقتضيها مناسبة البحث؛ من أهمها الصلة بين الراوي وبين شيخه، ومدى تميزه عن غيره من المحدثين الذين شاركوا معه في رواية ذلك الحديث، وينبغي للباحث أن لا يقتصر جهده على مختصرات المتأخرين؛ بل عليه أن يتتبع المصادر الأصيلة وما اختصره المتأخرون المحققون المدققون كالذهبي وابن حجر وغيرهما، عسى أن يجد فيها ما يساعده على معرفة سبب مخالفته لغيره أو تفرده بما لا يعرفه غيره، وقد يجد نصوص الأئمة صريحة في ذلك أو ما يساعده على فهمه واستنباطه.
كما ينبغي أن يحاول معرفة مخارج التوثيق والتجريح ومناسباتهما، وهذه أمور ينبغي التركيز عليها، وحينئذ تتهيأ نفسه تدريجيا لمعرفة ملابسات الرواية، وقرائنها، وفقه ترجمة الرواة.
هذا وقد شرحنا هذا الموضوع بشئ من التفصيل في كتابي (كيف ندرس علم تخريج الحديث).
أما حفظ الأسانيد فلا أنكر ما فيه من الفوائد، لكن بدون فقه التراجم فإن جهد الحفظ وفوائده تضيع.
وأما ترجمة كل من ورد في الإسناد بداية دون أن يتأمل في حال الرواية من حيث التفرد والمخالفة والموافقة - كما تعود عليه كثير من المعاصرين - ثم اهتمامه بنقل كل ما ورد في الترجمة من الأقوال فذلك كله يحول بحثه إلى نسخة جديدة من كتب التراجم، وبالتالي يفقد الباحث فرصة التركيز على ما يخدم موضوع بحثه من النقاط العلمية المهمة، والإجابة عما يبحث عنه القارئ. (والله أعلم).
стр. 404
ـ[ما هي منزلة كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب ؟ ولماذا أهمل في تحقيقه تحقيقاً علمياً؟ ]ـ
كتاب الكفاية له أهمية كبيرة؛ حيث يحتوي على نصوص النقاد في كثير من مسائل علوم الحديث؛ لذا يكون هذا الكتاب أكبر مساعد لطلبة العلم على استيعابهم منهج المحدثين عموما، وبناء تصوراتهم حول علوم الحديث من خلال نصوص النقاد، إلا ما تفرد به الخطيب من الآراء التي يشوبها علم المنطق، والأمور المستجدة في عصره في مجال الحديث
وعلومه. أما الكتاب فبحاجة إلى تحقيق علمي وشرح موضوعي حتى يفهمه القارئ.
أما الإهمال في تحقيقه تحقيقا علميا فهو من المصائب العامة التي تعاني منها الكتب وقراؤها عموما، وأنت إذا نظرت في طريقة كثير من المعاصرين في التحقيق تبين لك أنهم عادة لا يلتفتون إلى أهمية تحقيق الكتاب إلا إذا كان مخطوطا، وأما إذا كان مطبوعا فلا يطمعون في تحقيقه ليس لأن الكتاب غير قيم، وإنما لأغراض أخرى يعرفها الجميع، وللأسف الشديد يخوض الكثيرون في التحقيق دون أن يعرفوا أبجديات علم التحقيق، لذا نراهم لا يتجاوزون بيان الفروقات بين النسخ دون ترجيح وتحقيق، ودون دراسة لاختيار أوثق النسخ ولا تتبع أسانيدها، بل بعضهم يستعجلون عملهم في إخراج الكتاب لئلا يسبقه أحد.
ولذا بقي كتاب فتح المغيث للسخاوي، وغيره من الكتب فترة طويلة بطبعتها السيئة والمحرفة، ومن هنا يعرف سبب إهمال تحقيق كتاب الكفاية تحقيقا علميا، ولا يعني ذلك أنه غير قيم.
стр. 405
ـ[ما هي مرتبة الخطيب البغدادي بين علماء الجرح والتعديل ؟ ]ـ
الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى - من الحفاظ وعلماء الجرح والتعديل، وعليه يدل ما قام به من استخلاص الفوائد والنقاط من علم الجرح والتعديل، وأحوال الرواة، وأسانيدهم، وهو الذي أبدع بإفراد تأليف في كثير من مسائل علوم الحديث، وكان اهتمامه قد انصب نحو ذلك، ومع ذلك قام بنقد أحاديث بعض الكتب لبعض معاصريه، ويعرف ذلك بالتخريجات، والانتخابات، ولم يقتض عمله العلمي عموما أن يخوض في الجرح والتعديل كما خاض القدامى، وعلى كل كلامه في الجرح والتعديل مقبول ومعتمد لا سيما في الرواة المتأخرين. (الله أعلم).
стр. 406
ـ[أما وقد وصل الشيخ - وفقه الله - إلينا فلا بد أن أقول مافي نفسي حول مصطلح (المتقدمين والمتأخرين) وكنت كتبته سابقاً، فآمل القرآة بتركيز حفظ الله الجميع:. . أرى والله أعلم أن مسائل المصطلح لم تتغير على مر السنين وهي مبثوثة والحمد لله في مصنفات أهل العلم عبر القرون، ولازال كل عصر يخرج لنا من تصفونهم أنتم بأنهم على منهج المتقدمين، أما أنا فلا أقول بهذا المصطلح، لأني إن قلت به فيلزمني كذلك القول به في بقية علوم أهل الإسلام - لا علوم أهل الكلام - إذاً ما الذي يحدث، فالواقع أننا نرى انحرافاً عن المنهج الصحيح في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؟ ]ـ
ـ[الجواب والله أعلم - والكلام ما زال للسائل - ذو شقين: ]ـ
ـ[١ - قد يجتهد أحد العلماء في تتبع مسائل المصطلح والنظر فيها وتأمل كلام الأئمة الأوائل واقتفاء آثارهم في الجانب النظري، ثم إذا جاء الى التخريج والتطبيق فقد ينشط وقد يضعف، وهذا الأمر له أسباب كثيرة جداً، ولعل من أبرزها: الرغبة في كثرة المؤلفات - الرغبة في البروز على حساب حديث نبينا ﷺ ، وهذا إن كان قليلاً في السابقين فهو في وقتنا كثير نوعًا ما - إلى غير ذلك من الأسباب كالمرض والضعف وقلة المراجع ..... الخ. . . وأنت لو سألت هؤلاء عن المسألة الاصطلاحية هل قمت بمراجعتها في الكتب المعتمدة في المصطلح؟ لأجاب بالنفي، ولقال لك: الحقيقة أنني خريج كتب التخريج. . . فمثلا: مسألة زيادة الثقة .... هذه المسألة لا زالت كتب المصطلح تتناقل أن القول الصحيح أنه لابد من تتبع القرائن ثم الحكم على ضوء ذلك، فالقول الصحيح مبثوث في الكتب .... وهذا الكلام يقال في جميع فنون العلم كذلك]ـ
ـ[٢ - يجب أن نسعى جاهدين لتقرير مسائل المصطلح من طريقين:. . أ- بيان طريقة الأئمة في كل أبواب المصطلح دون أن ندعي منهجاً للمتقدمين، باعتبار أن هذا المنهج موجود يصيبه من بحث عنه شأنه شأن بقية العلوم، وأن الذي ينبغي أحياؤه هو: روح المحدث الباحث عن الصواب ... ومن هنا ينبغي أن نحذر من إحياء مسألة المتقدمين والمتأخرين دون إحياء روح البحث والهمة في تتبع الطرق والروايات فنقع فيما نقدنا الناس فيه، فطالب علم الحديث ينبغي أن يتقرر لديه أنه يصحح أو يضعف كلام النبي ﷺ ، وعليه أن يخلع من رأسه كل غرض دنيوي، فالتجارة ليس هذا أحد ميادينها. . . ب - التطبيق العملي المرافق للدراسة النظرية، وهنا ينبغي دراسة الأمثلة الصحيحة والواضحة، مع تربية الطالب على احترام وتقدير أقوال أئمة هذا الفن، مع كشف حال من يدعي من المحققين المعاصرين أنه وقف على طريق أو شاهد لم يقف عليه أئمة هذا الفن. . . والخلاصة - عندي - أن من اجتهد في مسألة المتقدمين والمتأخرين لم يصب، العنوان الصحيح: وهو: ضرورة بذل الوسع والجهد في التصحيح والتضعيف، مع عدم إغفال كلام نقاد الحديث المعتبرين ... والله أعلم. ]ـ
أقول (وبالله التوفيق):
جزاك الله خيرا أخي، وكلامك جميل، وقرأته بتركيز أكثر من مرة حتى أقف على الخيوط التي تربط أول الكلام بآخره، لكني فشلت في ذلك، وعلى كل ففيه من الملحوظات ما يأتي:
أولا: مسائل المصطلح لم تكن كما قلتَ؛ بل إنها تغيرت، مثل بقية علوم الشريعة، بل إن اللغة العربية لم تكن الآن مثل ما هي في العصور السابقة، حتى أصبحت لغة القرآن غير معروفة الآن، لذا كان الناس يحتاجون في معرفة خصائصها إلى معاجم اللغة وكتب التفاسير. إن اللغة لا سيما المصطلحات العلمية كانت تتبدل وتتغير وتتوسع حسب
الظروف العلمية التي تمر عليها؛ لذا لا ينبغي تفسير شئ منها بما استقر عليه الآن من المفاهيم والمعاني دون مراعاة أسلوب القدامى في استخدام تلك الكلمات، ودون تأمل في تاريخ دلالتها اللغوية.
وذلك واضح جدا من خلال نظرة سريعة في مصطلحات العلوم، وقد شرح ذلك
بشئ من التفصيل محققو علمائنا السابقين. على سبيل المثال مصطلح التوسل والوسيلة، إذ يفسر الآن هذا المصطلح بما هو غير مألوف في العصور الأولى. انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته القيمة في التوسل.
وكذلك مصطلح (الفقيه) يتداول الآن بحيث يضيق معناه الذي وسع فيه القدامى، وكيف يفسر الفقه الذي جاء في حديث (من يرد الله خيرا يفقهه في الدين)، وما المقصود بالفقه هنا في هذا الحديث؟ هل يعني أنه عالم في فقه العبادات والمعاملات كما هو المتبادر الآن في الأذهان؟ أو عالم في أمور الدين كلها؛ كالسلوك والعقيدة والشريعة؟
ونرى ذلك التفاوت أيضا في مصطلح (النية) الذي أصبح الآن مصطلحا فقهيا، يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ما هو أخص من الإخلاص الذي كان هو المقصود بالنية في العصور الأولى.
هذه الأمثلة ذكرتهاكنماذج على وجه السرعة. أما في كتب المصطلح فآثار التغيير ملموسة عند من يملك منهجا سليما في فهم النصوص. من تلك الآثار إطلاق صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، والحاكم، والمسنِد، وغير ذلك مما لن تجد له في نصوص النقاد أثرا.
بل إذا تأملت في كتب المصطلح ترى بأم عينيك أن كثيرا من المصطلحات وتعريفاتها كانت مرتبطة بأحوال الرواة، وبتغيرها تختلف المصطلحات وتعريفاتها، ويشهد على ذلك ما يأتي من المصطلحات وتعريفاتها: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لغيره وحسن لذاته، والشاذ والمنكر، والمحفوظ والمعروف، والحديث المتروك، والحديث الموضوع، وهذه المصطلحات وتعريفاتها قائمة على ربطها بأحوال الراوي، الأمر الذي
أدى إلى فهم كثير من المعاصرين أن التصحيح والتضعيف والتحسين تابع لأحوال الرواة، كما أدى ذلك إلى التباين المنهجي بينهم وبين النقاد القدامى.
أما تصحيح الفقهاء المتأخرين وتضعيفهم للأحاديث فكان على غير نهج المتقدمين النقاد كما صرح بذلك ابن دقيق العيد واللاحقون. وإذا تتبعنا عمل كثير من المتأخرين المحدثين والمعاصرين وجدناهم على منهج الفقهاء.
ومن وقف على هذا الواقع من التباين المنهجي فإنه لا يفسر الصحيح الذي أطلقه الإمام السيوطي مثلا بالمعنى الذي قصده النقاد، ومن لم يقف على ذلك فإنه يكون قد قلب الأمور رأسا على عقب.
ومن أخطر آثار التبديل والتغيير في مسائل المصطلح فصل الإسناد عن المتن في الحكم، في الواقع أن السند لا يحكم عليه بالاتصال أو الانقطاع أو الإرسال أو التدليس أو الصحة أو الضعف أو الحسن إلا في ضوء المتن، وإلا فحكم عام يقوم على ظاهر حال الراوي، والمعاصرة، واللقاء، ولا يكون لذلك صلة بذلك الحديث الذي رواه، وبالتالي لا يفهم من ذلك الحكم أن الراوي سمع هذا الحديث ممن هو فوقه، ولا أنه قد أصاب في روايته، أو أخطأ فيها.
إذن يكون قولك إن مسائل المصطلح لم تتغير تنقصه الدقة في نظري، ولا أعني بذلك إلصاق تهمة التبديل إلى أئمتنا السابقين، إذ أعتقد جازما بأنهم لم يقصروا في جمع ما يتعلق بمنهج النقاد من المسائل، وأضافوا في كتبهم ما استخدموا من المصطلحات، ولم يتركوا شيئا إلا أوردوه فيها، لكن ذلك مبثوث فيها بغير ترتيب، ويحتاج القارئ إلى منهج سليم أساسه المقارنة، وهناك مسائل كثيرة ينبغي تقييدها بما ذكر في مواطن أخرى، وأحسن مثال لذلك مسألة زيادة الثقة، وقد شرحت ذلك في بعض أبحاثي حول زيادة الثقة بعد أن رأينا بعض أفاضل العصر يقول زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطح، وإن دل هذا على شيئ فإنما يدل على مدى تغير مسائل المصطلح.
ثانيا: الانحراف في التصحيح والتضعيف.
الذين يصححون الأحاديث ويضعفونها بناء على أحوال الرواة يشكل ذلك منهجا مختلفا عمن يصحح ويضعف بناء على مدى موافقة الراوي للواقع الحديثي أو مخالفته له أو تفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل، سواء أأطلقنا عليهم مصطلح: المتقدمون والمتأخرون، أم نقاد الحديث وغيرهم، أو غير ذلك؛ فإن التباين المنهجي بين النقاد وغيرهم أمر واقع لا يمكن إنكاره.
ثالثا: مصطلح: المتقدمون والمتأخرون.
هذا مصطلح آثرته لاعتبارات كثيرة؛ من أهمها كونه مألوفا لدى الجميع في جميع انواع العلوم الشرعية، ثم إنه لا مشاحة في الاصطلاح، لذا ينبغي تفسيره بالمعنى الذي بينته في أكثر من موضع من كتبي، وقد صرحت فيها بأني لا أقصد بذلك جميع المتقدمين ولا جميع المتأخرين، وأن الفاصل بينهم ليس زمنيا، وإنما هو منهجي، ولم يكن استثناء الحافظ ابن خزيمة والحافظ ابن حبان والحاكم من منهج النقاد إلا على ذلك الأساس، وأن هذا الاستثناء متفق لدى الجميع، مع بيان تفاوت مراتبهم في التساهل. فمعنى ذلك أنه من الضرورة استثناء كل من يسلك طريقة هؤلاء الحفاظ المعروفين بالتساهل في التصحيح والتضعيف، سواء كان متقدما أو متأخرا، وبأي مصطلح كان ذلك، والمهم هو عدم الخلط بين المناهج المختلفة في التصحيح والتضعيف، وقواعدهما ومعاني المصطلحات المنبثقة عنها.
أما إذا استخدنا مصطلح: (المحدثون والفقهاء) كما يحب بعض الإخوة؛ فإن ذلك يساعد على رسوخ خطأ فادح في نفوس الأجيال، ألا وهو الفصل بين المحدثين والفقهاء، وأن المحدثين ليسوا فقهاء، هذا في الحقيقة نكران التاريخ. ثم إن ذلك يوهم أن المحدثين كانوا جميعا يمارسون النقد، وليس الأمر كذلك. ولم يسبقنا أحد باستخدام هذا المصطلح في المجال الذي نحن بصدده، بينما مصطلح: المتقدمون والمتأخرون قد استخدمه من قبلنا، انظر الحافظ ابن حجر والذهبي والسخاوي وغيرهم ممن أوردنا أسماءهم في كتاب الموازنة.
من المعلوم أن لا مشاحة في الاصطلاح، لذا ينبغي تفسير المصطلح بما اصطلح عليه واضعه.
رابعا: إحياء روح التتبع والبحث.
إذ نطرح هذه المسألة فإننا نهدف إلى إحياء روح التتبع والبحث في التصحيح والتضعيف وإحياء منهج النقاد فيهما حتى يستوعبه الباحثون، إذ النقاد هم المصدر الأصيل في هذين المجالين، أما المتأخرون فهم عالة عليهم فيما يخص الحديث الشريف رواية ونقدا.
وإذا لم يستوعب الباحث منهج النقاد ولم يفهم مصطلحاتهم فما فائدة التتبع والبحث والهمة والنشاط؟ وهو كما قلت أنت إذا سألت أحدهم يقول أنا خريج كتب التخريج، أوليس هذا مما ينبغي علاجه أخي!.
стр. 407
ـ[ما قولكم في مصطلح الإمام الترمذي " حسن غريب ". ]ـ
أما مصطلح (حسن غريب) فقد شرحته في بعض أبحاثي.
إني أرى - في ضوء تتبعي وحدود فهمي - أن الإمام الترمذي يقصد بهذا المصطلح أن متن الحديث سليم من الشذوذ والغرابة، لكن السند فيه غرابة وإشكال.
ومما يزول به شذوذ المتن أن يكون قد عمل به بعض الصحابة مثلا، وربما تضر غرابة السند بصحة الرواية وثبوته عن النبي ﷺ .
لذا لا يلزم من تحسين الترمذي لحديث ما أن يكون صالحا للاحتجاج به كما بين ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت).
ـ [هل يصح في المهدي المنتظر عندكم شيء . ]ـ
أما ما يتصل بالمهدي فلم أقم بدراسته، بل قرأت ما كتبه الدكتور/ عداب قراءة عابرة وسريعة، فوجدته يضعف بعض الأحاديث بتكلف شديد.
ـ[ما هي مرتبة أقوال الحافظ البيهقي والحافظ الطحاوي في نظركم بين أقوال المتقدمين. ]ـ
أما الحافظ البيهقي فيختلف عن الحافظ الطحاوي، حيث يعد الأول ناقدا بينما لا يعد الثاني كذلك.
ـ [هل ترون من فرق بين مجرد ذكر ابن حبان لراو في كتابه الثقات دون التنصيص على أنه ثقة وبين من ينص على أنه ثقة أو مستقيم الحديث في ذلك الكتاب]ـ
نعم هناك فرق؛ فمن قال فيه ابن حبان: مستقيم الحديث، فمعناه أن التوثيق كان بناء على تتبع أحاديثه، وكذلك الأمر كلما تضمن تعليقه على الراوي عبارة تدل على أنه قام بتتبع أحاديثه، وأما إذا أورد في كتابه الثقات راويا ولم يصفه بشيء فليس فيه ما يدل على أنه قام بتتبع أحاديثه، قد يكون مجهولا.
وعلى كل فالرواة في ثقات ابن حبان على أقسام ومراتب كما شرح ذلك الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في كتابه التنكيل.
стр. 408
ـ[هل الاقتصار على تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ﵀ في الحكم على الرجال منهج سديد؟ ]ـ
ليس منهجا سديدا بالنسبة إلى كل الرواة، فقد يكون بعض الرواة مختلفا فيه يقتضي ذلك الوقوف على مخارج التوثيق والتجريح، وبالتالي ينبغي مراجعة الكتب القديمة من تأليف أئمة الجرح والتعديل أنفسهم.
ـ[ما هو عدد الأحاديث النبوية المرفوعة الصحيحة هل بالإمكان حصرها في كتاب معين فإن بعضهم ينكر قول من يقول إنها لا تتجاوز الأربعة آلاف حديث أو عشرة الآف حديث كما جاء عن الذهبي فهل تُحد بحد معين أم أن كلامه ﷺ كثير فلا يُعقل حصره. ]ـ
الله أعلم.
ـ[أرجو منكم حفظك الله أن تذكروا لمن انتهى من دراسة كتب المصطلح وأتمها وعرف المراد بمصطلحات الأئمة منهجاً في إتمام دراسته سواءً كان ذلك إرشاداً لدراسة كتب الرجال والطريقة المناسبة أو عملاً وتمرناً على التخريج أو جرداً للسنة وشروحها. ]ـ
فيما أرى أن التخريج هو الأنسب بالنسبة إلى من استوعب مسائل علوم الحديث نظريا، إذ هو مرحلة تطبيقية لعلوم الحديث، لكن يجب أن يكون التخريج تخريجا علميا بعيدا عن التخريج الفني الذي يتمثل في تكثير مصادر الحديث وترجمة كل من ورد من الرواة، وإذا كنت راغبا في التدريب على التخريج العلمي فإني أنصحك بقراءة كتاب (كيف ندرس علم تخريج الحديث) قراءة متأنية وواعية.
وإذا قمت بممارسة التخريج العلمي، سيكون ذلك بإذن الله تعالى عونا على استيعاب علوم الحديث نظريا وتطبيقيا، وفهم منهج نقاد الحديث في التصحيح والتضعيف فهما صحيحا.
стр. 409
ـ[أعتذر في البداية على أن سؤالي فيه إطالة، ولكنه معضلة في المصطلح والخلاف فيها واسع، ولم أجد من حرّر ذلك بتفصيلٍ يشفي الغليل ويطفئ ظمئ ويحلّ الإشكال. ألا وهي قضية توثيق من ليس له إلا بضعة أحاديث . ]ـ
ـ[أقول إني أستطيع تصنيف منهج توثيق الرجال (متشدد أم متوسط أم متسهل). هذا في من كان كثير الحديث. أما من كان قليل الحديث فيختلف الأمر كثيراً. والناس فيه على مذاهب: ]ـ
ـ[١) مذهب توثيق المجاهيل، حتى لو كانوا لا يعرفون عنهم شيئاً. وهو مذهب ابن حبان والعجلي وابن خزيمة والحاكم. ]ـ
ـ[٢) مذهب توثيق قليل الحديث، من ليس بالمشهور حتى لو لم يكن له إلا حديثٌ واحد. وهو مذهب محمد بن سعد (مع المدنيين)، وابن معين والنسائي وأبو نُعَيْم والبزّار وابن جرير الطبري والدارقطني والبزار وأبو زرعة الرازي. كل هذا وجدت من نصّ عليه ووجدته بالاستقراء كذلك. ]ـ
ـ[٣) مذهب الجمهور: لا يوثقون أحداً حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة. وبذلك يجزمون بقوة حفظ هذا الراوي. وهو مذهب غالب علماء الجرح والتعديل وبخاصة البخاري وأبي حاتم الرازي. ]ـ
ـ[٤) مذهب التضييق في هذا والتشديد في ذلك. كما يفعل ذلك ابن حزم وابن القطان الفاسي حتى أنهم قد يجهّلون أناساً من الثقات أو أناساً لا بأس بهم. ]ـ
ـ[المذهب الأول والرابع مردودين. والثالث معتمد. لكن الإشكال في الثاني. ويعتمده أكثر المتأخرون، لكن فيه نظر. والمشكلة في أصحاب المنهج الثاني يوثِّقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابعٌ أو مشاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغه عنه إلا حديث واحد. وقد يكتفي ابن معين بسماع عدد قليل من الأحاديث كما في محمد بن القاسم الأسدي (كذبه أحمد وأبو داود والدارقطني، وضعفه علماء الحديث كلهم إلا العِجلي وابن معين! ). ]ـ
ـ[قال المعلمي اليماني في كتابه التنكيل (١\ ٦٧): "وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلساً، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئِلَ عن الشيخ وثَّقه! وقد يتفق أن يكون الشيخ دجَّالاً استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك. ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" (وهو توثيق باصطلاحه). فحكى له أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذَّاب، وإلا فإني رأيتُ حديث الشيخ مستقيماً"". قلت: وهذا سبب الاختلاف الكبير الذي نجده أحياناً في أحكام ابن معين على الرجال. . . وألحق السخاوي (كما في فتح المغيث) الدارقطني والبزار في توثيق المجهول إذا روى عنه اثنان كما يفعل ابن خزيمة وابن حبان. أما البزار فقد عُلِم تساهله. والدارقطني وجدته كذلك: يوثق أحياناً تابعين مجاهيل قليلي الحديث لم يوثقهم أحدٌ قبله. بل إن الدارقطني نص على ذلك في سننه (٣/ ١٧٤). ]ـ
ـ[أما أغلب علماء الحديث فلا يوثقون أحداً حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملَكةً لذلك الراوي. ولذلك تجد البخاري دقيقٌ جداً في أحكامه، وإلا سكت عن الرجل. فإذا جاءك الحكم من البخاري بالتوثيق أو التضعيف فحسبُكَ به. وكذلك كان أبو حاتم شديدٌ في نخل الروايات. فإن لم يجتمع له عدد كافٍ لإصدار حكم على الراوي فإنه قد يسميه شيخاً أو يسكت عنه عادةً. . . المشكلة يا شيخنا أننا لا يمكن أن نعرف قوة ضبط الراوي إلا بمقارنة حديثه مع حديث غيره. فإن كان له حديث كثير، يكون الحكم عليه ممكناً ودقيقاً. لكن المشكلة فيمن لم تكن له إلا بضعة أحاديث تفرد بها. . . فبالله عليك كيف نعرف إن كان ضابطاً أم لا؟ ]ـ
ـ[نعم، الأصل في المسلمين العدالة، لكن الكلام على الضبط. النسائي مثلاً مشهورٌ عنه أنه متشدد. لكني وجدت أن ذلك في كثير الحديث فقط. . . لكنه متساهل جداً في توثيق المجاهيل حتى ممن لم يرو عنه إلا واحد. وهو بذلك يشابه ابن حبان كثيراً. قال الذهبي في الموقظة "وقولهم: (مجهول)، لا يلزمُ منه جهالةُ عينِه، فإن جُهِلَ عينُه وحالُه، فأَولَى أن لا يَحتجُّوا به. وإن كان المنفردُ عنه من كبارِ الأثبات، فأقوى لحاله، ويَحتَجُّ بمثلِه جماعةٌ كالَّنسائي وابنِ حِباَّن". وقد أجد الراوي من الطبقة الثالثة مثلاً يقول عنه ابن المديني أنه مجهول لم يرو عنه إلا واحد. وأجد النسائي (على تأخر زمنه النسبي) قد وثقه أو قال لا بأس فيه. مع أنه ليس له إلا بضعة أحاديث عن تابعي واحد، ولم يرو عنه إلا رجل واحد. وابن سعد كثيراً ما يوثق الراوي رغم قلة حديثه (باعترافه). وقد أجد وصف حال هذا الراوي مطابقة لقول شيخه الواقدي، أي أنه قد اعتمد بتوثيقه على قول الواقدي المتروك. ولطالما نبه ابن حجر على ذلك. . . وقال في مقدمة فتح الباري (١\ ٤٤٣): "ابن سعد يقلد الواقدي. والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق". ]ـ
ـ[والمشكلة هو ماذا نفعل فيمن يوثقهم إلا هؤلاء؟! ثم إني قد وجدت اضطراباً في منهج هؤلاء أيضاً. فقد رأيت الحافظ الدارقطني ﵀ يجهّل العالية امرأة أبي إسحاق السبيعي (رغم رواية زوجها وابنها عنها وهما من هما)، لأنها تنقل خبراً يعارض مذهبه الشافعي. وقد رد عليه ابن الجوزي. لكنه في المقابل يوثق رجلاً مجهولاً لم يرو عنه إلا مكحول وليس له إلا حديث واحد في القراءة خلف الإمام (وهو المذهب الشافعي) رغم أن خبره شاذ. ]ـ
ـ[ولا ريب أنه لم يفعل ذلك عن قصد منه. ونحن نأخذ أفعال علماء المسلمين على أحسن محمل. فكيف بأمير المؤمنين في الحديث في عصره؟ لكنه غير معصوم أيضاً على أن يخالف مذهبه في التوثيق الذي نص عليه. ]ـ
ـ[إجمالاً فالمشكل في هذه المسألة أني وجدت الكثير من هؤلاء الرواة لم يوثقهم إلا من كان من أصحاب المذهب الثاني. بعض هؤلاء هم مجاهيل فعلاً (إما نص واحد على ذلك، أو لم يكن له إلا بضعة أحاديث ولم يرو عنه إلا واحد). لكن من هؤلاء من أخرج له مسلم في صحيحه، خاصة من قدماء التابعين. فهذا هو الذي يجعلني أحتار كثيراً في أحاديث هؤلاء. ]ـ
ـ[وليتك يا شيخنا الفاضل تخصص لهذا الموضوع كتيّباً من كتبيّباتك القيمة المفيدة. فقد عرفت فيك بعد النظر وسعة الاطلاع وحسن الفهم ما يقل أن يوجد عند غيرك. والموضوع شائك يحتاج فعلاً لكلمة أطول من "نعم" أو "لا". وجزاك الله خيراً على جهودك، وبارك بك]ـ
أقول: جزاك الله تعالى خير الجزاء، وبارك في جهدك، وعلمك، وسدد خطاك، ومداخلاتك قوية تدل على كثرة الاطلاع والتتبع والتحليل.
مسألة الجرح والتعديل مسألة شائكة جدا، وفي كثير من الأحيان لا يصفو كدر الإشكال فيها، لذا يتوقف استيعابها على ممارسة طويلة لنصوص النقاد فيها، لأن مناهجهم - وإن كانت كما شرحت - مؤسسة على المعرفة والخبرة، فكلامهم في الجرح والتعديل منضبط بقواعدهما، لكن الخلل والغموض والإشكال يأتي دائما من تفسيرنا لمصطلحاتهم، وسوء فهمنا لمقصودهم بها.
الذي ينبغي فهمه في ضوء ما ذكرتَ في السؤال هو ما يأتي:
أ - إذا كان منهج العلماء في الجرح والتعديل معروفا، وطريقة استخدامهم لمصطلح (ثقة) تتفاوت بين ناقد وآخر، أو بين حين وآخر بالنسبة إلى ناقد واحد؛ فإن تفسير هذا المصطلح لا يكون مستقيما إلا إذا راعينا فيه ذلك التفاوت.
فمثلا: علمنا من خلال التتبع أن ابن معين كان يستخدم مصطلح (ثقة) فيمن كثرت أحاديثه واستقامت معظمها، وفيمن لم يعرفه هو إلا بحديث واحد مستقيم، وبالتالي فإن معنى هذا المصطلح لا يكون موحدا في الحالتين؛ فيعني ابن معين في الأولى: أن الراوي كثير الحديث مع استقامة حفظه في رواية معظمه، أو أنه ضابط للأحاديث ولم يختل حفظه فيها، بينما يكون المعنى في الحالة الثانيه غير ذلك، وهو أنه وقف على حديث واحد مستقيم لذلك الراوي، وأنه ثقة في هذا الحديث، ولا يعني أبدا أنه ثقة ضابط في جميع أحاديثه، وإذا فسرناه في الحالتين جميعا بما هو متبادر في الذهن، ألا وهو قوي الحفظ وضابط لمعظم أحاديثه أو أكثره، فإن مصدر الخلل هنا فيما يخص توثيق ابن معين يكون من سوء فهمنا.
لا شك أن الراوي الذي وثقه ابن معين بناء على استقامة حديث واحددون تتبع لما رواه من الأحاديث قد يكون محل اضطراب، وتذبذ، إذا راجعه أحد بواقع أمره غير رأيه بسهولة.
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى منهج ابن معين في الجرح والتعديل فإنه لا يقدم قوله في توثيق راو جرحه غيره بعد أن جرب أحاديثه.
من المعلوم أن معرفة منهج العلماء في الجرح والتعديل لها فوائد عظيمة، من أهمها الترجيح عند الاختلاف، وفي حال كون الراوي لم يجرحه أحد ولم يوثقه، بل تفرد ابن معين - مثلا - بتوثيقه يكون ذلك التوثيق محتملا للوجهين مما يقتضي التريث والتحفظ في نسبة الحكم إلى ابن معين، بل يتطلب إلى سبر مرويات ذلك الراوي، وعرضها على رواية الثقات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علماء الجرح والتعديل- منهم البخاري ومسلم- قد يوثقون الرواة من التابعين ويصححون أحاديثهم مع أنهم لم يعرفوا إلا من جهة راو واحد، وقد أقر ذلك الإمام الدارقطني حين وضع كتابا تحت عنوان (الإلزامات). هذا لا يعني أن ذلك يكون مطلقا، وإنما يتوقف ذلك على جلالة الراوي الذي روى عنه الحديث، وإمامته، وطبيعة روايته عن الشيوخ عموما، وتحفظه في ذلك.
فالإمام الدارقطني قد وافق البخاري ومسلما في تصحيح أحاديث بعض الرواة التابعين، ممن لم يعرفوا إلا عن طريق أحد الأئمة الأجلاء، ثم أضاف إلى ذلك الدارقطني عددا آخر من التابعين قياسا على صنيع الشيخين، فعبر عن ذلك بالإلزام. وليس ذلك استدراكا على الشيخين بما فاتهما من الأحاديث، لكن بعض المتأخرين فهموا كذلك، فأجابوا بقولهم بأنه لا يلزمهما؛ إذ لم يشترطوا استيعاب الأحاديث الصحيحة.
وحسب القواعد التي درسناها في كتب المصطلح، والتصورات التي بنيناها حول مسائل علوم الحديث لا يصفو لنا كدر الإشكال في ذلك الصنيع المتمثل في توثيق بعض التابعين ممن لم يعرفوا إلا عن طريق راو واحد، ويكتنف حولها الغموض، بل نعدهم من المجاهيل، فإن الجهالة حسب تلك القواعد لا ترتفع إلا برواية أكثر من واحد، لكن الأمر ليس كذلك عند النقاد، قد يكون الراوي عندهم مجهولا على الرغم من رواية غير واحد عنه، وقد يكون معروفا بل يكون ثقة وصحيح الحديث مع كونه لم يرو عنه إلا واحد، إذن ليست المسألة متوقفة على العدد، والقياس، وإنما على نوعية الراوي
الذي روى عنه. راجع كتاب شرح العلل لابن رجب الحنبلي.
وعليه يكون سبب الإشكال هو الخطأ في فهمنا لمصطلحاتهم وعدم استيعابنا لمنهجهم.
فالإشكال الذي أثرته أخي- حفظك الله - أرى من هذا القبيل. (والله أعلم).
стр. 410
ـ[هل الحديث الحسن الإسناد -على حد المتأخرين - له حقيقة عند المحدثين؟ بل حقيقة في واقع الأمر. ]ـ
إن طريقة المتأخرين عموما في الحكم على الحديث هو الاعتماد على أحوال الرواة، لذا يكون الحديث الحسن على حد المتأخرين قد لا يكون كذلك عند النقاد ولا في الواقع. هذا وقد شرحنا هذا الموضوع في ((الموازنة)).
ـ[ما رأيكم في التسامح في باب الأثار الموقوفة وما دونها من حيث قبول رواية من تكلم فيه قليلا أو كان فيه سوء حفظ، بشروط وضوابط مثل أن لا تعارض شيئا ثابتا عن قائل الأثر أو لا تكون مما يخالف أصلا ثابتا في أصل الشرع وهكذا؟ ]ـ
نعم الأمر كذلك فيما أرى. (الله أعلم).
стр. 411
ـ[ما رأيكم في تعارض رواية الثقة والضعيف ، هل تقديم رواية الثقة مطرد، فإنك تجد من الأئمة من يرجح أحيانا رواية الضعيف أو من تكلم فيه على رواية غيره ممن هو أعلى منه ثقة وضبطا ويقول: هي أشبه بالصواب لاحتفافها بقرينة كلزوم الثقة للجادة أو كون المتن منكرا أو غير ذلك من القرائن المعرفة بخطأ الراوي أو احتمال خطئه؟ ]ـ
نعم يتوقف الترجيح على وجود قرائن وحسب دلالتها، والقرائن غير محصورة، ويتوفق فهمها واعتمادها في الترجيح على الخبرة الحديثية والمعرفة الواسعة، كما الإمام الحاكم: الحجة عندنا الحفظ والمعرفة والفهم لا غير. أما في حال عدم وجود قرائن يكون الثقة مقدما على من دونه بدون شك.
ـ [هل رواية المتروك لا تصلح للاعتبار مطلقا ؟ وإن كانت لا تصلح فما تعليقكم على عبارة الترمذي فيما يقول عنه حديث حسن قال (كل حديث يروى .. وفيه لا يكون في سنده كذاب) فهل يعني أن روايات المتروكين تدخل ضمن حد الحسن عنده؟. . أو هل يعني أن الحسن عنده لا يراد به النوع المحتج به؟. . أو يدخل فيه ما يكون حجة وما دونه؟. . وقد قال الدارقطني وهو يعلل حديث يروى عن أبي هريرة وقد حصل فيه اضطراب من رواته الثقات: (ورواه عبد الله بن زياد بن سمعان عن المقبري عن القعقاع عن حكيم عن أبيه عن عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ وهو أشبهها بالصواب وإن كان ابن سمعان متروكا) العلل ٨/ ١٥٩. ]ـ
الذي احترز عنه الترمذي بقوله في الحسن هو المتهم بالكذب، ويدخل فيه المتروك المتفق على تركه أيضا، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل. وإن كان الراوي كذابا أو متروكا متفقا على تركه فإن الأصل المعمول به لدى عامة المحدثين هو أن لا يروى حديثه في كتبهم، لغير بيان الضعف، بخلاف المفسرين وأصحاب السير وغيرهم من الفقهاء، وقد يروي المحدث عن المتروك، لكن فقط على سبيل التساهل أو غفلة منه، كما وقع في بعض السنن والمسانيد غير المعللة.
أما تحسين الترمذي للحديث فلا يلزم منه أن يكون صالحا للاحتجاج به، كما سبق شرح ذلك في أكثر من مناسبة.
أما ما ذكرت من ترجيح الدارقطني فمبناه القرائن التي أوضحتها في الأسئلة فيما أرى، ومن نظر في عمل النقاد من جهة أحوال الرواة أشكل ذلك عليه، ومثل هذه المسألة التطبيقية ليس من السهل أن نعلق عليها قبل الفهم، وقد حاولت ذلك من خلال تتبع سريع، لكن وجدت نفسي تميل إلى ما ذكرت أنت أخي من سلوك الرواة الجادة، وأنا مقتنع باحتمال وجود أمور أخرى قد تكون معولا عليها لدى الدارقطني في الترجيح.
وعلى كل لا مانع من القول إن هذا الراوي المتروك لم ينفرد بإضافة الحديث إلى سعيد، وهو مصدر هذا الحديث، وباتفاق جميع الرواة ثبت أن الحديث قد حدث به سعيد، كما أن الحديث مرفوع أيضا باتفاق معظم الرواة، وليس ذلك مما انفرد به ابن سمعان أيضا. لكن الرواة اختلفوا حول شيخ سعيد في هذا الحديث، وحول الصحابي الذي رواه، ثم عند المقارنة بين الوجوه المختلفة نجد ما قاله ابن سمعان أصعب على اللسان أن يسلكه وهما وأن ينزلق إليه بغير شعور، بخلاف ما ذكره غيره مع اختلاف فيما بينهم، فالداقطني قد عبر عن ذلك بعبارة محترمة حين قال: (وهو أشبهها بالصواب وإن كان ابن سمعان متروكا). والله أعلم.
هذا وقد صحح ابن حبان هذا الحديث من رواية الوليد عن الأوزاعي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال إذا وطىء أحدكم بنعله في الأذى فإن التراب لها طهور، على الرغم من الاختلاف على الأوزاعي الذي ذكره الإمام الدارقطني. (٤/ ٢٤٩)، وقد يكون ذلك التصحيح من تساهل ابن حبان.
стр. 412
ـ [ما هو رأيكم في مسالة اشتراط السماع واللقي من عدمه بين المتعاصرين وهل اطلعت على ما كتبه الشيخ حاتم العوني؟ ]ـ
ما ذكره الشيخ حاتم الشريف - حفظه الله تعالى - في كتابه (الإجماع) هو عين الصواب، وكنت أرى ذلك منذ سنوات حين كنت في الجزائر، وقد طرحنا هذا الموضوع أمام بعض الطلبة هناك، فلما وجدت الشيخ حاتم قد عالج الموضوع بالأدلة الكافية سررت كثيرا، ودعوت له من أجل ذلك.
لا أدري كيف شاع بين العلماء أن مذهب مسلم في حكم الاتصال بالمعاصرة دون اللقاء بين راويين متعاصرين كان مطلقا، بينما يقيد الإمام مسلم ذلك بصريح قوله في المقدمة: "أما والأمر مبهم .... "، يعني عند الإبهام، وليس ذلك مطلقا في عنعنة المتعاصرين.
ومن المعلوم بدهيا أن الحكم بظاهر الأمر عند إبهام الحقيقة وفقدان آليات البحث عنها والتفتيش مألوف لدى الجميع، والخارج منه مشدد على نفسه دون أمر شرعي، لذا أصبحت دعوى مسلم بإجماع المحدثين على الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة مع إمكانية اللقاء بشرط أن لا يكون الراوي متهما بالتدليس أمرا واقعيا، ومن المحدثين البخاري وعلي بن المديني.
وأود أن أقول إن الشيخ حاتم ممن أحبه وأحترمه كثيرا لجودة ما كتبه وقدرته على تأسيس فكرته واستنتاجاته، ونفسه الطويل في البحث والتتبع والإبداع، وما يكتبه يعد نموذجا رائعا للأبحاث العلمية المبدعة.
جزاه الله تعالى خيرا وسدد خطاه، وحفظه من كل شر وفتنة تصرفه عن الانشغال بالأهم.
ـ[هل تتفضلون علينا بشرح طريقة مختصرة للحكم على الأسانيد . ]ـ
إن شاء الله سأفعل ذلك في المستقبل القريب إن شاء الله.
ـ[ما قولكم شيخنا في دعوى عدم احتجاج الإمام احمد بالحديث الضعيف وأن مقصوده الحسن. مع كون الشواهد تثبت قبول أحمد بالحديث الضعيف الذي لا وجه لتحسينه. ]ـ
فيما أرى أن المسألة فيها شيء من الخلط.
هنا عدة نقاط:
الأولى: أن الضعيف الذي يحتجون به أو يستأنسون به أو يقدمونه على الرأي هو الحديث الذي لم يتبين صوابه ولا خطؤه، وذلك لاحتمال أن يكون قولا للنبي ﷺ ، وقد يطلقون عليه بالضعف أو بالحسن.
وأما ما تبين فيه الخطأ، وثبت أنه قول صحابي أو تابعي وليس قولا للنبي ﷺ ، فلا يحتج به، ولا مجال لتقديمه على رأي آخر، لتساويهما في الأمر.
الثانية: يظهر معنى احتجاجهم بهذا النوع من الأحاديث الضعيفة، وقصدهم بذلك من خلال النصوص الآتية:
يقول الأثرم: كان أبو عبد الله، ربما كان الحديث عن النبي ﷺ ، وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه (شرح العلل ص: ١٨٨ - ١٨٩).
وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب،: أنا أكتب حديثه وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء.
وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه وإذا شاؤوا تركوه، وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: من الناس بعدهم (التهذيب ٨/ ٤٩).
وفي ضوء هذه النصوص يمكن القول بأن احتجاجهم بتلك الأحاديث الضعيفة التي لم يتبين فيها الخطأ كان على سبيل الاحتياط لاحتمالها أن تكون مما قاله النبي ﷺ ، وليس احتجاجهم بها كما يحتجون بجميع أنواع الأحاديث الصحيحة وما يقاربها. (والله أعلم).
стр. 413
ـ[حكم الأثر الذي رواه الطبراني في الكبير ٩/ ١٦٣ قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي ثنا أسد بن موسى ثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال قال عبد الله ثم لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم قال وكيع قال الأعمش فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر ﵁. ]ـ
ـ[وإشكالي فيما أرسله النخعي عن ابن مسعود وأقسم عليه، وجدت كلاماً لشيخ الإسلام يفيد صحته ولم أقف له على سند متصل، وكل طرقه من إرسال النخعي أو منصور وأظنه ابن المعتمر. . . وهذا الأثر أورده جم غفير من أهل العلم في معرض التقرير أذكر منهم الشيرازي في طبقات الفقهاء، والبري في الجوهرة، والمكي في قوت القلوب، والصفدي في الوافي بالوفيات، والبسوي في معرفة التاريخ، وابن الضياء في تاريخ مكة والمسجد الحرام، وأبونعيم في تاريخ أصفهان، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، والسخاوي في التحفة اللطيف، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والمزي في تهذيب الكمال، وابن سعد في الطبقات، والطبري في الرياض النضرة وقال خرجه أبوعمر القلعي، وكذلك ابن الأثير في أسد الغابة، وذكره ابن عبد البر في التمهيد بالسند، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وكذلك الهيثمي في مجمع الزوائد، والدارمي في سننه، وذكره غيرهم مقرراً له ومن أجلهم عندي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن القيم. . . فهل له طريق موصول إلى ابن مسعود ﵁ وأو غيره من الصحابة وأين أجده. ]ـ
جزاك الله خيرا، فقد أفدتني بما ذكرت، من التخريج، نعم قول إبراهيم عن ابن مسعود منقطع، ولعل العلماء قد اعتمدوا في قبولهم لذلك الأثر المنقطع على صيغة الجزم التي استخدمها إبراهيم النخعي مع التأكيد بالقسم، يبدو أن الرواية هكذا وردت منقطعة، ربما لم يذكره إبراهيم في غير هذه المناسبة؛ لذا يصعب علينا أن نجد الرواية متصلة في موطن آخر؟ (والله أعلم).
стр. 414
ـ[سؤالي يا فضيلة الشيخ عن تفرّد الإمام الحافظ . ما حكمه من حيث القبول والرد. ]ـ
جواب هذا السؤال ما قاله الحافظ ابن رجب في شرح العلل: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه".
التفرد نوعان: تفرد الراوي بما له أصل، وتفرده بما ليس له أصل، والأول مقبول ومحتج به، دون الثاني، أيا كان ذلك الراوي المتفرد، لكن من الذي يفرق بينهما؟ إنما هو الناقد وحده.
стр. 415
ـ [من هو القائل وما دليله بالحد الفاصل سنة ٣٠٠ ه ـ الذي يعرف فيه بين العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين والتفريق بين علماء امة محمد صلي الله عليه وسلم، وبهذا يكون: ]ـ
ـ[١) الإمام الدارقطني (توفي سنة ٣٨٥)]ـ
ـ[٢) الإمام ابن خزيمة (توفي سنة ٣١١)]ـ
ـ[٣) الإمام ابن حبان (توفي سنة ٣٥٤)]ـ
ـ[٤) الإمام الحاكم (توفي سنة ٤٠٥)]ـ
ـ[٥) الإمام الطحاوي (توفي سنة ٣٢١)]ـ
ـ[٦) الإمام ابن المنذر (توفي سنة ٣١٨)]ـ
ـ[٧) الإمام الطبراني (توفي سنة ٣٦٠)]ـ
ـ[٨) الإمام ابن حزم (توفي سنة ٤٥٦)]ـ
ـ[٩) الإمام ابن عبد البر (توفي سنة ٤٦٣)]ـ
ـ[١٠) الإمام البيهقي (توفي سنة ٤٥٨)]ـ
ـ[وغيرهم كثير من العلماء المتأخرين الذي يزهد في قولهم لأنهم ليسوا من العلماء المتقدمين. . . وإن كان هناك حد فاصل غير سنة ٣٠٠ هـ بين العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين فمن هو قائله وما دليله علي تفريق أمة محمد ﷺ بين متقدم ومتأخر. ]ـ
أرجو من أخي العزيز - حفظه الله تعالى وسدد خطاه - قراءة كتاب ((الموازنة))، فيها جواب كاف عن هذه الأسئلة، ومع ذلك فهذه إجابات سريعة: من يقرأ كتابا في العلوم الشرعية يجد إطلاق هذين المصطلحين: المتقدمين والمتأخرين في مناسبات عدة.
إذا كان هناك تباين منهجي أو علمي بين العلماء في معالجة شيء من القضايا هل تحب أنت يا أخي الخلط بينهم؟ وقد صرح ابن دقيق العيد بوجود تباين منهجي بين المحدثين النقاد وبين الفقهاء وعلماء الأصول في التصحيح، وذلك حين قال ابن الصلاح بعد تعريفه للصحيح، "هذا هو الصحيح عند أهل الحديث". راجع كتاب الموازنة.
وفي ضوء تباين منهجي في ذلك نجد العلماء يفرقون بين النقاد وبين ابن حبان والحاكم وغيرهما من المحدثين مع كونهم من المتقدمين الذين يعتمدون على الرواية المباشرة في نقل الحديث.
إذن يكون التفريق بين العلماء أمرا مهما للغاية إذا وجد بينهم تباين منهجي، وذلك لئلا يقع الخلط بينهم.
стр. 416
ومن هنا نقول: من كان على منهج النقاد سواء كان متقدما أو متأخرا فهو على منهج المتقدمين، ومن كان على غير منهجهم - مهما كان سبب ذلك - ينبغي التفريق بينهم وبين النقاد بأي مصطلح كان، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وإذا تتبعت تصحيح المتأخرين والمعاصرين عموما وجدتهم على غير منهج النقاد، فيصححون ويضعفون بناء على أحوال الرواة عموما. مع الملاحظة أن المتأخرين لم يتكلموا جميعا في التصحيح والتضعيف، كما أن المتقدمين لم يتكلموا جميعا في ذلك. فالمقصود بالمتقدمين هنا هم النقاد، ومن سلك منهجهم ولو كان متأخرا زمنيا، وبالمتأخرين هم الذين يصححون الأحاديث ويضعفونها بناء على ظواهر السند، ولو كان متقدما.
هذا واحد، والأمر الثاني أن الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين فاصل علمي وليس فاصل زمني محدد. فكل من يعتمد على الرواية المباشرة في نقل الحديث فهو من المتقدمين، ومن يعتمد على الكتاب دون السند فهو من المتأخرين. أما تحديدهم بفاصل زمني ففيه صعوبة فإن تحول العادات والأعراف لم يتم إلا على التدرج.
وفي ضوء ذلك فجميع من ذكرتَ أسماءهم في السؤال من المتقدمين.
وعلى هذا الأساس قد فرق بين المتقدمين والمتأخرين ابن الملقن في كتابه (البدر المنير ١/ ٢٧٦)، حين قال: هذا كله كان على رأي السلف الأول، يذكرون الأحاديث بالأسانيد في هذه التصانيف إذ عليه المعول.
وأما المتأخرون فاقتصروا على إيراد الأحاديث في تصانيفهم بدون الإسناد، مقتصرين على العزو إلى الأئمة الأول إلا أفرادا من ذلك وآحادا: كأحكام عبد الحق الكبرى والصغرى والوسطى.
ثم قال: وأنبه - مع ذلك - على ما أظهره الله على يدي مما وقع للمتقدمين والمتأخرين من وهم أو غلط، أو اعتراض، أو استدراك قاصدا بذلك النصيحة للمسلمين، حاشا الظهور أو التنقيص، معاذ الله من ذلك فهل الفضل إلا للمتقدم.
стр. 417
ولما كان أغلب النقاد من المتقدمين جاء استخدامي لمصطلح (المتقدمين)، وكذلك لما كان أكثر من خالفهم عمليا في طريقة التصحيح والتضعيف هم المتأخرون والمعاصرون أطلقت عليهم جميعا مصطلح (المتأخرون)، ولا مشاحة في ذلك، وليس ذلك أبدا تفريق أمة محمد ﷺ وأئمتهم، وإذا كان التفريق بينهم بالسلف والخلف من حيث العقيدة أمرا مألوفا، فما الذي يمنعنا من الفصل بينهم من حيث المنهج في التصحيح والتضعيف، بعد أن أثبتنا التباين المنهجي فيما بينهم، دون أن نطعن في أحدهم. (والله أعلم).
ومن الذي يزهد في علم السابقين لكونهم من المتأخرين؟ وإذا رجح أحد قول النقاد المتقدمين في التصحيح أو التضعيف على من خالفهم من المتأخرين، أو دعى الباحثين إلى ذلك، لا يعني أبدا أنه قد زهد في علم المتأخرين. والذي كان يحتج بنصوص المتأخرين وتحقيقاتهم في هذا المجال كيف يتهم بأنه قد زهد في علمهم؟
والله نحن نقدر جهود علمائنا السابقين انطلاقا من إيماننا، وهم الذين علمونا أهمية الفصل بين المناهج المختلفة، وضرورة الابتعاد عن قلب الأمور رأسا على عقب، ولذلك تجدوننا ننقل في هذا المجال من نصوص علمائنا المتأخرين. انظر يا أخي الفاضل - هدانا الله وإياكم - ما سطرتُه في الموازنة، واقرأه جيدا. وكم من قول صحيح وآفته الفهم السقيم.
стр. 418
ـ [هل إذا اجتهد أحد من العلماء المتأخرين الذين هم بعد سنة ٣٠٠ هـ في الحكم علي حديث (بالصحة) وخالف أحد من العلماء المتقدمين الذين هم قبل سنة ٣٠٠ هـ يعد هذا العالم المتأخر مبتدع منهج جديد ؟ ]ـ
سياق الكلام مقلوب، يا أخي هناك منهجان في التصحيح والتضعيف هما: منهج قائم على معرفة مدى الموافقة والمخالفة والتفرد، أو بعبارة أخرى: منهج قائم على مدى سلامة الحديث من شذوذ وعلة، ومنهج قائم على ظواهر السند والتجويز العقلي، وقد أفادنا بذلك الإمام السخاوي وابن دقيق العيد وغيرهما من الأئمة المتأخرين؛
أما الأول فعليه النقاد، وعلى الثاني الفقهاء المتأخرون وتبعهم في ذلك المحدثون المتأخرون والمعاصرون، إلا نادرا.
إذا خالف أحد من المتأخرين نقاد الحديث القدامى غير المتساهلين لا يقال إنه ابتدع منهجا جديدا، وإنما يقال إن هذا المتأخر قد أخطأ في الحكم فقط، أما إذا وجدناه قد اتخذ منهجا عاما في التصحيح والتضعيف، وفق منهج الفقهاء، واستخدم مصطلح (صحيح) فيما إذا كان رواته ثقات، واتصل سنده ظاهرا، بغض النظر عن سلامته من شذوذ وعلة، وأصبح بذلك يخالف نقاد الحديث بتصحيح ما ضعفوه، أو تضعيف ما صححوه، فعلينا أن نبين ذلك لئلا يقع الخلط بين المناهج المختلفة، ولئلا يفسر قوله (هذا صحيح) بما استخدمه فيه النقاد، كما نبهنا علماؤنا السابقون بتساهل ابن حبان والحاكم وغيرهما، مع كونهم من المتقدمين الذين يعتمدون الرواية المباشرة في نقل الأحاديث.
ـ [هل العالم المتقدم الذي هو قبل سنة ٣٠٠ هـ معصوم من الخطأ والوهم الذي يقع فيه العلماء المتأخرين الذين هم بعد سنة ٣٠٠ هـ جميعاً ؟ ]ـ
كلا ثم كلا، ولم يقل به أحد فيما أعلم.
стр. 419
ـ[يا شيخ / كثر في هذا الزمان بين طلبة علم الحديث (خاصة) من يزهد في العلماء المتأخرين وفي علمهم واجتهادهم حتي إن أحد طلبة العلم يرفض ويزهد في (فتح الباري) لابن حجر ﵀ ويقول (لا أريد شرح هؤلاء المتأخرين). ]ـ
ـ[يا شيخ / ويوجد طلبة علم تقول لهم هذا الحديث صححه (الحافظ ابن حجر، والحافظ البيهقي وغيرهم ولا يوجد لهم مخالف من تقدمهم من العلماء فيقول وبكل بساطه وزهد: (هؤلاء علماء متأخرين). إنا لله وإنا إليه راجعون. ]ـ
وأنا أقول أيضا إن لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله تعالى العافية والسلامة، وهذا الذي ذكرته سلوك منحرف، وغرور بالنفس، ولا ينبغي أن يكون ذلك سلوك طالب علم يخشى الله تعالى. هذا وجزاك الله خيرا
ـ [ما رأيكم بكتاب منهج المتقدمين في التدليس لناصر الفهد . ]ـ
حتى الآن ما وجدت هذا الكتاب، ولم أجد فرصة سانحة لقراءته، وأحب أن أستفيد منه.
ـ [ما رأيكم بمنهج المشايخ عبد الله السعد والشيخ عبد العزيز الطريفي والشيخ العلوان وحاتم الشريف ومن نحى نحوهم فيما يقولونه عن منهج المتقدمين فالحقيقة جعلونا في حيرة. ]ـ
لست أنا خيرا منهم حتى أُسأل عنهم. وإنما يسألون عني.
إن ترك المألوف حتى ولو كان خطأ مما يصعب على الإنسان، ويزداد ذلك صعوبة إذا كان منغلق التفكير، ومقدس الماضي.
وما فعله الشيوخ الكرام إنما هو نهوض بما تقتضيه مستجدات عصرنا من الواجبات نحو السنة، وتفرضه عليهم فوضى الباحثين المعاصرين في التصحيح والتضعيف.
ولا يسعني إلا أن أقول: جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء. وشكرا لكم.
стр. 420
ـ [إذا كان لا يوجد فرق بين الحسن والصحيح - حسب اصطلاح المتأخرين - من جهة العمل بهما فما فائدة التقسيم إذن ؟؟ ]ـ
التقسيم الذي ذكرته شكلي فقط، وقائم على اعتبار أحوال الرواة، وتكون فائدة ذلك الترجيح عند التعارض إذا لم تكن هناك قرائن.
ـ [متى وكيف يرتقي الحديث الضعيف إلى رتبة الحسن أو الصحيح ؟؟ ]ـ
إذا لم يتبين فيه الخطأ.
стр. 421
ـ[كما تعلمون، للدكتور عمراني الحنشي كتاب اسمه (كيف يَرِدُ - بكسر الراء- الخطأ على العلماء الكبار) وتكلم على حديث ابي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري والذي فيه سؤال النبي ﷺ له (يا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس حين تغرب؟ ... فإنها تذهب تسجد تحت العرش .. الى آخر الحديث). . . وقد أعل الدكتور الحديث بتدليس ابراهيم التيمي (وقد عنعن) بسبب أن الكرابيسي قد وصفه بذلك، ثم العلائي في جامع التحصيل، ثم ابن حجر وصفه بذلك في تقريبه فقط. . . وإذا ناقض هذا الوصف بالتدليس وعارضه بأن ابراهيم التيمي هذا لم يصفه بالتدليس أحد سواهم .. حتى ان ابن حجر لم يذكره في كتابه المشهور بطبقات المدلسين والذي إنما هو اعادة صياغة لكتاب العلائي المذكور .. وسائر من ترجم له ذكر أنه يرسل عمن لم يلقاهم، ولم يصفوه بالتدليس. . . ف ما هو اختياركم وترجيحكم في حال إبراهيم التيمي من حيث احتياجه اثبات التحديث والسماع أم عدمه ، وهل هذا عام في كل مروياته أم أن هناك تفصيل؟ ]ـ
هنا ثلاثة أمور؛ الأول: أن إبراهيم التيمي ثقة إمام، غير أنه تُكلِّم فيه بما يدل على أن روايته عن بعض الصحابة منقطعة، ولعل الكرابيسي جعله من المدلسين بسبب روايته عن زيد بن وهب المخضرم؛ إذ قال: (حدث عن زيد بن وهب قليلا أكثرها مدلسة) كما في التهذيب، يعني أن إبراهيم التيمي كان يخفي الواسطة بينه وبين زيد، وتبعه في ذلك العلائي وغيره.
وعلى هذا فما رواه إبراهيم عن شيوخه متصل وإن لم يصرح بالسماع، إلا في روايته عن زيد بن وهب، فإن الحكم عليه بالاتصال يتوقف على ثبوت سماعه منه ذلك الحديث بعينه، وكذا روايته عمن لم يسمع منه من الصحابة تكون منقطعة أيضا بدون نزاع، ويتأيد ذلك بتعامل النقاد قاطبة مع رواياته، لا سيما اعتماد الإمامين: البخاري ومسلم عليها في الصحيحين.
أما الحديث الذي نحن بصدده ليس مما ينبغي الشك في اتصاله، إذ رواه عن أبيه، ولم يتكلم في روايته عنه أحد من الأئمة، كما لم يتوقف أحد منهم عن تصحيحها عموما في حدود علمي، وفي هذا الحديث خصوصا، بل هي رواية مشهورة ومعتمدة في الصحيحين. وعليه فما قاله الدكتور المحترم (حفظه الله) حول حديث إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر في سجود الشمس غير سديد لا منهجيا ولا علميا.
والأمر الثاني: ما ذكرتَه في السؤال يعد نموذجا لاجتهادات المعاصرين في التصحيح والتضعيف، يقومون بها قبل أن يستوعبوا منهج النقاد في التصحيح والتضعيف، ويعتبرون ما ورد عن بعض الأئمة في معالجة موضوع ما، قاعدة مطردة قبل أن يفهموا مغزى ذلك، ثم يستعجلون في تطبيق هذه القاعدة على الأحاديث التي صححها هؤلاء الأئمة أنفسهم قرنا بعد قرن، ويستدركون عليهم بالذي ورد عنهم، وهذا غريب ومؤسف جدا.
стр. 422
ومن أجل معالجة هذه الظاهرة التي تسود ساحتنا العلمية اليوم قمنا بإثارة موضوع المتقدمين والمتأخرين، وتوعية الباحثين بأهمية مراعاة التأهل، وفهم منهج القوم في النقد، واحترام ما صدر عنهم من الأحكام، وخطورة مزاحمتهم بأفكار سطحية لا تغيب عنها حتى أذهان الطلبة المبتدئين.
الأمر الثالث: من أهم وسائل الحكم على الحديث بالاتصال والانقطاع أن تجمع الروايات وأن ينظر في مدى تفاوت صيغ أدائها، وحتى القول بانقطاع رواية المدلس المعنعنة يتوقف على ذلك أيضا، ولا يكتفى بمجرد صيغة العنعنة التي ترد في الإسناد، إذ الراوي المدلس قد لا يكون مسؤولا عن تلك الصيغة، وإنما تكون العنعنة من تصرف الراوي المتأخر، ولذلك قد يشكل على بعض الباحثين قول النقاد بانقطاع رواية المدلس مع ورود التحديث فيها أو صيغة السماع، كما يشكل عليه قولهم باتصال روايته مع كونها معنعنة.
وبالنسبة إلى هذا الحديث الذي تكلم عنه الدكتور الفاضل؛ لقد قمت بجمع ما ورد في روايته من الطرق فوجدتها تدور على إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر، دون أن أعثر على شئ يدل على انقطاع هذه الرواية؛ مثل وجود واسطة بين إبراهيم وأبيه، أو صيغة تدل على أن إبراهيم لم يسمع من أبيه هذا الحديث بعينه؛ كأن يقول: بلغني عن أبي، أو أخبرت عن أبي أو غير ذلك.
ألا يكفي لنا صنيع النقاد في عدم تعرضهم لرواية إبراهيم عن أبيه مع شهرتها، في مناسبة بيان انقطاع ما رواه عن بعض شيوخه، بل احتجاجهم المطلق بما رواه عن أبيه معنعنا يلزمنا القول بصحة ذلك الحديث؟.
الخلاصة: إن رواية إبراهيم عن أبيه متصلة جزما، دون أن يعكرها قول الكرابيسي الخاص بما رواه إبراهيم عن زيد بن وهب. وشكوكنا أو تشكيكنا فيما لم يشك فيه النقاد قاطبة يعد مجازفة خطيرة. (والله أعلم).
стр. 423
ـ [ما رأيكم في (محمد بن المصفى) . ]ـ
الذي أفهمه من كلام النقاد أن محمد بن المصفى تكلم فيه بسبب الغرابة في بعض ما رواه ونكارته، وهو في الأصل ثقة صدوق، يعني أن هذه الغرابة وقعت من سوء حفظه، لذا يكون ما تفرد به من الأحاديث بحاجة إلى نظر وتتبع ومقارنة، وعليه فقبول حديثه أو رده أو تحسينه يتوقف أساسا على مدى موافقته مع الآخرين ومخالفته لهم وتفرده بما ليس له أصل، أو تفرده بما له أصل.
ولكل ما يرويه من الأحاديث مناسبة خاصة، تختلف باختلاف شيوخه، أو باختلاف طبيعة حديثه، وحسب ذلك يكون الحكم تصحيحا أو تضعيفا أو تحسينا.
وأما حال محمد بن مصفى فلا يعد مقياسا مطردا للحكم على كل ما يرويه من الأحاديث إلا إذا لم يستغرب الناقد تفرده ويستنكره.
فعلى سبيل المثال إذا تفرد محمد بن المصفى عن شيخ معروف بما لا يعرفه أصحابه المعروفون ثم كان ذلك الحديث معروفا بطريق آخر فإن تفرده يعد منكرا، كما استنكر الإمام أحمد ما تفرد به عن الوليد عن الأوزاعي عن ابن عباس مرفوعا إن الله تجاوز .. الحديث.
ولو كان سؤالك عن حديث معين مما رواه لكان الجواب محددا وواضحا بإذن الله تعالى.
ـ [ما رأيكم في كتابات (عداب الحمش) . ]ـ
قرأت بعضها، وقد أعجبني أسلوبه في البحث والتحليل ونفسه الطويل في التتبع، لكني أكره جانب التشدد والتكلف في الدفاع عما يميل إليه، وكنت أتمنى أن تصحب مواهبه العلمية والفكرية بالإنصاف، والاحترام، والتواضع، حتى ينال قبول المنصفين.
ـ [ما رأيكم في تحقيق (عبد الفتاح أبو غدة) للسان الميزان . ]ـ
لم أطلع بعد.
стр. 424
ـ [القواعد المحررة المعتمدة في الحكم على الحديث أو سنده هل توجد أم لا ؟ وإذا كانت موجودة فمن الذي جمعها في كتابٍ معتمد يُرْجَع إليه؟ ]ـ
يقوم التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد على قواعد علمية واقعية وواضحة الجوانب، لا يشوبها غموض ولا إشكال، قد يظن البعيد أن ذلك إلهام أو تخمين أو غير منضبط بقواعد النقد أو غير ذلك، وإذا أمعنت النظر - يا أخي الكريم حفظك الله - في كتب النقاد القدامى مع رصيد من الفهم والخبرة وجدت منهجهم منضبطا بالقواعد المعمول بها لدى الجميع. والمشكلة أننا - من خلال دراسة كتب المصطلح ولا أثناء تخريج الأحاديث - لم نُكوِّن تكوينا علميا صحيحا يساعدنا على فهم مصطلحاتهم وأبعادها النقدية.
وأما الكتب التي تعالج تلك القواعد جامعة ومرتبة، وتشرحها شرحا وافيا يغطي جميع جوانبها فأظن أنها غير موجودة، وإن كانت كتب المصطلح قد جمعت مصطلحات الحديث التي تحمل في طياتها قواعد النقد، دون أدنى تقصير، لكنها غير مرتبة ترتيبا موضوعيا، بل هي مبثوثة في بطونها، وهي لا زالت بحاجة ملحة إلى ترتيب علمي موضوعي يسهل على القارئ الفهم والاستيعاب.
وإذا أردت الوقوف على تلك القواعد وأبعادها النقدية أثناء دراسة تلك الكتب فما عليك إلا مراعاة ما يأتي:
١ - أن يقوم بالمقارنة بين جميع المصطلحات التي تتصل بعضها ببعض في المعنى الجوهري.
٢ - أن يقوم بالمقارنة بينها وبين جوانبها التطبيقية لنقاد الحديث.
٣ - تقييد ما ينبغي تقييده، وإطلاق ما ينبغي إطلاقه.
٤ - أن لا يخلط في ذلك بين أقوال المحدثين النقاد، وآراء أئمة الفقه والأصول، ولكل منهم منهج خاص.
وقد كتبت بعض أبحاثي لبلورة هذه الأمور وأهمية مراعاتها لدى دراسة كتب المصطلح.
стр. 425
ومن الجدير بالذكر أن هناك كتبا عديدة تساعدك على استيعاب منهج المحدثين النقاد، وفهم قواعده، منها مقدمة الإمام مسلم، وكتب العلل عموما، والمعجم الأوسط للطبراني، وكتب الضعفاء لابن عدي وابن حبان، والعقيلي، وشرح العلل لابن رجب، وكتاب النكت للحافظ ابن حجر والتنكيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي - رحمهم الله تعالى جميعا - (والله تعالى الموفق).
ـ[من خلال نقاشي مع المهتمين بهذا المنهج كشيخنا (عبد الله السعد) وأحد كبار طلابه عن المنهج كان منهم إبداءُ أمرٍ مشكلٍ وهو: أن هذا المنهج إنما هو مبنيٌ على فهوم العارف بالأسانيد. فما مدى صحة هذه القولة ؟ ومما لا شكَّ أن منهجاً قام على فهومٍ دون قواعد فمآله إلى انهيار وأفولٍ لنجمه. ]ـ
إن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف منضبط بقواعد، ساعدهم على تطبيقها تلقائيا الحفظ والفهم والمعرفة، حتى أصبح هذا التطبيق العملي منبعا أصيلا لقواعد النقد وضوابطه تصحيحا وتعليلا.
ومثلهم في ذلك مثل حافظ القرآن الكريم، إذا كان الحافظ يستطيع بحفظه أن يكتشف تداخل الآيات والسور على من يقرؤها، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الحافظ الذي حفظ الأحاديث بشكل منظم، مع رصيد معتبر من الفهم والمعرفة، ولذا فإن الأمر في اكتشاف الخطأ والوهم لن يكون تابعا لأحوال الرواة ولا يكفي في ذلك مجرد حفظ للأحاديث، أو مجرد إطلاع واسع عليها؛ فمن حفظ أو اطلع على أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه، وأحصاها، وأحاديثه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأحاديثه عن أبي سلمة عن أبي هريرة مع إحصاء عدد هذه الأحاديث، كل على حده، يقدر أن يعرف من أدخل في أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه ما كان يرويه عن غيره، وحين وقوع تداخل على الراوي في أحاديث الزهري فإن الناقد يعبر عن ذلك بقوله: "إنما هو كذا وليس ذلك محفوظا"، أو "هذا باطل وإنما هو كذا"، وغير ذلك من العبارات العلمية التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء.
следующие страницы →