← Фатава

Фатава · id 4382

لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء

ملتقى أهل الحديث

Полный текст (753 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ـ[كما تعلمون، للدكتور عمراني الحنشي كتاب اسمه (كيف يَرِدُ - بكسر الراء- الخطأ على العلماء الكبار) وتكلم على حديث ابي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري والذي فيه سؤال النبي ﷺ له (يا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس حين تغرب؟ ... فإنها تذهب تسجد تحت العرش .. الى آخر الحديث). . . وقد أعل الدكتور الحديث بتدليس ابراهيم التيمي (وقد عنعن) بسبب أن الكرابيسي قد وصفه بذلك، ثم العلائي في جامع التحصيل، ثم ابن حجر وصفه بذلك في تقريبه فقط. . . وإذا ناقض هذا الوصف بالتدليس وعارضه بأن ابراهيم التيمي هذا لم يصفه بالتدليس أحد سواهم .. حتى ان ابن حجر لم يذكره في كتابه المشهور بطبقات المدلسين والذي إنما هو اعادة صياغة لكتاب العلائي المذكور .. وسائر من ترجم له ذكر أنه يرسل عمن لم يلقاهم، ولم يصفوه بالتدليس. . . ف ما هو اختياركم وترجيحكم في حال إبراهيم التيمي من حيث احتياجه اثبات التحديث والسماع أم عدمه ، وهل هذا عام في كل مروياته أم أن هناك تفصيل؟ ]ـ هنا ثلاثة أمور؛ الأول: أن إبراهيم التيمي ثقة إمام، غير أنه تُكلِّم فيه بما يدل على أن روايته عن بعض الصحابة منقطعة، ولعل الكرابيسي جعله من المدلسين بسبب روايته عن زيد بن وهب المخضرم؛ إذ قال: (حدث عن زيد بن وهب قليلا أكثرها مدلسة) كما في التهذيب، يعني أن إبراهيم التيمي كان يخفي الواسطة بينه وبين زيد، وتبعه في ذلك العلائي وغيره. وعلى هذا فما رواه إبراهيم عن شيوخه متصل وإن لم يصرح بالسماع، إلا في روايته عن زيد بن وهب، فإن الحكم عليه بالاتصال يتوقف على ثبوت سماعه منه ذلك الحديث بعينه، وكذا روايته عمن لم يسمع منه من الصحابة تكون منقطعة أيضا بدون نزاع، ويتأيد ذلك بتعامل النقاد قاطبة مع رواياته، لا سيما اعتماد الإمامين: البخاري ومسلم عليها في الصحيحين. أما الحديث الذي نحن بصدده ليس مما ينبغي الشك في اتصاله، إذ رواه عن أبيه، ولم يتكلم في روايته عنه أحد من الأئمة، كما لم يتوقف أحد منهم عن تصحيحها عموما في حدود علمي، وفي هذا الحديث خصوصا، بل هي رواية مشهورة ومعتمدة في الصحيحين. وعليه فما قاله الدكتور المحترم (حفظه الله) حول حديث إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر في سجود الشمس غير سديد لا منهجيا ولا علميا. والأمر الثاني: ما ذكرتَه في السؤال يعد نموذجا لاجتهادات المعاصرين في التصحيح والتضعيف، يقومون بها قبل أن يستوعبوا منهج النقاد في التصحيح والتضعيف، ويعتبرون ما ورد عن بعض الأئمة في معالجة موضوع ما، قاعدة مطردة قبل أن يفهموا مغزى ذلك، ثم يستعجلون في تطبيق هذه القاعدة على الأحاديث التي صححها هؤلاء الأئمة أنفسهم قرنا بعد قرن، ويستدركون عليهم بالذي ورد عنهم، وهذا غريب ومؤسف جدا.

стр. 422

ومن أجل معالجة هذه الظاهرة التي تسود ساحتنا العلمية اليوم قمنا بإثارة موضوع المتقدمين والمتأخرين، وتوعية الباحثين بأهمية مراعاة التأهل، وفهم منهج القوم في النقد، واحترام ما صدر عنهم من الأحكام، وخطورة مزاحمتهم بأفكار سطحية لا تغيب عنها حتى أذهان الطلبة المبتدئين. الأمر الثالث: من أهم وسائل الحكم على الحديث بالاتصال والانقطاع أن تجمع الروايات وأن ينظر في مدى تفاوت صيغ أدائها، وحتى القول بانقطاع رواية المدلس المعنعنة يتوقف على ذلك أيضا، ولا يكتفى بمجرد صيغة العنعنة التي ترد في الإسناد، إذ الراوي المدلس قد لا يكون مسؤولا عن تلك الصيغة، وإنما تكون العنعنة من تصرف الراوي المتأخر، ولذلك قد يشكل على بعض الباحثين قول النقاد بانقطاع رواية المدلس مع ورود التحديث فيها أو صيغة السماع، كما يشكل عليه قولهم باتصال روايته مع كونها معنعنة. وبالنسبة إلى هذا الحديث الذي تكلم عنه الدكتور الفاضل؛ لقد قمت بجمع ما ورد في روايته من الطرق فوجدتها تدور على إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر، دون أن أعثر على شئ يدل على انقطاع هذه الرواية؛ مثل وجود واسطة بين إبراهيم وأبيه، أو صيغة تدل على أن إبراهيم لم يسمع من أبيه هذا الحديث بعينه؛ كأن يقول: بلغني عن أبي، أو أخبرت عن أبي أو غير ذلك. ألا يكفي لنا صنيع النقاد في عدم تعرضهم لرواية إبراهيم عن أبيه مع شهرتها، في مناسبة بيان انقطاع ما رواه عن بعض شيوخه، بل احتجاجهم المطلق بما رواه عن أبيه معنعنا يلزمنا القول بصحة ذلك الحديث؟. الخلاصة: إن رواية إبراهيم عن أبيه متصلة جزما، دون أن يعكرها قول الكرابيسي الخاص بما رواه إبراهيم عن زيد بن وهب. وشكوكنا أو تشكيكنا فيما لم يشك فيه النقاد قاطبة يعد مجازفة خطيرة. (والله أعلم).

стр. 423

ـ [ما رأيكم في (محمد بن المصفى) . ]ـ الذي أفهمه من كلام النقاد أن محمد بن المصفى تكلم فيه بسبب الغرابة في بعض ما رواه ونكارته، وهو في الأصل ثقة صدوق، يعني أن هذه الغرابة وقعت من سوء حفظه، لذا يكون ما تفرد به من الأحاديث بحاجة إلى نظر وتتبع ومقارنة، وعليه فقبول حديثه أو رده أو تحسينه يتوقف أساسا على مدى موافقته مع الآخرين ومخالفته لهم وتفرده بما ليس له أصل، أو تفرده بما له أصل. ولكل ما يرويه من الأحاديث مناسبة خاصة، تختلف باختلاف شيوخه، أو باختلاف طبيعة حديثه، وحسب ذلك يكون الحكم تصحيحا أو تضعيفا أو تحسينا. وأما حال محمد بن مصفى فلا يعد مقياسا مطردا للحكم على كل ما يرويه من الأحاديث إلا إذا لم يستغرب الناقد تفرده ويستنكره. فعلى سبيل المثال إذا تفرد محمد بن المصفى عن شيخ معروف بما لا يعرفه أصحابه المعروفون ثم كان ذلك الحديث معروفا بطريق آخر فإن تفرده يعد منكرا، كما استنكر الإمام أحمد ما تفرد به عن الوليد عن الأوزاعي عن ابن عباس مرفوعا إن الله تجاوز .. الحديث. ولو كان سؤالك عن حديث معين مما رواه لكان الجواب محددا وواضحا بإذن الله تعالى. ـ [ما رأيكم في كتابات (عداب الحمش) . ]ـ قرأت بعضها، وقد أعجبني أسلوبه في البحث والتحليل ونفسه الطويل في التتبع، لكني أكره جانب التشدد والتكلف في الدفاع عما يميل إليه، وكنت أتمنى أن تصحب مواهبه العلمية والفكرية بالإنصاف، والاحترام، والتواضع، حتى ينال قبول المنصفين. ـ [ما رأيكم في تحقيق (عبد الفتاح أبو غدة) للسان الميزان . ]ـ لم أطلع بعد.

стр. 424

ـ [القواعد المحررة المعتمدة في الحكم على الحديث أو سنده هل توجد أم لا ؟ وإذا كانت موجودة فمن الذي جمعها في كتابٍ معتمد يُرْجَع إليه؟ ]ـ يقوم التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد على قواعد علمية واقعية وواضحة الجوانب، لا يشوبها غموض ولا إشكال، قد يظن البعيد أن ذلك إلهام أو تخمين أو غير منضبط بقواعد النقد أو غير ذلك، وإذا أمعنت النظر - يا أخي الكريم حفظك الله - في كتب النقاد القدامى مع رصيد من الفهم والخبرة وجدت منهجهم منضبطا بالقواعد المعمول بها لدى الجميع. والمشكلة أننا - من خلال دراسة كتب المصطلح ولا أثناء تخريج الأحاديث - لم نُكوِّن تكوينا علميا صحيحا يساعدنا على فهم مصطلحاتهم وأبعادها النقدية. وأما الكتب التي تعالج تلك القواعد جامعة ومرتبة، وتشرحها شرحا وافيا يغطي جميع جوانبها فأظن أنها غير موجودة، وإن كانت كتب المصطلح قد جمعت مصطلحات الحديث التي تحمل في طياتها قواعد النقد، دون أدنى تقصير، لكنها غير مرتبة ترتيبا موضوعيا، بل هي مبثوثة في بطونها، وهي لا زالت بحاجة ملحة إلى ترتيب علمي موضوعي يسهل على القارئ الفهم والاستيعاب. وإذا أردت الوقوف على تلك القواعد وأبعادها النقدية أثناء دراسة تلك الكتب فما عليك إلا مراعاة ما يأتي: ١ - أن يقوم بالمقارنة بين جميع المصطلحات التي تتصل بعضها ببعض في المعنى الجوهري. ٢ - أن يقوم بالمقارنة بينها وبين جوانبها التطبيقية لنقاد الحديث. ٣ - تقييد ما ينبغي تقييده، وإطلاق ما ينبغي إطلاقه. ٤ - أن لا يخلط في ذلك بين أقوال المحدثين النقاد، وآراء أئمة الفقه والأصول، ولكل منهم منهج خاص. وقد كتبت بعض أبحاثي لبلورة هذه الأمور وأهمية مراعاتها لدى دراسة كتب المصطلح.

стр. 425

ومن الجدير بالذكر أن هناك كتبا عديدة تساعدك على استيعاب منهج المحدثين النقاد، وفهم قواعده، منها مقدمة الإمام مسلم، وكتب العلل عموما، والمعجم الأوسط للطبراني، وكتب الضعفاء لابن عدي وابن حبان، والعقيلي، وشرح العلل لابن رجب، وكتاب النكت للحافظ ابن حجر والتنكيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي - رحمهم الله تعالى جميعا - (والله تعالى الموفق). ـ[من خلال نقاشي مع المهتمين بهذا المنهج كشيخنا (عبد الله السعد) وأحد كبار طلابه عن المنهج كان منهم إبداءُ أمرٍ مشكلٍ وهو: أن هذا المنهج إنما هو مبنيٌ على فهوم العارف بالأسانيد. فما مدى صحة هذه القولة ؟ ومما لا شكَّ أن منهجاً قام على فهومٍ دون قواعد فمآله إلى انهيار وأفولٍ لنجمه. ]ـ إن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف منضبط بقواعد، ساعدهم على تطبيقها تلقائيا الحفظ والفهم والمعرفة، حتى أصبح هذا التطبيق العملي منبعا أصيلا لقواعد النقد وضوابطه تصحيحا وتعليلا. ومثلهم في ذلك مثل حافظ القرآن الكريم، إذا كان الحافظ يستطيع بحفظه أن يكتشف تداخل الآيات والسور على من يقرؤها، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الحافظ الذي حفظ الأحاديث بشكل منظم، مع رصيد معتبر من الفهم والمعرفة، ولذا فإن الأمر في اكتشاف الخطأ والوهم لن يكون تابعا لأحوال الرواة ولا يكفي في ذلك مجرد حفظ للأحاديث، أو مجرد إطلاع واسع عليها؛ فمن حفظ أو اطلع على أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه، وأحصاها، وأحاديثه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأحاديثه عن أبي سلمة عن أبي هريرة مع إحصاء عدد هذه الأحاديث، كل على حده، يقدر أن يعرف من أدخل في أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه ما كان يرويه عن غيره، وحين وقوع تداخل على الراوي في أحاديث الزهري فإن الناقد يعبر عن ذلك بقوله: "إنما هو كذا وليس ذلك محفوظا"، أو "هذا باطل وإنما هو كذا"، وغير ذلك من العبارات العلمية التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء.

стр. 426

وهذا العمل التطبيقي القائم على الحفظ والمعرفة والفهم هو أساس تنظير قواعد النقد التي تضمها المصطلحات؛ كالصحيح والمعلول والمنكر والمقلوب والمدرج، وغيرها، وظهور هذه المصطلحات دليل ناصع على دقتهم في النظر وشمولية التفكير، وعدم اعتمادهم على ظاهر أحوال الرواة، ولو كان الحكم تابعا لأحوال الرواة ما ظهر مصطلح العلة وما يتصل بها من الأنواع؛ إذ معنى ذلك تصحيح ما رواه الثقة، وتحسين حديث الصدوق وتضعيف ما رواه الضعيف، والحكم على ما رواه المتروك بأنه متروك أو مطرح أو واه، وعلى ما رواه الكذاب موضوعا. وإذا قرأت بعض الدراسات والتخريجات المعاصرة ترى فيبها سعيا حثيثا (طبعا دون أن يشعر الباحث) على إلغاء مصطلحي المعلول والشاذ، بسبب التساهل والتوسع في التصحيح والتحسين. وكذلك المصطلحات المتصلة باتصال السند وانقطاعه، كالمرسل والمعلق والمدلس وغيرها تدل دلالة واضحة على أنهم لم يكتفوا بأحوال الرواة العامة من المعاصرة والسماع واللقاء، بل كانوا يدققون النظر أيضا هل سمع الراوي ممن فوقه ذلك الحديث بعينه، وإلا فإن كانوا يكنفون بالمعاصرة واللقاء والسماع بشكل عام ما ظهر مصطلح التدليس أبدا ولا الإرسال الخفي. ويمكن لنا تلخيص قواعد النقد من مصطلحات النقاد بالآتي: إذا خالف الراوي الواقع المعروف، أو تفرد بما ليس له أصل في الأمر الواقع دل ذلك على خطئه، وإذا تكرر منه ذلك علم أنه سيئ الحفظ عموما. وإذا وافقه أو تفرد بما له أصل دل على صوابه، وإذا كان ذلك هو الأغلب في أحاديثه أصبح ثقة، وإذا لم يعرف هذا أو ذاك رجع الأمر إلى الأصل الغالب في الراوي، الذي حدد النقاد مراتبه في الجرح والتعديل من خلال مروياته. وحسب ذلك يكون الحكم؛ فقد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا، وإذا لم يعرف الأصل في الراوي يتوقف الحكم فيه.

стр. 427

وعلى هذه الأحوال الثلاث تدور معظم المصطلحات في التصحيح والتحسين والتضعيف. وباختلافها يحتلف الحكم على الحديث، ولذا قال بعض المحققين من المتأخرين كالحافظ ابن رجب وابن حجر وغيرهما إن الحكم على الحديث ليس تابعا لأحوال الرواة. ومع ذلك جاءت تعريفات هذه المصطلحات في كتب المصطلح عموما بحيث يفهم القاريء المستعجل أن الأحكام تابعة لأحوال الرواة. وقد شرحنا ذلك بشيء من التفصيل في الكتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد). والله تعالى أعلم. ـ [التسلسل الزمني للدعوة لهذا المنهج ، فالمعلوم أن من أوائل من دعا إليه هو (ابن رجب) ثم تلاه من بعده كـ (المعلمي) و (الغماري). فما قبل (ابن رجب) وما بعده _ فيما بينه وبين التالين له _ هل من داعٍ لهذا المنهج؟ ]ـ هذا يحتاج إلى دراسة استقرائية. ـ [منهجية جمع الأسانيد والمقارنة بينها واستخراج النتيجة من تلك المقارنة حولها مسائل:. . الأولى: من هو المؤهلُ لتلك المهمة؟. . الثانية: قواعد الخوض في تلك المهمة؟ ]ـ المؤهل هو حافظ الأحاديث أو المطلع عليها، على الصورة التي سبق ذكرها آنفا، وإلا سيكون مضطرا للاعتماد على ظواهر السند، والقواعد التي يعول عليها هذا الباحث غير المؤهل لا تكون إلا شكلية؛ ترجع في حكمه على الحديث إلى أحوال الراوي. ـ [جهود المتأخرين كـ (العراقي) و (ابن حجر) و (السخاوي) وغيرهم ما مدى عناية الداعين لهذا المنهج بها؟. . ومما لا شك أنهم حازوا قصب السبق في التحرير للحديث وأصوله لم يدرك درجتهم من تلاهم. ]ـ الذين يدعون إلى منهج المتقدمين إنما وصلوا إلى ذلك عبر جهود هؤلاء الأئمة المحققين، وهم الذين نقلوا لنا ذلك المنهج، بل كانوا يدعون إلى الاستفادة من منهجهم الرائع في تحقيق التراث وحفظه من تصحيف وتزوير وانتحال، كما يفهم ذلك كل منصف يقرأ ما كتب في ذلك من الأبحاث والكتب. وهنا أود أن ألفت الانتباه إلى ضرورة الفصل بين المصدر الأصيل والمرجع المساعد في علوم الحديث، وعدم الخلط بينهما بأي حال من الأحوال، وبالتالي يرى الباحث ضرورة ملحة في عرض ما وجد في المرجع المساعد على المصدر الأصيل إذا وقع إشكال أو غموض حول مسألة من المسائل، وذلك من أجل التأكد من مدى صواب ذلك، وأما إذا لم يفصل بين المصادر، وخلط بينها فإنه لا تخطر على باله أبدا أهمية عرض كلام المتأخرين على كلام المتقدمين أو عملهم التطبيقي. وأما الفصل بينهما فيما يخص الحديث وروايته فلا يختلف فيه اثنان ممن لديهم علم وخبرة في هذا المجال؛ فما أورده الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين مثلا لا يعد مصدرا أصيلا في التخريج.

стр. 428

ـ [يقول الشافعي في الرسالة "والعلمُ به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره. . . وهم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره. وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها: دليلاً على أن يُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عن نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها. "]ـ ـ[ألا يصلح قوله هذا ليكون قاعدة في تضعيف الحديث؟؟ بحيث إذا لم نجد الحديث عند أحد في تلك الطبقة فلا نحكم عليه بالصحة وإن جمع شروطها. وهو يقارب ما قاله ابن الصلاح في الفائدة الثانية. ]ـ كلامك سليم جدا، وقد صرح بذلك الإمام البيهقي، وقد نقلته في الموازنة، وبهذا يفسر ما ورد عن الإمام ابن الصلاح من عدم إمكانية تصحيح المتأخرين لما تضمنته كتب المتأخرين كالمشيخات والأثبات وغيرها من الأحاديث التي يروونها. وللأسف نرى في الباحثين المعاصرين من يرفض التفرد الذي أعل به النقاد قائلا: "قلت: لم يتفرد وقد وجدت له متابعا"، ثم يورد الحديث من تاريخ دمشق أو تاريخ الخطيب أو من كتب الفوائد أو غيرها من الكتب التي ترتكز أساسا على ذكر الغرائب (والله تعالى أعلم).

стр. 429

ـ[هل صحت أحاديث عن الرسول ﵊ .. أو أثر صحيح يثبت أن في الجن صحابة .. لهم ما للمهاجرين والأنصار من فضل .. وهل هناك من السلف من فصل في ذلك؟ دمتم مأجورين. ]ـ لا أذكر شيئا من هذا القبيل، وإنما توجد حكايات غريبة يحكيها بعض المتأخرين، كنوادر في كتبهم الخاصة كالمشيخات والفهارس (والله أعلم). ـ [هل ينجبر المرسل إذا تُوبِعَ ؟ ]ـ نعم ينجبر بالشروط التي ذكرها الإمام الشافعي، وبعد أن تقوى الحديث المرسل قد يكون صحيحا أو حسنا. وحتى أنواع الانقطاع الأخرى تنجبر بالمتابعات والشواهد إذا لم تكن هذه المتابعات والشواهد معلولة بينة الخطأ.

стр. 430

ـ [ما قولكم في الحديث الذي علّقه البخاري عن شيخه ؟ ]ـ هو ما شرحه الحافظ ابن حجر في النكت. ـ [ماذا عن تفرّد الإمام الذهبي بالتوثيق في ((الكاشف))، وبخاصه لمن وُصِفَ بالجهالة . ]ـ بما أن الكاشف من أوائل تصنيفات الإمام الذهبي، وأنه مجرد اختصار لتهذيب الكمال فإنه لا يكون في مرتبة الميزان والسير وغيرهما من الكتب التي ألفها الذهبي بعد أن نضجت موهبته العلمية وصار إماما، ولذا يستأنس فقط بما ذكر في الكاشف. والله أعلم. ـ [هل هناك فرقٌ بين (الحديث الباطل) و (الحديث الموضوع) . ]ـ الكلام فيه تفصيل، وتتوقف معرفة المقصود بهذين المصطلحين على معرفة مناسبة ورودهما، وإذا تتبعت كتاب علل ابن أبي حاتم وكتب الضعفاء وغيرها وجدت النقاد يطلقون لفظة الموضوع على الباطل، بل على ما رواه الثقة إذا أخطأ، ولا يريدون بذلك أن الحديث قد وضعه راو على النبي ﷺ متعمدا، وأما إذا ورد هذان المصطلحان في كتب خاصة بذكر الموضوعات والأباطيل يكون المعنى في الغالب أن الحديث مما وضعه الراوي الكذاب. (والله أعلم).

стр. 431

ـ[هل هناك دليل صريح على أنّ الشيخين اشترطا لإيراد الحديث في صحيحيهما شروطا ًأشدّ صرامة ممّا اشترطاه لصحة الأحاديث خارج الصحيحين ؟ بمعنى: هل هناك أحاديث صحّحها الشيخان ولم يورداها صحيحيهما بسبب كونها لا ترقى لشرطيهما فيهما؟ ]ـ ليس لدى الشيخين شرط زائد على ما تضمنه تعريف الصحيح من الشروط، يعرف ذلك من نظر في الصحيحين؛ إذ يحتويان كل أنواع الصحيح، دون أن خصصا بما هو أعلى صحة دون سواه. وربما نجد لديهما اهتماما بالغا ذكر الأصح والأفضل والأجود سندا ومتنا إذا ورد الحديث بطرق متعددة عن إمام مشهور كالزهري مثلا، فيختار كل منهما من هذه الطرق ما هو أعلى سندا وأجود، ويتميز الإمام مسلم بذكر مجموعة من الروايات في موطن واحد مرتبا إياها حسب الأصحية والأفضلية، وقد شرحنا ذلك في كتاب عبقرية الإمام مسلم. ولم تتوقف الأفضلية الأصحية على أحوال الرواة فقط، بل تكون لذلك معايير علمية لم أستوعبها من خلال دراسة كتب المصطلحات، ومن أهم هذه المعايير العلمية علو السند، وجودة المتن، كما أن للعلو مقاييس متعددة ذكرها الإمام الحاكم وغيره من الأئمة، وكثير منها لا يعرف إلا من خلال الموازنة بين الروايات، وأحوال الرواة، ووفياتهم، وسماعاتهم، ورحلاتهم، ومراتبهم في الجرح والتعديل، وعاداتهم في الرواي والتلقي، وغير ذلك من الخصائص الإسنادية، كالتسلسل والشهرة. ومن المعلوم أن الإمامين لم يستوعبا ذكر جميع ما صح لديهما؛ لذا توجد بعض الأحاديث التي صححاها ولم يخرجاها في الصحيحين، وسبب ذلك عدم استيعابهما للأحاديث الصحيحة، واكتفائهما بما أوردا فيهما من أصل الحديث، أو لنزول سندهما. ومما يلفت الانتباه إليه أنهما قد يطلقان على حديث مقبول بصحته ولا يريد بها المعنى المتعارف لمصطلح (صحيح).

стр. 432

ـ[عندما أطبّق قواعد التفرّد على أحاديث (النهي عن التنعّل قائماً) أَصِلُ (بارك الله فيكم) إلى نتيجة كون الحديث لا يصحّ، فما قول فضيلتكم؟ ]ـ نعم، لا يصح الحديث، وهي نتيجة سليمة فعلا، وبها تنسجم - أخي الكريم، حفظك الله تعالى - مع منهج النقاد؛ كأحمد بن حنبل والبخاري والترمذي وابن عدي وغيرهم (رحمة الله تعالى عليهم) إذ أعلوا هذا الحديث بعبارات مختلفة، واتفقوا على عدم صحته، على الرغم من تعدد طرق هذا الحديث، وفي الوقت ذاته لم يتجاوز المتأخرون موقف النقاد، ولم يعترضوا على تعليلهم، حين اكتفوا بالحكم على ظاهر السند؛ فمنهم من حسن بعض أسانيده، ومنهم من قال إن رواة بعض الأسانيد ثقات، أو الإسناد صحيح، وهذا الحكم لم يتجاوز ظاهر السند، يعني غاية ما في ذلك أن رواة بعض الأسانيد ثقات، أو فيهم صدوق لا أكثر ولا أقل، بغض النظر عما تكلم النقاد من التفرد، اللهم إلا ما ذكر المباركفوري (رحمه الله تعالى) معقبا على الترمذي بقوله: "فقول الترمذي لا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصل محل نظر". وأنت ترى أن تعليل النقاد لم يكن مبنيا على أحوال الرواة، وإنما على التفرد والمخالفة، مع أنهم أدرى بأحوالهم، ولم يصدر منهم ما يدل على ضعف الرواة الثقات أو الراوي الصدوق. وهذا التفاوت المنهجي هو الذي يرتكز عليه أساسا كلامنا حول المتقدمين والمتأخرين؛ فنرى الحافظ المقدسي يحسن سند حديث أنس، بعد أن نقل قول الترمذي بأنه لا يصح عند أهل الحديث، ويتمثل هذا التفاوت المنهجي بينهما فيما يأتي:

стр. 433

كان الحافظ المقدسي قد حسن السند بناء على أحوال الرواة؛ يعني أن السند ليس فيه ضعيف، بينما الترمذي يتجه إلى الحديث وروايته بقوله ''هذا حديث غريب''، وأيده بقول البخاري '' ولا يصح هذا الحديث، ولا حديث معمر عن عمار عن أبي هريرة''، كما استنكره الإمام أحمد من قبل، ثم بعد ذلك رجح الدارقطني وقف الحديث على أبي هريرة، وأما المتأخرون فنظروا في ظاهر السند، ففيهم من حسن السند كالإمام النووي، ومنهم من قال: رواته ثقات؛ كالهيثمي والمباركفوري، وفيهم من قال: هذا إسناد صحيح، دون أن يقول: ''هذا حديث صحيح''، وبين القولين فرق يعرفه من درس كتب المصطلح. وإذا قمت بتتبع كل ما ورد في رواية الحديث من الطرق، كطريق جابر وأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، وحاولت فهمها على منهج النقاد فإنك لا تقدم أبدا على الاعتراض عليهم بتطبيق قاعدة تعدد الطرق يقوي بعضها بعضا، بحجة أنها ليست من رواية المتروكين. ـ [ما هي المباحث العلميّة التي تقترحون على طلاب الحديث أن يشتغلوا بها في هذا الوقت ؟ ]ـ تقع على عاتق طلاب الحديث مسؤولية كبيرة تجاه السنة النبوية التي أصبحت في المرحلة الزمنية التي نعيشها مجالا مفتوحا ومسموحا لكل من هب ودب، فيصححون ويضعفون ويحسنون ويستنبطون الأحكام أو يستدلون بها، دون أن ينضبط ذلك بقواعد التصحيح والتعليل، وأصول التفسير والتأويل، ولذلك تكون مهمة الطلاب في هذه المرحلة كبيرة، ولا يجوز التهاون بها، لينفوا عن السنة تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. وتختلف طبيعة المهمة العلمية تجاه السنة النبوية باختلاف ميل كل منهم. فمن يميل إلى فقه السنة فعليه أن يتحصل على قواعد تفسير النصوص، ومن يميل إلى نقد الأحاديث فعليه أن يتدرب على التصحيح والتعليل من خلال التخريج العلمي مراعيا فيه أسلوب النقاد.

стр. 434

وبالتعاون مع أصحاب التخصصات العلمية المختلفة يتم إسقاط السنة على الواقع الذي نعيشه، والدفاع عنها دفاعا يقتضيه طبيعة التشكيك في مكانة السنة ونزاهتها. ومن الجدير بالذكر أن العمل بالحديث لا بد أن يمر على مراحل ثلاثة وهي: المرحلة الأولى: مرحلة التأكد من مدى صحة الحديث. والمرحلة الثانية: معرفة المقصود بالحديث وفقهه، وهي تخضع لقواعد وأصول، لكيلا يفسر قول النبي ﷺ بما لم يقصده، ولا يحمل على غير محمله. ومن أصول التأويل أن يكون فهم الحديث وفقا لما يقتضيه سياق النص، أو يفسر في ضوء عمل الصحابة، أو في ضوء الروايات الأخرى لذلك الحديث طبعا بعد التأكد من صحتها، فإن الحديث من طبيعته أن يختلف سياقه وتتفاوت ألفاظه كلما تتعدد طرقه، فمن خلال جمع الروايات يستطيع الباحث الوقوف على سياق الحديث ولفظه الصحيح، أو يفسر في ضوء النصوص الأخرى التي وردت في الموضوع ذاته، أو في ضوء العناوين التي عنون بها المحدثون لذلك الحديث في كتبهم، أو يراعى في تفسير الكلمات أسلوب العصر النبوي في استخدامها. والمرحلة الثالثة: مرحلة إسقاط النص على الواقع، فإن النص قد يكون له بعد مقصدي أو بعد زمني أو بعد مكاني، وعلى مراعاة هذه الأمور مرحليا قامت اجتهادات الأمة سابقا. وبمراعاتها يتم الفصل بين التأويل الباطل الذي فيه تكلف أو تعسف وبين التأويل الصحيح. وهذه صورة عامة لتلك القواعد التي يجب على طلاب العلم اليوم أن يوجهوا عنايتهم نحو تأسيسها، دون أن يضيعوا الأوقات فيما لا يساعده على التكوين العلمي الصحيح الذي تقتضيه المرحلة الزمنية الجديدة، ولا شك أن هذه القواعد بحاجة إلى التوضيح من خلال الأمثلة لكن المناسبة غير صالحة لذلك.

стр. 435

ـ[من خلال إقامتكم في (الأردن): عمّن من طلبة العلم تنصحون أخذ علم الحديث فيه؟ ]ـ لم يسألني أحد عن ذلك خلال إقامتي بالأردن، وكان عندي من الطلبة من يعد من تلاميذ العلامة المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، ومنهم من يصحب الشيخ مشهور حسن، ومنهم من يحضر مجلس الشيخ الحلبي، وكنت أشجعهم على الاستفادة منهم جميعا لكن دون تعصب، وما كنت أتحدث في المحاضرات ولا في مجالس العلم عن الأشخاص بعينهم، ولا عن أخطائهم، وما كنت أغتاب أحدا منهم، بل أمدحهم وأثني عليهم في مناسبات أخرى، وأحاول بقدر الإمكان إبعاد الطلبة عن سؤالهم عن الأشخاص بعينهم. ـ [(المليباري) نسبة إلى ماذا ؟ ]ـ هذه النسبة إلى شمال ولاية كيرلا التي تقع بجنوب الهند، وهذه المناطق التي تقع في شمال ولاية كيرلا قد اشتهرت باسم (المليبار) قديما بين التجار من العرب، ثم أصبحت النسبة إليها مفضلة لدى مؤلفي الكتب من العلماء القدامى بهذه المناطق. ـ [هل من الممكن عمليا - لا نظريا - جمع السنة النبوية كلها بمتونها وأسانيدها؟ وهل في ذلك فائدة ما؟ ]ـ أرى ذلك ممكنا جدا لا سيما في عصرنا الذي تطورت فيه التقنيات المعلوماتية، إذا تضافرت الجهود الجماعية تحت إشراف مركز تتوافر فيه جميع الإمكانيات العلمية والمادية، بشرط واحد أن يكون ذلك العمل خالصا لوجه الله، ويعد ذلك خطوة عظيمة في سبيل الدفاع عن السنة، ونشرها بين المجتمع، إذا كان الجمع قائما على التمييز بين المقبول والمردود في ضوء منهج المحدثين النقاد، وعلى التفسير المنضبط بقواعده، دون تعصب ولا تعسف. ـ [لم أر شيئا من كتبكم في المغرب . فهل من سبيل للحصول عليها؟ ]ـ فيما أعلم أن دار ابن حزم التي تقوم بنشر وتوزيع كتبي، لها اهتمام بالغ بمشاركة جميع المعارض التي تقام في المشرق والمغرب، وإن شاء الله تعالى سأؤمن لك بما تبقى عندي من الكتب، وأرجو أن تراسلني بالعنوان الآتي: H_abdella@maktoob. com Hamza٧٧٧@gawab. com

стр. 436

ـ [لماذا لم يقع الاعتناء بمسند الإمام أحمد كما وقع للكتب الستة (الشرح، تراجم الرجال، التهذيب .. الخ). جزاكم الله خيرا. ]ـ ج/ لقد اهتم به العلماء سابقا في جوانب متعددة غير الشرح، فإن طبيعة ترتيب أحاديث المسند لا تساعد على القيام بالشرح إلا إذا رتبت على الأبواب كما عمل الشيخ الساعاتي (رحمه الله تعالى). ـ [قسم علماء مصطلح الحديث الصحيح إلى مراتب: . . ١ـ ما أخرجه الشيخان. . . ٢ـ ما أخرجه البخاري. . . ٣ـ ما أخرجه مسلم. . . ٤ـ ما كان على شرطهما. . . ٥ـ ما كان على شرط البخاري. . . ٦ـ ما كان على شرط مسلم. . . السؤال هو: ما الفرق بين ما كان على شرطهما، وما كان على شرط البخاري، مع العلم أن شرط مسلم داخل في شرط البخاري؟! ]ـ المراتب الثلاثة الأولى للحديث الصحيح لا إشكال فيها، إلا إذا لم يجعل ذلك التقسيم مطردا، لأن ما أخرجه مسلم دون البخاري قد يكون أصح مما أخرجاه لأسباب علمية؛ كشهرة الأول وغرابة الثاني - مثلا - كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر وغيره.

стр. 437

أما الأقسام الباقية ففيها كلام، أولا: ما معنى قولهم: ما كان على شرطهما وما كان على شرط أحدهما؟ ما المقصود بالشرط هنا؟ وما مصدر هذا التقسيم؟ إذا علمنا أساس هذا التقسيم، وأن مبناه قول الإمام الحاكم في تضاعيف كتابه المستدرك، ففي جعل تلك الأقسام الثلاث الأخيرة من الصحيح نظر قوي؛ إذ معنى قوله هذا صحيح على شرط الشيخين أو شرط أحدهما أن رواة الحديث ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما بغض النظر عن مدى سلامة الحديث من الشذوذ والعلة وحتى عن قضية العنعنة التي أثير حولها خلاف بين الشيخين، فبمجرد كون الراوي من رواة البخاري أو مسلم أصبح حديثه على شرطه، هذا هو الذي نفهمه من تضاعيف كتاب الحاكم (المستدرك). وحذى حذوه بعض المتأخرين والمعاصرين، وحتى قال بعضهم قياسا على هذا الأسلوب: هذا إسناد صحيح على شروط الستة. وعلى كلٍّ فالحديث الذي قيل فيه إنه على شرط الشيخين أو شرط أحدهما قد يكون صحيحا أو حسنا أو معلولا واهيا، وقد يكون الإسناد متصلا أو منقطعا، وبالتالي فلا مجال للإشكال الذي ورد في السؤال، حيث إن التقسيم يكون غير سليم أصلا. ثم إن التقسيم حسب هذا المعنى الذي سبق ذكره لا يوهم أن للصحيح شروطا تختلف باختلاف المحدثين، وشروط الصحيح التي تضمنها تعريف الصحيح متفق عليها لدى المحدثين النقاد، ولم يختلف فيها إلا الفقهاء، وأما إذا كان التقسيم مبنيا على مراعاة شروط الصحيح فإنه يوهم اختلاف هذه الشروط وتنوعها حسب الأشخاص من المحدثين، وليس الأمر كذلك في الواقع، ولم يقل أحد بذلك التنوع.

стр. 438

كما لا يكون هناك فرق بين ما كان على شرطيهما وبين ما أخرجاه؛ لأن الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين لم يخرجاه إلا لوجود شروط الصحيح فيه، وما وُجدت فيه شروط الصحيح فعلا حسب رأي النقاد لا سيما الشيخان، لا يتأخر عن مرتبة ما أخرجاه، لمجرد كون ذلك الحديث الصحيح الذي صححوه غير مخرج في الصحيحين، وأما إذا قال غير النقاد إنه على شرط الشيخين فقد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا معلولا، وبالتالي لا يكون هذا الحديث مثل ما أخرجه الشيخان أو أحدهما قطعا. ـ[ما تحرير القول في الخلاف في الحديث المعنعن , وما حقيقة مذهب البخاري ومسلم في هذه المسألة؟. . وما تقييمكم للدراسة التي قام بها الشيخ الشريف حاتم لهذه القضية في كتابه (إجماع المحدثين)؟ وفقنا الله جميعا إلى بلوغ الحق, وبرد اليقين. ]ـ وفقنا الله وإياكم لمعرفة الحق واتباعه والدفاع عنه إيمانا واحتسابا، ولمعرفة الباطل واجتنابه. فيما أرى أنه لا خلاف بين الشيخين في مسألة العنعنة، ولم يقصد مسلم بنقده اللاذع الإمام البخاري ولا علي بن المديني ولا أحدا من الأئمة السابقين له، وإنما قصد به من المنتسبين إلى الحديث من استعجل في أمر العنعنة في عصره، ولم يوفق في ذلك لانتهاج منهج الأئمة السابقين، هذا وقد حدد مسلم مسألة العنعنة بقوله: "وأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا" ولم يكن كلامه ﵀ حول عموم العنعنة، كما أوضحنا ذلك في إحدى الإجابات السابقة. وكذلك سبق فيها ما يتعلق بكتاب الشيخ الشريف حاتم.

стр. 439

ـ[ذكر أحد الأفاضل في كتاب له: أنّه عند سرد أقوال أهل العلم في راوٍ معيّن فإنّه لا ينبغي ذكر قول ابن حجر وغيره من المتأخرين في ذلك الراوي جنبا ًإلى جنب أقوال المتقدّمين . وحجّته في ذلك هي أنّ المتأخرين إنّما بنوا قولهم في ذلك الراوي ـ بالدرجة الأولى ـ على أقوال المتقدّمين. فما رأيكم (وفقكم الله لكلّ خير)؟ ]ـ هذا هو الصواب للسبب الذي ذكرت في السؤال، وأما في حالة اختلاف أقوال أئمة الجرح والتعديل فيعول على ما رجحه الحافظ ابن حجر أو الذهبي أو غيرهما إذا لم يوجد دليل على خلاف ذلك. (والله أعلم). ـ[ما رأيكم في من أعل أحاديث في مسلم بحجة تدليس أبي الزبير عن جابر مع أنه ليس هناك دليل واحد صحيح على هذه المسألة،، وفيمن فرق بين ما هو في مسلم حيث حمله على الاتصال وما كان خارجه فهو معلول؟ ]ـ رأيي حول ما ورد في سؤالك فذلك استعجال في الحكم وبعيد عن الدقة، ويقع في ذلك كل من يعتمد على ظاهر السند وأحوال رواته العامة في حكمه على الحديث، مطبقا ما درسه في كتب المصطلح من القواعد دون فهم مواقع تطبيقها، أو تساهلا منهم في ذلك. إن تدليس أبي الزبير عن جابر يقتضي نوعا خاصا من المعالجة يختلف عما تقتضيه بقية انواع التدليس، لأن معنى تدليس أبي الزبير عن جابر: أنه لا يصرح فيما أخذه من الكتاب من أحاديث جابر بأنه وجادة، فإذا ورد عنه حديث من أحاديث جابر، ولم يصرح بالسماع ولم يأت ذلك الحديث عن طريق ليث بن سعد فإنه يحتمل أن يكون مما أخذه وجادة، وما أخذه وجادة دون السماع أو القراءة على الشيخ قد يدخل فيه تصحيف وتحريف وانتحال، وإذا وافقه غيره أمن من ذلك.

стр. 440

لذلك ما ورد عن أبي الزبير من أحاديث جابر معنعنا يقتضي أن يبحث الباحث عن وجود سماع صريح في طريق صحيح من طرق ذلك الحديث، أو ما يدل على ذلك من القرائن، أو راويا آخر يوافق أبا الزبير فيما رواه عن جابر، وفي حال وجود شيء من ذلك يكون السند سليما من الشبهات التي أثارتها العنعنة الواردة فيه. وفي ضوء ذلك فإطلاق الحكم بانقطاع السند أو بالتدليس بمجرد عنعنة أبي الزبير عن جابر على الرغم من اعتماد مسلم عليه في صحيحه ينطبق عليه ما قيل: (القواعد لدى العالم غير المجرب كالعصا في يد الأعمى) , وكذا إطلاق الحكم بالاتصال فيما رواه مسلم والانقطاع في خارج مسلم يكون بعيدا عن الدقة أيضا، لأن الأمر في ذلك يتوقف على التتبع والبحث. ومن الجدير بالذكر أن مسلما يورد الحديث في الأصول أصح ما عنده من الروايات وأفضله، ويختلف ذلك عما يورده في الشواهد، وعليه فما أورده في أول الباب من حديث أبي الزبير عن جابر لا ينبغي القول فيه إنه معنعن بمجرد أن الباحث لم يطلع إلا على ما وقعت يده عليه من المصادر - مطبوعة كانت أو مخطوطة -، فإن أولئك الأئمة ينظرون إلى الواقع الذي يعرفونه من خلال معاينة الأصول أو صحبة المحدثين، وليس على مجرد صيغ التلقي والأداء التي قد يكون بريئا منها الراوي المدلس. يقول الإمام الذهبي: "وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَل على الحاكم في تصرفه في المستدرك" (الموقظة ص: ٤٦). ويقول الحافظ ابن عبد البر في مبحث العنعنة: "إنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع" (مقدمة التمهيد ١/ ٢٦).

стр. 441

ويقول ابن حبان: "فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" (صحيح ابن حبان ١/ ١٥١) نسأل الله تعالى العافية والسلامة. ـ[أليس اختيار الشيخ سعد آل حميّد وفقه الله تعالى في التسمية (منهج المحدثين ومنهج الفقهاء) أوضح من (المتقدمين والمتأخرين) علما أني أعلم أنك تقرر في كتبك نفس المعنى كقولك: ولهذا أكرر قولي بأن من كان عمله على اعتبار ظواهر السند في التصحيح والتضعيف فهو على منهج المتأخرين حتى وإن كان في عصر الرواية، ومن كان اعتماده في ذلك على القرائن فهو على منهج المتقدمين حتى وإن كان من المعاصرين وبالتالي فالذي نصل إليه هو أن تفريقنا بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي تفريق منهجي لا زمني ... . الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين الطبعة الثانية ص ٢٢٦ ولكن التسمية قد تختلف؟ ]ـ صحيح، وقد فكرت في هذا المصطلح (المحدثون والفقهاء)، وقد طلب مني إطلاق ذلك بعض أصدقائي في الجزائر، لكني - مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح - أردت أن أحافظ على سمعة المحدثين النقاد بإمامتهم في الفقه وأصوله على تفاوت مراتبهم في ذلك، بما تيسر لنا من الوسائل والمصطلحات، ولو أطلقنا هذا المصطلح الذي ذكرتَه ثم رسخ ذلك في أذهان الناس سوف يؤدي لا محالة إلى أن يتصور الناس أن المحدثين ليسوا فقهاء، ولذلك آثرت ما ألفنا في الكتب من مصطلح (المتقدمون والمتأخرون) مع توضيح المقصود به، وهو كما نقلته من الموازنة. والله تعالى نسأل أن يرشدنا إلى الصواب، ويجنبنا الخطأ، ويقينا من شره، اللهم آمين.

стр. 442

ـ [هل المرسل (عن ابن المسيب) يقوي رواية عن راو قال فيه الإمام أحمد أحاديثه أحاديث مناكير ، وقال ابن حبان يروي نسخة كأنها موضوعة (حديث من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة). ]ـ لا يقوي تلك الرواية إذا كانت منكرة، يعني بذلك أنه إذا كان هذا الراوي المنكر قد أضاف الحديث إلى شيخه خطأ، وهذا الخطأ الذي وقع منه في الرواية لا يمكن جبره بمرسل سعيد بن المسيب مرسلا، لأن المفروض أن يروي هذا الراوي ذلك الحديث مرسلا عن سعيد كما يروي الناس، غير أنه اختلط عليه، فأضافه إلى شخص آخر بدل أن يضيفه إلى سعيد المسيب مرسلا. ومثل هذا الأمر لا يتضح إلا بالمثال مع ممارسة منهج القوم.

стр. 443

ـ[أعلَّ الإمام أبو حاتم روايةً (للأوزاعي عن عطاء) حيث نص على أن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء بل بينهما رجل،، وقال البيهقي جود إسناده الراوي عن الأوزاعي ... فهل نرد قول أبي حاتم بهذا الكلام من البيهقي رحمهما الله تعالى علما أن السخاوي في فتح المغيث (١/ ٢١٤) ط العلمية قال (وأما القدماء فسموه تجويدا حيث قالوا: جوّده فلان، وصورته أن يروي المدلس حديثا عن شيخ ثقة بسند فيه راو ضعيف فيحذفه المدلس من بين الثقتين الذي لقي أحدهما الآخر، ولم يذكر أولهما بالتدليس، ويأتي بلفظ محتمل فيسوي الاسناد كله ثقات) وقد قال الأخ (الدرع): (جوده بشر بن بكر) فليس مراده من (جوده) أنه جيد، بل قصده أنه (رواه موصولاً) فبشر بن بكر وصل الحديث فذكر (عبيد بن عمير) بينما هو مقطوع كما رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم يذكر (عبيد بن عمير) ولهذا قال الإمام الطبراني في الأوسط (لم يروه عن الأوزاعي - يعني موصولاً - إلا بشر ... ) وكلام الأخ (الدرع) هو الذي تبين لي من خلال تتبع كثير من إطلاقات أهل العلم لهذا المصطلح (جوّده) ، حيث إنهم لا يقصدون به الصحة، بل يريدون الوصل، وهم لا يريدون التسوية أيضا، كما قال السخاوي رحمه الله تعالى. وهل نقبل إعلال أبي حاتم ذلك أم نطالبه بالاسناد الذي فيه الواسطة (كما يقول بعضهم)؟ ]ـ ما قاله الأخ الدرع (ولله دره) حق لا مرية فيه، وبهذا لا يوجد تناقض بين قول الإمام أبي حاتم وقول البيهقي، وأما سؤالك - حفظك الله وسدد خطاك - عما أعله أبو حاتم هل نقبل ذلك أم نطالبه بالإسناد، فجوابه ما قال الحافظ ابن حجر وغيره من أئمتنا المتأخرين: (''...فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث'' (انظر النكت ٢/ ٧٢١ واختصار علوم الحديث ص: ٦٤). وقال السخاوي '' .. ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، (يعني نقاد الحديث القدامى) بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة. هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين''. فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك (إن شاء الله) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله'' (فتح المغيث ١/ ٢٧٤).

стр. 444

ـ[هناك نقطة مهمة يغفل عنها الكثير من العلماء الذين عرفوا منهج المحدثين الصافي من أكدار أهل الكلام ألا وهي: لماذا لا يكون لكم عمل على كتب السنة تصحيحا وتضعيفا وفق هذه القواعد التي نعلم أنها هي الصواب. فالتقعيد النظري مهم جدا ولكن لا بد من التطبيق العملي حتى يتبين للناس المغالطات الموجودة في كثير من الكتب المحققه باسم المحدثين وهي تخالف كثيرا من قواعد المحدثين الحقيقيين؟ ]ـ خدمة السنة تتوقف على المجتمع، ولا يقدر فرد أن يقوم بجميع وظائفها، ولكل منا دوره قدر المستطاع، وأما نحن وبفضل الله تعالى وحده بعد ادراك خطورة المشكلات العلمية التي نعاني منها اليوم وبعد تشخيصها قمنا بمعالجتها من خلال توضيح القواعد وتأسيسها بأبعادها الحقيقية وبعد ذلك يكون الجانب التطبيقي محترما لدى المنصفين وقد نوفق بأداء هذه المهمة أو يوفق غيرنا من طلاب العلم. وأنت ترى كيف يشغلنا بعض الناس عن توجهنا نحو التطبيق العملي بإثارة مشكلات حول ذلك المنهج الذي انتهجه النقاد، دون أن يقرؤا ما كتب في ذلك من الأبحاث والكتب، أو يناقشوننا في البراهين التي اعتمدناها، ولذلك قلت إن خدمة السنة عمل جماعي، ولكل دوره، وحتى اعتراض المعترضين أراه دورا فاعلا في سبيل الخدمة، وكل ذلك بأجره عند الله حسب النية، وفقنا الله تعالى وإياكم للإخلاص في العمل، وأن يجنبنا جميعا ما يفسد عملنا، والله ولي التوفيق.

стр. 445

ـ[قال الحاكم في علوم الحديث (ص ٨٢) ( ... فاجتمع جماعة من مشايخ الاسلام، واجتمع عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم بن مربع وأبو الأذان وكليجة وغيرهم فتشاورا من ينتقي لهم على الشيوخ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه). ]ـ ـ[* ما معنى يكتبون بانتخابه؟ ]ـ ـ[* لماذا لا يأخذون كل حديث ذلك الراوي؟ ]ـ ـ[* هل كان الأئمة أحمد وابن المديني ومن قبلهم ينتخبون أحاديث كل الرواة، أم كانوا ينتخبون أحاديث بعض الرواة دون الرواة الآخرين؟ ]ـ الانتخاب على الشيوخ عمل علمي قام به الحفاظ المتقنون، ويقال عنه الانتقاء أيضا، ولهم فيه أغراض مختلفة، منها منهجي، ومنها نقدي. أما المنهجي فمن عادة المحدثين عموما أن يحرصوا على أوقاتهم، لا سيما إذا كانوا مسافرين، ويركزون على الأحاديث التي تعد فوائد بالنسبة لهم، أو الأحاديث التي لم يسمعوها بعلو، ويعد هذا من أهم جوانب التنظيم التي يتم بها استثمار الأوقات في سماع ما يعنيهم من المرويات، وقد يكون الانتخاب ضروريا إذا كان الشيخ عسيرا في الرواية. لذلك يقوم المحدثون قبل لقاء الشيوخ بانتخاب ما يريدون سماعه من مسموعاتهم، ويتبادلون المعلومات حول ما يحتاج إليه كل منهم من أحاديث الشيوخ من خلال المذاكرة فيما بينهم، أو من خلال زملائهم في الرحلة والسماع. قد ينتخب بعض المحدثين لشيوخهم قبل انعقاد مجلس الإملاء، ما يملون لهم، حتى يرتكزوا في الإملاء على ما يعني طلابهم من المرويات لعلوها أو لغرابتها وتفردهم بها أو لجودة أسانيدها أو لشهرة رواتها أو غير ذلك من خصائص الأسانيد والرواية، وقصتهم في ذلك مبثوثة في كتب التراجم، وغاية ما في ذلك كسب الوقت وعدم انشغالهم بما لا يعنيهم من المرويات والمسموعات لكونهم قد سمعوها بعلو من مصادر أخرى، أو سمعوها منه قديما، وهذا هو المعنى الإجمالي لما ورد في السؤال. وهناك من المحدثين القدامى من يسمع دون انتخاب ويقوم بنسخ كل ما تحتوي أصول الشيخ ويقال عن ذلك: كتابة الحديث على وجهه، وقد يتفاوت اهتمامهم بهذا الأسلوب الاستيعابي باختلاف الشيوخ والأوقات والظروف.

стр. 446

وعلى كل حال فإن السماع في الحالين: الانتخاب والاستيعاب، يكون له سلبيات وإيجابيات، ذكرها الأئمة في أكثر من مناسبة. ومن هنا جاء في ذم كتابة الحديث على وجهه، قولهم: فلان حاطب ليل. يعني بذلك يكتب الحديث دون انتخاب. كما جاء أيضا الثناء مثل قولهم: إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش. يعني عليك أن تكتب كل ما لدى الشيوخ من الأحاديث دون انتخاب، وإذا أردت أن تحدث فعليك التفتيش لما تحدث به. وشرح ذلك مستوفى في كتب المصطلحات، لا سيما في كتاب الخطيب (الجامع لأخلاق الراوي). ومثل هذه الجوانب التاريخية المتصلة بتلقي الأحاديث وكتابتها لا زالت مجهولة لدى فئة كبيرة من الباحثين، وهي بحاجة إلى دراسة علمية متخصصة لبلورتها، لما في ذلك من فوائد جمة. ومشكلتنا تكمن في جهلنا تاريخ أئمتنا السابقين في جانب عنايتهم بتلقي الحديث وكتابته وضبطه التي كانت محل تطور عبر العصور الماضية حسب مستجداتها وأعرافها العلمية. وكانت عنايتهم هذه حرصا منهم - سواء كانوا متأخرين أو متقدمين - على أن يتم نقل الحديث من شخص إلى شخص أو يتم نقل الكتاب من شخص إلى شخص، وهو بعيد عن جميع احتمال التصحيف والتحريف والانتحال. وقد بذلوا جميعا ما في وسعهم في سبيل حماية السنة حسب مقتضيات عصورهم، ورحمهم الله تعالى، وجزاهم عنا أحسن جزاء، ولو لم ينهضوا - سواء في عصور الرواية أو في عصور ما بعد الرواية - بمقتضيات عصورهم لوقعت في السنة تحريفات وتصحيفات وأوهام وافتراءات، وقد شرحنا ذلك في كتاب الموازنة. وأما الانتخاب لهدف نقدي فكتمييز الصحيح من الضعيف الغريب، قد يكون ذلك بوضع علامات خاصة على الضعيف الغريب ضمن المرويات التي تضمنتها نسخ المحدثين وأصولهم، كما ورد في حديث قتيبة عن الليث في جمع التقديم.

стр. 447

قد يكون ذلك باستخراج أحاديث شيخ معين مع بيان ضعفها وصحتها، كما عمل الخطيب البغدادي بالنسبة إلى بعض كتب أقرانه، مثل (كتاب الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب)، و (كتاب الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب، انتقاء الخطيب البغدادي من حديث الشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم). وللإمام الدارقطني عمل مشهور في هذا المجال. وقد يكون ذلك الانتخاب تلبية لطلب المحدث الذي لم يكن قادرا على تمييز ما أصاب مما أخطأ فيه من أحاديثه ومروياته، كما انتخب البخاري أحاديث شيخه إسماعيل بن أبي أويس بعد أن طلب منه ذلك. وقد يكون ذلك لغرض امتحان الشيوخ لمعرفة مدى ضبطهم وإتقانهم، حكى الخطيب البغددي أن فضلك الرازي نصح صالح جزرة عند سفره إلى نيسابور بكتابة الأحاديث عن محمد بن يحيى، فلما قدم إلى نيسابور انتخب ما يريد كتابته عنه من الأحاديث وبعد قراءتها على محمد بن يحيى قال صالح جزرة: أفادني الفضل بن عباس الرازي حديثا عنك عند الوداع فقال: هات، فقلت: حدثكم سعيد بن عامر عن شعبة ... فذكر الحديث فقال محمد بن يحيى: من ينتخب مثل هذا الانتخاب ويقرأ مثل هذه القراءة يقول الخطيب تعقيبا على الحديث الأخير الذي عرضه على محمد بن يحيى: قصد صالح امتحان محمد بن يحيى في هذا الحديث لينظر أيقبل التلقين أم لا، فوجده ضابطا لروايته حافظا لأحاديثه محترزا من الوهم بصيرا بالعلم. (راجع تهذيب الكمال ٢٦/ ٦٢٦، والتهذيب ٩/ ٤٥٤). والله أعلم.

стр. 448

ـ[الحديث أخرجه ابو بكر بن أبي شيبة في المصنف وأبو داود في السنن (٤٠٩٤) والنسائي (٨/ ٢٠٨) وابن ماجة (٣٥٧٦) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ قال (الإسبال في الازار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة). قال أبو بكر بن أبي شيبة (ما أغربه) وقال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٦٢) (وعبد العزيز فيه مقال) قال أحدهم: (أما قول ابن أبي شيبة: (ما اغربه) فهذا لا يعني التضعيف). . . أقول: سئل الإمام أحمد ﵀ عن حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (تردين عليه حديقته ... )، فقال إنما هو مرسل- يعني أن من وصله فقد أخطأ ـ فقيل لأحمد: إن ابن أبي شيبة زعم أنه غريب، فقال الإمام أحمد: صدق إذا كان الحديث خطأ فهو غريب. فما رأيكم في كلامه بارك الله فيك، و هل الغريب عند ابن أبي شيبة يعني الخطأ ؟ وجزاكم الله خيرا]ـ إذا أطلق النقاد هذا حديث غريب دون ذكر حكم آخر كالصحيح فمعناه أنه خطأ، أو لفت الانتباه إلى قوة احتمال خطأ فيه. وأما إذا ورد عنهم جمعا بينه وبين الصحيح فيعني أن الحديث صحيح مع تفرد أحد رواته به، ولم يضر التفرد في صحة الحديث كحديث (إنما الأعمال بالنيات). وإذا أراد المحدث أن يبين أن المتن ليس فيه نكارة مع غرابة السند وعدم ثبوت الحديث عن النبي ﷺ رواية فإنه قد يضيف إليه مصطلح حسن ويقول: حسن غريب، ولا يعني بذلك ثبوت الرواية عن النبي ﷺ .

стр. 449

وأما قول القائل إن قول ابن أبي شيبة غريب لا يريد التضعيف - وهو يرى بأم عينيه طبيعة رواية ذلك الحديث وتفرد عبد العزيز به عن سالم الإمام المشهور بالمدينة - فغير دقيق، ولعل هذا القائل أخذ معنى الغريب بعمومه فطبقه هنا في هذا الحديث، دون مراعاة الفوارق الجوهرية بين حال وأخرى، أو من غير اعتبار منهج المحدثين في إطلاق الغريب. (والله تعالى أعلم). ـ[سؤال عن موسوعة رجال الكتب التسعة كتاب موسوعة رجال الكتب التسعة طبعة دار الكتب العلمية ١٤١٣هـ تصنيف د. عبد الفغار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن قالوا في المقدمة: فهذا مصنف أسميناه (موسوعة رجال الكتب التسعة) حيث يدل اسمه للوهلة الأولى على أننا جمعنا فيه كل رواة الأحاديث الذين تضمنتهم مصنفات الكتب التسعة وهم بالترتيب:. . ١ - رجال ورواة أحاديث صحيح البخاري ٢رواة أحاديث صحيح مسلم ٣سنن أبي داود الترمذي ٥النسائي خاصة المجتبى. ٦ ابن ماجة. ٧ موطأ مالك. ٨ سنن الدارمي ٩ - مسند الإمام أحمد ١٠ - مسند الشافعي ١١ - مسند أبي حنيفة. وأضيف إلى تراجم هذه الكتب تراجم الكتب التالية - البخاري في التعاليق - البخاري في الأدب المفرد - البخاري في جزء رفع اليدين في الصلاة - البخاري في خلق أفعال العباد - البخاري في جزء القراءة خلف الإمام - مقدمة صحيح مسلم - مراسيل أبي داود - ابو داود في القدر - ابو داود في الناسخ والمنسوخ - أبو داود في فضائل الأنصار - والمسائل - ومسند مالك - والترمذي في الشمائل - والنسائي في اليوم والليلة - والنسائي في مسند مالك - وخصائص علي- ومسند علي - وابن ماجة في التفسير. . . فيكون الكتاب قد جمع تراجم التسعة أصلاً وأما فعلاً وواقعاً فقد احتوى التراجم الموجودة في ثلاثين مصنفاً من مصنفات السنة الأصلية هل هذه الموسوعة جيده ويكفي البحث فيها أم لا وماذا يكفي من الكتب للبحث عن رجال الكتب التسعة. ]ـ عمل مفيد دون شك من حيث إن هذه الموسوعة قد استوعبت رواة الأئمة المشهورين القدامى التسعة، لكن بالنسبة إلى شيوخ الأئمة اللاحقين ورواة أسانيدهم كابن خزيمة وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي وغيرهم تشتد حاجة الباحث إليها، هذا من جهة. ومن جهة ثانية فما المصادر التي اعتمدها أصحاب هذه الموسوعة؛ هل استوعبوا الكتب القديمة والمطولة والمختصرة التي قامت بترجمة رواة الأئمة التسعة؟ وفي حال استيعابها لتلك الكتب القديمة؛ كالسؤالات والتواريخ وغيرها فإن الرجوع إليها يظل ملحا في كثير من الأحوال من أجل التوثيق والتدقيق. وبما أني لم أقف على هذه الموسوعة فلا أستطيع تقييمها، لكني مقتنع بأننا لا زلنا بحاجة في هذا المرحلة الزمنية إلى تأسيس منهج يمكن القارئ من فقه التراجم، ولا يتم ذلك من خلال الجمع والتأليف الموسوعي وحده.

стр. 450

ـ [هل يشهد الموقوف للمرفوع، والعكس . ]ـ إذا ثبت عن النبي ﷺ قول أو فعل أو تقرير فلا حاجة إلى قول أحد كائنا من كان، كما أكد ذلك أئمتنا من قبل، وإنما قول الآخرين هو الذي يحتاج إلى شاهد وتأييد. وأما إذا ورد إشكال في رواية حديث مرفوع لم يتبين خطأ راويه فإن الموقوف يشهد له ويقويه وقد يجعله صحيحا أو حسنا لا بأس به، كما ورد في تقوية الأحاديث المرسلة المرفوعة، كما أن كون الحديث غير منسوخ قد يشهد له الموقوف، ولذلك كله نرى الإمام الترمذي يركز على ذكر الموقوف كشاهد حين يقول بعد التصحيح ''وعليه العمل عند العلماء أو بعضهم '' ونحو ذلك. ـ [ما هو المنهج المقترح لطالب علم الحديث . ]ـ سبق أن أجبت عن هذا السؤال.

стр. 451

ـ[ما رأي فضيلتكم بهذا الكتاب: ((فيما صحّ من آثار الصحابة)) للباكستاني . ]ـ ليس عندي حاليا هذا الكتاب. ـ[الدكتور الفاضل حمزة المليباري -حفظكم الله ورعاكم وسدد للخير خطاكم. . . إني والله لأحبك في الله. . . سؤالي: ما هو رأيكم بكتاب " تحرير تقريب التهذيب "؟ ]ـ أحبك الله الذي من أجله أحببتني وجزاك لله خيرا وسدد خطاك. حين كنت في الأردن زارني بعض الإخوة ليشرح لي أسلوب هذا الكتاب ومحتواه، لكن إلى الآن لم أستطع دراسته والنظر فيه، وما مرت علي مناسبة علمية تفرض علي قراءته قراءة متأنية.

стр. 452

ـ[يقال دوماً أن التلميذ الملازم للراوي يقدم في مسألة الوصل والإرسال، وفي مسألة الرفع والوقف. ولعل ذلك على الغالب. لكن بنظري فمن الممكن أن يكون الراوي يرسل حديثه في الغالب عند طلابه، وهم يثقون بمراسيله فلا يسألونه عنها. فلما يأتي غريب إليه، يطلب منه الإسناد فيسمعه. فهل يقال في هذا الحالة تفرد بإسناده فلان فيما أرسله أصحابه الملازمون؟. . لا يخطر ببالي أمثله كثيرة. لكن منها حديث "لا نكاح إلا بولي". وقد رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق مرسلاً وهما أوثق أصحابه. فيما رواه إسرائيل وأبي حنيفة موصولاً، وصححه الأئمة ذلك لأن شعبة وسفيان أخذاه عنه مذاكرة. لكن ألا يمكن أن تطبق هذه الحالة على غيرها كذلك؟ ومثال آخر ما رواه ابن حزم في الإحكام (١\ ١٣٢): "قد روينا عن عبد الرزاق بن همام قال كان معمر يرسل لنا أحاديث فلما قدم عليه عبد الله بن المبارك أسندها له". . . فهذا عبد الرزاق تلميذه الملازم قد سمعها منه مرسلة. أما ابن المبارك فقد سمعها مسندة. والمثال فيه ما فيه من جهة أن كلاهما من أوثق أصحاب معمر، لكن يبقى المثال صالحاً. . . ف كيف نعرف إن كان إرسال غير الملازم وهماً أم لا ؟ هذا طبعاً إن لم يكن عندنا نص صريح من المتقدمين في المسألة. ]ـ قولك سليم للغاية، نعم إذا تبين من خلال القرائن أن الراوي قد حدث مرة بوجه، وأخرى بوجه آخر - كما ورد في سؤالك - , وأن كلا من أصحابه حدث عنه ما سمع، فإنه لا مجال للترجيح بينهم، وأنه لا اعتبار لكون هذا الراوي ملازما لشيخه، أو ذاك أوثق الناس، كما أنه لا يقال: تفرد فلان بوصله - مثلا -. ومن المعلوم أنه يرجع في التصحيح والتضعيف والترجيح إلى القرائن الظاهرة التي يشترك في معرفتها الناقد وغيره، كأن يكون الرواي ملازما لشيخه أو هو أوثق الناس فيه، أو هو صاحب كتاب أو غير ذلك مما يعرف من خلال قراءة التراجم، لكن فقط في حال ما إذا أحس الناقد بفهمه ومعرفته وحفظه بانعدام قرينة قوية تدل خلاف ذلك، وهذا بالنسبة إلينا صعب للغاية، كما أقر بذلك كبار الأئمة المتأخرين. وكثيرا ما تكون أصول الشيوخ مرجعا لحل الاختلاف، ويفهم ذلك من تتبع التاريخ الكبير وغيره من كتب النقاد بفهم ومعرفة. وأين هذه الأصول اليوم؟ إلا ما ورد عن النقاد من النصوص. غير أن الباحث المجرب والممارس بأسلوب المحدثين والمطلع على طبيعة الروايات قد يوفق بفضل الله لفهم ذلك استقلالا، ولا شك أن معرفة القرائن تتوقف على الممارسة الطويلة مع أصناف كثيرة من الروايات وطبيعة الرواة في سؤالهم للشيوخ ومراجعتهم فيما حدثوه وتحققهم في ذلك، وأحوالهم العامة ومدى صلتهم بشيوخهم وطريقة تلقيهم للأحاديث شخصا شخصا، كما قال بعض الأئمة: الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة، وقال بعضهم: إنما هو علم أوتينا. وفي ضوء هذا الواقع إذا رجح الناقد خلاف ما رواه الملازم، أو خلاف ما رواه الأوثق، أو صحح الحديث خلاف ما يقتضيه ظاهر السند أو ضعفه خلاف ما يقتيضه ظاهر السند فما علينا إلا التسليم والقبول ولا ينبغي لنا اتهامه بنقض القاعدة، لأن أقصى ما لدينا بعد البحث والتتبع هو أننا لم نقف على ما وقف عليه الناقد من القرائن. وهذا لا يعني بالضرورة أننا نجعله معصوما من الخطأ والوهم، وإنما فقط أن نقدم علمهم على علمنا إذا كان لدينا علم بالحديث. (والله أعلم).

стр. 453

ـ [هل الإسناد (المعنعن) مقبول مطلقاً أم هناك خلاف في قبوله . ]ـ الإسناد المعنعن متصل إلا إذا لم يعرف من خلال القرائن، أو من نصوص النقاد أنه منقطع أو أنه لم يلتق به أصلا، أو التقى به لكنه لم يسمع منه شيئا، أو سمع منه لكنه لم يسمع منه هذا الحديث، وأما أن نقول باتصاله إذا لم يكن مدلسا، وانقطاعه إذا كان مدلسا ردا على النقاد فغير سليم منهجيا ولا سلوكيا. وأنت تعرف جيدا أن ظهور مصطلح التدليس وتحديد مراتب المدلسين دليل ناصع على أن النقاد لم يكتفوا بظاهر أحوال الراوي، ولا بمعاصرته مع من فوقه في سلسلة السند، بل يبحثون أيضا إذا توفرت لديهم آليات البحث والتتبع عن مدى صحة سماع الراوي لذلك الحديث الذي رواه ممن فوقه، بل أكثر من ذلك أنهم يبحثون أيضا ويحاولون معرفة أن الراوي قد سمع ذلك الحديث بحيث يستطيع ضبطه كتابة أو حفظا، أو أنه وقع في سماعه خلل ما.

стр. 454

ولو أنهم قد اكتفوا بظاهر السند ومعاصرة الراوي مع من فوقه عموما في حكمهم على الإسناد بالاتصال ما قرأنا في كتبهم أصلا مصطلح التدليس ولا علمنا المدلسين ولا مراتبهم. وأما إذا لم تتوفر لدى الناقد آليات البحث والتتبع فليس له إلا اعتماد الظاهر، وعليه فعنعنة الراوي تحمل على الانقطاع إذا كان مدلسا، وإلا فتحمل على الاتصال. ـ [هل قول شعبة - رحمة الله - فلان عن فلان ليس بحديث. صحيح وإذا كان كلامه صحيحاً هل خالفه أحد من الائمة في ذلك القول. وجزاكم الله خيراً. ]ـ وأما قول شعبة (فلان عن فلان ليس بحديث) فقد رواه الإمام ابن عبد البر في التمهيد ١/ ١٣، غير أنه رواه عن وكيع أن شعبة قد رجع بعد ذلك إلى قول سفيان إنه حديث يعني حديثا متصلا. هذا وقد اشتهر عن شعبة قوله بأن الحديث الذي ليس فيه حدثنا وأخبرنا خل وبقل. أورده الأئمة في كتبهم في مناسبة كلامهم عن الإسناد وأهميته. يعني بذلك أن الحديث بدون سند ليس بشيئ، وعليه فقوله الأول خاص بالإسناد المنعنعن، والقول الثاني يكون حول الإسناد وأهميته عموما. ويمكن أيضا أن يكون قصده بالقولين واحدا، وعليه فإنه قد رجع عنه وقال إنه حديث فيما رواه ابن عبد البر. والله أعلم. ـ[ما قولكم ـ بارك الله فيكم ـ في من يقول: أن تعليل الأئمة لا يُقبل حتى يكون مُفسّراً . ويردّ بطريقته هذه كثير من تعليلات الأئمة. ]ـ قد يكون ذلك جهلا من القائل، أو تعصبا لرأي يتأيد بذلك الحديث الذي أعله النقاد. وأياكان دافع هذا القائل فإن قوله ذاك مستفز لشعور من يعرف منهج المحدثين، بل مضحك مبك في آن واحد لغرابته وجرأته وغروره بالنفس، والأغرب من ذلك أن بعضهم يرد بذلك على النقاد حين يبينون سبب التعليل - كالتفرد والغرابة مثلا- غير أن هذا القائل لم يكن منتبها لحقيقة قصدهم بذلك السبب، ولا فاهما لأبعاده النقدية.

стр. 455

ومن المعلوم أن طلب السبب واستفسار الوجه إنما يعقل إذا أغرب الناقد برد حديث صححه غيره من النقاد، أو بتصحيح حديث أعلوه، أو إذا أصدر الحكم من لم يكن من أهله، وأما في غير ذلك فيعد تلاعبا بكلام القوم دون أن يشعر. يقول الحافظ ابن حجر: ... فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث (النكت ٢/ ٧١١). ويقول السخاوي في نوع "الموضوع": فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح اهـ (فتح المغيث ١/ ٢٣٧) ويقول أيضا في مناسبة تعليقه على شرح أبي حاتم منهج النقاد في معرفة صحيح الحديث وضعيفه: ''وهو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية، لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة'' (فتح المغيث ١/ ٢٧٤). ويقول الحافظ ابن كثير: ''أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم'' (اختصار علوم الحديث ص: ٧٩)

стр. 456

ـ[قرأتُ لأحدهم قوله: أن الحديث لا يكون شاذاً إلا عند المخالفة ، فما قولكم. ]ـ لم يصب هذا القائل، لأن الشاذ عند المحدثين النقاد هو الغريب الذي لا أصل له - سواء تفرد به الثقة أو غيره - وقد نقل عنهم ذلك الحافظ الخليلي، وحتى الإمام الشافعي يقول: فعليك من الحديث بما تعرفه العامة وإياك والشاذ منه (الأم ٧/ ٧٠٣ - ٧٠٤) وقال أيضا فيما تفرد به الأوزاعي بعد أن نقل عن أبي يوسف ﵀ قوله: ما قال رسول الله ﷺ ، - قال ﵀: ''فهو كما قال وقد بلغنا من هذا ما قال الأوزاعي وهو عندنا شاذ والشاذ من الحديث لا يؤخذ به'' (الأم ٧/ ٣٦٠) ومما قال الإمام ابن الصلاح في مبحث العلة: ''ويستعان على إدراك (العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم ... ''. وبهذا القول أصبح الإمام ابن الصلاح قد أقر بأن التفرد مثل المخالفة في التعليل، لكن فقط إذا انضمت القرائن إليهما تنبه العارف بهذا الشأن - سواء أفهم ذلك غيره ممن لم يتأهل أم لم يفهم -. ويتأيد ذلك بأن النقاد في كتبهم يعلون الأحاديث بالتفرد والغرابة كما يعلون بالمخالفة. ومن أين لهذا القائل أن الشاذ لا يكون إلا بالمخالفة؟ ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد فرق بين الشاذ والمعلول، حسب تعريف الشاذ الذي استقرت عليه كتب المصطلح، إما أن يكون كلاهما مخالفا للصواب، أو غريبا ليس له أصل في حديث الراوي الذي أضيف إليه، وبالتالي يكون كل منهما مردودا غير مقبول. وإذا نظرنا إلى واقعنا تبين لنا ذلك بجلاء، فالإنسان إذا أخطأ في نقل الخبر أو كذب فيه متعمدا إما أن يكون مخالفا لما يعرفه الناس، أو غريبا ليس له أصل في الواقع ولا يعرفه أحد من الناس. وأما إذا أصاب في النقل وكان صادقا فيه أصبح موافقا لما يعرفه الناس أو غريبا له أصل في الواقع.

стр. 457

وليس كل ما تفرد به راو يعد شاذا منكرا وإنما إذا تفرد بما ليس له أصل في حديث شيخه، وكذلك لا يعد كل ما خالفه غيره شاذا منكرا وإنما فقط ما خالف فيه الصواب، ولذلك قال ابن الصلاح في النص السابق مقيدا '' مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن ..... ''. وهذا الأمر ما لا يدركه كل من هب ودب، وهذا من أبرز المجال الذي ينكشف فيه التساهل والدقة، ويتميز به الجهل من العلم، رضي من رضي وأبى من أبى. ومن الباحثين المعاصرين من يتجرأ بقبول حديث الثقة بل حديث الضعيف أيضا، على الرغم من مخالفته لغيره من الثقات إذا وجد لذلك متابعا أو شاهدا، وبذلك يكون هذا الأخ الباحث قد ألغى - من غير أن يشعر - مصطلحات تركز عليها كتب المصطلح؛ مثل العلة والشذوذ والنكارة. وقد شرحت هذه المسألة بشيء من التفصيل في الموازنة، والكتاب الجديد (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين). (الله تعالى أعلم) ـ[ما هو ضابط الحسن عند المتقدمين وهل الحسن عندهم وصف ام حكم وهل الشاذ والحسن عنده بمعنى واحد. ]ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،، أرجو أن تصبر قليلا فإن الجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل: أولا: علينا أن نعرف ونقتنع أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة، كما يتجلى ذلك بوضوح في تضاعيف كتب النقاد، وقد أقر بذلك المتأخرون أنفسهم، وفي طليعتهم الحافظ ابن حجر. وبقدر ما يتوفر لدى الناقد من الشعور العلمي المبني على التجربة والحفظ والفهم والمعرفة، بمدى صواب الحديث وخطئه كانوا يعبرون عنه بمصطلحات شتى، بغض النظر عن أحوال الرواة، وقد جمع لنا أئمتنا المتأخرون هذه المصطلحات في كتب المصطلح؛ فإذا كان شعور الناقد بأن الراوي قد أصاب في الحديث قال (هذا صحيح) وهو الأغلب، وقد يقول: (حسن)، وقد يقول بعضهم (حسن صحيح)، وإن كان ذلك الراوي صدوقا أو ضعيفا.

стр. 458

وإذا كان الناقد قد شعر من خلال المعرفة الحديثية أن الراوي قد أخطأ في الحديث جاء التعبير عنه بقوله: هذا غير محفوظ، أو باطل، أو منكر، أو وهم، أو تفرد به فلان، أو غير ذلك من المصطلحات، وإن كان هذا الراوي إماما. وأما إذا لم يشعر الناقد بهذا أو بذاك فعبارته تكون دقيقة أيضا؛ مثل قولهم هذا حسن أو لا بأس به أو جيد، وقد يكون الراوي ثقة أو ضعيفا غير متروك أو صدوقا. وإذا لم تتوفر لدى الناقد آليات البحث، أو الخلفية العلمية أو القرائن، فإن تعويلهم في وصف الحديث بالصحة والحسن والضعف يكون على أحوال الرواة؛ فإن كان راويه ثقة فصحيح مع وجود تفاوت في ذلك فما رواه الأوثق مثلا لا يكون مثل ما رواه الثقة، وإن كان ضعيفا فحديث ضعيف، وإن كان صدوقا مثلا فحسن، وبقدر تفاوت مراتب الرواة في سلم الجرح والتعديل يتفاوت انطباع الناقد تجاه المرويات. ومن هنا يتجلى أن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف والتحسين منهج نطبقه نحن في معاملاتنا اليومية، وإن لم نلتزم بتلك المصطلحات ذاتها. وذلك واضح وجلي حين نتأمل قليلا أسلوبنا الذي نعتمده في معالجة الأخبار التي تصلنا؛ إذ لم نكن نعتمد على أحوال الناس في الحكم على ما ينقلون من الأخبار الدنيوية، قبولا أو ردا أو توقفا أو ترجيحا إلا في الحالات التي نفقد فيها آليات التتبع والتدقيق، فإننا حينئذ فقط نعتمد على أحوالهم العامة، وإن كان الأمر كذلك فإن العلوم الدينية والأحاديث النبوية تكون أحق بذلك التدقيق والتحفظ في القبول والرد والتوقف والترجيح. فالخلاصة أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة، إلا في بعض الأحوال التي لم يطلع الناقد فيها على ملابسات الرواية وقرائنها، فحينئذ يميل فيها الناقد إلى أحوال الرواة في قبول الحديث أو رده أو تردده. وأما عند كثير من الباحثين المعاصرين فصار الأصل هو أن الأحكام تابعة لأحوال الرواة ويردون بذلك أحكام النقاد.

стр. 459

ويحسن بنا أن نقرأ في هذه المناسبة قول الحافظ السخاوي وهذا نصه: '' ..... ربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن، فالأحسن سد هذا الباب، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش؛ حيث قال: ''لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر '' فتصريحه بالاشتراط يدفعه ... ''. يعني أن ما أورده الإمام ابن الصلاح في تعريف الصحيح من سلامة الحديث من شذوذ وعلة شرطا من شروط الصحيح كاف في رد ذلك الذي يفهم مما نقله السخاوي عنه أن عدم العلة هو الأصل الظاهر. أما لو كانت الأحكام تابعة لأحوال الرواة - كما يظن اليوم - لما قال النقاد: إنما هو علم أوتينا، أو هذا العلم إلهام، أو هذا العلم مثل علم الصيرفي أو الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة. وفي ضوء هذا الواقع فإن تعريف المصطلحات يحتاج إلى هذا التفصيل المذكور، وإلا سيكون اعتقادنا أن الحكم مرتبط بأحوال الرواة، وبالتالي تكون المفاهيم والتصورات تجاه علوم الحديث مشوهة ومعوجة، والذي نرى في أبحاث كثير من الباحثين اليوم من الاعتراض على النقاد وعدم فهم مصطلحاتهم إنما هو من نتائج ذلك، وكلما يكون الباحث متمكنا تقل منه مثل هذه النتائج. ثانيا الجواب عن سؤالك: إن ضابط الحسن عند النقاد ليس حال الراوي، قد يكون ثقة وقد لا يكون، وإنما الضابط عندهم شعورهم بعدم وجود الخطأ ولا بأنه صواب في إضافته إلى النبي ﷺ ، وبقدر وجود العواضد وعدمها يقترب الحديث من الصحة أو من الضعف. وأما بالنسبة إلينا فشعورنا فليس مؤسسا على الفهم والتجربة. وأما أن يكون الشاذ حسنا فلا، إلا إذا فسرنا الشاذ بمطلق الغرابة، وحينئذ قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا. (والله أعلم)

стр. 460

ـ [هل المنكر عند المتقدمين هو نوع الشاذ المردود أم انه حكم مستقل لوحده. ]ـ عادة لا يستخدم النقاد في التعليل مصطلح الشاذ وكثيرا ما يستخدمون المنكر فيما يصدق عليه الشاذ المردود، وقد جمع بعضهم بين هذه المصطلحات مثل قول بعضهم: (الحديث الشاذ المنكر الذي لا يعرف). وليس المنكر في لغة المحدثين النقاد حكما مستقلا لوحده. ـ[عند مطالعتي لتخريج حديث: "العقيقة تذبح لسبع أو أربعة عشر أو إحدى وعشرين " في إرواء الغليل وجدت أن الشيخ الألباني أعل بعض روايات الحديث بالانقطاع بين عطاء وأم كرز. وبعد بحث متواضع وجدت أن علي بن المديني قال: لم يسمع عطاء من أم كرز شيئا. فهل تعلمون أحدا من المتقدمين وافق ابن المديني على هذا؟ ]ـ نقله ابن أبي حاتم في مراسيله عن علي بن المديني، كما نقل عنه المزي أيضا في التهذيب. ويدل على الانقطاع ما وقع في هذا الحديث من الاختلاف على عطاء، وفي معظم الروايات ذكرت الواسطة بينه وبين أم كرز، مع الاختلاف في تحديد هذه الواسطة، وهذا دليل واضح على انقطاع رواية عطاء عن أم كرز. وقد رجح الحافظ ابن حجر أن الراجح هو عن عطاء عن حبيبة بنت ميسرة عن أم كرز. انظر الإصابة للحافظ ابن حجر ترجمة أم كرز. ـ[ما رأيكم أدام الله عزكم في معنى الحديث (الحسن) واختلاف المحدثين فيه وما هو الراجح في تقييد مصطلحه، وهل يفرق في اطلاقه في العصر الحالي عند نقله عن أحد الأئمه أم يلتزم فيه جادة واحده لا تخالف، بحيث نأخذ تعريف الخطابي او الترمذي مثلا ونعممه، أم نقصر ما قصداه في تعريف الحسن على ما أطلقاه هما عليه دون من سواهما؟ ]ـ لم يختلف المحدثون في تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا، وهذا التقسيم الثلاثي كما حكى الخطابي عن أهل الحديث إنما بالنسبة إلى شعورهم ومعرفتهم، وإلا فالخبر عموما في الواقع إما الصواب وإما الخطأ.
следующие страницы →