← Фатава

Фатава · id 4382

لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء

ملتقى أهل الحديث

Полный текст (753 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ـ[قرأتُ لأحدهم قوله: أن الحديث لا يكون شاذاً إلا عند المخالفة ، فما قولكم. ]ـ لم يصب هذا القائل، لأن الشاذ عند المحدثين النقاد هو الغريب الذي لا أصل له - سواء تفرد به الثقة أو غيره - وقد نقل عنهم ذلك الحافظ الخليلي، وحتى الإمام الشافعي يقول: فعليك من الحديث بما تعرفه العامة وإياك والشاذ منه (الأم ٧/ ٧٠٣ - ٧٠٤) وقال أيضا فيما تفرد به الأوزاعي بعد أن نقل عن أبي يوسف ﵀ قوله: ما قال رسول الله ﷺ ، - قال ﵀: ''فهو كما قال وقد بلغنا من هذا ما قال الأوزاعي وهو عندنا شاذ والشاذ من الحديث لا يؤخذ به'' (الأم ٧/ ٣٦٠) ومما قال الإمام ابن الصلاح في مبحث العلة: ''ويستعان على إدراك (العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم ... ''. وبهذا القول أصبح الإمام ابن الصلاح قد أقر بأن التفرد مثل المخالفة في التعليل، لكن فقط إذا انضمت القرائن إليهما تنبه العارف بهذا الشأن - سواء أفهم ذلك غيره ممن لم يتأهل أم لم يفهم -. ويتأيد ذلك بأن النقاد في كتبهم يعلون الأحاديث بالتفرد والغرابة كما يعلون بالمخالفة. ومن أين لهذا القائل أن الشاذ لا يكون إلا بالمخالفة؟ ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد فرق بين الشاذ والمعلول، حسب تعريف الشاذ الذي استقرت عليه كتب المصطلح، إما أن يكون كلاهما مخالفا للصواب، أو غريبا ليس له أصل في حديث الراوي الذي أضيف إليه، وبالتالي يكون كل منهما مردودا غير مقبول. وإذا نظرنا إلى واقعنا تبين لنا ذلك بجلاء، فالإنسان إذا أخطأ في نقل الخبر أو كذب فيه متعمدا إما أن يكون مخالفا لما يعرفه الناس، أو غريبا ليس له أصل في الواقع ولا يعرفه أحد من الناس. وأما إذا أصاب في النقل وكان صادقا فيه أصبح موافقا لما يعرفه الناس أو غريبا له أصل في الواقع.

стр. 457

وليس كل ما تفرد به راو يعد شاذا منكرا وإنما إذا تفرد بما ليس له أصل في حديث شيخه، وكذلك لا يعد كل ما خالفه غيره شاذا منكرا وإنما فقط ما خالف فيه الصواب، ولذلك قال ابن الصلاح في النص السابق مقيدا '' مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن ..... ''. وهذا الأمر ما لا يدركه كل من هب ودب، وهذا من أبرز المجال الذي ينكشف فيه التساهل والدقة، ويتميز به الجهل من العلم، رضي من رضي وأبى من أبى. ومن الباحثين المعاصرين من يتجرأ بقبول حديث الثقة بل حديث الضعيف أيضا، على الرغم من مخالفته لغيره من الثقات إذا وجد لذلك متابعا أو شاهدا، وبذلك يكون هذا الأخ الباحث قد ألغى - من غير أن يشعر - مصطلحات تركز عليها كتب المصطلح؛ مثل العلة والشذوذ والنكارة. وقد شرحت هذه المسألة بشيء من التفصيل في الموازنة، والكتاب الجديد (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين). (الله تعالى أعلم) ـ[ما هو ضابط الحسن عند المتقدمين وهل الحسن عندهم وصف ام حكم وهل الشاذ والحسن عنده بمعنى واحد. ]ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،، أرجو أن تصبر قليلا فإن الجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل: أولا: علينا أن نعرف ونقتنع أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة، كما يتجلى ذلك بوضوح في تضاعيف كتب النقاد، وقد أقر بذلك المتأخرون أنفسهم، وفي طليعتهم الحافظ ابن حجر. وبقدر ما يتوفر لدى الناقد من الشعور العلمي المبني على التجربة والحفظ والفهم والمعرفة، بمدى صواب الحديث وخطئه كانوا يعبرون عنه بمصطلحات شتى، بغض النظر عن أحوال الرواة، وقد جمع لنا أئمتنا المتأخرون هذه المصطلحات في كتب المصطلح؛ فإذا كان شعور الناقد بأن الراوي قد أصاب في الحديث قال (هذا صحيح) وهو الأغلب، وقد يقول: (حسن)، وقد يقول بعضهم (حسن صحيح)، وإن كان ذلك الراوي صدوقا أو ضعيفا.

стр. 458

وإذا كان الناقد قد شعر من خلال المعرفة الحديثية أن الراوي قد أخطأ في الحديث جاء التعبير عنه بقوله: هذا غير محفوظ، أو باطل، أو منكر، أو وهم، أو تفرد به فلان، أو غير ذلك من المصطلحات، وإن كان هذا الراوي إماما. وأما إذا لم يشعر الناقد بهذا أو بذاك فعبارته تكون دقيقة أيضا؛ مثل قولهم هذا حسن أو لا بأس به أو جيد، وقد يكون الراوي ثقة أو ضعيفا غير متروك أو صدوقا. وإذا لم تتوفر لدى الناقد آليات البحث، أو الخلفية العلمية أو القرائن، فإن تعويلهم في وصف الحديث بالصحة والحسن والضعف يكون على أحوال الرواة؛ فإن كان راويه ثقة فصحيح مع وجود تفاوت في ذلك فما رواه الأوثق مثلا لا يكون مثل ما رواه الثقة، وإن كان ضعيفا فحديث ضعيف، وإن كان صدوقا مثلا فحسن، وبقدر تفاوت مراتب الرواة في سلم الجرح والتعديل يتفاوت انطباع الناقد تجاه المرويات. ومن هنا يتجلى أن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف والتحسين منهج نطبقه نحن في معاملاتنا اليومية، وإن لم نلتزم بتلك المصطلحات ذاتها. وذلك واضح وجلي حين نتأمل قليلا أسلوبنا الذي نعتمده في معالجة الأخبار التي تصلنا؛ إذ لم نكن نعتمد على أحوال الناس في الحكم على ما ينقلون من الأخبار الدنيوية، قبولا أو ردا أو توقفا أو ترجيحا إلا في الحالات التي نفقد فيها آليات التتبع والتدقيق، فإننا حينئذ فقط نعتمد على أحوالهم العامة، وإن كان الأمر كذلك فإن العلوم الدينية والأحاديث النبوية تكون أحق بذلك التدقيق والتحفظ في القبول والرد والتوقف والترجيح. فالخلاصة أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة، إلا في بعض الأحوال التي لم يطلع الناقد فيها على ملابسات الرواية وقرائنها، فحينئذ يميل فيها الناقد إلى أحوال الرواة في قبول الحديث أو رده أو تردده. وأما عند كثير من الباحثين المعاصرين فصار الأصل هو أن الأحكام تابعة لأحوال الرواة ويردون بذلك أحكام النقاد.

стр. 459

ويحسن بنا أن نقرأ في هذه المناسبة قول الحافظ السخاوي وهذا نصه: '' ..... ربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن، فالأحسن سد هذا الباب، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش؛ حيث قال: ''لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر '' فتصريحه بالاشتراط يدفعه ... ''. يعني أن ما أورده الإمام ابن الصلاح في تعريف الصحيح من سلامة الحديث من شذوذ وعلة شرطا من شروط الصحيح كاف في رد ذلك الذي يفهم مما نقله السخاوي عنه أن عدم العلة هو الأصل الظاهر. أما لو كانت الأحكام تابعة لأحوال الرواة - كما يظن اليوم - لما قال النقاد: إنما هو علم أوتينا، أو هذا العلم إلهام، أو هذا العلم مثل علم الصيرفي أو الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة. وفي ضوء هذا الواقع فإن تعريف المصطلحات يحتاج إلى هذا التفصيل المذكور، وإلا سيكون اعتقادنا أن الحكم مرتبط بأحوال الرواة، وبالتالي تكون المفاهيم والتصورات تجاه علوم الحديث مشوهة ومعوجة، والذي نرى في أبحاث كثير من الباحثين اليوم من الاعتراض على النقاد وعدم فهم مصطلحاتهم إنما هو من نتائج ذلك، وكلما يكون الباحث متمكنا تقل منه مثل هذه النتائج. ثانيا الجواب عن سؤالك: إن ضابط الحسن عند النقاد ليس حال الراوي، قد يكون ثقة وقد لا يكون، وإنما الضابط عندهم شعورهم بعدم وجود الخطأ ولا بأنه صواب في إضافته إلى النبي ﷺ ، وبقدر وجود العواضد وعدمها يقترب الحديث من الصحة أو من الضعف. وأما بالنسبة إلينا فشعورنا فليس مؤسسا على الفهم والتجربة. وأما أن يكون الشاذ حسنا فلا، إلا إذا فسرنا الشاذ بمطلق الغرابة، وحينئذ قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا. (والله أعلم)

стр. 460

ـ [هل المنكر عند المتقدمين هو نوع الشاذ المردود أم انه حكم مستقل لوحده. ]ـ عادة لا يستخدم النقاد في التعليل مصطلح الشاذ وكثيرا ما يستخدمون المنكر فيما يصدق عليه الشاذ المردود، وقد جمع بعضهم بين هذه المصطلحات مثل قول بعضهم: (الحديث الشاذ المنكر الذي لا يعرف). وليس المنكر في لغة المحدثين النقاد حكما مستقلا لوحده. ـ[عند مطالعتي لتخريج حديث: "العقيقة تذبح لسبع أو أربعة عشر أو إحدى وعشرين " في إرواء الغليل وجدت أن الشيخ الألباني أعل بعض روايات الحديث بالانقطاع بين عطاء وأم كرز. وبعد بحث متواضع وجدت أن علي بن المديني قال: لم يسمع عطاء من أم كرز شيئا. فهل تعلمون أحدا من المتقدمين وافق ابن المديني على هذا؟ ]ـ نقله ابن أبي حاتم في مراسيله عن علي بن المديني، كما نقل عنه المزي أيضا في التهذيب. ويدل على الانقطاع ما وقع في هذا الحديث من الاختلاف على عطاء، وفي معظم الروايات ذكرت الواسطة بينه وبين أم كرز، مع الاختلاف في تحديد هذه الواسطة، وهذا دليل واضح على انقطاع رواية عطاء عن أم كرز. وقد رجح الحافظ ابن حجر أن الراجح هو عن عطاء عن حبيبة بنت ميسرة عن أم كرز. انظر الإصابة للحافظ ابن حجر ترجمة أم كرز. ـ[ما رأيكم أدام الله عزكم في معنى الحديث (الحسن) واختلاف المحدثين فيه وما هو الراجح في تقييد مصطلحه، وهل يفرق في اطلاقه في العصر الحالي عند نقله عن أحد الأئمه أم يلتزم فيه جادة واحده لا تخالف، بحيث نأخذ تعريف الخطابي او الترمذي مثلا ونعممه، أم نقصر ما قصداه في تعريف الحسن على ما أطلقاه هما عليه دون من سواهما؟ ]ـ لم يختلف المحدثون في تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا، وهذا التقسيم الثلاثي كما حكى الخطابي عن أهل الحديث إنما بالنسبة إلى شعورهم ومعرفتهم، وإلا فالخبر عموما في الواقع إما الصواب وإما الخطأ.

стр. 461

وإن كان الخبر في الواقع إما صواب وإما خطأ لا ثالث لهما، فإن المخاطب لا يكون قادرا على أن يشعر دائما بما هو في الواقع كما هو، مع قناعتنا التامة أن الأئمة لم يتفقوا على تصحيح ضعيف ولا على تضعيف صحيح. وقد يعرف الناقد أن الخبر صحيح أو خطأ، وقد لا يعرف هذا ولا ذاك ولا يستطيع أن ينكره في الوقت ذاته، وبحسب توافر العواضد الخارجية تتفاوت الانطباعات من ناقد إلى آخر، أو يتفاوت انطباع ناقد واحد من وقت لآخر. تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا أمر واقعي لا يختلف فيه اثنان، غير أن النقاد لم يتفقوا على تسمية هذه المرتبة المتوسطة بمصطلح خاص مثل الحسن، ولهم في ذلك عبارات مختلفة ولم يكن الخطابي حين قال: الحديث عند أهله صحيح أو حسن أو سقيم، قصد بيان أن المحدثين القدامى قد حددوا هذه الأقسام بهذه التسميات، وإنما قصده بيان التقسيم الثلاثي للحديث، وأما تسمية هذه الأقسام بمصطلحات خاصة بحيث إذا أطلق مصطلح منها لا يتبادر إلى الذهن إلا ذلك المسمى فكان ذلك في العصور المتأخرة. وأما الترمذي فلم يعرف الحسن كمصطلح عام، وإنما عرف أسلوبه في الكتاب فيما يخص هذا المصطلح. ولذا لا ينبغي التزام جادة واحدة في تحديد معنى الحسن الذي يرد في كلام النقاد، لأنهم قد يطلقون الحسن على الصحيح أيضا. ـ[جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (بلغنا أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر)، ف لم يذكر مسلم الإسناد إلى أبي سعيد ، فماذا نسمي هذا النقل في مسلم بلاغا، أم مرسل صحابي، مع أني رجعت الى غرر الفوائد المجموعه للرشيد العطار فلم أجده ذكر في المعلقات أو المقطوعات أو غير ذلك؟! ]ـ هذا الحديث يقال له مرسل الصحابي فإنه قال: بلغنا، وليس معلقا ولا بلاغا ولا مقطوعا، وهو متصل بالإسناد السابق، والدليل على ذلك ما ورد في آخر حديث أبي سعيد هذا: ''وليس في حديث الليث (فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين وما بعده) فأقر به عيسى بن حماد''، وكان هذا جوابا عن سؤال مسلم لعيسى بن حماد: أخبركم الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. (والله تعالى أعلم)

стр. 462

ـ[ما هي القاعدة التي نميز بها الأصول من غيرها في الصحيحين ؟ وذلك أن البعض يضعف بعض أحاديث فيهما ثم يقول هي في الشواهد ويطلب إثبات أنها في الأصول]ـ إذا لم يستوف الحديث شروط الحديث الصحيح فهو من الشواهد، وهي بالنسبة إلى صحيح مسلم تكون في آخر الباب في الغالب، وليس معنى هذا أن كل حديث في آخر الباب فهو من الشواهد، بل قد تكون جميع أحاديث الباب من الأصول ولكن حسب المناسبة. ـ[ما قولكم في قضية نقد المتن ؟ هل كان هذا النقد من صنيع المتقدمين الأوائل؟ وهل هناك مثال نقد فيه الأوائل المتن مع كون السند لا مطعن فيه البتة؟ وجزاكم الله تعالى كل خير وأتم النفع بكم]ـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فأعتذر إخواني عن تأخري عن الإجابة على أسئلتهم، وقد كنت منشغلا طوال الأيام الماضية بعدة أمور، ولم أجد وقتا كافيا للنظر فيها، وها أنا بفضل الله أجد الآن بعض الوقت أردت أن أستغله لمخاطبتكم ومشاركتكم في هذا العمل العلمي الجليل، أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعا. إنه أهل التقوى وأهل المغفرة. أما عن سؤالك أخي العزيز - زادك الله علما وإخلاصا وتوفيقا - فأقول: إن فصل الإسناد عن المتن عند النقد، لم يكن من منهج المحدثين النقاد، بل يعد ذلك أسلوب كثير من المتأخرين والباحثين المعاصرين؛ إذ كان حكهم منصبا على الإسناد دون ربطه بالمتن، لذا اشتهر عنهم القول (إسناد صحيح) أو (إسناد ضعيف) أو (إسناد حسن) بدل قولهم (حديث صحيح) و (حديث ضعيف) و (حديث حسن). أما على منهج المحدثين النقاد فلم يكن الحكم على الإسناد بانقطاعه واتصاله أو صحته وضعفه دون اعتبار متنه، وإنما يتوجهون في النقد صوب ما أخبر به الراوي عمن فوقه سندا ومتنا دون الفصل بينهنا؛ ذلك لأن الإسناد لا يتحقق إلا بانتهائه إلى المتن، وإلا فبماذا يحدث الشيخ عمن فوقه إذا لم يكن هناك متن. وحديث ''تسلبي ثلاثا'' شاذ عند الإمام أحمد وغيره مع أن إسناده سليم من الانقطاع، وجميع رواته ثقات، وذلك لمخالفة أحد رواته في هذا المتن الأحاديث الصحيحة الثابتة في مدة العدة. كذلك حديث قتيبة عن الليث في جمع التقديم، فقد أعل النقاد متنه مع كون رواته ثقات أجلاء. وكتب العلل والضعفاء زاخرة بهذا النوع من الأمثلة التي تدل على نقد الأئمة القدامى للمتون مع كون السند متصلا ومسلسلا بالرواة الثقات، بل إن ظهور مصطلح (المدرج) و (المقلوب) و (المعلول) و (الشاذ) و (زيادة الثقة) الذي يتصل بالمتن يعد أوضح دليل على ذلك؛ لأن هذه المصطلحات تدل على أن النقاد لم يكتفوا في النقد بمعرفة الأحوال العامة لرواة الحديث، بل إنهم ينظرون فيما أخبر به الراوي عمن فوقه سندا ومتنا، ولو اعتمدوا في ذلك على أحوال الرواة لصححوا كل ما رواه الثقة، وما ظهر مصطلح الشاذ ولا المعلول ولا المقلوب ولا المدرج.

стр. 463

كما أنهم في معرفة الانقطاع والاتصال لم يكتفوا بمجرد وجود المعاصرة بين الرواة ولا اللقاء فيما بينهم بل يتتبعون الأدلة والقرائن التي تدل على أن هذا الراوي سمع الحديث ممن فوقه، أو أنه لم يسمعه منه، على الرغم من وجود المعاصرة واللقاء بينهما، وإلا كيف ظهر مصطلح التدليس بكل أنواعه، وكيف استطاعوا إذن أن يبينوا أحوال الرواة وعاداتهم في التدليس بكل تفاصيلها. والجدير بالذكر أن قول الأخ السائل - حفظه الله - (مع كون السند لا مطعن فيه) معناه أن الرواة ثقات، والسند متصل، بغض النظر عن مدى خلوه من شذوذ وعلة. وفي الواقع أن الخطأ في المتن لا بد أن يكون من أحد رواته، والسند الذي يضم ذلك الراوي المخطئ - وإن كان إماما - لن يكون سليما، والراوي الثقة إذا أخطأ في المتن فمعناه أنه لم يرو هذا الحديث كما سمع من شيخه، لذا لا يقال إن السند لا مطعن فيه. ومن هنا أصبح السند وثيقة علمية عظيمة تحمل في طياتها ما يدل على مصدر الخطأ بدقة متناهية، وبذلك لم يستطع أحد لا عمدا ولا سهوا، أن يدخل في حديث الراوي ما ليس منه، إلا وقد اكتشفه النقاد، فضلا عن السنة النبوية، لذلك قال ابن المبارك ﵀: الإسناد من الدين لولاه لقال من شاء ما شاء. ـ[ما رأيكم في اصطلاحات الترمذي في سننه كقوله (حديث حسن) (حسن صحيح) (حديث غريب) (حديث حسن غريب) (صحيح غريب)]ـ. جزاك الله خيرا أخي الكريم وسدد خطاك، هذه المصطلحات لا يمكن تحديد معانيها بأحوال الرواة، ولا تفسر في ضوء ما تعارف عليه المتأخرون، وإنما ينبغي تفسيرها وفق منهج الإمام الترمذي وغيره من المتقدمين.

стр. 464

من خلال تتبع أمثلة كثيرة من السنن تبين لي أنه ﵀ يطلق مصطلح (حسن صحيح) على الحديث الصحيح، ومصطلح (حسن) على الحديث الذي زال عن متنه شذوذ وغرابة؛ إما لكونه مرويا من طرق أخرى كالشواهد، أو لعمل بعض الصحابة بمقتضاه أو لقوله به، حتى وإن كان سنده ضعيفا أو معلولا بغرابته أو بتفرده. وفي حال كون السند غريبا قد يقول الترمذي (حسن غريب) أو يقول (غريب) فقط دون مصطلح (حسن) وأما (صحيح غريب) فقد يطلقه على ما هو حسن أيضا، وقد يكون معناه حسن صحيح، أو يكون ذلك من اختلاف النسخ. أما إذا فسرنا هذه المصطلحات في ضوء ربطها بأحوال الرواة فإن ذلك لا يخلو من الإشكال. (والله أعلم). ـ[ما رأيكم في رواية أبي اسحاق السبيعي بالعنعنة خارج الصحيح . ]ـ رواية أبي إسحاق بالعنعنة تفيد الاتصال إذا ثبتت من طريق شعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعموما فإن عنعنة المدلس لا تكون سببا مباشرا للحكم عليها بالانقطاع، إلا إذا تبين أن الراوي المدلس لم يسمع ذلك الحديث ممن فوقه، أو إذا لم تتوافر لدى الناقد إمكانية البحث وأصبح الأمر في ذلك مبهما فإنه يعول حينئذ على تلك العنعنة وتحمل على الانقطاع. والله أعلم ـ[ما رأيكم ب رواية سعيد بن المسيب عن عمر هل هي صحيحة مطلقا وفي كل حال وكذلك رواية النخعي عن ابن مسعود ورواية ابن ابي نجيح وابن جريج وليث عن مجاهد عن ابن عباس .. وما رايكم في رواية ابي عبيدة عن ابيه ابن مسعود هل يطلق القول بصحتها دائما. ]ـ لا أستحضر الآن ما يتصل برواية هؤلاء الأئمة بتفاصيله، وكلام الأئمة حوله مستوفى في كتب التراجم، والذي أعرفه الآن بشكل إجمالي أن رواية سعيد بن المسيب عن عمر منقطعة، وليس في الصحيحين شيء منها، وكذا رواية النخعي عن ابن مسعود منقطعة،

стр. 465

أما رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد فمتصلة، لقد سمع منه الأحاديث، وأما التفسير الذي يرويه عنه فيه كلام. وليث - هو ابن أبي سليم - ضعيف تكلم فيه وما رواه عن مجاهد وتفرد به لا يعد صحيحا لا سيما إذا روى جمعا بين شيوخه عطاء ومجاهد وطاؤس، لسبب خلطه بين أحاديثهم المختلفة والتلفيق بينها دون بيان وجوه الاختلاف بينهم. أما رواية أبي عبيدة عن أبيه فهي منقطعة، هذا ما أعرفه الآن، لكني بحاجة إلى الدراسة والتحقيق حول تفاصيل هذه المسائل. ـ[ما رأيكم في رواية مجالد عن الشعبي التي تعتبر كثيرة جدا هل يتسامح فيها. ]ـ مجالد ضعيف في الشعبي وغيره، ولا ينفعه كثرة روايته عن الشعبي فيما رواه عنه، وإذا روى عنه حديثا وتفرد به ينبغي التوقف عن قبوله. ـ [هل الإعلال في التفرد يعمل به في الموقوفات ؟ ]ـ كل تفرد يثير الإشكال ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند الحكم على الرواية، سواء كانت حديثا أو أثرا موقوفا، والذي لا يثير الإشكال فيعول عليه لا سيما في الموقوف. ـ[ما الصحيح في رواية مجاهد عن عائشة ؟ هل ثبت السماع؟ ]ـ روايته عنها منقطعة. ـ[ما صحة حديث القلتين ؟ ]ـ الحديث صحيح فيما أذكره، والاختلاف في تفسير القلة لا يؤثر في صحته والعمل به، لأن القلة ينبغي حملها على ما اشتهر في الحجاز، وهو قلة هجر باعتباره أقرب إلى المدينة، ومخالفة الآخرين في بلاد أخرى لما اشتهر بالحجاز لا تقدح في العمل بالحديث، هذا وقد تناوله الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه التنكيل الجزء الثاني فأجاد فارجع إليه. ـ[كتب الآثار لمحمد بن الحسن وأبي يوسف هل هي مصادر معتبرة يأخذ منها أهل العلم. ]ـ ليس لي علم عن هذه الكتب.

стр. 466

ـ[ذكر ابن حجر رحمة الله عليه في أول "طبقات المدلسين " الثالثة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي الرابعة من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد) فما الفرق بين الطبقتين مادام أنه لن يحتج بحديث أحدهم إلا ما صرح فيه بالسماع . أفيدونا أكرمكم الله. ]ـ قد ذكر الحافظ ما يدل على الفرق بين المرتبتين، وهو أن الأولى اختُلِف فيها من بعض الأئمة، وأما الثانية فمتفق على عدم الاحتجاج بها للسبب الذي ورد في السياق نفسه، وهو كثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل. وفي الواقع أنه لا فرق بينهما في عدم قبول العنعنة، والسبب كثرة تدليسهم، وكثرة احتمال التدليس إذا عنعنوا، والجدير بالذكر أن الأساس في تقسيم المدلسين على مراتب هو ندرة التدليس وكثرته، وكلما يندر تدليس الراوي مع كونه ثقة إماما ينبغي حمله على الاتصال إلا إذا دل على أنه لم يسمع ذلك الحديث بعينه ممن فوقه، ويكون في المرتبة الأولى، وذلك لندرة احتمال التدليس إذا عنعن، وحسب كثرة التدليس يدرج الراوي في المراتب التالية. وهناك تفاصيل شرحتها في الموازنة في القسم الثاني.

стр. 467

ـ [ما معنى قول ابن معين إذا سئل عن رجل يقول "صالح "]ـ يفيد هذا المصطلح أن الراوي ليس متروكا، وليس متهما بالكذب، بل صالح للقبول والكتابة والاعتبار، بل قد يطلق هذا اللفظ مع لفظ ثقة أو صدوق أو ضعيف، وقد يطلق مع هذه المصطلحات جميعا، ويقال: ثقة صدوق ضعيف صالح. يكون معناه: أن الراوي ليس متروكا، وما وقع فيه من الأخطاء ليس تعمدا منه، وقد يخيل ذلك إلى الناظر في منكراته، لكنه رجل صالح لا يتعمد الكذب. والله أعلم. ـ [هل تعتبر كلمة "لا بأس به" توثيقاً عند غير ابن حبان ؟ وجدت ابن أبي حاتم نص على أنها ليست كذلك (في أول كتابه الجرح والتعديل). لكن ابن حجر يعتبر قول أبي زرعة أو أو أبي حاتم "لا بأس به" توثيقاً. وكذلك عن النسائي وغيره. ]ـ لعل الأخ السائل أراد به ابن معين وليس ابن حبان، لأن ابن معين هو الذي نص على أنه يريد به التوثيق. نعم لا تعتبر كلمة لا بأس به توثيقا عند غير ابن معين، لأن فيه نوعا من التليين بعيدا عن التجريح، ولذا لم يقبل العلامة المعلمي ذلك من الحافظ ابن حجر، بل قال: ينبغي البحث عن ألفاظ النقاد، لأنه قد لا يصرح بأن فلانا ثقة. ـ[ما حكم الراوي إذا لم نجد فيه إلا التوثيق المعلَّق ؟ أقصد مثل قول ابن سعد: "كان ثقة إن شاء الله". أو قول ابن عدي: "وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيماً". ]ـ فيما يبدو أن هذا اللفظ فيه نوع من التليين، ولا يصل إلى مرتبة من قيل فيه ثقة، وقد يستخدم ابن عدي ذلك في حق بعض الثقات الذين تكلم فيهم لسبب ما، لكن الجزم بشئ من ذلك يتوقف على تتبع مواقع استعمال ذلك اللفظ ومقارنة بعضها ببعض.

стр. 468

ـ [في قول البخاري ((حديث حسن)) هل هو من قسم الصحيح؟ وهل الإمام البخاري يشترط لتصحيح الحديث اللقاء حتى خارج الصحيح؟ مثال: قال الترمذي في العلل الكبير: وسألت محمدا عنه يعني حديث الحسن عن علي بن أبي طالب رفع القلم الحديث فقال: الحسن قد أدرك عليا وهو عندي حديث حسن. هل قوله: (أدرك عليا) أي سمع منه أو أن قوله: (هو عندي حديث حسن) بطرق أخرى. قال الترمذي حدثنا قتيبة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر ((ونادوا يامالك)) سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن وهو حديث ابن عيينة الذي تفرد به. (العلل الكبير). . . قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن صفوان بن يعلي عن أبيه ﵁ قال ثم سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك قال سفيان في قراءة عبد الله ونادوا يا مالك). ]ـ قد شرحت هذه المصطلحات وخلفية النقاد فيها، - منهم البخاري- في كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث)، وخلاصة ذلك أن البخاري وغيره قد يطلقون مصطلح حسن على الحديث الصحيح، وبالعكس أيضا، كما يطلقون الضعيف على الحسن. ومواقع إستخدام النقاد تلك المصطلحات هي التي توضح قصدهم بذلك، ولا يعني بذلك أبدا أن قسم الحسن من قسم الصحيح. بل إنهم متفقون عمليا على تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا كما حكى عنهم الخطابي، لكنهم لم يتفقوا على تسمية هذه الأقسام بألفاظ خاصة. راجع من فضلك كتاب (نظرات جديدة) ففيه شيء من التفصيل حول ذلك، وكذلك كتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد).

стр. 469

أما اشتراط اللقاء فأمر لا يختلف فيه أحد من المحدثين النقاد ليتصل السند، أعني بذلك أنه إذا ثبت أن فلانا لم يلتق بفلان لا يكون حديثه متصلا، لكن قد يختلف بعضهم عن بعض حول الاتصال والانقطاع إذالم يتبين لهم ما يدل على ذلك اللقاء، وهذا لا يعني أن بعضهم لا يشترطون اللقاء، وإنما فقط في حال عدم وضوح الأمر فيما يخص لقاء فلان بفلان هل يشترط العلم باللقاء جملة أو لا. وفي الواقع أن عناصر التصحيح لم يستوعبها جميعا تعريف الصحيح المشهور في كتب المصطلح، إنما تضمن ما هو الأغلب في التصحيح. ولذا لا ينبغي اعتبار ذلك التعريف معيارا لفهم الصحيح عند النقاد، حتى لا يصطدم ذلك مع حديث البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) الذي تفرد به سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة، والمغيرة في لغة كتب المصطلح يعد من المجاهيل أو من المستورين، وشرط الصحيح أن يكون الرواة ثقات. لذا مجرد حفظ المصطلحات والتعريفات لا يؤهل صاحبه لفهم لغة المحدثين، وإنما يتوقف على مدى احتكاكه مع نصوصهم ومنهجهم واستيعاب طرق إطلاقاتهم ومواقع استعمالهم. ـ[قال الإمام علي بن المديني: حديث عمر أن النبي ﷺ قال إني ممسك بحجزكم عن النار قال هذا حديث حسن الإسناد وحفص بن حميد مجهول لا أعلم أحدا روى عنه إلا يعقوب)) كيف الجمع بين قوله مجهول وحسن الإسناد. وهل قوله: ((حسن الإسناد)) هو تصحيح للمتن أيضا؟ عذرا على الإطالة والله يحفظكم يافضيلة الشيخ ويزيدكم من فضله. ]ـ فيما يبدو لي أن المعنى: هذا الحديث ليس فيه راو متروك، بل كل الرواة ثقات إلا حفص وهو وإن كان مجهولا، فالمتن ليس فيه مخالفة لنصوص أخرى، والله أعلم.

стр. 470

ـ[ما رأيكم بكتابات عداب الحمش؟ ]ـ ـ[وماذا عن كتابات حسان عبد المنان؟ ]ـ يبدو أن مثل هذا السؤال قد سبق، إبداء رأي حول الكتب وأصحابها لا يمكن إلا بعد تتبع محتواها بطريقة علمية دقيقة، وأنا لم أتمكن من ذلك حتى الآن. ـ[ما شروط الإجتهاد في التصحيح والتضعيف وهل هذه الشروط متوفرة في أحد المشايخ في عصرنا أو حتى في المتأخرين؟ ]ـ هذا سؤال مهم جدا، وأنا أشكر لك هذا السؤال. وقد يكون الجواب طويلا وأرجو منك الصبر. يا أخي العزيز - حفظني الله وإياك -! من المعلوم بديهيا أن لكل علم رجالا متخصصين يشكلون مصادره الأصيلة، ومن خلال عملهم النقدي انبثقت قواعد ذلك العلم ومسائله، لذلك فإن الباحث يكون أكثر أمناً من الخطأ والتخبط في الفهم والتطبيق بقدر رجوعه إلى تلك المصادر الأصيلة، ومداومة الاشتغال بها وإمعان النظر فيها، كما أنه لا يُعد الباحث أو العالم مصدرا أصيلا بمجرد أنه قد ألف كتابا أو كتابين أو كتبا في ذلك العلم أو أنه كان منشغلا به، أو بمجرد كونه إماما في مجال علمي آخر، وإنما يعد فقط مصدرا مساعدا. وهذا كما قال الشاعر: ''للحرب أقوام لها خلقوا ... وللدواوين كتاب وحساب''. وقال مسلم في التمييز ص: ٢٠: (فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم إذا قال: هذا حديث خطأ وهذا حديث صحيح، وفلان يخطيئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت أنهم استعضموا ذلك من قول من قاله ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضين وحتى قالوا إن من ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به ومدع علم غيب لا يوصل إليه.

стр. 471

واعلم وفقنا الله وإياك أن لولا كثرة جملة العوام مستنكري الحق وراميه بالجهاله لما بان فضل عالم على جاهل، ولا تبين علم من جهل، ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه، وضد العلم هوالجهل، فكل ضد ناف لضده، دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهال وكثرة الرعاع لما خص به قوم وحرموه، فإن تعداد العلم دائر إلى معدنه، والجهل واقف على أهله. وجاء في تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣١: ''فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلا إمام في النحو ولا يدري ما الحديث ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عري من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب، وكمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءة تالف في الحديث، وللحروب رجال يعرفون بها''. وقول السخاوي في هذا المجال مشهور، وهذا نصه: ''هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم (يعني نقاد الحديث) في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين''. ''فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك (إن شاء الله) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله''. ومشكلة إخواننا في المجال العلمي هو خلطهم بين المصادر الأصيلة وبين المصادر المساعدة وإحلال بعضها مكان الآخر أو إهمال الأصيل واعتماد المساعد ومبالغتهم فيه.

стр. 472

ولذا نرى بعضهم يعتمدون على عالم من علماء هذا العصر في دراساته وتحقيقاته، ويدمنون نظرهم في تواليفه، وتقليدهم له ومشيهم وراءه، دون الرجوع إلى نقاد الحديث ونصوصهم وتآليفهم، وذلك لفرط حبهم واحترامهم وتقديرهم له نظرا لما يتميز به من العناية الكبيرة بالحديث وعلومه وانشغاله بها تخريجا وتحقيقا، وبروزه في مجال الدعوة إلى العمل بما صح من الأحاديث ومحاربة البدع، بحيث لا يسوغون لأحد أن يعيد النظر فيما قام به هذا العالم الفاضل المحترم من الدراسات والتخريجات، ومن دعا إلى إعادة النظر فيها، أو انتقده في بعض أخطائه فإنه قد عرض نفسه للخطر، حتى وصل غلو بعضهم في التعصب إلى حد أن يزعم أن ذلك الشخص أعلم من الإمام أحمد بن حنبل. فما هذا الهراء الذي يسيء إلى هذا العالم وسمعته؟ ولا ينبغي أن يكون حبنا واحترامنا وتقديرنا لشخص ما بهذه الدرجة التي تعمي قلوبنا وتحجبها عن إدراك الحقيقة والصواب، بل يجب أن يكون ذلك في حدود رسمها لنا القرآن الكريم من العدل والإنصاف والحق. وإن كنا لا نسوغ ذلك التعصب والمبالغة في حق الأئمة السابقين الذين هم أكثر علما وعملا وتقوى منا فإن عدم جواز ذلك في حق المعاصرين أولى وأجدر. زارني في البيت في الصيف الماضي بعض الإخوة وكان من بينهم شاب لا أعرفه، ولفتت انتباهي طبيعة هذا الشاب من بينهم منذ أن دخل معهم في المجلس، وكان عابس الوجه، ولما رأيته غير مبتسم ألح سؤالا في نفسي وهو: لماذا لا أرى هذا الشاب مبتسما في وجهي بخلاف الآخرين. واستمر هذا السؤال في نفسي لمدة أيام إلى أن جاءني الخبر بأن الشاب يصفني في بعض المواقع بما يأتي: هذا الهندي المليباري الجاهل لا يعرف حتى اللغة العربية ولا قراءة القرآن الكريم، ولا أدري لماذا يلتف حوله الشباب.

стр. 473

ففهمت أن الشاب كان يكرهني وكان يخبئ ذلك في نفسه لسبب ما، قد يكون - والله أعلم - اهتمامي بتفضيل نقاد الحديث وتقديمهم على الشيخ الألباني وغيره من المعاصرين والمتأخرين، ثم ازداد هو كراهية لما أجبته في ذلك المجلس عن سؤال يتصل بالشيخ الألباني بما لم يعجبه. ومن المناسبة أن أنقل لك ما جرى بيني وبين هذا الشاب في ذلك المجلس حسب ما يحضرني الآن؛ بعد ترحيبي بالإخوة الضيوف الكرام، خاصة الأخ الفاضل المحترم الشيخ أبو الحسن المأربي الذي تميز بتواضعه وأدبه وعلمه، بدأت الحديث بلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين المصادر الأصيلة لعلوم الحديث وبين مصاردها المساعدة، وشأن ذلك شأن العلوم كلها، وذكرت التشريع الإسلامي مثالا لذلك، فإنه لا يختلف أحد في أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأصيلان للتشريع الإسلامي، وأما الأئمة وآراؤهم ومذاهبهم وكتبهم فتشكل فقط مصادره المساعدة، كما أنه لا يختلف أحد في خطورة التلفيق بين الأصيل والمساعد فيما يخص التشريع الإسلامي، أو إحلال أحدهما مكان الآخر. وكذلك بالنسبة إلى علوم الحديث وغيرها من سائر العلوم، إذن لا بد من التركيز على هذا الجانب الأساس عند دراسة علوم الحديث أو البحث فيها. وأيدني الشيخ أبو الحسن بصفة عامة. وسألني ذلك الشاب: هل الشيخ الألباني مؤهل للتصحيح والتضعيف؟ قلت: يا أخي لا يهمني أن أعرف أن فلانا مؤهل للتصحيح أو غير مؤهل، وإنما يهمني فقط العمل الذي يقوم به، هل هو وفق منهج المحدثين النقاد في ذلك أولا، فما ينسجم معه فذلك المقبول، وما لا يكون كذلك فمرفوض، كائنا من كان، دون تعرض للطعن فيه، وبذلك نستطيع تقييم الباحثين، أما كونهم مؤهلين لذلك أو غير مؤهلين فليس لدي وقت للنظر فيه، ولا أرى في ذلك كبير فائدة. فقال لي: هل الحافظ ضياء الدين المقدسي مؤهل والحافظ ابن حجر مؤهل؟ فوجئت بإلحاحه علي في هذا السؤال؟ قلت له: ما الفائدة من معرفة ذلك؟

стр. 474

فقال لي: إذا كان مؤهلا نسوغ له مخالفة النقاد، وإلا لا نسمح له بذلك. قلت له: الأمر لا يتوقف على ما تصدره أنت من الفتوى والحكم، وإنما الذي يهمنا هو من يفهم لغة المحدثين ويوافقهم وينتهج منهجهم في التصحيح والتضعيف. فسألني الشاب: إسناد يكون مثل الشمس ضعفه الإمام البزار وصححه أحد المتأخرين، وماذا تقول عنه؟ قلت له: الجواب يتوقف على دراسة هذا السند. وأنت تقول إسناد مثل الشمس، وذلك نظرا لظاهر حاله، لكنه في الواقع قد لا يكون كذلك عند النقاد لشذوذه وغرابته، بل إن الإسناد إذا كان مثل الشمس حقيقة فمن المستحيل عرفا أن يخفى ذلك على النقاد أو أحدهم، ومع ذلك فإذا ضعفه إمام من الأئمة فذلك دليل واضح على أن الإسناد فيه شيئا ينبغي البحث عن علته. وهذا الإمام الحاكم يقول: ''إذا وجدت حديثا صحيح الإسناد ولم يخرجه الشيخان فعليك بالبحث عن علته''، وكيف يكون ذلك إذا ضعفه أحد النقاد! إذا كنا نحن قد وقفنا على نصاعة السند وأنه مثل الشمس فإن ذلك لن يكون بعبقريتنا في نقد الحديث، وإنما بشدة غرورنا بظاهره، ثم إن الإسناد الذي لم يعرفه المتقدمون ولم يشتهر لديهم ثم اشتهر في رواية المتأخرين فلا يمكن إلا أن يكون وهما وخطأ وإن كنت تعده كالشمس. ثم استدللت له بقول الحافظ البيهقي، وأيدني في ذلك الشيخ أبو الحسن المأربي. ووجدت الشخص يلح في السؤال نفسه، فقلت له: أنا أذكر لك انطباعي تجاه الشيخ الألباني: إن الشيخ الألباني ﵀ أكثر الناس اليوم فهما لمنهج المحدثين، وأكثرهم قربا له، وأكثرهم انشغالا بالحديث وعلومه، ومع ذلك فإني أرى أنه ليس مؤهلا لنقد الحديث، واستغرب بعض الإخوة هذا الجواب ومنهم الشيخ أبو الحسن المأربي قبل أن أكمل الكلام.

стр. 475

قلت: نعم ليس مؤهلا لنقد الحديث مثل البخاري ومسلم وأحمد، وحتى الحافظ ابن حجر - فيما أرى - ليس بناقد مثل الأئمة السابقين، ولا الحافظ ضياء الدين المقدسي، وهؤلاء محققون ومدققون لكلام النقاد ومعتمدون عليه. فقاطعني الشاب بقوله: حتى الحافظ ابن حجر والحافظ المقدسي ليسا من المؤهلين لتصحيح الحديث؟ قلت له: نعم، أسرد لك من نصوص المتأخرين ما يفيد ذلك، وذكرت له قول الحافظ الذهبي وابن حجر والسخاوي، ومع ذلك فلم يقتنع بذلك. وعند نهاية الجلسة قلت: على كل حال فإننا مطالبون بإنزال الناس منازلهم، ونحن نجد في الإسلام ما يشجعنا على النقد الموضوعي، يقول الله تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). ولا يمكن هذا إلا بالنقد الموضوعي، وإلا كيف يعرف الأحسن. هذا ما يحضرني الآن، وقد جرى الحديث والنقاش حول الجرح والتعديل ومنهج البخاري في التاريخ الكبير وأبي حاتم في علله، وتعليلهما أحيانا لحديث صحيح باعتبار بعض طرقه بقولهم هذا باطل، مع أن الحديث صحيح لا نزاع في صحته، وكان الشيخ أبو الحسن - حفظه الله - قد أجاد في ذلك، وتركت له معظم الأوقات احتراما له وتواضعا. ثم وصلني في اليوم الثاني خبر مفاده: هناك شائعة حولي يلوك بها بعض الشباب، وهي: أنني كنت أقول في الشيخ الألباني إنه غير مؤهل للتصحيح، وليس له باع في الحديث، والحافظ ابن حجر غير مؤهل، والحافظ المقدسي غير مؤهل. والشيخ أبو الحسن شرح لهم مقصودي بما قلت أثناء الجلسة، لكنهم لم يقتنعوا بذلك. قلت لصاحبي الذي حكى لي ذلك: الله المستعان، هكذا ينقلون الأخبار تشويها لأصحابها، وهم بعيد عن الأمانة والدقة، لا لشيئ سوى أنهم لم يروا فيهم ما يرضي وجدانهم وأهواءهم. أعود إلى الإجابة، اسمح لي هذا الاستطراد يا أخي العزيز: أما ما يتصل بشروط الاجتهاد في معرفة صحة الحديث وخطئه فيمكن تلخيصه من قول الحافظ ابن حجر:

стр. 476

''هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن يمارس ذلك. وقد تقصر عبارة المعلل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث''انتهى. أما اليوم فيكثر المتكلمون في الحديث دون تأهلهم لذلك، ثم يتطاول بعضهم على نقاد الحديث بحجة كم ترك الأول للآخر. هذا الذي ذكره الحافظ صحيح للغاية، بل يؤيده الواقع العلمي الذي نعيشه اليوم، ذلك لأنه إذا قارنا بين تصحيح كثير من المعاصرين وتصحيح النقاد وجدنا فرقا واضحا لا يمكن إنكاره، وهو أن المعاصرين يقولون عند التصحيح (إسناده صحيح) أو (رجاله ثقات)، وكذا من صحح الحديث من المتأخرين، بينما النقاد القدامى قالوا (حديث صحيح). هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المتأخرين على اقتناعهم التام بأنهم غير مؤهلين لإدراك العلل والشذوذ، كما أدركها النقاد الجهابذة الذين سبق وصفهم في سياق كلام الحافظ ابن حجر، لأن ذلك من اختصاصهم، وقد صرح المتأخرون أنفسهم بذلك في كتب المصطلح، وأما خلاف ذلك فلن تجد فيه نصا واحدا للأئمة، سوى خزعبلات بعض الباحثين الجدد وما ينسجه خيالهم. والله إنه لأمر مستغرب ومؤسف أن يقول الباحث المعاصر عن الحديث الصحيح الذي اتفق على صحته النقاد أو الذي صححه أحد النقاد:

стр. 477

''إسناده صحيح ''، وما قيمة تصحيح هذا الباحث المعاصر الذي لا يتجاوز نظره ظاهر الإسناد وأحوال الرواة، في مقابل قول النقاد إن الحديث صحيح وسليم من شذوذ وعلة؟ أيهما أتم وأدق: تصحيح الباحث أو تصحيح النقاد؟ وهل يحتاج القارئ بعد تصحيح النقاد إلى المعاصر الذي يعبر عن ظاهر السند؟ وهل أتى بشئ جديد يزيد تصحيح الناقد قوة؟ وإذا أجاب أحد منا بنعم فهو عامي متعصب، ينبغي أن نقرأ فيه قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). ولو صحح المعاصر على منهج المحدثين النقاد لزاد الحديث الصحيح الذي صححه النقاد قوة بعد قوة، كما عمل الحافظ البغوي في كتابه شرح السنة، إذ يقول (حديث صحيح)، وكما زاد الصحيحين قوة بعد قوة تتبع الإمام الدارقطني وغيره. والإنسان الذي لا تتوفر لديه من الخلفية العلمية في مجال ما يكون عاجزا عن معرفة حقائقه ودقائق أموره، بل يضطر إلى اعتماد ظواهر الأمور، وقد يشتد غروره بها بحيث يندفع إلى المغامرة إذا كان معاندا، لكن لا يقف على حقيقة فعله ولا يندم على حماقته التي قد تكون قاتلة إلا إذا وقع في المخاطر. وهذه أمور مجربة في حياتنا اليومية، ومن يخالف هذا المألوف فشاذ خطير معاند. وأنا لا أرى شخصا مؤهلا لنقد الحديث إلا إذا كان عنده خلفية علمية واضحة حول أحاديث الحفاظ الذين يشكلون مدار الروايات، بحيث إذا انقلب على أحد من الرواة حديث هذا الحافظ بحديث ذاك، أو وقع التلفيق بين حديثين ولو بوجه بسيط، يعلم ذلك دون عناء، ويرجعه إلى أصله.

стр. 478

وإذا تأملنا في سيرة المحدثين النقاد المبثوثة في تضاعيف كتب التراجم، وجدناهم يحفظون الأحاديث مثل ما يحفظون سور القرآن الكريم. فيحفظون الأحاديث مقيدة براويها المدار، فمثلا: ما رواه مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ويحصون أحاديثه عددا، وكم أحاديثه في باب كذا. وبذلك لم يستطع أحد من قبل أن يدس فيها ما لم يحدث به مالك ولو كلمة صغيرة إلا وقد اكتشف ذلك من قبل الناقد. وللحفاظ النقاد وسائل عدة في إحصاء الأحاديث حسب رواتها الذين تدور عليهم رواياتها؛ كتتبعهم للأصول التي يملكها بعض الحفاظ أو ما يتداوله الثقات، أو المذاكرة مع الحفاظ المعاصرين لا سيما مع أثبتهم وأحفظهم، وتعد المذاكرة أكثر الوسائل شهرة لدى الحفاظ في هذا المجال. وكذا ما رواه مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وما رواه الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وعن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهكذا ما يتصل بأصحاب الزهري، ممن يشكل مدارا رئيسا في الحديث. وآثار هذا الإحصاء، ونتائجه تزخر لها كتب التراجم والعلل، وبذلك استطاعوا الجزم بأن فلانا تفرد، وهذا الحديث إنما يروى هكذا، أو هذا مقلوب، وغير ذلك من العبارات التي لا تصدر منهم إلا بضبط الأحاديث وإحصائها على الطريقة السابقة. وبهذا الحفظ والاستيعاب والضبط والإحصاء يكون بعضهم أدرى وأكثر تخصصا في أحاديث بعض الحفاظ، ويقال فلان أعلم الناس بأحاديث فلان، ويقول قتادة: أحفظ أحاديث فلان مثل ما أحفظ سورة البقرة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا اتكالا على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم. ورد عن إسرائيل قوله: '' كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ سورة الحمد'' وأنا لا أظن أن هذه الحقائق لا تخفى على المشتغلين بالتراجم.

стр. 479

(انظر فقط كتاب معرفة علوم الحديث ص: ١٤٠ - ١٤٦، وص: ١٦٤ - ١٦٥، لتعرف أسلوبهم في حفظ الأحاديث وتركيزهم عليه في المذاكرة) بالله عليك أرني واحدا فقط من المعاصرين يحفظ الأحاديث مثل ما يحفظ النقاد، أو يحفظ أحاديث أحد الرواة المشهورين فقط، ويفهم ملابسات الرواية مثل ما يفهمون، ويعرفون الواقع في تلك الأحاديث مثل ما يعرفون. ومن يستطيع اليوم أن يقول: للزهري عن فلان من الأحاديث كذا؟ ولمالك عن نافع أحاديث كذا، ولشعبة عن قتادة عن أنس مما لم يسمعه ابن أبي عروبة أو هشام الدستوائي كذا، وفي باب كذا أحاديث كذا؟. إذن أقول لك هو مؤهل للاجتهاد في التصحيح والتضعيف. ونتذكر ما قاله الحافظ الذهبي: '' ... ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل لكن هم أكثر الناس صوابا وأندرهم خطأ وأشدهم إنصافا وأبعدهم عن التحامل وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به واعضض عليه بناجذيك ولا تتجاوزه فتندم ومن شذ منهم فلا عبرة به فخل عنك العناء وأعط القوس باريها فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر ولئن خطب خاطب من أهل البدع فإنما هو بسيف الاسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان''. وقال في تذكرة الحفاظ وهو ينصح طلبة الحديث: '' ... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكى نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل: فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد قال الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

стр. 480

فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وإلا فلا تتعنَّ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأى ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكُب الزغل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقد نصحتك فعلم الحديث صَلِف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب''. وقال في موضع آخر من تذكرة الحفاظ: ''فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بها أعداء الحديث والسنة، ويسخرون منهم''. وقال في سير أعلام النبلاء: ''وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من أحمد؟ وما ابن المديني؟ ولا يفقهون الرأي .. إلى أن قال: وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه. ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبأو فأعرض عنه، وذره في غيه، فعقباه إلى وبال. نسأل الله العفو والسلامة ''. وقال أيضا: فقد عم البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الدخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتب على الفقهاء وأهل الكلام. وأين من قال '' لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها .. ''؟ وأين الذي يردد في كل مناسبة يمر بها: ''كم ترك الأول للآخر ''؟ وفي الواقع أن كل ما نستطيع معرفته اليوم إنما هو عن طريق التخريج من الكتب المتوفرة لدينا. وإذا حفظ منها الأحاديث فإنما يحفظونها وهي خليطة بين ما ثبت وبين ما لم يثبت، بخلاف النقاد فإنهم يحفظونها من الأصول أو من خلال المذاكرة مع الحفاظ مميزا بين الصواب والخطأ. ولا يمكن معرفة مصدر الحديث وصاحبه الحقيقي حين قلبه الراوي وهما، إلا إذا استوعب أحاديث شيخه، والإسناد الذي يروى به ذلك الحديث.

стр. 481

انظر إلى العقيلي كيف صدر منه قوله فيما يخص حديث خالد بن عمرو: '' ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه لأن المشهور به خالد هذا '' ويقول الإمام أحمد: ''كل شيئ يرويه ابن فضيل عن عمارة إلا هذا الحديث يعني أنه رواه عن أبيه عن عمارة، وبقية الأحاديث يرويها ابن فضيل عن عمارة '' وقد قال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم. وعن عبد الرحمن بن مهدي: كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش فقلت: ليس هذا من حديثك. قال: بلى! قلت: لا. قال: يا سلامة، هات الدرج فأخرجت، فنظرت فيه فإذا ليس الحديث فيه. فقال: صدقت، يا أبا سعيد، فمن أين أتيت؟ قلت: ذوكرت به، وأنت شاب، فظننت أنك سمعته. وهذا يحي بن معين يقول: حضرت نعيم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابا صنفه فقال: حدثنا ابن المبارك عن عون، وذكر أحاديث، فقلت: ليس ذا عن ابن المبارك فغضب، وقال: ترد علي، قلت إي والله، أريد زينك، فأبى أن يرجع، فلما رأيته لا يرجع قلت: لا والله ما سمعت هذه من ابن المبارك، لا سمعها هو من ابن عون قط، فغضب وغضب من كان عنده، وقام فدخل، فأخرج صحائف، فجعل يقول _ وهي بيده _ أين الذي يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا زكريا غلطت، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك عن ابن عون. وكثيرا ما نسمع النقاد يقولون عند نقد الحديث ''إنما هو كذا وما رواه ليس بصحيح، وهو مقلوب''، وهذا لا يمكن القول به إلا إذا استوعب أحاديث الراوي بإحصاء دقيق، وإلا لا يستطيع الجزم بذلك التعقيب، بل تدور في رأسه شكوك وتساؤلات تعجزه عن الجزم بأن الأمر كذا.

стр. 482

أما نحن فإن كنا لا نفهم قول النقاد ولغتهم العلمية وأسلوب تعليلهم بالتفرد وبالمخالفة فكيف نعلم استقلالا بوجود العلة أو عدمها أو أن الثقة لم يهم ولم يخطئ في الحديث الذي نقله عمن فوقه، ونحن لا ندري ما الذي في الأصول التي يعتمدها النقاد. وفي الواقع نحن عالة على النقاد القدامى، وعن طريق المتأخرين وقفنا على نصوص هؤلاء النقاد وأعمالهم النقدية، وباحتكاكنا مع هذه النصوص وبقدر انسجامنا معها نستوعب هذا العلم العظيم ونفهم لغة المحدثين ونطبق قواعده كما طبقوها. ونحن إذ نقوم بتخريج الأحاديث ونحاول معرفة مدار رواياتها فإننا نعتمد في ذلك كله على المراجع المتوفرة اليوم، مطبوعة كانت أو مخطوطة، وكم فاتنا من المصادر التي دونها السابقون؟ وأين مسند الإمام يعقوب بن شيبة الذي لم يكمل منه إلا ٣٠ مجلدا؟ وأين مسند الإمام الماسرجسي الذي يبلغ ١٠٠٠ جزءا، وكيف نقف على المسانيد الأخرى التي فقدت؟ ونحن إذا قمنا بتخريج حديث بكل ما أوتينا من قوة ثم قمنا بمقارنة ذلك بما أورده الدارقطني في علله تبين لنا بشكل واضح مقدار عجزنا ومدى علمنا، وجزمنا بأننا عالة على الأئمة القدامى. ومع ذلك قد يستدرك الباحث على الناقد بما رواه لاحقه وهما، وهذه مصيبة أخرى، لكن مما يؤسفني أن بعضهم يبرر ذلك بقوله (كم ترك الأول للآخر)، ولله في خلقه شؤون. ولا بد أن نتذكر جيدا في هذه المناسبة قول الحاكم الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة. وبعد فإني أود أن أذكر القارئ بأني لم أقصد بهذه الدردشة السريعة الشيخ الألباني ﵀ ولا الطعن فيه، وإنما قصدي هو تصحيح الأخطاء حين تقع، وتوضيح المفاهيم حين تختلط، ومعالجة الظاهرة السيئة المتمثلة في التعصب على شخص في حساب جهابذة العلماء، وتبرير المخالفة معهم بحجة كم ترك الأول للآخر.

стр. 483

والشيخ الألباني من علمائنا الأفاضل الذين أسهموا في إحياء هذا العلم العظيم، ومن شيمه الرجوع إلى الحق إذا تبين وتصحيح خطئه إذا اتضح. ولا يمكن أن يطعن في رجل منصف يرجع إلى الصواب إن وقف على خطئه. ومن منا لا يخطئ؟، وقوع الخطأ ليس عيبا، وإنما العيب في الإصرار على الخطأ، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء. وهذا لا يمنعني أن أبين خطأه وتساهله إن وقع، وهذا يمثل حقيقة احترامه بل قمته، وبهذا دون أئمتنا تاريخهم المجيد طوال القرون الماضية، واحترم اللاحق السابق. وبهذا النقد واستدراك اللاحق على السابق يكتمل عمل الأمة وخدمتهم. (والله أعلم). ـ[قول بعض الناس ان الامام أحمد ﵁ يحتج بالحديث الضعيف في الاحكام هل هذا صحيح مع العلم ان نص منطوقه يخالف ذلك حين قال اذا روينا في الاحكام شددنا وكذلك تشبيك يديه حين قال اردنا رجالا - أي أثبات ثقات. ]ـ سبق لي أن أجبت عن هذا السؤال. احتجاجه بالحديث الضعيف الذي لم يتبين فيه الخطأ لن يكون مثل احتجاجه بالحديث الصحيح الذي تبين صوابه في رفعه، فالضعيف الذي لم يتبين الخطأ في رفعه إلى النبي ﷺ احتج به إن أراد، وتركه إن أراد، يعني ذلك أن الاحتجاج على سبيل الاحتياط فقط. وأما قوله (إذا روينا في الأحكام شددنا) فهو الأصل المعول عليه لدى الإمام أحمد وغيره. وهذا لا يمنع تعاملهم مع الأحاديث الضعيفة على أساس الاحتياط أو الاستئناس، لا سيما في الفضائل.

стр. 484

ـ[ما حقيقة الخلاف بينكم وبين الشيخ ربيع اهو في المنهج العقدي أم في المنهج الحديثي؟ ]ـ الخلاف بيني وبينه خلاف في فهم نصوص النقاد ومنهجهم في التصحيح والتضعيف، ولا أقول إنه خلاف علمي لأن الشيخ لا يتكلم منهجيا، وإنما على أساس تصوره الخاص الذي يختلف باختلاف المخاطب، كان يفهم كلام النقاد فهما سطحيا، ويتهم من يفهم خلاف فهمه باطنيا صوفيا يقدس الأشخاص، وقد نشأ هذا الخلاف وبلغ أشده حين ذكرته بأخطائه الفادحة في فهم نصوص النقاد ومنهجهم في التصحيح والتعليل، والغريب أن الرجل لا يعرفني، ولم يرني ولم يسمع صوتي، وأنا أيضا لم ألتق به ولم أسمع صوته حتى هذا اليوم، فإذا به أعلم الناس بي وأكثرهم اطلاعا على ما نفسي؟ والشيء الوحيد الذي أدى إلى إشعال غضبه في أعصابه هو تنبيهي بأخطائه الفادحة في رسالته الماجستير المطبوعة. وليس الخلاف بيني وبينه خلاف عقدي أيضا لأني لم أتطرق أثناء ذلك النقاش لشيء من ذلك، لكن الرجل سعى سعيه لتحقيق غرض في نفسه. (يغفر الله لي وله). ـ[من أول من ذكر اسم الحديث الحسن قبل الاصطلاح عليه؟ ]ـ مصطلح حسن استخدمه النقاد قديما، لكن يقال إن أول من وضع له تعريفا هو الإمام الخطابي، أما الإمام الترمذي فقد شرح أسلوبه في الكتاب، ولا ينبغي أن نعد ذلك تعريفا لمصطلح حسن، كما أنه تميز بكثرة استعماله في كتابه السنن. ـ[ما قولكم في من يقول إن الحافظ ابن حجر عنده أوهام كثيرة وكتابه تهذيب التهذب هو عبارة عن رأيه يقبل القبول والرد؟ وان ابن الصلاح ليس له اثر كبير في علم الحديث الا المقدمة؟ وجزاكم الله كل خير. ]ـ الحافظ ابن حجر محقق ومدقق، ومن أكثر الناس في عصره فهما لمنهج النقاد وعلماء الجرح والتعديل، وكان من عادته أن ينتقد المتأخرين في أخطائهم، ويدافع عن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف إذا خالفهم المتأخرون في ذلك، ولذلك أمثلة في كتابه فتح الباري؛ فقد انتقد ابن القطان الفاسي وغيره حين خالفوا النقاد في التصحيح والتضعيف أوالجرح والتعديل.

стр. 485

وعلى إمامته تدل كتبه التي آثرها لنفسه، وليس من الإنصاف أن نحشر جميع كتاباته في خانة واحدة من التحقيق والتدقيق والمستوى العلمي العام، بل هي متفاوتة المستويات كما أقر بذلك هو نفسه، وذلك لأن المؤلف من طبيعته أن يستفيد من التأليف الذي يمر على مراحل مختلفة من النضج الفكري واستقرار الرأي والاطلاع. ولا يقال إنه كثير الأوهام بمجرد وجود بعض التناقضات في بعض كتبه لا سيما أوائل كتبه، وكثير من الكتب في التراجم مختصرات لكتب السابقين، كتهذيب التهذيب مثلا فإنه مختصر لتهذيب الكمال، وما فيه من الأخطاء لا ينسب إلى الحافظ، وإنما ينسب إلى السابق، إلا فيما أضافه في التهذيب مميزا بقوله (قلت) كاستدراكاته على السابق. وكتاب التهذيب ليس رأيه، وإنما هو مختصر تهذيب الكمال، إلا القدر الذي أضافه فيه. وأما ابن الصلاح ﵀ فكتابه في علوم الحديث يكفي دلالة على قدرته في علم الحديث واستيعابه واطلاعه على كلام الأئمة، وفيه ما ينبغي كتابته بماء الذهب، وقد جمع في هذا الكتاب ما يتعلق بمنهج المحدثين من القواعد والضوابط، لكنها مفرقة ومشتتة في أماكن مختلفة من الكتاب، ولذا يحتاج إلى جمع وترتيب على الوحدة الموضوعية. وكفاك دليلا على مكانة هذا الإمام في علوم الحديث اهتمام اللاحقين بهذا الكتاب، وهو كما قال الحافظ ابن حجر. لكنه أحيانا يرجح رأي الفقهاء وعلماء الأصول بسبب تخصصه في الفقه والأصول. ومهما كان الأمر فكتابه في علوم الحديث يعد مصدرا مساعدا ينبغي عرضه على تطبيقات المحدثين النقاد، وذلك لأنه ناقل عن السابقين والله أعلم.

стр. 486

ـ[شيخنا الفاضل لماذا يشدد العلماء في الروايات الحديثية مع أنهم يتسامحون في رواية الضعفاء في أسانيد القراءات . ]ـ الموضوع يحتاج إلى شيء من التوضيح؛ قبول رواية الراوي فيما يخص القراءة وعدم قبولها في الحديث لا يعني بالضرورة أن ذلك تساهل أو تسامح في الأولى وتشدد في الثاني، فإن الراوي قد يكون كثير الاهتمام في جانب دون آخر ومنشغلا به. كما لا يلزم من كون الراوي ضعيفا في الحديث كونه ضعيفا كذلك في القراءات. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القراءات غير المتواترة يشترط في قبولها واعتمادها شروط أهمها أن لا يكون شاذا، بمعنى أن لا تخالف القراءة الرسم العثماني وقواعد اللغة. وبالتالي لا تختلف القراءات عن الحديث في هذا الجانب من التدقيق والتوثيق. وفي ضوء ذلك فإن التساهل في رواية الضعفاء في أسانيد القراءات أمر غير وارد في نظري. والله أعلم. ـ [إذا قلنا بتواتر القراءات السبع ألا يلزمنا تصحيح الأوجه التي رواها القراء وهي ضعيفة عند المحدثين كالتكبير بعد سور الضحى عند الإمام المزي. الكثير من ألفاظ القراءة تواترت عند القراء وليس لها أسانيد موثوقة عند المحدثين مثل (الحروف المنفصلة) طه ـ المر ـ وغيرها لم يرد فصلها على شرط المحدثين الا يأخذ التكبير حكمها لكونها جميعا لم تثبت إلا باسانيد القُراء. ]ـ معذرة أخي السائل، لم أفهم قصدك من عبارتك الأخيرة، وعلى كل حال فما تواتر عن النبي ﷺ من القراءات يختلف عما لم يتواتر، حيث لا يشترط في الأول ما يشترط في الثاني؛ مثل القراءة المستفيضة، وكذلك ما اشتهر في طبقة متأخرة من طبقات القراء، فإنه يحتاج إلى إسناد متصل إلى النبي ﷺ . كما هو الحال

стр. 487

في موضوع التكبير عند ختم القرآن، حيث اشتهر بين القراء في طبقة متأخرة عن القرون الفاضلة دون أن يكون لذاك إسناد متصل إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة. وكم من حديث اشتهر عند علماء اللغة أو الفقه أو الأصول وهو غير ثابت أصلا عن النبي ﷺ ، بل يعده المحدثون موضوعا. وشهرة الحديث عند قوم لا يلزم منها أن يكون صحيحا في الواقع، ومن الإنصاف الرجوع في كل علم إلى أهله. وإذا تأملت فيما قاله البزي عن التكبير علمت أن العمل به عند اختتام تلاوة القرآن غير ثابت عن النبي ﷺ ، وهو قوله: أن الأصل في ذلك أن النبي ﷺ انقطع عنه الوحي فقال المشركون: قلى محمدا ربه فنزلت سورة (والضحى) فقال النبي ﷺ : الله أكبر. وذلك لأن البزي قد أقر أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يكبر عند ختمه للقرآن الكريم من سورة (والضحى) إلى آخره، ولا عن الصحابة ولا عن تابعيهم، حين صرح بأن الأصل في التكبير الذي اشتهر بين القراء هو ما ورد في سبب نزول سورة (والضحى)، ولو ثبت العمل بالتكبير عنه ﷺ ما قال البزي أن الأصل هو ما ورد في سبب نزول سورة (والضحى). هذا وفي ثبوت الكلمة الأخيرة ـ وهي قوله (فقال النبي ﷺ : الله أكبر) ـ نظر لعدم اتفاق الرواة على ذكرها في رواياتهم عن جندب، وبعض هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري دون هذه الكلمة، وإنما انفرد بها البزي، ولذا أنكرها بعض المتقدمين عليه. والله أعلم.

стр. 488

ـ[ما قولكم في ما أثاره الشيخ المحدث الطريفي عن اختلاف التدليس عند المتقدمين عن المتأخرين . وتوثيقه لعدد من الروايات في هذا الباب وتشدده في قبول الشواهد! ]ـ في الواقع إنني لم أقرأ كتابه لكنني في شوق كبير إلى قراءته والاستفادة منه. وفي العموم أن هذه المسألة تعد من المسائل الكثيرة التي ينبغي طرحها للنقاش والتأمل لأنها تمثل نقطة تباين واضح بين المتقدمين والمتأخرين، وكذلك ما يتعلق بقبول الشواهد والمتابعات. ولعل ما نلمسه في كثير من الأبحاث المعاصرة من التساهل والتجاوز في قبول الشواهد والمتابعات قد حرك الشيخ إلى طرح هذه المسألة توضيحا لمنهج المحدثين النقاد والدفاع عنه. والله أعلم. ـ [هل صحيح أن السيرة النبوية لا يشترط فيها ما يشترط في الحديث النبوي ، وهل يمكن تطبيق منهج المحدثين على التاريخ الإسلامي؟ وما رأيكم فيمن ينكر بعض الأعلام في التاريخ الإسلامي أمثال القعقاع بن عمرو وغيره إستنادا إلى تطبيق منهج المحدثين على التاريخ على حد قوله؟ ]ـ جزاك الله خيرا، ووفقنا وإياكم لخدمة الكتاب والسنة بما يناسب مكانتهما خالصة لوجه الله سبحانه. إن المحدثين النقاد قدموا لنا منهجا علميا رائعا، ومتميزا بدقته البالغة في نقد المعلومات التي تقوم على نقل أو رواية، سواء كانت حديثية أو تاريخية أو غير ذلك. والمشكلة ليست في المنهج، وإنما المشكلة فينا: هي أن تصوراتنا حول علوم الحديث غير دقيقة، ولا يزال الناس يظنون أن الجرح والتعديل هو الأساس في نقد الحديث عند المحدثين، ولذلك استغربوا واستبعدوا تطبيق هذا المنهج في السيرة والتاريخ وغيرهما، لأنه قد يكون راويها مجهولا لا يعرفه المحدثون أو يكون متهما في رواية الحديث، أو متكلما فيه من الجانب الحديثي. ولذا يستبعدون تطبيق الجرح والتعديل في نقد التاريخ.

стр. 489

غير أن الصواب أن الجرح والتعديل نتيجة علمية تحصل النقاد عليها خلال نقدهم للأحاديث ومقارنتهم لما رواه الراوي مع ما ثبت واشتهر، وفي ضوء نتائج النقد رتبوا الرواة ترتيبا دقيقا، وبينوا أحوالهم بكل تفاصيلها حتى يتم لهم الرجوع إلى مراتبها عند الضرورة، والاعتماد عليها في التصحيح والتضعيف حين ينقطع البحث عن القرائن والملابسات، ويصبح الأمر مبهما. وعليه فمنهج المحدثين النقاد في نقد الأحاديث قائم أساسا على إجراء المقارنة بين الروايات، أو بين النصوص، وبالتالي نستطيع تطبيق هذا المنهج في التاريخ والسيرة وغيرهما من المجالات، بغض النظر عن أحوال الرواة فيما يخص رواية الحديث، لكن الباحث يحتاج إلى خلفية علمية واسعة تمكنه من التعرف على جميع المصادر التي لها صلة مباشرة بالموضوع التاريخي أو لها صلة غير مباشرة، كالكتب التي تشكل الجانب التطبيقي لمن سلف، ككتب الفقه وشروح الحديث والتفسير وغيرها، وبذلك يكون موفقا في المقارنة بين ما ورد في مواضع من التاريخ، أوبينه وبين بقية كتب التاريخ، أو بينه وبين مصادر أخرى التي تتمثل في جميع أصناف كتب العلوم الشرعية. والله اعلم. ـ[كيف تردون على من يتهم أهل الحديث بأنهم لا فقه عندهم ، وأنهم مثل الصيادلة نقلة للأخبار من دون فقه؟ ]ـ هذا صحيح بالنسبة إلى المحدثين الذين يتمثل دورهم في رواية الحديث وحفظه وضبطه، وهم الكثر. أما في حق النقاد فليس بصحيح؛ إذ جمعوا بين الحديث والفقه، وحتى النقد لا يكون متكامل الجوانب إلا إذا كان الناقد فقيها، لأنه قد يضطر إلى مقارنة الحديث مع الجانب العملي أو القولي الذي يتمثل في فتاوى الصحابة ومن بعدهم. وما في سنن الترمذي خير شاهد على ذلك.

стр. 490

ـ [هل ثبت اتهام حسان بن ثابت ﵁ بالخوف ؟ ]ـ جاء ذلك في كتب التاريخ، لكن لم يرد ذكره في كتب التاريخ تهمة في شخصيته، ونحن لا نتحدث عن الصحابة من هذه الزاوية، ومهما كان الأمر فإنه يكفي له شرفا مع صحبته أنه قد دافع بلسانه وشعره عن النبي ﷺ ، وهذا نوع من الجهاد، وكل يجاهد في سبيل الله ويدافع عن دينه ورسوله قدر المستطاع. ـ[ما هو تقويم فضيلتكم لبرامج الحاسب الآلي ؟ آمل التفصيل إن أمكن. ثم لي اقتراح حيث قرأت معظم أسئلة الإخوة الكرام فوجدت طائفة كبيرة منها حول التفرقة بين منهج المتقدمين والمتأخرين، فأقترح على فضيلتكم طرح موضوع أو كتاب خاص حول (الشبهات حول منهج المتقدمين والمتأخرين) تجيبون فيه على استفسارات الإخوة طلبة العلم، وهناك شبه عندي أيضا مع اقتناعي بأصل المسألة، ومنها أن الدعوة لتقليد المتقدمين شبيهة بالدعوة لعدم الخروج على المذاهب الأربعة في الفقه؟ ونحو ذلك. وجزاكم الله خيرا]ـ. أما برامج الحاسب الآلي ففائدتها معرفة مواطن النص الذي يكون محل بحث، لكن لا تصلح للاعتماد افي التوثيق لوجود تصحيف وتحريف وسقط فيها، ولهذا السبب لا يتم البحث في كثير من الأحيان، بل يضطر الباحث إلى تصفح الكتب يدويا. أما اقتراحك حول تأليف كتاب خاص بمعالجة الشبهات فأشكرك على هذا الاقتراح، وسأحاول إنجاز العمل إن شاء الله بالتعاون مع الإخوة.

стр. 491

وأما ما يخص قولك إن تقليد المتقدمين في التصحيح والتضعيف شبيه بعدم الخروج على المذاهب الأربعة فأقول إن الخروج على المذاهب الأربعة في ضوء الأحاديث الصحيحة التي ثبت العمل بها عند بعض السلف لا يلزم منه ترك إجماع المتقدمين، ولا ترجيح المتأخرين عليهم، فإن اتفاق المذاهب الأربعة على شيء لا يعني أبدا الإجماع، فقد يخالفهم بعض الأئمة المتقدمين، ويمكن أن يكون رأيه أقرب إلى الصواب في ضوء الأحاديث. وكل يجتهد ويستنبط حسب الإمكانية المتاحة له، وليس لأحد منهم استيعاب جميع السنن، وقد يفوت بعضهم ما يعرفه الآخر، وكلما يمضي الزمن يتوسع العالم بعلمه واستيعابه، فيستدرك اللاحق على السابق كلما تتوافر عنده آليات الاجتهاد. والسؤال المطروح في هذه المناسبة هو هل يستطيع أحد اليوم أن يفهم من النصوص المتعلقة بالعبادات والمعاملات والعقائد ما لم يفهمه أحد من المتقدمين في العصور الأولى التي صح فيها عن النبي ﷺ قوله (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... )؟ وهل يمكن استدراكه على كل من مضى؟ كلا ثم كلا. وهذا لا يعني بالضرورة إنكار إمكانية الاجتهاد في الأمور المستجدة فرادى أو جماعة، وهذا أمر آخر لا صلة له بالمسألة التي نحن بصددها.

стр. 492

نعم يمكن أن نخالف أحدا من الأئمة وحتى الأئمة الأربعة كما ورد في سؤالك، لكن يتم ذلك فقط بناء على رأي إمام آخر من المتقدمين، وبالتالي أصبح مرجحا لرأيه على رأي الأخرين لا مبدعا برأي جديد،. ثم إن المجتهد يجتهد في النصوص المتوفرة لديه، ويستنبط منها ما استطاع استنباطه، وقد يقف على ما وقف عليه غيره من الأحاديث، وإن كانوا يرون جميعا صحتها دون خلاف بينهم، لكنهم قد يختلفون في فهمها لأسباب كثيرة، ولهذا لم يحدث في التاريخ اتفاق الأئمة على خطأ ثم استدرك عليهم جميعا من جاء بعدهم. نعم حدث استدراك بعضهم على بعض، وأما الاستدراك على جميع المتقدمين بما أبدعه المتأخرون في مجال العبادات والمعاملات والعقائد فلم يحدث في التاريخ. وقد جاء في سير أعلام النبلاء: قال إسحاق بن راهوية إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة. واستدرك عليه الذهبي بقوله: بل السنة ما سنه النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده. والإجماع هو ما أجمعت عليه علماء الأمة قديما وحديثا إجماعا ظنيا أو سكوتيا فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم لقول باجتهاده احتمل له، فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفا للإجماع ولا للسنة، وإنما مراد إسحاق أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالبا، كما نقول اليوم لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها. ـ يعني في الغالب ـ.

стр. 493

وأما تصحيح الحديث وتضعيفه فيتوقف أيضا على الخلفية العلمية الحديثية الواسعة، وبقدر استيعاب الناقد المعلومات اللازمة والخلفيات الحديثية يستطيع الاستدراك على من أخطأ من السابقين، هذا فقط عندما كان العلم يتجه نحو التطور والصعود والتوسع، وأما عند الانحطاط والتقليد فلا يقال: نحن رجال وهم رجال. وكم ترك الأول للآخر؟. ولا ينبغي النظر إلى من سبق من جهة أنهم استدركوا وصححوا، بل لا بد أن ننظر أيضا كيف استدركوا وصححوا. ونحن إذ ندعو إلى احترام المتقدمين وتقديم منهجهم في تصحيح الحديث وتعليله فإننا لا نقصد بذلك تعيين عدد من النقاد في عصر من العصور، لا أربعة ولا خمسة، فافترق الأمر عما ورد في سؤالك، فإن الخلاصة عدم إمكانية تصحيح المتأخر ما اتفق المتقدمون على تضعيفه في مختلف العصور، إذ لا يمكن أن يعرف هذا المتأخر ما لم يعرفه أحد من المتقدمين، لا رواية ولا نقدا. وهذا العلم إنما يأتي عن طريقهم، ولا يمكن أن يخفى على جميع النقاد في عصور مختلفة، ثم يأتي بعدهم من هو أقل علما منهم وأقل فهما، وأضيق معرفة، ليستدرك عليهم جميعا. وأما ما تفرد بتضعيفه أحد من الأئمة المتقدمين ولم يوجد له خلاف عند غيره ثم صححه أحد من المتأخرين بقوله هذا إسناد صحيح فلا يكون الأمر فيه مثل الخروج على الأئمة الأربعة، بل يسلم الأمر للمتقدم في ضوء نصوص المتأخرين أنفسهم. هذا كله في عدم وجود المعارضة بين المتقدمين، وأما في حال وجود الخلاف بين المتقدمين فيتوقف الأمر على الترجيح الذي يقوم على معرفة منهجهم والاطلاع على أدلة كل منهم، وفي هذه الحالة فإنه لم يخرج على المتقدمين جميعا، وإنما يخرج على بعضهم بناء على رأي الآخر من المتقدمين. والله أعلم.

стр. 494

ـ[أشهد الله أني أحبك في الله، ولي سؤال: حديث: ابن آدم تفرغ لعبادتي املاء صدرك غنى . ]ـ جزاك الله خيرا، وأشهد أني أحب في الله طلبة العلم الجادين، وأرجو أن تكون منهم، وأجعل خدمتهم من أهم واجباتي في الحياة، وأعتبر مجالستهم العلمية من أنفس الأوقات التي أقضيها في الحياة، وأعوذ بالله أن يكون هذا الكلام تزكية لنفسي. حفظنا الله وإياكم من شرور النفس. وأما الإجابة عن سؤالك فأقول: هذا الحديث تفرد به عمران بن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة. يقول الدراقطني: اختلف على عمران، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة. وقد ورد في كتاب الزهد لهناد السري عن خيثمة قال في التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتي .. إلى آخره. (انظر كتاب الزهد ٢/ ٣٥٤، وحلية الأولياء ٤/ ١١٧). ولعل أصل هذا الحديث الموقوف من الإسرائيليات (والله أعلم). ـ [حديث من أصبح وهمه الآخرة جمع الله له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة (وإن كان ضعيفا فما علته). ]ـ نظرت فيما أخرجه أحد الإخوة من طرق هذا الحديث ولم أجد فيه ما يشكل علة، بل وجدت الحديث قد اشتهر عن شعبة، ولا أدري ما مدى صحته مرفوعا؟ إن تخريج الحديث ودراسته يحتاج إلى متسع من الوقت، وأنا الآن غير متفرغ ولذا اعتذر للأخ عن عدم الإجابة المتكاملة عن أمر هذا الحديث. ـ [حديث (يا ابن آدم سر في طاعتي يطيعك كل شئ لي عليك فريضة ولك على رزق ... ) الحديث مشهرو بين العامة والوعاظ. ]ـ لم أجد الحديث في حدود بحثي المستعجل، وتخريجه يحتاج إلى وقت أكثر.

стр. 495

ـ [ما هو حكم زيادة ومغفرته في رد السلام . ]ـ لم يثبت عن النبي ﷺ في حدود علمي، وقد جاء عن ابن عباس - كما في الموطأ - قوله (انتهى السلام إلى البركة)، وكذا ورد عن ابن عمر حسبك (إلى وبركاته)، انتهى إلى (وبركاته). ولا شك أن الخير هو أن نجعل النبي ﷺ قدوة في جميع مجالات الحياة، ولذا يكون من الأفضل أن ننظر كيف كان ﷺ يعلم الناس السلام، وكيف كان ﷺ يسلم على الصحابة ويرد عليهم حين سلموا عليه، وهو أعلم الناس بالقرآن وأكثرهم تطبيقا له. وقد جاء في القرآن الكريم: قوله تعالى (فحيوا بأحسن منها أو ردوها). وأما إذا سلم الرجل على أخيه وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهل يستحب الزيادة عليه بناء على قوله تعالى "فحيوا بأحسن منها أو ردوها"؟. هذا ابن دقيق العيد ينقل عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من هذه الآية الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ. (فتح الباري ١١/ ٦)، وعلى كل فما قاله ابن عباس هو أقرب إلى السنة فيما أرى، وهو أن السلام ينتهي إلى (وبركاته). ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه زاد على (وبركاته). وأما الروايات التي فيها ذكر الزيادة عن النبي ﷺ فلا تصح، وليست مما يتقوى بمجموعه ويصير حسنا، لا سيما تلك الروايات التي جاءت غريبة في مقابل المشهور عن النبي ﷺ . والله أعلم.
следующие страницы →