[باب ما جاء في الرقى والتمائم]
" باب ما جاء في الرقى والتمائم " وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري: ﵁ «أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ» (١) وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود (٢) (التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلّق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، وجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. و (الرقى) هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة. و (التولة) شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «إن من تعلق شيئا وكل إليه» رواه أحمد والترمذي (٣)
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 107
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله: ﷺ «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه» (١) وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة " (٢) رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن، ومن غير القرآن (٣) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أو لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 108
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﵊ عن حكم الرقى فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (١) وقد قال العلماء: الرقية تجوز بثلاثة شروط مجمع عليها:
الأول: أن تكون بالقرآن، أو بأسماء الله، أو بصفاته.
الثاني: أن تكون بالكلام العربي، أي: بلسان عربي، معلوم المعنى.
الثالث: أن لا يعتقد أنها تنفع بنفسها، بل بتقدير الله ، قال بعض العلماء: يدخل في الشرط الأول أيضا أن تكون بما ثبت في السنة، وعلى هذا: فيكون الشرط الأول: أن تكون من القرآن، أو السنة، أو بأسماء الله وبصفاته، فلا تكون الرقى جائزة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.
فإذا تخلف الشرط الأول أو الثاني: ففي جواز الرقية خلاف بين أهل العلم، والشرط الثالث: متفق عليه بينهم، وأما اشتراط كونها بأسماء الله وصفاته أو بالكتاب والسنة، أو أن تكون بلسان عربي مفهوم، فإن هذا مختلف فيه كما تقدم، وقال بعضهم: يسوغ أن تكون الرقية بما يعلم معناه، ويصح المعنى بلغة أخرى، ولا يشترط أن تكون بالعربية، ولا يشترط أن تكون من القرآن أو السنة، وهذه مسائل فيها خلاف وبحث، وأما من جهة تأثير غير القرآن على المرقي وما سبق من الخلاف: ففيه مسائل نرجئ تفصيل الكلام فيها إلى موضع آخر إن شاء الله.
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالمقصود: أن الرقى الجائزة بالإجماع هي ما اجتمعت فيها الشروط الثلاثة، وأما الرقى الشركية المحرمة فهي: التي فيها استعاذة، أو استغاثة بغير الله، أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال ﵊ فيها: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) كما سيأتي بيانه.
والتمائم: جمع تميمة - وقد ذكر تفسيرها مختصرا من قبل - وهي تجمع أنواعا كثيرة فالتمائم تجمع كل ما يعلّق، أو يتخذ مما يراد منه تتميم أمر الخير للعبد، أو دفع الضرر عنه ويعتقد فيه أنه سبب. ولم يجعل الله - جل وعلا - ذلك الشيء سببا لا شرعا، ولا قدرا.
فالتميمة - إذًا - شيء يتخذ من جلد، أو ورق، ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر، أو في التعضد، وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك، يعلق على الصدر، وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت، أو في السيارة، أو أي مكان ما، فالحاصل: أن التمائم يجمعها أنها: شيء يراد منه تتميم أمر الخير، وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا، ولا قدرا.
стр. 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالتميمة - إذًا - ليست خاصة بصورة معينة، بل تشمل أمورا كثيرة وتعم أصنافا عديدة، مثل ما نراه على كثير من أهل زماننا، من تعليقهم أشياء على صدورهم: مثل جلود صغيرة يجعلونها على رقابهم، أو تكون على العضد، أو يربطونها على بطونهم لرفع الأمراض الباطنية: كالإسهال، والقيء، ونحوهما.
ومنهم من يجعل في سيارته رأس دب، أو أرنب، أو غيرها من الأشكال، كحدوة الفرس، أو يعلق خرزات، ومسابح خشبية، ونحو ذلك على المرايا الأمامية للسيارة. ومنهم من يلبس سلسلة فيها شكل عين صغيرة، وبعضهم قد يعلّق على مدخل الباب رأس ذئب، أو غزال، أو يضع على مطرق الباب حدوة فرس، اعتقادا من أصحابها أنها تدفع العين، أو تجلب لهم النفع.
فكل هذه أنواع، وأصناف، وصور للتمائم، أحدثها الناس على اختلاف الأزمان.
لكن من الناس من يقول: إنما أعلق هذه الأشياء للزينة، ولا أستحضر هذه المعاني المحظورة، فهذا يقوله طائفة قليلة من الناس.
فنقول: إن علق التمائم لدفع الضر، واعتقد أنها سبب لذلك: فيكون قد أشرك الشرك الأصغر، وإن علقها للزينة فهو محرم؛ لأجل مشابهته من يشرك الشرك الأصغر، فدار الأمر - إذًا - على النهي عن التمائم كلها، سواء اعتقد فيها أو لم يعتقد؛ لأن حاله إن اعتقد أنها سبب: فهو شرك أصغر، وإن لم يعتقد فيكون قد شابه أولئك المشركين، وقد قال ﵊: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١) .
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله ﵀: (في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت» (١) .
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن تعليق القلادة من الوتر على البعير مأمور بقطعه. والأمر بقطعه؛ لأجل أن العرب تعتقد أنها تدفع العين عن الأبعرة، والنَّعَم، فيعلّقون عليها الأوتار على شكل قلائد، وربما ناطوا بالأوتار أشياء من خرز، أو من شعر، أو نحو ذلك لدفع العين، فهذا نوع من أنواع التمائم. فمناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، وهي: أن قوله: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» ظاهر في النهي عن التمائم، وأن هذا النوع يجب قطعه، وإنما يجب قطعه؟ لأن في تعليقه اعتقاد أنه يدفع الضر أو أنه يجلب النفع، وهذا الاعتقاد اعتقاد شركي.
قوله: (وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» ) ، فهذا الحديث تضمن تأكيدا؛ لأن دخول (إن) على الجملة الخبرية بعدها يفيد تأكيد ما تضمنته.
وقوله هنا: (الرقى) لما دخلت عليها (الألف واللام) أفادت العموم، فهذا الحديث أفاد بعمومه أن كل الرقى من الشرك، وأن كل التمائم من الشرك، وأن كل التولة من الشرك، فتكون هذه الأنواع كلها من الشرك.
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا العموم خص الدليل منه الرقى وحدها، وهو قوله: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (١) وبأن النبي ﷺ رقى ورقي ﵊، فدل الدليل - إذًا - على أن العموم هاهنا مخصوص، فليس كل أنواع الرقية شرك، بل بعض أنواع الرقية، وهي: التي اشتملت على شرك، فالعموم هنا مخصوص، وقد خرج منه ما لم يكن فيه شرك وقد جاء الحديث بلفظ: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (٢) وفي لفظ آخر قال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك» (٣) أما التمائم فلم يخص الدليل بالجواز منها نوعا دون نوع، فتكون التمائم بكل أنواعها شركا لعدم ورود ما يخصص بعضها؛ إذ لم يستثن الشارع منها شيئا، والأصل بقاء العام على عمومه، والتخصيص يكون بالشرع، ولم يرد هنا، فيبقى على الأصل.
قوله: " والتولة ": التولة كما فسرها الشيخ ﵀: شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى زوجه، وهو نوع من السحر، ويسمى عند العامة الصرف والعطف، فهو نوع من السحر يصنع فيجلب شيئا، ويدفع شيئا - بحسب اعتقادهم - وهي في الحقيقة نوع من أنواع التمائم لأنها تصنع ويكون الساحر هو الذي يرقي فيها الرقية الشركية، فيجعل المرأة تحب زوجها، أو يجعل الرجل يحب زوجته، وهذا نوع من أنواع السحر، والسحر شرك بالله - جل وعلا - وكفر عام في كل أنواع التولة، فهي شرك كلها.
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئا وُكِلَ إليه» (١) (شيئا) - هنا - نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فكل من علّق شيئا وُكِلَ إليه فمن أخرج صورة من صور التعليق عن هذا العموم كانت الحجة عليه؛ لأن هذا الدليل عام، ويفيد أن من تعلق أي شيء من الأشياء فإنه يُوكل إليه، والعبد إنما يكون عزه، ويكون فلاحه، ونجاحه، وحسن قصده، وحسن عمله في تعلقه بالله وحده، فيتعلق بالله وحده في أعماله، وفي أقواله، وفي مستقبله، وفي دفع المضار عنه، فيكون أنس قلبه بالله، وسروره بالله، وتعلقه بالله، وتفويض أمره إلى الله، وتوكله على الله جل وعلا فمن كان كذلك وتوكل على الله، وطرد الخلق من قلبه: فإنه لو كادته السماوات والأرض لجعل الله - جل وعلا - له من بينها مخرجا؛ لأنه توكل وفوض أمره على العظيم ﷻ وتقدست أسماؤه -، فقال هنا: «من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه» فإذا تعلق العبد تميمة وكل إليها، فما ظنك بمن وكل إلى خرقه، أو إلى خرز، أو إلى حدوة حصان، أو إلى شكل حيوان، ونحو ذلك، لا شك أن خسارته أعظم الخسارة.
ووجه الاستدلال هنا في قوله: «من تعلق شيئا» أنه ذكر نتيجة التعلق وهو أنه يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق شيئا وكل إليه، وإذا وكل إليه فمعنى ذلك أنه خسر في ذلك الخسران المبين.
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والشيخ ﵀ لم يصدِّر الباب بحكم، فيكون الاستدلال على حكمها مستفاد من هذه الأحاديث.
قوله: (التمائم شيء يعلّق على الأولاد يتقون به العين) : (شيء) هنا شاملة لأي شيء يعلّق دون صفة معينة، وخص بعض العلماء التمائم بما كان متخذا من الخرز، وبعضهم خصة بما كان مصنوعا من الجلد ونحوه، وهذا ليس بجيد، بل التمائم اسم يعم كل ما يعلق لدفع العين واتقاء الضرر، أو لجلب خير نفسي.
ثم قال: (لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف) يعني: إذا كان المعلّق من القرآن بمعنى أنه جعل في منزله مصحفا؛ ليدفع العين، أو علّق على صدره شيئا كسورة الإخلاص، أو آية الكرسي، ليدفع العين، أو ليدفع الضرر عنه، فهذا من حيث التعليق يسمى تميمة، فهل هذه التميمة جائزة أو غير جائزة؟ قال الشيخ ﵀: إن التمائم إذا كانت من القرآن فقد اختلف فيها السلف، فجوزها، ورخّص فيها بعض السلف، ويعني ببعض السلف: بعض كبار الصحابة، ومال إلى هذا القول بعض أهل العلم الكبار، وبعضهم لم يرخّص فيها كابن مسعود ﵁، وكأصحاب ابن مسعود الكبار، منهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وعبيدة، والربيع بن خثيم، والأسود، وأصحاب ابن مسعود جميعا، فالحاصل: أن السلف اختلفوا في ذلك، ومن المعلوم أن القاعدة: أن السلف إذا اختلفوا في مسألة وجب الرجوع فيها إلى الدليل، والدليل قد دل على أن كل أنواع التمائم منهي عنها، كما جاء في قوله ﵊: «من تعلّق
стр. 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
شيئا وُكِلَ إليه» ، وقوله: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» فمن تعلّق القرآن أو شيئا منه كان داخلا في النهي، لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فلا يكون مشركا؛ لأنه علق شيئا من صفات الله - جل وعلا - وهو كلام الله - جل وعلا - فلا يكون قد أشرك مخلوقا؛ لأن الشرك معناه: أن تشرك مخلوقا مع الله - جل وعلا - والقرآن ليس بمخلوق؛ بل هو كلام الله الباري - جل وعلا - منه بدأ، وإليه يعود، فإذا أخرجت التميمة المتخذة من القرآن عن كونها شركا من عموم قوله: «إن التمائم شرك» فلأجل كون القرآن كلام الله، ليس بمخلوق. لكن هل هي منهي عنها، أو غير منهي عنها؟؟ الجواب: أن قوله ﵊: «من تعلق شيئا وكل إليه» ، ونهيه عن التمائم بأنواعها، دليل على أن تخصيص القرآن بالإذن من بين التمائم، ومن بين ما يعلق: يحتاج إلى دليل خاص؛ لأن إبقاء العموم على عمومه هو إبقاء لدلالة ما أراد الشارع الدلالة عليه بالألفاظ اللغوية، والتخصيص نوع من أنواع التشريع، فلا بد فيه من دليل واضح؛ لهذا صارت الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخّص فيه كابن مسعود، وكغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك هو قول عامة أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المحققون من أصحابه، وعليها المذهب عند المتأخرين.
بقي أن نقول: إن تجويز اتخاذ التمائم من القرآن يترتب عليه مفاسد منها:
١ - أنه يفضي إلى الاشتباه فقد نرى من عليه التميمة، فيشتبه علينا الأمر، هل هذه تميمة شركية، أو من القرآن؟ وإذا ورد هذا الاحتمال فإن المنكر على الشركيات يضعف عن الإنكار؛ لأنه سيقول: يحتمل أن تكون من القرآن،
стр. 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإجازة تعليق التمائم من القرآن فيه إبقاء للتمائم الشركية؛ لأن التمائم تكون مخفية غالبا، وإما في جلد، أو في نوع من القماش ونحو ذلك، فإذا رأينا من علق تميمة: وقلنا يحتمل أن تكون من القرآن، أو غيره، فإذا استفصلت منه، وقلت له: هل هذه تميمة شركية أو من القرآن؟ فمعلوم أن صاحب المنكر سيجيب: بأنها من القرآن حتى ينجو من الإنكار؛ لأنه يريد أن يسلم له تعليقها، فمن المفاسد العظيمة أن في: إقرار التمائم من القرآن إبقاء للتمائم الشركية، وفي النهي عنها سد لذريعة الإشراك بالتمائم الشركية، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا.
٢ - أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن تعلقت قلوبهم بها، فلا تكون عندهم مجرد أسباب، بل يعتقدون أن فيها خاصية بنفسها بجلب النفع، أو دفع الضر، ولا شك أن هذا فتحا لباب الاعتقادات الفاسدة على الناس يجب وصده ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع.
٣ - ومن المفاسد المتحققة أيضا أنه إذا علق شيئا من القرآن، فإنه يعرضه للامتهان، فقد ينام عليه، أو يدخل به مواضع قذرة، أو يكون معه في حالات لا يليق أن يكون معه فيها شيء من القرآن فهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه.
فتحصل - بالدليل وبالتعليل -: أن تعليق التمائم بكل أنواعها: لا يجوز، فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز، ويجب إنكاره، وما كان منها من غير القرآن، فهذا نقول فيه: إنه من الشرك بالله؛ لقول النبي ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) والتخصيص نوع من العلم فيجب أن يكون فيه دليل خاص.
стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بقي في تتمة الباب: ما رواه أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه» (١) هذا الحديث وارد في " باب ما جاء في الرقى والتمائم " وفيه ذكر تقلّد الوتر وأن محمدا ﵊ بريء ممن تقلد وترا، وقد تقدم في أول الباب حديث أبي بشير أن النبي ﷺ أرسل رسولا: «أن لا يبقين في عنق بعير قلادة من وتر، أو قال قلادة إلا قطعت» ، وهذا الحديث في معناه.
وقوله: في هذا الحديث: «تقلد وترا» فيه تقييد بالوتر، وهذا له مفهوم، وهو أن النهي ليس راجعا إلى القلادة من حيث هي بل إلى القلادة التي يُعتقد فيها أنها تدفع العين، وخص الوتر منها هنا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يقلدون الأوتار، وينوطون بها بعض الخرق، أو بعض الشعر، أو بعض العظام، لكي تدفع العين عن الأبعرة، وأما مجرد التقليد فإن النبي ﷺ أشعر هديه وأيضا فتلت له القلائد، وعلق القلائد لبيان أن ما أرسله إلى مكة هدي.
فالتقليد هنا خُص بالوتر؛ فيقال: القلادة التي تجعل على الحيوان أو على غيره إذا كانت مما يُعتقد فيها، أو يختص بها أهل الاعتقادات: فإنه يُنهى عنها ولهذا قيدها في حديث أبي بشير الأول بقوله: «لا يبقين في رقبة بعير
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قلادة من وتر» (١) و (مِن) ها هنا بيانية، وكذلك هنا قال: «أو تقلد وترا» وهذا واضح المعنى في أنه جعل الوتر الذي قُلد تميمة.
وقوله في هذا الحديث: «فإن محمدا بريء منه» : هذا من الألفاظ التي تدل على أن هذا الفعل من الكبائر؛ لأن مما يستدل به على كون الفعل، أو القول، من الكبائر: أن يقال عن مرتكبه: الله ورسوله منه بريئان، أو يتبرأ النبي ﷺ منه؛ لأن ذلك يدل على عظم المعصية، وأن الشرك الأصغر من الكبائر كما أن الشرك الأكبر من الكبائر، والكبائر العملية - التي ليس معها اعتقاد - كالزنا والسرقة، وشرب الخمر: هي من حيث جنس المحرم والكبيرة أقل مرتبة من الشرك الأصغر فضلا عن الشرك الأكبر؛ ولهذا نقول: إن جنس الشرك الأصغر كاتخاذ التمائم، أو نحو ذلك هذا جنسه أعظم من حيث الذنب والكبيرة من جنس الكبائر العملية التي لا يصحب فاعلها حين فِعلها اعتقاد، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك. قوله: (وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ") (٢) يعني كان كتحرير رقبة، وهذا فيه فضيلة قطع التمائم وذلك لأنها شرك بالله - جل وعلا -، والشرك الأصغر مدخل للنار، وفاعله متوعد بالنار؛ كما في قوله - جل وعلا - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء: ٤٨، ١١٦] ونحو قوله ﷺ : «من مات وهو يدعو من دون الله ندا
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دخل النار» وفي نحو قوله أيضا: «من مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار» فمن قطع تميمة من عنق من علقها: فهو في مقام إعتاق رقبة ذاك الذي قطعت منه التميمة من النار؛ لأنه استوجب بذلك الفعل الوعيد بالنار، فإذا قطع التميمة كان جزاؤه من جنس فعله، فكما أنه أعتق رقبة هذا المسلم من النار أثيب بأن له مثل إعتاق رقبة أي: في الأجر.
وهذا القول من سعيد بن جبير محمول على أنه مما سمعه من الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي، وإذا كان كذلك فله حكم المرسل؛ لأن فيه فضيلة خاصة جعلها سعيد بن جبير لمن قطع تميمة من رقبة إنسان، فيكون ذلك من قبيل المرسل، يعني: من قبيل المرفوع، وسعيد بن جبير تابعي من أصحاب ابن عباس فيكون مرسلا.
وفي حجية المرسل كلام: فالإمام أحمد، ومالك، يحتجون بالمرسل، وكذلك الإمام أبو حنيفة يحتج بالمرسل، ومنهم من يجعل له شروطا كالشافعي، ومنهم من يحتج بالمرسل إذا كان المعنى معروفا في الباب كما هاهنا.
وقال بعض أهل العلم: قول التابعي في الأشياء التي لا تدرك الاجتهاد، ولا يناط بها الرأي يكون محمولا على أنه قول صحابي، يعني: أنه سمعه من الصحابي، فيكون اجتهاد صحابي، وهذا ليس بقوي؛ لأنه إذا كان محمولا على أنه سمعه من الصحابي، فنقول أيضا: الصحابي لا يقوله من جهة الرأي، فلا بد أن يكون - إذًا - سمعه من الرسول ﷺ ؛ لأن مثل هذا لا مدخل فيه للاجتهاد، والقول الأول هو المعروف، وهو أن هذه الصيغة من قبيل المرسل.
стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " وله ": يعني لوكيع.
" عن إبراهيم ": وهو النخعي، تلميذ ابن مسعود وإبراهيم النخعي عالم أهل الكوفة بعد ابن مسعود.
قوله: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن ": قوله: (كانوا) يعني: أصحاب ابن مسعود، كالأسود، وعلقمة، وكالربيع بن خثيم وكعبيدة السلماني، ونحو هؤلاء.
" باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما " يعني: ما حكم هذا الفعل؟
الجواب: هو مشرك يعني: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فهو مشرك. وقوله: " من تبرك ": التبرك تفعُّل من البركة، وهو طلب البركة.
والبركة مأخوذة من حيث الاشتقاق من مادة (بروك) ، أو من كلمة (بركة) ، أما اشتقاقها من البروك: فبروك البعير يدل على ملازمته وثبوته في ذلك المكان، وأما اشتقاقها من البركة: فالبركة هي: مجتمع الماء، وهي تدل على كثرة الماء في هذا الموضع، وعلى لزومه له، وعلى ثبوته فيه.
فيكون معنى البركة - إذًا -: كثرة الشيء الذي فيه الخير، وثباته، ولزومه، فالتبرك هو: طلب الخير الكثير، وطلب ثباته، وطلب لزومه، فتبرّك، يعني: طلب البركة.
والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله - جل وعلا - وأن الله - جل وعلا - هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، قال سبحانه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] [الفرقان: ١] يعني: عَظُمَ خير من نزّل الفرقان على عبده، وكثر، ودام، وثبت. وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] [الملك: ١] .
стр. 122
[باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما]
" باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما " وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى - إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] [النجم: ١٩ - ٢٣] عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : " الله أكبر!! إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه (١) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 123
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم؛ بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر، إنها السنن لتتبعن سَنَن من كان قبلكم» فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير - وهو المقصود -: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]
التاسعة: أن نفي هذا من معنى " لا إله إلا الله " مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم «ونحن حدثاء عهد بكفر» فيه: أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: «إنها السنن» .
الثامنة عشرة: أن هذا عَلَم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر فصار فيه التنبيه على مسائل القبر؛ أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ "
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 124
فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما " ما دينك؟ " فمن قولهم (اجعل لنا) إلى آخره.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة، كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يُؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقال سبحانه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] [الصافات: ١١٣] وقال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١] [مريم: ٣١] فالذي يبارك هو الله - جل وعلا -، فلا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت على الشيء، أو أبارك فعلكم؛ لأن البركة وكثرة الخير ولزومه، وثباته، إنما ذلك من الذي بيده الأمر، وهو الله .
وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على أن الأشياء التي أحل الله - جل وعلا - البركة فيها قد تكون أمكنة أو أزمنة؛ وقد تكون مخلوقات آدمية، فهذان قسمان:
القسم الأول: أن الله - تعالى - بارك بعض الأماكن كبيت الله الحرام، وحول بيت المقدس، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] [الإسراء: ١] ومعنى كون الأرض مباركة: أن يكون فيها الخير الكثير اللازم يعني - أبدا - أن يُتَمَسَّح بأرضها، أو أن يُتَمَسَّح بحيطانها، لأن بركتها لازمة لا تنتقل بالذات، يعني: أنك إذا لامست الأرض، أو دفنت فيها، أو تبركت بها، فإن بركتها لا تنتقل إليك بالذات، وإنما بركتها من جهة المعنى فقط.
كذلك بيت الله الحرام هو مبارك لا من جهة ذاته، يعني: ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة وإنما هو مبارك من جهة المعنى، يعني: اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في هذه البنية، من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد عندها، وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
العبادة، يعني أن من استلمه تعبدا مطيعا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنه يناله به بركة الاتباع. وقد قال عمر ﵁ لما قبّل الحجر: " إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر " (١) فقوله: لا تنفع ولا تضر، يعني لا يجلب لمن قبله شيئا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء، تعبدا لله، ولذلك قال: ". . ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة.
وأما معنى كون الزمان مباركا - مثل شهر رمضان، أو بعض أيام الله الفاضلة - فيعني: أن من تعبد فيها، ورام الخير فيها، فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة.
والقسم الثاني: البركة المنوطة ببني آدم، وهي البركة التي جعلها الله - جل وعلا - في المؤمنين من الناس، وعلى رأسهم: سادة المؤمنين: من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله - جل وعلا - هو الذي جعل جسد آدم مباركا وجعل جسد إبراهيم ﵇ مباركا، وجعل جسد نوح مباركا، وهكذا جسد عيسى، وموسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام جعل أجسادهم جميعا مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو التبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز؛ لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد بن عبد الله ﷺ جسده أيضا جسد مبارك؛ ولهذا ورد في
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
السنة أن الصحابة كانوا يتبركون بعرقه، ويتبركون بشعره، (١) وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه، (٢) إلى آخر ما ورد في ذلك؛ ذلك أن أجساد الأنبياء فيها بركة ذاتية ينتقل أثرها إلى غيرهم، وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل، أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل مَن بركتهم بركة ذاتية، حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر، فقد جاء بالتواتر القطعي: أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما كانوا يتبركون بشعر النبي ﷺ ، أو بوضوئه، أو بنخامته، أو بعرقه أو بملابسه، ونحو ذلك، فعلمنا بهذا التواتر القطعي أن بركة أبي بكر وعمر إنما هي بركة عمل، ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي ﷺ ؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم» (٣) فدل هذا: على أن في كل مسلم بركة، وفي البخاري أيضا قول أسيد بن حضير: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر» . (٤) فهذه البركة التي أضيفت لكل مسلم وأضيفت لآل أبي بكر، هي: بركة عمل، هذه البركة راجعة إلى الإيمان، وإلى العلم، والدعوة، والعمل.
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فكل مسلم فيه بركة، وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل، وبركة ما معه من الإسلام والإيمان، وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جل وعلا - والإجلال له، والاتباع لرسوله ﷺ ، فهذه البركة التي في العلم، أو العمل، أو الصلاح: لا تنتقل من شخص إلى آخر وعليه فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يُتبرك بهم بمعنى أن يُتمسح بهم، أو يُتبرك بريقهم؛ لأن أفضل الخلق من هذه الأمة وهم الصحابة لم يفعلوا ذلك مع خير هذه الأمة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهذا أمر مقطوع به.
فمعنى تبرك المشركين: أنهم كانوا يرجون كثرة الخير، ودوام الخير، ولزوم الخير وثبات الخير، بالتوجه إلى الآلهة، وهذه الآلهة يكون منها: الصنم الذي من الحجارة، والقبر من التراب، ويكون منها الوثن والشجر، ويكون منها البقاع المختلفة، كالغار أو عين ماء، أو نحو ذلك، فهذه التبركات المختلفة جميعها تبركات شركية؛ ولهذا قال الشيخ ﵀: " باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما " والشجر: جمع شجرة، والحجر معروف، ذلك أن المشركين كانوا يتبركون بالأشجار والأحجار، حتى في أول الدعوة في هذه البلاد كانت الأشجار والأحجار التي يتبرك بها كثيرة.
قوله: " ونحوهما ": يعني: نحو الشجر والحجر، مثل: البقاع المختلفة، أو غار معين، أو قبر، أو عين ماء، أو نحو ذلك من الأشياء التي يعتقد فيها أهل الجهالة.
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فما حكم فاعل ذلك؟ الجواب: أنه مشرك، كما صرح به الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه " فتح المجيد " لباب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما حيث قال الله: (أي: فهو مشرك) .
لم يفصح الشرَّاح في هذا الموضع عن نوع شرك المتبرك بالشجر والحجر هل هو شرك أكبر، أو شرك أصغر؟ وإنما أدار الشيخ سليمان ﵀ المعنى في " التيسير " بعد أن ساق تفسير آية النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] [النجم: ١٩] على الاحتمالين، فقال في آخره: مناسبة الآية للترجمة: أنه إن كان التبرك شركا أكبر فظاهر، وإن كان شركا أصغر: فالسلف يستدلون بالآيات التي نزلت في الأكبر على الأصغر.
وتحقيق المقام: أن التبرك بالشجر، أو بالحجر أو بالقبر، أو ببقاع مختلفة، قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر.
فيكون شركا أكبر: إذا طلب بركتها، معتقدا أنه بتمسحه بهذا الشجر، أو الحجر أو القبر، أو تمرغه عليه، أو التصاقه به: يتوسط له عند الله. فإذا اعتقد فيه أنه وسيلة إلى الله فهذا: اتخاذ إله مع الله - جل وعلا - وشرك أكبر، وهذا هو الذي كان يعتقده أهل الجاهلية في الأشجار والأحجار التي يعبدونها، وفي القبور التي يتبركون بها؛ يعتقدون أنهم إذا عكفوا عندها، وتمسحوا بها، أو نثروا ترابها على رؤوسهم، فإن هذه البقعة، أو صاحب هذه البقعة، أو الروحانية وهي: الروح التي تخدم هذه البقعة: أنه يتوسط له عند الله - جل وعلا - فهذا الفعل - إذًا - راجع إلى اتخاذ أنداد مع الله - جل وعلا -، وقد
стр. 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر ٣] .
ويكون التبرك شركا أصغر: إذا كان يتخذ هذا التبرك بنثر التراب عليه، أو إلصاق الجسم به، أو التبرك بعين ونحوها، أسبابا لحصول البركة بدون اعتقاد أنها توصل وتقرب إلى الله، يعني: أنه جعلها أسبابا فقط، كما يفعل لابس التميمة، أو الحلقة، أو الخيط؛ فكذلك هذا المتبرك، يجعل تلك الأشياء أسبابا فإذا أخذ - من هذه حاله - تراب القبر، ونثره عليه لاعتقاده أن هذا التراب مبارك، وإذا لامس جسمه فإن جسمه يتبارك به أي: من جهة السببية: فهذا شرك أصغر؛ لأنه لا يكون عبادة لغير الله - جل وعلا - وإنما اعتقد ما ليس سببا مأذونا به شرعا: سببا.
وأما إذا تمسح بها كما هي الحال الأولى وتمرغ والتصق بها، لتوصله إلى الله - جل وعلا -، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ ولهذا قال الشيخ سليمان كما تقدم: إن كان التبرك شركا أكبر: فظاهر في الاستدلال بالآية وإن كان شركا أصغر: فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر على ما يريدون من الاستدلال، في مسائل الشرك الأصغر.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] [النجم: ١٩ - ٢٠] سبق بيان أن همزة الاستفهام، إذا أتى بعدها فاء: فإنه يكون بينها وبين الفاء جملة دل عليها السياق، فمن أول سورة النجم إلى هذا الموضع يدل على المحذوف.
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: (اللات) : هي صخرة بيضاء منقوشة عليها، بيت بالطائف، وما هدمت إلا بعد أن أسلمت ثقيف، أرسل إليها النبي ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها، وكسرها، وحرقها بالنار، وكان عليها بيت ولها سدنة وخدم، (١) فالمقصود: أن اللات صخرة وصفت بأنها بيضاء.
وفي قراءة ابن عباس وغيره من السلف: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ) بتشديد التاء. فعلى هذه القراءة: يكون (اللاتّ) هذا رجلا كان يلت السويق للحاج، وفي رواية: على صخرة فعظموا تلك الصخرة، وفي رواية أخرى عن السلف: أنه كان يلت لهم السويق فلما مات عكفوا على قبره، (٢) فتحصل من هذا: أن اللات صخرة، فإذا قرأت: (اللاتّ) بتشديد التاء: فيكون قبرا، أو صخرة، كان يتعبد عندها، ويتصدق ذاك الذي كان يلت السويق.
والعزى: شجرة كانت بين مكة والطائف، وهي في الأصل شجرة ثم بني بناء على ثلاث سمرات، وكانت امرأة كاهنة هي التي تخدم ذلك الموضع، فلما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إليها خالد بن الوليد، فقطع الشجرات الثلاث - السمرات الثلاث - وقتل من قتل فلما رجع وأخبر النبي ﷺ ، قال له: «ارجع فإنك لم تصنع شيئا» ، فرجع فرآه السدنة، ففروا إلى الجبل، ثم رأى امرأة ناشرة شعرها عريانة، وهي الكاهنة التي كانت تخدم ذلك الموضع
стр. 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشركي، وتحضر الجن لإضلال الناس بذلك، فعلاها خالد بالسيف حتى قتلها، فرجع للنبي ﷺ فقال: «تلك العزى» (١) المقصود: أن العزى اسم لشجرة كانت في ذلك الموضع، وكان تعلق الناس في الحقيقة بتلك الشجرة، وبالمرأة التي كانت تخدم ذلك الشرك، فلو قطعت الأشجار وبقيت المرأة، فإن المرأة ستغري الناس مرة أخرى بما ستذكره لهم، أو ما تحكيه لهم، أو ما تجيب به مطالبهم عن طريق الجن، فلا يكون الشرك قد انقطع؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «تلك العزى» يعني: أن حقيقة العزى هي تلك المرأة التي تغري الناس بذلك الشرك، وإلا فهي شجرة.
وقوله، ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] والأخرى: يعني: الوضيعة الحقيرة، وكانت مناة هذه أيضا صخرة، وسميت مناة؛ لكثرة ما يمنى عليها من الدماء تعظيما لها (٢) ووجه مناسبة الآية للترجمة: أن ما كان يفعله المشركون عند هذه الثلاث، هو عين ما يفعله المشركون في الأزمنة المتأخرة عند الأحجار، والأشجار، والغيران، والقبور ومن قرأ شيئا مما يصنعه المشركون علم غربة الإسلام في هذه البلاد قبل هذه الدعوة، وأن الناس كانوا على شرك عظيم. وإذا تأملت أحوال ما حولك من البلاد التي ينتشر فيها الشرك وجدت من اتخاذ الأشجار
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والأحجار آلهة والتبرك بها الشيء الكثير، وأعظم من ذلك اتخاذ القبور آلهة يتوجه إليها، ويتعبد عندها.
ثم ساق ﵀ في الباب حديث أبي واقد الليثي، وهذا الحديث حديث صحيح، عظيم وفيه: أن المشركين كانت لهم سدرة لهم فيها اعتقاد.
واعتقادهم فيها كان يشمل ثلاثة أشياء:
الأول: أنهم يعظمونها.
الثاني: أنهم يعكفون عندها.
الثالث: أنهم كانوا ينوطون بها الأسلحة رجاء انتقال البركة من الشجرة إلى السلاح، حتى يكون أمضى، وحتى يكون خيره لحامله أكثر.
وفعلهم هذا شرك أكبر؛ لأنهم عظموها وعكفوا عندها، والعكوف عبادة؛ وهو: ملازمة الشيء على وجه التعظيم والقربة؛ ولأنهم طلبوا منها البركة، فصار شركهم شركا أكبر لأجل هذه الثلاث مجتمعة.
وبعض الصحابة رضوان الله عليهم ممن كانوا حديثي عهد بكفر وهم الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، ظنوا أن هذا لا يدخل في الشرك، وأن كلمة التوحيد لا تهدم بهذا الفعل؛ لهذا قال العلماء: قد يغيب عن بعض الفضلاء بعض مسائل الشرك؛ لأن الصحابة وهم أعرف الناس باللغة كهؤلاء الذين كان إسلامهم بعد الفتح: خفيت عليهم بعض أفراد توحيد العبادة.
فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر!! إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم
стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
آلهة» : فشبَّه ﵊ هذه المقالة بتلك المقالة، ومعلوم أن أولئك - وهم المذكورون في الآية - عبدوا غير الله، أي: عبدوا الأصنام، وأما أولئك فإنما طلبوا بالقول فقط، فشبّه النبي ﵊ ذلك القول بقول قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لكن أولئك الصحابة لم يفعلوا ما طلبوا، ولما نهاهم النبي ﷺ انتهوا، ولو فعلوا ما طلبوا لكان شركا أكبر، لكن لما قالوا وطلبوا دون فعل: صار قولهم شركا أصغر؛ لأنه كان فيه نوع تعلق بغير الله - جل وعلا -.
وهم لا يعلمون أن هذا الذي طلبوه غير جائز، وإلا فلا يُظن بهم أنهم يخالفون أمر النبي ﷺ ويرغبون في معصيته. وأما شركهم فكان في مقالهم، وأما الفعل: فلم يفعلوا شيئا من الشرك، وهذا الذي قالوه، قال العلماء: وهو شرك أصغر، وليس بشرك أكبر؛ ولهذا لم يأمرهم النبي ﷺ بتجديد إسلامهم، ويدل على ذلك قوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى» فشبّه المقالة بالمقالة، وقد قرر الشيخ ﵀ أنهم لم يكفروا، وقال في المسائل: (إن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا) .
فالظاهر من هذا الحديث: أن الشرك الأكبر الذي كان وقع فيه المشركون لم يكن راجعا إلى التبرك بذات الأنواط فقط، بتعظيمها، والعكوف عندها، والتبرك بتعليق الأشياء عليها، وقد قلت لك: إن التبرك بالشجر، والحجر، ونحو ذلك، إذا كان فيه اعتقاد أن هذا الشيء يقرب إلى الله، وأنه يرفع الحاجة إليه، أو أن تكون حاجاتهم أرجى إجابة وأمورهم أحسن، إذا تبركوا بهذا
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الموضع، فهذا: شرك أكبر، وهذا هو الذي كان يصنعه أهل الجاهلية؛ ولهذا، فإن فعلهم يشمل ثلاثة أشياء - كما سبق -:
١ - التعظيم، أي تعظيم العبادة، وهذا لا يجوز إلا لله، فتعظيمهم بهذه الصورة، واعتقاد أنهم يتوسطون لهم: هو نوع من عبادتهم، وشرك جلي.
٢ - أنهم عكفوا عندها ولازموها، والعكوف والملازمة نوع عبادة، فإذا عكف ولازم تقربا، ورجاء، ورغبة، ورهبة، ومحبة، فهذا نوع من العبادة.
٣ - التبرك.
وإذًا فيكون الشرك الأكبر: ما ضم هذه الثلاثة. وإذا تأملت ما يصنعه عباد القبور والخرافيون في الأزمنة المتأخرة وفي زماننا هذا: وجدت أنهم يصنعون مثل ما كان المشركون الأولون يصنعون عند اللات، وعند العزى، وعند ذات أنواط، ويعتقدون في القبر، بل يعتقدون في الحديد الذي يُسيَّج به القبر، فترى الناس في البلاد التي يفشو فيها الشرك يعتقدون في الحائط الذي على القبر، أو في الشباك الحديدي الذي يحيط بالقبر، فإذا تمسحوا به فكأنهم تمسحوا بالمقبور، واتصلت روحهم به، واعتقدوا أنه سيتوسط لهم؛ لأنهم عظموه، فهذا شرك أكبر بالله - جل وعلا -؛ لأن فعلهم هذا: راجع إلى تعلق القلب في جلب النفع، وفي دفع الضر بغير الله - جل وعلا - وجعْله وسيلة إلى الله - جل وعلا - كفعل الأولين الذين قال الله فيهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]
وأما الحال الأخرى التي نبهتك في أول المقام عليها، فكمن يجعل بعض التمسحات أسبابا: مثل ما ترى من بعض الجهلة ممن يأتي إلى الحرم، ويتمسح
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بأبواب الحرم الخارجية، أو ببعض الجدران، أو ببعض الأعمدة، فهذا إن ظن أن ثَمَّ روحا في هذا العمود، أو أن هناك أحدا مدفونا بالقرب منه، أو ثَمَّ من يخدم هذا العمود من الأرواح الطيبة كما يقولون: فتمسح لأجل أن يصل إلى الله - جل وعلا - بذلك الفعل: فهذا شرك أكبر.
وأما إذا تمسح واعتقد أن هذا مكان مبارك، وأن هذا سبب قد يشفيه فنقول إذا: إذا كان يتمسح بجعله سببا فهذا يكون شركه شركا أصغر، وإذا كان تعلق قلبه بهذا المتمسح به أو المتبرك به، وعظمه، ولازمه، واعتقد أن ثمت روحا هنا، أو أنه يتوسل به إلى الله فإن هذا شرك أكبر.
قول الشيخ ﵀ " باب ما جاء في الذبح لغير الله ". الذبح معروف، وهو: إراقة الدم.
وقوله: " لغير الله " يعني: متقربا به إلى غير الله، أي: ذبح لأجل غير الله، والذبح فيه شيئان مهمان، وهما نكتة هذا الباب، وعقدته:
الأول: الذبح باسم الله، أو الذبح بالإهلال باسم ما.
الثاني: أن يذبح متقربا لما يريد أن يتقرب إليه، فإذًا: ثَمَّ التسمية، وثَمَّ القصد، وهما شيئان، أما التسمية، فظاهر: أن ما ذُكر عليه اسم الله فإنه جائز كما قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] [الأنعام: ١١٨] وأن ما لم يذكر اسم الله عليه، فهذا مما أهل لغير الله به كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] [البقرة: ١٧٣] وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] [المائدة: ٣] .
فالتسمية على الذبيحة من جهة المعنى: استعانة، فإذا سمى الله: فإنه استعان في هذا الذبح بالله - جل وعلا -؛ لأن الباء في قولك: باسم الله، يعني أذبح متبركا، ومستعينا بكل اسم لله - جل وعلا -، أو بالله - جل وعلا - الذي له الأسماء الحسنى، فجهة التسمية إذًا جهة استعانة.
стр. 137
[باب ما جاء في الذبح لغير الله من الوعيد وأنه شرك بالله جل وعلا]
" باب ما جاء في الذبح لغير الله من الوعيد وأنه شرك بالله - جل وعلا - " وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وعن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم (١) . وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب " قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرّب، قالوا له: قرّب ولو ذبابا، فقرّب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله فضربوا عنقه فدخل الجنة» رواه أحمد (٢) .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 138
فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]
الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تعلن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر!
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل: " دخل النار في ذباب ".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» .
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما القصد: فهذه جهة عبودية ومقاصد، فمن ذبح باسم الله لله كانت الاستعانة بالله والقصد من الذبح أنه لوجه الله تقربا لله - جل وعلا -، فصارت الأحوال عندنا أربعة:
١ - أن يذبح باسم الله لله، فهذا هو التوحيد.
٢ - أن يذبح باسم الله لغير الله، وهذا شرك في العبادة.
٣ - أن يذبح باسم غير الله لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة أيضا.
٤ - أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله، فهذا شرك في الربوبية.
فإذًا الأحوال عندنا أربعة:
إما أن يكون هناك تسمية بالله مع القصد لله - جل وعلا - وحده، وهذا هو التوحيد، وهو العبادة، فالواجب أن يذبح لله: قصدا تقربا، وأن يسمي الله - جل وعلا - على الذبيحة، فإن لم يسم الله - جل وعلا - وترك التسمية عمدا فإن الذبيحة لا تحل، وإن لم يقصد بالذبيحة التقرب إلى الله - جل وعلا - ولا التقرب لغيره، وإنما ذبحها لأجل أضياف عنده أو لأجل أن يأكلها، يعني: ذبحها لقصد اللحم، ولم يقصد بها التقرب: فهذا جائز، وهو من المأذون فيه؛ لأن الذبح لا يُشترط فيه أن ينوي الذابح التقرب بالذبيحة إلى الله - جل وعلا -.
فالحاصل من الحالة الأولى: أن ذكر اسم الله على الذبيحة واجب، وأن يكون قصد الذابح بها: التقرب إلى الله - إن كان قد نوى بها تقربا - وهذا مثل ما يذبح من الأضاحي، أو يذبح من الهدي ذلك مما يذبحه المرء تعظيما لله - جل وعلا - مما أمر به شرعا، فهذا الذي تذبحه لله: تقصد التقرب به إليه
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- سبحانه -، فهذا من العبادات العظيمة التي يحبها الله - جل وعلا - وهي عبادة النحر والذبح.
لكن قد يذبح المرء باسم الله، ولكن يقول: أريدها للأضياف، أو أريدها للحم ويعني للأكل، ولم أتقرب بها لغير الله، وأيضا لم أتقرب بها لله، فنقول: هذه الحالة جائزة؛ لأنه سمى وقال باسم الله، ولم يذبح لغير الله، فليس داخلا في الوعيد، ولا في النهي، بل ذلك من المأذون فيه.
الحالة الثانية: أن يذبح باسم الله، ويقصد بذلك التقرب لغير الله، فيقول مثلا: باسم الله، وينحر الدم، وهو ينوي بإزهاق النفس، وبإراقة الدم التقرب لهذا العظيم المدفون، أو لهذا النبي، أو لهذا الصالح، فهذا وإن ذكر اسم الله فإن الشرك حاصل من جهة أنه أراق الدم تعظيما للمدفون، وتعظيما لغير الله، ويدخل في ذلك أيضا: أن يذكر اسم الله على الذبيحة، أو على المنحور، ويكون قصده بالذبح أن يتقرب به للسلطان، أو للملك، أو لأمير ما، كما يحدث عند بعض البادية، وكذلك بعض الحضر إذا أرادوا أن يعظموا ملكا قادما، أو أميرا، أو سلطانا، أو شيخ قبيلة، فإنهم يستقبلونه بالجمال، أو بالبقر، أو بالشياه، ويذبحونها في وجهه، فيسيل الدم عند إقباله، فهذا الذبح وإن سمى الله عليه، فإن الذبيحة قصد بها غير الله - جل وعلا - ولذا أفتى العلماء بتحريمها؛ لأن إراقة دم لغير الله - جل وعلا - فلا يجوز أكلها ومن باب أولى قبل ذلك لا يجوز تعظيم أولئك بمثل هذا التعظيم؛ لأن إراقة الدم إنما يعظم به الله - جل وعلا - وحده؛ لأنه سبحانه هو الذي يستحق العبادة والتعظيم بهذه الأشياء وحده، فهو الذي أجرى الدماء في العروق .
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحالة الثالثة: أن يذكر غير اسم الله على الذبيحة، وأن يقصد بها غير الله - جل وعلا - فيقول مثلا: باسم المسيح، ويحرك يده، ويقصد بها التقرب للمسيح، فهذا الذبح جمع شركا في الاستعانة، وشركا في العبادة، ومثله: الذين يذبحون باسم البدوي، أو باسم الحسين، أو باسم السيدة زينب، أو باسم العيدروس، أو باسم الميرغياني، أو غيرهم من الذين توجه إليهم بعض الخلق بالعبادة، فيذبح باسمهم ويقصد بذبحه هذا المخلوق؛ وينوي حين ذبح أن يريق الدم تقربا لهذا المخلوق. فهذا الشرك جاء من جهتين:
الجهة الأولى: جهة الاستعانة.
والجهة الثانية: جهة العبودية والتعظيم، وإراقة الدم لغير الله - جل وعلا -.
والحالة الرابعة: أن يذبح باسم غير الله ويجعل ذلك لله - جل وعلا - وهذا نادر الوقوع وربما يحصل، كمن يذبحون لمعظميهم: كالبدوي، أو العيدروس، أو الشيخ عبد القادر، أو غيرهم. فينوون بذلك الذبح التقرب إلى الله - جل وعلا -، وهذا في الحقيقة راجع إلى الشرك في الاستعانة، والشرك في العبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مَعرِض كلام له في هذه المسائل قال: " ومعلوم أن الشرك بالله - جل وعلا - والصورة المتقدمة في الحالة الثانية وهي: أن يذبح لسلطان ونحوه، فبعض العلماء لم يطلق القول عليها: بأنها شرك وإنما قال: تحرم؛ لأجل أنه قد لا يقصد بذلك تعظيم المذبوح له كتعظيم الله - جل وعلا -، فالمقصود: أن قصد غير الله بالذبح شرك في العبودية، وذكر غير اسم الله على الذبيحة شرك في الاستعانة؛ ولهذا قال
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] [الأنعام: ١٢١] يعني: إن أطعتموهم في الشرك فإنكم مشركون، كما أنهم مشركون.
وأنبه هنا على مسألة مهمة: وهي أن الكلام في مسائل التوحيد تقريرا واستدلالا، وبيان وجه الاستدلال: من الأمور الدقيقة، والتعبير عنها يحتاج إلى دقة من جهة المعبر، وأيضا من جهة المتلقي، أقول هذا؛ لأن بعض الناس قد استشكلوا بعض العبارات ومدار الاستشكال: أنهم لم يدققوا، ولم يقيدوا ما يقال، فهم إما أن يحذفوا قيدا، أو يحذفوا كلمة، أو يأخذوا المعنى الذي دل عليه الكلام، ويعبروا عنه بطريقتهم، وهذا غير مناسب، لهذا ينبغي أن يكون المتلقي لهذا العلم دقيقا فيما يسمع؛ لأن كل مسألة لها ضوابطها، ولها قيودها، وأيضا: فإن بعض المسائل يكون الكلام عليها تارة مجملا، ويكون المتلقي قد سمع أحد أحوال المسألة، وهي تحتمل تفصيلا، لكن كان الكلام في مقام الإجمال: غير الكلام في مقام التفصيل.
قال الإمام: محمد بن عبد الوهاب ﵀: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] هذه الآية تدل على أن عبادة الصلاة،
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعبادة النسك - وهو الذبح - هما لله - جل وعلا - وحده. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ و (إِنَّ) من المؤكدات، ومجيء التأكيد في الجمل الخبرية يفيد: أن من خوطب بذلك مُنكِر لهذا الأمر، أو مُنَزَّل مَنْزِلَةَ المُنكِر له، ولهذا يكون الاستدلال بهذه الآية على التوحيد من جهة أنها خوطب بها من ينكر أن الصلاة لله وحده استحقاقا، وأن الذبح لله وحده استحقاقا - هم المشركون - فدل على أن هذه الآية في التوحيد وأن الذبح يجب أن يكون لله - جل وعلا - وأن الذبح لغيره مخالف لما يستحقه الرب - جل وعلا -.
والنسك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] هو: الذبح أو النحر، يعني: التقرب بالدم، والتقرب بالدم لله - جل وعلا -: عبادة عظيمة؛ لأن الذبائح، أو المنحورات من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الضأن، مما تعظم في نفوس أهلها، ونحرها تقربا إلى الله - جل وعلا - والصدقة بها عبادة عظيمة، فيها إراقة الدم لله، وفيها تعلق القلب بحسن الثواب من الله - جل وعلا -، وفيها حسن الظن بالله ﵎، وفيها التخلص من الشح، والرغب فيما عند الله سبحانه، بإزهاق نفس عزيزة عند أهلها؛ ولهذا كان النحر، والذبح عبادة من العبادات العظيمة التي يحبها الله - جل وعلا -.
وقد دلت هذه الآية على أن النحر والصلاة عبادتان؛ لأنه جعل النسيكة لله، والله - جل وعلا - له من أعمال خلقه العبادات فدل قوله (وَنُسُكِي) على أن النسك عبادة من العبادات، وأنه مُستحَق لله - جل وعلا -.
واللام - هنا - في قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] متعلّقة بمحذوف خبر (إن) في قوله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] وهي تفيد الاستحقاق، واللام في اللغة
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تأتي لمعان، واستعمالات؛ فتأتي للملك، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] يعني: يملكونها. وتأتي للاختصاص - وهو شبه الملك - وتأتي للاستحقاق، كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: أن جميع أنواع المحامد مستحقة لله - جل وعلا -.
واللام في قوله سبحانه ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢] مع أنها واحدة، لكن يكون معناها برجوعها للأول غير معناها برجوعها للمحيا والممات، فإن الله - جل وعلا - قال في هذه الآية من آخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢] والمحيا والممات يعني: الإحياء والإماتة، وهذه بيد الله - جل وعلا - وملك له، فهو الذي يملكها سبحانه؛ لأنها من أفراد ربوبيته - جل وعلا - على خلقه، فهذه الآية بما اشتملت عليه من هذه الألفاظ الأربع دلت على توحيد الإلهية، وعلى توحيد الربوبية فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] يدل على توحيد العبادة، وقوله ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] يدل على توحيد الربوبية، واللام في قوله: لِلَّهِ إذا أرجعتها للأوليين وهما: الصلاة، والنسك، كان معناها: الاستحقاق، وإذا أرجعتها للأخير كان معناها الملك ولهذا يقول أهل التفسير هنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لله استحقاقا، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لله ملكا، وتدبيرا، وتصرفا.
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] فيه وجه استدلال ثالث على التوحيد، حيث قال: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣] يعني: فيما مر، أي لا شريك له في الصلاة، والنسك؛ فلا يتوجه بالصلاة والنسك إلى أحد مع الله - جل وعلا - أو من دونه، وكذلك لا شريك له في ملكه للمحيا والممات، بل هو المتفرد سبحانه بأنواع الجلال، وأنواع الكمال، وهو المستحق للعبادة، وهو ذو الملكوت الأعظم.
قال: وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] فأمر بالصلاة، وأمر بالنحر، وإذا أمر به فهو داخل في حد العبادة؛ لأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فأمره - جل وعلا - بالصلاة دليل على أنها محبوبة لديه، وأمره سبحانه بالنحر دليل على أنه محبوب له، ومرضي، فتكون الصلاة والنحر إذًا عبادة لله - جل وعلا -.
وعلى التعريف الآخر: إن العبادة: هي كل ما يتقرب به العبد إلى الله - جل وعلا - ممتثلا به الأمر والنهي. ويكون النحر عبادة أيضا؛ لأنه يُعمل تقربا إلى الله - جل وعلا - بامتثال الأمر الوارد فيه.
قال سبحانه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] [الكوثر: ١] والكوثر هو: الخير العظيم، ومنه النهر الذي في الجنة. والفاء في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] هي فاء السببية، والمعنى: أنه بسبب ذلك: اشكر الله - جل وعلا - بتوحيده، بأن صَلِّ لربك الذي أعطاك الخير الكثير، وتقرب إليه بالنحر،