. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحالة الثالثة: أن يذكر غير اسم الله على الذبيحة، وأن يقصد بها غير الله - جل وعلا - فيقول مثلا: باسم المسيح، ويحرك يده، ويقصد بها التقرب للمسيح، فهذا الذبح جمع شركا في الاستعانة، وشركا في العبادة، ومثله: الذين يذبحون باسم البدوي، أو باسم الحسين، أو باسم السيدة زينب، أو باسم العيدروس، أو باسم الميرغياني، أو غيرهم من الذين توجه إليهم بعض الخلق بالعبادة، فيذبح باسمهم ويقصد بذبحه هذا المخلوق؛ وينوي حين ذبح أن يريق الدم تقربا لهذا المخلوق. فهذا الشرك جاء من جهتين:
الجهة الأولى: جهة الاستعانة.
والجهة الثانية: جهة العبودية والتعظيم، وإراقة الدم لغير الله - جل وعلا -.
والحالة الرابعة: أن يذبح باسم غير الله ويجعل ذلك لله - جل وعلا - وهذا نادر الوقوع وربما يحصل، كمن يذبحون لمعظميهم: كالبدوي، أو العيدروس، أو الشيخ عبد القادر، أو غيرهم. فينوون بذلك الذبح التقرب إلى الله - جل وعلا -، وهذا في الحقيقة راجع إلى الشرك في الاستعانة، والشرك في العبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مَعرِض كلام له في هذه المسائل قال: " ومعلوم أن الشرك بالله - جل وعلا - والصورة المتقدمة في الحالة الثانية وهي: أن يذبح لسلطان ونحوه، فبعض العلماء لم يطلق القول عليها: بأنها شرك وإنما قال: تحرم؛ لأجل أنه قد لا يقصد بذلك تعظيم المذبوح له كتعظيم الله - جل وعلا -، فالمقصود: أن قصد غير الله بالذبح شرك في العبودية، وذكر غير اسم الله على الذبيحة شرك في الاستعانة؛ ولهذا قال
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] [الأنعام: ١٢١] يعني: إن أطعتموهم في الشرك فإنكم مشركون، كما أنهم مشركون.
وأنبه هنا على مسألة مهمة: وهي أن الكلام في مسائل التوحيد تقريرا واستدلالا، وبيان وجه الاستدلال: من الأمور الدقيقة، والتعبير عنها يحتاج إلى دقة من جهة المعبر، وأيضا من جهة المتلقي، أقول هذا؛ لأن بعض الناس قد استشكلوا بعض العبارات ومدار الاستشكال: أنهم لم يدققوا، ولم يقيدوا ما يقال، فهم إما أن يحذفوا قيدا، أو يحذفوا كلمة، أو يأخذوا المعنى الذي دل عليه الكلام، ويعبروا عنه بطريقتهم، وهذا غير مناسب، لهذا ينبغي أن يكون المتلقي لهذا العلم دقيقا فيما يسمع؛ لأن كل مسألة لها ضوابطها، ولها قيودها، وأيضا: فإن بعض المسائل يكون الكلام عليها تارة مجملا، ويكون المتلقي قد سمع أحد أحوال المسألة، وهي تحتمل تفصيلا، لكن كان الكلام في مقام الإجمال: غير الكلام في مقام التفصيل.
قال الإمام: محمد بن عبد الوهاب ﵀: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] هذه الآية تدل على أن عبادة الصلاة،
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعبادة النسك - وهو الذبح - هما لله - جل وعلا - وحده. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ و (إِنَّ) من المؤكدات، ومجيء التأكيد في الجمل الخبرية يفيد: أن من خوطب بذلك مُنكِر لهذا الأمر، أو مُنَزَّل مَنْزِلَةَ المُنكِر له، ولهذا يكون الاستدلال بهذه الآية على التوحيد من جهة أنها خوطب بها من ينكر أن الصلاة لله وحده استحقاقا، وأن الذبح لله وحده استحقاقا - هم المشركون - فدل على أن هذه الآية في التوحيد وأن الذبح يجب أن يكون لله - جل وعلا - وأن الذبح لغيره مخالف لما يستحقه الرب - جل وعلا -.
والنسك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] هو: الذبح أو النحر، يعني: التقرب بالدم، والتقرب بالدم لله - جل وعلا -: عبادة عظيمة؛ لأن الذبائح، أو المنحورات من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الضأن، مما تعظم في نفوس أهلها، ونحرها تقربا إلى الله - جل وعلا - والصدقة بها عبادة عظيمة، فيها إراقة الدم لله، وفيها تعلق القلب بحسن الثواب من الله - جل وعلا -، وفيها حسن الظن بالله ﵎، وفيها التخلص من الشح، والرغب فيما عند الله سبحانه، بإزهاق نفس عزيزة عند أهلها؛ ولهذا كان النحر، والذبح عبادة من العبادات العظيمة التي يحبها الله - جل وعلا -.
وقد دلت هذه الآية على أن النحر والصلاة عبادتان؛ لأنه جعل النسيكة لله، والله - جل وعلا - له من أعمال خلقه العبادات فدل قوله (وَنُسُكِي) على أن النسك عبادة من العبادات، وأنه مُستحَق لله - جل وعلا -.
واللام - هنا - في قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] متعلّقة بمحذوف خبر (إن) في قوله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] وهي تفيد الاستحقاق، واللام في اللغة
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تأتي لمعان، واستعمالات؛ فتأتي للملك، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] يعني: يملكونها. وتأتي للاختصاص - وهو شبه الملك - وتأتي للاستحقاق، كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: أن جميع أنواع المحامد مستحقة لله - جل وعلا -.
واللام في قوله سبحانه ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢] مع أنها واحدة، لكن يكون معناها برجوعها للأول غير معناها برجوعها للمحيا والممات، فإن الله - جل وعلا - قال في هذه الآية من آخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢] والمحيا والممات يعني: الإحياء والإماتة، وهذه بيد الله - جل وعلا - وملك له، فهو الذي يملكها سبحانه؛ لأنها من أفراد ربوبيته - جل وعلا - على خلقه، فهذه الآية بما اشتملت عليه من هذه الألفاظ الأربع دلت على توحيد الإلهية، وعلى توحيد الربوبية فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] يدل على توحيد العبادة، وقوله ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] يدل على توحيد الربوبية، واللام في قوله: لِلَّهِ إذا أرجعتها للأوليين وهما: الصلاة، والنسك، كان معناها: الاستحقاق، وإذا أرجعتها للأخير كان معناها الملك ولهذا يقول أهل التفسير هنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لله استحقاقا، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لله ملكا، وتدبيرا، وتصرفا.
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] فيه وجه استدلال ثالث على التوحيد، حيث قال: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣] يعني: فيما مر، أي لا شريك له في الصلاة، والنسك؛ فلا يتوجه بالصلاة والنسك إلى أحد مع الله - جل وعلا - أو من دونه، وكذلك لا شريك له في ملكه للمحيا والممات، بل هو المتفرد سبحانه بأنواع الجلال، وأنواع الكمال، وهو المستحق للعبادة، وهو ذو الملكوت الأعظم.
قال: وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] فأمر بالصلاة، وأمر بالنحر، وإذا أمر به فهو داخل في حد العبادة؛ لأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فأمره - جل وعلا - بالصلاة دليل على أنها محبوبة لديه، وأمره سبحانه بالنحر دليل على أنه محبوب له، ومرضي، فتكون الصلاة والنحر إذًا عبادة لله - جل وعلا -.
وعلى التعريف الآخر: إن العبادة: هي كل ما يتقرب به العبد إلى الله - جل وعلا - ممتثلا به الأمر والنهي. ويكون النحر عبادة أيضا؛ لأنه يُعمل تقربا إلى الله - جل وعلا - بامتثال الأمر الوارد فيه.
قال سبحانه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] [الكوثر: ١] والكوثر هو: الخير العظيم، ومنه النهر الذي في الجنة. والفاء في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] هي فاء السببية، والمعنى: أنه بسبب ذلك: اشكر الله - جل وعلا - بتوحيده، بأن صَلِّ لربك الذي أعطاك الخير الكثير، وتقرب إليه بالنحر،
стр. 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وبنَسْك النسائك له سبحانه؛ لأن الخير الذي حصل لك إنما أسداه - جل وعلا - وحده.
إذن: فوجه الدلالة من هذه الآية على الباب: أن النحر عبادة، وقد قال - جل وعلا - ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] يعني: وانحر لربك، فأصبح النحر والذبح لغير الله خارجا عما أمر الله فمن نحر أو ذبح لغير الله: فقد صرف العبادة لغيره - جل وعلا -.
قال ﵀: وعن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا لعن الله من غيّر منار الأرض» رواه مسلم.
الشاهد من هذا قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» ، وهذا وعيد يدل على أن الذابح لغير الله ملعون، واللعن هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله - جل وعلا - فإذا كان الله هو الذي لعن فيكون قد طرد وأبعد هذا الملعون من رحمته الخاصة. وأما رحمته العامة فهي تشمل المسلم والكافر، وجميع أصناف الخلق. وإن كان قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» دعاء عليه باللعن؛ فكأن النبي ﵊ قال ذلك؛ داعيا على من ذبح لغير الله - جل وعلا - باللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله - جل وعلا -، وهذا يدل على أن الذبح لغير الله من الكبائر ومن المعلوم أن اقتران ذنب من الذنوب باللعن يدل على أنه من كبائر الذنوب، وهذا ظاهر من جهة: أن الذبح لغير الله شرك بالله - جل وعلا - يستحق صاحبه اللعنة والطرد والإبعاد من رحمته - جل وعلا -.
стр. 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
واللام في قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» معناها: أن من فعل ذلك من أجل غير الله تقربا إليه وتعظيما، فذبح لغير الله تقربا إلى ذلك الغير، وتعظيما له فهو مستحق للعن، وهذا وجه مناسبة هذا الحديث لـ " باب ما جاء في الذبح لغير الله " يعني: من الوعيد وأنه شرك وصاحبه ملعون.
الحديث الآخر وجه الدلالة منه: أن التقريب للصنم بالذبح كان سببا لدخول النار وذلك أن ظاهر المعنى يدل أن من فعله كان مسلما، وأنه دخل النار بسبب ما فعل، وهذا يدل على أن الذبح لغير الله شرك أكبر؛ لأن ظاهر قوله: «دخل النار» يعني: استوجبها مع من يخلد فيها.
وفيه وجه آخر للدلالة: وهو أنه إذا كان تقريب هذا الذي لا قيمة له - وهو الذباب - سببا في دخول النار، فإنه يدل على أن من قرب ما هو أبلغ، وأعظم منفعة عند أهله وأغلى، أنه سبب أعظم لدخول النار.
وقولهم هنا: " قرِّب ": يعني اذبح تقربا، والملاحَظ هنا في هذا الحديث، أنه لم يدل على أنهم أكرهوه على هذا الفعل؛ لأنه قال «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا» . . فظاهر قوله: «لا يجوزه أحد» يعني أنهم لا يأذنون لأحد بمجاوزته عن ذلك الطريق حتى يقرب، وهذا ليس إكراها؛ إذ يمكن أن يقول: سأرجع من حيث أتيت ولا يجوز ذلك الموضع ويتخلص من أذاهم، فهذا يدل على أن الإكراه بالفعل لم يحصل من أولئك فلا يدخل هذا في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] [النحل: ١٠٦] لأنه ليس في
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحديث دلالة - كما هو ظاهر - على حصول الإكراه، وإنما قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا» . . فما صفة عدم السماح بعدم المجاوزة، هل هي أنه لا يجوزه حتى يقتل أو يقرب؟ أو يجوزه حتى يقرب أو يرجع؟ استظهر بعض العلماء من قتلهم لأحد الرجلين أن المعنى لا يجوزه حتى يقرب، أو يقتل، وأن هذا عُلم بالسياق فصار ذلك نوع إكراه؛ فلهذا استشكلوا كون هذا الحديث دالا على أن من فعل هذا الفعل يدخل النار مع أنه مكره.
والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا الحديث على هذا القول وما فيه من عدم إعذار المكرَه ولو بالقتل كان في شرع مَن قبلنا. وأما رفع الإكراه، أو جواز قول كلمة الكفر، أو عمل الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان فهذا خاص بهذه الأمة، هذا ما أجاب به بعض أهل العلم.
وعلى القول الأول الذي قدمناه وهو أن السياق ليس فيه ما يُعين أنهم هددوه بالقتل فيكون الحديث مجملا، فكيف يُحمل الحديث على شيء مجمل لم يعين.
وقوله: «فضربوا عنقه» ليس فيه إشكال، ولا يَرِدُ على ما قلناه؛ لأنهم ربما قتلوا الذي لم يقرب شيئا، لأنه أهان صنمهم بقوله: «ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله » لهذا استشكل هذا الحديث طائفة من أهل العلم كما سبق وهو بحمد الله ليس بمشكل؛ لأنه إما أن يحمل على أنه فيمن كان قبلنا فلا وجه إذًا لدخول الإكراه، أو يحمل على أنهم لم يكرهوه حين أراد المجاوزة ولكن قتلوه لأجل قوله: «لم أكن لأقرب لأحد شيئا دون الله » .
стр. 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إذن فهذا الباب وهو قوله: " باب ما جاء في الذبح لغير الله " ظاهر في الدلالة على أن التقرب لغير الله - جل وعلا - بالذبح شرك به - سبحانه - في العبادة؛ فمن ذبح لغير الله؛ تقربا وتعظيما؛ فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملة.
قال الإمام ﵀: " باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ". قوله: " لا يذبح لله " هذا على جهة النفي المشتمل على النهي؛ لأن من أساليب اللغة العربية أنه يُعْدَل عن التصريح بالنهي إلى التصريح بالنفي؛ ليدل دلالة أبلغ على أن النفي والنهي معا مقصودان، فكأنه لا يصلح أن يقع أصلا؛ ولهذا أتى بصيغة النفي فقال: " باب لا يذبح لله ".
وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن تكون (لا) للنهي، فيكون الفعل المضارع بعدها مجزوما، أي: " باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
". وقوله: " لله " يعني: أن تكون النسيكة، أو أن تكون الذبيحة مرادا بها وجه الله ﷻ .
" بمكان يذبح فيه لغير الله ": و (الباء) هنا لها معنى زائد على كلمة (في) ، وهذا المعنى الزائد أنها أفهمت معنى الظرفية ومعنى المجاورة جميعا؛ لأن (الباء) تكون للمجاورة أيضا كما تقول: مررت بزيد، يعني، بمكان قريب من مكان زيد، أو بمكان مجاور لمكان زيد، والظرفية بـ (في) نفيد أنه في المكان
стр. 150
[باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]
" باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله " وقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: " هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، قال: " أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم» رواه أبو داود (١) وإسناده على شرطهما.
فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة؛ ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به؛ إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه؛ إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 151
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
نفسه، فاستعمال حرف (الباء) يفيد أنه مجاور لذلك المكان. وهذان المعنيان معا: مقصودان، وهو أنه: لا يذبح لله بمجاورة المكان الذي يذبح فيه لغير الله، ولا في نفس المكان الذي يذبح فيه لغير الله؛ لأنهما بهذا يشتركان مع الذين يذبحون لغير الله - جل وعلا -.
وصورة المسألة: أن يوجد مكان يُذبح فيه لغير الله، كمكان عند قبر، أو عند مشهد، أو عند مكان معظم، واعتاد المشركون التقرب بالذبائح لأصنامهم وأوثانهم في هذا المكان، فإذا كانوا يتقربون في هذا المكان للقبر أو نحوه ويذبحون لصاحبه يعني: من أجله فإنه لا يحل أن يذبح المسلم الموحد في هذا المكان ولو ذبحه خالصا لله ؛ لأنه يكون قد شابه أولئك المشركين في تعظيم الأمكنة التي يتعبدون فيها بأنواع العبادات التي يصرفونها لغير الله - جل وعلا -، فالذبح لله وحده - وإن كان خالصا له - إن كان في المكان الذي يتقرب فيه لغير الله فإنه لا يحل ولا يجوز، ووسيلة من وسائل الشرك.
قال الشيخ ﵀ ورفع درجاته في الجنة: وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] هذا النهي هو عن القيام في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، وقد أقاموه إرصادا، ومحادة لله ورسوله، وتفريقا بين المؤمنين، فهو مكان أقيم على الخيانة وعلى مضادة الإسلام وأهله؛ فلهذا لما كانت هذه هي غاية مَن أقامه فإن مشاركتهم فيه بالصلاة لا تجوز؛ لأنه إقرار لهم أو تكثير لسوادهم، وإغراء للناس للصلاة فيه، فنهى الله - جل وعلا - نبيه ﷺ والمؤمنين عن أن يصلوا فيه.
стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومناسبة الآية للباب ظاهرة: وهي أن الله - جل وعلا - نهى النبي ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار، ومعلوم أن صلاته ﵊، وصلاة المؤمنين معه هي خالصة لله - جل وعلا - دون من سواه، ومع هذا فقد نهوا عن الصلاة فيه، مع أنهم مخلصون؛ ليس عندهم نية الإضرار ولا التفريق ولا الإرصاد، لكن نهاهم عن الصلاة فيه؛ لأجل هذه المشاركة والمشابهة التي قد تغري بإتيان ذلك المكان.
الصورة متحققة وموجودة فيمن ذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، فإنه وإن كان مخلصا، لكنه قد يدعو إلى تعظيم ذلك المكان بفعله، وإن لم يقصد التعظيم. لكن هنا إيراد: وهو أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، وقد صلى عمر ﵁ في كنيسة بيت المقدس (١) ومن الصحابة رضوان الله عليهم من صلى في كنائس بعض البلاد فصلاتهم في الكنائس لله - جل وعلا - أليست مشابهة للصلاة في مسجد الضرار أو للذبح في مكان يذبح فيه لغير الله؟
الجواب: أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛ ذلك لأن نهي النبي ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار، وعن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله إنما هو: لأن صورة العبادة واحدة؛ فصورة الذبح من الموحد، ومن المشرك واحدة، وهي إمرار السكين وهي: آلة الذبح على الموضع من البهيمة المراد ذبحها، وإهراق دمها في ذلك المكان، والصورة الحاصلة من الموحد ومن المشرك واحدة، ولهذا فإنه
стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لا تمييز بين الصورتين - من حيث الظاهر - وإن اختلفت مقاصدهما فكذلك صلاة النبي ﷺ والصحابة في مسجد الضرار فيها مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين، فرجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب؛ والنيات، ومقاصد القلوب مما تخفى على الناس، ولهذا تقع المفسدة من حيث اشتباه الصورة الظاهرة، ولا يحصل بذلك الفعل ولو مع خلوص النية مصلحة.
وأما الصلاة في الكنيسة، فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى فليس في فعله إغراء بصلاة النصارى، ومشاركتهم فيها، فهذا هو الفرق بين المسألتين، وهو واضح بأدنى تأمل.
قال: وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد "؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ، قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : " أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . رواه أبو داود.
وإسناده على شرطهما: هذا الحديث فيه: أن رجلا نذر أن ينحر إبلا ببوانة، و (بوانة) : اسم موضع، فلما نذر أن ينحر في هذا الموضع: استفصله النبي ﷺ ، لأن المقام يقتضي الاستفصال، إذ يتبادر إلى الذهن سؤال عن تخصيص هذا الرجل بوانة بأن ينحر فيها الإبل، فقد تكون لأن فيها عيدا من أعيادهم، أو لأن فيها وثنا من أوثان الجاهلية كان يعبد في ذلك الموضع فهذا هو المتبادر من التخصيص؛ لأنه في الغالب يكون لغرض العبادة؛ ولهذا استفصله النبي عليه
стр. 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الصلاة والسلام فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا» : فهذا السؤال يدل على أنه لو وجد هذا الوصف وهو أنه كان ثَمَّ وثن من أوثان الجاهلية يعبد لم يجز النحر في ذلك الموضع، وهو المراد من إيراد هذا الحديث في الباب، وهو وجه الاستدلال.
قوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» : العيد هو: المكان أو الزمان الذي يعود، أو يُعاد إليه، فالعيد قد يكون مكانيا؛ لأنه اسم للمكان الذي يعتاد المجيء إليه في وقت معتاد؛ ومثال ما يراد له المكاني قوله ﵊: «لا تجعلوا قبري عيدا» (١) يعني: لا تجعلوا هذا المكان مكانا تعتادون المجيء إليه.
وكذلك الأزمنة تكون أعيادا؛ لأنها تعود في وقت معين.
فقوله: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» يعني: عيدا مكانيا؛ لأنه قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» ويحتمل أيضا أن يكون عيدا زمانيا.
ومن المعلوم: أن أعياد المشركين الزمانية والمكانية مرتبطة بأديانهم الشركية، فيكون المعنى إذًا: أنهم يتعبدون في تلك الأعياد بعباداتهم الشركية، ومن أعظم ما يفعلونه في هذه الأعياد، التقرب إلى معبوداتهم بالذبح، وإراقة الدماء.
فدل ذلك على أن مشاركة المشركين في المكان الذي يتقربون فيه لغير الله بصورة مشابهة لفعلهم ولو ظاهرا: لا يجوز؛ لأنه مشاركة لهم في الفعل
стр. 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الظاهر ولو كان الفاعل مخلصا لا يذبح إلا لله، أو لا يصلي إلا لله - جل وعلا -.
قال العلماء: قوله ﷺ : «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» فيه: ترتيب ما بعد (الفاء) على ما قبلها بالفاء وهذا يدل على أن سبب الإذن بالوفاء بالنذر: أن ما قبله ليس بمعصية، ويدل الاستفصال، على أن الذبح لله في مكان فيه وثن يعبد، أو فيه عيد من أعياد المشركين: معصية لله ، وبهذا يستقيم ما أراده الشيخ ﵀ من الاستدلال والاستشهاد بهذا الحديث تحت ذلك الباب.
قوله: " باب من الشرك النذر لغير الله تعالى " (مِن) هاهنا تبعيضية. قوله: " من الشرك النذر ": مبتدأ مؤخر، والخبر قبله، وأصل الجملة: النذر لغير الله كائن من الشرك. والشرك هنا: المقصود: به الشرك الأكبر.
стр. 157
[باب من الشرك النذر لغير الله تعالى]
" باب من الشرك النذر لغير الله تعالى " وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] [الإنسان: ٧] وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] [البقرة: ٢٧٠] .
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١) .
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولا شك أن النذر لغير الله شرك أكبر بالله - جل وعلا -، ووجه كونه شركا بالله - جل وعلا -: أن النذر هو: إلزام المكلف نفسه بعبادة لله - جل وعلا - إما مطلقا، وإما بقيد، فهذه حقيقة النذر.
ومما يدل أيضا على أن النذر عبادة: أن الله - جل وعلا - مدح الذين يوفون بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] [الإنسان: ٧] ومدحه لهم يدل على أن الوفاء بالنذر أمر محبوب لله ، ولا يكون محبوبا إلا وهو مشروع، وذلك يقتضي أنه عبادة من العبادات، بل إن الوفاء بالنذر واجب؛ لأنه إلزام بطاعة، وقد قال: ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» .
ومما يدل أيضا على كون النذر عبادة قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] [البقرة: ٢٧٠] ووجه الدلالة: محبة الله - جل وعلا - لذلك الذي حصل منهم تعظيما له بالنذر.
وإذا كان كذلك: فإنه عبادة من العبادات، فمن صرفه لغير الله - جل وعلا - كان مشركا بالله - جل وعلا -.
وها هنا سؤال معروف قد يَرِدُ في هذا المقام، وهو أن النذر مكروه قد كرهه النبي ﷺ ، وسئل عنه فقال: «إنه لا يأتي بخير» (١) فكيف يكون عبادة وقد كرهه ﵊؟؟!
стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والجواب: أن النذر قسمان: نذر مطلق، ونذر مقيد، والنذر المطلق هو: أن يلزم العبد نفسه بعبادة لله - جل وعلا -، هكذا بلا قيد، كأن يقول مثلا: لله علي نذر أن أصلي ركعتين، وليس هذا النذر في مقابلة شيء يحدث له في المستقبل، أو شيء حدث له، فيلزم نفسه بعبادة: كصلاة، أو صيام، أو نحو ذلك، فهذا هو النذر المطلق وهو: إلزام العبد نفسه بطاعة لله - جل وعلا - أو بعبادة وليس هذا النذر هو الذي كرهه ﵊، بل النذر المكروه هو القسم الثاني: وهو النذر المقيد، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : «إنما يُستخرج به من البخيل» (١) . وحقيقته: أن يلزم العبد نفسه بطاعة لله - جل وعلا - مقابل شيء يحدثه الله - جل وعلا - له، ويقدره، ويقضيه له، كأن يقول مثلا: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر: أن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت فسأصلي ليلة، أو إن عُيِّنت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعا، ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط بهذا النذر على الله - جل وعلا - فيقول: يا رب إن أعطيتني كذا وكذا: صمتُ لك، وإن أنجحتني صليتُ، أو تصدقتُ، وإن شفيتَ مريضي فعلتُ كذا وكذا، يعني: مقابلةً للفعل بالفعل. وهذا هو الذي وصفه النبي ﵊ بقوله: «إنما يُستخرج به من البخيل» لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يقاضى عليها، فصار بما أعطاه الله من النعمة أو بما دفع عنه من النقمة كأنه في حِس ذلك الناذر قد أعطي الأجر، وأعطى ثمن تلك العبادة.
стр. 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا المعنى الخاطئ يستحضره كثير من العوام الذين يستعملون النذور، فإنهم يظنون أن حاجتهم لا تحصل إلا بالنذر، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ وغيره من أهل العلم: إن من ظن أنه لا تحصل حاجاته إلا بالنذر، فإن اعتقاده هذا مُحرَّم؛ لأنه ظن أن الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوء ظن بالله - جل وعلا - وسوء اعتقاد فيه ، بل هو المتفضل المنعم على خلقه.
فإذا تبين لك ذلك فاعلم أن النذر المطلق لا يدخل في الكراهة، لكن إذا أطلقنا القول بأن: النذر عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النذر المقيد؟ والجواب: أن النذر المقيد له جهتان: الأولى: وفاؤه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبد الله عبادة من هذه الجهة فيما يظهر.
الجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله علي نذر كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد، لا إلى أصل النذر، دل على ذلك: التعليل؛ حيث قال: " فإنما يُستخرج به من البخيل ".
فلا إشكال إذًا. فالنذر عبادة من العبادات العظيمة.
وهنا قاعدة في أنواع الاستدلال على أن الاستدلال نوعان:
النوع الأول: استدلال عام، يعني: أن كل دليل من الكتاب أو السنة فيه إفراد الله بالعبادة: يكون دليلا على أن كل عبادة لا تصلح إلا لله، فيكون الاستدلال بهذا النوع من الأدلة، على تحريم النذر لغير الله، وأنه شرك
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كالآتي: دل الدليل على وجوب صرف العبادة لله وحده، وعلى أنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله - جل وعلا - وأن من صرفها لغير الله - جل وعلا - فقد أشرك، والنذر عبادة من العبادات، فمن نذر لغير الله: فقد أشرك.
والنوع الثاني من الاستدلال: هو أن تستدل على المسائل بأدلة خاصة وردت فيها، كأن تستدل على تحريم الذبح لغير الله بأدلة خاصة وردت في ذلك، وكأن تستدل على وجوب الاستغاثة بالله وحده دون ما سواه بأدلة خاصة وردت بذلك، وكذا في الاستعاذة ونحو ذلك.
فالدليل على وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة تفصيلا وإجمالا، وعلى أن صرفها لغير الله شرك أكبر، يستقيم بهذين النوعين من الاستدلال: استدلال عام بكل آية أو حديث فيهما الأمر بإفراد الله بالعبادة، والنهي عن الشرك فتدخل هذه الصورة فيها؛ لأنها عبادة، بجامع تعريف العبادة.
والثاني: أن تستدل على المسألة بخصوص ما ورد فيها من الأدلة؛ ولهذا قال الشيخ ﵀ هنا: " باب من الشرك النذر لغير الله " واستدل على ذلك بخصوص أدلة وردت في النذر. وأما الآيات التي قدمها في أول الكتاب، كقوله - جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء: ٢٣] وكقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] وكقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [الأنعام: ١٥١] وكقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] فهذه أدلة تصلح لأن يستدل بها على أن صرف النذر لغير الله شرك؛ فتقول: النذر لغير
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله عبادة، والله - جل وعلا - نهى أن تصرف العبادة لغيره، وأن من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك، فتقول: النذر عبادة؛ لأنه داخل في حد العبادة؛ لأن الله - جل وعلا - يرضاه، ومدح الموفين به.
فالدليل الخاص إذًا هو: أن تستدل بخصوص ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على النذر؛ ولهذا أورد الشيخ هنا الدليل التفصيلي، وفي أول الكتاب أتى بالأدلة العامة على كل مسائل العبادة، وهذا من الفقه الدقيق في التصنيف. ومن الفقه في الأدلة الشرعية: أن المستدل على مسائل التوحيد ينبغي له أن يراعي التنويع؛ لأن تنويع الاستدلال، وإيراد الأدلة من عدة وجوه من شأنه أن يضعف حجة الخصوم الذين يدعون الناس لعبادة غير الله وللشرك به - جل وعلا -، فإذا أوردت على الخصم مرة دليلا خاصا، وتارة دليلا عاما، ونوعت في ذلك، فإن هذا مما يضيق به المخاصم، ويقطع حجته، أما إذ لم تورد إلا دليلا واحدا فربما أوله لك، أو ناقشك فيه، فيحصل عند المستدل ضعف عند المواجهة، أما إذا انتبه لمقاصد أهل العلم، وحفظ الأدلة: فإنه يقوى على مجادلة الخصوم، والله - جل وعلا - وعد عباده بالنصر وكما في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [الزمر: ٥١] وقد قال الشيخ ﵀ في " كشف الشبهات ": والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، وهذا صحيح؛ فإن عند العوام الذين علموا مسائل التوحيد، وأخذوها عن أهلها، عندهم من الحجج، ووضوح البينات في ذلك ما ليس عند بعض المتعلمين.
стр. 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] [الإنسان: ٧] وجه الاستدلال به على كون النذر عبادة ظاهر: وهو أن الله - جل وعلا - مدح الموفين بالنذر، ومدحه للموفين بالنذر يقتضي أن الوفاء بالنذر محبوب له - جل وعلا -، وأنه مشروع، وما كان كذلك فهو من أنواع العبادات، فيكون صرفه لغير الله - جل وعلا - شركا أكبر.
وكذلك قوله ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] [البقرة: ٢٧٠] فإن الله عظم النذر بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] وعظم أهله، وهذا يدل على أن الوفاء به عبادة محبوبة لله - جل وعلا -.
قوله: وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» : وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ أوجب الوفاء بالنذر فقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» وهذا فيه إيجاب الوفاء بالنذر المطلق الذي يكون طاعة، كأن يقول: لله على أن أصلي كذا وكذا، فهذا يجب عليه أن يوفي بنذره، وكذا إن كان النذر مقيدا، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بمائة ريال، فهذا يجب عليه أن يوفي بنذره لله - جل وعلا -، وإيجاب ذلك يدل على أنه عبادة محبوبة؛ لأن الواجب من أنواع العبادات، وأن ما كان وسيلة إليه فإنه أيضا عبادة؛ لأن الوسيلة للوفاء بالنذر هي النذر، فلولا النذر لم يأت الوفاء، فأُوجب الوفاء؛ لأجل أن المكلف هو الذي ألزم نفسه بهذه العبادة.
стр. 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما المنع من الوفاء بنذر المعصية، الذي دل عليه قوله:. «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ؛ فلأن إيجاب المكلف على نفسه معصية الله - جل وعلا - فيه معارضة لنهي الله - جل وعلا - عن العصيان، وإذا نذر العبد العصيان، فإن النذر - كما هو معلوم في الفقه - قد انعقد، ويجب عليه ألا يفي بفعل تلك المعصية، لكن يجب عليه أن يكفر عن ذلك كفارة يمين، ومحل ذلك باب النذر في كتب الفقه.
فالمقصود من هذا: أن استدلال الشيخ ﵀ بالشق الأول، وهو قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ظاهر في الدلالة على أن النذر عبادة، وكذلك في قوله: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» حيث أوجب عليه كفارة يمين، فهذا يدل على أن أصله منعقد، انعقد لكونه عبادة، وإذا كان عبادة فصرفها لغير الله شرك أكبر به - جل وعلا -.
فالنذر لله - جل وعلا - عبادة عظيمة - كما ذكرنا - والنذر لغير الله - جل وعلا - أيضا عبادة، فإذا توجه الناذر لغير الله بالنذر فقد عبده، وإذا توجه الناذر لله - جل وعلا - بالنذر فقد عبد الله - جل وعلا -.
فالنذر - على أية حال كان - لله، أو لغير الله، هو عبادة، ثم إن كان لله فهو عبادة لله - جل وعلا - وإن كان لغير الله فهو عبادة لذلك الغير، والله أعلم.
هذا الباب عنونه الإمام ﵀ بقوله " باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى " وهذا الباب مع الذي قبله والأبواب التي سلفت أيضا: كلها في بيان المقصد من هذا الكتاب، وبيان الغرض من تأليفه، وأن التوحيد إنما يُعرف بضده، فمن طلب التوحيد فليطلب ضده لأنه - أعني التوحيد - يجمع بين الإثبات والنفي، فيجمع بين الإيمان بالله، وبين الكفر بالطاغوت، فمن جمع بين هذين الأمرين فإنه يكون قد عرف التوحيد؛ ولهذا فصل الشيخ ﵀ أفراد توحيد العبادة، وفصل أفراد الشرك؛ فبين أصناف الشرك الأصغر: القولي والعملي، وبين أصناف الشرك الأكبر: العملي والاعتقادي، فذكر الذبح لغير الله، وذكر النذر لغير الله، والذبح والنذر: عبادتان عظيمتان.
فعبادة الذبح فعلية عملية، وعبادة النذر عبادة قولية إنشاءً، وعملية وفاءً، فالشرك الأكبر الذي يكون من جهة العمل، أنواع، وقد ذكر منها - على سبيل التمثيل - الذبح لغير الله، كما أنه ذكر النذر لغير الله، مثالا على أنواع الشرك الأكبر الحاصل من جهة القول، وكل من الذبح والنذر يصاحبهما اعتقاد تعظيم المخلوق، كتعظيم الله وهذا شرك، قال تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] وقال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] ثم عطف على ذلك: " باب من الشرك الاستعاذة بغير
стр. 165
[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى]
" باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى " وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [الجن: ٦] .
وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم (١) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن.
الثانية: كونه من الشرك.
الثالثة الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية؛ من كف شر؛ أو جلب نفع؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله " لأن الاستعانة بغير الله تكون بالقول الذي معه اعتقاد؛ ولذلك ناسبت أن تكون بعد " باب من الشرك النذر لغير الله ".
وقوله ﵀: " من الشرك ": (من) هاهنا تبعيضية كما ذكرنا فيما سبق من الأبواب، والشرك المقصود هنا هو: الشرك الأكبر، أي من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله؛ لأن (الألف واللام) أو (اللام وحدها) الداخلة على قوله: " الشرك " هي: للعهد؛ فتكون عائدة إلى الشرك المعهود، وهو الأكبر، يعني: باب من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله.
والاستعاذة: طلب العياذ، يقال استعاذ: إذا طلب العياذ، والعياذ: ما يؤمِّن من الشر، كالفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمِّن منه، أو إلى من يؤمِّن منه، ويقابلها اللياذ، وهو: الفرار إلى طلب الخير، والتوجه إليه، والاعتصام به، والإقبال عليه، لطلب الخير.
والاستعاذة: استفعال، ومادة (استفعل) موضوعة في الغالب للطلب، فغالب مجيء (الألف والسين والتاء) للطلب؛ فمعنى: استعاذ، واستعان، واستغاث، واستسقى: طلب تلك الأمور، وتأتي أحيانا للدلالة على كثرة الوصف في الفعل، كما في قوله - جل وعلا -: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] [التغابن: ٦] ؛ فـ (استغنى) ليس معناها طلب الغنى، وإنما جاء بالسين والتاء هنا: للدلالة على عظم الاتصاف بالوصف الذي اشتمل عليه الفعل، وهو: الغني. فـ (استعاذ) و (استغاث) و (استعان) ، وأشباه ذلك فيها طلب، والطلب من أنواع التوجه والدعاء، لأن الطلب يدل على أن هناك من يُطلب منه والمطلوب منه لما كان أرفع درجة من الطالب: كان الفعل المتوجه إليه يسمى دعاء؛
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولهذا فإن حقيقة الاستعاذة لغة، ودلالتها شرعا هي: طلب العوذ، أو طلب العياذ؛ وهو الدعاء المشتمل على ذلك، والاستغاثة هي: طلب الغوث وهو دعاء مشتمل على ذلك، وهكذا في كل ما فيه طلب نقول: إنه دعاء، وإذا كان دعاء فإنه يكون عبادة، والعبادة حق لله وحده دون من سواه، كما قام الإجماع على هذا، ودلت النصوص عليه، كقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن: ١٨] وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء: ٢٣] كقوله: أيضا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [النساء: ٣٦] إذًا: فكل فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فيه طلب: يكون عبادة؛ لأنه دعاء؛ وكل طلب: فهو دعاء. والطلب يختلف نوعه ومسماه باختلاف المطلوب منه: فإذا كان الطلب من مقارن: فيسمى التماسا، وإذا كان ممن هو دونك: فيسمى أمرا، وإذا كان ممن هو أعلى منك: فيسمى دعاء. والمستعيذ والمستغيث، لا شك أنه طالب ممن هو أعلى منه؛ لحاجته إليه؛ فلهذا يصح أن يكون كل دليل فيه ذكر إفراد الله - جل وعلا - بالدعاء أو بالعبادة، دليلا على خصوص هذه المسألة، وهي: أن الاستعاذة من العبادات العظيمة، وإذ كانت كذلك، فإن إفراد الله بها واجب.
وقوله هنا: " من الشرك الاستعاذة بغير الله ": هذا الغير شامل لكل من يتوجه إليهم بالعبادة، ويشركونهم مع الله، ويدخل في ذلك - بالأولية - ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليهم بالعبادة: من الجن، والملائكة،
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والرسل، والأنبياء، والصالحين، والأشجار، والأحجار، وغير ذلك من معبوداتهم.
لكن هل مقصوده بقوله: " باب من الشرك الاستعاذة بغير الله " شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك، لكل أنواع الاستعاذة، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق؟ والجواب: أن هذا فيه تفصيل، فمن العلماء من يقول: الاستعاذة توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، وهذه المعاني جميعا لا تصلح إلا لله - جل وعلا -.
وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو: أن يستعيذ من شر أحدق به، وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئا من ذلك، وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طلبت منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والذي يظهر أن المقام كما سبق فيه تفصيل، وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها أيضا عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه.
فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها.
فحقيقة الاستعاذة إذًا تجمع بين الطلب الظاهر، والمعنى الباطن؛ ولهذا اختلف أهل العلم في جواز طلبها من المخلوق، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذكر: أن توجُّه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء، أو الجن، أو الصالحين، أو غيرهم، أنهم جمعوا بين القول باللسان، وأعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله - جل وعلا -، وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من: أن الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه، وأن الله أقدرهم على ذلك؛ فيكون إبطال مقالهم راجعا إلى جهتين:
الجهة الأولى: أن يُبطل قولهم بأن يقال: إن هذا المَيْت، أو هذا الجني يقدر على هذا الأمر الذي طلب منه، فإذا لم يقتطع بذلك، أو حصل عنده اشتباه ما، انتقل الجني إلى الجهة الثانية من الإبطال: وهو إثبات أن الاستعاذة فيها توجه بالقلب إلى المستعاذ به واضطرار إليه، واعتصام به، وافتقار إليه؛ وهذا الذي توجه إلى ذلك الميت أو الولي قد قامت هذه المعاني بقلبه، ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك إلا لله وحده .
فنقول إذًا: الاستعاذة بغير الله شرك أكبر؛ لأنها صرف عبادة لغير الله ﷻ . لكن إن كان الاستعاذة في الظاهر فقط مع طمأنينة القلب بالله وتوجهه إلى الله، وحسن ظنه بالله، وأن هذا العبد إنما هو سبب، وأن القلب مطمئن لما عند الله فإن هذه تكون استعاذة بالظاهر، وأما القلب: فإنه لم تقم به حقيقة الاستعاذة. وإذا كان كذلك: كان هذا جائزا.
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال ﵀: (وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [الجن: ٦] .
قوله: (وَأَنَّهُ) هذه معطوفة على أول السورة، وهو ما أوحى الله - جل وعلا - إلى نبيه بقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] [الجن: ١] ثم قال بعد آيات: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [الجن: ٦] ومعنى ﴿رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] أي: خوفا، واضطرابا في القلب؛ أوجب لهم الإرهاق، والرهق: في الأبدان وفي الأرواح، فلما كان كذلك تعاظمت الجن، وزاد شرها، وقد كان المشركون يعتقدون أن لكل مكان مخوف جنيا أو سيدا من الجن يخدم ذلك المكان، هو له ويسيطر عليه، فكانوا إذا نزلوا واديا، أو مكانا قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعنون الجن، فعاذوا بالجني لأجل أن يكف عنهم الشر مدة مقامهم؛ لهذا قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] يعني: زاد الجن الإنس خوفا، واضطرابا، وتعبا في الأنفس، وفي الأرواح، وإذا كان كذلك: كان هذا عقوبة لهم. والعقوبة إنما تكون على ذنب، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا؛ لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله - جل وعلا - والله سبحانه أمر أن يستعاذ به دون ما سواه فقال سبحانه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] [الفلق: ١] وقال:
стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] [الناس: ١] وقال ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ - وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] [المؤمنون: ٩٧] والآيات في ذلك كثيرة، كقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] [الأعراف: ٢٠٠] ، فَعُلِمَ من التنصيص على المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - أن الاستعاذة حصلت بالله، وبغيره وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه. وقد ذكرت لكم أصل الدليل في ذلك، وأن الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فتدخل فيما دلت عليه الآيات من إفراد العبادة بالله وحده.
وقال قتادة وبعض السلف: إن معنى قوله: ﴿رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] إثما، (١) أي: فزادوهم إثما، وهذا أيضا ظاهر من جهة الاستدلال، لأن الاستعاذة إذا كانت موجبة للإثم، فهي إذًا عبادة شركية إذا صرفت لغير الله، وعبادة مطلوبة إذا صرفت لله ﷻ وهذا يستقيم مع الترجمة من أن الاستعاذة بغير الله شرك.
قوله: (وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ يبين فضل الاستعاذة بكلمات الله فقال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» وجعل المستعاذ منه: المخلوقات الشريرة والمستعاذ به هو: كلمات الله وقد استدل أهل العلم لما ناظروا المعتزلة، وردوا عليهم بهذا الحديث، على أن كلمات الله ليست بمخلوقة، قالوا: لأن المخلوق لا يستعاذ به، والاستعاذة به شرك، كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة. فوجه الدلالة من الحديث: إجماع أهل السنة على الاستدلال به على أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأنه ما أمر بالاستعاذة بكلمات الله إلا لأن كلمات الله - جل وعلا - ليست بمخلوقة.
قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» : المقصود بـ " كلمات الله التامات " هنا الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهي المقصودة بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] [الكهف: ١٠٩] وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] [لقمان: ٢٧] وقوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] [الأنعام: ١١٥] وفي القراءة الأخرى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] [الأنعام: ١١٥] فهذه الآية في الكلمات الشرعية، وكذلك في الكلمات الكونية.
إذًا: فقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» يعني: الكلمات الكونية.
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ": يعني: من شر الذي خلقه الله - جل وعلا -، وهذا العموم المقصود منه: من شر المخلوقات التي فيها شر، إذ ليست كل المخلوقات فيها شر، بل ثَمَّ مخلوقات طيبة ليس فيها شر: كالجنة، والملائكة، والرسل، والأنبياء، والأولياء، وهناك مخلوقات خلقت وفيها شر، فاستُعيذ بكلمات الله - جل وعلا - من شر الأنفس الشريرة، والمخلوقات التي فيها شر.
قوله: " باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره " الشرك: المراد به كما ذكرنا فيما سبق: الشرك الأكبر.
قوله: " أن يستغيث ": يعني الاستغاثة؛ لأن (أن) مع الفعل تؤول بمصدر، يعني: (باب من الشرك الاستغاثة بغير الله) ، أو (استغاثة بغير الله) ، وكذلك قوله: " يدعو " يؤول بمصدر، يعني: من الشرك، (دعوة غيره) ، أو (دعاء غيره) . والاستغاثة - كما ذكرنا -: طلب؛ والطلب نوع من أنواع الدعاء؛ ولهذا قال العلماء: إن في قوله: " أو يدعو غيره " بعد قوله: " أن يستغيث بغير الله " عطفا للعام على الخاص، ومن المعلوم: أن الخاص قد يعطف على العام، وأن العام قد يعطف على الخاص.
وقوله: " أن يستغيث بغير الله ": هذا أحد أفراد الدعاء - كما ذكرنا - لأن الاستغاثة طلب، والطلب دعاء.
وروى الطبراني بإسناده: أنه «كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : " إنه لا يُستغاث بي إنما يُستغاث بالله» (١) .
فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 176
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حِمَى التوحيد، والتأدب مع الله.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " أو يدعو غيره ": هذا لفظ عام يشمل الاستغاثة، والاستعاذة، ويشمل أصنافا من أنواع الدعاء.
قوله: " أن يستغيث ": الاستغاثة: هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن وقع في شدة وكرب يخشى معه المضرة الشديدة، أو الهلاك؛ فيقال: أغاثه: إذا فزع إليه، وأعانه على كشف ما به، وخلصه منه؛ كما قال - جل وعلا - في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] [القصص: ١٥] فقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] [القصص: ١٥] يعني: أن مَن كان مِن شيعة موسى طلب الغوث من موسى على من كان عدوا لهما جميعا، فأغاثه موسى ﵇.
فالاستغاثة: طلب الغوث؛ وطلب الغوث لا يصلح إلا من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ؛ لأن الاستغاثة يمكن أن تُطلب من المخلوق فيما يقدر عليه.
لكن متى تكون الاستغاثة بغير الله شركا أكبر؟ ضبطه بعض أهل العلم بقولهم: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق.
وقال آخرون: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهاتان العبارتان مختلفتان. والأصح منهما الأخيرة؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وهو يعلم أن هذا لا يقدر عليه إلا الله: فهذا شرك أكبر بالله - جل وعلا - لأن حقيقة الأمر: أنه لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِد عليه: أن ثمت أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرا عليها، ولكنه في الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة - كغرق مثلا - وتوجه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك وذاك لا يحسن السباحة ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركا أكبر؟ لا يكون منه؟ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه، يصلح - في الغالب - أن يكون المخلوق قادرا عليها فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعيّن: فإنه لا يكون شركا؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله ﷻ .
فالاستغاثة بغير الله إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهي: شرك أكبر، وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق، فهي جائزة؛ كما حصل من صاحب موسى، إذ استغاث بموسى ﵇.
قوله: (أو يدعو غيره) : الدعاء - كما ذكرت لك - هو العبادة، والدعاء نوعان:
دعاء مسألة، ودعاء عبادة، ونعني بدعاء المسألة: ما كان فيه طلب وسؤال؛ كأن يرفع يديه لله - جل وعلا - ويدعوه، فهذا يسمى دعاء مسألة.
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهو الذي يغلب عند عامة المسلمين في تسمية الدعاء، فإذا قيل: دعا فلان؛ يعني سأل ربه - جل وعلا -.
والنوع الثاني: دعاء العبادة كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن: ١٨] يعني: لا تعبدوا مع الله أحدا، أو لا تسألوا مع الله أحدا، وكما قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» . ودعاء المسألة، غير دعاء العبادة، فدعاء العبادة يتناول كل صنف من أصناف العبادة؛ فمن صلى، أو زكى، أو صام، ونحو ذلك فيقال: إنه دعا، لكن دعاء عبادة.
قال العلماء: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من سأل الله - جل وعلا - شيئا: فهو داع دعاء مسألة، وهذا متضمن لعبادة الله؛ لأن الدعاء أعني: دعاء المسألة: أحد أنواع العبادة، فدعاء المسألة متضمن للعبادة؛ لأن الله - جل وعلا - يحب من عباده أن يسألوه.
وقولنا: إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من صلى، فيلزم من إنشائه الصلاة أن يسأل الله القبول، ويسأل الله الثواب. فيكون دعاء المسألة متضمنا لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزما لدعاء المسألة.
إذا تقرر ذلك: فاعلم أن هذا التفصيل أو هذا التقسيم: مهم جدا في فهم حجج القرآن، وفي فهم الحجج التي يوردها أهل العلم؛ لأنه قد حصل من الخرافيين والداعين إلى الشرك: أنهم يؤولون الآية التي فيها دعاء العبادة، بدعاء المسألة، أو الآية التي في دعاء المسألة، بدعاء العبادة، وإذا تبين ذلك
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عُلم أنه لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك: إما بالتضمن أو باللزوم. ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السنة.
ثم ساق الشيخ ﵀ بعض الأدلة على أن الدعاء والاستغاثة إنما يتوجه بهما إلى الله وحده فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ - وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧] [يونس: ١٠٦ - ١٠٧] .
قال في أول الآية: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ [يونس: ١٠٦] هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك: فإنه يعم أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة، ومنه دعاء عبادة؛ والقاعدة: أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق الشرط: فإنها تعم؛ و (تدع) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر؛ والمصدر حَدَثٌ نكرة؛ فهو يعم نوعي الدعاء. وهذا مراد الشيخ - أو أحد مراداته - من الاستدلال بهذه الآية، فقد نهى الله - جل وعلا - أن يُتوجه لغير الله بدعاء المسألة، أو بدعاء العبادة، أو بأي نوع من أنواع العبادات؛ فلا يصلح طلب ما يقدر عليه إلا الله: إلا منه جل وعلا،