الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حِمَى التوحيد، والتأدب مع الله.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " أو يدعو غيره ": هذا لفظ عام يشمل الاستغاثة، والاستعاذة، ويشمل أصنافا من أنواع الدعاء.
قوله: " أن يستغيث ": الاستغاثة: هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن وقع في شدة وكرب يخشى معه المضرة الشديدة، أو الهلاك؛ فيقال: أغاثه: إذا فزع إليه، وأعانه على كشف ما به، وخلصه منه؛ كما قال - جل وعلا - في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] [القصص: ١٥] فقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] [القصص: ١٥] يعني: أن مَن كان مِن شيعة موسى طلب الغوث من موسى على من كان عدوا لهما جميعا، فأغاثه موسى ﵇.
فالاستغاثة: طلب الغوث؛ وطلب الغوث لا يصلح إلا من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ؛ لأن الاستغاثة يمكن أن تُطلب من المخلوق فيما يقدر عليه.
لكن متى تكون الاستغاثة بغير الله شركا أكبر؟ ضبطه بعض أهل العلم بقولهم: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق.
وقال آخرون: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهاتان العبارتان مختلفتان. والأصح منهما الأخيرة؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وهو يعلم أن هذا لا يقدر عليه إلا الله: فهذا شرك أكبر بالله - جل وعلا - لأن حقيقة الأمر: أنه لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِد عليه: أن ثمت أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرا عليها، ولكنه في الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة - كغرق مثلا - وتوجه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك وذاك لا يحسن السباحة ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركا أكبر؟ لا يكون منه؟ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه، يصلح - في الغالب - أن يكون المخلوق قادرا عليها فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعيّن: فإنه لا يكون شركا؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله ﷻ .
فالاستغاثة بغير الله إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهي: شرك أكبر، وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق، فهي جائزة؛ كما حصل من صاحب موسى، إذ استغاث بموسى ﵇.
قوله: (أو يدعو غيره) : الدعاء - كما ذكرت لك - هو العبادة، والدعاء نوعان:
دعاء مسألة، ودعاء عبادة، ونعني بدعاء المسألة: ما كان فيه طلب وسؤال؛ كأن يرفع يديه لله - جل وعلا - ويدعوه، فهذا يسمى دعاء مسألة.
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهو الذي يغلب عند عامة المسلمين في تسمية الدعاء، فإذا قيل: دعا فلان؛ يعني سأل ربه - جل وعلا -.
والنوع الثاني: دعاء العبادة كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن: ١٨] يعني: لا تعبدوا مع الله أحدا، أو لا تسألوا مع الله أحدا، وكما قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» . ودعاء المسألة، غير دعاء العبادة، فدعاء العبادة يتناول كل صنف من أصناف العبادة؛ فمن صلى، أو زكى، أو صام، ونحو ذلك فيقال: إنه دعا، لكن دعاء عبادة.
قال العلماء: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من سأل الله - جل وعلا - شيئا: فهو داع دعاء مسألة، وهذا متضمن لعبادة الله؛ لأن الدعاء أعني: دعاء المسألة: أحد أنواع العبادة، فدعاء المسألة متضمن للعبادة؛ لأن الله - جل وعلا - يحب من عباده أن يسألوه.
وقولنا: إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من صلى، فيلزم من إنشائه الصلاة أن يسأل الله القبول، ويسأل الله الثواب. فيكون دعاء المسألة متضمنا لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزما لدعاء المسألة.
إذا تقرر ذلك: فاعلم أن هذا التفصيل أو هذا التقسيم: مهم جدا في فهم حجج القرآن، وفي فهم الحجج التي يوردها أهل العلم؛ لأنه قد حصل من الخرافيين والداعين إلى الشرك: أنهم يؤولون الآية التي فيها دعاء العبادة، بدعاء المسألة، أو الآية التي في دعاء المسألة، بدعاء العبادة، وإذا تبين ذلك
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عُلم أنه لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك: إما بالتضمن أو باللزوم. ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السنة.
ثم ساق الشيخ ﵀ بعض الأدلة على أن الدعاء والاستغاثة إنما يتوجه بهما إلى الله وحده فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ - وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧] [يونس: ١٠٦ - ١٠٧] .
قال في أول الآية: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ [يونس: ١٠٦] هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك: فإنه يعم أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة، ومنه دعاء عبادة؛ والقاعدة: أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق الشرط: فإنها تعم؛ و (تدع) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر؛ والمصدر حَدَثٌ نكرة؛ فهو يعم نوعي الدعاء. وهذا مراد الشيخ - أو أحد مراداته - من الاستدلال بهذه الآية، فقد نهى الله - جل وعلا - أن يُتوجه لغير الله بدعاء المسألة، أو بدعاء العبادة، أو بأي نوع من أنواع العبادات؛ فلا يصلح طلب ما يقدر عليه إلا الله: إلا منه جل وعلا،
стр. 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويدخل في ذلك الاستعاذة، والاستغاثة التي هي: طلب الغوث، وكذلك دعاء العبادة بأنواعه: كالصلاة، والزكاة، والتسبيح، والتهليل، والسجود، وتلاوة القرآن، والذبح، والنذر، وكذلك: أعمال القلوب، كالتوكل، والمحبة التي هي عبادة والرجاء الذي هو عبادة وخوف السر. فهذه العبادات كلها لا تصلح إلا لله. وهي من أنواع دعاء العبادة.
فهذه الآية دلت على النهي عن أن يتوجه أحد إلى غير الله - جل وعلا - بدعاء مسألة، أو بدعاء عبادة وقد نُهي النبي ﷺ عن ذلك أعظم النهي، ووجه إليه الخطاب بذلك، مع أنه إمام المتقين، وإمام الموحدين.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٦] يعني: مع الله، أو: من دون الله استقلالا.
وقوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] يعني: الذي لا ينفعك ولا يضرك، و (ما) تشمل العقلاء، فالعقلاء: كالملائكة، والأنبياء، والرسل، والصالحين. وغير العقلاء: كالأصنام، والأحجار، والأشجار، هذا من جهة الدلالة اللغوية لـ (ما) .
وقوله تعالى لنبيه: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس: ١٠٦] يعني: إن دعوت من دون الله أحدا؛ وذلك الأحد موصوف بأنه: لا ينفعك، ولا يضرك ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] وهذا إذا كان في حق النبي ﵊ الذي كمل الله له التوحيد أنه إذا حصل منه الشرك: فإنه يصبح ظالما، ويصبح مشركا وحاشاه ﵊ من ذلك: فهو تخويف عظيم لمن هو دونه ممن لم يُعصم، ولم يُعط العصمة من ذلك، من باب أولى.
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس: ١٠٦] يعني: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا﴾ [يونس: ١٠٦] يعني: بسبب الدعوة ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] والظالمون جمع تصحيح للظالم، والظالم: اسم فاعل الظلم، والظلم: المراد به هنا: الشرك كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
ثم قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] اعلم أن غرض من يلجأ إلى غير الله، أو يستغيث، أو يستعيذ بغيره: إنما هو طلب كشف الضر. وقد أبطل الله تعالى هذا التعلق الشرعي بقاعدة عامة تقطع عروق الشرك من القلب؛ حيث قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] يعني: إذا مسك الله بضر فمن يكشف الضر؟؟ الجواب: يكشفه من قدره، ومن قضاه عليك، وهكذا كل أنواع التوجه لغير الله - جل وعلا -، أيا كانت. ولكن ما دام أنه أذن بالتوجه إلى المخلوق فيما يقدر عليه، كالتوجه إليه بطلب الغوث، أو نحو ذلك: فإنه يكون مما رخص فيه، والحمد لله.
وقوله في هذه الآية: ﴿بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] نكرة جاءت في سياق الشرط فتعم جميع أنواع الضر: سواء أكان ضرا في الدين، أم كان ضرا في الدنيا، يعني: كان ضرا في الدنيا من جهة الأبدان، أو من جهة الأموال، أو من جهة الأولاد، أو من جهة الأعراض، ونحو ذلك إذًا: فمعنى قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] أي بأي نوع من أنواع الضر: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] أي: الذي يكشف الضر في الحقيقة: هو الله - جل وعلا -، لا يكشف البلوى إلا هو
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
، وإذا كان المخلوق يقدر على ذلك الكشف: فإنما هو من جهة أنه سبب، فالله هو الذي جعله سببا يقدر على أن يكشف بإذن الله - جل وعلا -، وإلا فالكاشف حقيقة هو الله - جل وعلا -، والمخلوق ولو كان يقدر فإنما قدر بإقدار الله له؛ إذ هو سبب من الأسباب، فالحاصل: أن الكاشف على الحقيقة هو الله وحده، وإذا تبين ذلك: ظهر لك وجه استدلال المصنف بهذه الآية ومناسبة الآية للترجمة، من عدة جهات كما ذكرنا.
ثم أورد الشيخ ﵀ قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] [العنكبوت: ١٧] .
ليبين أن الاستغاثة والدعاء هما من أعظم أسباب الحياة؛ فمن لم يكن عنده رزق فإنه يوشك على الهلاك؛ ولهذا ذكر الإمام هذه الآية التي فيها النص على توحيد جهة طلب الرزق؛ لأن معظم حال المستغيثين إنما هي لطلب الرزق.
والرزق اسم عام يشمل كل ما يصلح أن يُرزق، يعني: أن يُمنح ويُعطى؛ فيدخل في ذلك الصحة، والعافية، والمال، والطعام، والمنزل، والدواب، وكل ما يحتاجه المرء.
وقوله في الآية: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] أصل تركيب الكلام فيها: فابتغوا الرزق عند الله، و (ابْتَغُوا) فعل أمر، و (الرزق) مفعول، و (عند الله) الأصل أن يتأخر على المفعول، أي فابتغوا الرزق عند الله. قال علماء المعاني - من علوم البلاغة -: إن تقديم ما حقه
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التأخير: يفيد الاختصاص، والأصل: فابتغوا عند الله الرزق واجعلوا ذلك الابتغاء مختصا بالله - جل وعلا -، هكذا يفهم العربي معنى الآية، أي: فليكن ابتغاؤكم الرزق من عند الله وحده، فلا تستغيثوا بغيره في طلب رزق، ولا تستنجدوا بغيره في طلب رزق، وإنما ذلك لله - جل وعلا -.
ثم قال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] ؛ ليجمع أصناف السؤال بما يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
ثم قال: (وقوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] [الأحقاف: ٥] ) :
دلالة الآية ظاهرة في أنها واردة في سياق الدعاء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥] فهي ظاهرة في أن ثَمَّ داعيا، وثم مدعوا، وذاك المدعو: غير الله - جل وعلا -.
ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى وصف كل من يدعو من دون الله بأنه في غاية الضلال، ومنتهى الغواية، وأنه لا أحد أضل منه، والدليل على أنه أراد الأموات ولم يرد الأصنام والأحجار والأشجار أنه قال ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] فجعل غاية المنع من الإجابة إلى يوم القيامة، وهذه في الأموات؛ لأن الميت إذا كان يوم القيامة: نشر وصار يسمع وربما أجاب طلب من طلبه لأنه يكون في ذلك المقام حيا وربما كان قادرا.
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما المَيْت - الذي هو في البرزخ - فهو الذي يصْدُق عليه وصف الله - جل وعلا - بقوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] والأصل في اللغة: أن لفظ (مَنْ) تُستعمل للعقلاء - كما يقول النحاة - والأصح: أن يقال: لفظ (مَنْ) الأصل فيها لغة: أنها تطلق على من يعلم، لورود بعض الآيات في القرآن أطلق فيها هذا اللفظ في حق الله هذا الأحسن من حيث استعمال هذا اللفظ، وإن كان الذي جرى عليه القول عند علماء النحو: استعمال (مَنْ) للعاقل، و (ما) لغير العاقل. فتلخص مما سبق: أن الأصح في استعمال (مَن) أنها: لمن يعلم، وهؤلاء المذكورون في الآية: كانوا بشرا يخاطِبون ويخاطَبون، ويعلمون ويُعلَم منهم.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] هذا الوصف ليس مقصودا به الأصنام، وإنما هو في الأموات.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] [الأحقاف: ٦] ولذلك قال جل وعلا في سورة النحل ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ - إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٢١ - ٢٢] [النحل: ٢١ - ٢٢] .
قال: (وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] [النمل: ٦٢] )
стр. 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
هذه الآية من سورة (النمل) فيها: أن دعاء المضطر إنما هي لله - جل وعلا - وحده، فقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] هذا في دعاء المسألة، وكشف السوء في قوله. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] تارة يكون بالاستغاثة، وتارة بغير ذلك؛ ولهذا يكون هذا القدر من الآية صالحا لما ترجم به المؤلف ﵀ من اللفظين: لفظ (الاستغاثة) ، ولفظ (الدعاء) .
ثم قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢] [النمل: ٦٢] ، وهذا الاستفهام إنكاري، ينكر عليهم أن يتخذوا إلها مع الله، وينكر عليهم أن يدعوا غير الله، أو يتوجهوا في كشف السوء لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا معنى الإنكار في قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]
قال: (وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم. . . . . .) المراد بالبعض هنا: أبو بكر الصديق، كما جاء في بعض الروايات.
ثم قال في الحديث:. . . . . «قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال النبي ﷺ : " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» واستغاثة الصحابة بالنبي ﷺ كانت جائزة؛ لأنهم طلبوا الإغاثة من النبي ﷺ فيما يقدر عليه؛ لأنه ﵊ كان قادرا في هذا المقام على إغاثتهم، إما بالأمر بقتل المنافق، أو الأمر بسجنه، أو بتهديده، أو معاقبته بتعزير، أو بغيره؛ لأنه كان يؤذي المؤمنين.
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فاستغاثتهم برسول الله ﷺ في قولهم: " قوموا بنا نستغيث برسول الله " استغاثة به يقدر عليه، لكن النبي ﵊ علمهم الأدب في ذلك، وعلمهم الأكمل في ذلك؛ حيث قال: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله» .
وحقيقة الاستغاثة على وجه الكمال، إنما هي بالله جل وعلا لا بنبيه ﷺ ، فكأنه حصل منهم نوع التفات للنبي ﵊ فيما يقدر عليه، فبين لهم: أن الواجب عليهم أن يستغيثوا بالله - جل وعلا - أولا؛ فقال: " إنه لا يستغاث بي "، وهذا نفي فيه معنى النهي، يعني: لا تستغيثوا بي، بل استغيثوا بالله في هذا الأمر، وإذا أغاثهم الله جل وعلا كف شر ذلك المنافق عنهم.
وقد أعل بعض العلماء هذا الحديث بأن في إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف. لكن إيراد أئمة الحديث للأحاديث التي قد يكون في إسنادها بعض مقال في مثل هذا المقام: لا بأس به، بل فعلهم هذا صواب إذا كان ما في الحديث من المعنى قد عضدته الأدلة من القرآن ومن السنة، كما في هذا الحديث؛ فإن قوله ﵊: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله» قد دلت عليه الآيات التي سلفت، وهذا الذي درج عليه صنيع الراسخين في العلم من أهل الحديث، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلام له في (الفتاوى) ؛ قال: أهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في أصل من الأصول، بل إما في تأييده يعني: في تأييد ذلك الأصل أو في فرع من الفروع.
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا هو صنيع الشيخ ﵀ أيضا في هذا الكتاب؛ فإنه يستدل بأحاديث هي من جهة المعنى الذي اشتملت عليه صحيحة - كما سبق إيضاحه - وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث مستدلا به في رده على البكري المعروف بـ (الاستغاثة) أعني: كتاب (الاستغاثة الكبرى) ، أو (الرد على البكري) ، وقال إن هذا الحديث هو معنى ما جاء في النصوص.
فقوله ﵊: " إنه لا يستغاث بي " يعني: لا تستغيثوا بي، وإنما استغيثوا بالله؛ لأن لفظ (يستغاث) تقدمه نفي، والمراد منه: النهي.
وهذا الباب ظاهر المناسبة لما قبله ولما بعده أيضا في أن الاستغاثة بغير الله نوع من أنواع الدعاء، وأن الدعاء عبادة، وأن الاستغاثة عبادة، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا: كفر وشرك.
ومما يدل على أن الدعاء عبادة قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] [البقرة: ١٨٦] ، وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] يدل على أن إجابة الدعوة تكون برفع المكروه، أو بمنع وقوعه، وتكون أيضا بالعطاء، والإثابة فيما إذا عبد، فيجيب الدعوة بإعطاء السائل سؤله، ويجيب أيضا الدعاء بإثابة الداعي العابد على عبادته؛ ولهذا يفسر السلف الآيات التي فيها إجابة الدعاء ونحو ذلك: بأن فيها إعطاء سؤل السائل، وإثابة العابد؛ لأن الصحابة والسلف: يعلمون أن الدعاء يشمل هذا وهذا. وقوله: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] يعني: إذا سألني، أو عبدني، مع أنها في السؤال ظاهرة، وفي الدعاء بينة.
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والآيات في مثل ذلك كقوله - جل وعلا - في سورة إبراهيم، فيما ذكره عن نبيه ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] قال الله - جل وعلا - بعدها ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٩] [مريم ٤٨ - ٤٩] ، فإبراهيم ﵇ قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ [مريم: ٤٨] وقال الله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ [مريم: ٤٩] فدل على أن الدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء. والدعاء يفسر تارة بدعاء المسألة، وتارة بدعاء العبادة، وهذا حاصل من أولئك ولأصنامهم وأوثانهم.
هذا الباب هو باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] [١٩١ - ١٩٢] . وَإِيرَادُ هَذَا الْبَابِ بعد الأبواب المتقدمة هو من أحسن الإيراد، ومن أعظمها فقها ورسوخا في العلم؛ ذلك أن برهان وجوب توحيد الله - جل وعلا - في
стр. 190
[باب قول الله تعالى أَيُشْرِكَونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . . .]
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] [فاطر: ١٣ - ١٤] .
وفي الصحيح (١) عن أنس ﵁ قال: «شج النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم " فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] » [آل عمران: ١٢٨] ، وفيه عن ابن عمر ﵄ أنه «سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا " بعدما يقول: " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] » (٢) . وفي رواية " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو،
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 191
والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١) "، وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فقال: " يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» (٢) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء، يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار؛ منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله. ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 192
السابعة: قوله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنكم من الله شيئا» ، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ؛ فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إلهيته هو: ما ركز في الفطر من أنه - جل وعلا - واحد في ربوبيته، وقد أقر بهذا، وسلم به المشركون، بل كل أحد على الإقرار بهذا، والاعتراف به؛ فهي البرهان على أن المستحق للعبادة هو: من توحد في الربوبية، فهذا الباب، والباب الذي بعده أيضا: برهان لاستحقاق الله العبادة وحده دون ما سواه بدليل فطري، ودليل واقعي، ودليل عقلي.
ومن المعلوم أن الأدلة العقلية عندنا - أهل السنة والجماعة - تؤخذ من الكتاب والسنة؛ لأن في الكتاب والسنة من الأدلة العقلية ما يغني عن تكلف أدلة عقلية أخرى كما هو ظاهر لمن تأمل نصوص الوحيين.
فهذا الباب فيه بيان أن الذي يخلق هو الله وحده، والذي يرزق هو الله وحده، والذي يملك هو الله وحده، وأن غير الله - جل وعلا - ليس له نصيب من الخلق، وليس له نصيب من الرزق، وليس له نصيب من الإحياء، وليس له نصيب من الإماتة، وليس له نصيب من الأمر، وليس له ملك حقيقي في أمر من الأمور حتى أعلى الخلق مقاما، وهو النبي ﵊ قال له الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] [آل عمران: ١٢٨] يعني: لست مالكا لشيء من الأمر، وليس من الأمر شيء تملكه، فـ (اللام) هنا لام الملك. فمن الذي يملك إذا؟ ! الذي يملك هو: الله جل وعلا. فإذا كان النبي ﵊ ينفى عنه ذلك الأمر فإنه منفي عمن هو دونه من باب أولى.
والمتوجهون إلى أصحاب القبور أو إلى الصالحين والأولياء والأنبياء يعتقدون بأن هؤلاء المتوجه إليهم يملكون شيئا من الرزق، أو التوسط أو
стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشفاعة بدون إذن الله - جل وعلا - ومشيئته. فهذا الباب - إذا - هو أحد الأبواب التي فيها البرهان على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه.
والقرآن فيه كثير من الأدلة والبراهين على أن المستحق للعبادة هو الله - جل وعلا - وحده دون ما سواه؛ فمن تلك الأدلة والبراهين: ما في القرآن من أدلة فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، فكل ذلك النوع من الأدلة: فيه دليل على أن المستحق للعبادة هو من أقررتم له بالربوبية. ومن الأدلة والبراهين على ذلك - أيضا - ما جاء في القرآن: من نصر الله رسله وأولياءه على أعدائهم، من طوائف الشرك، وكيف أنهم ذلوا وخضعوا وغلبوا أمام طوائف أهل الإيمان وجند الله - جل وعلا - من الرسل والأنبياء وأتباعهم، فهذا نوع آخر من الأدلة، وهو أنه ما من طائفة موحدة بعث الله - جل وعلا - إمامها ورسولها بقتال المشركين إلا نصرها، وأظفرها، حتى صارت العاقبة لهم. وأدلة هذا في القرآن كثيرة، نقرؤها في: قصص الأنبياء، وقصص القرى، وما جاء في بيان عاقبة الأمم والقرى المخالفين لرسلهم، فهذا دليل على أن التوحيد هو الحق وأن الشرك باطل. ومن الأدلة والبراهين على تقرير استحقاق الله تعالى للعبادة دون من سواه: ما تضمنه القرآن من بيان ضعف المخلوق، الذي يعلم هذا، ويلمسه بنفسه؛ وكيف أنه جاء إلى الحياة بغير اختياره، بل الله - جل وعلا - الذي أتى به إلى هذه الحياة وسيخرجه منها بغير اختياره أيضا. مما يدل على أنه مقهور، وهو يعلم - قطعا - أن الذي قهره وأذله وجعله على هذه الحالة ليست هي تلك الآلهة، وإنما هو الله - جل وعلا - وحده هو الذي يحيي ويميت، وهذا إقرار عام، يعلمه كل أحد من فطرته.
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن الأدلة والبراهين أيضا: أن الله - جل وعلا - له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى، وأنه ذو النعوت الكاملة، وذو النعوت الجليلة، فنعوت الجلال، والجمال والكمال له سبحانه، وهو سبحانه له الكمال المطلق في كل اسم له، وفي كل نعت ووصف له، فله الكمال المطلق، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.
فهذا الباب ذكر فيه الشيخ ﵀ أحد أنواع أدلة الربوبية، أو براهين التوحيد، وأنه - جل وعلا - هو الواحد في ربوبيته، والباب الذي يلي هو باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] ، وفيه دليل على عظمة الله - جل وعلا - في صفاته، ففي هذا الكتاب تنويع براهين توحيد العبادة بأدلة متنوعة من القرآن - كما سيأتي - إن شاء الله تعالى.
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] [الأعراف: ١٩١- ١٩٢] .
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] [فاطر: ١٣] .
ذكرنا أن هذا الباب مع الباب الذي يليه من كتاب التوحيد هما برهان للتوحيد، وبرهان لاستحقاق الله - جل وعلا - العبادة وحده، وحجة دامغة على بطلان عبادة ما سواه، وهذا البرهان هو: تقرير أن الله - جل وعلا - واحد في ربوبيته، ودليل ذلك: الفطرة، والعقل، والنص من الكتاب والسنة، فلا أحد ينكر أن الله - جل وعلا - هو مالك الملك، وهو الذي بيده تصريف
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأمر كما يشاء إلا شرذمة قليلة من الناس - كما قال الشهرستاني وغيره: لا يصح أن تنسب لهم مقالة.
فالناس مفطورون على الإقرار بالرب، وعلى الإقرار بأنهم مخلوقون، وإذا كان كذلك: فإن الحجة عليهم قائمة بوجوب إقرارهم بتوحيد الإلهية؛ لما جعل الله في فطرهم من الإقرار بتوحيد الله في ربوبيته؛ ولهذا: لم يكن المشركون ينكرون توحيد الربوبية، بل كانوا يعترفون أنه تعالى: الرزاق وحده، وأنه الخلاق وحده، وأنه - جل وعلا - هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو الذي ينبت النبات، وهو الذي ينزل الماء، إلى آخر إفراد تدبيره - جل وعلا - للأمر، وإفراد توحيد الربوبية.
فالبرهان على أن الله هو المستحق للعبادة وحده: أنه - جل وعلا - هو مالك الملك وحده، وهو المتفرد بتدبير هذا الملكوت، وهو الذي خلق العباد، والعباد صائرون إليه، أما الآلهة التي توجه إليها العباد بالعبادة من الأنبياء، أو الأولياء، أو الملائكة، فإنما هم: مخلوقون مربوبون، لا يخلقون شيئا، وهم يخلقون، وأيضا: لا يستطيعون نصرا لمن سألهم، وإنما ذلك كله لله - جل وعلا - فإذا كان أولئك المدعوون ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم من الملك شيء، وليس لهم من الخلق شيء، وليس لهم من تدبير الأمر شيء، وإنما تدبير أمر السماوات، وتدبير أمر الأرض بيد الله وحده دون ما سواه، فإن الذي يستحق العبادة وحده، هو الذي يفعل تلك الأفعال، وهو الذي يتصف بتلك الصفات، وهو الذي وحده العباد في ربوبيته؛ فإذا كان كذلك: فيجب أن يوحدوه بأفعالهم؛ وألا يتوجهوا بالعبادة إلا إليه وحده.
стр. 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا النوع من الحجاج والاستدلال كثير في القرآن جدا؛ فإنك تجد في القرآن أن أعظم الأدلة والبراهين على المشركين في تقريره إبطال عبادتهم لغير الله، وفي إحقاق عبادة الله وحده دون ما سواه: أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، والإقرار بتوحيد الربوبية: برهان توحيد الإلهية. فالله - جل وعلا - احتج في القرآن على المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الإلهية؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [يونس: ٣١] يعني: أتقرون بذلك، فلا تتقون الشرك؟ وقد ذكرت أن (الفاء) إذا أتت بعد الهمزة فهي تعطف ما بعدها على جملة محذوفة قبلها دل عليها السياق، فقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] يعني: أتقرون بأن الله واحد في ربوبيته، فلا تتقون الشرك به؟ !! ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس: ٣٢] باعترافكم وبإيقانكم ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] [يونس: ٣٢] ، فهذا النوع من الاحتجاج وهو الاحتجاج عليهم بما أقروا به - وهو توحيد الربوبية - على ما أنكروه - وهو توحيد الإلهية - في القرآن كثير، كالآيات العظيمة في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] [النمل: ٥٩- ٦٠]
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] هنا: إنكار عليهم، بسبب أنهم فيما سبق يقرون له بخلق السماوات والأرض، وغيرها من الأمور الوارد ذكرها في الآيات، فإذا كانوا يقرون بأن الذي خلقها هو الله، فكيف - إذا - يتخذون إلها مع الله؟ ! فهذا سبب الإنكار عليهم؛ لأن الذي أنزل لهم من السماء ماء فأنبت لهم به حدائق ذات بهجة هو الله، فكيف يتخذون إلها معه؟ ولهذا قال جل وعلا: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] فهذا إنكار عليهم. وقوله ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] يعني: يعدلون بالله غيره، أو يعدلون غير الله - جل وعلا - به، يعني: يساوون هذا بهذا، أو يعدلون، يعني: يصرفون عن الحق، وينصرفون عنه إلى غيره، فكيف يعدلون عن الحق إلى غيره؟ أو كيف يعدلون بالله غيره من الآلهة؟ !! وهكذا الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] وجواب المشركين على هذا السؤال في قوله: ﴿أَمَّنْ﴾ [النمل: ٦١] هو: الله؛ فقد كانوا مقرين بأنه المتفرد بهذه الأمور، قال جل وعلا ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ثم قال جل وعلا ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا رجوع من الآيات التي في الآفاق، وفيما حولهم إلى الشيء الذي يعلمونه علم اليقين وهو أن فاعل تلك الأشياء المتقدم ذكرها في الآيات، وما سيأتي - أيضا: هو الله تعالى، ثم قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ثم قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٣ - ٦٤] [النمل: ٦٣ - ٦٤] ، وفي الحقيقة: أنه لا برهان لهم؛ قال - جل وعلا - في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ومعنى قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] أي: أن كل إله متخذ من دون الله فإنه لا حجة قائمة على أنه إله، وإنما اتخذه البشر بالطغيان وبالظلم؛ ولهذا قال متوعدا إياهم، ومبينا فداحة خسارتهم: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون: ١١٧] ، فهذا الباب قائم على هذه الحجة؛ ولهذا فإن من أعظم الحجة على المشركين الذين توجهوا إلى الأموات، والمقبورين
стр. 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بطلب تفريج الكربات، وطلب إغاثة اللهفان، وطلب إنجاح الحاجات، وسؤال ما يحتاجه الناس، إن من أعظم الحجة عليهم أن تحتج عليهم بتوحيد الربوبية على ما ينكرونه من توحيد الإلهية، وقد زاد شرك المشركين في هذه الأزمنة، على شرك مشركي الجاهلية - كما قال الشيخ ﵀ في القواعد الأربعة فنسبوا إليهم شيئا من الربوبية، فهم لم يجعلوا توحيد الربوبية - أيضا - خالصا.
وهذا نوع من البراهين عظيم، ينبغي أن تتوسع في دلائله، وأن تعلم حجته من القرآن؛ لأن القرآن كثيرا ما يحتج بهذا البرهان - وهو توحيد الربوبية - على ما ينكره المشركون من توحيد الإلهية.
ومن ذلك ما ساقه الشيخ ﵀ في هذا الباب وهو قوله: " باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] فهذا إنكار وتوبيخ لهم، كيف يشركون الذي لا يخلق شيئا وهم يخلقون؟ مع أن خالقهم هو الله ، بل هو الذي خلق من عبد، وهو الذي خلق العابد أيضا، فالذي يستحق العبادة وحده دون وما سواه إنما هو الله ذو الجلال والإكرام.
ثم بين حقيقة هذه الآلهة وعجزها فقال: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢] : لأن النصر في الحقيقة، إنما هو من عند الله - جل وعلا، ولو أراد الله أن يمنع نصر الناصر لمنعه.
стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] [فاطر: ١٣ - ١٤] الآيات، وموطن الشاهد من هذه الآيات قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] فحتى هذا القطمير وهو غلاف النواة أو الحبل الواصل من أعلى النواة إلى ظاهر الثمرة لا يملكونه.
فغيره مما هو أعلى منه من باب أولى وأولى، وإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء الحقير، وهو مما لا يحتاجه الناس، ولا يطلبونه، فكيف إذا يطلبون منهم أشياء لا يملكونها وقوله - جل وعلا - هنا: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [فاطر: ١٣] (الذين) هذا اسم موصول، يعم كل من دعي من دون الله من الملائكة، أو الأنبياء والرسل، أو الصالحين من الأموات أو الطالحين، أو الجن أو الأصنام، أو الأشجار، أو الأحجار، فكل من دعي وما دعي فإنه لا يملك ولو قطميرا، فإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء مع حقارته، فلم يسألون؟ ! فالواجب أن يتوجه بالسؤال لمن يملك ذلك.
ثم ذكر الشيخ ﵀ بعد ذلك عدة أحاديث في هذا الباب، وهذه الأحاديث مدارها على بيان قول الله - جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث، وإيراد هذه الآية هنا: أن النفي توجه إلى رسول الله ﷺ وهو ﵊ سيد ولد آدم.
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: يا محمد ﴿مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] واللام في قوله: (لك) هي لام الاستحقاق، أو لام الملك، يعني: لا تستحق شيئا، أو لا تملك شيئا، يعني: لا تستحقه بذاتك، وإنما بما أمر الله - جل وعلا - وبما أذن به، فتعظيم النبي ﷺ ومحبته فرع عن محبة الله، وتعظيمه جل وعلا، فليس له ﷺ وراء ذلك شيء إلا ما أذن به؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ولو كان له ﵊ من الأمر شيء لنصر نفسه وأصحابه يوم أحد، ولكن حصل في يوم أحد ما حصل، فأنزل الله قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
وكذلك الحديث الآخر: لما لعن النبي ﷺ في قُنُوتُ الْفَجْرِ فُلَانا وَفُلَانًا مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ آذُوا الْمُؤمنين أنزل الله قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١) يعني: لست تملك شيئا من الأمر. وهكذا الحديث الذي بعده.
وهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ لا يملك شيئا من ملكوت الله. وهو ﵊ قد بلغ ذلك وبينه، فمن هم دونه ﵊ منفي عنه هذا الأمر من باب أولى، فالملائكة، والأنبياء والصالحون من أتباع الرسل وأتباعه ﵊: أولى بأن ينفى عنهم ذلك، فإذا كان
стр. 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كذلك بطلت كل التوجهات إلى غير الله - جل وعلا - ووجب أن يتوجه بالعبادات، وأنواع التوجهات من: دعاء، واستغاثة، واستعاذة، وذبح، ونذر، وغير ذلك: إلى الحق -جل وعلا - وحده دون ما سواه.
ثم ذكر الحديث الأخير في الباب، وهو: أنه لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال النبي ﷺ : «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» ، وهذا ظاهر في أن النبي ﵊ لا يستطيع أن ينفع أحدا من أقربائه إلا بما جعله الله له من الرسالة، وأداء الأمانة، وأما أنه يغني عنهم من الله شيئا، ويدفع عنهم العذاب؛ أو النكال، أو العقوبة: فالله - جل وعلا - لم يجعل لأحد من خلقه من ملكوته شيئا، وإنما هو سبحانه المتفرد بالملكوت والجبروت، والمتفرد بالكمال والجمال والجلال.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد - كما ذكرنا سابقا -: أن فيه برهانا على أن المستحق للعبادة هو الله ﷻ ؛ لأنه هو المتصف بصفات الكمال والجلال.
وهذا الباب فيه ذكر لصفات الجلال لله - جل وعلا؛ إذ كل من في السماوات والأرض خائف منه، ووجل؛ لأنه - سبحانه - الجليل؛ ولذلك كان أعرف عمار السماء به هم الملائكة الذين قال الله تعالى في وصفهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وقال - جل وعلا
стр. 204
[باب قول الله تعالى حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ . . .]
" باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] .
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع. ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن؛ فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؛ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» .
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي؛ أخذت السماوات منه رجفة. أو قال رعدة. شديدة خوفا من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة،
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 205
كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله » .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصا ما تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا ".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم، لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات بكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهاب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 206
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟
التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة، ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات، خلافا للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: أن تلك الرجفة والغشي خوف من الله .
الثانية: والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- في وصفهم أيضا ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] فصفات الجلال، والكمال، والجمال: له سبحانه، وهذه كلها دلائل على أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه لأنه المتصف بالعظمة الكاملة، وهو الذي ينبغي أن يهاب وأن يخاف منه على الحقيقة، فكل ما في السماوات والأرض جار على وفق أمره .
فهو : ذو الأسماء الحسنى، وذو الصفات العلى؛ ولهذا قال - جل وعلا - في آية سبأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] و (فزع) : يعني أزيل الفزع عن قلوب الملائكة؛ فالملائكة مع أنهم مقربون إلا أنهم شديدوا المعرفة بالله جل وعلا، وشديدوا العلم به، فعلمهم بربهم سبحانه عظيم، ومما يعلمونه عن الله - جل وعلا - أنه هو الجبار، وأنه هو الجليل سبحانه، وأنه ذو الملكوت، فلهذا اشتد فزعهم منه سبحانه؛ لأنه لا غنى بهم عنه - جل وعلا - طرفة عين.
والصفات التي اشتملت على هذا النوع من البرهان، على استحقاقه تعالى للعبادة: هي صفات الجلال لله - جل وعلا - وهي: الصفات التي تورث الخوف في القلب؛ لأن الصفات تنقسم إلى أقسام متنوعة باعتبارات، ومن ذلك: أنها تنقسم إلى صفات جلال، وصفات جمال.
فالصفات التي تحدث في القلب الخوف، والهلع، والرهبة من الرب جل وعلا، تسمى صفات الجلال، والذي يتصف بصفات الجلال على الحقيقة هو الله جل وعلا؛ لأنه هو الكامل في صفاته سبحانه.
стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإذا كان كذلك: فإن الكامل في صفاته هو المستحق للعبادة، وأما البشر المخلوقون فإنهم ناقصون في صفاتهم، ويعلمون أن حياتهم ليست حياة كاملة، فحيث عرض لها عرض من موت، أو مرض، أو غيرهما، فإنها تضعف بذلك، وتعجز عن أن تعمل شيئا، وربما تهلك، فحقيقة الأمر: أن البشر ضعاف فقراء، محتاجون، ليست لهم صفات الكمال، وهذا دليل عجزهم، ونقصهم، وأنهم مربوبون، مقهورون.
ولهذا يجب على العباد أن يتوجهوا بالعبادة إلى من له صفات الكمال، ونعوت الجمال، والجلال: وهو الله جل وعلا وحده . فهذا المراد بهذا الباب وهو ظاهر بحمد الله تعالى.
هذا الباب هو باب الشفاعة، وإيراد هذا الباب بعد البابين قبله مناسب جدا؛ ذلك أن الذين يسألون النبي ﵊ ويستغيثون به ويطلبون منه، أو يسألون غيره من الأولياء أو الأنبياء إذا أقيمت عليهم الحجة بما ذكر من توحيد الربوبية، قالوا: نحن نعتقد ذلك، ولكن هؤلاء الشفعاء مقربون عند الله معظمون، قد رفعهم الله - جل وعلا - عنده، ولهم الجاه عند الرب جل وعلا، وإذا كانوا كذلك فهم يشفعون عند الله، فمن توجه إليهم أرضوه بالشفاعة؛ لأنهم ممن رفعهم الله، ولهذا يقبل شفاعاتهم.
فكأن الشيخ ﵀ رأى حال المشركين والخرافيين واستحضر حججهم. وهو كذلك؛ إذ هو أخبر أهل هذه العصور المتأخرة بحجج المشركين.
فلما استحضر ذلك عقد باب الشفاعة ليحاججهم، فهذا باب الشفاعة. والشفاعة في الأصل: مأخوذة من (الشفع) ، والشفع هو: الزوج؛ لأن الشافع طالب؛ فصار مع صاحب الطلب الأصلي شفعا، فإذا أراد أحد من
стр. 209
[باب الشفاعة]
" باب الشفاعة " وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] .
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] ، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥] .
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [النجم: ٢٦] .
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] [سبأ: ٢٢ -٢٣] .
قال أبو العباس ﵀: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء: ٢٨] ، فهذه
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 210
الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، «وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع» (١) «وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك قال ﷺ " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (٢) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله تعالى ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 211
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة بيان حقيقتها.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
آخر شيئا، فجاءه ليشفع له: فقد صار - بذلك - شفعا له: فسميت شفاعة؛ لأن صاحب الطلب أصبح شفعا، بعد أن كان فردا.
والشفاعة هي: الدعاء. وطلب الشفاعة هو: طلب الدعاء، فإذا قال قائل: أستشفع برسول الله، فكأنه قال: أطلب من الرسول ﷺ أن يدعو لي عند الله. فالشفاعة طلب؛ فمن استشفع فقد طلب الشفاعة، والخلاصة: أن الشفاعة دعاء، وهي: طلب الدعاء أيضا، وقد سبق أن قررنا أن كل دليل ورد في الشرع على إبطال أن يدعي مع الله - جل وعلا - إله آخر، فإنه يصلح أن يكون دليلا على إبطال الاستشفاع بالموتى الذين غابوا عن دار التكليف؛ لأن حقيقة الشافع - كما تقدم آنفا - أنه طالب ولأن حقيقة المستشفع أنه طالب أيضا، فالشافع في ظن المستشفع يدعو، والمستشفع يدعو من أراد منه الشفاعة، يعني: إذا أتى آت إلى قبر نبي، أو قبر ولي أو نحو ذلك، فقال: أستشفع بك، أو أسأل الشفاعة، فمعناه أنه طالب منه، ودعا أن يدعو له؛ فلهذا كان صرفها، أو التوجه بها إلى غير الله - جل وعلا - شركا أكبر؛ لأنها في الحقيقة دعوة لغير الله، وسؤال من هذا الميت، وتوجه بالطلب والدعاء منه. فإذا عرفت معنى الشفاعة، وحكم طلبها من الأموات، وأن ذلك شرك أكبر: فاعلم أن الأحياء الذين هم في دار التكليف يجوز طلب الشفاعة منهم؛ بمعنى: أن يطلب منهم الدعاء، لكن قد يجاب دعاؤهم، وقد لا يجاب، وهذا كما حاصل في شفاعة الناس بعضهم لبعض، بالشفاعة الحسنة، أو بالشفاعة السيئة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥] ، فهذا يحصل لكن من
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأحياء؛ لأنهم في دار تكليف ويقدرون على الإجابة، وقد أذن الله في طلب الشفاعة منهم؛ ولهذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ ربما أتى بعضهم النبي ﵊ وطلب أن يشفع له، يعني: أن يدعو له.
فمسألة الشفاعة من المسائل التي تخفي على كثيرين بما في ذلك بعض أهل العلم؛ ولذا وقع بعضهم في أغلاط، في مسألة طلب الشفاعة من النبي ﵊ كما فعل النووي وابن قدامة في المغني وغيرهما. وهذا لا يعد خلافا في المسألة؛ لأن هذا الخلاف راجع إلى عدم فهم حقيقة هذا الأمر، ومسألة الشفاعة مسألة فيها خفاء؛ ولهذا يقول بعض أهل العلم من أئمة الدعوة ﵏: إقامة الحجة في مسائل التوحيد تختلف بحسب قوة الشبهة، فأقل الشبهات ورودا، وأيسر الحجج قدوما على المخالف هو فيما يتعلق بأصل دعوة غير الله معه، وبالاستغاثة بغير الله، والذبح لغيره، ونحو ذلك. ومن أكثرها اشتباها - إلا على المحقق من أهل العلم - مسألة الشفاعة؛ ولهذا فإن الشيخ ﵀ أتى بهذا الباب، وقال: " باب الشفاعة " وبين لك - بما ساق من الأدلة من الكتاب والسنة - أن الشفاعة التي تنفع لا تصح إلا بشروط، وكذلك فإن هناك شفاعة منفية، فليست كل الشفاعة مقبولة، بل منها ما يقبل، ومنها مالا يقبل؛ فالمقبول منها: له شروط وضوابط، والمردود منها: فلقيام أوصاف توجب ردها.
فالحاصل: أن الشفاعة الواردة في القرآن والسنة: قسمان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية: هي التي نفاها الله - جل وعلا - عن أهل الإشراك، وأول الأدلة التي ساقها الشيخ ﵀ في بيان هذه المسألة:
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] والشفاعة الواردة هنا هي: الشفاعة المنفية، وقد نفاها الله عن جميع الخلق، بما في ذلك الذين يخافون وهم أهل التوحيد، كما نفاها عن غيرهم. أما عن أهل التوحيد فهي منفية عنهم إلا بشروط، وهي: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه - جل وعلا - عن الشافع وعن المشفوع له.
فقوله هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] يعني: أن الشفيع في الحقيقة هو الله ﷻ دون ما سواه؛ ولهذا عقبها بالآية الأخرى، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] فالشفاعة جميعا ملك لله، وأهل الإيمان وغيرهم - في الحقيقة - ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فليس من أحد يشفع لهم من دون الله - جل وعلا - بل لا بد أن تكون الشفاعة بالله؛ يعني: بإذنه وبرضاه.
فإذا تقرر ذلك وأن الشفاعة منفية عن أحد سوى الله - تعالى - لأنه هو الذي يملك الشفاعة وحده، بطل تعلق قلوب المشركين الذين يسألون الموتى الشفاعة، بمسألة الشفاعة؛ لأن الشفاعة ملك لله، وهذا المدعو لا يملكها.
لكن هل تنفع الشفاعة مطلقا أم لا بد لها أيضا من قيود؟ ! نعم: الشفاعة تنفع لكن لا بد لها من شروط؛ ولهذا أورد الآيتين بعدها وهما قوله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥] ، وقوله:
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [النجم: ٢٦] ، ووجه الاستدلال من الآية الأولى: أنه قيد الإذن فيها؛ فليس لأحد أن يشفع إلا بشرط أن يأذن الله له، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا المقربون، يملكون شيئا من الشفاعات، وإنما الله - جل وعلا - هو الذي يملك الشفاعة. فإذا كان كذلك وأنه لا بد من إذنه - جل وعلا - فمن الذين يأذن الله - جل وعلا - لهم؟ ليعلم أولا: أن لا أحد يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، فإذا كان ذلك كذلك رجع الأمر إلى أن الله هو الذي يوفق للشفاعة، وهو الذي يأذن بها فلا أحد يبتدئ بها.
وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النجم: ٢٦] يعني: من الشافعين ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: يرضى قول الشافع، ويرضى - أيضا - عن المشفوع له.
ففائدة هذه الشروط وهي الفائدة المراد تقريرها في هذا الباب: أن لا يتعلق أحد بمن يظن أو يعتقد أن له عند الله مقاما وأنه يشفع له عند الله، كما يعتقد ذلك أهل الشرك في آلهتهم، حيث يزعمون أن من توجهوا إليهم بالشفاعة يملكون ذلك، جزما، فمتى توجه إليهم الطالب، وتذلل لهم، وتقرب إليهم بالعبادات ثم طلب منهم الشفاعة عند الله فإنهم يشفعون جزما، وأن الله لا يرد شفاعتهم.
فهذه الآيات فيها: إبطال لدعوى أولئك المشركين، واعتقادهم أن أحدا يملك الشفاعة بدون إذن الله، وبدون رضاه عن المشفوع وإذا ثبت أنه لا أحد