← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له شفع. السادسة: من أسعد الناس بها؟ السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة بيان حقيقتها. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] آخر شيئا، فجاءه ليشفع له: فقد صار - بذلك - شفعا له: فسميت شفاعة؛ لأن صاحب الطلب أصبح شفعا، بعد أن كان فردا. والشفاعة هي: الدعاء. وطلب الشفاعة هو: طلب الدعاء، فإذا قال قائل: أستشفع برسول الله، فكأنه قال: أطلب من الرسول ﷺ أن يدعو لي عند الله. فالشفاعة طلب؛ فمن استشفع فقد طلب الشفاعة، والخلاصة: أن الشفاعة دعاء، وهي: طلب الدعاء أيضا، وقد سبق أن قررنا أن كل دليل ورد في الشرع على إبطال أن يدعي مع الله - جل وعلا - إله آخر، فإنه يصلح أن يكون دليلا على إبطال الاستشفاع بالموتى الذين غابوا عن دار التكليف؛ لأن حقيقة الشافع - كما تقدم آنفا - أنه طالب ولأن حقيقة المستشفع أنه طالب أيضا، فالشافع في ظن المستشفع يدعو، والمستشفع يدعو من أراد منه الشفاعة، يعني: إذا أتى آت إلى قبر نبي، أو قبر ولي أو نحو ذلك، فقال: أستشفع بك، أو أسأل الشفاعة، فمعناه أنه طالب منه، ودعا أن يدعو له؛ فلهذا كان صرفها، أو التوجه بها إلى غير الله - جل وعلا - شركا أكبر؛ لأنها في الحقيقة دعوة لغير الله، وسؤال من هذا الميت، وتوجه بالطلب والدعاء منه. فإذا عرفت معنى الشفاعة، وحكم طلبها من الأموات، وأن ذلك شرك أكبر: فاعلم أن الأحياء الذين هم في دار التكليف يجوز طلب الشفاعة منهم؛ بمعنى: أن يطلب منهم الدعاء، لكن قد يجاب دعاؤهم، وقد لا يجاب، وهذا كما حاصل في شفاعة الناس بعضهم لبعض، بالشفاعة الحسنة، أو بالشفاعة السيئة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [النساء: ٨٥] [النساء: ٨٥] ، فهذا يحصل لكن من

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الأحياء؛ لأنهم في دار تكليف ويقدرون على الإجابة، وقد أذن الله في طلب الشفاعة منهم؛ ولهذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ ربما أتى بعضهم النبي ﵊ وطلب أن يشفع له، يعني: أن يدعو له. فمسألة الشفاعة من المسائل التي تخفي على كثيرين بما في ذلك بعض أهل العلم؛ ولذا وقع بعضهم في أغلاط، في مسألة طلب الشفاعة من النبي ﵊ كما فعل النووي وابن قدامة في المغني وغيرهما. وهذا لا يعد خلافا في المسألة؛ لأن هذا الخلاف راجع إلى عدم فهم حقيقة هذا الأمر، ومسألة الشفاعة مسألة فيها خفاء؛ ولهذا يقول بعض أهل العلم من أئمة الدعوة ﵏: إقامة الحجة في مسائل التوحيد تختلف بحسب قوة الشبهة، فأقل الشبهات ورودا، وأيسر الحجج قدوما على المخالف هو فيما يتعلق بأصل دعوة غير الله معه، وبالاستغاثة بغير الله، والذبح لغيره، ونحو ذلك. ومن أكثرها اشتباها - إلا على المحقق من أهل العلم - مسألة الشفاعة؛ ولهذا فإن الشيخ ﵀ أتى بهذا الباب، وقال: " باب الشفاعة " وبين لك - بما ساق من الأدلة من الكتاب والسنة - أن الشفاعة التي تنفع لا تصح إلا بشروط، وكذلك فإن هناك شفاعة منفية، فليست كل الشفاعة مقبولة، بل منها ما يقبل، ومنها مالا يقبل؛ فالمقبول منها: له شروط وضوابط، والمردود منها: فلقيام أوصاف توجب ردها. فالحاصل: أن الشفاعة الواردة في القرآن والسنة: قسمان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية: هي التي نفاها الله - جل وعلا - عن أهل الإشراك، وأول الأدلة التي ساقها الشيخ ﵀ في بيان هذه المسألة:

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] والشفاعة الواردة هنا هي: الشفاعة المنفية، وقد نفاها الله عن جميع الخلق، بما في ذلك الذين يخافون وهم أهل التوحيد، كما نفاها عن غيرهم. أما عن أهل التوحيد فهي منفية عنهم إلا بشروط، وهي: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه - جل وعلا - عن الشافع وعن المشفوع له. فقوله هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] يعني: أن الشفيع في الحقيقة هو الله ﷻ دون ما سواه؛ ولهذا عقبها بالآية الأخرى، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] فالشفاعة جميعا ملك لله، وأهل الإيمان وغيرهم - في الحقيقة - ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فليس من أحد يشفع لهم من دون الله - جل وعلا - بل لا بد أن تكون الشفاعة بالله؛ يعني: بإذنه وبرضاه. فإذا تقرر ذلك وأن الشفاعة منفية عن أحد سوى الله - تعالى - لأنه هو الذي يملك الشفاعة وحده، بطل تعلق قلوب المشركين الذين يسألون الموتى الشفاعة، بمسألة الشفاعة؛ لأن الشفاعة ملك لله، وهذا المدعو لا يملكها. لكن هل تنفع الشفاعة مطلقا أم لا بد لها أيضا من قيود؟ ! نعم: الشفاعة تنفع لكن لا بد لها من شروط؛ ولهذا أورد الآيتين بعدها وهما قوله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [البقرة: ٢٥٥] ، وقوله:

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [النجم: ٢٦] ، ووجه الاستدلال من الآية الأولى: أنه قيد الإذن فيها؛ فليس لأحد أن يشفع إلا بشرط أن يأذن الله له، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا المقربون، يملكون شيئا من الشفاعات، وإنما الله - جل وعلا - هو الذي يملك الشفاعة. فإذا كان كذلك وأنه لا بد من إذنه - جل وعلا - فمن الذين يأذن الله - جل وعلا - لهم؟ ليعلم أولا: أن لا أحد يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، فإذا كان ذلك كذلك رجع الأمر إلى أن الله هو الذي يوفق للشفاعة، وهو الذي يأذن بها فلا أحد يبتدئ بها. وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النجم: ٢٦] يعني: من الشافعين ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: يرضى قول الشافع، ويرضى - أيضا - عن المشفوع له. ففائدة هذه الشروط وهي الفائدة المراد تقريرها في هذا الباب: أن لا يتعلق أحد بمن يظن أو يعتقد أن له عند الله مقاما وأنه يشفع له عند الله، كما يعتقد ذلك أهل الشرك في آلهتهم، حيث يزعمون أن من توجهوا إليهم بالشفاعة يملكون ذلك، جزما، فمتى توجه إليهم الطالب، وتذلل لهم، وتقرب إليهم بالعبادات ثم طلب منهم الشفاعة عند الله فإنهم يشفعون جزما، وأن الله لا يرد شفاعتهم. فهذه الآيات فيها: إبطال لدعوى أولئك المشركين، واعتقادهم أن أحدا يملك الشفاعة بدون إذن الله، وبدون رضاه عن المشفوع وإذا ثبت أنه لا أحد

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يملكها، وأن من يشفع إنما يشفع بإكرام الله له، وبإذنه - جل وعلا - له فكيف يتعلق المتعلق بهذا المخلوق، بل الواجب أن يتعلق بالذي يملك الشفاعة؛ وإذا كان من المتقرر شرعا أن شفاعة النبي ﷺ حاصلة يوم القيامة، فهل يصح طلبها منه؟ الجواب: أن طلبها إنما هو من الله - تعالى - فتقول في ذلك: اللهم شفع فينا نبيك؛ لأنه - تعالى - هو الذي يفتح، ويلهم النبي ﵊ أن يشفع في فلان وفي فلان، فيمن سألوا الله أن يشفع لهم النبي ﵊؛ ولهذا أعقبها الشيخ ﵀ بآية سبأ فقال: وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] [سبأ: ٢٢] ، فهذه الآية اشتملت على أربع حالات: الحالة الأولى: أن يدعوا الذين زعموهم من دون الله، وأن ينظروا هل يملكون مثقال ذرة في السماوات أو في الأرض؟ ! والجواب: كما قال جل وعلا: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] فانتفى عنهم الملك الاستقلالي، وهذه هي الحالة الأولى. والثانية: في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] إذ نفى - هنا - أيضا: أن يكونوا شركاء لله في الملك، وفي تدبير السماوات والأرض، أو في ملك شيء منهما، فنفى أولا أن يملكوا استقلالا، ونفى ثانيا أن يملكوا شركة، ثم قال بعدها: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] والظهير: هو المعاون

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والمؤازر، والوزير، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: الله تعالى، و: ﴿مِنْهُمْ﴾ [سبأ: ٢٢] يعني: من تلك الآلهة، ما له من وزير ولا معاون؛ لأنه قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمت من يعين الله على تدبير الأمور وتصريف الشؤون، كالملائكة أو الأنبياء؛ فيظن أنه إذا توجه إلى أولئك بالدعاء وبالطلب، كان قد توجه إلى من يعين الله، فيعتقد أنه إذا طلب من الله فإن الله لن يرده؛ لأنه ممن يعين الله! وقد بنوا هذا الاعتقاد الفاسد على تشبيه الخالق - تعالى - بما يحصل من المخلوقين بعضهم لبعض؛ فإن الملك في هذه الدنيا، أو الحاكم، أو الأمير إذا كان له من يعينه، ومن يظاهره، وشفع هذا المعين لأحد فإنه لا يرد شفاعته؛ لأنه يحتاجه؛ فلأجل هذه الحاجة لا يرد الأمير، أو الملك، شفاعة من كان له ظهيرا، فلما ظن هؤلاء المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة لله - جل وعلا - نفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي، وهذه هي الحالة الثالثة. ثم نفى أخيرا آخر اعتقاد، وهو: أن تلك الآلهة تملك الشفاعة، فقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] [سبأ: ٢٣] فنفى - آخر ما نفى - الشفاعة، وأثبتها بشرط فقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وهذه هي الحالة الرابعة. إذن: فالآيات التي سبقت من أول الباب إلى هنا رتبها الإمام ﵀ ترتيبا موضوعيا؛ ووجه الاستدلال في الآية الأولى والثانية: أن الشفاعة ملك

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لله، وليس لأحد شيء من الشفاعة. فإذا كان لا يملك فمن يشفع إذا؟ وكيف يشفع؟ الجواب: يشفع بأن يعطى الشفاعة، ويؤذن له بها، ويكرم بها. وسؤال آخر وهو: هل يشفع الشافع استقلالا؟ وجوابه: أن الله تعالى نفى شفاعة الاستقلال، وأثبت الشفاعة بشرط، وهو شرط الإذن والرضا. إذا كان كذلك فمن الذي يؤذن له؟ ومن الذي يرضى له أن يشفع؟ ومن الذي يرضى عنه أن يشفع فيه، هذه ثلاثة أسئلة جوابها في كلام شيخ الإسلام حيث قال المصنف ﵀: قال أبو العباس: " نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة. فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [الأنبياء: ٢٨] ، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفها القرآن. . . . . " ومعنى قول أبي العباس: " منتفية يوم القيامة ": يعني عن جميع الخلق، إلا لمن أثبت الله - جل وعلا - له الاستحقاق، أو أن يكون نائلا تلك الشفاعة، يعني: الأصل أن لا شفاعة إلا لمن رضي الله قوله أو أذن له جل وعلا. ثم قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: " كما نفاها القرآن، «وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمده» : قول الشيخ ﵀، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن " يعني: منتفية بدون شروط؛ لأن المشركين

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يعتقدون أنها تحصل بدون إذن من الله ولا رضا؛ لأن الشافع عندهم يملك الشفاعة، ولكن حقيقتها: أنها لا تحصل إلا بالشرط المذكور في الكتاب والسنة. ثم قال أبو العباس ﵀: ". . . . . . يأتي فيسجد لربه ويحمده - لا يبدأ بالشفاعة أولا - ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع ". «وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (١) فالدليل الأول وهو من السنة فيه أن النبي ﷺ وهو سيد ولد آدم - لا يشفع حتى يؤذن له كما في قوله: «يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع» (٢) فهذا في دليل الإذن. لكن من الذي يؤذن له؟ الجواب: يؤذن للنبي ﵊، ويؤذن للرسل فلا يبتدئون بالشفاعة من أنفسهم، وإنما يستأذنون في الشفاعة فيؤذن لهم؛ لأنهم لا يملكونها، وإنما الذي يملكها إنما هو الله . فإذا قيل: فمن الذي يؤذن في الشفاعة فيه؟ ومن الذي يرضى عنه في الشفاعة؟ فالجواب جاء في الحديث الآخر؛ حيث «قال أبو هريرة للنبي ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه» (٣) فهذا الذي يرضى عنه، فيشفع فيه، بعد إذن الله - جل وعلا -

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فالمخصوصون بنيل الشفاعة هم: أصحاب الإخلاص من أهل التوحيد، فتبين أن تلك الشفاعة منتفية عن أهل الشرك. ثم قال أبو العباس ابن تيمية: " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله ": ومعنى هذا: أن من توجه إلى الموتى، أيا كانوا: رسلا، أم أنبياء، أو صالحين أو كالصالحين لطلب الشفاعة منهم فإنه مشرك؛ لأنه توجه بالدعاء لغير الله، وأولئك لا يملكون الشفاعة، وإنما يشفعون بعد الإذن والرضا، والرضا يكون عن أهل التوحيد، وأهل التوحيد هم الذين لا يسألون الشفاعة أحدا من الموتى. فكل من سأل ميتا الشفاعة: فقد حرم نفسه الشفاعة؛ لأنه أشرك بالله - جل وعلا - والشفاعة المثبتة، إنما هي لأهل الإخلاص، ليس لأهل الشرك فيها نصيب. " وحقيقته ": يعني حقيقة الشفاعة. ثم قال ابن تيمية ﵀ موضحا حقيقة الشفاعة: " وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود "، فهذا الكلام في مقام بيان حقيقة الشفاعة، فإننا قد ذكرنا أن الله نفى أن يملك أحد الشفاعة، وأنها خاصة به كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] [الزمر: ٤٤] ، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٤٤] لام الملك، يعني: الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، وقال ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١]

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فإن الشفاعة إنما هي لله ﵎، وجاءت الأدلة بنفي الشفاعة عن المشركين، وأن الشفاعة النافعة: إنما هي لأهل الإخلاص، بشرطين: الإذن، والرضا. إذا تقرر ذلك: فما حقيقة الشفاعة؟ يعني: ما حقيقة حصولها، وكيف تحصل؟ الجواب في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: " حقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص " يعني أن الذين شفع لهم، إنما ذلك بتفضل الله - جل وعلا - عليهم، وهم أهل الإخلاص؛ حيث جاء في حديث أبي هريرة قوله ﵊: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه» أو قال: «خالصا من قلبه ونفسه» ، فأهل الإخلاص هم الذين يكرمهم الله بالشفاعة، فالمتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا، فإذا ثبت ذلك: انقطع القلب من التعلق بغير الله في طلب الشفاعة؛ لأن الذين توجهوا إلى المعبودات المختلفة كالأولياء، والصالحين، والملائكة، وغيرهم: إنما توجهوا إليهم رجاء الشفاعة، كما قال - جل وعلا - عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] ، فإذ بطل أن تكون لهم الشفاعة وثبت أن المتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا، فإن الله ﷻ إنما يتفضل بها على أهل الإخلاص، فيغفر لهم أي: بواسطة من دعا، بواسطة دعاء الذي أذن له أن يشفع. وهاهنا سؤال: لم لم يتفضل الله عليهم بأن يغفر لهم بدون واسطة الشفاعة؟ والجواب عن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بقوله:

стр. 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " ليكرمه "، أي: إظهارا لفضل الشافع، وإكرام الله - تعالى - له في ذلك المقام، فإن من المعلوم: أن الشافع - الذي قبلت شفاعته - ليس في المقام مثل المشفوع له؛ فالله - جل وعلا - يظهر إكرامه لمن أذن له أن يشفع، ويظهر رحمته بالشافع؛ فقد تكون للشافع قرابة، أو أحباب يريد أن يشفع لهم، ولذلك: فإن الشفاعة يوم القيامة لأهل الكبائر: ليست خاصة بالنبي ﷺ ، بل يشفع - أيضا - الأنبياء، والملائكة، والصالحون. فهذه شفاعات مختلفة في أهل الكبائر جعلها الله إكراما للشافع، ورحمة به، وأيضا: رحمة بالمشفوع له، وإظهارا لفضل الله - جل وعلا - على الشافع، والمشفوع له. فالحاصل: أن حقيقة الشفاعة تكون بتفضيل الله - تعالى - على المأذون له بالشفاعة ليشفع وإكرامه بذلك، ثم تفضله على المشفوع له ورحمته بقبول الشفاعة فيه. وهذا كله دال - لمن كان له قلب - على عظم الله - جل وعلا - وتفرده بالملك، وتفرده بتدبير الأمر وأنه - سبحانه - الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي له الشفاعة كلها، وهو الذي له ملك الأمر كله؛ ليس لأحد منه شيء، وإنما يظهر - سبحانه - فضله، وإحسانه، ورحمته، وكرمه؛ لتتعلق به القلوب، فبطل - إذا - أن يكون ثم تعلق للقلب بغير الله - جل وعلا - لأجل الشفاعة، وبطل - أيضا - صنيع الذي تعلقوا بالأولياء، أو تعلقوا بالصالحين، أو بالأنبياء، أو بالملائكة لأجل الشفاعة، فإذا تبين حد الشفاعة، وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله وإكرام، أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة، ورجائها؛ فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلون، ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذن لهم بالشفاعة.

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك " أي: مثل ما في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] [الأنعام: ٥١] فهذه شفاعة منفية، وهي الشفاعة التي فيها شرك، وكذلك: فإن المشركين لا يشفعون؛ فالشفاعة في حقهم منفية؛ لأنهم لم يرض عنهم. فالشفاعة التي فيها شرك من جهة الطلب، أو من جهة من سئلت له، بأن كان مشركا، فإنها منفية عن هؤلاء، بل لا تنفعهم. فثبت بذلك أن المستحقين للشفاعة هم الذين أنعم الله عليهم بالإخلاص، ووفقهم لتعظيمه، وتعلقت قلوبهم به وحده دون ما سواه؛ بخلاف الذين حرموها من المشركين بالله الشرك الأكبر، فلا نصيب لهم منها؛ لأن الشفاعة فضل من الله لأهل الإخلاص. وأما الشفاعة المثبتة فهي التي أثبتت بشرط الإذن، والرضا. قال شيخ الإسلام بعد ذلك: " ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع ". وهذه هي الشفاعة المثبتة " أثبتها بإذنه في مواضع ": أي بشرط الإذن، والإذن: إما إذن كوني، وإما إذن شرعي؛ فالمأذون له بالشفاعة لا يمكن أن تحصل منه الشفاعة، إلا أن يأذن الله له كونا بأن يشفع، فإذا منعه الله كونا أن يشفع لم تحصل منه الشفاعة ولا تحركت بها لسانه. ومعنى الإذن في باب الشفاعة: بأن تكون خالصة وخالية من الشرك، وأن يكون المشفوع له ليس من أهل الشرك. ويخص من ذلك أبو طالب، حيث يشفع له النبي ﵊ في تخفيف العذاب عنه، فهي شفاعة

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ليست في الانتفاع بالإخراج من النار، إنما هي في تخفيف العذاب، خاصة بالنبي ﵊ بما أوحى الله - جل وعلا - إليه، وأذن له بذلك. ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في آخر كلامه: " وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص "، وهذه هي الشفاعة المثبتة بشرط الرضا. فتبين بهذا الباب أن الشفاعة التي تعلقت بها قلوب أولئك الخرافيين المشركين باطلة؛ وأن قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] قول باطل؛ إذ الشفاعة التي تنفع إنما هي لأهل الإخلاص ثم إن طلبها وسؤالها من غير الله تعالى مؤذن بحرمانهم إياها، ما داموا طلبوها من غير الله، ووقعوا في الشرك الصريح. وخلاصة الباب: أن تعلق أولئك بالشفاعة عاد عليهم بعكس ما أرادوا، فإنهم لما تعلقوا بالشفاعة حرموها؛ لأنهم تعلقوا بشيء لم يأذن الله - جل وعلا - به شرعا؛ حيث استخدموا الشفاعات الشركية، وتوجهوا إلى غير الله، وتعلقت قلوبهم بهذا الغير. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الهداية من أعز المطالب، وأعظم ما تعلق به المتعلقون بغير الله؛ أن يحصل لهم النفع الدنيوي والأخروي من الذين توجهوا إليهم، واستشفعوا

стр. 225

[باب قول الله تعالى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص: ٥٦] وفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له رسول الله ﷺ : «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : " لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك "، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] [التوبة: ١١٣] . وأنزل الله ﵎ في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] » [القصص: ٥٦] (١) . فيه مسائل: الأولى: تفسير: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 226

الثانية تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] الثالثة: وهي المسألة الكبرى تفسير قوله: «قل لا إله إلا الله» ، بخلاف ما عليه من يدعي العلم. الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: «قل لا إله إلا الله» ؛ فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام. الخامسة: جده ﷺ ومبالغته في إسلام عمه. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه. السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك. الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان. التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر. العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك. الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته. الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها؛ مع مبالغته ﷺ وتكريره. فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بهم. ولما كان النبي ﷺ وهو أفضل الخلق، وسيد ولد آدم قد نفى الله عنه أن يملك الهداية - وهي نوع من أنواع المنافع - دل ذلك على أنه ﵊، ليس له من الأمر شيء، كما جاء فيما سبق في باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] [الأنعام: ١٩١] في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] [آل عمران: ١٢٨] ، فإذا كان النبي ﵊ ليس له من الأمر شيء، ولا يستطيع أن ينفع قرابته، كما جاء في قوله: " يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا " (١) أقول: إذا كان هذا في حق المصطفى ﷺ ، وأنه لا يغني من الله - جل وعلا - عن أحبابه شيئا، وعن أقاربه شيئا ولا يملك شيئا من الأمر، وليست بيده هداية التوفيق، فإنه أن ينتفي ذلك، وما دونه، عن غير النبي ﷺ من باب أولى. فبطل - إذا - كل تعلق للمشركين - من هذه الأمة - بغير الله جل وعلا؛ لأن كل من تعلقوا به هو دون النبي ﵊ بالإجماع، فإذا كانت هذه حال النبي ﵊، وقد نفى الله عنه ملك هذه الأمور، فإن نفي ذلك عن غيره من باب أولى. قال هنا: " باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (لا) هنا نافية، وقوله " تهدي " الهداية المنفية هنا: هي هداية التوفيق، والإلهام الخاص، والإعانة الخاصة، وهي التي يسميها العلماء: هداية التوفيق

стр. 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والإلهام، ومعناها: أن الله - جل وعلا - يجعل في قلب العبد من الإعانة الخاصة على قبول الهدى، ما لا يجعله لغيره. فالتوفيق إعانة خاصة لمن أراد الله توفيقه؛ بحيث يقبل الهدى ويسعى فيه. فجعل هذا في القلوب ليس إلى النبي ﷺ ؛ إذ القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، حتى إن أحب الناس إليه ﷺ لا يستطيع ﵊ أن يجعله مسلما مهتديا، وقد كان أبو طالب من أنفع قرابة النبي ﷺ له، ومع ذلك لم يستطع أن يهديه هداية توفيق. فالمنفي هنا في قوله: [تهدي] هي هداية التوفيق. والنوع الثاني من الهداية المتعلقة بالمكلف هي: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه ثابتة للنبي ﷺ بخصوصه، ولكل داع إلى الله، ولكل نبي ورسول، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] [الرعد: ٧] ، وقال - جل وعلا - في نبيه ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] [الشورى: ٥٢ - ٥٣] ، ومعنى [لتهدي] أي: لتدل وترشد إلى صراط مستقيم بأبلغ أنواع الدلالة، وأبلغ أنواع الإرشاد، المؤيدين بالمعجزات والبراهين الدالة على صدق ذلك الهادي، وصدق ذلك المرشد. فالهداية المنتفية - إذا - هي: هداية التوفيق، وهذا يعني: أن النفع، وطلب النفع في هذه المطالب المهمة يجب أن يكون من الله جل وعلا، ومحمد ﵊ مع عظم شأنه عند ربه، وعظم مقامه عند ربه، وأنه سيد ولد آدم، وأفضل الخلق ﵊، وأشرف الأنبياء والمرسلين: إلا أنه لا يملك من الأمر شيئا ﵊.

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فبطل - إذا - تعلق القلوب في المطالب المهمة - كالهداية، والمغفرة، وطلب الرضوان، وطلب دفع الشرور، وفي جلب الخيرات - إلا بالله - جل وعلا - فإنه هو الذي يجب أن تتعلق القلوب به - جل وعلا - خضوعا، وإنابة، ورغبا، ورهبا، وإقبالا عليه، وإعراضا عما سواه . قوله: " في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له رسول الله ﷺ : " يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله "، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله» . في هذا القدر من الحديث فائدة، وهي: أن هذه الكلمة (لا إله إلا الله) ليست كلمة مجردة عن المعنى، تنفع من قالها، ولو لم يقر بمعناها. والعرب كانوا لصلابتهم، وعزتهم، ورجولتهم، ومعرفتهم بما يقولون إذا تكلموا، أو خوطبوا بكلام، يعون كل حرف، وكل كلمة خوطبوا بها، أو نطقوا بها؛ ولذلك لما قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله مع أنها كلمة يسيرة أبوا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة معناها: إبطال إلهية من سوى الله - جل وعلا - ولهذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ - بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٧] الآيات [الصافات: ٣٥ - ٣٧] ، وكذلك

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قول الله - جل وعلا - مخبرا عن قولهم في أول سورة (ص) : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] [ص: ٥] استنكروا قول: (لا إله إلا الله) . وهذا هو الذي حصل مع أبي طالب لما قال له النبي ﷺ : «قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» . فلو كانت كلمة مجردة من المعنى عندهم، أو يمكن أن يقولها المرء دون اعتقاد ما فيها، ورضى بما فيها ويقين وانتفاء الريب: لقالها، ولكن ليس هذا هو المقصود من قول (لا إله إلا الله) ، بل المقصود هو قولها مع تمام اليقين بها، وانتفاء الريب، والعلم، والمحبة، إلى آخر الشروط المعروفة. وقوله في الحديث: فقالا له: " أترغب عن ملة عبد المطلب ": هذا فيه - والعياذ بالله - ضرر جليس السوء على المجالس له. وقوله: «فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : " لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك» : وهذا موطن الشاهد من هذا الحديث. ومناسبة هذا الحديث، لهذا الباب أن النبي ﷺ قال: «لأستغفرن لك» واللام في قوله: " لأستغفرن " هي التي تقع في جواب القسم؛ فثم قسم مقدر، تقديره: والله لأستغفرن لك. فالاستغفار حصل من النبي ﷺ لعمه، ولكن: هل نفع استغفار النبي ﷺ له؟ ؟ لم ينفعه ذلك. وطلب الشفاعة والاستشفاع هو: من جنس طلب المغفرة، فالاستغفار طلب المغفرة، والشفاعة قد يكون منها طلب المغفرة، ولكن لم يقبل الله تعالى من النبي ﷺ شفاعته لعمه؛ لأن المطلوب له كان مشركا، والاستغفار والشفاعة لا تنفعان أهل الشرك، والنبي ﷺ لا يملك أن ينفع مشركا بالشفاعة

стр. 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] له بمغفرة ذنوبه، أو أن ينفع أحدا ممن توجه إليه بدعوة؛ أو استغاثة، أو استعانة لإزالة ما به من كربات. أو جلب الخيرات له؛ لهذا قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] [التوبة: ١١٣] ، وهذا ظاهر في المقام: أن الله - جل وعلا - نهى النبي ﷺ أن يستغفر للمشركين. فائدة: كلمة (ما كان) في الكتاب والسنة تأتي على استعمالين: الاستعمال الأول: النهي. والاستعمال الثاني: النفي. فالنهي: مثل هذه الآية، وهي قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] [التوبة ١٢٢] ، فهذا نهي عن الاستغفار لهم، وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] والنفي كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] [القصص: ٥٩] ، ونحو ذلك من الآيات. فإذا عرفنا أن كلمة (ما كان) تأتي في القرآن على هذين المعنيين، فالمراد بها - هنا - النهي، أي: النهي عن الاستغفار لأحد من المشركين. فإذا كان الله نهى الرسل، والأنبياء، والأولياء، وغيرهم من أهل الصلاح

стр. 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] - في حال حياتهم - عن الاستغفار لهؤلاء المشركين، فهذا يدل: أنه لو فرض أنهم يقدرون على الاستغفار في حال حياتهم البرزخية: فإنهم لن يستغفروا للمشركين، ولن يسألوا الله لمن توجه إليهم - حال موتهم - لطلب الاستشفاع، أو لطلب الإغاثة، أو غيرها من العبادات، وأنواع التوجهات. والله أعلم. قال: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص: ٥٦] . بين الشيخ ﵀ فيما سبق من الأبواب أصولا عظيمة، وأقام البراهين على التوحيد، وبين ما يتعلق به المشركون، وأبطل أصول اعتقادهم بالشريك، أو الظهير، أو الشفيع، ونحو ذلك. فإذا كان التوحيد ظاهرا، والأدلة عليه من النصوص بينة، فكيف - إذا - دخل الشرك؟ وكيف وقع الناس فيه؛ والأدلة على انتفائه، وبطلانه، وعدم

стр. 233

[باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين] " باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " وقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء ١٧١] . وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] [نوح: ٢٣] . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت (١) . وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم (٢) . وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» أخرجاه. (٣) . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 234

وقال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (١) ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون ". قالها ثلاثا» (٢) . فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده؛ تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب. الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين. الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم. الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها. الخامسة: أن سبب ذلك كله: مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئا، أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره. السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح. السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد. الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف، أن البدع سبب الكفر. التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل. العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 235

الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها. الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات؛ فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال. الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور، أرادوا ذلك. السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم؛ ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده. العشرون: أن سبب فقد العلم: موت العلماء. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] جوازه ظاهرة؟ مع أن الرسل جميعا بعثوا، ليعبد الله وحده دون ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] [النحل: ٣٦] ، فما سبب الغواية؟ وما سبب الشرك؟ فإذا كانت قضية التوحيد من أوضح الواضحات، والأبواب السالفة دالة بظهور ووضوح على وجوب إحقاق عبادة الله وحده، وعلى إبطال عبادة كل من سوى الله ﷻ وتقدست أسماؤه - فما سبب وقوع الشرك إذا؟ وكيف وقعت فيه الأمم؟ وللأجوبة على هذه الأسئلة أورد الشيخ ﵀ هذا الباب وما بعده؛ ليبين أن سبب الشرك، وسبب الكفر هو: الغلو الذي نهى الله - جل وعلا - عنه، ونهى عنه رسوله ﷺ ، سواء في هذه الأمة أو في الأمم السابقة، فأحد أسباب وقوع الكفر والشرك هو: الغلو في الصالحين، بل هو سببهما الأعظم. قال هنا: " باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " هذا ذكر للأسباب، بعد ذكر الأصول والعقائد. " هو الغلو في الصالحين ": الغلو: مأخوذ من غلا الشيء: يغلو، غلوا: إذا جاوز به حده، وقد جاء في الحديث «أن النبي ﷺ لما رمى الجمرات بحصيات، قال: " بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو» (١) يعني: لا تجاوزوا الحد

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] حتى في حجم تلك الحصاة، ومقدارها؛ ولذلك أرشدهم إلى الحجم الذي ينبغي أن تكون عليه بقوله: «بمثل هذه فارموا» فإذا جاوز في المثلية، بأن رمى بكبيرة: فإنه قد غلا، يعني: جاوز الحد الذي حد له في ذلك، فالغلو - إذا - هو: مجاوزة الحد. والمقصود بـ " الغلو في الصالحين " الذي هو سبب كفر بني آدم، وتركهم، دينهم الذي أمروا به: أنهم تجاوزوا الحد الواجب في تعظيمهم حتى آل بهم الأمر إلى الشرك. وقوله: " الصالحون ": يشمل كل من قام به هذا الوصف، من الأنبياء، والرسل، والأولياء، من أي أمة كانوا. وأصل كلمة (الصالحين) أنها جمع (الصالح) . والصالح: هو اسم من قام به الصلاح، والصلاح في الكتاب والسنة تارة يكون بمعنى نفي الفساد أي: ما يقابل الفساد، وتارة يكون بمعنى ما يقابل السيئات، فيقال صالح بمعنى ليس بذي فساد، ويقال أيضا صالح بمعنى: ليس بسيئ. والصالحون هنا المراد بهم.: أهل الصلاح يعني: أهل الطاعة والإخلاص لله - جل وعلا - الذين اجتنبوا الفساد واجتنبوا السيئات، وهم الذين اشتركوا في فعل الطاعات وترك المحرمات، أو كانوا من السابقين بالخيرات، فاسم الصالح يقع شرعا على المقتصد، وعلى السابق بالخيرات؛ فالمقتصد صالح، والسابق بالخيرات، صالح وكل درجات عند اله جل وعلا. " والغلو في الصالحين " يعني: مجاوزة الحد فيهم، لكن ما الحد الذي أذن به الشرع في حق الصالحين، حتى نعلم متى يكون تعظيمهم مجاوزة للحد المعلوم؟ الجواب: أنهم إذا كانوا من الرسل: فبالأخذ بشرائعهم، واتباعهم،

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والاقتداء بهم، مع المحبة، والاحترام، والموالاة، والنصرة، وغير ذلك من المعاني الداخلة في الحد المأذون به في حقهم. أما الغلو فيهم مجاوزة ذلك الحد، وهو بحر لا ساحل له، فمما حصل من الغلو فيهم أنهم جعلت فيهم خصائص الإلهية كما ادعاه في حق نبينا ﷺ أنه يعلم سر اللوح والقلم، وأنه من جوده الدنيا وضرتها كما قاله البوصيري في قصيدته المشهورة، المسماة بـ (البردة) : فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم ومن المعلوم: أن هذا لا يليق إلا بالله، فهذا من الغلو المنهي عنه، وكذلك قوله في النبي ﵊، غاليا فيه أعظم الغلو: لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم يقول: إن النبي ﵊ لم يعط آية تناسب قدره، قال الشراح: حتى القرآن لا يناسب قدر النبي ﷺ والعياذ بالله. يقولون: والقرآن المتلو بخلاف غير المتلو عند الأشاعرة؛ لأنهم يفرقون بين هذا وهذا. فهذا البوصيري يغلو ويقول: لو ناسبت قدره - يعني النبي ﵊ آياته عظما - يعني في العظمة - أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم، فالذي يناسب قدره، عند البوصيري أنه إذا ذكر اسمه على ميت قد درس، وذهب رميمه في الأرض، وذهبت عظامه أن تتجمع هذه العظام وتحيى، لأجل ذكر اسم النبي ﷺ عليه، وهذا من أنواع الغلو الذي يحصل من الذين يعبدون غير الله - جل وعلا - ويتوجهون إلى الأنبياء والرسل، ويجعلون في حقهم من خصائص الألوهية ما لا إذن لهم به، بل هو من الشرك الأكبر

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بالله جل وعلا، ومن سوء الظن بالله، ومن تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا كفر والعياذ بالله. فالحد المأذون به شرعا في حقهم مطلوب، وهذه هي الحالة الأولى. والغلو مذموم شرعا، ومنهي عنه، وهذه هي الحالة الثانية، ويقابلها: الجفاء، في حقهم وهي الحالة الثالثة. وهذا الجفاء له صور منها: عدم موالاتهم، وبخسهم حقهم، وترك محبتهم، فالحاصل: أن كل تقصير في حقهم يعد جفاء، وكل زيادة فيه يعد غلو. قوله: " وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] مناسبته للباب ظاهرة، وهي: أنه تعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] [النساء: ١٧١] ، ووجه الاستدلال من الآية أنه قال: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ [النساء: ١٧١] و (تغلو) فعل جاء في سياق النهي فهو يعم جميع أنواع الغو في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين، أي لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين؛ فنهوا عن أي نوع من أنواع الغلو. فيدخل في هذا عموم الغلو في الصالحين وغيرهم. والمتأمل لحال أهل الكتاب، ولما قص الله - جل وعلا - من أخبارهم: يجد أنهم قد غلوا في صالحيهم، كغلو النصارى - مثلا - في عيسى ﵇ وفي أمه وفي حوارييه، وكغلو اليهود - أيضا - في عزير، وفي أصحاب موسى، وفي أحبارهم، وفي رهبانهم وهكذا. فحصل الغلو في أهل الكتاب بأن جعلوا للرسل والأنبياء خصائص الألوهية من جهة التوجه لهم، وقد قال الله

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣] [المائدة: ٧٢ - ٧٣] ، وفي آخر سورة المائدة أيضا قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] يعني: تنزيها وتعظيما لك أن أقول لهم ذلك؛ لأن ذلك من الشرك، فكيف أقول لهم ذلك؟ ! ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] [المائدة: ١١٦ - ١١٧] ، وهذا كله في التوحيد. فالحاصل: أن الغلو وقع من أتباع الرسل، وأتباع الأنبياء في الأنبياء والرسل، وغلوا - أيضا - في الصالحين من أتباعهم، وجعلوا لهم بعض خصائص الإلهية، وجعلوا لهم الشفاعة، وزعموا أن لهم نصيبا من الملك، أو أنهم يدبرون الأمور، أو أنهم يصرفون شيئا من الملكوت، وهذا كما يعتقده بعض الصوفية: أن للكون أقطابا أربعة يدبرون أمر هذا العالم،

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وربما قالوا: الربع الفلاني، المسؤول عنه: القطب الفلاني، والربع الفلاني، المسؤول عنه: القطب الفلاني، وهكذا. فجعل هؤلاء المتصوفة لأقطابهم المزعومين نصيبا من الملك والربوبية، وجعلوا لهم - أيضا - نصيبا من الإلهية؛ فتقربوا إليهم بأنواع القربات: من الذبح، والاستغاثة، والتذلل، والخضوع، والمحبة، والتوكل، والرغب، والرهب، وخوف السر، وغيرها من أنواع العبادات القلبية والعملية. قوله: " وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄، في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] [نوح ٢٣ - ٢٤] . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم. . . . ": هذه القصة، أو هذا الأثر عن ابن عباس ﵄ محمول على الرفع؛ لأن هذا خبر غيبي لا يستقى إلا من مشكاة النبوة. و (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا) هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. ونوح ﵇ هو أول رسول بعثه الله بعبادة الله وحده دون من سواه، وبالدعوة إلى التوحيد، لما وقع في قومه. لكن كيف دخل الشرك في قوم نوح؟ الجواب: أن القرآن ذكر أصلين في الحالين، من أصول الشرك وذكر غيرهما أيضا: الأصل الأول: شرك قوم نوح، والأصل الثاني: شرك قوم إبراهيم.

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وأما شرك قوم نوح فكان بالغلو في الصالحين، وأرواحهم؛ فجاءهم الشيطان من جهة روح ذلك العبد الصالح، وأثر تلك الروح، وأن من تعلق به فإنه يشفع له، ثم ساقهم من ذلك التعظيم إلى أن صوروا لهم صورا، ونصبوا لهم أنصابا، وأوثانا، وأصناما حتى إذا طال عليهم الأمد عبدوهم. الأصل الثاني: شرك قوم إبراهيم، وذلك شرك في التأثير، يعني: من جهة النظر في الكواكب ومن يؤثر ويحرك، فهذا شرك في الربوبية، وما تبعه من الشرك في الألوهية؛ لأنهم جعلوا لتلك الكواكب أصناما، وجعلوا لها صورا، وجعلوها أوثانا، فعبدوها من دون الله - جل وعلا - وتوجهوا إليها. فسبب وقوع الشرك في قوم نوح هو الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس هنا في بيان أصل وقوع هذا الشرك: " فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت. وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: " لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ": الشاهد من هذا: أن أولئك توجهوا إلى الصور - صور الصالحين - وكانوا أهل علم يعلمون أنهم إذا اتخذوا هذه الصور فإنهم لن يعبدوها. لكن كانت تلك الصور للصالحين والمعظمين وسيلة وطريقا وسببا لأن عبدت في المستقبل، لما نسي العلم. ومن حرص الشيطان المريد على إضلال العبيد: أنه ربما أتى إلى الصورة المتعلق بها، فأوهم الناظر إليها، أو المخاطب لها. أنها تتحدث

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وتتكلم، أو يسمع منها كلاما، أو نحو ذلك من الأشياء، وأصناف التصرفات التي تجعل القلوب تتعلق بتلك الروحانيات كما يقال، أو تلك الأرواح فيغري أولئك بهم، وهذا هو الحاصل عند عباد القبور، والعاكفين عليها؛ يأتي أحدهم، ويقول: ذهبت إلى القبر الفلاني، فكلمني أبي، ويكون ذلك شيطانا نطق على لسان أبيه، وربما تصور بصورة أبيه فخرج له في ظلام ونحوه، فيحدثه أبوه بصوته الذي يعرفه، أو يحدثه العالم، أو الوالي بصوته الذي يعرفه منه، فتقع الفتنة، وهذا من قبيل الشيطان؛ ولهذا قال ابن عباس هنا كلمة تبين السبب في ذلك؛ فقال: " أوحى الشيطان إلى قومهم " والوحي: إلقاء في خفاء، والشيطان لا يتحدث علنا، ولكن يوحي، يعني: يلقي في خفاء، فالوحي هو إلقاء الخبر في خفاء، فألقى الشيطان في روعهم وأنفسهم ذلك الأمر: فكان سببا للشرك بالله - جل وعلا - ولم يكونوا في أول الأمر يعبدونها، لكنهم لما صوروا صور أولئك الصالحين، ونصبوا لهم الأنصاب: كان ذلك سببا ووسيلة إلى عبادتهم، لكن أولئك الذين جعلوها وسائل، كان عندهم من العلم ما حجزهم عن عبادة الصالحين، لكن لما نسي العلم عبدت. وهذا الفعل الذي فعلوه بإيحاء الشيطان هو من الغلو في أولئك الصالحين. وهذا وجه الشاهد، وهو أنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، أو صوروا صورهم، أو نصبوا الأنصاب في أماكنهم ليتذكروهم، وليكون ذلك أنشط لهم في العبادة أو العلم، ولكن هذه الأفعال التي فعلوها، كانت سببا من أسباب عبادة أولئك الصالحين، الذين غلوا في حبهم. وهذا هو مراد الشيخ ﵀ من إيراد هذا الأثر.

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (١) هذا الحديث فيه: النهي عن إطرائه ﵊، والإطراء هو: مجاوزة الحد - أيضا - في المدح، أما الغلو فهو يعم أمور كثيرة؛ فقد يكون في المدح، وقد يكون في الذم، وقد يكون في الفهم، وقد يكون في العلم، وقد يكون في العمل، أما الإطراء فهو: الغلو في المدح، والثناء والوصف. والنبي ﵊ نهى عن إطرائه كإطراء النصارى ابن مريم، فقال: «إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . وقد ظن بعض الناس أن (الكاف) في قوله «كما أطرت النصارى ابن مريم» أنها كاف المثلية؛ يعني: لا تطروني بمثل ما أطرت النصارى ابن مريم، ويقول هذا الظان: إن النصارى أطرت ابن مريم في شيء وحد، وهو أن قالوا: هو ابن الله جل وعلا، فيكون النهي عن أن تجعل له ﷺ رتبة النبوة فقط، فإذا كان كذلك فما عداه جائز. وهذا هو فهم الخرافيين لهذا النهي؛ كما قال قائلهم البوصيري في هذا المقام: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت فيه واحتكم أو كما قال، يعني: لا تقل: إنه ولد لله، أو إنه ابن لله، فهذا هو القدر المنهي عنه فقط، ولك أن تقول فيه بعد ذلك ما شئت غير ملوم وغير مثرب عليك. الوجه الثاني وهو الفهم الصحيح، وهو الذي يدل عليه السياق: أن (الكاف) هنا هي كاف القياس، والمعنى: لا تطروني إطراء، كما أطرت النصارى ابن مريم.

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وكاف القياس هي كاف التمثيل الناقص، وحقيقتها: أن يكون هناك شبه بين ما بعدها وما قبلها في أصل الفعل، فنهى ﷺ في قوله: «لا تطروني كما أطرت» عن أن يطري ﵊ كما حصل أن النصارى أطرت ابن مريم فهو تمثيل للحدث بالحدث، لا تمثيل أو نهي عن نوع الإطراء، فمعنى قوله: «لا تطروني كما أطرت» هو نهي عن إطرائه ﵊؛ لأجل أن النصارى أطرت ابن مريم، فقادهم ذلك إلى الكفر، والشرك بالله، وادعاء أنه ولد لله جل وعلا ولهذا قال: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» . فالكاف هنا ليست كاف التمثيل الكامل؛ بأن يكون ما بعدها مماثلا لما قبلها من كل وجه، وإنما هي كاف التمثيل الذي يكون ما بعده مشتركا مع ما قبله في المعنى، وهي القياسية التي تجمعها العلة؛ ولهذا قال العلماء كما هو معلوم: هذا كهذا، فيقولون مثلا: نبيذ غير التمر والعنب، كنبيذ التمر والعنب، مساواة بين هذا وهذا، لوجود أصل المعنى بينهما، وهنا نهي عن الإطراء، لأجل وجود أصل الإطراء، في الاشتراك بين إطراء النصارى وما سببه من الشرك، وإطراء ما لو أطري النبي ﷺ وما سيسببه من الشرك. وكثير من طوائف هذه الأمة خالفوا أمر النبي ﷺ في النهي عن إطرائه حتى جاوزوا الحد في ذلك، فزعم زاعمهم أن له من الملك نصيبا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. مع أنه ﷺ أرشدهم إلى ما ينبغي أن يكون عليه الأمر بقوله: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» وهذا هو الكمال في حقه ﵊: أن يكون عبدا رسولا، فهذا أشرف مقاماته ﵊.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» : هذا نهي عن الغلو بأنواعه، وأن من قبلنا إنما أهلكهم الغلو؛ أهلكهم من جهة الدين، وأهلكهم - أيضا - من جهة الدنيا، فالغلو سبب لكل شر، والاقتصاد سبب في كل فلاح وخير، والغلو منهي عنه بجميع صوره، في الأقوال والأعمال يعني: في جميع أقوال القلب وأعماله، وكذلك أقوال اللسان وأعمال الجوارح، فالغلو سبب لهلاك العبد في دينه ودنياه. قوله: " ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون» يعني: هلك الذين تنطعوا فيما يأتون به في أفعالهم، أو أقوالهم، وهم الذين جاوزوا الحد في ذلك، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، فأتوا بأشياء، لم يؤذن لهم فيها. والتنطع، والإطراء، والغلو، متقاربة المعنى يجمعها مجاوزة الحد المشروع، والغلو يشمل الإطراء، ويشمل التنطع؛ فكل تنطع، وكل إطراء: غلو، والغلو اسم جامع لهذه جميعا، فالشيخ ﵀ في هذا الباب - بين أن سبب كفر بني آدم، وسبب تركهم دينهم: هو الغلو في الصالحين، بأن جاوزوا الحد فيهم، كما جاوز قوم نوح الحد في صالحيهم، فعكفوا على قبورهم، وألهوها، فصارت آلهة، والنصارى غلت في رسولهم عيسى ﵇، وفي الحواريين، وفي البطارقة، حتى جعلوهم آلهة مع الله - جل وعلا - يستغيثون بهم، ويؤلهونهم، ويسألونهم ويعبدونهم، وكذلك وقع الغلو في هذه الأمة من الذين جعلوا للنبي ﵊ نصيبا من

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] خصائص الألوهية، وهذا هو عين ما نهى عنه ﵊ بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . في هذا الباب مع الأبواب بعده بيان أن النبي ﷺ كان حريصا على هذه الأمة، وأنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ومن تمام حرصه على الأمة أن حذرهم كل وسيلة تصل بهم إلى الشرك، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى ذلك، وغلظ في ذلك، وشدد فيه، وأبدى وأعاد، حتى إنه بين ذلك؛ خشية أن يفوت تأكيده، وهو يعاني سكرات الموت ﵊. فهذه الأبواب في بيان وسائل الشرك الأكبر، وما ينبغي سده ومنعه من الذرائع الموصلة إليه؛ رعاية وحماية للتوحيد؛ لأن النبي ﵊ غلظ على من يفعلون شيئا من تلك الوسائل، أو الذرائع الموصلة إلى الشرك. وهذا الباب في بيان أحد الوسائل الموصلة إلى الشرك، والذرائع التي يجب منعها. قوله ﵀: " باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح ". صورة ذلك: أن يأتي آت إلى قبر رجل صالح، يعلم صلاحه - كأن يكون من الأنبياء والمرسلين، أو أن يكون من صالحي هذه الأمة، أو صالحي أمة غير هذه الأمة - فيتحرى ذلك المكان؛ كي يعبد الله وحده دون ما سواه؛ رجاء بركة هذه البقعة. وقد راج هذا الأمر عند الكثيرين من الناس، والدهماء، حيث اعتقدوا أن ما حول قبور الأنبياء والصالحين من الأمكنة والبقاع مبارك، وأن العبادة عندها ليست كالعبادة عند غيرها. والنبي ﵊ غلظ في ذلك

стр. 248

[باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده] " باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ " وفي الصحيح عن عائشة ﵂ «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: " أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) . فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. ولهما عنها قالت: «لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» أخرجاه (٢) . ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 249

يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (١) . فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله. والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو في معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢) ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . رواه أبو حاتم في صحيحه (٣) . فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. الثانية النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 250

الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس، قال ما قال؛ ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم. الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره أن يوجد القبر. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. السادسة: لعنه إياهم على ذلك. السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره. الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا. العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها، وبين من تقوم عليه الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته. الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم الاثنتين والسبعين فرقة، وهم: الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد. الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع. الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة. الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة. السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →