. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» : هذا نهي عن الغلو بأنواعه، وأن من قبلنا إنما أهلكهم الغلو؛ أهلكهم من جهة الدين، وأهلكهم - أيضا - من جهة الدنيا، فالغلو سبب لكل شر، والاقتصاد سبب في كل فلاح وخير، والغلو منهي عنه بجميع صوره، في الأقوال والأعمال يعني: في جميع أقوال القلب وأعماله، وكذلك أقوال اللسان وأعمال الجوارح، فالغلو سبب لهلاك العبد في دينه ودنياه.
قوله: " ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون» يعني: هلك الذين تنطعوا فيما يأتون به في أفعالهم، أو أقوالهم، وهم الذين جاوزوا الحد في ذلك، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، فأتوا بأشياء، لم يؤذن لهم فيها. والتنطع، والإطراء، والغلو، متقاربة المعنى يجمعها مجاوزة الحد المشروع، والغلو يشمل الإطراء، ويشمل التنطع؛ فكل تنطع، وكل إطراء: غلو، والغلو اسم جامع لهذه جميعا، فالشيخ ﵀ في هذا الباب - بين أن سبب كفر بني آدم، وسبب تركهم دينهم: هو الغلو في الصالحين، بأن جاوزوا الحد فيهم، كما جاوز قوم نوح الحد في صالحيهم، فعكفوا على قبورهم، وألهوها، فصارت آلهة، والنصارى غلت في رسولهم عيسى ﵇، وفي الحواريين، وفي البطارقة، حتى جعلوهم آلهة مع الله - جل وعلا - يستغيثون بهم، ويؤلهونهم، ويسألونهم ويعبدونهم، وكذلك وقع الغلو في هذه الأمة من الذين جعلوا للنبي ﵊ نصيبا من
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
خصائص الألوهية، وهذا هو عين ما نهى عنه ﵊ بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
في هذا الباب مع الأبواب بعده بيان أن النبي ﷺ كان حريصا على هذه الأمة، وأنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ومن تمام حرصه على الأمة أن حذرهم كل وسيلة تصل بهم إلى الشرك، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى ذلك، وغلظ في ذلك، وشدد فيه، وأبدى وأعاد، حتى إنه بين ذلك؛ خشية أن يفوت تأكيده، وهو يعاني سكرات الموت ﵊.
فهذه الأبواب في بيان وسائل الشرك الأكبر، وما ينبغي سده ومنعه من الذرائع الموصلة إليه؛ رعاية وحماية للتوحيد؛ لأن النبي ﵊ غلظ على من يفعلون شيئا من تلك الوسائل، أو الذرائع الموصلة إلى الشرك.
وهذا الباب في بيان أحد الوسائل الموصلة إلى الشرك، والذرائع التي يجب منعها.
قوله ﵀: " باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح ". صورة ذلك: أن يأتي آت إلى قبر رجل صالح، يعلم صلاحه - كأن يكون من الأنبياء والمرسلين، أو أن يكون من صالحي هذه الأمة، أو صالحي أمة غير هذه الأمة - فيتحرى ذلك المكان؛ كي يعبد الله وحده دون ما سواه؛ رجاء بركة هذه البقعة.
وقد راج هذا الأمر عند الكثيرين من الناس، والدهماء، حيث اعتقدوا أن ما حول قبور الأنبياء والصالحين من الأمكنة والبقاع مبارك، وأن العبادة عندها ليست كالعبادة عند غيرها. والنبي ﵊ غلظ في ذلك
стр. 248
[باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده]
" باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ " وفي الصحيح عن عائشة ﵂ «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: " أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) .
فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: «لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» أخرجاه (٢) .
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 249
يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (١) .
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله.
والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو في معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢) ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . رواه أبو حاتم في صحيحه (٣) .
فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 250
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس، قال ما قال؛ ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها، وبين من تقوم عليه الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم الاثنتين والسبعين فرقة، وهم: الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ونهى عنه، مع أن المغلظ عليه لم يعبد إلا الله جل وعلا، ولم يعبد صاحب القبر، لكنه اتخذ ذلك المكان رجاء بركته، ورجاء تنزل الرحمات - كما يقولون - ورجاء تنزل النسمات، والفضل من الله عليه، فاختاره لأجل بركته، ولكنه لم يعبد إلا الله - جل وعلا - ومع ذلك لعن النبي ﷺ ذلك الصنف الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.
قوله: " فيمن عبد الله " يعني: أنه لم يشرك بالله، بل عبد الله وحده؛ بأن صلى لله مخلصا، أو دعا لله مخلصا، أو تضرع واستغاث واستعاذ بالله - جل وعلا - مخلصا.
لكنه تحرى إيقاع هذه العبادات عند قبر رجل صالح لأجل البركة.
والرجل الصالح - كما سبق أن ذكرنا - هو المقتصد: الذي أتى بالواجبات، وابتعد عن المحرمات، أو السابق بالخيرات؛ وهو أعلى درجة، فالصالحون من الرجال والنساء: مقامات: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] [آل عمران: ١٦٣] وَبَعْض أهل العلم يعبر في تعريف الرجل الصالح بقوله: الصالح من عباد الله، هو: القائم بحقوق الله؛ القائم بحقوق عباده، وهذا تعبير صحيح؛ ولأن المقتصد قائم بحقوق الله، قائم بحقوق عباده، أتى بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، وأعظم منه درجة: السابق بالخيرات. فأهل السبق بالخيرات من العباد، لا يجوز أن تعظم قبورهم، وأن يغلي فيها بظن أن البقعة التي حول قبورهم بقعة مباركة، فإن هذا الفعل قد جاء فيه الوعيد الذي سيأتي في هذا الباب، وغلظ ﵊ فيه على فاعله.
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " فكيف إذا عبده؟ ": يعني إذا كان هذا التغليظ واللعن قد جاء في حق من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومن أسرج على القبور، أو عظمها، وعظم من فيها، وعبد الله وحده عندها: إذا كان هذا قد جاءت النصوص بلعن فاعله، وأنه من شرار الخلق عند الله: فكيف إذا توجه ذلك العابد إلى صاحب القبر يدعوه، ويرجوه، أو يخافه، أو يأمل منه، أو يستغيث به، أو يصلي له، أو يذبح له، أو يستشفع به؟ !! لا شك أن هذا أعظم وأعظم في التغليظ من عبادة الله وحده عند قبر رجل صالح؛ كما قال الشيخ ﵀: " فكيف إذا عبده؟ " يعني أن التغليظ يكون أشد وأشد، إذا عبد صاحب ذلك القبر، وهذا مقتضى كلام الشيخ في هذه التبويب. وهذا واضح؛ لأن تحري العبادة والدعاء أو تعظيم ذلك المكان، وسيلة وذريعة إلى الشرك، المقبورين، فإذا كان من فعل وسائل الشرك الأكبر ملعونا، وموصوفا بأنه ومن شرار الخلق عند الله، فكيف بمن فعل الشرك الأكبر بعينه وتوجه إلى قبور الصالحين، واتخذها أوثانا مع الله جل وعلا؟ !! لا شك أن هذا أبلغ وأبلغ في التغليظ، وذلك لأنه من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، إذا فعله مسلم.
ومعنى قوله: " فكيف إذا عبده " أي: عبد القبر، أو عبد الرجل الصالح صاحب القبر؛ لأن عبادة القبوريين تارة تكون بالتوجه إلى القبر، وتارة بالتوجه إلى صاحب القبر، بل وتارة التوجه إلى ما حول القبر، كالأبنية المحاطة بالقبور، وصارت مشاهد، فمنها ما يكون مسورا بالحديد، فترى من هؤلاء من يعمد إلى تلك الستور والجدران والأبنية، فيتمسح بها رجاء بركتها، ويتخذها وسيلة إلى الله، فتراهم - أيضا - يعكفون عند قبور معظميهم،
стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويتخذون مشاهدهم أوثانا يعبدونها، ويرجونها، ويخافونها، وإذا ضم أحدهم إلى صدره تلك المشاهد، أو الحديد، أو الستور، ونحو ذلك، فكأنه صار مقربا عند الله، وقبلت وسيلته تلك. ولا شك أن هذا نوع من أنواع اتخاذ المشاهد أوثانا، ومن اتخاذ القبور أوثانا، أو اتخاذ الرجل الصالح - الذي هو متبرئ من أولئك ومن عبادتهم له - إلها مع الله، وقد علمنا أن العبادة معناها واسع، وأنها قد تكون بالصلاة له، أو بدعوته، أو بسؤاله كشف المدلهمات، أو جلب الخيرات، أو الذبح لصاحب القبر، أو وضع النذور له، ونحو ذلك من أنواع العبادات، كما هو الواقع من أولئك الذين يعبدون الأوثان، وقبور الصالحين.
قوله: في الصحيح عن عائشة ﵂ «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» . في هذا الحديث: أن أم سلمة ﵂ لما كانت في الحبشة رأت كنيسة، ورأت في تلك الكنيسة صور الصالحين، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح» فقد يكون الرجل الصالح نبيا من أنبيائهم، أو عبدا من عباد الله الصالحين فيهم، فماذا كانوا يفعلون معه؟ جاء في قوله ﵊: «بنوا على قبره مسجدا» ، أي: يجعلون قبره مسجدا، والمسجد في اللغة؛ هو: مكان العبادة، فيدخل في هذا المعنى: الكنائس. والمسجد أيضا: مكان السجود. والسجود هو الخضوع والتذلل
стр. 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لله جل وعلا. فالمسجد يطلق على: كل مكان يتخذ لعبادة الله - جل وعلا - كما قال النبي ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ، فمكان العبادة يقال له: مسجد. ولهذا قال النبي ﵊ في شأن الكنيسة: «بنوا على قبره مسجدا» ، يعني: مكانا للعبادة فالكنائس - إذا - بنيت على قبور أولئك الصالحين، وصوروا فيها الصور، أي: جعلوا صور الصالحين على قبورهم، أو على حوائط القبور؛ لكي يدلوا الناس على عبادة الله بتعظيم ذلك الرجل الصالح، وتعظيم قبره، فاتخذوا البناء على القبور، الذي هو وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، ومن البدع التي يحدثها الخلوف بعد الأنبياء، اتخاذ الصور فوق القبور، والتعبد بها؛ ولذلك قال النبي ﷺ عنهم: «أولئك شرار الخلق عند الله جل وعلا» .
وقوله: «أولئك» : الخطاب فيه لأم سلمة ﵂، والخطاب إذا توجه إلى مؤنث تكسر فيه كاف الخطاب. وقوله: «أولئك شرار الخلق عند الله» أي: المعظمون الصالحين ببناء المساجد على قبورهم. وليس في هذا الحديث أنهم توجهوا إليهم بالعبادة، بل عظموا قبورهم، وجعلوا لهم صورا، فجمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة الصور، وفتنة الصور وسيلة من وسائل حدوث الشرك الأكبر، وكذلك فتنة القبور: بالبناء عليها، وبتعظيمها، وبإرشاد الناس إليها، وسيلة إلى أن يعتقد في صاحب القبر أن له شيئا من خصائص الإلهية، أو أنه يتوسط عند الله - جل وعلا - في قضاء الحاجات، كما حصل ذلك منهم فعلا.
стр. 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والمفهوم من وصفه ﷺ لأولئك الأقوام بأنهم شرار الخلق عند الله: تحذير هذه الأمة أن يبنوا على قبر أحد مسجدا؛ لأن من فعل ذلك ودل الخلق على تعظيم ذلك القبر، فهو من شرار الخلق عند الله؛ وقد قال ﵊: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع» .
فوجه الدلال من هذا الحديث: قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله» وما فيه من التغليظ فيمن عبد الله في الكنيسة، التي فيها القبور والصور، لأن القبور والصور من وسائل الشرك بالله جل وعلا.
وقوله: ولهما عنها - يعني عن عائشة - قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ يعني نزل به الموت - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال، وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» : هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي فيها بالتغليظ والنهي عن وسائل الشرك، وبناء المساجد على القبور، واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
ووجه ذلك: أنه ﵊ مع أنه في ذلك الغم، وتلك الشدة، ونزول سكرات الموت به لم يغفل - وهو في تلك الحال - تحذير الأمة من وسيلة من وسائل الشرك، وتوجيه اللعن والدعاء على اليهود والنصارى بلعنة الله؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وسبب ذلك: أنه ﵊ وهو في تلك الحال خشي أن يتخذ قبره مسجدا، كما اتخذ شرار الخلق عند الله من اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم النبي ﵊ بقوله: «لعنة الله على اليهود
стр. 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والنصارى» واللعنة هي: الطرد والإبعاد من رحمة الله، وذلك يدل على أنهم فعلوا كبيرة من كبائر الذنوب، لأن البناء على القبور، واتخاذ قبور الأنبياء مساجد، هو من وسائل الشرك، وكبيرة من الكبائر.
وقوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فيه بيان السبب الذي لأجله استحقوا اللعن، وهو: أنهم اتخذوا قبور الأنبياء مساجد. وفي تحذير النبي ﷺ من اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعله وهو في السياق: ما يقوم مقام آخر وصية أوصى بها. ومع ذلك: خالف كثير من هذه الأمة وصيته ﵊. واتخاذ القبور مساجد يكون على إحدى صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يسجد على القبر، يعني: أن يجعل القبر مكان سجوده، فقوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يعني: جعلوا القبر مكان السجود. وهذه الصورة في الواقع لم تحصل بانتشار؛ لأن قبور الأنبياء لم تكن مباشرة للناس، بحيث يمكنهم الصلاة عليها، أو السجود عليها بل كانوا يعظمون قبور أنبيائهم فلا يصلون عليها مباشرة. لكن أبلغ صور الاتخاذ المفهوم من قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» هو: أن يتخذ القبر نفسه مسجدا، يعني: يصلي عليه مباشرة، وهذه أفظع تلك الأنواع وأشدها، وأعظمها، وسيلة إلى الشرك والغلو بالقبر.
الصورة الثانية: أن يصلي إلى القبر، ومعنى اتخذه مسجدا في هذه الحالة: أن يكون أمامه القبر، يصلي إليه بحيث يجعله قبلة، فإنه يكون بذلك قد اتخذ القبر وما حوله له حكمه: مكانا للتذلل والخضوع. والمسجد لا يعني به مكان السجود، الذي هو وضع الجبهة على الأرض فقط، وإنما يعني به مكان
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التذلل والخضوع، فاتخاذ قبورهم مساجد، يعني: جعلوها قبلة لهم؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يصلي إلى القبر؛ لأجل أن الصلاة إليه وسيلة من وسائل التعظيم، وهذا يوافق قول الشيخ ﵀ في الباب " باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح "، فالمفهوم من قوله: " عند قبر رجل صالح " هذه الصورة المتقدمة، وهي: أن يكون القبر أمامه، فيجعل القبر بينه وبين القبلة تعظيما للقبر.
الصورة الثالثة: أن يتخذ القبر مسجدا، بأن يجعل القبر في داخل بناء، وذلك البناء هو المسجد، فإذا دفن النبي قام أولئك بالبناء عليه، فجعلوا حول قبره مسجدا واتخذوا ذلك المكان للتعبد وللصلاة فيه، هذه هي الصورة الثالثة، وهي أيضا موافقة لقول الشيخ ﵀ " عند قبر رجل صالح ".
وهذا يبين لك بعض المناسبة في إيراد هذا الحديث في هذا الباب.
وقول عائشة ﵂ " يحذر ما صنعوا " فيه إشارة إلى السبب الذي لأجله لعن النبي ﵊ اليهود والنصارى، وهو يعالج ويعاني سكرات الموت؛ وهو أنه أراد تحذير الصحابة من أن يحذوا في ذلك الأمر حذو أهل الكتاب. وقد قبل الصحابة رضوان الله عليهم تحذيره، وعملوا بوصيته. ومعنى قولها ﵂: " ولولا ذلك أبرز قبره ". يعني: لأظهر، وجعل قبره مع سائر القبور في البقيع أو غير ذلك، ولكن كان من العلل التي جعلتهم لا ينقلونه ﵊ من مكانه الذي توفي فيه إلى المقبرة: قوله ﵊: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، فهذه إحدى العلتين.
стр. 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والعلة الثانية: قول أبي بكر ﵁ إنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الأنبياء يقبرون حيث يقبضون» (١) .
وقولها: " غير أنه خشي " بفتح الخاء، أو خشي بضمها، وهما وجهان جائزان.
فإذا كان بفتح الخاء فالمقصود به: النبي ﷺ ، وإذا كان بضم الخاء فالمقصود: هم الصحابة ﵃ وهذا تنبيه على إحدى العلتين.
وقد قبل الصحابة - رضوان الله عليهم - وصية رسول الله ﷺ ، وعملوا بها، فدفنوه في مكانه الذي قبض فيه، في حجرة عائشة، وكانت ﵂ قد أقامت جدارا بينها وبين القبور، فكانت غرفة عائشة فيها قسمان قسم فيه القبر، وقسم هي فيه.
وكذلك لما توفي أبو بكر ﵁، ودفن بعد رسول الله ﷺ من جهة الشمال، كانت أيضا في ذلك الجزء من الحجرة، ولما دفن عمر ﵁ تركت الحجرة ﵂، ثم أغلقت الحجرة، فلم يكن ثم باب فيها يدخل منه إليها، وإنما كانت فيها نافذة صغيرة، ولم تكن الغرفة كما هو معلوم مبنية من حجر، ولا من بناء مجصص، وإنما كانت من البناء الذي كان في عهده ﵊؛ من خشب ونحو ذلك.
ولما زيد في بناء المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك، وكان أمير المدينة يوم ذاك، عمر بن عبد العزيز ﵀ وأخذوا بعضا من حجر زوجات النبي ﵊: بقيت حجرة النبي ﵊
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كذلك، فأخذوا من الروضة جزءا، وبنوا عليه جدارا آخر غير الجدار الأول، بنوه من ثلاث جهات، وجعلوا جهة الشمال مسنمة أي: مثلثة، فصار عندنا الآن جداران: الجدار الأول: مغلق تماما، وهو جدار حجرة عائشة، والجدار الثاني: الذي عمل في إمرة عمر بن عبد العزيز ﵀ زمن الوليد بن عبد الملك وقد جعلوا من جهة الشمال - وهي عكس القبلة - مسنما؛ لأنه في تلك الجهة جاءت التوسعة، فخشوا أن يكون ذلك الجدار مربعا، يعني: مسامتا للمستقبل، فيكون إذا استقبله أحد فقد استقبل القبر، فجعلوه مثلثا، يبعد كثيرا عن الجدار الأول، وهو: جدار حجرة عائشة؛ لأجل أن لا يمكن لأحد أن يستقبل القبر؛ لبعد المسافة؛ ولأجل أن الجدر صار مثلثا.
ثم بعد ذلك بأزمان جاء جدار ثالث أيضا وبني حول ذينك الجدارين، وهو الذي قال فيه ابن القيم ﵀ في النونية في وصف دعاء النبي ﵊ بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» (١) قال:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاءه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
فأصبح قبر النبي ﵊ محاطا بثلاثة جدران، وكل جدار ليس فيه باب، فلا يمكن لأحد أن يدخل ويقف على القبر بنفسه؛ لأنه صار ثم جداران، وكل جدار ليس له باب، ثم بعد ذلك وضع الجدار الثالث، وهذا الجدار أيضا ليس له باب، وهو كبير مرتفع، وهو الذي وضعت عليه القبة فيما بعد، فلا يستطيع أحد الآن أن يدخل إلى القبر، أو أن يتمسح به، أو أن
стр. 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يرى مجرد القبر، ثم بعد ذلك: وضع السور الحديدي بينه وبين الجدار الثالث نحو متر ونصف في بعض المناطق، ونحو متر في بعضها، وفي بعضها نحو متر وثمانين إلى مترين، يضيق ويزداد، لكن من مشى: فإنه يمشي بين ذلك الجدار الحديدي وبين الجدار الثالث. فالحاصل: أن المسلمين عملوا بوصيته ﵊، وأبعد قبره، بحيث لا يمكن لأحد أن يصل إليه؛ ولهذا لما جاء الخرافيون في عهد الدولة العثمانية فتحوا في التوسعة التي هي من جهة الشرق ممرا؛ لكي يمكن من يريد أن يطوف بالقبر، أو أن يصلي في تلك الجهة، أن يطوف، أو يصلي!! وذلك الممر الشرقي - الذي هو قدر مترين أو يزيد قليلا - قد منعت الصلاة فيه في عهد الدولة السعودية الأولى، وما بعدها، فكأنه أخرج من كونه مسجدا؛ لأنه إذا كان من مسجد النبي ﵊: فلا يجوز أن يمنعوا أحدا من الصلاة فيه، فلما منعوا الصلاة فيه جعلوا له حكم المقبرة، ولم يجعلوا له حكم المسجد، فلا يمكن لأحد أن يصلي فيه، بل يغلقونه وقت الصلاة، أما وقت السلام أو وقت الزيارة فإنهم يفتحونه للمرور.
فتبين بذلك أن قبر النبي ﵊ لم يتخذ مسجدا، وإنما أدخلت الغرف بالتوسعة في عهد التابعين في المسجد، ولكن جهته الشرقية خارجة عن المسجد، فصارت كالشيء الذي دخل في المسجد، ولكن الحيطان المتعددة - وهي الجدران الأربعة التي تفصل بين القبر والمسجد - تمنع أن يكون القبر في داخل المسجد، يعني مكان الدفن. ومما يدل على أخذ الصحابة والتابعين ومن بعدهم بوصية النبي ﵊ هذه، وسد الطرق الموصلة إلى الشرك به ﵊، وعدم اتخاذ قبره مسجدا، أنهم
стр. 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أخذوا من الروضة الشريفة التي هي روضة من رياض الجنة، كما قال ﵊: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (١) قدر ثلاثة أمتار، لكي يبنوا الجدار الثاني، ثم الجدار الثالث وأخذوا أكثر من ثلاثة أمتار لإقامة السور الحديدي، فهذا من أعظم التطبيق والعمل بوصيته ﵊؛ حيث إنهم أخذوا من الروضة، وأجازوا أن يأخذوا من المسجد؛ لأجل أن يحمى قبر النبي ﵊ من أن يتخذ مسجدا، وهذا - ولا شك - يدل على عظيم فقه من قاموا بذلك العمل، ففصل القبر عن المسجد بهذه الكيفية التي وصفت، هو من رحمة الله - جل وعلا - بهذه الأمة، ومن إجابة دعوة النبي ﵊ لما دعا بقوله فيما سيأتي بعد هذا الباب: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» .
إذن فقوله ﵊: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا» ، فإنه ﵊ لم يتخذ قبره مسجدا.
والموجود اليوم في المسجد النبوي قد تكون صورته عند من لم يحسن التأمل، وعند غير الفقيه صورة قبر في داخل مسجد، وليست الحقيقة كذلك؛ لوجود الجدارين المختلفة التي تفصل بين المسجد وبين القبر؛ ولأن الجهة الشرقية منه ليست من المسجد؛ ولهذا لما جاءت التوسعة الأخيرة، كان مبتدؤها من جهة الشمال بعد نهاية الحجرة بكثير، حتى لا تكون الحجرة في وسط المسجد؛ فيكون ذلك من اتخاذ قبره مسجدا ﵊.
стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالمقصود من هذا البيان: أن قبر النبي ﵊ ما اتخذ مسجدا، وأن وصيته ﵊ في التحذير قد أخذ بها في مسجده وفي قبره، ولكن خالفتها بعض الأمة في قبور بعض الصالحين من هذه الأمة، فاتخذوا قبور بعض آل البيت مساجد وعظموها، كما تعظم الأوثان.
" ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: «سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» : سبب ذلك: أن الخلة هي أعظم درجات المحبة، وهي التي تتخلل الروح، وتتخلل القلب، وشغاف الصدر، بحيث لا يكون ثم مكان لغير ذلك الخليل؛ ولهذا فإن النبي ﵊ ليس له من أصحابه خليل؛ ولهذا قال: «ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» .
ووجه الشاهد من هذا الحديث قوله بعد ذلك: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» : وجاء في رواية أخرى أيضا: «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» ، وهذا هو الذي وقع في هذه الأمة، ولا شك أنه وسيلة من وسائل الشرك.
ومناسبة الحديث للباب ظاهرة وهي: أنه حرم اتخاذ قبور والأنبياء والصالحين مساجد، مع أنه قد يكون العابد لا يعبد إلا الله؛ لأنها وسيلة من وسائل
стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرك الأكبر، والوسائل تفضي إلى ما بعدها، وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب، لأن الشريعة جاءت بسد أصول المحرمات، وسد الذرائع إليها، فيجب أن يغلق كل باب من أبواب الشرك بالله، ومن ذلك: اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد؛ ولهذا لا تصح الصلاة في مسجد بني على قبر؛ لأن ذلك مناف لنهي النبي ﷺ ، فالنبي ﵊ نهى، وهؤلاء فعلوا، والنهي توجه إلى بقعة الصلاة فبطلت الصلاة؛ فالذي يصلي في مسجد أقيم على قبر فصلاته باطلة لا تصح؛ لقوله ﵊: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد» يعني: بالبناء عليها وبالصلاة حولها: «فإني أنهاكم عن ذلك» .
قوله: " فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: " خشي أن يتخذ مسجدا ": يعني أن الصلاة عند القبور لا تجوز سواء صلى إليها، أو صلى عندها رجاء بركة ذلك المكان، أو لم يرج بركة ذلك المكان، وإنما صلى صلاة نافلة - غير صلاة الجنازة عندها - كل هذا لا يجوز؛ سواء كان ثم بناء على القبر: كمسجد، أو كان قبر، أو قبران في غير بناء عليهما، فإن الصلاة لا تجوز؛ ولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﵊ قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا» (١) وفي البخاري أيضا معلقا من كلام
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عمر ﵁ أنه رأى أنسا يصلي عند قبر، فقال له: " القبر، القبر " (١) يعني: احذر القبر، وهذا يدل على أن الصلاة عند القبور لا تجوز؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك، وأعظم من ذلك أن يكون ثم بنيان، واتخاذ لما حول القبر من الأبنية مسجدا للصلاة، والدعاء، والقراءة، ونحو ذلك.
وهو معنى قولها: " خشي أن يتخذ مسجدا "، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» : وهذا ظاهر.
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» ورواه أبو حاتم (٢) في صحيحه.
ووجه الشاهد من هذا الحديث: أنه قال: «والذين يتخذون القبور مساجد» يعني: أنهم من شرار الناس، فالذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس؛ وذلك لأن اتخاذ القبور مساجد - كما ذكرنا - وسيلة من وسائل الشرك بالله جل وعلا.
وقوله: «والذين يتخذون القبور مساجد» هذا يعم كل اتخاذ للقبر مسجدا، سواء اتخذه بالصلاة عليه، أو بالصلاة إليه أو بالصلاة عنده، فذلك القصد
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
للصلاة عند القبر يجعل القاصد من شرار الناس كما وصفهم النبي ﵊ بذلك.
ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة فإنه ذكر أن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، والقصد من اتخاذ القبر مسجدا: أن يعبد الله عند قبر ذلك الرجل الصالح، فكيف حال الذي توجه إلى النبي ﵊ بالعبادة؟ ؟ !! والحال أن القبر لا يخلص إليه، ولكن الاستغاثة بالنبي ﵊، وتأليهه قد يقعان بحسب الاعتقادات، وبحسب المناداة، كما حصل من الجاهليين مناداة الملائكة، واتخاذ الملائكة آلهة مع الله ﷻ . وكذلك المتخذون الأولياء معبودين، هم من أشر الناس الذين وصفهم النبي ﵊ بقوله «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» ، فإن الذي اتخذ القبر مسجدا ملعون بلعنة النبي ﵊، وإن كان لم يعبد إلا الله جل وعلا، فكيف حال الذي عبد صاحب ذلك القبر؟ !! نسأل الله العافية والسلامة من كل وسائل الشرك.
وتأمل هذا مع ما فشا في بلاد المسلمين من بناء القباب والمشاهد على القبور، وتعظيم هذا الفعل المنكر، وتحسينه، وتوجيه الناس إليه، وإلى التعلق بالمقبورين، وذكر الحكايات الطويلة في مناقب أولئك الأولياء، وفي إجابتهم للدعوات، وإغاثتهم للهفات، ونحو ذلك يتبين لك غربة الإسلام أشد غربة في هذه الأزمنة وما قبلها، فكيف إذا قالوا: إن ذلك جائز، وذلك توحيد؟ ! بل كيف إذا اتهموا من نهاهم عن ذلك بعدم المعرفة، وعدم الفهم، وهو يدعوهم إلى الله - جل وعلا - وهم يدعونه إلى النار.؟ نسأل الله السلامة والعافية.
" باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ". الغلو في قبور الصالحين: وسيلة من وسائل الشرك، بل قد يصل الغلو إلى أن يكون شركا بالله - جل وعلا - وأن يصير ذلك القبر وثنا يعبد؛ فالغلو درجات، وقد تقدم في الأبواب قبله ذكر بعض صور هذا الغلو في القبور، وهنا بين أن الغلو يصل إلى أن تصير تلك القبور أوثانا تعبد من دون الله. وإذا قلنا: إن الغلو هو: مجاوزة الحد. فمعناه هنا في هذا الباب: هو مجاوزة الحد في الصفة التي ينبغي أن يكون عليها القبر؛ إذ صفتها في الشرع واحدة، ولم يأت عن الشارع دليل في تمييز قبور الصالحين عن غيرهم، بل الوارد وجوب أن تتساوى من حيث الصفة، فلا يفرق بين قبر صالح أو طالح؛ فالقبر إما أن يكون في ظاهر مسنما، وإما أن يكون مربعا، وهذه الصورة من حيث الظاهر واحدة.
стр. 266
[باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ﵎]
" باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ﵎ " روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] [النجم: ١٩] قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره (٢) . وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: كان يلت السويق للحاج (٣) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسراج» . رواه أهل السنن (٤) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية تفسير العبادة.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 267
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها - صفة معرفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنه زوارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فنهى النبي ﵊ عن الكتابة على القبر، أو تجصيصه، أو رفعه في أنواع من السنن التي جاءت في أحكام القبور، إنما لأجل سد الطرق التي توصل إلى الغلو في قبور الصالحين.
فمجاوزة الحد في قبور الصالحين هي مجاوزة لما أمر الشارع أن تكون عليه القبور؛ لأن قبور الصالحين لا تختلف عن قبور غير الصالحين. فالغلو فيها يكون بالكتابة عليها، أو برفعها، أو بالبناء عليها، أو باتخاذها مساجد، وكل هذا من الوسائل المؤدية إلى الشرك الأكبر. ومن صور الغلو في قبور الصالحين، أن تجعل وسيلة من الوسائل التي تقرب إلى الله جل وعلا، أو أن يتخذ القبر أو من في القبر شفيعا لهم عند الله جل وعلا، أو ينذر للقبر، أو يذبح له، أو يستشفع بترابه؛ اعتقادا أنه وسيلة عند الله جل وعلا، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأكبر بالله ﵎.
فالغلو في قبور الصالحين يكون بمجاوزة ما أذن فيها، ومن المجاوزة ما هو من وسائل الشرك، ومنها ما هو شرك صريح كاتخاذ القبور أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا؛ ولهذا قال ﵀: " باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا "، وقوله: " يصيرها " يعني: يجعلها؛ فقد يكون جعل الوسائل للغايات، يعني: أن الغلو صار وسيلة لاتخاذها أوثانا، وقد يكون الغلو جعلها وثنا يعبد من دون الله جل وعلا.
وهذا هو الواقع والمشاهد في كثير من بلاد الإسلام: في أن القبور صارت أوثانا تعبد من دون الله، لما أقيمت عليها المشاهد والقباب، ودعي الناس إليها، وذبح لها، وقبلت النذور لها، وصار يطاف حولها، ويعكف عندها، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأكبر بالله.
стр. 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
قوله «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» هذا دعاء، ورغب منه ﷺ إلى الله تعالى ألا يقع ذلك بقبره. ولو كان ذلك لا يقع أصلا، ولا يمكن أن يقع، لما دعا النبي ﵊ بذلك الدعاء العظيم، وهو أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، كما جعلت قبور غيره من الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - فإن عددا من قبور الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، وفي قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» دليل على أن القبر يمكن أن يكون وثنا يعبد. فالغاية أن يكون القبر وثنا يعبد؛ وقول النبي ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» دعاء منه بأن لا تتحقق هذه الغاية التي من وسائلها ما جاء في قوله بعد ذلك: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وهذا هو غلو الوسائل، فاتخاذ قبور الأنبياء مساجد غلو من غلو الوسائل، يصير تلك القبور أوثانا. فالنبي ﵊ جمع في هذا الحديث بين ذكر الوسيلة، والتنفير منها، وبيان اشتداد غضب الله على من فعلها، وذكر نهاية ما تصل إليه تلك الوسيلة بأصحابها، وهي: أن تكون القبور أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا.
فهذا الحديث صريح في أن القبر يمكن أن يكون وثنا، والخرافيون يقولون: إن القبور لا يمكن أن تكون أوثانا، والأوثان هي أوثان الجاهلية وأصنام الجاهلية فقط. فنقول في الرد عليهم: إن الجاهليين إذا كانوا قد تعلقوا
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بأصنام، وبأحجار، وبأشجار، وبغير ذلك من الأشياء، واعتقدوا فيها، ووصل بهم ذلك الاعتقاد إلى حد الشرك الأكبر؛ مع أن المسوغ العقلي والنفسي لعبادتها غير قوي، ولا ظاهر فيها: فإن اتخاذ قبور الصالحين، والأنبياء، والمرسلين أوثانا، أو أن يتوجه إلى أصحابها بالعبادة وارد من باب أولى؛ لأن تعلق القلوب بالصالحين أولى من تعلقها بالأحجار، وتعلقها بالأنبياء والمرسلين أولى من تعلقها بالجن، أو بالأشجار، أو بالأحجار، أو نحو ذلك، فوسائل الشرك بالقبور، أظهر منها في الأصنام ونحوها، وأوضح؛ وهما يشتركان في أن كلا منهما يعتقد تأثير الصنم أو الوثن في حصول ما يرجوه من الشفاعة عند الله؛ فأولئك المشركون يقولون في آلهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [الزمر: ٣] ، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [يونس: ١٨] ، وأهل العصور التي فشا فيها الشرك، إذا سألتهم يقولون: هذا توسل، وهذا استشفاع، والحال واحدة، والسبيل الذي جعل تلك القبور أوثانا هو اتخاذها مساجد، والبناء عليها، والحث على مجيئها، والتبرك بها، وذكر الكرامات التي تحصل عندها من إجابة الدعوات، وتفريج الكربات!! ، إلى غير ذلك مما يفعله المشركون بقبور معظميهم.
" ولابن جرير بسنده عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] [النجم: ١٩] . قال: كان يلت لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: كان يلت السويق للحاج ". الشاهد قول مجاهد: " مات
стр. 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فعكفوا على قبره "، فهذا العكوف؛ لأجل أنه رجل كان ينفعهم، يلت السويق لهم، وهذا على قراءة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]
ووجه المناسبة ظاهر: من أن صلاح ذلك الرجل جعلهم يغلون في قبره كما قال: " فعكفوا على قبره ". والعكوف على القبور يصيرها أوثانا، والعكوف معناه: لزوم القبر بتعظيمه، واعتقاد البركة، والثواب، والنفع، ودفع الضر، في لزومه، فهذا معنى العكوف.
" وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . رواه أهل السنن ": وجه الدلالة من الحديث ظاهرة: وهي أن النبي ﷺ لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج. أما اتخاذ المساجد على القبور فقد سبق الكلام عليه، وأما لعن المتخذين السراج على القبور: فلأنها وسيلة لتعظيم تلك القبور، ونوع من أنواع الغلو فيها، وقد كانت القبور المعظمة تسرج قديما، وتجعل عليها القناديل، أما في هذه الأعصار، فيجعلون عليها الأنوار العظيمة التي تبين أن هذا المكان مقصود، وأنه مطلوب الراغبين، ويجعلون لها من وسائل الإضاءة العصرية الحديثة ما يسطع الأبصار، ويغري الناس بتعظيمها وعبادتها. ولا شك أن هؤلاء ملعونون بلعنة رسول الله. فلا يجوز أن تتخذ السرج على القبور؛ لأن اتخاذ السرج على القبور من أنواع الغلو فيها؛ ولأنه يدعو إلى تعظيمها، وقد يؤول الأمر بعد ذلك إلى أن تتخذ آلهة وأوثانا تعبد مع الله جل وعلا.
هذا الباب من جنس الأبواب قبله الواردة في حماية النبي ﵊ جناب التوحيد، وفي سده كل طريق يوصل إلى الشرك. وأتى الشيخ ﵀ هنا بآية براءة، وهي قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة: ١٢٨]
стр. 272
[باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]
" باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك " وقول الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات (١) .
«وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم» رواه في المختارة (٢) .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 273
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك: بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يعني: عزيز عليه عنتكم؛ يعني: أن تكونوا في عنت ومشقة، فهذا عزيز عليه ولا يرغب فيه ﵊.
قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] لأنه ﵊ عزيز عليه عنت أمته، فهو لهذا يأمرهم بكل خير، وينهاهم عن كل شر، ويحمي حمى ما أمرهم به، وما نهاهم عنه؛ لأن الناس إذا أقدموا على ما نهوا عنه: فإنهم أقدموا على مهلكتهم، وأقدموا على ما فيه عنتهم في الدنيا وفي الأخرى، والنبي ﵊ عزيز عليه عنت أمته أي: أن يقعوا في ما يعود عليهم بالوبال وبالمشقة؛ لهذا قال بعدها: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] لأن عزة مشقتهم عليه، وحرصه عليهم متلازمان، فمن حرصه علينا ﵊، ومن كونه يعز عليه عنتنا، أن حمى حمى التوحيد، وحمى جناب التوحيد، وسد كل طريق قد نصل بها إلى الشرك، ﵊، وهذا وجه الاستدلال من الآية على الباب.
وأما حديث أبي هريرة فوجه الشاهد منه قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدا» ، والعيد يكون عيدا مكانيا كما جاء هنا، ويكون عيدا زمانيا، فقوله: «لا تجعلوا قبري عيدا» يعني: لا تصيروا قبري مكانا تعودون إليه؛ أو: تعتادون المجيء إليه في أوقات معلومة؛ فإن هذا قد يوصل إلى أن يعظم النبي ﵊ كتعظيم الله جل وعلا. فاتخاذ القبور عيدا من وسائل الشرك؛ ولهذا قال: «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وكذلك حديث علي بن الحسين هو بمعنى الحديث السابق. ولفظ حديث علي بن الحسين أنه قال: «ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا» قاله للرجل الذي كان يعتاد المجيء إلى فرجة كانت عند القبر؛ لأن اعتياده الدعاء عند القبر نوع من الغلو، ووسيلة إلى تعظيم القبر، واتخاذه عيدا. وهذا من وسائل الشرك.
فحمى النبي ﵊ حمى التوحيد وحرس جنابة، وسد كل طريق توصل إلى الشرك، حتى في قبره ﵊، فإذا كان قد نهى عن اتخاذ قبره مسجدا، أو عيدا، فمن باب أولى قبور غيره من الأنبياء والمرسلين، والصالحين، فإنهم أولى بذلك؛ لأنه أفضل خلق الله ﵊. فالحاصل: أن بعض هذه الأمة خالف ما دعا إليه النبي ﷺ وأمر به من حماية جناب التوحيد، فاتخذوا القبور مساجد، وأعيادا، وبنوا عليها المشاهد، وأسرجوها، وقدموا لها الذبائح والنذور، وطافوا حولها، وجعلوها كالكعبة، وجعلوا الأمكنة حولها مقدسة أعظم من تقديس بقاع الله المباركة، بل إن عباد القبور تجد عندهم من الذل، والخضوع، والإنابة، والرغب، والرهب - حين يأتون إلى قبر النبي أو قبر الرجل الصالح أو قبر الولي - ما ليس في قلوبهم إذا كانوا في خلوة مع الله ﷻ وهذا عين المحادة لله - جل وعلا - ولرسوله ﷺ .
هذا " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان "، وكتاب التوحيد من أوله إلى هذا الموضع، ذكر فيه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مسائل كثيرة من التوحيد، كبيان وجوب معرفة التوحيد، والعلم به، والخوف من الشرك، وبيان بعض أفراد التوحيد، وبعض أفراد الشرك، الأكبر والأصغر، ثم بين شيئا مما يتعلق بوسائل ذلك، وما يتعلق بالصور المختلفة التي وقعت من هذا الشرك في الأمم قبلنا وعند الجاهليين، يعني: في الأميين وفي أهل الكتاب، وكذلك مما وقع في هذه الأمة. ثم ذكر الوسائل والطرق الموصلة إلى الشرك، يعني: وسائل الشرك التي توصل إليه، وطرق الشرك الموصلة إليه.
стр. 276
[باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان]
" باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] [النساء: ٥١] .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] [المائدة: ٦٠] .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] [الكهف: ٢١] .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟» أخرجاه (١) . ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر، والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 277
يهلكها بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» (١) رواه البرقاني في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم وحتى يأتي أمر الله ﵎» .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ وهل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 278
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصود بالترجمة - أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: - العجب العجاب - خروج من يدعي النبوة، مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة. وأن الرسول حق وأن القرآن حق. وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة.
منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك، فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال.
وإخباره بأنه أعطي الكنزين.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 279
وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين.
وإخباره بأنه منع الثالثة.
وإخباره بوقوع السيف وأنه لا يرفع إذا وقع.
وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة.
وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة.
وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقد يحتج بعض المشركين والخرافيين بأن هذه الأمة حماها الله - جل وعلا - من أن تعود إلى عبادة الأوثان، وعصمت من الوقوع في الشرك الأكبر بدليل قول النبي ﵊: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (١) فلما قال ﵊: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» (٢) علمنا أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة، وأن الشرك الأكبر لا يكون، هكذا يدعي القبوريون.
والجواب: أن هذا الاحتجاج في غير موضعه، وفهم ذلك الدليل، وذلك الحديث، ليس على ذلك النحو، وجواب ما قالوا من أن قوله ﵊: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» هو أن نقول: إن الشيطان لا يعلم الغيب، وهو حريص على إغواء بني آدم، كما قال تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] [الإسراء: ٦٢] هو أيس ولكن لم يأيسه الله - جل وعلا - فالشيطان أيس بنفسه لما رأى عز الإسلام، ولما رأى ظهور التوحيد على الكفر في جزيرة العرب، فأيس لما رأى ذلك ولكنه لم يأيسه الله - جل وعلا - من أن يعبد في جزيرة العرب.
ثم إن في قوله: " أيس أن يعبده المصلون " إشارة إلى أن أهل الصلاة، هم الذين لا تتأتى منهم عبادة الشيطان، لأن المصلين لا شك أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر؛ لأن المصلي هو الذي أقام الصلاة، ومن أقام الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأعظم المنكر الذي سينكره
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
المصلي، هو: الشرك بالله -جل وعلا- فيكون الشيطان بذلك قد يأس أن يعبده من أقام الصلاة على حقيقتها كما أراد الله -جل وعلا-.
فليس في هذا الحديث - إذًا - أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة، بل فيه: أن الشيطان أيس لما رأى عز الإسلام ولكنه لم يُأيَّس؛ ولهذا فإن طائفة من العرب ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ بقليل، ولا شك أن ذلك الارتداد كان من عبادة الشيطان؛ لأن عبادة الشيطان تكون - أيضا - بطاعته؛ كما قال - جل وعلا -: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] [يس: ٦٠] وعبادة الشيطان كما في تفسير الآية: بطاعته في الأمر والنهي، وطاعته في الشرك، وطاعته في ترك الإيمان وترك لوازمه.
وقد كان إمام الدعوة ﵀ مستحضرا لهذا الدليل الذي يحتج به المشركون من هذه الأمة، من أهل عصره وغيرهم على نفي عبادة هذه الأمة للأوثان، وعدم وقوع الشرك منهم، فأراد ﵀ التنبيه على بطلان الاستدلال بذلك الدليل على ما ادعوه، بل هو لا يدل على قولهم، إذ قد عرفنا معناه وتفسيره فيما تقدم. والأدلة جاءت مصرحة أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا مما يصحح معنى ما أشرنا إليه من كون الشيطان قد يأس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب.
وقول الإمام ﵀: " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " معناه: أن عبادة الأوثان واقعة في هذه الأمة بنص قول النبي ﷺ ، كما وقعت في الأمم السالفة، فهذه الأمة فيها عبادة غير الله -أيضا-.
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " باب ما جاء" يعني: من النصوص في الكتاب وفي السنة.
وقوله: " أن بعض هذه الأمة" نص على وقوع ذلك من بعضهم، لا من كلهم؛ لأن عبادة الأوثان لم تكن من الأمة كلها، وإنما كانت من بعض هذه الأمة، وإلا فلا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق كما قال ﵊. «ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة» .
والمقصود ب " بعض هذه الأمة": ذلك البعض المرذول، فنفهم من هذا أن هناك من الأمة من يقوم بالاستمساك بالأمر الأول الذي كان عليه الرسول ﷺ وكان عليه صحابته، في أمر التوحيد، وأمر العبادة والسنن.
لكن هل المقصود بقوله. " هذه الأمة". أمة الدعوة أو أمة الإجابة؟
إذا قلنا: أمة الدعوة. فلا شك أن هناك من أمة الدعوة- وهم جميع الجن والإنس- من عبد الأوثان، واستمر على عبادتها، بعد بعثة النبي ﷺ ، ولم يرض ببعثته، ولم يقبل ذلك.
وإذا قلنا: إن المراد بالأمة أمة الإجابة، يعني: أن من أجاب الرسول ﷺ في دعوته، تتقادم بهم العهود، حتى يرتدوا على أدبارهم، ويتركوا دينهم، كما جاء في بابٍ سلف في أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم الغلو في الصالحين، لكن الظاهر هنا أن قوله: " بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " يعني به أمة الإجابة في أنهم يتركون دينهم، ويتوجهون إلى الأوثان ويعبدونها.
و" الأوثان ": جمع وثن، والوثن هو: كل شيء توجه إليه الناس بالعبادة، إما بأن يدعوه مع الله- جل وعلا- أو أن يستغيثوا به، أو أن يعتقدوا فيه أنه
стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ينفع ويضر بدون إذن الله- جل وعلا- أو أنه يرجى رجاء العبادة، ويخاف منه كخوف الله- جل وعلا- أي: خوف السر، ونحو ذلك من التوجهات، والعبادات، فمن اعتقد فيه شيء من ذلك فهو وثن من الأوثان، وقد يكون راضيا بتلك العبادة، وقد لا يكون راضيا.
والوثن ليس هو المصور على شكل صورة، بل الصنم هو ما كان على شكل صورة- كما سبق أن ذكرنا- فالفرق بين الأوثان والأصنام. أن الأصنام هي: الآلهة التي صورت على شكل صور، كأن يجعل لنبي من الأنبياء صورة ويعبدها، أو يجعل لرجل من الرجال- كبوذا ونحوه- صورة ويسجد لها، ويعبدها، فهذه تسمى أصناما. أما الأوثان فهي الأشياء المعبودة أيا كانت؛ فقد تكون جدارا، أو قبرا، أو رجلا ميتا، أو صفة من الصفات يتخذها معبودة من دون الله. فكل ما توجه إليه العباد بنوع من أنواع العبادة: فهو وثن من الأوثان.
قوله: " وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] [النساء: ٥١] الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله- جل وعلا- وأمر رسوله ﷺ في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحرا- وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت الكاهن، وقد يكون الجبت الشيء المرذول الذي يضر صاحبه.
ومعنى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-.
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويؤمنون ب (الطاغوت) والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين، بأن جعل ما لله له؛ ولهذا يعرف ابن القيم ﵀ الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ".
ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى حد ذلك الشيء الذي توجه إليه، وهو الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، فتوجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه: يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله- جل وعلا-، ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون، فإن كل ذلك مجاوزته بذلك المتخذ عن الحد الذي جعل له في الشرع.
فهذا معنى مجاوزة الحد في المعبودين، والمقصود بقوله: " أو متبوع " مثل العلماء، والقادة في أمر الدين، ومعنى مجاوزة الحد فيهم: أنهم صاروا يتبعونهم في كل ما قالوا، وإن أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين: أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو حرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقر بأنه طاغوت، واتخذه كذلك.
وقوله: " أو مطاع " يشمل الأمراء، والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله- جل وعلا- به فهؤلاء اتخذوهم طواغيت؛ لأنهم جاوزوا بهم حدهم. فهذا الشرح لمعنى ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ من تعريف الطاغوت.
وقوله في الآية المتقدمة. (الطاغوت) يدخل فيه كل هذه الأنواع، أي الذين عبدوا، والذين اتبعوا، والذي أطيعوا.
ووجه مناسبة هذه الآية للباب، أن الإيمان بالجبت والطاغوت، حصل ووقع من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من اليهود والنصارى، وإذا كان قد وقع منهم، فسيقع في هذه الأمة؛ لأن النبي ﵊ أخبر أن ما وقع في الأمم قبلنا سيقع في هذه الأمة، كما قال في حديث أبي سعيد الآتي: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» فمثل بشيء صغير، وهو دخول جحر الضب- الذي لا يمكن أن يفعل- تنبيها على أن ما هو أعلى من ذلك سيقع من هذه الأمة، كما وقع من الأمم قبلنا. وقد حصل- كما أخبر به النبي ﷺ فإن من هذه الأمة من آمن بالسحر، ومنهم من آمن بعبادة غير الله، ومنهم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فكانوا بذلك متبعين سنن من كان قبلهم، وحصل منهم إيمان بالجبت والطاغوت كما حصل من الأمم قبلهم.
" وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] [المائدة: ٦٠] على هذه القراءة (عبد الطاغوت) يكون الطاغوت مفعول (عبد) ، و (عبد) فعلا معطوفا على قوله: (لعن) ، كأنه قال بتقديم وتأخير: من