. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
المصلي، هو: الشرك بالله -جل وعلا- فيكون الشيطان بذلك قد يأس أن يعبده من أقام الصلاة على حقيقتها كما أراد الله -جل وعلا-.
فليس في هذا الحديث - إذًا - أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة، بل فيه: أن الشيطان أيس لما رأى عز الإسلام ولكنه لم يُأيَّس؛ ولهذا فإن طائفة من العرب ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ بقليل، ولا شك أن ذلك الارتداد كان من عبادة الشيطان؛ لأن عبادة الشيطان تكون - أيضا - بطاعته؛ كما قال - جل وعلا -: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] [يس: ٦٠] وعبادة الشيطان كما في تفسير الآية: بطاعته في الأمر والنهي، وطاعته في الشرك، وطاعته في ترك الإيمان وترك لوازمه.
وقد كان إمام الدعوة ﵀ مستحضرا لهذا الدليل الذي يحتج به المشركون من هذه الأمة، من أهل عصره وغيرهم على نفي عبادة هذه الأمة للأوثان، وعدم وقوع الشرك منهم، فأراد ﵀ التنبيه على بطلان الاستدلال بذلك الدليل على ما ادعوه، بل هو لا يدل على قولهم، إذ قد عرفنا معناه وتفسيره فيما تقدم. والأدلة جاءت مصرحة أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا مما يصحح معنى ما أشرنا إليه من كون الشيطان قد يأس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب.
وقول الإمام ﵀: " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " معناه: أن عبادة الأوثان واقعة في هذه الأمة بنص قول النبي ﷺ ، كما وقعت في الأمم السالفة، فهذه الأمة فيها عبادة غير الله -أيضا-.
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " باب ما جاء" يعني: من النصوص في الكتاب وفي السنة.
وقوله: " أن بعض هذه الأمة" نص على وقوع ذلك من بعضهم، لا من كلهم؛ لأن عبادة الأوثان لم تكن من الأمة كلها، وإنما كانت من بعض هذه الأمة، وإلا فلا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق كما قال ﵊. «ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة» .
والمقصود ب " بعض هذه الأمة": ذلك البعض المرذول، فنفهم من هذا أن هناك من الأمة من يقوم بالاستمساك بالأمر الأول الذي كان عليه الرسول ﷺ وكان عليه صحابته، في أمر التوحيد، وأمر العبادة والسنن.
لكن هل المقصود بقوله. " هذه الأمة". أمة الدعوة أو أمة الإجابة؟
إذا قلنا: أمة الدعوة. فلا شك أن هناك من أمة الدعوة- وهم جميع الجن والإنس- من عبد الأوثان، واستمر على عبادتها، بعد بعثة النبي ﷺ ، ولم يرض ببعثته، ولم يقبل ذلك.
وإذا قلنا: إن المراد بالأمة أمة الإجابة، يعني: أن من أجاب الرسول ﷺ في دعوته، تتقادم بهم العهود، حتى يرتدوا على أدبارهم، ويتركوا دينهم، كما جاء في بابٍ سلف في أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم الغلو في الصالحين، لكن الظاهر هنا أن قوله: " بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " يعني به أمة الإجابة في أنهم يتركون دينهم، ويتوجهون إلى الأوثان ويعبدونها.
و" الأوثان ": جمع وثن، والوثن هو: كل شيء توجه إليه الناس بالعبادة، إما بأن يدعوه مع الله- جل وعلا- أو أن يستغيثوا به، أو أن يعتقدوا فيه أنه
стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ينفع ويضر بدون إذن الله- جل وعلا- أو أنه يرجى رجاء العبادة، ويخاف منه كخوف الله- جل وعلا- أي: خوف السر، ونحو ذلك من التوجهات، والعبادات، فمن اعتقد فيه شيء من ذلك فهو وثن من الأوثان، وقد يكون راضيا بتلك العبادة، وقد لا يكون راضيا.
والوثن ليس هو المصور على شكل صورة، بل الصنم هو ما كان على شكل صورة- كما سبق أن ذكرنا- فالفرق بين الأوثان والأصنام. أن الأصنام هي: الآلهة التي صورت على شكل صور، كأن يجعل لنبي من الأنبياء صورة ويعبدها، أو يجعل لرجل من الرجال- كبوذا ونحوه- صورة ويسجد لها، ويعبدها، فهذه تسمى أصناما. أما الأوثان فهي الأشياء المعبودة أيا كانت؛ فقد تكون جدارا، أو قبرا، أو رجلا ميتا، أو صفة من الصفات يتخذها معبودة من دون الله. فكل ما توجه إليه العباد بنوع من أنواع العبادة: فهو وثن من الأوثان.
قوله: " وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] [النساء: ٥١] الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله- جل وعلا- وأمر رسوله ﷺ في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحرا- وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت الكاهن، وقد يكون الجبت الشيء المرذول الذي يضر صاحبه.
ومعنى قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-.
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويؤمنون ب (الطاغوت) والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين، بأن جعل ما لله له؛ ولهذا يعرف ابن القيم ﵀ الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ".
ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى حد ذلك الشيء الذي توجه إليه، وهو الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، فتوجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه: يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله- جل وعلا-، ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون، فإن كل ذلك مجاوزته بذلك المتخذ عن الحد الذي جعل له في الشرع.
فهذا معنى مجاوزة الحد في المعبودين، والمقصود بقوله: " أو متبوع " مثل العلماء، والقادة في أمر الدين، ومعنى مجاوزة الحد فيهم: أنهم صاروا يتبعونهم في كل ما قالوا، وإن أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين: أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو حرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقر بأنه طاغوت، واتخذه كذلك.
وقوله: " أو مطاع " يشمل الأمراء، والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله- جل وعلا- به فهؤلاء اتخذوهم طواغيت؛ لأنهم جاوزوا بهم حدهم. فهذا الشرح لمعنى ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ من تعريف الطاغوت.
وقوله في الآية المتقدمة. (الطاغوت) يدخل فيه كل هذه الأنواع، أي الذين عبدوا، والذين اتبعوا، والذي أطيعوا.
ووجه مناسبة هذه الآية للباب، أن الإيمان بالجبت والطاغوت، حصل ووقع من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من اليهود والنصارى، وإذا كان قد وقع منهم، فسيقع في هذه الأمة؛ لأن النبي ﵊ أخبر أن ما وقع في الأمم قبلنا سيقع في هذه الأمة، كما قال في حديث أبي سعيد الآتي: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» فمثل بشيء صغير، وهو دخول جحر الضب- الذي لا يمكن أن يفعل- تنبيها على أن ما هو أعلى من ذلك سيقع من هذه الأمة، كما وقع من الأمم قبلنا. وقد حصل- كما أخبر به النبي ﷺ فإن من هذه الأمة من آمن بالسحر، ومنهم من آمن بعبادة غير الله، ومنهم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فكانوا بذلك متبعين سنن من كان قبلهم، وحصل منهم إيمان بالجبت والطاغوت كما حصل من الأمم قبلهم.
" وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] [المائدة: ٦٠] على هذه القراءة (عبد الطاغوت) يكون الطاغوت مفعول (عبد) ، و (عبد) فعلا معطوفا على قوله: (لعن) ، كأنه قال بتقديم وتأخير: من
стр. 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لعنه الله ومن عبد الطاغوت. ووجه الاستشهاد من الآية أن عبادة الطاغوت وقعت في أولئك الملعونين، وبما أن ما وقع في الأمم السالفة بخبر النبي ﷺ سيقع في هذه الأمة، فإننا نعلم أن في هذه الأمة من سيعبد الطاغوت كما عبدها أولئك، وعبادة الطاغوت عامة- كما ذكرنا- يدخل فيها عبادة الأوثان من عبادة القبور، وتأليه أصحابها، والتوسل بهم إلى الله- جل وعلا-، والاستشفاع بهم إلى الله- جل وعلا-، أو طلب الشفاعة منهم، ونحو ذلك من الوسائل الشركية، أو ما هو من الشرك الأكبر، فحصلت عبادة الأوثان من القبور، ومن المشاهد، ومن الأشجار ومن الأحجار، ونحو ذلك مما اعتقد فيه الجهلة الذين تركوا دين محمد ﵊. " وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] [الكهف: ٢١] : قصة أصحاب الكهف معروفة، وهذه الجملة بعض آية من قصة أصحاب الكهف، جعلهم الله- جل وعلا- آية، كما قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] [الكهف: ٢١] واطلع الناس على أنهم مكثوا أحياء هذه المدة الطويلة، فاعتقدوا فيهم، ولما ماتوا تنازعوا في أمرهم.
فمنهم من قال: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١]
ومنهم من قال: اجعلوا لهم فناء ودارا، وعظموا مكانهم، واختلف الناس فيهم في ذلك الزمان، قال الله- جل وعلا-: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] [الكهف: ٢١] .
стр. 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فمن الذين غلبوا على الأمر؟ اختلف المفسرون في ذلك:
فقال قائلون: هم المسلمون- مسلمو ذلك الزمان- حصل منهم تعظيم لأصحاب الكهف، فقالوا: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١] [الكهف: ٢١] وقالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] تعظيما لهم ودلالة للناس عليهم، فإذا كان هذا القول راجحا فإنه من وسائل الشرك بالله ويؤدي إلى عبادة تلك القبور والاعتقاد في أصحاب الكهف، وهذا القدر حصل في هذه الأمة.
والقول الثاني: أن الذين غلبوا على أمرهم هم المشركون، يعني: أتباع ذلك الدين لاعتقادهم الجاهلي، ولما في قلوبهم من الشرك والبدع التي خالفوا بها أنبياءهم، قالوا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] والقول الثالث: - وهو الذي رجحه ابن كثير ﵀ ورجحه عدد أيضا من أهل العلم- أن الذين غلبوا على أمرهم هم الكبراء، والأمراء، وأصحاب النفوذ فيهم، لأن الذي له الغلبة في الأمر هو من يملك الأمر والنهي في المنكر وهم الكبراء، وأصحاب النفوذ، وملوك ذلك الزمان، وأمراؤه، عظموا هؤلاء الصالحين وقالوا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] وقد حصل هذا في تلك الأمة، وما دام أنه حصل فإنه سيحصل في هذه الأمة؛ لأنه ما من خصلة من الشرك حصلت في الأمم قبلنا إلا وحصلت في هذه الأمة حتى ادعى بعض هذه الأمة أنه الله- جل وعلا- وأن الله يحل فيه ونحو ذلك،
стр. 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بل قد ادعوا أن روح الإله تتناسخ في أناس معنيين كما هو اعتقاد طوائف من الباطنيين ونحو ذلك، وهذا كما قال ﵊: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» .
قوله: (سنن) يروى بضم السين وفتح النون، وهو: جمع سنة، وهي. الطريقة، يعني كأنه قال: لتتبعن طرائق من كان قبلكم يعني في الدين. ويروى بفتح السين والنون معا، وهو على هذه الرواية مفرد، ومعناه: السبيل والطريق، يعني: لتتبعن سبيل من كان قبلكم.
واللام في قوله: " لتتبعن " هي الواقعة في جواب القسم، فيفهم من ذلك أن النبي ﵊ أقسم على ذلك، فقال مؤكدا: والله لتتبعن سنن من كان قبلكم.
وإنما أقسم ﵊ ليؤكد هذا الأمر تأكيدا عظيما، وأن هذه الأمة ستتبع- لا محالة- طريق وسبيل من كان قبلها من الأمم، وهذا تحذير لأن الأمم السالفة إما أن يكونوا من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهؤلاء قد وصفهم الله- جل وعلا- بأنهم مغضوب عليهم وضالون، فإذا اتبعت هذه الأمة سبيلهم، فمعنى ذلك أنها تعرضت للغضب واللعنة، وقد وجد في هذه الأمة من سلك سبيل اليهود، ومن سلك سبيل النصارى؛ ولهذا قال بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى؛ لأن اليهود خالفوا على علم، والنصارى خالفت على ضلالة وقد قال- جل وعلا-: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] [الفاتحة: ٧] والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى كما فسرها النبي ﷺ "
стр. 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " حذو القذة بالقذة " أي: مثلا بمثل، وهو مثل للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان، مأخوذ من قذة السهم، وهي أذنه؛ لأن كل قذة تقر على صاحبتها، ثم تقطع على قياسها، فلا يكون بينها تفاوت. وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ فحصل في هذه الأمة مثل ما حصل في الأمم قبلنا في أبواب الربوبية، وفي أبواب الإلهية، وفي الأسماء والصفات، وكذلك في العمل، وفي السلوك، وكذلك القول في أفعال الله- جل وعلا- فكل شيء كان فيمن قبلنا جاء ووقع في هذه الأمة، نسأل الله- جل وعلا- السلامة والعافية.
قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟» أخرجاه (١) ": وجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، بل عماد هذا الباب على هذا الحديث من أن كل كفر وشرك وقع في الأمم السالفة فسيقع في هذه الأمة، فإن الأمم السالفة عبدت الأوثان وكفرت بالله- جل وعلا- وسيقع في هذه الأمة من يعبد الأوثان ومن يكفر بالله- جل وعلا- في الربوبية وفي الإلهية وفي الأسماء والصفات وفي أفعال الله- جل وعلا- وفي الحكم والتحاكم، وهكذا في أنواع كثيرة مما حصل فيمن قبلنا حتى في أمور السلوك والبدع، بل حتى في أمور الأخلاق والعادات التي تتصل بالدين فإنه سلكت هذه الأمة مسلك الأمم قبلها مخالفة نهي النبي ﷺ .
ووجه الاستشهاد من حديث ثوبان -وهو حديث طويل- قوله ﵊: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» والأئمة المضلون هم الذين اتخذهم الناس أئمة، إما من جهة الدين، وإما من جهة ولاية الحكم.
стр. 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والأئمة المضلون يملكون زمام الناس، فيضلون الناس بالبدع وبالشركيات، ويحسنونها لهم حتى تغدو في أعينهم حقا، وكذلك أصحاب النفوذ وأصحاب الحكم فإنهم إذا كانوا مضلين فإن بيدهم الأمر الذي يجعلهم يفرضون على الناس أمورا ويلزمونهم بأشياء مضادة لشرع محمد ﷺ من أمور العقيدة والتوحيد، ومن أمور السلوك والعمل، ومن أمور الحكم والتحاكم، وهكذا وقع في هذه الأمة ما خاف منه ﵊، فكثر الأئمة المضلون في الأمة: الأئمة المضلون من جهة الاتباع، والأئمة المضلون من جهة الطاعة.
قوله: «وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» : هذا نص صحيح من رواية البرقاني في صحيحه. فهل المراد من قوله: «حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين» أن هذا الحي يترك بلاد المسلمين، ويذهب إلى أرض المشركين؟ أو أنه يلحق بالمشركين في الصفات والخصال؟ يحتمل هذا وهذا.
قوله: «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» الفئام، هي الجماعات الكبيرة، وهذا ظاهر المناسبة لقول الشيخ ﵀ في الباب " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان ".
قوله ﵊ في هذا الحديث. «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎» هذه الطائفة المنصورة هي التي قال فيها ﵊ في حديث آخر.
стр. 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
«ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ، وهي التي قال فيها ﵊: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» فالطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية وهي الجماعة بجمع أحاديث النبي ﵊. وسميت منصورة؛ لأن الله- جل وعلا- نصرها على من ناوأها بالحجة والبيان، ونصرها الذي وعدت به ليس نصرا بالسنان، ولكنه نصر بالحجة والبيان، فهم وإن هزموا في بعض المعارك أو أديلت دولتهم في بعض الأحيان فهم الظاهرون على من سواهم بالحجة والبيان، وهم المنصورون بما أعطاهم الله- جل وعلا- من الحجة والنصوص والصواب والحق على من سواهم. فهم على الحق وسواهم على الباطل.
وهذان اللفظان- فرقة ناجية، وطائفة منصورة- اسمان لشيء واحد، وإنما هو من باب تنوع الصفات فقال عنها الطائفة المنصورة هنا «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» ؛ لأنها موعودة بالنصر كما قال- جل وعلا-: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [غافر ٥١] وكما قال أيضا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] [الصافات: ١٧١-١٧٣] ، فقولهم هو المنصور وهو الظاهر وحجتهم هي الظاهرة، وقد يكون أيضا لهم من النصر والتمكين في أرض الله ما أعطاهم الله- جل وعلا- من ذلك.
стр. 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهم أيضا الفرقة الناجية التي جاءت في حديث الافتراق، لأنها موعودة بالنجاة من النار، فهم موصوفون بالنصر، وموصوفون بالنجاة من النار، وموصوفون بالنصر على عدوهم بالحجة والبيان، وقد يكون مع ذلك نصر بالسيف والسنان ونحو ذلك.
هذا " باب ما جاء في السحر " ومناسبة ذكر السحر لكتاب التوحيد. أن السحر نوع من الشرك، وقد قال ﵊: «من سحر فقد أشرك» ، فالسحر أحد أنواع الشرك الأكبر بالله- جل وعلا- فمناسبته ظاهرة، لأنه مضاد لأصل التوحيد.
стр. 293
[باب ما جاء في السحر]
"باب ما جاء في السحر" وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] وقوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] [النساء: ٥١] .
قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات "، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (١) .
وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي (٢) وقال: الصحيح أنه موقوف. وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال: فقتلنا ثلاث سواحر (٣) .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 294
وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت (١) وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده!
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والسحر في اللغة هو: عبارة عما خفي ولطف سببه، ومعنى خفي: صار سبب ذلك الشيء خفيا لا يقع بظهور، وإنما يقع على وجه الخفاء؛ ولهذا سمي آخر الليل سحرا لذلك، وكذلك قيل في أكلة آخر الليل سحور وذلك لأنها تقع على وجه الخفاء وعدم الاشتهار والظهور من الناس.
فهذه اللفظة (سحر) وما اشتقت منه تدل على خفاء في الشيء؛ ولهذا فإنه في اللغة يطلق السحر على أشياء كثيرة، منها ما يكون من جهة المقال، ومنها ما يكون من جهة الفعل، ومنها ما يكون من جهة الاعتقاد، وسيأتي في هذا الباب وفي الباب الذي بعده " باب بيان شيء من أنواع السحر" ما يتصل بذلك.
وأما السحر الذي هو كفر وشرك أكبر بالله - جل وعلا - فهو استخدام الشياطين والاستعانة بها لحصول أمر بواسطة التقرب لذلك الشيطان بشيء من أنواع العبادة.
والسحر عرفه الفقهاء بقولهم: رقى وعزائم وعقد ينفث فيها فيكون سحرا يضر حقيقة، ويمرض حقيقة، ويقتل حقيقة. فحقيقة السحر إذا: أنه استخدام للشياطين في التأثير، ولا يمكن للساحر أن يصل إلى إنفاذ سحره حتى يكون متقربا إلى الشياطين، فإذا تقرب إليها خدمته شياطين الجن بأن أثرت في بدن المسحور، فلكل ساحر خادم من الشياطين يخدمه، ولكل ساحر مستعان به من الشياطين، فلا يمكن للساحر أن يكون ساحرا على الحقيقة إلا إذا تقرب إلى الشياطين؛ ولهذا فإن السحر شرك بالله- جل وعلا-.
وهناك شيء قد يكون في الظاهر أنه سحر، ولكنه في الباطن ليس بسحر، وهذا ليس الكلام فيه، وإنما الكلام فيما كان من السحر بالاستعانة
стр. 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالشياطين، وباستخدام الرقى والتعويذات والعقد والنفث فيها، وقد قال - جل وعلا-: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] [الفلق: ٤] والنفاثات: هن السواحر اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها، خصت الإناث بالاستعاذة منهن؛ لأن الغالب في السحر أن الذي يستخدمه النساء، فجرى ذلك لمجرى الغالب، والنفاثات: جمع نفاثة، صيغة مبالغة من النفث؛ لأنها تكثر النفث في العقدة برقى وتعازيم وتعويذات، تستخدم فيها الجن لتخدم هذه العقدة التي فيها شيء من بدن المسحور، أو فيها شيء يتعلق بالمسحور حتى يكون ذلك مؤثرا فيه. وقد سحر يهودي النبي ﷺ في مشط ومشاطة، يعني: في أشياء من شعره ﵊ حتى يخيل للنبي ﷺ أنه يفعل الشيء ولا يفعله من جهة نسائه ﵊، فقد كان سحر ذلك اليهودي مؤثرا في بدنه ﵊، لكنه لم يكن مؤثرا في علمه، ولا في عقله، ولا في روحه ﵊، وإنما في بدنه يخيل إليه أنه قد واقع نساءه وهو لم يواقع ونحو ذلك.
وهذا السحر الذي فيه استخدام الشياطين شرك وكفر بالله- جل وعلا-، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] والذي تلته الشياطين على ملك سليمان هو ما قرؤوه في كتاب السحر وما يتصل بذلك من عمل السحر، قال- جل وعلا-. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] فعلل كفر الشياطين بقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢]
стр. 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال- سبحانه-: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]
وتعلم السحر وفهم كيف يكون، وكيف يعمل السحر، كل هذا لا يمكن أن يكون إلا بالكفر والشرك، لكن هناك مراتب: إحداها: أن يتعلم ذلك نظريا ولا يعمله، والثانية: أن يتعلمه ويعمله ولو مرة، وهناك مرتبة الساحر الذي يتعلم ويعمل به دائما فما حكم هذه المراتب؟ قال- جل وعلا-: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] ، فدل على أن تعلمه بمجرده كفر، ولهذا نقول: الصحيح أن تعلم السحر- ولو بدون عمل- شرك وكفر بالله- جل وعلا- بنص الآية، لأنه لا يمكن أن يتعلم السحر إلا بتعلم الشرك بالله- جل وعلا- وكيف يشرك، وإذا تعلم الشرك فهو مشرك بالله- جل وعلا-.
وبعض العلماء يقول: السحر قسمان: - كقول الشافعي وغيره- منه ما يكون بالاستعانة بالشياطين فهذا كفر وشرك أكبر، ومنه ما يكون بالأدوية والتدخينات فهذا فسق ومحرم ولا يكفر فاعله إلا إذا استحله.
وهذا التقسيم من الشافعي ومن تبعه، هو من جهة الواقع، يعني: نظروا في الذين يمارسون ذلك، فمنهم من يقول إنه ساحر وليس كذلك من حيث النظر الشرعي يعني: أنه ليس السحر الذي وصف في الشرع، فيقول: هو ساحر، وهو يستخدم أدوية وتعويذات، وفي الحقيقة هو مشعوذ، ولا يصدق عليه اسم الساحر، وهذا فيما يفعل يؤثر عن طريق الأدوية.
стр. 298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما الصرف والعطف، يعني: جلب محبة امرأه لزوجها، أو صرف محبة المرأة لزوجها، أو العكس، فهذا من القسم الأول؛ لأنه من نواقض الإسلام، فالسحر من نواقض الإسلام؛ لأنه شرك بالله ومنه الصرف والعطف؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى روح وقلب من يراد صرفه أو العطف إليه إلا بالشرك؛ لأن الشيطان هو الذي يؤثر على النفس ولن يخدم الشيطان الإنسي الساحر إلا بعد أن يشرك بالله- جل وعلا-.
فتحصل أن السحر بجميع أنواعه فيه استخدام للشياطين واستعانة بها، والشياطين لا تخدم إلا من تقرب إليها بالذبح، أو بالاستغاثة، أو بالاستعاذة، ونحو ذلك. يعني أن يصرف إليها شيئا من أنواع العبادة، بل قد نظرت في بعض كتب السحر، فوجدت أن الساحر- بحسب ما وصف ذلك الكاتب- لا يصل إلى حقيقة السحر، وتخدمه الجن كما ينبغي، حتى يهين القرآن، ويهين المصحف، وحتى يكفر به، ويسب الله- جل وعلا- ونبيه ﷺ ، وهذا قد ذكره بعض من اطلع على حقيقة الحال.
فالسحر إذًا شرك بالله تعالى، وكل ساحر مشرك. وقتل الساحر- فيما سيأتي- على الصحيح أنه قتل ردة، لا قتل تعزير، فالشيخ ﵀ عقد هذا الباب " باب ما جاء في السحر" لبيان تلك المسألة.
" وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] ". وجه الاستدلال بهذه الآية قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: ما له في الآخرة من نصيب، والخلاق هو: النصيب. وقوله:
стр. 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: اشترى السحر، والاشتراء: أن يأخذ شيئا ويدفع عوضه، فحقيقة الشراء أن تشتري سلعة مثلا وتدفع ثمنها، فتأخذ مثمنا وتدفع ثمنه. والساحر ومن تعلم السحر اشترى السحر. أي: أخذ السحر، وبذل توحيده عوضا، فالثمن هو التوحيد، والإيمان بالله وحده، والمثمن هو السحر؛ ولهذا قال- جل وعلا- هنا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: من دفع دينه عوضا عن ذلك الشيء الذي أخذه وهو السحر ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: من نصيب، وهكذا المشرك ليس له في الآخرة من نصيب، فوجه الاستدلال ظاهر في أن الساحر قد جعل دينه عوضا عن ذلك الذي اشتراه وتعلمه وعمل به.
" وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] [النساء: ٥١] قال عمر: الجبت السحر " وهذا في ذم أهل الكتاب، فإن أهل الكتاب لما آمنوا بالسحر ذمهم الله- جل وعلا- ولعنهم وغضب عليهم، لأنه يكثر السحر واستعماله فيهم؛ فذمهم الله- جل وعلا- بسبب ذلك، وإذا كان الله ذمهم ولعنهم وغضب عليهم لأجل ذلك، فهذا يفيد أنه من المحرمات ومن الكبائر، وإذا كان فيه إشراك بالله- جل وعلا- فظاهر أنه شرك بالله- جل وعلا-.
قوله: " والطاغوت: الشيطان " يعني: أن الجبت اسم عام يشمل أشياء كثيرة- كما تقدم- ومن أبرزها وأظهرها عند اليهود السحر، فيؤمنون بالجبت يعني بالسحر؛ لأنه هو أظهر الأشياء عندهم، ويؤمنون بالطاغوت يعني بالشيطان، وهو كل ما توجهوا إليه بالطاعة، وبعد عن الحق، وعن الصواب.
стр. 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" قال: جابر (١) الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد ": وهذا يأتي بيانه في " باب ما جاء في الكهان ".
" وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر» وجه الاستدلال من ذلك: أن السحر من الموبقات، والموبقات: هي التي توبق صاحبها، وتجعله في هلاك وخسار في الدنيا وفي الآخرة، وهذه السبع أكبر الكبائر، وعطف السحر على الشرك بالله ليس عطفا بين متغايرين في الحقيقة، وإنما هو عطف بين خاص وعام، فالشرك بالله يكون بالسحر ويكون بغيره، فعطف السحر على الشرك للتنصيص عليه، والسحر- كما ذكرنا- أحد أفراد الشرك بالله- جل وعلا- وعطف الخاص على العام أمثلته كثيرة منها قوله- جل وعلا-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] فعطف جبريل وميكال على الملائكة، وهما منهم، من باب عطف الخاص على العام.
قوله: " وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف " روي هكذا" ضربه " وهو الأصح، وروي " ضربة" فحد الساحر قتله بالسيف، وعلى رواية" ضربة" لا يكون لها مفهوم، يعني: إن مات بضربة أو يضرب ضربتين أو ثلاثا حتى يموت لأن العدد لا مفهوم له.
стр. 301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله. " حد الساحر" هنا لم يفرق بين ساحر وساحر، ولم يأت في أدلة الكتاب والسنة التفصيل في اسم الساحر الذي يحد، أو الذي وصف بالكفر بين نوع ونوع من التأثير، فالأنواع التي يستخدمها السحرة مما يصدق عليها أنها سحر في التأثير، وفي الإمراض، وفي التفريق، وفي التأثير على العقول وعلى القلوب، ونحو ذلك من أنواع التأثير الخفي الذي يكون باستخدام الشياطين أو بأمور خفية، فهذا كله لا يفرق فيه بين فاعل وفاعل، والأدلة ما فرقت؛ فلهذا قال العلماء: الصحيح أن الساحر من أي نوع حده أن يقتل، وهل حده حد كفر وردة، أو حد لأجل أنه قتل، فيكون حد لأجل القتل، أو حد تعزير؟ اختلف العلماء في ذلك. والصحيح من هذه أنه في الجميع حد ردة؛ لأن حقيقة السحر أنه لا بد أن يكون فيه إشراك بالله- جل وعلا- فمن أشرك بالله- جل وعلا- فقد ارتد وحل دمه وماله.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل يقول فيه ما مقتضاه: إن الساحر قد لا تدرك حقيقة سحره فيترك أمره في قتله إلى الإمام، إذا رأى المصلحة في قتله قتله، وإن لم ير المصلحة في قتله لم يقتله، ويعني بالمصلحة المصلحة الشرعية، فتحصل من ذلك أن الأقوال في حد الساحر هي:
الأول: أنه يقتل مطلقا ردة؛ لأنه لا يكون السحر إلا بشرك.
والقول الثاني: أنه يقتل ردة إذا كان سحره بشرك، ويقتل حدا إذا كان سحره أدى إلى قتل غيره بغير ما فيه إشراك، من مثل الأدوية، والتعويذات، ونحو ذلك مما ذكرنا.
والثالث: القول الذي عزي إلى شيخ الإسلام: من أنه كالزنديق يترك أمره إلى الإمام بحسب ما يراه، إن رأى المصلحة الشرعية في قتله قتله، وإلا عاقبه بما دون القتل.
стр. 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبده قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال: فقتلنا ثلاث سواحر" هذا ظاهر في الأمر بقتل الساحر والساحرة بدون تفصيل؛ ولأن حقيقة السحر لا تكون إلا بشرك بالله- جل وعلا- وذلك ردة.
قوله: "وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ "
. يعني أن الساحر يجب أن يقتل وهذا حده سواء قلنا: إنه يقتل لحد الردة، أو يقتل لحد القتل، أو يقتل تعزيرا، فالصحابة -رضوان الله عليهم- أفتوا بقتله، وأمروا بقتله، وذلك بدون تفريق، وهذا هو الواجب ألا يفرق بين نوع ونوع، والواجب على المسلمين أن يحذروا السحر بأنواعه، وأن يتعاونوا في الإبلاغ عن كل من يعلمون عنده شعوذة، أو استخداما لشيء من الخرافات، أو السحر، ونحو ذلك، إبراء للذمة، وإنكارا للمنكر؛ لأنه كما قال الأئمة: ما دخل السحرة إلى بلد إلا فشا فيها الفساد، والظلم، والاعتداء، والطغيان؛ ذلك لأنهم يستخدمون الشياطين، فتطيع الشياطين السحرة، أعاذنا الله منهم، ومن أقوالهم، وأعمالهم وتأثيراتهم.
هذا " باب بيان شيء من أنواع السحر ". لما ذكر الإمام -رحمه الله تعالى- ما جاء في السحر، وما اتصل بذلك من حكمه وتفصيل الكلام فيه، ذكر أن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله- جل وعلا-، فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين والتقرب إليها وعبادتها لتخدم الساحر، ويدخل فيها أمور أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة ولا في الحكم، وهو درجات.
стр. 303
[باب بيان شيء من أنواع السحر]
" باب بيان شيء من أنواع السحر " قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا عوف بن مالك قال: حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: «إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت» .
قال عوف: العيافة زجر الطير. والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد (١) ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه (٢) وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» . رواه أبو داود، وإسناده صحيح (٣) .
وللنسائي من حديث أبي هريرة: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه " (٤) وعن ابن مسعود ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا هل أنبئكم ما العَضْه؟ هي النميمة القالة بين الناس» رواه مسلم (٥) .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 304
ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان لسحرا» (١) .
فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فمما يسمى سحرا: البيان، كما جاء في آخر الباب " إن من البيان لسحرا" والبيان ليس سحرا فيه استعانة بالشياطين، ولكنه داخل في حقيقة السحر اللغوية؛ لأن له تأثيرا خفيا على القلوب، فإن الرجل البليغ البيان، وذا الإيضاح، وذا اللسان الفصيح يؤثر في القلوب حتى يسبيها، وربما قلب الحق باطلا والباطل حقا ببيانه، فسمي سحرا لخفاء وصوله إلى القلوب وقلب الرأي وفهم المخاطب من شيء إلى آخر.
وكذلك ما ذكر من أن الطيرة من السحر، فالطيرة نوع اعتقاد، وكذلك العيافة وهي شبيهة بها أو بعض أنواعها، كذلك الخط في الرمل، ونحو ذلك، من الأشياء التي ربما أطلق عليها أنها سحر وهي ليست كالسحر الأول في الحد والحقيقة ولا في الحكم.
ولهذا عقد الإمام ﵀ هذا الباب، لبيان شيء من أنواع السحر؛ لأن من أنواع السحر ما هو شرك أكبر بالله- جل وعلا-، وهو المراد إذا أطلق السحر، وهذه هي الحقيقة العرفية، ومنه ما ليس شركا أكبر.
وفي ألفاظ الشرع أمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة اللغوية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة العرفية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية. ومن ذلك هذا الباب، فإن فيه ما يطلق عليه- لغة- أنه سحر، وفيه ما يطلق عليه- عرفا- أنه سحر، وما يطلق عليه شرعا- أنه سحر.
والتفريق بين هذه الأنواع مهم؛ ولهذا ذكر الإمام هذا الباب حتى تفرق بين نوع وآخر، فالحد الذي فيه " حد الساحر ضربه بالسيف " لا ينطبق على كل هذه الأنواع التي ستذكر؛ لأنها سحر لغة وليست بسحر شرعا.
стр. 306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله في الحديث الأول: قال النبي ﷺ : «إن العيافة، والطرق، والطيرة من الجبت» .
العيافة: مأخوذة من عياف الشيء، وهو تركه، عاف الشيء يعافه، إذا تركه، فلم تبغه نفسه، وهي كما فسرها عوف: زجر الطير- وهذا أحد تفسيرات العيافة- وزجر الطير: أن يحرك طيرا حتى ينظر إلى أين تتحرك، ثم يفهم من ذلك الزجر أن هذا الأمر الذي سيقدم عليه أمر محمود أو أمر مذموم، أو يطلع بحقيقة زجر الطير على مستقبل الحال، فهذا نوع من الجبت، وهو السحر؛ لأن من معاني (الجبت) - كما تقدم- الشيء المرذول المطرح الذي يصرف الواحد عن الحق. والسحر: شيء خفي يؤثر في النفوس، والعيافة من التأثر بالطير وبزجرها وبانتقالها من هنا إلى هنا أو بحركتها شيء خفي دخل في النفس فأثر فيها من جهة الإقدام أو الكف، فكانت نوعا من السحر لأجل ذلك، وهي- أيضا- جبت؛ لأنها شيء مرذول أدى إلى الإقبال أو الامتناع. والطيرة أعم من العيافة؛ لأن العيافة- على تفسير عوف وهو أحد تفسيراتها- متعلقة بالطير وحده، وأما الطيرة فهي: اسم عام لما فيه تشاؤم أو تفاؤل بشيء من الأشياء، وسيأتي باب مستقل لذكر أحكام الطيرة، وصورتها، وما يقي منها، - إن شاء الله تعالى-.
وحقيقة الطيرة: أنه يرى شيئا من الطير، تحرك يمينا أو يسارا، فإن رآه تحرك يمينا، تفاءل به، واعتقد أنه سينجح في هذا العمل أو في هذا السفر، وإن رآه تحرك شمالا قال: هذا معناه أني سأتضرر في هذا السفر، أو سيصيبني
стр. 307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
مكروه فرجع. وقد قال ﵊. " من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " (١) .
وقد يتشاءم بحركة شيء، أو بكلمة يسمعها، أو بشيء في الجو، أو بتصادم سيارة أمامه، أو بسواد في الجو حصل أمامه أو في ذلك اليوم الذي سينتقل فيه، أو يتشاءم بشيء حصل له في أول زواجه، ونحو ذلك من أنواع التشاؤم، كالتشاؤم بالأشهر، أو بالأيام، هذا كله من أنواع الطيرة.
ولا يكون طيرة إلا إذا رده عن حاجته، أو جعله يقبل إلى حاجته، فإذا تشاءم، وحمله ذلك التشاؤم على أن يقدم أو يحجم فإنه يكون متطيرا.
وكذلك في باب التفاؤل إذا رأى شيئا، فجعله ذلك الشيء يقدم، ولولا ذلك الشيء الذي رآه ما أقدم، فإن ذلك أيضا من الطيرة وهي نوع من أنواع التأثيرات الخفية على القلوب، وذلك ضرب من السحر.
وأما الطرق: فهو مأخوذ من وضع طرق في الأرض، وهي الخطوط، فيأتي بخطوط متنوعة يخطها في الأرض، ليس لها عدد، ثم يبدأ الكاهن الذي يستخدم الخطوط فيمسح خطا خطا أو يمسح خطين خطين بسرعة، ثم ينظر ما بقي، فيقول: هذا الذي بقي يدل على كذا وكذا، وأنك ستغتني، أو يدل على أنه سيصيبك كذا وكذا، ونحو ذلك، وهو نوع من أنوع الكهانة، والكهانة ضرب من السحر.
قال هنا: " والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان ".
стр. 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهو من أنواع السحر؛ لأن الشيطان يدعو إلى ذلك بصوته وبعويله.
قوله: وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (١) .
رواه أبو داود بإسناد صحيح. في هذا الحديث بيان أن تعلم النجوم تعلم للسحر، ويأتي في باب خاص " باب ما جاء في التنجيم " أنواع تعلم النجوم وما جعل الله- جل وعلا- النجوم له.
قوله: " من اقتبس شعبة": يعني من تعلم بعضا من علم النجوم؛ لأن الشعبة هي: الطائفة من الشيء، أو جزء من أجزائه، فكل جزء من أجزاء علم النجوم الذي هو علم التأثير نوع من أنواع السحر، قال. " فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" يعني: كلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في تعلم السحر، حتى يصل إلى آخر حقيقة علم التأثير كما يسمونه، فيصبح سحرا وكهانة على الحقيقة، ويأتي أن التنجيم منه علم التأثير وهو جعل الكواكب والنجوم في حركتها والتقائها وافتراقها وطلوعها وغروبها مؤثرة في الحوادث الأرضية، أو دالة على ما سيحدث في الأرض، فيجعلونها دالة على علم الغيب، ومنبئة على المغيبات، وهذا القدر من السحر؛ لأنه يشترك معه في حقيقته وهو أنه تأثير بأمر خفي.
стр. 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه» (١) .
قوله: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر" يعني: أن عقد العقد والنفث فيها من أنواع السحر. والنفث المقصود به هنا: النفث الذي فيه استعاذة واستعانة بالشياطين، فليس كل نفث في عقدة يعقد السحر، بل لا بد أن يكون النفث بأدعية معينة ورقى شركية وتعويذات وكلام تحضر الجن عند تلاوته وتخدم هذه العقدة السحرية، وهو ما كان يتعاطاه الناس المردة في زمان النبي ﵊ من النفث في العقد، كما قال- جل وعلا-: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وهن السواحر.
قوله: " فقد سحر" أي يخدم هذا السحر بالنفث في العقدة، وفائدة العقدة عند السحرة أنه لا ينحل السحر ما دامت معقودة، فينعقد الأمر الذي أراده الساحر بشيئين: بالعقدة، وبالنفث بالعقدة، أي عقدة حبل أو خيط أو نحو ذلك، وبالنفث فيها بالأدعية الشركية والاستعانة بالشياطين، ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن تعلم في هذا الباب: أن العقد تارة تكون مرئية واضحة، وتارة تكون صغيرة جدا.
قوله: " ومن سحر فقد أشرك " هذا عام؛ لأنه جعل الإشراك جزاء السحر، بأسلوب الشرط والجزاء، فكأنه قال: كل من سحر فقد أشرك، يعني: سحر بذلك النحو الذي ذكر، وهو أن يعقد عقدة ثم ينفث فيها،
стр. 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
و"من سحر فقد أشرك " وهذا دليل لما ذكرناه في الباب قبله، من أن كل سحر يعد من أنواع الشرك؛ لأنه لا يمكن أن يحدث السحر إلا بالنفث في العقد، أو باستحضار الجني، وبعبادة الجن، ونحو ذلك، وهذا شرك بالله.
قوله: " ومن تعلق شيئا وكل إليه " تقدم نظير هذا، ومعنى هذا الحديث: أن القلب إذا تعلق بشيء- بمعنى أحبه- ورضيه وتعلق به، فإنه يوكل إليه، ويجعل هو السبب الذي من أجله يجيء نفعه أو يجيء ضره. ومعلوم أن كل الأسباب الشركية تعود على فاعلها أو على الراضي بها بالضرر لا بالنفع، والعبد إذا تخلى عن الله- جل وعلا- ووكل إلى نفسه أو وكل إلى غير الله- جل وعلا- فقد خاب وخسر وضر أعظم الضرر، فسعادة العبد وعظم صلاح قلبه، وعظم صلاح روحه، بأن يكون تعلقه بالله- جل وعلا- وحده.
وقوله هنا: "ومن تعلق شيئا وكل إليه " دليل على أن من تعلق بالله فإن الله كافيه، ومن تعلق قلبه بالله إنزالا لحوائجه بالله، ورغبا فيما عند الله، ورهبا مما يخافه ويؤذيه- يعني يؤذي العبد- فإن الله- جل وعلا- كافيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وإذا تعلق العبد بغير الله فإنه يوكل إلى ذلك الغير، والعباد فقراء إلى الله، والله- جل وعلا- هو ولي النعمة وولي الفضل، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فمن أنزل حاجته بالله أفلح، ومن تعلق قلبه بالله أفلح، وأما من تعلق بالخرافات، أو تعلق بالأمور الشركية كالسحر،
стр. 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وكالذهاب إلى الأولياء، وطلب المدد منهم، أو طلب الإغاثة منهم، فإنه يوكل إلى المخلوق، ومن يوكل إلى المخلوق فإنه يضره ذلك أعظم الضرر، كما قال- جل وعلا-: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] [الحج: ١٣] .
قوله: " وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس» رواه مسلم (١) .
قوله: العضه هكذا تروى في كتب الحديث (العَضْهُ) ، وفي كتب غريب الحديث واللغة تنطق هكذا (العِضَه) لأشباهها في وزنها، وهي كما فسرها النبي ﵊: النميمة القالة بين الناس.
وأصل العضه في اللغة يطلق على أشياء، منها السحر، والنميمة والقالة بين الناس نوع من أنواع السحر، وهي كبيرة من الكبائر، ومحرم من المحرمات. ووجه الشبه بين النميمة وبين السحر: أن تأثير السحر في التفريق بين المتحابين، أو في جمع المتفرقين، تأثيره على القلوب خفي، وهكذا عمل النمام، فإنه يفرق بين الأحباب لأجل كلام يسوقه لهذا وكلام يسوقه لذاك، فيفرق بين القلوب ويجعل العداوة والبغضاء بين قلب هذا وهذا، كما قال - جل وعلا- عن السحر: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] [البقرة: ١٠٢] ، والنميمة هي القالة بين الناس، وهي من أنواع السحر، وكبيرة من الكبائر، والكبائر من أعظم الذنوب العملية.
стр. 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان لسحرا» (١) .
المقصود بالبيان هنا: التبيين عما في النفس بالألفاظ الفصيحة البينة التي تأخذ المسامع والقلوب، فتسحر القلوب، فربما قلبت الحق باطلا، والباطل حقا، حتى يغدو قول ذلك الذي يعد من أهل البيان والفصاحة هو الحق، وأن ما لم يقله أو رده هو الباطل- في الظاهر، وفي ظن سامعيه-، وهذا ضرب من السحر؛ لأنه تأثير في النفوس بالألفاظ، وقلب الحق باطلا، والباطل حقا، فتأثيره خفي كتأثير السحر في الخفاء؛ ولهذا قال. " إن من البيان لسحرا".
والصحيح من أقوال أهل العلم: أن هذا ذم للبيان وليس مدحا له، قال. "إن من البيان لسحرا" على جهة الذم، وبعض أهل العلم يقول: إن ذاك على جهة المدح؛ لأنه يصل في التأثير إلى أن يؤثر تأثيرا بالغا كتأثير السحر في النفوس، والتأثير البالغ إذا كان من جهة البيان فإنه جائز، وهذا من جهة المدح له، وبيان عظم تأثيره. وهذا فيه نظر، لأنه لما جعل البيان سحرا علمنا أنه أراد ذمه؛ ولهذا أورده الشيخ ﵀ في هذا الباب الذي اشتمل على أنواع من المحرمات.
فالذي يستغل ما آتاه الله- جل وعلا- من اللسان والبيان والفصاحة في قلب الباطل حقا وفي قلب الحق باطلا، هذا لا شك أنه من أهل الوعيد ومذموم على فعله؛ لأن البيان: يقصد به نصرة الحق لا أن يجعل ما أبطله الله- جل وعلا- حقا في أنفس الناس وفي قلوبهم.
" باب ما جاء في الكهان ونحوهم " هذا الباب أتى بعد أبواب السحر " لأن حقيقة عمل الكاهن أنه يستخدم الجن لإخباره بالأمور المغيبة في الماضي، أو الأمور المغيبة في المستقبل التي لا يعلمها إلا الله- ﷻ ، فالكاهن يجتمع مع الساحر في أن كلا منهما يستخدم الجن لغرضه ويستمتع بالجن لغرضه.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الكهانة استخدام للجن، واستخدام الجن كفر وشرك أكبر بالله- جل وعلا-؛ لأن استخدام الجن في مثل هذه الأشياء لا يكون إلا بأن يتقرب إلى الجن بشيء من العبادات، فالكهان لا بد - لكي يُخدَموا بذكر الأمور المغيبة لهم- أن يتقربوا إلى الجني ببعض العبادات، إما بالذبح، أو الاستغاثة، أو بالكفر بالله- جل وعلا- بإهانة المصحف، أو بسب الله، أو نحو ذلك من الأعمال الشركية الكفرية.
فالكهانة صنعة مضادة لأصل التوحيد، والكاهن مشرك بالله- جل وعلا-؛ لأنه يستخدم الجن ولا يمكن أن تخبره الجن بالمغيبات إلا إذا تقرب إليها بأنواع العبادات.
وكانت الكهانة منتشرة في بلاد العرب في الجزيرة وفي غيرها، والكهان أناس يدعى فيهم الولاية والصلاح، وأن عندهم علم ما مضى، أو عندهم علم المغيبات التي ستحدث للناس، أو تحدث في الأرض؛ ولهذا كانت العرب تعظم الكهان وتخاف منهم، وكانت العرب تعطي الكاهن أجرا عظيما لأجل ما يخبر عنه.
стр. 313
[باب ما جاء في الكهان ونحوهم]
" باب ما جاء في الكهان ونحوهم " روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال. «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (١) . وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال. «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه أبو داود (٢) . وللأربعة والحاكم - وقال: صحيح على شرطهما عن النبي ﷺ : «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٣) . ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا (٤) .
وعن عمران بن حصين مرفوعا. «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه البزار بإسناد جيد (٥) .
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى. . " إلى آخره (٦) قال البغوي: العراف: الذي
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 314
يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.
وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية ﵀: العراف اسم للكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.
وقال ابن عباس ﵁ في قوم يكتبون "أبا جاد" وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق.
فيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
الثانية: التصريح بأنه كفر.
الثالثة: ذكر من تكهن له.
الرابعة: ذكر من تطير له.
الخامسة: ذكر من سحر له.
السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والكاهن- كما ذكرنا- لا يصل إلى حقيقة عمله بأن يخبر عن الأمور المغيبة إلا باستخدام الجن، والتقرب إليهم التقربات الشركية، فتستمتع الجن به من جهة ما صرف لها من العبادة، ويستمتع هو بالجني من جهة ما يخبره به من الأمور المغيبة.
والجن تصل إلى الأمور المغيبة التي تصدق فيها عن طريق استراق السمع، فإن بعضهم يركب بعضا حتى يسمعوا الوحي الذي يوحيه الله- جل وعلا- في السماء، فربما أدرك الشهابُ الجنيَّ قبل أن يلقي الكلمة لمن تحته، وربما أدركه بعد أن يلقي الكلمة، فتأتي هذه الكلمة للجن فيعطونها الكهان، فيكذب معها الكاهن، أو تكذب معها الجن مائة كذبة، حتى يعظم شأن الكهان، وحتى تعظم عبادة الإنس للجن.
وقبل بعثة النبي ﵊ كان استراق السمع كثيرا جدا، وبعد بعثته ﵊ حرست السماء من أن تسترق الجن السمع، لأجل تنزل القرآن والوحي، حتى لا يقع الاشتباه في أصل الوحي والنبوة، وبعد وفاة النبي ﵊ رجع الاستراق ولكنه قليل بالنسبة لما كان عليه قبل البعثة، فصارت عندنا أحوال استراق السمع ثلاثة.
١ - قبل البعثة: كثير جدا.
٢ - وبعد بعثة النبي ﵊: لم يحصل استراق من الجن، وإن حصل فهو نادر في غير وحي الله- جل وعلا- بكتابه لنبيه ﷺ .
٣ - بعد وفاته ﵊: رجع استراق السمع أيضا، ولكنه ليس بالكثرة التي كانت قبل ذلك؛ لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، والله- جل وعلا- بين ذلك في القرآن في آيات كثيرة من أن النجوم والشهب
стр. 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ترمي الجن كما قال- جل وعلا-: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] [الحجر: ١١٨] ونحو ذلك من الآيات التي فيها أن الشهب مرصدة للجن.
إذا ظهر ذلك فالكاهن قد يطلق عليه العراف، والكاهن والعراف اسمان متداخلان، فقد يطلق أحدهما على الآخر، وعند بعض الناس يطلق الكاهن على من يخبر بما يحصل في المستقبل، ويطلق العراف على من يخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي من مثل مكان المسروق، أو السارق من هو؟ ونحو ذلك مما هو غائب عن الأنظار وإنما يعلمه العراف بواسطة الجن.
والصحيح في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلمون في معرفة الأمور بتلك الطرق. فكل من تكلم في معرفة الأمور المغيبة الماضية أو المستقبلة بتلك الطرق طريق التنجيم، أو الخط في الرمل، بطريق الطرق، أو بالودع، ونحو ذلك من الأساليب، أو بالخشبة المكتوب عليها أباجاد، ونحو ذلك من قراءة الفنجان، أو قراءة الكف، كل من يخبر عن الأمور المغيبة بشيء يجعله وسيلة لمعرفة الأمور المغيبة يسمى كاهنا، ويسمى عرافا، لأنه لا يحصل له أمره إلا بنوع من أنواع الكهانة، وسيأتي ذلك- إن شاء الله-.
قوله: " باب ما جاء في الكهان ونحوهم " و (نحوهم) . يعني من العرافين، والمنجمين، والذين يخطون في الرمل، والذين يكتبون على الخشب، ونحو ذلك.
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال. «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لا تقبل له صلاة أربعين يوما» .
هكذا ذكر المؤلف ﵀ حديث الباب بهذا اللفظ وعزاه لمسلم، وقد نبه الشراح على أن لفظه في مسلم: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» بدون لفظة" فصدقه " أما لفظة" فصدقه " فقد رواها الإمام أحمد في مسنده. وعلى هذا فالمؤلف -رحمه الله تعالى- ذكر هذا اللفظ، وعزاه لمسلم على طريقة أهل العلم في عزو الحديث لأحد صاحبي الصحيح إذا كان أصله فيهما لاتحاد الطريق أو نحو ذلك.
قوله: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لا تقبل له صلاة أربعين يوما» هذا الحديث فيه جزاء الذي يأتي العراف ويسأله، فمن أتى عرافا فسأله عن شيء- ولو لم يصدقه- فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما.
والمقصود من قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» أنها تقع مجزئة لا يجب عليه قضاؤها، ولكن لا ثواب له فيها؛ لأن الذنب والإثم الذي اقترفه حين أتى العراف فسأله عن شيء، يقابل ثواب الصلاة أربعين يوما، فأسقط هذا هذا، ويدل ذلك على عظم ذنب الذي يأتي العراف فيسأله عن شيء ولو لم يصدقه، وهذا عند أهل العلم على حالتين:
الحالة الأولى: من أتى العراف فسأله عن شيء رغبة في الاطلاع، أما من أتى العراف فسأله للإنكار عليه وحتى يتحقق أنه عراف فلا يدخل في ذلك؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
стр. 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحالة الثانية: أن يأتي العراف أو الكاهن فيسأله عن شيء، فإذا أخبره الكاهن أو العراف صدقه بما يقول، فالحديث الأول الذي عن بعض أزواج النبي ﷺ فيه أنه. «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» ، والحديث الثاني فيه أنه. «كفر بما أنزل على محمد ﷺ » فيتضح بالحديث أن الحالة الثانية- وهي من أتى العراف أو الكاهن فسأله عن شيء فصدقه- أنه يكفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وأنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما.
وهذه الحالة تدل على أن الذي أتى الكاهن أو العراف فصدقه، أنه لم يخرج عن الملة؛ لأنه حد ﵊ عدم قبول صلاته بأربعين يوما، والذي أتى الكاهن إذا حكم عليه بأنه كافر كفرا أكبر ومرتد وخارج من الملة فإن صلاته لا تقبل بتاتا حتى يرجع إلى الإسلام، وقد قال طائفة من أهل العلم. دل قوله: «فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» على أن قوله: «كفر بما أنزل على محمد» أنه كفر أصغر وليس بالكفر المخرج من الملة، وهذا القول هو القول الأول، وهو الصحيح، وهو الذي يتعين جمعا بين النصوص، فإن قول النبي ﵊. «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» يدل على أنه لم يخرج من الإسلام، والحديث الآخر وهو قوله: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١) . يدل على كفره، فعلمنا بذلك أن كفره كفر
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أصغر، وليس كفرا مخرجا من الملة، هذا أحد الأقوال في مسألة كفر من أتى الكاهن فصدقه بما يقول.
والقول الثاني. أنه يتوقف فيه، فلا يقال يكفر كفرا أكبر، ولا يقال أصغر، وإنما يقال: إتيان الكهان وتصديقهم كفر بالله- جل وعلا-، ويسكت عن ذلك، ويطلق القول كما جاء في الأحاديث، وهذا لأجل التهديد والتخويف حتى لا يتجاسر الناس على هذا الأمر، وهذا هو مذهب الإمام أحمد في المنصوص عنه.
والقول الثالث من أقوال أهل العلم: أن الذي يصدق الكاهن كافر كفرا أكبر مخرج من الملة وهذا القول فيه نظر من جهتين:
الجهة الأولى: ما ذكرنا من الدليل من أن قوله ﵊. «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» يدل على أنه لم يكفر الكفر الأكبر، ولو كان كفر الكفر الأكبر لم يحد عدم قبول صلاته بتلك المدة من الأيام.
والجهة الثانية: أن تصديق الكاهن فيه شبهة، وادعاء علم الغيب أو تصديق أحد ممن يدعي علم الغيب كفر بالله- جل وعلا- كفرا أكبر، لكن هذا الكاهن الذي ادعى علم الغيب يخبر بالأمور المغيبة فيما صدق فيه عن طريق استراق الجن للسمع، فيكون إذا هو نقل ذلك الخبر عن الجني، والجن نقلوه عما سمعوه في السماء، وهذه شبهة. فقد يأتي الآتي إلى الكاهن ويقول: أنا أصدقه فيما أخبر من الغيب؛ لأنه قد جاءه علم ذلك الغيب من السماء عن طريق الجن، وهذه الشبهة تمنع من تكفير من صدق الكاهن الكفر الأكبر.
فالقول الأظهر: أن كفره كفر أصغر وليس بأكبر؛ لدلالة الأحاديث؛ ولظهور التعليل في ذلك.
стр. 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله. «فقد كفر بما أنزل على محمد» يعني القرآن؛ لأنه قد جاء في القرآن وما بينه النبي ﷺ من السنة أن الكاهن، والساحر، والعراف لا يفلحون، وأنهم يكذبون ولا يصدقون.
قوله: وعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له» يأتي في باب ما جاء في التطير.
قوله: " ليس منا" يدل على أن الفعل محرم، ويقول بعض أهل العلم. إن قوله ﵊. " ليس منا" يدل على أنه من الكبائر، قوله: " أو تكهن " يعني ادعى علم الغيب وادعى أنه كاهن، أو أخبر بأمور من المغيبة يخدع من رآه بأنه كاهن. قوله: " أو تكهن له " يعني: من رضي أن يتكهن له فأتى فسأل عن شيء. قوله: " أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١) .
وهذا كله لأجل أن تصديق الكاهن فيه إعانة له على الشرك الأكبر بالله- جل وعلا-، هذا حكم الذي يأتي الكاهن.
أما الكاهن فذكرنا حكمه، وهو أنه مشرك بالله الشرك الأكبر؛ لأنه لا يمكن له أن يخبر بالأمور المغيبة إلا بأن يشرك.
قوله: " قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك.