← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ترمي الجن كما قال- جل وعلا-: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] [الحجر: ١١٨] ونحو ذلك من الآيات التي فيها أن الشهب مرصدة للجن. إذا ظهر ذلك فالكاهن قد يطلق عليه العراف، والكاهن والعراف اسمان متداخلان، فقد يطلق أحدهما على الآخر، وعند بعض الناس يطلق الكاهن على من يخبر بما يحصل في المستقبل، ويطلق العراف على من يخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي من مثل مكان المسروق، أو السارق من هو؟ ونحو ذلك مما هو غائب عن الأنظار وإنما يعلمه العراف بواسطة الجن. والصحيح في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلمون في معرفة الأمور بتلك الطرق. فكل من تكلم في معرفة الأمور المغيبة الماضية أو المستقبلة بتلك الطرق طريق التنجيم، أو الخط في الرمل، بطريق الطرق، أو بالودع، ونحو ذلك من الأساليب، أو بالخشبة المكتوب عليها أباجاد، ونحو ذلك من قراءة الفنجان، أو قراءة الكف، كل من يخبر عن الأمور المغيبة بشيء يجعله وسيلة لمعرفة الأمور المغيبة يسمى كاهنا، ويسمى عرافا، لأنه لا يحصل له أمره إلا بنوع من أنواع الكهانة، وسيأتي ذلك- إن شاء الله-. قوله: " باب ما جاء في الكهان ونحوهم " و (نحوهم) . يعني من العرافين، والمنجمين، والذين يخطون في الرمل، والذين يكتبون على الخشب، ونحو ذلك.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: " روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال. «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لا تقبل له صلاة أربعين يوما» . هكذا ذكر المؤلف ﵀ حديث الباب بهذا اللفظ وعزاه لمسلم، وقد نبه الشراح على أن لفظه في مسلم: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» بدون لفظة" فصدقه " أما لفظة" فصدقه " فقد رواها الإمام أحمد في مسنده. وعلى هذا فالمؤلف -رحمه الله تعالى- ذكر هذا اللفظ، وعزاه لمسلم على طريقة أهل العلم في عزو الحديث لأحد صاحبي الصحيح إذا كان أصله فيهما لاتحاد الطريق أو نحو ذلك. قوله: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لا تقبل له صلاة أربعين يوما» هذا الحديث فيه جزاء الذي يأتي العراف ويسأله، فمن أتى عرافا فسأله عن شيء- ولو لم يصدقه- فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما. والمقصود من قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» أنها تقع مجزئة لا يجب عليه قضاؤها، ولكن لا ثواب له فيها؛ لأن الذنب والإثم الذي اقترفه حين أتى العراف فسأله عن شيء، يقابل ثواب الصلاة أربعين يوما، فأسقط هذا هذا، ويدل ذلك على عظم ذنب الذي يأتي العراف فيسأله عن شيء ولو لم يصدقه، وهذا عند أهل العلم على حالتين: الحالة الأولى: من أتى العراف فسأله عن شيء رغبة في الاطلاع، أما من أتى العراف فسأله للإنكار عليه وحتى يتحقق أنه عراف فلا يدخل في ذلك؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الحالة الثانية: أن يأتي العراف أو الكاهن فيسأله عن شيء، فإذا أخبره الكاهن أو العراف صدقه بما يقول، فالحديث الأول الذي عن بعض أزواج النبي ﷺ فيه أنه. «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» ، والحديث الثاني فيه أنه. «كفر بما أنزل على محمد ﷺ » فيتضح بالحديث أن الحالة الثانية- وهي من أتى العراف أو الكاهن فسأله عن شيء فصدقه- أنه يكفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وأنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما. وهذه الحالة تدل على أن الذي أتى الكاهن أو العراف فصدقه، أنه لم يخرج عن الملة؛ لأنه حد ﵊ عدم قبول صلاته بأربعين يوما، والذي أتى الكاهن إذا حكم عليه بأنه كافر كفرا أكبر ومرتد وخارج من الملة فإن صلاته لا تقبل بتاتا حتى يرجع إلى الإسلام، وقد قال طائفة من أهل العلم. دل قوله: «فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» على أن قوله: «كفر بما أنزل على محمد» أنه كفر أصغر وليس بالكفر المخرج من الملة، وهذا القول هو القول الأول، وهو الصحيح، وهو الذي يتعين جمعا بين النصوص، فإن قول النبي ﵊. «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» يدل على أنه لم يخرج من الإسلام، والحديث الآخر وهو قوله: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١) . يدل على كفره، فعلمنا بذلك أن كفره كفر

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أصغر، وليس كفرا مخرجا من الملة، هذا أحد الأقوال في مسألة كفر من أتى الكاهن فصدقه بما يقول. والقول الثاني. أنه يتوقف فيه، فلا يقال يكفر كفرا أكبر، ولا يقال أصغر، وإنما يقال: إتيان الكهان وتصديقهم كفر بالله- جل وعلا-، ويسكت عن ذلك، ويطلق القول كما جاء في الأحاديث، وهذا لأجل التهديد والتخويف حتى لا يتجاسر الناس على هذا الأمر، وهذا هو مذهب الإمام أحمد في المنصوص عنه. والقول الثالث من أقوال أهل العلم: أن الذي يصدق الكاهن كافر كفرا أكبر مخرج من الملة وهذا القول فيه نظر من جهتين: الجهة الأولى: ما ذكرنا من الدليل من أن قوله ﵊. «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» يدل على أنه لم يكفر الكفر الأكبر، ولو كان كفر الكفر الأكبر لم يحد عدم قبول صلاته بتلك المدة من الأيام. والجهة الثانية: أن تصديق الكاهن فيه شبهة، وادعاء علم الغيب أو تصديق أحد ممن يدعي علم الغيب كفر بالله- جل وعلا- كفرا أكبر، لكن هذا الكاهن الذي ادعى علم الغيب يخبر بالأمور المغيبة فيما صدق فيه عن طريق استراق الجن للسمع، فيكون إذا هو نقل ذلك الخبر عن الجني، والجن نقلوه عما سمعوه في السماء، وهذه شبهة. فقد يأتي الآتي إلى الكاهن ويقول: أنا أصدقه فيما أخبر من الغيب؛ لأنه قد جاءه علم ذلك الغيب من السماء عن طريق الجن، وهذه الشبهة تمنع من تكفير من صدق الكاهن الكفر الأكبر. فالقول الأظهر: أن كفره كفر أصغر وليس بأكبر؛ لدلالة الأحاديث؛ ولظهور التعليل في ذلك.

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله. «فقد كفر بما أنزل على محمد» يعني القرآن؛ لأنه قد جاء في القرآن وما بينه النبي ﷺ من السنة أن الكاهن، والساحر، والعراف لا يفلحون، وأنهم يكذبون ولا يصدقون. قوله: وعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له» يأتي في باب ما جاء في التطير. قوله: " ليس منا" يدل على أن الفعل محرم، ويقول بعض أهل العلم. إن قوله ﵊. " ليس منا" يدل على أنه من الكبائر، قوله: " أو تكهن " يعني ادعى علم الغيب وادعى أنه كاهن، أو أخبر بأمور من المغيبة يخدع من رآه بأنه كاهن. قوله: " أو تكهن له " يعني: من رضي أن يتكهن له فأتى فسأل عن شيء. قوله: " أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١) . وهذا كله لأجل أن تصديق الكاهن فيه إعانة له على الشرك الأكبر بالله- جل وعلا-، هذا حكم الذي يأتي الكاهن. أما الكاهن فذكرنا حكمه، وهو أنه مشرك بالله الشرك الأكبر؛ لأنه لا يمكن له أن يخبر بالأمور المغيبة إلا بأن يشرك. قوله: " قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك.

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] هذا الذي ذكرنا من أن العراف عند بعض أهل العلم من يخبر بأمور سبقت لكنها خفية غيبية عن الناس، لكنها من حيث الوجود وقعت في ملكوت الله. قوله: " وقيل: هو الكاهن " يعني أن العراف والكاهن اسمان لشيء واحد. " والكاهن": هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وقال أبو العباس ابن تيمية ﵀: العراف اسم للكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم ". المنجم: هو الذي يستخدم علم التنجيم والتأثير يقول: إذا ظهر نجم كذا والتقى بنجم كذا فمعناه أنه سيحدث كذا وكذا، أو إذا ولد لفلان ولد في برج كذا فإنه سيحصل كذا وكذا له من الغنى، والفقر، أو السعادة، أو الشقاوة، ونحو ذلك، فيستدلون بحركة النجوم على حال الأرض وحال الناس فيها وسيأتي تفصيله- إن شاء الله-. " والرمال ": هو صاحب الطرق، أو الذي يخط في الرمل، أو يستخدم الحصى على الرمل. " ونحوهم ": يعني من مثل الذين يقرؤون الكف، ويقرؤون الفنجان، أو في هذا العصر الذي يكتبون في الصحف والجرائد والمجلات البروج، وما يحصل في ذلك البرج، وأنت إذا ولدت في هذا البرج فمعناه أنه سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا، هذه كلها من أنواع الكهانة كما سيأتي. " وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق " (١) .

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وذلك لأن كتابة (أبا جاد) والنظر في النجوم- يعني للتأثير- نوع من أنواع الكهانة، والكهانة محرمة وكفر بالله- جل وعلا-. واعلم أن أصناف الكهانة كثيرة جدا وجامعها الذي يجمعها: أنه يستخدم الكاهن وسيلة ظاهرة عنده ليقنع السائل بأنه وصل إليه العلم عن طريق أمور ظاهرة كالنجوم، أو عن طريق الخط، أو عن طريق الطرق، أو عن طريق الفنجان، أو عن طريق الكف، أو عن طريق النظر في الحصى، أو عن طريق الخشب ونحو ذلك، هذه كلها وسائل يغر بها الكاهن من يأتيه، وهي في الحقيقة وسائل لا تحصل ذاك العلم، ولكن العلم جاءه عن طريق الجن وهذه الوسيلة إنما هي وسيلة لخداع الناس، ولكي يظن الظان أنها تؤدي إلى العلم وأن هؤلاء أصحاب علم وفن بهذه الأمور، وفي الواقع هو لا يتحصل على العلم الغيبي عن طريق خط، أو عن طريق فنجان، أو عن طريق النظر في البروج، أو نحو ذلك، وإنما يأتيه العلم عن طريق الجن، وهو يظهر هذه الأشياء حتى يحصل على المقصود كي يصدق الناس أنه لا يستخدم الجن، وأنه ولي من الأولياء، وإلا فكيف يستنتج المغيبات من هذه الأمور الظاهرة؟! ويوجد في بعض البلاد: كغرب أفريقيا وبعض شمالها وفي الشرق من يتعاطى هذه الأشياء، ويزعم أنه من الأولياء، ويقول: إن الملائكة تخبره بكذا، فهو لا يفعل الفعل إلا بإرشاد من الملائكة، فالذي يفعل هذه الأفعال من الأمور السحرية أو الكهانة يعتبر في تلك البلاد من الأولياء؛ ولهذا ترى بعض الشراح يذكر في مقدمة هذه الأبواب أن أولياء الله تعالى لا يتعاطون الشرك، ولا يتعاطون مثل هذه الأمور، فأولياء الله مقيدون بالشرع، وليسوا من أولياء الجن. " باب ما جاء في النشرة " النشرة متعلقة بالسحر، وأصلها من النشر وهو: قيام المريض صحيحا، وهي: اسم لعلاج المسحور سميت نشرة؛ لأنه ينتشر بها أي يقوم ويرجع إلى حالته المعتادة. وقول المؤلف ﵀ هنا " باب ما جاء في النشرة "، يعني: من التفصيل، وهل النشرة جميعا- وهي حل السحر- مذمومة؟ أو أن منها ما هو مذموم، ومنها ما هو مأذون به؟؟ . ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهي أنه كما أن السحر شرك بالله- جل وعلا- يقدح في أصل التوحيد، وأن الساحر مشرك الشرك الأكبر بالله، فالنشرة التي هي حل السحر قد تكون من ساحر، وقد تكون من غير ساحر بالأدوية المأذون بها، أو الأدعية ونحو ذلك، فإذا كان من ساحر فإنها مناقضة لأصل التوحيد، ومنافية لأصله، فالمناسبة ظاهرة في الصلة بين هذا الباب وباب ما جاء في السحر، وكذلك مناسبتها لكتاب التوحيد؛ لأن كثيرين ممن يستعملون النشرة يشركون بالله- جل وعلا-. والنشرة قسمان: نشرة جائزة، ونشرة ممنوعة. فالنشرة الجائزة: هي ما كانت بالقرآن، أو بالأدعية المعروفة، أو بالأدوية عند الأطباء، ونحو ذلك، فإن السحر يكون عن طريق الجن، - كما تقدم- ويحصل منه- حقيقة- إمراض في البدن، وتغيير في العقل والفهم، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه تعالج بالمضادات التي تزيل ذلك السحر، فمما يزيله: القرآن الكريم، والقرآن الكريم هو أعظم ما ينفع في إزالة السحر، وكذلك الأدعية، والأوراد، ونحو ذلك، مما هو معروف من الرقى الشرعية.

стр. 323

[باب ما جاء في النشرة] " باب ما جاء في النشرة " وعن جابر «أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: " هي من عمل الشيطان» رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود (١) وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. وفي البخاري عن قتادة قلت لابن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. انتهى، وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر. قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور وهي نوعان: حل سحر بمثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة، فهذا جائز. فيه مسائل: الأولى: النهي عن النشرة. الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه، مما يزيل الإشكال. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ونوع من السحر يكون في البدن، أي: من جهة عضوية، فهذا أحيانا يعالج بالرقى والأدعية والقرآن، وأحيانا يعالج عن طريق الأطباء العضويين، وذلك لأن السحر- كما سبق- يمرض حقيقة، فإذا أزيل المرض أو سبب المرض فإنه يبطل السحر؛ ولهذا قال ابن القيم في آخر الكلام: " والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة فهذا جائز "؛ لأنه يحصل منه المرض، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يعالج بما أذن به شرعا من الرقى والأدوية المباحة. والقسم الثاني من النشرة: وهي التي من أنواع الشرك: أن ينشر عنه بغير الطريق الأول بطريق السحر، فيحل السحر الأول بسحر آخر، وذكرنا أن السحر لا ينعقد أصلا إلا بأن يتقرب الساحر للجني، أو أن يكون الجني يخدم الساحر الذي يشرك بالله دائما. كذلك حل السحر لا بد فيه من إزالة سببه وهو خدمة شياطين الجن للساحر. وهذا لا يمكن إلا للجن، فإن الساحر الثاني الذي ينشر السحر ويرفع السحر لا بد أن يستغيث أو أن يتوجه إلى بعض جنه في أن يرفع أولئك الجن الذين عقدوا هذا السحر أن يرفعوا أثره فعلى هذا لا يكون السحر من حيث العقد والابتداء إلا بالشرك بالله، ومن حيث الرفع والنشر لا يكون إلا بالشرك بالله- جل وعلا-؛ ولهذا قال الحسن: " لا يحل السحر إلا ساحر " (١) يعني: لا يحل السحر بغير الطريق الشرعية المعروفة إلا ساحر، فإذا جاء أحد وقال: أنا أحل السحر، قيل له: تستخدم القراءة والتلاوة والأدعية؟ فإذا قال:

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لا. قيل: هل أنت طبيب تطب ذلك المسحور؟ فإن قال: لا. فهو إذا ساحر؛ لأنه إذا لم يستخدم الطريقة الثانية فإنه لا يمكن أن يحل السحر إلا ساحر؛ لأنه فك أثر الجن في ذلك السحر، ولا يمكن إلا عن طريق شياطين الجن الذين يؤثرون في ذاك. " عن جابر «أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: " هي من عمل الشيطان» (١) هذا سؤال عما كان معهودا معروفا عندهم في هذا الاسم وهو اسم النشرة، والذي كان معروفا معهودا هو أن النشرة إنما هي من جهة الساحر، لأنها- عند العرب- حل السحر بمثله؛ لهذا «لما سئل النبي ﵊ عن النشرة قال. " هي من عمل الشيطان» قال العلماء: (ال) أو لام التعريف في قوله " النشرة " هذه للعهد، يعني: النشرة المعهود استعمالها، وهي حل السحر بمثله، فقال ﵊. «هي من عمل الشيطان» ؛ لأن رفع السحر لا يكون إلا بعمل شيطان جني؛ ولهذا قال ﵊: " هي " يعني: الرفع والنشر " من عمل الشيطان" لأن العقد أصلا من عمل الشيطان، والرفع والنشر من عمل الشيطان، فإذا هو سؤال عن النشرة التي كانت تستخدم في الجاهلية. " رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله " (٢) وقوله: " يكره هذا كله " يعني: أن تكون

стр. 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] النشرة عن طريق التمائم التي فيها القرآن؛ لأنه مر بنا أن ابن مسعود كان يكره جميع أنواع التمائم حتى من القرآن، كما قال إبراهيم النخعي ﵀. كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن ومن غير القرآن. يعني: أصحاب ابن مسعود، فابن مسعود كان يكره التمائم من القرآن، وهو أن يعلق شيئا من القرآن لأي غرض، لدفع العين، أو لإزالة السحر، ورفع الضرر؛ لهذا قال الإمام أحمد لما سئل عن النشرة التي تكون بالتمائم من القرآن، قال: ابن مسعود يكره هذا كله. أما النشرة باستخدام النفث، والرقية من غير تعليق، فلا يمكن للإمام أحمد ولا لابن مسعود أن يكرها ذلك؛ لأن النبي ﷺ استخدم ذلك، وأذن به عملا في نفسه، وكذلك في غيره ﵊. " وفي البخاري عن قتادة قلت لابن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه " (١) يريد ابن المسيب بذلك ما ينفع من النشرة بالتعوذات، والأدعية، والقرآن، والدواء المباح، ونحو ذلك، أما النشرة التي هي بالسحر، فابن المسيب أرفع من أن يقول إنها جائزة، ولم ينه عنها، والنبي ﷺ يقول: «هي من عمل الشيطان» ؛ لهذا قال " لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه " يعني: من الأدوية المباحة، ومن الرقى، والتعوذات الشرعية، وقراءة القرآن، ونحو ذلك، فهذا لم ينه عنه، بل أذن فيه.

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر " (١) وهذا بينا معناه. " قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب ". كما ذكرنا لكم سلفا. " فيبطل عمله عن المسحور "، وهذه حقيقة النشرة الشركية. إذا تبين ذلك، فإنما حكم حل السحر بمثله أنه لا يجوز ومحرم، بل هو شرك بالله- جل وعلا-؛ لأنه لا يحل السحر إلا ساحر. وبعض العلماء من أتباع المذاهب يرى جواز حل السحر بمثله إذا كان للضرورة، كما قال فقهاء مذهب الإمام أحمد في بعض كتبهم: ويجوز حل سحر بمثله ضرورة، وهذا القول ليس بصواب، بل هو غلط؛ لأن الضرورة لا تكون جائزة ببذل الدين والتوحيد عوضا عنها، ومعروف أن الضروريات الخمس التي جاءت بها الشرائع أولها: حفظ الدين، وغيره أنى منه مرتبة- ولا شك-، فلا يبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى، وضرورة الحفاظ على النفس وإن كانت من الضروريات الخمس، لكنها دون حفظ الدين مرتبة؛ ولهذا لا يقدم ما هو أدنى على ما هو أعلى، أو أن يبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى من الضروريات الخمس، والأنفس لا يجوز حفظها بالشرك، ولأن يموت المرء وهو على التوحيد خير له من أن يعافى وقد أشرك بالله- جل وعلا-، لأن السحر لا

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يكون إلا بشرك، والذي يأتي الساحر ويطلب منه حل السحر، فقد رضي قوله وعمله، ورضي أن يعمل به ذاك، ورضي أن يشرك ذاك بالله لأجل منفعته، وهذا غير جائز. فتحصل من هذا أن السحر- نشرا ووقوعا- لا يكون إلا بالشرك الأكبر بالله - جل وعلا-، وعليه فلا يجوز أن يحل لا من جهة الضرورة، ولا من جهة غير الضرورة من باب أولى بسحر مثله، بل يحل وينشر بالرقى الشرعية. هذا " باب ما جاء في التطير " سبق بيان أن الطيرة من أنواع السحر، ولهذا جاء المؤلف ﵀ بهذا الباب بعد الأبواب المتعلقة بالسحر؛ لأنها من أنواعه بنص الحديث. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن التطير نوع من الشرك بالله- جل وعلا- بشرطه، والشرك الذي يكون من جهة التطير مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأنه شرك أصغر. وحقيقة التطير: أنه التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح، أو النطيح والقعيد، أو بغير الطير مما يحدث. فكانوا في الجاهلية إذا أراد أحد أن يذهب إلى مكان، أو يمضي في سفر، أو أن يعقد له خيارا، استدل بما يحدث له من أنواع حركات الطيور، أو بما يحدث له من الحوادث على أن هذا السفر سفر سعيد فيمضي فيه، أو أنه سفر سيئ وعليه فيه وبال فيرجع عنه. وعلى هذا فضابط الطيرة الشركية التي من قامت في قلبه وحصل له شرطها وضابطها فهو مشرك الشرك الأصغر، هو ما جاء في آخر الباب من قوله عليه الصلاة

стр. 329

[باب ما جاء في التطير] " باب ما جاء في التطير " وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعراف: ١٣١] . وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩] [يس: ١٩] . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» أخرجاه (١) وزاد مسلم: «ولا نوء، ولا غول» (٢) ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة ويعجبني الفأل " قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة» (٣) ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: «ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: " أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأت بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (٤) . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 330

وله من حديث ابن مسعود مرفوعا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» رواه أبو داود، والترمذي، وصححه (١) وجعل آخره من قول ابن مسعود. ولأحمد من حديث ابن عمرو: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " قالوا: وما كفارة ذلك؟ قال: "أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» (٢) وله من حديث الفضل بن العباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» (٣) . فيه مسائل: الأولى: التنبيه على قوله: (ألا إنما طائرهم عند الله) مع قوله: (طائركم معكم) . الثانية: نفي العدوى. الثالثة: نفي الطيرة. الرابعة: نفي الهامة. الخامسة: نفي الصفر. السادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 331

السابعة: تفسير الفأل. الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك- مع كراهته- لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل. التاسعة: ذكر ما يقول من وجده. العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك. الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والسلام: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» ، (١) فالطيرة شرك، وهي التي تقع في القلب، ويبني عليها المرء مضاء في الفعل، أو نكوصا عنه. فإذا خرج مثلا من بيته وهو ينوي سفرا، أو رحلة، أو ينوي القيام بصفقة تجارة، أو نحو ذلك، فحصل أمامه حادث، فهذا الحادث الذي حصل أمامه من تصادم سيارة، أو اعتداء من واحد على آخر، أو نحو ذلك، إن أوقع في قلبه شؤما، واستدل بهذا الحادث على أنه سيفشل في سفره أو في تجارته أو أنه سيصيبه مكروه في سفره، ورجع ولم يمض فقد حصل له التطير الشركي، أما إذا حصل ذلك في قلبه وحصل له نوع تشاؤم، ولكنه مضى وتوكل على الله، فهذا لا يكاد يسلم منه أحد، كما جاء في حديث ابن مسعود «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» (٢) كما سيأتي. فهذه حقيقة التطير الشركي وضابطه، وتبين أن التطير عام ليس خاصا بالطير وحركاتها، وقد تقدم في " باب ما جاء في شيء من أنواع السحر " أن العيافة متعلقة بالطير كما فسرها عوف الأعرابي بقوله: العيافة زجر الطير، فهي متعلقة بالطير من حيث إنه يحرك الطير ويزجره حتى ينظر أين يتحرك، وأما الطيرة فهي أن يتشاءم أو يتفاءل ويمضي أو يرجع بحركة تحصل أمامه ولو لم يزجر أو يفعل، أو بشيء يحصل أمامه، إما من الطير أو من غيره. قوله " باب ما جاء في التطير"، يعني: من أنه شرك بالله- جل وعلا- إذا أمضى أو رجع، وكفارة التطير إذا وقع في القلب، ونحو ذلك من الأحكام.

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعراف: ١٣١] . هذا مقطع من آية في سورة الأعراف أولها: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] يعني إذا أتاهم خصب وسعة وزيادة في الأرزاق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] يعني: نحن المستحقون لها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣١] يعني: أصابهم جدب، أو نقص في الأرزاق، أو بلاء، قالوا: هذا بسبب شؤم موسى ومن معه، فهم الذين بسببهم وبسبب أقوالهم وأعمالهم حصل لنا هذا السوء وهذه الويلات، فتطيروا بهم، يعني: جعلوهم سببا لما حصل لهم، قال- جل وعلا-: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] طائرهم، يعني: ما يطير عنهم من عمل صالح أو طالح، وأنهم يستحقون الحسنات أو يستحقون السيئات، كل هذا عند الله- جل وعلا-، أو أن معنى قوله ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] يعني: أن سبب ما يأتيهم من الحسنات أو ما يأتيهم من السيئات، أن ذلك من جهة القضاء والقدر، فهو عند الله- جل وعلا-. ومناسبة هذه الآية لهذا الباب: أن هذا التطير من صفات أعداء الرسل، ومن خصال المشركين، وإذا كان كذلك فهو مذموم، ومن خصال المشركين الشركية، وليست من خصال أتباع الرسل، وأما أتباع الرسل فإنهم يعلقون ذلك بما عند الله من القضاء والقدر، أو بما جعله الله -جل وعلا- لهم من

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ثواب أعمالهم أو العقاب على أعمالهم كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] الآية، وهي من سورة يس، والذين تطيروا بأولئك هم المشركون أصحاب تلك القرية حيث قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨] قال أتباع الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس: ١٩] يعني: سبب وقوع السيئات عليكم، أو سبب قدوم الحسنات عليكم هو من عند أنفسكم، فالسوء الذي سينالكم والعقاب الذي سينزل بكم ملازم لكم ملازمة ما تتطيرون به من عمل سوء، ومن معاداة للرسل، وتكذيب للرسل، هذا ملازم لكم وستتطيرون به ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] لأنه من جهة أنهم فعلوا السيئات وكذبوا الرسل وهذا سيقع عليهم وباله. ومناسبة هذه الآية للباب كمناسبة الآية قبلها من أن هذه هي قالة المشركين، وأعداء الرسل. " عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» أخرجاه (١) زاد مسلم: «ولا نوء، ولا غول» (٢) .

стр. 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] موطن الشاهد قوله: «ولا طيرة» . ومن المعلوم أن المنفي هنا ليس هو وجود الطيرة؛ لأن الطيرة موجودة من جهة اعتقاد الناس، ومن جهة استعمالها، وكذلك العدوى موجودة من جهة الوقوع؛ ولهذا قال العلماء: النفي هنا راجع إلى ما تعتقده العرب ويعتقده أهل الجاهلية؛ لأن (لا) - هنا- نافية للجنس واسمها مذكور، وخبرها محذوف، لأجل العلم به، فإن الجاهليين يؤمنون بوجود هذه الأشياء، ويؤمنون أيضا بتأثيرها، فالمنفي ليس هو وجودها وإنما هو تأثيرها فيكون التقدير هنا: لا عدوى مؤثرة بطبعها ونفسها وإنما تنتقل العدوى بإذن الله- جل وعلا-، وكان أهل الجاهلية يعتقدون أن العدوى تنتقل بنفسها، فأبطل الله ذلك الاعتقاد- فقال ﵊. " لا عدوى " يعني: مؤثرة بنفسها. " ولا طيرة " أي: مؤثرة أيضا، فإن الطيرة شيء وهمي يكون في القلب، لا أثر له في قضاء الله وقدره، فحركة السانح، أو البارح، أو النطيح، أو القعيد، لا أثر لها في حكم الله وفي ملكوته، وفي قضائه وقدره، فخبر (لا) النافية للجنس تقديره (مؤثرة) أي: لا طيرة مؤثر، بل الطيرة شيء وهمي. وكذلك قوله: «ولا هامة ولا صفر» . . إلخ الحديث. وقد سبق بيان أن خبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا في لغة العرب إذا كان معلوما، كما قال ابن مالك في آخر باب (لا) النافية للجنس في الألفية: وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر " ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى» . يعني لا عدوى مؤثرة بنفسها، بل بإذن الله - جل وعلا-.

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " ولا طيرة ": مؤثرة أصلا، وإنما ذلك راجع إلى قضاء الله وقدره. قوله: «ويعجبني الفأل " قالوا: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الطيبة» (١) كان ﵊ يحب الفأل وفسره بأنه الكلمة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة إذا سمعها فتفاءل بها، وأنه سيحصل له كذا وكذا من الخيرات، يكون من باب حسن الظن بالله- جل وعلا-، فالفأل حسن ظن بالله، والتشاؤم سوء ظن بالله- جل وعلا-؛ ولهذا كان الفأل ممدوحا ومحمودا، والشؤم مذموما. ومعلوم أن العبد مأمور بأن يحسن الظن بالرب- جل وعلا- ولهذا كان ﵊ يتفاءل، وكل ذلك من تعظيم الله - جل وعلا- وحسن الظن به وتعلق القلب به، وأنه لا يفعل للعبد إلا ما هو أصلح له. " ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: «ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: " أحسنها الفأل» . الطيرة: يعني التأثر بالكلمة؛ لأننا ذكرنا أن الطيرة عامة تشمل الأقوال والأعمال التي تحصل أمام العبد، فإذا كان ثم تطير فإن أحسنه الفأل، يعني: أن يقع في قلبه أنه سيحصل له كذا وكذا من جراء كلمة سمعها، أو من جراء فعل حصل له. وأحسن ذلك الفأل وغيره مذموم، وإنما كان الفأل محمودا وممدوحا ومأذونا به؛ لما ذكرنا من أنه إذا تطير متفائلا فإنه محسن الظن بالله- جل وعلا- لأن التفاؤل يشرح الصدر، ويؤنس العبد، ويذهب الضيق الذي يوحيه الشيطان ويسببه في قلب

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] العبد، والشيطان يأتي للعبد فيجعله يتوهم أشياء تضره وتحزنه فإذا فتح العبد على قلبه باب التفاؤل أبعد عن قلبه باب تأثير الشيطان في النفس. قوله: «ولا ترد مسلما» هذا خبر في معنى النهي، وقد بينا أن النهي قد يعدل عنه للخبر، كما أن الأمر قد يعدل عنه إلى الخبر لتأكيد النهي ولتأكيد الأمر، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٤٩] [النحل: ٤٩] فهذا خبر مثبت لكنه كالأمر المؤكد، وقوله: " لا ترد مسلما " هذا خبر منفي لكن فيه النهي أن ترد الطيرة مسلما عن حاجته، فإذا ردته عن حاجته، فقد حصل له الشرك بالتطير. قوله: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١) هذا دعاء عظيم في دفع ما يأتي للقلب من أنواع التشاؤم وأنواع الطيرة. " وعن ابن مسعود مرفوعا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» (٢) . يعني: أنها شرك أصغر بالله- جل وعلا-. وقوله: «وما منا إلا» يعني: إلا وقد يقع في قلبه بعض التطير؛ لأن هذا من الشيطان، والشيطان يأتي القلوب فيغريها بما يفسدها " وما منا إلا " يعني: ويعرض له ذلك.

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: «ولكن الله يذهبه بالتوكل» لأن حسنة التوكل وإتيان العبد بواجب التوكل يذهب عنه كيد الشيطان بالتطير، فالواجب على العبد إذا عرض له شيء من التشاؤم ألا يرجع عما أراد عمله، بل يعظم التوكل على الله- جل وعلا-؛ لأن هذه الأشياء التي تحصل لا تدل على الأمور المغيبة؛ لأنها أمور طرأت ووقعت هكذا أمام العبد، وليس لها أثر فيما يحصل مستقبلا. ولأحمد من حديث ابن عمرو: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» هذا هو ضابط الطيرة التي تكون شركا، وهو أن ترد المتطير عن حاجته، فإذا لم ترده عن حاجته، ولم يستجب لها، فلا حرج عليه وبذلك إلا أن عظمت في قلبه، فربما دخلت في أنوع محرمات القلوب، الذي يذهب ذلك كله هو التوكل على الله، وتعظيم الرغب فيما عنده وحسن الظن بالله - جل وعلا-. «قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: "أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك» (١) ": لا طير إلا طيرك يعني: لن يحصل إلا قضاؤك الذي قضيته، أو لن يحصل ويقضى إلا ما قدرته على العبد. فعلم المغيبات إنما هو عند الله- جل وعلا-. " باب ما جاء في التنجيم ". يعني في حكم التنجيم، وأنه منقسم إلى جائز ومحرم، والمحرم منه نوع من أنواع السحر، وهو كفر وشرك بالله- جل وعلا-، فادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، هو التنجيم المذموم المحرم الذي هو من أنواع الكهانة والسحر. والتنجيم الذي يتعاطاه الناس ثلاثة أنواع: الأول: التنجيم الذي هو اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إرادات النجوم، وهذا تأليه للنجوم، وهو الذي كان يصنعه الصابئة ويجعلون لكل نجم وكوكب صورة وتمثالا، تحل فيها أرواح الشياطين، فتأمر أولئك بعبادة تلك الأصنام والأوثان، وهذا بالإجماع كفر أكبر وشرك كشرك قوم إبراهيم. والنوع الثاني من التنجيم: هو ما يسمى علم التأثير، وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها، على ما سيحصل في الأرض، فيجعلون حركة النجوم دالة على ما سيقع مستقبلا في الأرض، والذي يفعل هذه الأشياء ويستدل بها يقال له: المنجم، وهو من أنواع الكهان؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة عن طريق الاستدلال بحركات الأفلاك وتحرك النجوم، وهذا النوع محرم وكبيرة من الكبائر، وهو نوع من الكهانة وكفر بالله- جل وعلا-؛ لأن النجوم ما خلقت لذلك وهؤلاء تأتيهم الشياطين، فتوحي إليهم بما يريدون وبما سيحصل في المستقبل ويجعلون حركة النجوم دليلا على ذلك.

стр. 339

[باب ما جاء في التنجيم] " باب ما جاء في التنجيم " قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به (١) . انتهى. وكره قتادة تعلم منازل القمر ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» . رواه أحمد وابن حبان في صحيحه (٢) . فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم. الثانية: الرد على من زعم غير ذلك. الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل. الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وقد أبطل قول المنجمين في أشياء كثيرة من الواقع ونحو ذلك كما في فتح عمورية في قصيدة أبي تمام المشهورة: السيف أصدق أنباء من الكتب . . . . وغيرها. النوع الثالث مما يدخل في اسم التنجيم: ما يسمى بعلم التسيير، وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها، لأجل أن يعلم القبلة، والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي جرت سنة الله ألا ينزل فيه من المطر كذا، ونحو ذلك. فهذا يسمى علم التسيير، وقد رخص فيه بعض العلماء، وسبب الترخيص فيه: أنه يجعل النجوم وحركتها والتقاءها وافتراقها، وطلوعها أو غروبها، يجعل ذلك وقتا وزمنا، لا يجعله سببا، فيجعل هذه النجوم علامة على زمن يصلح فيه كذا وكذا، والله -جل وعلا- جعل النجوم علامات كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] فهي علامة على أمور كثيرة، كأن يعلم- مثلا- أنه بطلوع النجم الفلاني يدخل وقت الشتاء، فدخول الوقت ليس بسبب طلوع النجم، ولكن حين طلع استدللنا بطلوعه على دخول الوقت، وإلا فهو ليس بسبب لحصول البرد، وليس بسبب لحصول الحر، وليس بسبب للمطر، وليس بسبب لمناسبة غرس النخل أو زرع المزروعات ونحو ذلك، ولكنه وقت، فإذا كان على ذلك فلا بأس به قولا أو تعلما؛ لأنه يجعل النجوم وظهورها وغروبها أزمنة وذلك مأذون به.

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء ". كما قال- جل وعلا- ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢] [فصلت: ١٢] . " ورجوما للشياطين ". والآيات على ذلك كثيرة. " وعلامات يهتدى بها " كما قال- جل وعلا-: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣] [النمل: ٦٣] وقال -جل وعلا-: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] [النحل: ١٦] ونحو ذلك من الآيات، فهي علامات يهتدى بها، إلى معرفة الجهات. كجهة القبلة، وجهة الشمال، وجهة الغرب، وجهة الشرق، ويهتدى بها أيضا إلى معرفة أماكن البلاد والقرى حيث يعرف أن البلدة الفلانية باتجاه النجم الفلاني، فإذا أراد السائر ليلا في البر أو في البحر أن يتجه إلى بلد معين، استدل واهتدى بالنجوم إليه، ونحو ذلك مما أجرى الله سنته به. قوله: " فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به " (١) وهذا صحيح؛ لأن النجوم خلق من خلق الله ولا نفهم سرها إلا بما أخبر الله- جل وعلا- به، فما أخبرنا به أخذناه، وما لم نخبر به فلا يجوز أن نتكلف فيه؛ ولهذا قال ﵊. «إذا ذكر القدر

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» (١) والمراد هنا بذكر النجوم، يعني: في غير ما جاء به الدليل، إذا ذكر القدر في غير ما جاءت به الأدلة فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي في غير ما جاء به من فضلهم وحسن صحبتهم وسابقتهم ونحو ذلك من الدليل فأمسكوا، وكذلك إذا ذكرت النجوم وما فيها بغير ما جاء فيه الدليل فأمسكوا؛ لأن ذلك ذريعة لأمور محرمة. قوله: " وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق " جعل الله القمر منازل كما قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] [يس: ٣٩] فله ثمانية وعشرون منزلا ينزل في كل يوم منزلة منها، فما حكم تعلم هذه المنازل؟ فيها قولان لأهل العلم: فقد كرهه بعضهم، ورخص فيه طائفة وهو الصحيح؛ لأنه -جل وعلا- امتن على عباده بذلك فقال ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] [يونس: ٥] وظاهر الآية أن حصول المنة به في تعلمه، وذلك دليل الجواز. " وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» (٢) ووجه الاستدلال من هذا الحديث قوله: «ومصدق بالسحر» ، وقد تقدم أن من

стр. 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] التنجيم ما هو من أنواع السحر، كما قال ﵊. «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (١) وإذا صدق بالنجوم، فإنه مصدق بالسحر، والمصدق بالسحر لا يدخل الجنة. قال هنا. «ثلاثة لا يدخلون الجنة. مدمن الخمر» وإدمان الخمر من الكبائر. «وقاطع الرحم» : وهي من الكبائر. «ومصدق بالسحر» : وهو أيضا من الكبائر. ومما يدخل في التنجيم في هذا العصر بوضوح -مع غفلة الناس عنه- ما يكثر في المجلات مما يسمونه البروج، فيخصصون صفحة أو أقل منها في الجرائد، ويجعلون عليها رسم بروج السنة برج الأسد، والعقرب، والثور، إلى آخره، ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فإذا كان الرجل أو المرأة مولودا في ذلك البرج يقول: سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا وكذا، وهذا هو التنجيم الذي هو التأثير، والاستدلال بالنجوم والبروج على التأثير في الأرض وعلى ما سيحصل في الأرض، وهو نوع من الكهانة، ووجوده في المجلات والجرائد على ذلك النحو وجود للكهانة فيها، فهذا يجب إنكاره إنكارا للشركيات ولدِّعَاء معرفة الغيب وللسحر وللتنجيم؛ لأن التنجيم من السحر كما ذكرنا، ويجب إنكاره على كل صعيد، ويجب أيضا على كل مسلم أن لا يدخله بيته، وأن لا يقرأه، ولا يطلع عليه؛ لأن الاطلاع على تلك البروج وما فيها- ولو لمجرد المعرفة- يدخل في النهي من جهة أنه أتى الكاهن غير منكر عليه.

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وإذا قرأ هذه الصفحة وهو يعلم برجه الذي ولد فيه، أو يعلم البرج الذي يناسبه، وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهنا، فلا تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن صدق بما في تلك البروج فقد كفر بما أنزل على محمد، وهذا يدلك على غربة التوحيد بين أهله، وغربة فهم حقيقة هذا الكتاب- كتاب التوحيد- حتى عند أهل الفطرة وأهل هذه الدعوة، فإنه يجب إنكار ذلك على كل صعيد وأن لا يؤثم المرء نفسه، ولا من في بيته بإدخال شيء من الجرائد التي فيها ذلك في البيوت؛ لأن هذا معناه إدخال للكهنة إلى البيوت، وهذا- والعياذ بالله- من الكبائر، فواجب إنكار ذلك وتمزيقه والسعي فيه بكل سبيل حتى يدحر أولئك؛ لأن أهل التنجيم وأهل البروج هم من الكهنة، والتنجيم له معاهد معمورة في لبنان وفي غيرها، يتعلم فيها الناس حركة النجوم، وما سيحصل بحسابات معروفة، وجداول معينة، ويخبرون بأنه من كان من أهل البرج الفلاني فإنه سيحصل له كذا وكذا، عن طريق تعلم وهمي يغرهم به رؤوسهم وكهانهم، فالواجب على طلبة العلم أن يسعوا في تبصير الناس بحقيقة ذلك في كلماتهم، وبعد الصلوات، وفي خطب الجمعة؛ لأن هذا مما كثر البلاء به، والإنكار فيه قليل، والتنبيه عليه ضعيف، والله المستعان. هذا " باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء "، والاستسقاء بالأنواء هو نسبة السقيا إلى الأنواء، والأنواء هي " النجوم، يقال للنجم. نوء. والعرب والجاهليون كانوا يعتقدون أن النجوم والأنواء سبب في نزول المطر، فيجعلونها أسبابا، ومنهم- وهم طائفة قليلة- من يجعل النوء والنجم هو الذي يأتي بالمطر كما سبق في حال الطائفة الأولى من المنجمين الذي يجعلون المفعولات منفعلة عن النجوم وعن حركتها. فقوله ﵀: " باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء " يعني: باب ما جاء في نسبة السقيا إلى النوء، وعبر بلفظ الاستسقاء؛ لأنه جاء في الحديث "والاستسقاء بالنجوم ". ومناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب: أن الاستسقاء بالأنواء نوع من التنجيم. لأنه نسبة السقيا إلى النجم وذلك أيضا من السحر؛ لأن التنجيم من السحر بمعناه العام. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الذي ينسب السقيا والنعمة والفضل الذي يؤتاه حين نزول المطر إلى النوء أو النجم. يكون قلبه ملتفتا عن الله- جل وعلا- إلى غيره، ومتعلقا بغيره، وناسبا النعم إلى غير الله- جل وعلا- ومعتقدا أن النجوم أسباب لهذه المسببات من نزول المطر ونحوه، وهذا مناف لكمال التوحيد، فإن كمال التوحيد الواجب يوجب على العبد أن ينسب النعم جميعا إلى الله وحده، وأن لا ينسب شيئا منها إلى غير الله ولو كان ذلك الغير سببا، فينسب النعمة إلى مسديها ولو كان من أجرى الله على

стр. 345

[باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء] " باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء " وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] [الواقعة: ٨٢] . وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» رواه مسلم (١) . ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٢) . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 346

ولهما من حديث ابن عباس بمعناه، وفيه: قال بعضهم: " لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] إلى قوله ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (١) . فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة. الخامسة: قوله " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" بسبب نزول النعمة. السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. الثامنة: التفطن لقوله "لقد صدق نوء كذا وكذا ". التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها. لقوله: " أتدرون ماذا قال ربكم؟ ". العاشرة: وعيد النائحة. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يديه تلك النعم سببا من الأسباب، فإنه لا ينسبها إلى غير الله- جل وعلا- كيف وأن النجوم ليست بسبب أصلا. ففي ذلك نوعان من التعدي: ١ - أنها ليست بأسباب أصلا. ٢ - أن تجعل أسبابا لم يجعلها الله- جل وعلا- أسبابا، وتنسب النعم والفضل والسقيا إليها، وهذا مناف لكمال التوحيد وكفر أصغر بالله- جل وعلا-. " وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال علماء التفسير: معنى هذه الآية: وتجعلون شكر رزقكم، أي شكر ما رزقكم الله من النعم ومن المطر أنكم تكذبون بأن النعمة من عند الله بنسبتها لغير الله- جل وعلا- وإضافتها إلى الأنواء، والواجب- شكرا لنعم الله جل وعلا، وشكرا لله جل وعلا، على ما رزق وأنعم وتفضل-، أن تنسب النعم جميعا إلى الله، وأن ينسب الفضل إلى الرب وحده، دون ما سواه. " وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن» قوله: " من أمر الجاهلية " هذا دليل على ذمها وأنها من شعب الجاهلية، ومن المعلوم أن شعب الجاهلية جميعا يجب الابتعاد عنها؛ لأن خصال أهل الجاهلية مذمومة، كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﵊ قال: «أبغض الرجال إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية» (١) فكل شعبة من شعب أهل

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الجاهلية إذا ظهر من يعيدها إلى أهل الإسلام بعد أن أنقذهم الله من ذلك ببعثة النبي ﵊ وظهور القرآن والسنة وبيان الأحكام فإنه مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وهو من أبغض الرجال إلى الله- جل وعلا-. فقوله: " من أمر الجاهلية " هذا دليل الذم، وليس الإخبار بأنها باقية دليل الإباحة. قوله: "- لا يتركونهن: الفخر بالأحساب " يعني على وجه التكبر والرفعة. " والطعن في الأنساب " أي: النيل، والقدح في أنساب الناس من غير دليل شرعي، ومن غير حاجة شرعية، فإن القاعدة التي ذكرها الإمام مالك وغيره من أهل العلم: أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، فإذا كان لا يترتب على ذكر النسب أثر شرعي، من إعطاء حق لغير أهله، أو بميراث، أو بعقد نسبة، أو بزواج، ونحو ذلك، فإن الناس مؤتمنون على أنسابهم أما إذا كان له أثر فلا بد من الإثبات، لا سيما إذا كان مخالفا لما هو شائع متواتر عند الناس، فالطعن في الأنساب من أمور الجاهلية. " والاستسقاء بالنجوم ": وهو نسبة السقيا إلى النجوم، ويشمل ما هو أعظم من ذلك وهو أن تطلب السقيا من النجم، كحال الذين يعتقدون أن الحوادث الأرضية تحصل بالنجوم نفسها، وأن النجوم هي التي تحدث المقدرات الأرضية، والمنفعلات الأرضية. قوله: " والنياحة، ثم قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» رواه مسلم (١) .

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] النياحة من الكبائر وهي رفع الصوت عند المصيبة، وشق الجيب ونحو ذلك، وهي منافية للصبر الواجب، ومن خصال الجاهلية. ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال. " هل تدرون: ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (١) . قوله: " على إثر سماء كانت من الليل " يعني مطر، والمطر يطلق عليه سماء؛ لأنه يأتي من جهة العلو، كما قال الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا يعني: إذا نزل المطر. " فلما انصرف ": يعني من صلاة الصبح. «أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم» . هذه من الكلمات التي تقال في حياته ﵊، وأما بعد وفاته ﵊ فإذا سئل المرء عما لا يعلم فليقل: لا أدري، أو فليقل: الله أعلم، ولا يقل الله ورسوله أعلم؛ لأن ذكر علم النبي ﵊ مقيد بحياته الشريفة ﵊.

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" هنا قسم العباد إلى قسمين: مؤمن بالله- جل وعلا- وهو الذي نسب هذه النعمة وأضافها إلى الله - جل وعلا- وشكر الله عليها، وعرف أنها من عند الله، وحمد الله وأثنى عليه بها، والصنف الثاني: "وكافر"، ولفظ كافر اسم فاعل الكفر، أو اسم من قام به الكفر، وهذا يصدق على الكفر الأصغر والكفر الأكبر، فهم انقسموا إلى مؤمنين، وإلى كافرين، والكافرون منهم نوعان: النوع الأول: من كفر كفرا أصغر، كمن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، يعتقد أن النوء والنجم والكوكب سبب في المطر، فهذا كفره كفر أصغر؛ لأنه لم يعتقد التشريك والاستقلال، ولكنه جعل ما ليس سببا سببا، ونسب النعمة إلى غير الله، فقوله من أقوال أهل الكفر، وهو كفر أصغر بالله- جل وعلا- كما قال العلماء. والنوع الثاني: كافر الكفر الأكبر، وهو الذي اعتقد أن المطر أثر من آثار الكواكب والنجوم، وأنها هي التي تفضلت بالمطر، وهي التي تحركت بحركة لما توجه إليها عابدوها أنزلت المطر إجابة لدعوة عابديها، وهذا كفر أكبر بالإجماع؛ لأنه اعتقاد ربوبية وإلهية لغير الله- جل وعلا-. " فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ": لأنه نسب النعمة لله وحده، ونسبة النعمة لله وحده دلت على إيمانه. ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه: قال بعضهم: " لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] [الواقعة: ٧٥-٨٢] (١) وهذا ظاهر.

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وهنا تنبيه في هذه المسألة: وهو ما يحصل أحيانا من بعض الناس من أنهم يقولون في الوسمي مثلا إذا طلع يأتي المطر، ونجم سهيل إذا طلع فسيحصل كذا، ونحو ذلك، فهذا القول كما علمت له حالان. الحال الأولى: أن يقول ذلك معتقدا أن النجم أو البرج الذي أتى هو زمن جعل الله سنته فيه أنه يأتي فيه المطر، وإن شاء الله سيأتي مطر ونحو ذلك، فهذا جعل للوسم زمنا، وهذا جائز. الحال الثاني: أن يقول: الوسم جاء وسيأتي المطر، أو طلع النجم الفلاني وسيأتينا كذا وكذا، معتقدا أن هذا الفصل أو ذلك البرج أو ذلك النجم سببا، فهذا كفر ونسبة للنعمة لغير الله، واعتقاد تأثير أشياء لا تأثير لها. فينبغي أن يفرق بين ما يستعمله العوام من جعل تلك المواسم، والنجوم أزمانا وأوقاتا للمطر أو للبرد، أو الحر، وبين نسبة أهل الشرك والضلال الأفعال للنجوم، إما استقلالا، وإما على وجه التسبب. هذا الباب والأبواب التي بعده شروع من الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ذكر العبادات القلبية، وما يجب أن تكون عليه تلك العبادات من الإخلاص لله- جل وعلا-، فهذا في ذكر واجبات التوحيد ومكملاته، وبعض العبادات القلبية، وكيف يكون إفراد الله- جل وعلا- بها. وابتدأها بباب المحبة، وأن العبد يجب أن يكون الله- جل وعلا- أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه، وهذه المحبة المراد منها محبة العبادة، وهي المحبة التي فيها تعلق بالمحبوب، بما يكون معه امتثال للأمر رغبا إلى المحبوب واختيارا، واجتناب النهي رغبة واختيارا. فمحبة العبادة هي: المحبة التي تكون في القلب، يكون معها الرغب والرهب، والطاعة والسعي في مراض المحبوب والبعد عما لا يحب المحبوب. والموحد لم يوحد الله إلا بسبب ما وقر في قلبه من محبة الله- جل وعلا- لأنه استدل بربوبية الله- جل وعلا- وأنه الخالق وحده، وأنه ذو الملكوت وحده، وأنه ذو الفضل والنعمة على عباده وحده، وأنه محبوب، وأنه يجب أن يحب، وإذا أحب العبد ربه فإنه يجب عليه أن يوحده بأفعال العبد حتى يكون محبا له على الحقيقة؛ لذلك نقول: المحبة التي هي من العبادة هي المحبة التي يكون فيها اتباع للأمر، واجتناب للنهي، ورغب ورهب؛ ولهذا قال طائفة من أهل العلم: المحبة المتعلقة بالله ثلاثة أنواع: ١ - محبة الله على النحو الذي وصفنا، وهذا نوع من العبادات الجليلة ويجب إفراد الله- جل وعلا- بها. ٢ - محبة في الله، وهو أن يحب الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وأن يحب الصالحين في الله، وأن يحب في الله، وأن يبغض في الله.

стр. 352

[باب قول الله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ] باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] . وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] [التوبة: ٢٤] . عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» أخرجاه (١) . ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٢) وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى. . .» (٣) إلى آخره. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

وعن ابن عباس ﵄ قال: " من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا " رواه ابن جرير. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: المودة. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال. الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها. السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا. العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه. الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ٣ - محبة مع الله، وهذه محبة المشركين لآلهتهم؛ فإنهم يحبونها مع الله- جل وعلا- فيتقربون إلى الله رغبا ورهبا نتيجة محبة الله، ويتقربون إلى الآلهة رغبا ورهبا نتيجة لمحبتهم لتلك الآلهة، ويتضح المقام بتأمل حال المشركين، وعبدة الأوثان، وعبدة القبور في مثل هذه الأزمنة، فإنك تجد المتوجه لقبر الولي في قلبه من محبة ذلك الولي وتعظيمه ومحبة سدنة ذلك القبر ما يجعله في رغب ورهب، وفي خوف وطمع، وفي إجلال حين يعبد ذلك الولي، أو يتوجه إليه بأنواع العبادة لأجل تحصيل مطلوبه، فهذه هي محبة العبادة التي صرفها لغير الله- جل وعلا- شرك أكبر به، بل هي عماد الدين، بل هي عماد صلاح القلب؛ فإن القلب لا يصلح إلا بأن يكون محبا لله - جل وعلا- وأن تكون محبته لله- جل وعلا- أعظم من كل شيء، فالمحبة التي هي محبة الله وحده - يعني محبة العبادة- هذه من أعظم أنواع العبادات، وإفراد الإله بها واجب، والمحبة مع الله محبة العبادة هذه شركية، فمن أحب غير الله- جل وعلا- محبة العبادة فإنه مشرك الشرك الأكبر بالله- جل وعلا-. هذه الأنواع الثلاثة هي المحبة المتعلقة بالله، أما النوع الثاني من أنوع المحبة وهي المحبة المتعلقة بغير الله من جهة المحبة الطبيعية، فقد أذن بها الشرع وأجازها؛ لأن المحبة فيها ليس محبة العبادة والرغب والرهب الذي هو من العبادة، وإنما هي محبة للدنيا وذلك كمحبة الوالد لولده، والولد لوالده، والرجل لزوجته، والأقارب لأقربائهم، والتلميذ لشيخه، والمعلم لأبنائه، ونحو ذلك من الأحوال، هذه محبة طبيعية لا بأس بها، بل جعلها الله- جل وعلا- غريزة في الإنسان.

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] أندادا، يعني: أشباها ونظراء وأكفاء، يعني: يساوونه في المحبة؛ لهذا قال ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وأحد وجهي التفسير في قوله يحبونهم كحب الله، يعني: أن المشركين يحبون الأنداد كحبهم لله. والوجه الثاني من التفسير: أن المشركين يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله. والوجه الأول أظهر، والكاف فيه هنا في قوله ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] بمعنى: مثل، أي: يحبونهم مثل حب الله، وهي كاف المساواة ومثلية المساواة، ولهذا قال - جل وعلا- في سورة الشعراء مخبرا عن قول أهل النار. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] [الشعراء: ٩٧-٩٨] قال العلماء: سووهم برب العالمين في المحبة بدليل هذه الآية ولم يسووهم برب العالمين في الخلق والرزق وأفراد الربوبية. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] [التوبة: ٢٤] هذا يدل على أن محبة الله- جل وعلا- واجبة، وأن محبة الله يجب أن تكون فوق كل محبوب، وأن محبة الله أعظم من محبته لأي شيء، قال- جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]
следующие страницы →