← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وهنا تنبيه في هذه المسألة: وهو ما يحصل أحيانا من بعض الناس من أنهم يقولون في الوسمي مثلا إذا طلع يأتي المطر، ونجم سهيل إذا طلع فسيحصل كذا، ونحو ذلك، فهذا القول كما علمت له حالان. الحال الأولى: أن يقول ذلك معتقدا أن النجم أو البرج الذي أتى هو زمن جعل الله سنته فيه أنه يأتي فيه المطر، وإن شاء الله سيأتي مطر ونحو ذلك، فهذا جعل للوسم زمنا، وهذا جائز. الحال الثاني: أن يقول: الوسم جاء وسيأتي المطر، أو طلع النجم الفلاني وسيأتينا كذا وكذا، معتقدا أن هذا الفصل أو ذلك البرج أو ذلك النجم سببا، فهذا كفر ونسبة للنعمة لغير الله، واعتقاد تأثير أشياء لا تأثير لها. فينبغي أن يفرق بين ما يستعمله العوام من جعل تلك المواسم، والنجوم أزمانا وأوقاتا للمطر أو للبرد، أو الحر، وبين نسبة أهل الشرك والضلال الأفعال للنجوم، إما استقلالا، وإما على وجه التسبب. هذا الباب والأبواب التي بعده شروع من الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ذكر العبادات القلبية، وما يجب أن تكون عليه تلك العبادات من الإخلاص لله- جل وعلا-، فهذا في ذكر واجبات التوحيد ومكملاته، وبعض العبادات القلبية، وكيف يكون إفراد الله- جل وعلا- بها. وابتدأها بباب المحبة، وأن العبد يجب أن يكون الله- جل وعلا- أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه، وهذه المحبة المراد منها محبة العبادة، وهي المحبة التي فيها تعلق بالمحبوب، بما يكون معه امتثال للأمر رغبا إلى المحبوب واختيارا، واجتناب النهي رغبة واختيارا. فمحبة العبادة هي: المحبة التي تكون في القلب، يكون معها الرغب والرهب، والطاعة والسعي في مراض المحبوب والبعد عما لا يحب المحبوب. والموحد لم يوحد الله إلا بسبب ما وقر في قلبه من محبة الله- جل وعلا- لأنه استدل بربوبية الله- جل وعلا- وأنه الخالق وحده، وأنه ذو الملكوت وحده، وأنه ذو الفضل والنعمة على عباده وحده، وأنه محبوب، وأنه يجب أن يحب، وإذا أحب العبد ربه فإنه يجب عليه أن يوحده بأفعال العبد حتى يكون محبا له على الحقيقة؛ لذلك نقول: المحبة التي هي من العبادة هي المحبة التي يكون فيها اتباع للأمر، واجتناب للنهي، ورغب ورهب؛ ولهذا قال طائفة من أهل العلم: المحبة المتعلقة بالله ثلاثة أنواع: ١ - محبة الله على النحو الذي وصفنا، وهذا نوع من العبادات الجليلة ويجب إفراد الله- جل وعلا- بها. ٢ - محبة في الله، وهو أن يحب الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وأن يحب الصالحين في الله، وأن يحب في الله، وأن يبغض في الله.

стр. 352

[باب قول الله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ] باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] . وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] [التوبة: ٢٤] . عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» أخرجاه (١) . ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٢) وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى. . .» (٣) إلى آخره. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

وعن ابن عباس ﵄ قال: " من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا " رواه ابن جرير. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: المودة. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال. الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها. السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا. العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه. الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ٣ - محبة مع الله، وهذه محبة المشركين لآلهتهم؛ فإنهم يحبونها مع الله- جل وعلا- فيتقربون إلى الله رغبا ورهبا نتيجة محبة الله، ويتقربون إلى الآلهة رغبا ورهبا نتيجة لمحبتهم لتلك الآلهة، ويتضح المقام بتأمل حال المشركين، وعبدة الأوثان، وعبدة القبور في مثل هذه الأزمنة، فإنك تجد المتوجه لقبر الولي في قلبه من محبة ذلك الولي وتعظيمه ومحبة سدنة ذلك القبر ما يجعله في رغب ورهب، وفي خوف وطمع، وفي إجلال حين يعبد ذلك الولي، أو يتوجه إليه بأنواع العبادة لأجل تحصيل مطلوبه، فهذه هي محبة العبادة التي صرفها لغير الله- جل وعلا- شرك أكبر به، بل هي عماد الدين، بل هي عماد صلاح القلب؛ فإن القلب لا يصلح إلا بأن يكون محبا لله - جل وعلا- وأن تكون محبته لله- جل وعلا- أعظم من كل شيء، فالمحبة التي هي محبة الله وحده - يعني محبة العبادة- هذه من أعظم أنواع العبادات، وإفراد الإله بها واجب، والمحبة مع الله محبة العبادة هذه شركية، فمن أحب غير الله- جل وعلا- محبة العبادة فإنه مشرك الشرك الأكبر بالله- جل وعلا-. هذه الأنواع الثلاثة هي المحبة المتعلقة بالله، أما النوع الثاني من أنوع المحبة وهي المحبة المتعلقة بغير الله من جهة المحبة الطبيعية، فقد أذن بها الشرع وأجازها؛ لأن المحبة فيها ليس محبة العبادة والرغب والرهب الذي هو من العبادة، وإنما هي محبة للدنيا وذلك كمحبة الوالد لولده، والولد لوالده، والرجل لزوجته، والأقارب لأقربائهم، والتلميذ لشيخه، والمعلم لأبنائه، ونحو ذلك من الأحوال، هذه محبة طبيعية لا بأس بها، بل جعلها الله- جل وعلا- غريزة في الإنسان.

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] [البقرة: ١٦٥] أندادا، يعني: أشباها ونظراء وأكفاء، يعني: يساوونه في المحبة؛ لهذا قال ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وأحد وجهي التفسير في قوله يحبونهم كحب الله، يعني: أن المشركين يحبون الأنداد كحبهم لله. والوجه الثاني من التفسير: أن المشركين يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله. والوجه الأول أظهر، والكاف فيه هنا في قوله ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] بمعنى: مثل، أي: يحبونهم مثل حب الله، وهي كاف المساواة ومثلية المساواة، ولهذا قال - جل وعلا- في سورة الشعراء مخبرا عن قول أهل النار. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨] [الشعراء: ٩٧-٩٨] قال العلماء: سووهم برب العالمين في المحبة بدليل هذه الآية ولم يسووهم برب العالمين في الخلق والرزق وأفراد الربوبية. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] [التوبة: ٢٤] هذا يدل على أن محبة الله- جل وعلا- واجبة، وأن محبة الله يجب أن تكون فوق كل محبوب، وأن محبة الله أعظم من محبته لأي شيء، قال- جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]

стр. 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وهذا وعيد فيدل على أن تقديم محبة غير الله على محبة الله كبيرة من الكبائر، ومحرم من المحرمات؛ لأن الله توعد عليه وحكم على فاعله بالفسق والضلال، فالواجب لتكميل التوحيد أن يحب العبد الله ورسوله فوق كل محبوب، ومحبة النبي ﵊ هي في الله ليست محبة مع الله، لأن الله هو الذي أمرنا بحب النبي ﵊، فإن من أحب الله- جل وعلا- أحب رسله. " عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (١) قوله: " لا يؤمن أحدكم " يعني: الإيمان الكامل وقوله: "حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " يعني: أن يكون محابي مقدمة على محاب غيري، فحتى أكون أحب إليه وأعظم في نفسه من ولده ووالده والناس أجمعين، وفي حديث عمر المعروف «أنه قال للنبي ﵊: إلا من نفسي فقال: " يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال عمر: أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: " فالآن يا عمر» يعني كملت الإيمان. فقوله: «لا يؤمن أحدكم» يعني الإيمان الكامل حتى يقدم محبة النبي ﵊ على محبة الولد والوالد والناس أجمعين، ويظهر هذا بالعمل، فإذا كان يقدم محاب هؤلاء على ما فيه مرضاة الله- جل وعلا-

стр. 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وعلى ما أمر به ﵊؛ فإن محبته ﵊ تكون ناقصة؛ لأن المحبة محركة كما قال شيخ الإسلام في كتابه " قاعدة في المحبة": المحبة هي التي تحرك فالذي يحب الدنيا يتحرك إلى الدنيا، والذي يحب العلم يتحرك للعلم، والذي يحب الله- جل وعلا- محبة عبادة ورغب ورهب يتحرك طالبا لمرضاته ويتحرك مبعدا عما فيه مساخط الرب- جل وعلا-. كذلك الذي يحب النبي ﵊ على الحقيقة، فإنه يسعى في اتباع سنته، وفي امتثال أمره، وفي اجتناب نهيه، والاهتداء بهديه، والاقتداء بسنته ﵊. " ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» (١) والاستدلال به ظاهر على أن محبة الله ورسوله يجب أن تكون مقدمة على محبة ما سواهما، وأنها من كمال الإيمان، وأن العبد لن يجد كمال الإيمان إلا بذلك. " وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى. .» إلى آخره " (٢) المقصود بالحلاوة هنا الحلاوة الناتجة عن تحصيل كماله؛ لأن الإيمان له حلاوة توجد في الروح، وكلما سعى العبد في تكميل إيمانه اشتد وجده لهذه الحلاوة، واشتد شعوره بتلك الحلاوة واللذة التي تكون في القلب.

стр. 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وعن ابن عباس ﵄ قال: " من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك ": هذه محبة في الله راجعة إلى الأمر والنهي وهي من أقسام المحبة. قوله: " أحب في الله ". يعني: كانت محبته لذلك المحبوب لأجل أمر الله. " أبغض في الله ". يعني: كان بغضه لذلك المبغض لأجل أمر الله. " ووالى في الله ": كانت موالاته للعقد الذي بينه وبين ذاك في الله- جل وعلا- من أخوة إيمانية. " وعادى في الله ". يعني: لما حصل بينه وبين ذاك الذي خالف أمر الله إما بكفر أو بما دونه. " فإنما تنال ولاية الله بذلك ". يعني: إنما يكون العبد وليا من أولياء الله بهذا الفعل، وهو أن يوالي في الله ويعادي في الله- جل وعلا-. والولاية- بالفتح- هي: المحبة والنصرة. يقال: والى ولاية يعني: أحب محبة، ونصر نصرة، وأما الولاية- بالكسر- فهي: الملك والإمارة قال- جل وعلا-: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] [الكهف: ٤٤] يعني: أن المحبة والنصرة إنما هي لله -جل وعلا- وليست لغيره، فقوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك " يعني: تنال محبة الله ونصرته بذلك، بأن يأتي بالمحبة في الله والبغض في الله. " ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا،

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وذلك لا يجدي على أهله شيئا " (١) المؤاخاة والمحبة في الدنيا هذه تراد للدنيا، والدنيا قصيرة زائلة، وإنما يغتر بها أهل الغرور. وأما أهل المعرفة بالله، والعلم بالله، وأهل كمال توحيده، وأهل كمال الإيمان، وتحقيق التوحيد فإنما تكون محابهم ومشاعرهم القلبية وأنواع العلوم والمعارف التي تكون في القلب وأنواع العبادات والمقامات والأحوال التي تكون في القلب يكون ذلك كله تبعا لأمر الله ونهيه ورغبة في الآخرة، أما الدنيا فلها أهلون، وهي مرتحلة عنهم، وهم مقبلون على أمر آخرتهم؛ ولذلك لن تجدي المحبة في الدنيا على أهلها شيئا، إنما الذي يجدي هو الحب في الله والرغب في الآخرة. " وقال ابن عباس ﵁ في قوله ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: المودة " (٢) ؛ لأن المشركين كانوا يشركون بآلهتهم، ويحبونها، ويظنون أنها ستشفع لهم يوم القيامة لأجل مودتهم لها، ومحبتهم لها، وستتقطع تلك الأسباب وتلك الحبال المدعاة الموهومة يوم القيامة، ولن يجدوا نصيرا، كما قال الله ﷻ : ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] يعني: كل ما ظنوه سببا نافعا عند الله فإنه سينقطع يوم القيامة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] [البقرة: ١٦٦] . " باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] [آل عمران: ١٧٥] : هذا الباب في بيان عبادة الخوف، ومناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة. وهي أن خوف العبد من الله - جل وعلا- عبادة من العبادات التي أوجبها الله- جل وعلا-، فالخوف والمحبة والرجاء عبادات قلبية واجبة، وتكميلها تكميل للتوحيد، والنقص فيها نقص لكمال التوحيد. والخوف من غير الله- جل وعلا- ينقسم إلى ما هو شرك، وإلى ما هو محرم، وإلى ما هو مباح، فهذه ثلاثة أقسام.

стр. 360

[باب قول الله تعالى إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] " باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] [آل عمران: ١٧٥] . وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] [التوبة: ١٨] . وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] [العنكبوت: ١٠] . وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترض الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» (١) وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (٢) رواه ابن حبان في صحيحه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 361

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: تفسير آية العنكبوت. الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى. الخامسة: علامة ضعفه ومن ذلك هذه الثلاث. السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض. السابعة: ذكر ثواب من فعله. الثامنة: ذكر عقاب من تركه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] القسم الأول: الخوف الشركي، وهو خوف السر، يعني: أن يخاف في داخله من هذا المخوف منه، وخوفه لأجل ما عند هذا المخوف منه مما يرجوه أو يخافه من أن يمسه سرا بشيء، أو أنه يملك له في آخرته ضرا أو نفعا، فالخوف الشركي متعلق في الدنيا بخوف السر، بأن يخاف أن يصيبه ذلك الإله بشر وذلك شرك. والخوف المتعلق بالآخرة، معناه أن يخاف العبد غير الله ويتعلق خوفه بغير الله من أن لا ينفعه ذلك الإله في الآخرة، فلأجل رغبه في أن ينفعه ذلك الإله في الآخرة وأن يشفع له، وأن يقربه منه في الآخرة، وأن يبعد عنه العذاب في الآخرة، خاف منه فأنزل خوفه به. فالخوف من العبادات العظيمة التي يجب أن يفرد الله- جل وعلا- بها، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك. والقسم الثاني. الخوف المحرم وهو أن يخاف من مخلوق في امتثال واجب، أو البعد عن المحرم، مما أوجبه الله أو حرمه، كأن يخاف من مخلوق في أداء فرض من فرائض الله، وفي أداء واجب من الواجبات، فلا يصلي خوفا من مخلوق، ولا يحضر الجماعة خوفا من ذم المخلوق له أو استنقاصه له، فهذا محرم، قال بعض العلماء: وهو نوع من أنواع الشرك، لأن ترك الأمر والنهي الواجب بشرطه خوفا من ذم الناس، أو من ترك مدحهم له، أو من وصمهم له بأشياء، فيه تقديم لخوف الناس على خوف الله تعالى، وهذا محرم؛ لأن الوسيلة إلى المحرم محرمة. القسم الثالث: الخوف الطبيعي المأذون به، وهذا أمر طبيعي كخوف من عدو، أو من سبع، أو من نار، أو من مؤذ ومهلك، ونحو ذلك.

стр. 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] [آل عمران: ١٧٥] . وجه الاستدلال من هذه الآية: أنه قال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وهذا نهي عن إنزال عبادة الخوف بغيره، فهذا يدل على أنه نهي عن أحد أفراد الشرك. قوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أمر بالخوف منه جل وعلا، فدل على أن الخوف عبادة من العبادات، وتوحيد الله بهذه العبادة توحيد، وإشراك غير الله معه في هذه العبادة شرك؛ والخوف من الخلق- كما ذكرنا- في ترك فريضة الجهاد، إنما يكون من جراء الشيطان، فالشيطان هو الذي يخوف المؤمنين من أوليائه، ويخوف أهل التوحيد وأهل الإيمان من أعداء الله- جل وعلا- لكي يتركوا الفريضة؛ فلهذا كان ذلك الخوف محرما، يعني: الخوف من الأعداء الذي يترتب عليه ترك فريضة من فرائض الله من الجهاد وغيره، والواجب ألا يخاف العبد إلا ربه- جل وعلا- وأن ينزل خوفه به، وألا يخاف أولياء الشيطان. وقوله -جل وعلا- هنا: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] معناها على الصحيح من التفسير أو على الراجح: يخوفكم أولياءه، يعني: يخوف أهل الإيمان أولياء الشيطان، ففاعل يخوف ضمير يعود على الشيطان، والمفعول الأول محذوف دل عليه السياق، والتقدير: يخوف الشيطان الناس أولياءه، يعني: يجعل الشيطان أهل التوحيد في خوف من أعدائهم؛ لهذا قال

стр. 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] السلف في تفسيرها. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] يعني: يخوفكم أولياءه، وهذا ظاهر من الآيات قبلها كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] [آل عمران: ١٧٣] . " وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] [التوبة: ١٨] : وجه الدلالة من الآية قوله ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] وهذا نفي واستثناء، وتقدم أن مجيء أداة الاستثناء بعد النفي يدل على الحصر والقصر، فالآية دالة بظهور على أن الخشية يجب أن تكون من الله، وأن الله أثنى على أولئك لأنهم جعلوا خشيتهم لله وحده دون ما سواه، والخشية أخص من الخوف. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] [العنكبوت: ١٠] : قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] بأن خاف منها، وترك ما أوجب الله عليه، أو أقدم على ما حرم الله عليه، خشية من كلام الناس. " وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤت الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية

стр. 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] كاره» (١) وجه الاستدلال من هذا الحديث قوله: " إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ". " من ضعف اليقين ": يعني من أسباب ضعف الإيمان، والذي يضعف الإيمان ارتكاب المحرمات؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فدل على أن إرضاء الناس بسخط الله معصية وذنب ومحرم لأن هذا الذي أرضى الناس بسخط الله خافهم أو رجاهم، وهذا مناسبة إيراد الحديث في الباب. " وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه (٢) هذا جزاء الذي أفرد الله بعبادة الخوف وجزاء الذي لم يكمل التوحيد في عبادة الخوف، فالذي التمس رضا الله بسخط الناس عظم الله وخافه، ولم يجعل فتنة الناس كعذاب الله؛ بل جعل عذاب الله- جل وعلا- أعظم فخاف الله وخشيه وطمع فيما عنده، فلم يلتفت إلى الناس، ولم يرفع بهم رأسا، فكان جزاؤه أن ﵁، وجعل الناس يرضون عنه. «ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» : لأنه ارتكب ذنبا بأن خاف الناس، وجعل خوفه من الناس سببا لعمل المحرم، أو ترك فريضة من فرائض الله؛ لهذا قال " من التمس رضا الناس بسخط الله " فكان جزاؤه أن سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس. مناسبة الباب لكتاب التوحيد أن التوكل على الله فريضة من الفرائض، وواجب من الواجبات، وأن إفراد الله - جل وعلا- به توحيد، وأن التوكل على غير الله شرك مخرج من الملة، والتوكل على الله شرط في صحة الإسلام، وشرط في صحة الإيمان فالتوكل عبادة عظيمة، فعقد المؤلف ﵀ هذا الباب لبيان هذه العبادة. وحقيقة التوكل على الله ﷻ : أن يعلم العبد أن هذا الملكوت إنما هو بيد الله- جل وعلا- يصرفه كيف يشاء، فيفوض الأمر إليه، ويلتجئ بقلبه في تحقيق مطلوبه وفي الهرب مما يسوءه، يلتجئ في ذلك ويعتصم بالله ﷻ وحده، فينزل حاجته بالله ويفوض أمره إلى الله، ثم يعمل السبب الذي أمر الله به " فحقيقة التوكل في الشرع تجمع تفويض الأمر إلى الله- جل وعلا-، وفعل الأسباب، بل إن نفس الإيمان سبب من الأسباب التي يفعلها المتوكلون على الله، بل إن نفس التوكل على الله- جل وعلا- سبب من الأسباب، فالتوكل حقيقته في الشرع تجمع عبادة قلبية عظيمة، وهي تفويض الأمر إليه، والالتجاء إليه، والعلم بأنه لا أمر إلا أمره، ولا شيء إلا بما قدره وأذن به كونا، ثم فعل السبب الذي أوجب الله- جل وعلا- فعله أو

стр. 366

[باب قول الله تعالى وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] " باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] " [المائدة: ٢٣] . وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] [الأنفال: ٢] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] [الأنفال: ٦٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] [الطلاق: ٣] . وعن ابن عباس قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] [آل عمران: ١٧٣] . رواه البخاري والنسائي (١) . فيه مسائل: الأولى: أن التوكل من الفرائض. الثانية: أنه من شروط الإيمان. الثالثة: تفسير آية الأنفال. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 367

الرابعة: تفسير الآية في آخرها. الخامسة: تفسير آية الطلاق. السادسة: عظم شأن هذه الكلمة؛ أنها قول إبراهيم ومحمد ﷺ في الشدائد. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أمر بفعله، فترك فعل الأسباب ينافي حقيقة التوكل الشرعية، كما أن الاعتماد على السبب وترك تفويض الأمر إلى الله- جل وعلا- ينافي حقيقة التوكل الشرعية، فالمتوكل في الشرع هو من عمل السبب، وفوض الأمر إلى الله- جل وعلا- في الانتفاع بالسبب، وفي حدوث المسبب من ذلك السبب، وفي توفيق الله وإعانته فإنه لا حول ولا قوة إلا به- جل وعلا-. والتوكل- كما قال الإمام أحمد -: عمل القلب، فالتوكل عبادة قلبية محضة؛ ولهذا كان إفراد الله- جل وعلا- بها واجبا، وكان صرفها لغير الله - جل وعلا- شركا. والتوكل على غير الله- جل وعلا- له حالان. الحال الأولى: أن يكون شركا أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، كأن يتوكل على المخلوق في مغفرة الذنب، وأن يتوكل على المخلوق في تحصيل الخيرات الأخروية، أو يتوكل على المخلوق في تحصيل ولد له، أو في تحصيل وظيفة له، فيتوكل عليه بقلبه، وهو لا يقدر على ذلك الشيء، وهذا يكثر عند عباد القبور وعباد الأولياء، فإنهم يتوجهون إلى الموتى بقلوبهم يتوكلون عليهم، ويفوضون أمر صلاحهم فيما يريدون في الدنيا والآخرة إلى أولئك الموتى وإلى تلك الآلهة والأوثان التي لا تقدر من ذلك على شيء، فهذه عبادة صرفت لغير الله - جل وعلا- وهو شرك أكبر بالله - جل وعلا- مناف لأصل التوحيد. والنوع الثاني: أن يتوكل على المخلوق فيما أقدره الله- جل وعلا- عليه، وهذا نوع شرك، بل هو شرك خفي، وشرك أصغر؛ ولهذا قال طائفة من أهل العلم. إذا قال: توكلت على الله وعليك فإن هذا شرك أصغر؛ ولهذا قالوا:

стр. 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لا يجوز أن يقول: توكلت على الله ثم عليك؛ لأن المخلوق ليس له نصيب من التوكل، فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر وهو الله- جل وعلا-، والمخلوق لا يستحق شيئا من ذلك. فالتوكل على المخلوق فيما يقدر عليه شرك خفي ونوع شرك أصغر، والتوكل على المخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، وهذا يكثر عند عباد القبور والمتوجهين إلى الأولياء والموتى، هو شرك يخرج من الملة. وحقيقة التوكل الذي ذكرناه لا يصلح إلا لله- جل وعلا-؛ لأنه تفويض الأمر إلى من بيده الأمر والمخلوق ليس بيده الأمر، فالتجاء القلب ورغب القلب وطمع القلب في تحصيل المطلوب إنما يكون ذلك ممن يملكه وهو الله - جل وعلا-، أما المخلوق فلا يقدر على شيء استقلالا وإنما هو سبب، فإذا كان سببا فإنه لا يجوز التوكل عليه؛ لأن التوكل عمل القلب وإنما يجعله سببا بأن يجعله شفيعا، أو واسطة، ونحو ذلك، فهذا لا يعني أنه متوكل عليه، فيجعل المخلوق سببا فيما أقدره الله عليه ولكن يفوض أمر النفع بهذا السبب إلى الله- جل وعلا-، فيتوكل على الله ويأتي بالسبب الذي هو الانتفاع من هذا المخلوق بما جعل الله- جل وعلا- له من الانتفاع أو من القدرة ونحو ذلك. " باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] [المائدة: ٢٣] : هذه الآية فيها الأمر بالتوكل على الله وحده، ولما أمر به علمنا أنه من العبادة، ولما قدم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢٣] على ما يتعلق به وهو الفعل ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] دل على وجوب إفراد الله - جل وعلا-

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بالتوكل وأن التوكل عبادة يجب أن تحصر وتقصر في الله - جل وعلا-، هذا وجه الدلالة من الآية. ودليل آخر في هذه الآية، وهو قوله وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] حيث جعل الإيمان لا يصح إلا بالتوكل، وأن التوكل شرط الإيمان، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وهذا هو الشرط، وجوابه محذوف، وتقديره: فأفردوا الله بالتوكل، فجزاء الشرط هو إفراد الله بالتوكل، فصارت دلالة الآية من جهتين. وكذلك قوله -جل وعلا- في آية سورة يونس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] [يونس: ٨٤] فقوله ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يونس: ٨٤] أمر بإفراده بالتوكل -جل وعلا- وقدم الجار والمجرور، لإفادة الحصر والقصر والاختصاص بالله -جل وعلا-، ثم جعل إفراده بالتوكل -جل وعلا- شرطا في صحة الإسلام فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] فهاتان الآيتان دلتا على أن التوكل عبادة، وأن إفراد الله به -جل وعلا- واجب، وأنه شرط في صحة الإسلام، وشرط في صحة الإيمان، وهذا كله يدل على أن انتفاءه مذهب لأصل التوحيد ومناف لأصله إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ . " وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] [الأنفال: ٢] :

стр. 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وجه الدلالة من الآية: أنه وصف المؤمنين بهذه الصفات الخمس وآخرها قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وظاهر من دلالة الآية حيث قدم الجار والمجرور على أنهم أفردوا الله بالتوكل، فدل على أن هذه العبادات الخمس هي أعظم مقامات أهل الإيمان، وهذا ينبغي التنبه له، إذ كل أمور الدين والعبادات والفروع العملية التي يعملها العبد، إنما هي فرع عن تحقيق هذه الخمس التي جاءت في هذه الآية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وهذه الصفة تجمع الكلمات الشرعية وتجمع الدين جميعا؛ لأن ذكر الله فيه القرآن وفيه السنة. " وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] [الأنفال: ٦٤] يعني: كافيك الله وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الحسب هو الكافي، والكلمة المشابهة لها (حسب) تقول: هذا بحسب كذا، يعني: بناء على كذا، وأما الكافي فهو (الحسب) بسكون السين. ووجه مناسبة الآية لهذا الباب: أن الله حسب من توكل عليه، قال- جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] [الطلاق: ٣] فالله حسب من توكل عليه، فدل على أن الله -جل وعلا- أمر عباده بالتوكل عليه حتى يكون كافيهم من أعدائهم وحتى يكون -جل وعلا- كافي المؤمنين من المشركين، قال -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] يعني: كافيك الله، ولهذا أعقبها المؤلف بالآية الأخرى وهي قوله -جل وعلا-:

стр. 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] والتوكل على الله - جل وعلا - كما سبق، يرجع إلى فهم توحيد الربوبية، وإلى عظم الإيمان بتوحيد الربوبية، فإن بعض المشركين قد يكون عنده من التوكل على الله الشيء العظيم. والتوكل على الله من العبادات العظيمة التي تطلب من المؤمن؛ لهذا نقول: إن إحداث التوكل في القلب يرجع إلى التأمل في آثار الربوبية، فكلما كان العبد أكثر تأملا في ملكوت الله: في السماوات والأرض، والأنفس، والآفاق، كان علمه بأن الله هو ذو الملكوت وأنه هو المتصرف، وأن نصره لعبده شيء يسير جدا بالنسبة إلى ما يجريه الله - جل وعلا - في ملكوته، فيعظم المؤمن بهذا التدبر الله - جل وعلا -، ويعظم التوكل عليه، ويعظم أمره ونهيه، ويعتقد أن الله ﷻ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، . ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] رتّب الحسب - وهو الكفاية - على التوكل عليه، وهذا فضيلة التوكل، وفضيلة المتوكلين عليه. " وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] " (١) وهذا يبين عظم هذه الكلمة وهي قول المؤمن: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإذا حقق العبد

стр. 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] التوكل على الله وحققه في القلب فقد حقق هذا النوع من توحيد التوكل في النفس، فإن العبد إذا أعظم رجاءه في الله، وأكمل توكله على الله، فإنه وإن كادته السماوات والأرض ومن فيهن فإن الله سيجعل له من أمره يسرا، وسيجعل له من بينها مخرجا. قوله: " حسبنا الله " يعني: كافينا الله. " ونعم الوكيل " يعني: ونعم الوكيل ربنا، هذه كلمة عظيمة قالها إبراهيم ﵇ في الكرب، وقالها أيضا النبي ﵊ وأصحابه في الكرب لما قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] [آل عمران: ١٧٣] وذلك لعظم توكلهم على الرب - جل وعلا -. هذا باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] [الأعراف: ٩٩] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] [الحجر: ٥٦] . هذا الباب عقده المؤلف للآيتين جميعا لاتصالهما. والمراد بهذا الباب بيان أن الجمع بها الخوف والرجاء واجب من واجبات الإيمان، ولا يتم التوحيد إلا بذلك، فعدم الجمع بين الخوف والرجاء مناف لكمال التوحيد، فالواجب على العبد أن يجعل خوفه مع الرجاء، وأن يجعل رجاءه مع الخوف، وأن لا يأمن المكر كما لا يقنط من رحمة الله - جل وعلا -. فالآية الأولى وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] فيها بيان أن المشركين من صفاتهم أنهم أمنوا عقاب الله فلم يخافوا، والواجب بالمقابل أن تكون قلوبهم خائفة وجلة من الله - جل وعلا - قال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] يعني: أيعلمون تلك المثلات، وفعل الله - جل وعلا - بالأمم السالفة، التي قصها الله في سورة الأعراف فأمنوا مكر الله؟!! فإذا كان كذلك، وحصل منهم الأمن، مع وجود النذر فيما حولهم، وأن الله قص عليهم القصص والأنباء، فإن ذلك من صفات الخاسرين كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]

стр. 374

[باب قول الله تعالى أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ] " باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] [الأعراف: ٩٩] . وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] [الحجر: ٥٦] . وعن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» (١) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله " رواه عبد الرزاق (٢) . فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف. الثانية: تفسير آية الحجر. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والأمن من مكر الله ناتج عن عدم الخوف، وترك عبادة الخوف، وعبادة الخوف قلبية، والمراد هنا هو خوف العبادة. وهذا الخوف إذا كان في القلب، فإن العبد سيسعى في مراضي الله ويبتعد عن مناهيه، وسيعظم الله - جل وعلا - ويتقرب إليه بالخوف؛ لأن الخوف عبادة، ويكون عبادة من وجوه، منها: أن يتقرب إلى الله - جل وعلا - بالخوف، وأن يتقرب إلى الله - جل وعلا - بعدم الأمن من مكره، وذلك أن الله هو ذو الجبروت، فعدم الأمن من مكر الله راجع إلى عدم فهم صفات الله - جل وعلا - وأسمائه التي منها: القهار، والجبار، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، ونحو ذلك من صفات الربوبية. ومكر الله - جل وعلا - من صفاته التي تطلق مقيدة، فالله - جل وعلا - يمكر بمن مكر بأوليائه وأنبيائه، وبمن مكر بدينه؛ لأنها في الأصل صفة نقص، ولكن تكون صفة كمال إذا كانت بالمقابلة؛ لأنها حينئذ فيها معنى إظهار العزة، والقدرة والقهر والجبروت وسائر صفات الجلال، فمكر الله - جل وعلا - من صفاته التي يتصف بها، على وجه التقييد، فنقول: يمكر بأعداء رسله، يمكر بأعدائه، يمكر بمن مكر به، ونحو ذلك. وحقيقة مكر الله - جل وعلا - ومعنى هذه الصفة: أنه - جل وعلا - يستدرج العبد ويملي له، حتى إذا أخذه لم يفلته، فييسر له الأمور حتى يظن أنه في غاية المأمن، فيكون ذلك استدراجا في حقه، كما قال النبي ﵊: «إذا رأيتم الله يعطي العبد، وهو مقيم على معاصيه، فاعلموا أن ذلك استدراج» (١) وهذا ظاهر من معنى المكر؛ لأن في معنى المكر والكيد وأمثالهما معنى الاستدراج.

стр. 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ولا ترادف في اللغة، بل هناك فروق بين المكر والاستدراج، والكيد، ونحو ذلك، لكن نقول هذا من جهة التقرير، فالمكر فيه استدراج وفيه زيادة أيضا على الاستدراج بحيث يكون قلب ذلك المستدرج آمنا من كل جهة. " وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] هذا فيه أن من صفة الضالين أنهم يقنطون من رحمة الله - جل وعلا -، ومعنى ذلك بالمفهوم أن صفة المتقين المهتدين أنهم لا يقنطون من رحمة الله، بل يرجون رحمة الله - جل وعلا -، والجمع بين الخوف والرجاء واجب شرعا، فإن الخوف عبادة، والرجاء عبادة، واجتماعهما في القلب واجب، فلا بد أن يكون هذا، وهذا جميعا في القلب حتى تصح العبادة. ومن هنا اختلف العلماء في أيهما يغلب: الخوف أم الرجاء؟ هل يغلب العبد جانب الرجاء أو يغلب جانب الخوف؟ والتحقيق: أن ذلك على حالين: الأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة فإنه إما أن يكون مسددا مسارعا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو؛ لأنه من المسارعين في الخيرات. وإذا كان في حال الصحة والسلامة وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يغلب جانب الخوف حتى ينكف عن المعصية. الحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف فإنه يجب عليه أن يعظم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه، وذلك لقول النبي ﵊: «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه تعالى» (١) وذلك من جهة رجائه في الله ﷻ .

стр. 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ومن هنا اختلفت كلمات أهل العلم، فتجد بعضهم يقول: يجب أن يتساوى الخوف والرجاء، وبعض السلف قال: يغلب جانب الخوف على جانب الرجاء، وبعض السلف قال: يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف، وهي أقوال متباينة ظاهرًا، ولكنها متفقة في الحقيقة؛ لأن كل قول منها يرجع إلى حالة مما ذكرنا. فمن قال: يغلب جانب الخوف على الرجاء فهو في حق الصحيح العاصي. ومن قال: يغلب جانب الرجاء على الخوف فهو في حق المريض الذي يخاف الهلاك أو من يخاف الموت. ومن قال: يساوي بين الخوف والرجاء فنظر إلى حال المسددين المسارعين في الخيرات، الذين وصفهم الله - جل وعلا - بقوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] [الأنبياء: ٩٠] ، وقوله - جل وعلا - في سورة الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] [الإسراء: ٥٧] وهذا ظاهر. فالشيخ ﵀ عقد هذا الباب لبيان وجوب أن يجتمع الخوف والرجاء في القلب، وقد مر بنا أن هذه أبواب متتالية لبيان حالات القلب والعبادات القلبية وأحكام ذلك. " عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الله» (١) وجه الشاهد من ذلك: أنه جعل اليأس من روح الله، وهو ذهاب الرجاء من القلب، وترك الإتيان بعبادة الرجاء، جعله من الكبائر، وجعل الأمن من مكر الله، وهو ذهاب الخوف من الله - جل وعلا - من القلب جعله من الكبائر، فعدم الرجاء في الله من الكبائر، وعدم الخوف من الله - جل وعلا - من الكبائر، وهي كبائر من جهة أعمال القلوب، واجتماع الكبيرتين معا بأن لا يكون عنده رجاء ولا خوف، أعظم من كبيرة ترك الخوف وحده من الله، أو ترك الرجاء وحده من الله - جل وعلا -؛ ولهذا قرن بينهما في هذا الحديث حيث قال: «سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» وبهذا يتبين لك الفرق بين اليأس من روح الله أو القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله، لأن اليأس راجع إلى ترك عبادة الرجاء، والأمن من مكر الله راجع إلى ترك عبادة الخوف، واجتماعهما واجب من الواجبات، وذهابهما أو الانتقاص منهما نقص في كمال توحيد من قام ذلك بقلبه. " وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله " (٢) في هذا الأثر ما في الحديث قبله، لكن هنا فصل في القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، فجعل القنوط من رحمة الله شيئا، وجعل اليأس من روح الله شيئا آخر، وهذا باعتبار بعض الصفات لا باعتبار أصل المعنى، وإلا فإن القنوط من

стр. 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الرحمة واليأس من الروح بمعنى واحد، لكن يختلفان من حديث ما يتناوله هذا ويتناوله هذا، فالقنوط من رحمة الله عام؛ لأن الرحمة أعم من الروح، والرحمة تشمل جلب النعم ودفع النقم، وروح الله - جل وعلا - يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب، فقوله: القنوط من رحمة الله هذا أعم؛ ولهذا قدمه فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام، أو أن يكون هناك ترادف في أصل المعنى، واختلاف في الصفات، أو بعض ما يتعلق باللفظ. فهذا الحديث مع الحديث قبله والآيتين: دلالتهما على ما أراد المؤلف من عقد هذا الباب واحدة، ودلالة الجميع: أن الخوف والرجاء واجب اجتماعهما في القلب وإفراد الله - جل وعلا - بهما، والمقصود خوف العبادة، ورجاء العبادة. " باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله ": الصبر من المقامات العظيمة، والعبادات الجليلة التي تكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، وحقيقة العبودية لا تثبت إلا بالصبر؛ لأن العبادة أمر شرعي، أو نهي شرعي، أو ابتلاء، بأن يصيب الله العبد بمصيبة قدرية فيصبر عليها. فحقيقة العبادة: أن يمتثل الأمر الشرعي، وأن يجتنب النهي الشرعي، وأن يصبر على المصائب القدرية التي ابتلى الله - جل وعلا - العباد بها. فالابتلاء حاصل بالدين وحاصل بالأقدار، فبالدين كما قال - جل وعلا - لنبيه ﷺ في

стр. 380

[باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله] " باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله " وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] [التغابن: ١١] ، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (١) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٢) ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» (٣) . وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» (٤) . وقال ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٥) . حسنه الترمذي. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 381

فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب. الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية. الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر. السابعة: علامة حب الله للعبد. الثامنة: تحريم السخط. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك» (١) . فحقيقة بعثة النبي ﵊ الابتلاء، والابتلاء يجب معه الصبر، والابتلاء الحاصل ببعثته بالأوامر والنواهي. فالواجبات تحتاج إلى صبر، والمنهيات تحتاج إلى صبر، والأقدار الكونية تحتاج إلى صبر؛ ولهذا قال طائفة من أهل العلم: إن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة. ولما كان الصبر على المصائب قليلا أفرد له الشيخ ﵀ هذا الباب لبيان أنه من كمال التوحيد، ومن الواجب على العبد أن يصبر على أقدار الله؛ لأن تسخط العباد وعدم صبرهم، كثيرا ما يظهر في حال الابتلاء بالمصائب، فعقد هذا الباب لبيان أن الصبر واجب على أقدار الله المؤلمة، ونبه بذلك على أن الصبر على الطاعة واجب، وأن الصبر عن المعصية واجب. وحقيقة الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قتل فلان صبرا، إذا حبس أو ربط فقتل من دون مبارزة ولا قتال. ويقال للصبر الشرعي إنه صبر؛ لأن فيه حبس اللسان عن التشكي، وحبس القلب عن السخط، وحبس الجوارح عن إظهار السخط من لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، فحبس هذه الأشياء هو حقيقة الصبر، فالصبر إذًا في الشرع هو: حبس اللسان عن التشكي، وحبس القلب عن التسخط، وحبس الجوارح عن إظهار السخط بشق أو نحو ذلك.

стр. 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال الإمام أحمد ﵀: ذكر الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعا، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لأن من لا صبر له على الطاعة، ولا صبر له عن المعصية، ولا صبر له على أقدار الله المؤلمة، فإنه يفوته أكثر الإيمان. وقوله: " باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله " يعني: أن من خصال الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، والإيمان له شعب، كما أن الكفر له شعب، فنبه بقوله: «من الإيمان بالله الصبر» على أن من شعب الإيمان الصبر، ونبه في الحديث الذي رواه مسلم على أن النياحة من شعب الكفر، فيقابل كل شعبة من شعب الكفر شعبة من شعب الإيمان، فالنياحة على الميت شعبة من شعب الكفر، يقابلها في شعب الإيمان الصبر على أقدار الله المؤلمة. " وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] [التغابن: ١١] قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم " (١) . هذا تفسير من علقمة - أحد التابعين - لهذه الآية، وهو تفسير ظاهر الصحة والصواب؛ وذلك أن قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] إنما ورد في سياق ذكر ابتلاء الله بالمصائب، فـ ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن: ١١] يعني: يعظم الله - جل وعلا - ويمتثل أمره ويتجنب نهيه ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] للصبر، و ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] لعدم السخط، و ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] للعبادات؛ ولهذا

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قال: " هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله " وهذا هو الإيمان بالله " فيرضى ويسلم " والمصائب من القدر، والقدر راجع إلى حكمة الله - جل وعلا -، وحكمة الله - جل وعلا - هي وضع الأمور في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، فالحكمة بعامة مرتبطة بالغايات المحمودة من وضع الأمر في موضعه، فمن وضع الأمر في غير موضعه فقد ظلم، ومن وضع الأمر في موضعه عدل، وقد يكون غير حكيم، أي قد يكون عادلا ولكن غير حكيم، فإذا وضع الأمر في موضعه الموافق للغاية المحمودة منه فذاك هو الحكيم، والله - جل وعلا - منفي عنه الظلم ومثبت له كمال العدل سبحانه حيث يضع الأمور في مواضعها، ومثبت له - جل وعلا - كمال الحكمة حيث إن وضعه الأمور في مواضعها موافق للغايات المحمودة منها، فنعلم بذلك أن المصيبة إذا أصابت العبد فإن الخير له فيها، إما أن يصبر فيؤجر، وإما أن يتسخط فيؤزر على ذلك، وهذا في حق الخاسرين، فالله - جل وعلا - له الحكمة من الابتلاء بالمصائب؛ لهذا يجب على العبد أن يعلم أن ما جاء من عند الله هو قدر الله - جل وعلا - وقضاؤه الموافق لحكمته فيجب الصبر على ذلك. قوله: " يعلم أنها من عند الله ": يعني: أن الله هو الذي أتى بها، وهو الذي أذن بها قدرا وكونا. " فيرضى ويسلم ": الرضا بالمصيبة مستحب وليس بواجب؛ ولهذا يختلط على كثيرين الفرق بين الرضا والصبر، وتحرير المقام في ذلك: أن الصبر على المصائب واجب من الواجبات؛ لأن فيه ترك السخط على قضاء الله وقدره، والرضا له جهتان:

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الجهة الأولى: راجعة إلى فعل الله - جل وعلا -، فيرضى بقدر الله الذي هو فعله، ويرضى بفعل الله، ويرضى بحكمة الله، ويرضى بما قسم الله - جل وعلا -، وهذا الرضا بفعل الله - جل وعلا - واجب من الواجبات، وتركه محرم ومناف لكمال التوحيد. والجهة الثانية: الرضا بالمقضي، أي بالمصيبة في نفسها، فهذا مستحب، ليس واجبا على العباد أن يرضوا بالمرض، وأن يرضوا بفقد الولد، وأن يرضوا بفقد المال، لكن هذا مستحب وهو رتبة الخاصة من عباد الله، لكن الرضا بفعل الله - جل وعلا - بمعنى الرضا بقضاء الله من حيث هو واجب، أما الرضا بالمقضي فإنه مستحب؛ ولهذا قال علقمة هنا: " هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى " يعني: على قضاء الله " ويسلم " لعلمه أنها من عند الله ﷻ ، وهذا من خصال الإيمان. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اثنتان الناس هما بهم كفر» : يعني. خصلتان من شعب الكفر قائمتان في الناس، وستبقيان في الناس: «الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (١) . وجه الشاهد من هذا الحديث: قوله: " والنياحة على الميت " لأن النياحة مخالفة للصبر، والصبر الواجب فيه: حبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، وحبس اللسان عن التشكي والعويل وهذا هو النياحة، فالنياحة من شعب الكفر؛ لأنها منافية للصبر.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وكونها من شعب الكفر لا يدل على أن من قامت به فهو كافرٌ الكفر المطلق المخرج من الملة، بل يدل على أن من قامت به قامت به خصلة من خصال الكفار، وشعبة من شعب الكفر؛ ولهذا قال هنا: «اثنتان في الناس هما بهم كفر» فنكر كلمة " كفر "، والقاعدة في فهم ألفاظ الكفر التي تأتي في الكتاب والسنة: أن الكفر إذا أتى معرفا بالألف واللام فإن المراد به الكفر الأكبر، وإذا أتى منكرا - أي بدون الألف واللام - فإنه يدل على أن الخصلة تلك من شعب الكفر، ومن خصال أهل الكفر، وأن ذلك كفر أصغر كما قال ﵊: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) لأن ذلك من خصال الكفار، ونحو ذلك قوله: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٢) هذا في الكفر الأصغر. وأما الكفر المعرف بالألف واللام فالقاعدة التي حررها الأئمة كشيخ الإسلام وغيره: أنه إذا أتى فيراد به الكفر الأكبر، كقوله ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٣) . " ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) دل هذا الحديث على أن من فعل هذه الأفعال فهو ليس من أهل الإيمان، وقد سبق بيان أن كلمة " ليس

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] منا " تدل على أن الفعل من الكبائر؛ ولهذا فإن ترك الصبر وإظهار التسخط كبيرة من الكبائر، والمعاصي تنقص الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقص الإيمان قد ينقص كمال التوحيد، بل إن ترك الصبر مناف لكمال التوحيد الواجب. " وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة» (١) هذا فيه بيان حكمة الله - جل وعلا - التي إذا استحضرها المصاب، فإنه يعظم عنده الصبر، ويتحلى بهذه العبادة القلبية العظيمة وهي ترك التسخط، والرضا بفعل الله - جل وعلا - وقضائه؛ لأن العبد إذا أريد به الخير فإن العقوبة تعجل له في هذه الدنيا؛ لأن رفع أثر العقوبة عن العبد يكون بعشرة أشياء، منها: أن تعجل له العقوبة في الدنيا، يعني: أن يعاقب في الدنيا بمرض، أو بفقد مال، أو بمصيبة؛ لأن مخالفة أمر الله في ملكوته لا بد أن تقع لها عقوبة، إن لم يغفر الله - جل وعلا - ويتجاوز، فإذا كانت العقوبة في الدنيا فإنها أهون من أن تكون في البرزخ، أو أن تكون يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري وغيره قال ﵊: «من يرد الله به خيرا يصب منه» (٢) ؛ ولهذا كان بعض السلف يتهم نفسه إذا رأى أنه لم يصب ببلاء أو لم يمرض ونحو ذلك، وقد قال ﵊ في الحمى مثلا: «لا تسبوا الحمى فوالذي نفسي بيده

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] إنها لتنفي الذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد» (١) ففي المصائب نعم على العبد، والله - جل وعلا - له الحكمة البالغة فيما يصلح عبده المؤمن. " وقال ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٢) دل قوله: " من رضي فله الرضا " على أن الرضا عبادة؛ لأن رضا الله عن العبد إذا رضي عنه دال على أن ذلك الفعل محبوب له، وذلك دليل أنه من العبادات، وكذلك الجملة الثانية دليل على أن السخط محرم، قال: " ومن سخط فله السخط " يعني: من الله - جل وعلا -. وحقيقة السخط على الله - جل وعلا -: أن يقوم في قلبه عدم محبة ذلك الشيء، وكراهته، وعدم الرضا به، واتهام الحكمة فيه، فمن قامت به هذه الأشياء مجتمعة فقد سخط، ويظهر أثر السخط على اللسان أو على الجوارح، أو في القلب من جهة عدم الرضا بالأوامر، وعدم الرضا بالنواهي، وعدم الرضا بالشرع، فيتسخط الأمر، ويتسخط النهي، ويتسخط الشرع، فهذا كبيرة من الكبائر، ولو امتثل ذلك فإن تسخطه وعدم الرضا بذلك قلبا دليل على انتفاء كمال التوحيد في قلبه، وقد يصل بالبعض إلى انتفاء التوحيد من أصله إذا لم يرض بأصل الشرع وسخطه بقلبه واتهم الشرع أو اتهم الله - جل وعلا - في حكمه الشرعي الشرح: هذا " باب ما جاء في الرياء " يعني: من الوعيد، وأنه شرك بالله - جل وعلا -. والرياء حقيقته من الرؤية البصرية، وذلك بأن يعمل عمل العبادة لكي يرى أنه يعمل العمل الذي هو من العبادة، إما صلاة، أو تلاوة، أو ذكر، أو صدقة، أو حج، أو جهاد، أو امتثال أمر، أو اجتناب نهي، ونحو ذلك، لا لطلب ما عند الله، ولكن لأجل أن يراه الناس على ذلك، فيثنوا عليه به. هذا هو الرياء، وقد يكون الرياء في أصل الإسلام كرياء المنافقين، فالرياء على درجتين: الدرجة الأولى: رياء المنافقين، بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر لأجل رؤية الخلق، وهذا مناف للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله ﷻ ؛ ولهذا وصف الله المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] [النساء: ١٤٢] . فقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] يعني: الرياء الأكبر الذي هو إظهار أصل الإسلام وشعب الإسلام، وإبطان الكفر وشعب الكفر. والنوع الثاني من الرياء: أن يكون الرجل مسلما أو المرأة مسلمة، ولكن يرائي بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي وذلك الشرك مناف لكمال

стр. 389

[باب ما جاء في الرياء] " باب ما جاء في الرياء " وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف: ١١٠] . وعن أبي هريرة مرفوعا «قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١) . رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» رواه أحمد (٢) . فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 390

الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء. السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →