. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وكونها من شعب الكفر لا يدل على أن من قامت به فهو كافرٌ الكفر المطلق المخرج من الملة، بل يدل على أن من قامت به قامت به خصلة من خصال الكفار، وشعبة من شعب الكفر؛ ولهذا قال هنا: «اثنتان في الناس هما بهم كفر» فنكر كلمة " كفر "، والقاعدة في فهم ألفاظ الكفر التي تأتي في الكتاب والسنة: أن الكفر إذا أتى معرفا بالألف واللام فإن المراد به الكفر الأكبر، وإذا أتى منكرا - أي بدون الألف واللام - فإنه يدل على أن الخصلة تلك من شعب الكفر، ومن خصال أهل الكفر، وأن ذلك كفر أصغر كما قال ﵊: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) لأن ذلك من خصال الكفار، ونحو ذلك قوله: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٢) هذا في الكفر الأصغر.
وأما الكفر المعرف بالألف واللام فالقاعدة التي حررها الأئمة كشيخ الإسلام وغيره: أنه إذا أتى فيراد به الكفر الأكبر، كقوله ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٣) .
" ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) دل هذا الحديث على أن من فعل هذه الأفعال فهو ليس من أهل الإيمان، وقد سبق بيان أن كلمة " ليس
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
منا " تدل على أن الفعل من الكبائر؛ ولهذا فإن ترك الصبر وإظهار التسخط كبيرة من الكبائر، والمعاصي تنقص الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقص الإيمان قد ينقص كمال التوحيد، بل إن ترك الصبر مناف لكمال التوحيد الواجب.
" وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة» (١) هذا فيه بيان حكمة الله - جل وعلا - التي إذا استحضرها المصاب، فإنه يعظم عنده الصبر، ويتحلى بهذه العبادة القلبية العظيمة وهي ترك التسخط، والرضا بفعل الله - جل وعلا - وقضائه؛ لأن العبد إذا أريد به الخير فإن العقوبة تعجل له في هذه الدنيا؛ لأن رفع أثر العقوبة عن العبد يكون بعشرة أشياء، منها: أن تعجل له العقوبة في الدنيا، يعني: أن يعاقب في الدنيا بمرض، أو بفقد مال، أو بمصيبة؛ لأن مخالفة أمر الله في ملكوته لا بد أن تقع لها عقوبة، إن لم يغفر الله - جل وعلا - ويتجاوز، فإذا كانت العقوبة في الدنيا فإنها أهون من أن تكون في البرزخ، أو أن تكون يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري وغيره قال ﵊: «من يرد الله به خيرا يصب منه» (٢) ؛ ولهذا كان بعض السلف يتهم نفسه إذا رأى أنه لم يصب ببلاء أو لم يمرض ونحو ذلك، وقد قال ﵊ في الحمى مثلا: «لا تسبوا الحمى فوالذي نفسي بيده
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إنها لتنفي الذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد» (١) ففي المصائب نعم على العبد، والله - جل وعلا - له الحكمة البالغة فيما يصلح عبده المؤمن.
" وقال ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٢) دل قوله: " من رضي فله الرضا " على أن الرضا عبادة؛ لأن رضا الله عن العبد إذا رضي عنه دال على أن ذلك الفعل محبوب له، وذلك دليل أنه من العبادات، وكذلك الجملة الثانية دليل على أن السخط محرم، قال: " ومن سخط فله السخط " يعني: من الله - جل وعلا -.
وحقيقة السخط على الله - جل وعلا -: أن يقوم في قلبه عدم محبة ذلك الشيء، وكراهته، وعدم الرضا به، واتهام الحكمة فيه، فمن قامت به هذه الأشياء مجتمعة فقد سخط، ويظهر أثر السخط على اللسان أو على الجوارح، أو في القلب من جهة عدم الرضا بالأوامر، وعدم الرضا بالنواهي، وعدم الرضا بالشرع، فيتسخط الأمر، ويتسخط النهي، ويتسخط الشرع، فهذا كبيرة من الكبائر، ولو امتثل ذلك فإن تسخطه وعدم الرضا بذلك قلبا دليل على انتفاء كمال التوحيد في قلبه، وقد يصل بالبعض إلى انتفاء التوحيد من أصله إذا لم يرض بأصل الشرع وسخطه بقلبه واتهم الشرع أو اتهم الله - جل وعلا - في حكمه الشرعي
الشرح: هذا " باب ما جاء في الرياء " يعني: من الوعيد، وأنه شرك بالله - جل وعلا -.
والرياء حقيقته من الرؤية البصرية، وذلك بأن يعمل عمل العبادة لكي يرى أنه يعمل العمل الذي هو من العبادة، إما صلاة، أو تلاوة، أو ذكر، أو صدقة، أو حج، أو جهاد، أو امتثال أمر، أو اجتناب نهي، ونحو ذلك، لا لطلب ما عند الله، ولكن لأجل أن يراه الناس على ذلك، فيثنوا عليه به. هذا هو الرياء، وقد يكون الرياء في أصل الإسلام كرياء المنافقين، فالرياء على درجتين:
الدرجة الأولى: رياء المنافقين، بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر لأجل رؤية الخلق، وهذا مناف للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله ﷻ ؛ ولهذا وصف الله المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] [النساء: ١٤٢] . فقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] يعني: الرياء الأكبر الذي هو إظهار أصل الإسلام وشعب الإسلام، وإبطان الكفر وشعب الكفر.
والنوع الثاني من الرياء: أن يكون الرجل مسلما أو المرأة مسلمة، ولكن يرائي بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي وذلك الشرك مناف لكمال
стр. 389
[باب ما جاء في الرياء]
" باب ما جاء في الرياء " وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف: ١١٠] .
وعن أبي هريرة مرفوعا «قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١) . رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» رواه أحمد (٢) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 390
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التوحيد، والله - جل وعلا -. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النساء: ٤٨ و ١١٦] على قول من قال: إن قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] يدخل فيه الشرك الخفي والأصغر.
" باب ما جاء في الرياء، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكهف: ١١٠] ، قوله. ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] هذا نهي عن الإشراك، والنهي هنا عام لجميع أنواع الشرك ومنها شرك الرياء، ولهذا يستدل السلف بهذه الآية على مسائل الرياء، كما أوردها الإمام - رحمه الله تعالى - هنا؛ لأنه. قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] يعني: بما يشمل ترك المراءاة، فإن الرياء شرك، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾ [الكهف: ١١٠] هذا عموم يعم أنواع الشرك جميعا؛ لأن ﴿يُشْرِكْ﴾ [الكهف: ١١٠] نكرة جاءت في سياق النهي، فعمت أنواع الشرك.
وقوله: ﴿أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] يعم جميع الخلق بمراءاة أو بتسميع أو بغير ذلك، فدلالة الآية على الباب ظاهرة، وأن المراءاة نوع من الشرك الأصغر، وضرب من الشرك الخفي، لأننا نقول: الرياء شرك أصغر باعتبار أنه ليس بأكبر،
стр. 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولا مخرج من الملة، وتارة نقول: الرياء شرك خفي؛ لأنه ليس بظاهر وإنما هو باطن خفي في قلب العبد؛ ولهذا تجد أن كثيرين من أهل العلم يعبرون عن الشرك الأصغر بيسير الرياء، وتارة يعبرون عن الشرك الخفي بالرياء؛ ذلك لأن الشرك يختلف من حيث الإطلاق - كما سبق - من عالم إلى آخر، فتارة يقسمون الشرك إلى أكبر وأصغر، ومنهم من يقسمه إلى أكبر وأصغر وخفي، وكل له اصطلاحه، وكل الأقوال صواب.
" عن أبي هريرة مرفوعا، «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١) هذا الحديث يدل على أن الرياء مردود على صاحبه، وأن الله - جل وعلا - لا يقبل العمل الذي خالطه الرياء، والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: الرياء - إذا عرض للعبادة - له أحوال:
الحالة الأولى: أن يعرض للعبادة من أولها، فإذا عرض للعبادة من أولها فإن العبادة كلها باطلة، كأن ينشئ الصلاة لنظر فلان، فهو لم يرد أن يصلي، لكن لما رأى فلانا ينظر إليه صلى، فهذا عمله حابط، يعني أن الصلاة التي صلاها حابطة وهو مأزور على مراءاته ومرتكب الشرك الخفي، الشرك الأصغر.
والحال الثانية: أن يكون أصل العبادة لله، ولكن خلط ذلك العابد عمله رياء، كمن أطال الركوع وأكثر التسبيح وأطال القراءة والقيام لأجل من يراه، فأصل العبادة - والتي كانت لله - له، وما عدا ذلك فهو حابط؛ لأنه راءى في الزيادة على الواجب فيحبط ذلك الزائد وهو إثم عليه، لا يؤجر عليه
стр. 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولا ينتفع منه، ويؤزر على إشراكه وعلى مراءاته في العبادات البدنية. أما العبادات المالية فيختلف الحال عن ذلك.
قوله: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» : يعني بجميع أنواع المشركين وبجميع أنواع الأعمال؛ لأن (عملا) في قوله: " من عمل عملا " نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية، والأعمال المالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة، والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك، والمقصود من قوله: " من عمل عملا " أنه أنشأه " أشرك فيه معي غيري " جعله لله ولغير الله جميعا، فإن الله - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل إلا ما كان له وحده .
" وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» (١) هذا فيه بيان أن هذا النوع من الشرك هو أخوف على هذه الأمة عند النبي ﷺ من المسيح الدجال؛ ذلك أن أمر المسيح أمر ظاهر بين، والنبي ﵊ بين ما في شأنه، وبين صفته، وحذر الأمة منه، وأمرهم بأن يدعوا آخر كل صلاة، وأن يستعيذوا من شر المسيح الدجال، ومن فتنة المسيح الدجال، أما الرياء فإنه يعرض للقلب كثيرا، والشيطان يأتي إلى القلوب، وهذا الشرك يقود العبد إلى
стр. 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن يتخلى شيئا فشيئا عن مراقبة الله - جل وعلا - ويتجه إلى مراقبة المخلوقين؛ لذلك صار أخوف عند النبي ﷺ علينا من المسيح الدجال، ثم فسره بقوله: «الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل»
هذا الباب باب عظيم من أبواب هذا الكتاب ترجمه الإمام ﵀ بقوله: " باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا "
" من الشرك " يعني: من الشرك الأصغر أن يريد الإنسان بأعماله التي يعملها من الطاعات الدنيا ولا يريد بها الآخرة، وإرادة الإنسان الدنيا، يعني: ثواب الدنيا، فهو أعم من حال الرياء، فالرياء حالة واحدة من أحوال إرادة الإنسان الدنيا، فهو يصلي أو يزيد ويزين صلاته لأجل الرؤية ولأجل المدح، لكن هناك أحوال أخر لإرادة الناس بأعمالهم الدنيا، فلهذا عطف الشيخ ﵀ هذا الباب على الذي قبله ليبين أن إرادة الإنسان الدنيا تأتي في أحوال كثيرة أعم من حال الرياء بخاصة، لكن الرياء جاء فيه الحديث وخافه النبي ﵊ على أمته، فهو في وقوعه كثير والخوف منه جلل.
وهذا الباب اشتمل على الحكم بأن إرادة الإنسان بعمله الدنيا من الشرك.
وقوله: " إرادة الإنسان " يعني: أن يعمل العمل وفي إرادة، أي الذي بعثه على العمل ثواب الدنيا، فهذا من الشرك بالله ﷻ وسيأتي تفصيل أحوال ذلك.
стр. 395
[باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا]
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا " وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] [هود: ١٥ - ١٦] .
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» (١) .
فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 396
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط.
الخامسة: قوله: " تعس وانتكس "
السادسة: قوله: " وإذا شيك فلا انتقش.
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] [هود: ١٥ - ١٦] . هذه الآية من سورة هود مخصوصة بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] [الإسراء: ١٨] . فهي مخصوصة بمن شاء الله - جل وعلا -، فقوله هنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] يعني: ممن أراد الله - جل وعلا - له ذلك وممن شاءه الله، فهذا العموم الذي هنا مخصوص بآية الإسراء.
والذين يريدون الحياة الدنيا أصلا وقصدا وتحركا هم الكفار؛ ولهذا نزلت هذه الآية في الكفار، لكن لفظها يشمل كل من أراد الحياة الدنيا بعمله الصالح؛ ولهذا جمع الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالة له أحوال الناس فيما قاله السلف تفسيرا لهذه الآية، وجعل كلام السلف يتناول أربعة أنواع من الناس كلهم يدخل في هذا الوعيد:
النوع الأول ممن ركبوا هذا الشرك الأصغر وأرادوا بعملهم الحياة الدنيا: أنه يعمل العمل الصالح وهو فيه مخلص لله - جل وعلا -، ولكن يريد به ثواب الدنيا ولا يريد به ثواب الآخرة، كأن: يتعبد الله - جل وعلا - بالصلاة وهو فيها مخلص لله، أداها على طواعية واختيار وامتثال لأمر الله، لكن يريد منها
стр. 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن يصح بدنه، أو وصل رحمه وهو يريد منه أن يحصل له في الدنيا الذكر الطيب والصلة ونحو ذلك، أو عمل أعمالا من التجارة والصدقات وهو يريد بذلك تجارة لكي يكون عنده مال فيتصدق وهو يريد بذلك ثواب الدنيا.
فهذا النوع عمل العبادة امتثالا للأمر، ومخلصا فيها الله، ولكنه طامع في ثواب الدنيا، وليس له همة في الآخرة ولم يعمل هربا من النار وطمعا في الجنة، فهذا داخل في هذا النوع وداخل في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] [هود: ١٥] .
والأعمال التي يعملها العبد ويستحضر فيها ثواب الدنيا على قسمين:
القسم الأول: أن يكون العمل الذي عمله، واستحضر فيه ثواب الدنيا وأراده، ولم يرد ثواب الآخرة، لم يرغب الشرع فيه بذكر ثواب الدنيا، مثل: الصلاة والصيام ونحو ذلك من الأعمال والطاعات، فهذا لا يجوز له أن يريد به الدنيا، ولو أراد به الدنيا، فإنه مشرك ذلك الشرك.
والقسم الثاني: أعمال رتب الشارع عليها ثوابا في الدنيا، ورغب فيها بذكر ثواب لها في الدنيا، مثل: صلة الرحم، وبر الوالدين، ونحو ذلك، وقد قال ﵊: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (١) فهذا النوع إذا استحضر في عمله حين يعمل ذلك العمل،
стр. 399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
استحضر ذلك الثواب الدنيوي، وأخلص لله في العمل ولم يستحضر الثواب الأخروي، فإنه داخل في الوعيد، فهو من أنواع هذا الشرك، لكن إن استحضر الثواب الدنيوي والثواب الأخروي معا، له رغبة فيما عند الله في الآخرة ويطمع في الجنة، ويهرب من النار، واستحضر ثواب هذا العمل في الدنيا، فإنه لا بأس بذلك؛ لأن الشرع ما رغب فيه بذكر الثواب في الدنيا إلا للحض عليه، كما قال ﵊: «من قتل قتيلا فله سلبه» (١) فمن قتل حربيا في الجهاد لكي يحصل على السلب، ولكن قصده من الجهاد الرغبة فيما عند الله - جل وعلا - مخلصا فيه لوجه الله، لكن أتى هذا من زيادة الترغيب له ولم يقتصر على هذه الدنيا بل قلبه معلق أيضا بالآخرة، فهذا النوع لا بأس به ولا يدخل في النوع الأول مما ذكره السلف في هذه الآية.
النوع الثاني مما ذكره السلف مما يدخل تحت هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] [هود: ١٥] أنه يعمل العمل الصالح لأجل المال، فهو يعمل العمل لأجل ما يحصله من المال، مثل: أن يدرس ويتعلم العلم الشرعي لأجل الوظيفة فقط وليس في همه رفع الجهالة عن نفسه ومعرفة العبد بأمر ربه ونهيه والرغب في الجنة وما يقرب منها والهرب من النار وما يبعد عنها، فهذا داخل في ذلك، أو حفظ القرآن ليكون إماما في المسجد، ويكون له الرزق الذي يأتي من بيت المال، فغرضه من هذا العمل إنما هو المال، فهذا لم يعمل العمل
стр. 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
صالحا وإنما عمل العمل الذي في ظاهره أنه صالح ولكن في باطنه قد أراد به الدنيا.
النوع الثالث: أهل الرياء الذين يعملون الأعمال لأجل الرياء.
النوع الرابع: الذين يعملون الأعمال الصالحة ومعهم ناقض من نواقض الإسلام، كمن يصلي ويزكي ويتصدق ويقرأ القرآن ويتلوه، ولكن هو مشرك الشرك الأكبر، فهذا وإن قال إنه مؤمن فليس بصادق في ذلك؛ لأنه لو كان صادقا لوحد الله - جل وعلا -.
فهذه بعض الأنواع التي ذكرت في تفسير هذه الآية وكلها داخلة تحت قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥] فهؤلاء جميعا أرادوا الحياة الدنيا وزينتها ولم يكن لهم هم في رضا الله - جل وعلا - وطلب الآخرة بذلك العمل الذي عملوه.
وهنا إشكال أورده بعض أهل العلم: وهو أن الله - جل وعلا - قال في الآية التي تليها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] [هود: ١٦] ، وأن هذه في الكفار الأصليين أو فيمن قام به مكفر، أما المسلم الذي قامت به إرادة الدنيا فإنه لا يدخل في هذه الآية.
والجواب: أنه يدخل؛ لأن السلف أدخلوا أصنافا من المسلمين في هذه الآية، والوعيد بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٦] فمن كانت إرادته الحياة الدنيا فلم يتقرب إلى الله - جل وعلا - بشيء
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] [هود: ١٥] فهؤلاء أرادوا الدنيا بكل عمل، وليس معهم من الإيمان والإسلام مصحح لأصل أعمالهم، فهؤلاء مخلدون في النار، أما الذي معه أصل الإيمان وأصل الإسلام الذي يصح به عمله، فهذا قد يحبط العمل بل يحبط عمله الذي أشرك فيه وأراد به الدنيا، وما عداه لا يحبط؛ لأن معه أصل الإيمان الذي يصحح العمل الذي لم يخالطه شرك.
فهذه الآية فيها وعيد شديد، وهذا الوعيد يشمل كما ذكرنا أربعة أصناف، وكما قال أهل العلم: إن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي وإن كانت في الكفار، لكن لفظها يشمل من أراد الحياة الدنيا من غير الكفار.
" في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» . . إلخ " (١) . وجه الشاهد من ذلك: أنه دعا على عبد الدينار، وعلى عبد الدرهم، وعلى عبد الخميصة. وعبد الدينار والدرهم هو الذي يعمل العمل لأجل الدينار، ولولا الدينار لما تحركت همته في العمل، لولا هذه الخميصة لما تحركت همته في العمل، فهو إنما عمل لأجل هذا الدينار، لأجل هذه الدنيا، وما فيها من الدرهم، والجاه والمكانة ونحو ذلك، وقد سماه النبي ﵊ عابدا للدينار، فدل ذلك على أنه من الشرك؛ لأن
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
العبودية درجات، منها: عبودية الشرك الأصغر، ومنها عبودية الشرك الأكبر، فالذي يشرك بغير الله - جل وعلا - الشرك الأكبر هو عابد له، كأهل الأوثان، وعبدة الأصنام، وعبدة الصليب، وكذلك من يعمل الشرك الأصغر، ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد، لذلك يقال: عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، ومعلوم أن العبد مطيع لسيده، أينما وجهه توجه، فهذا الذي حركته همته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلا تحرك إليها بدون النظر هل يوافق أمر الله - جل وعلا - أم لا يوافق أمر الله - جل وعلا - وشرعه؟ ! .
هذا الباب والأبواب بعده في بيان مقتضيات التوحيد، ولوازم تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي وتستلزم أن يكون العبد مطيعا لله - جل وعلا - فيما أحل وما حرم، محلا للحلال محرما للحرام، لا يتحاكم إلا إليه - جل وعلا - ولا يحكم في الدين إلا شرع الله - جل وعلا.
стр. 403
[باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا من دون الله]
" باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرمه، فقد اتخذهم أربابا من دون الله " وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١) .
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك (٢) .
وعن عدي بن حاتم: «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة: ٣١] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 404
فتحلونه؟ ! " فقلت بلى، قال: " فتلك عبادتهم» (١) . رواه أحمد والترمذي وحسنه.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين. وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والعلماء وظيفتهم تبيين معاني ما أنزل الله - جل وعلا - على رسوله ﷺ وليست وظيفتهم التي أذن لهم بها في الشرع أن يحللوا ما يشاءون، أو يحرموا ما يشاءون، بل وظيفتهم الاجتهاد في فقه النصوص، وأن يبينوا ما أحل الله وما حرم - جل وعلا -، فهم أدوات ووسائل لفهم نصوص الكتاب والسنة، ولذلك كانت طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله، يطاعون فيما فيه طاعة لله - جل وعلا - ولرسوله، وما كان من الأمور الاجتهادية فيطاعون، لأنهم هم أفقه بالنصوص من غيرهم، فتكون طاعة العلماء والأمراء من جهة الطاعة التبعية لله ولرسوله، أما الطاعة الاستقلالية فليست إلا لله - جل وعلا - حتى طاعة النبي ﵊ إنما هي تبع لطاعة الله - جل وعلا - فإن الله هو الذي أذن بطاعته وهو الذي أمر بطاعة رسوله ﷺ ، وهذا معنى الشهادة له بأنه رسول الله، قال - جل وعلا - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] [النساء: ٨٠] ، وقال - جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] [النساء: ٦٤] .
فالطاعة الاستقلالية نوع من أنواع العبادة، فيجب إفراد الله - جل وعلا - بها، وغير الله - جل وعلا - إنما يطاع لأن الله - جل وعلا - أذن بطاعته، ويطاع فيما أذن الله به في طاعته، فالمخلوق لا يطاع في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن أن يطاع مخلوق في معصية الخالق - جل وعلا - وإنما يطاع فيما أطاع الله - جل وعلا - فيه على النحو الذي يأتي.
فهذا الباب عقده الشيخ ﵀ ليبين أن الطاعة من أنواع العبادة، بل إن الطاعة في التحليل وفي التحريم هي معنى اتخاذ الأرباب، كما قال الله
стр. 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة: ٣١] ، وما سيأتي من بيان حديث عدي بن حاتم ﵁.
قوله: " باب من أطاع العلماء والأمراء ": العلماء والأمراء هم أولو الأمر في قوله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] [النساء: ٥٩] قال العلماء: أولو الأمر يشمل من له الأمر في حياة الناس في دينهم - وهم العلماء - وفي دنياهم - وهم الأمراء -، وقد قال - جل وعلا -: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يكرر فعل الطاعة، قال ابن القيم وغيره: دل هذا على أن طاعة أولي الأمر ليست استقلالا وإنما يطاعون في طاعة الله ورسوله ﷺ ، فإذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة فإنهم يطاعون في ذلك؛ لأن الله أذن به، ولما في ذلك من المصالح المرعية في الشرع.
قوله: " في تحريم ما أحل الله ": يعني في تحريم الأمر الذي أحله الله، بحيث هناك حلال في الشرع فيحرمونه: أي يحرمه العالم، أو يحرمه الأمير، فيطيعه الناس، وهم يعلمون أنه حلال، لكن يطيعونه في التحريم، ومثاله: أن الله أحل أكل الخبز فيقولون: الخبز حرام عليكم دينا، فلا تأكلوه تدينا، ويحرمونه لأجل ذلك، فإن أطاعوهم كان ذلك طاعة لهم في تحريم ما أحل الله.
стр. 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " أو تحليل ما حرم الله ": يعني أحلوا ما يعلم أن الله حرمه، مثاله: حرم الله الخمر فأحله العلماء أو أحله الأمراء، فمن أطاع عالما أو أميرا في اعتقاد أن الخمر حلال، وهو يعلم أنها حرام، وأن الله حرمها، فقد اتخذه ربا من دون الله - جل وعلا -.
ففي هذا الباب حكم وشرط، فالحكم قوله في آخره: " فقد اتخذهم أربابا " وهو جزاء الشرط، والشرط قوله: " من أطاع العلماء والأمراء "، وضابط هذا الشرط ما بينهما وهو قوله: "في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه "، وهذا يستفاد منه - يعني من اللفظ - أنهم عالمون بما أحل الله، فحرموه طاعة لأولئك، عالمون بما حرم، فأحلوه طاعة لهم.
قوله في آخره: " فقد اتخذهم أربابا "؛ ذلك لأجل آية سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] وحديث عدي بن حاتم في ذلك.
والأرباب جمع الرب، والرب والإله لفظان يفترقان إذا اجتمعا، ويجتمعان إذا افترقا، لأن الرب هو: السيد الملك المتصرف في الأمر، والإله هو: المعبود، وقد سئل المصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن الفرق بينهما الإله والرب في مثل هذه السياقات في نحو قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران: ٨٠] ، وفي نحو قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ما معنى الربوبية هنا؟ قال: الربوبية هنا بمعنى الألوهية؛، بمعنى المعبود؛ لأن من أطاع على ذلك النحو فقد عبد؛ لقول النبي ﷺ لعدي حين. قال: " إنا لسنا نعبدهم " فعدي فهم من كلمة " أربابا " العبادة، وقال النبي ﷺ مقررا لذلك: " أليس يحرمون " إلخ، فهو إقرار منه ﵊ بأن معنى الربوبية هنا العبودية.
فلهذا قال الشيخ ﵀ حينما سئل: الألوهية والربوبية أو كلمة الرب والإله من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، يعني: كلفظ الفقير والمسكين، والإسلام والإيمان، ونحوهما؛ لأن الإله يطلق على المعبود، وجاء في نصوص كثيرة إطلاق الرب على المعبود كما ذكرنا في الآيات وفي الحديث، وكقوله ﵊ في مسائل القبر: ". «فيأتيه ملكان فيسألانه من ربك؟» يعني: من معبودك؛ لأن الابتلاء لم يقع في الرب الذي هو الخالق الرازق المحيي المميت.
إذا لفظ (الرب) و (الإلهية) من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت، فقد يطلق على الأرباب آلهة وعلى الآلهة أرباب، وهل هذا الإطلاق لأجل اللغة؟ يعني أن أصله في اللغة يدخل هذا في هذا وهذا في ذاك، أو أنه لأجل اللزوم والتضمن؟ الظاهر - عندي - الأخير، وهو أنه لأجل اللزوم والتضمن، فإن الربوبية مستلزمة للألوهية، والألوهية متضمنة للربوبية فإذا ذكر الإله فقد تضمن ذلك ذكر الرب، وإذا ذكر الرب استلزم ذلك ذكر الإله، ولهذا قال - جل وعلا - هنا: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران: ٨٠]
стр. 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يعني: آلهة؛ لاستلزام لفظ الربوبية للإلهية، وكذلك قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١] يعني: آلهة معبودين كما أتى تفصيله في الحديث.
" وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر " (١) هذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح وإسناده: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن طاوس، عن ابن عباس، أو نحو ذلك، وقد ذكر إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع في الفتاوى بنصه، فذكر الإسناد والمتن، وغالب الذين خرجوا كتاب التوحيد قالوا: إن هذا الأثر لا أصل له بهذا اللفظ، وهذه جراءة منهم حيث إنهم ظنوا أن كل كتب الحديث بين أيديهم، ولو تتبعوا كتب أهل العلم لوجدوا أن إسناده والحكم عليه موجود في كتبهم.
ووجه الاستشهاد ما اشتمل عليه هذا الأثر، وهو قوله: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر "؛ لأن الواجب على المسلم إذا سمع حديثا عن النبي ﷺ وعلم فقهه، أو بينه له أهل العلم ألا يترك ذلك الحديث وفقهه لقول أحد كائنا من كان، إذا كان الحديث ظاهرا في الدلالة على ذلك، وكان القول الآخر لا دليل عليه، أما إذا كانت المسألة اجتهادية في الحديث من جهة الفهم فهذا مجاله واسع، وابن عباس ﵄ يحمل كلامه هذا على أن هؤلاء الذين قالوا له
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تلك المقالة، قالوا له: قال أبو بكر وعمر، عارضوا قوله في المتعة بقول أبي بكر وعمر الذي هو مناقض لصريح قول النبي ﷺ ، ومعلوم أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يذهبان إلى أن إفراد الحج أفضل من التمتع وابن عباس كان يوجب أفضلية التمتع ويسوق الأدلة في ذلك، وقول أبي بكر وعمر أخذ به طائفة من أهل العلم كمالك وغيره، بل قال طائفة: إن إفراده الحج وسفره مرة أخرى للعمرة خير له من أن يجمع بين حج وعمرة في سفرة واحدة، كما هو اختيار شيخ الإسلام، واختيار غيره من المحققين.
والمقصود من ذلك أن كلام ابن عباس هذا ليس في المسألة الفقهية، يعني: أن المؤلف ﵀ لم يسق قول ابن عباس لخصوص مسألة التمتع والإفراد، ولكن في مسألة عموم لفظه، وهو أنه لا يعارض قول النبي ﵊ الظاهر معناه بقول أحد لا دليل له على قوله، ولو كان ذلك القائل أبا بكر وعمر ﵄، فكيف بمن دونهما من التابعين أو من الصحابة، فكيف بأئمة أهل المذاهب وأصحاب أهل المذاهب - رحمهم الله تعالى -؟؟!! واحترام العلماء وأهل المذاهب واجب، لكن أجمع أهل العلم على أن من استبانت له سنة من سنن الرسول ﷺ لم يكن له أن يتركها لقول أحد كائنا من كان.
" وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ": وسفيان هو: ابن سعيد بن مسروق الثوري أحد العلماء المعروفين، وكان له مذهب وله أتباع.
قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان " يدل على أن سفيان لم يكن له مستند على ما ذهب إليه، وهو عالم من العلماء، وأحد الزهاد الصالحين المشهورين،
стр. 411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولكن قد تخفاه السنة فيكون قد حكم برأيه أو بتقعيد عنده، لكن السنة جاءت بخلاف ذلك، فلا يسوغ أن يجعل رأي سفيان في مقابل الحديث النبوي.
" والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك": إذا رد بعض قول النبي ﵊ لقول أحد يخشى عليه أن يعاقب فيقع في قلبه زيغ، قال الله - جل وعلا - عن اليهود: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فهم زاغوا بمحض إرادتهم واختيارهم مع بيان الحجج وظهور الدلائل والبراهين، لكن لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم عقوبة منه لهم على ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أي: نوع شرك، وقد يصل ذلك إلى الشرك الأكبر بالله - جل وعلا - إذا كان في تحليل الحرام مع العلم بأنه حرام، وتحريم الحلال مع العلم بأنه حلال.
" عن عدي بن حاتم: «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] فقلت له: إنا لسنا نعبدهم» : فيه أنه فهم من قوله: ﴿أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١] أنهم المعبودون.
стр. 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" قال ﵊: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم» رواه أحمد والترمذي وحسنه (١) . هذا الحديث فيه بيان أن طاعة الأحبار والرهبان قد تصل إلى الشرك الأكبر، واتخاذ أولئك أربابا ومعبودين، والأحبار هم: العلماء. والرهبان هم: العباد.
وطاعة الأحبار في التحليل والتحريم على درجتين:
الدرجة الأولى: أن يطيع العلماء أو الأمراء في تبديل الدين، يعني: في جعل الحرام حلالا وفي جعل الحلال حراما، فيطيعهم في تبديل الدين، وهو يعلم أن الحرام قد حرمه الله، ولكن أطاعهم تعظيما لهم، فحلل ما أحلوه طاعة لهم وتعظيما وهو يعلم أنه حرام، يعني: اعتقد أنه حلال وهو حرام في نفسه، أو حرم حلالا تبعا لتحريمهم، وهو يعلم أن ما حرموه حلال ولكنه حرم تبعا لتحريمهم، هذا يكون قد أطاع العلماء أو الأمراء في تبديل أصل الدين، فهذا هو الذي اتخذهم أربابا، وهو الكفر الأكبر والشرك الأكبر بالله - جل وعلا -، وهذا هو الذي صرف عبادة الطاعة إلى غير الله؛ ولهذا قال الشيخ سليمان ﵀ في شرحه لكتاب التوحيد: " الطاعة هنا في هذا الباب المراد بها طاعة خاصة، وهي الطاعة في تحليل الحرام أو تحريم الحلال " وهذا ظاهر.
الدرجة الثانية: أن يطيع الحبر، أو يطيع الأمير، أو يطيع الرهبان، في تحريم الحلال أو في تحليل الحرام من جهة العمل، أطاع وهو يعلم أنه عاص بذلك
стр. 413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومعترف بالمعصية لكن اتبعهم عملا وقلبه لم يجعل الحلال حراما متعينا أو سائغا، ولكن أطاعهم حبا له في المعصية، أو حبا له في مجاراتهم، ولكن في داخله يعتقد أن الحلال هو الحلال، والحرام هو الحرام، فما بدل الدين، قال شيخ الإسلام ﵀: هذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب، وهاتان الدرجتان هما من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الآية، فهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب والعصيان؛ لأنه ما حرم الحلال ولا أحل الحرام، وإنما فعل الحرام من جهة العصيان، وجعل الحلال حراما من جهة العصيان، لا من جهة تبديل أصل الدين. ويريد الشيخ ﵀ بذكر الرهبان وبإيراده للآية: التنبيه على أن الطاعة في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، جاءت أيضا من جهة الرهبان العباد، وهذا موجود عند المتصوفة وأهل الغلو في التصوف، والغلاة في تعظيم رؤساء الصوفية، فإنهم أطاعوا مشايخهم والأولياء الذين زعموا أنهم أولياء، أطاعوهم في تغيير الملة، فهم يعلمون أن السنة هي كذا وكذا، وأن خلافها بدعة، ومع ذلك أطاعوهم تعظيما للشيخ، وتقديسا للولي، أو يعلمون أن هذا شرك والدلائل عليه من القرآن والسنة ظاهرة، لكن تركوه وأباحوا ذلك الشرك وأحلوه؛ لأن شيخهم ومقدمهم ورئيس طريقتهم أحله، وهذا كان في نجد كثيرا إبان ظهور الشيخ بدعوته، وهو موجود في كثير من الأمصار، وهو نوع من اتخاذ أولئك العباد أربابا من دون الله - جل وعلا، وهذا المقام أيضا فيه تفصيل على نحو الدرجتين اللتين ذكرتهما عن شيخ الإسلام ﵀.
هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة في هذا الكتاب، وذلك لأن إفراد الله - جل وعلا - بالوحدانية في ربوبيته وفي إلهيته يتضمن ويقتضي ويستلزم - جميعا - أن يفرد في الحكم، فكما أنه - جل وعلا - لا حكم إلا حكمه في ملكوته، فكذلك يجب أن يكون لا حكم إلا حكمه فيما يتخاصم فيه الناس وفي الفصل بينهم، فالله - جل وعلا - هو الحكم، وإليه الحكم سبحانه، قال - جل وعلا -: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] [غافر: ١٢] ، وقال - جل وعلا - ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] [الأنعام: ٥٧] فتوحيد الله - جل وعلا - في الطاعة وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يكون إلا بأن يكون العباد محكمين لما أنزل الله - جل وعلا - على رسوله. فترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله ﷺ بحكم الجاهلية، أو بحكم القوانين، أو بحكم سواليف البادية، أو بكل حكم مخالف لحكم الله - جل وعلا - هذا من الكفر الأكبر بالله ﷻ ومما يناقض كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
стр. 414
[باب قول الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ . . .]
باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢] [النساء: ٦٠ - ٦٢] .
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] [البقرة: ١١] ، وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] [الأعراف: ٥٦] ، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [المائدة: ٥٠] .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (١) قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 415
وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ ؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآية (١) .
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله (٢) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على معرفة فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١] الآية.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]
الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 416
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقد عقد الشيخ ﵀ هذا الباب ليبين أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن أن ذلك شرك أكبر بالله - جل وعلا -، وكفر مخرج من ملة الإسلام.
قال الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في أول رسالته " تحكيم القوانين ": إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، ليكون حكما بين العالمين، مناقضة ومحادة لما نزل من رب العالمين. انتهى كلامه بمعناه.
فلا شك أن إفراد الله بالطاعة، وإفراده بالحكم، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كل ذلك يقتضي ألا يحكم إلا بشرعه؛ فلهذا كان الحكم بالقوانين الوضعية، أو الحكم بسواليف البادية، من الكفر الأكبر بالله - جل وعلا -، لقوله تعالى - هنا في هذه الآية -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] [النساء: ٦٠] فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة جلية، وهي: أن التحاكم إلى غير شرع الله قدح في أصل التوحيد، وأن الحكم بشرع الله واجب، وأن تحكيم القوانين، أو سواليف البادية أو أمور الجاهلية، مناف لشهادة. أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله أن يطاع فيما أمر، وأن يصدق فيما أخبر، وأن يجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالحكم بين المتخاصمين لا بد أن يرجع فيه إلى حكم من خلق المتخاصمين، ومن خلق الأرض والسماوات، فالحكم الكوني القدري لله - جل وعلا - وكذلك الحكم الشرعي لله - جل وعلا - فيجب ألا يكون بين العباد إلا تحكيم أمر الله - جل وعلا - فإن ذلك هو حقيقة التوحيد في طاعة الله - جل وعلا - في مسائل التخاصم بين الخلق.
" باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] [النساء: ٦٠] ": قوله ﴿يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت، قوله: (يريدون) هذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت، فإن من تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته - وهي الطواعية والاختيار والرغبة في ذلك وعدم الكراهة -، وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبرا على ذلك، وليس له في ذلك اختيار، وهو كاره لذلك، فالأول هو الذي ينتفي عنه الإيمان، إذ لا يجتمع الإيمان بالله وبما أنزل إلى النبي ﷺ وما أنزل من قبله مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت، فالإرادة شرط؛ لأن الله - جل وعلا - جعلها في ذلك مساق الشرط، فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] و ﴿أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ [النساء: ٦٠] هذا مصدر، يعني: يريدون التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت. اسم لكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع - كما تقدم بيانه -.
стр. 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] يعني أن يكفروا بالطاغوت، وأن يكفروا بكل تحاكم إلى غير شرع الله - جل وعلا -، فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت أمر واجب، ومن إفراد التوحيد، ومن إفراد تعظيم الله - جل وعلا - في ربوبيته، فمن تحاكم إلى الطاغوت بإرادته، فقد انتفى عنه الإيمان أصلا، كما دلت عليه الآية.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] دل ذلك على أن هذا من وحي الشيطان، ومن تسويله.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] [البقرة: ١١] الإفساد في الأرض: الإشراك بالله، وبتحكيم غير شرع الله، فالأرض إصلاحها بالشريعة والتوحيد، وإفسادها بالشرك بأنواعه الذي منه الشرك في الطاعة؛ ولهذا ساق الشيخ هذه الآية تحت هذا الباب، لأجل أن يبين لك أن صلاح الأرض بالتوحيد الذي منه إفراد الله - جل وعلا - بالطاعة وأن لا يحاكم إلا إلى شرعه، وأن إفساد الأرض بالشرك، الذي منه أن يجعل حكم غير الله - جل وعلا - جائز التحاكم إليه.
وهذه الآية ظاهرة في أن من خصال المنافقين أنهم يسعون في الشرك وفي وسائله وأفراده ويقولون: إنما نحن مصلحون وفي الحقيقة أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون؛ لأنهم إذا أرادوا الشرك ورغبوا فيه وحاكموا وتحاكموا إلى غير شرع الله فإن ذلك هو الفساد والسعي فيه سعي في الإفساد.
стр. 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [المائدة: ٥٠] وحكم الجاهلية هو: أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حكما، والله - جل وعلا - هو الذي خلق العباد، وهو أعلم بما يصلحهم، وما فيه العدل في الفصل بين الناس في أقضيتهم وخصوماتهم، فمن حاكم إلى شرائع الجاهلية فقد حكم البشر، ومعنى ذلك أنه اتخذه مطاعا من دون الله، أو جعله شريكا لله - جل وعلا - في عبادة الطاعة، والواجب أن يجعل العبد حكمه وتحاكمه إلى الله - جل وعلا - دون ما سواه، وأن يعتقد أن حكم الله - جل وعلا - هو أحسن الأحكام، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] [الأنعام: ١١٤] وقال هنا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فدل على أن حكم غيره إنما هو - كما قال طائفة - زبالة أذهان ونحاتة أفكار لا تساوي شيئا عند من عقل تصرف الله - جل وعلا - في ملكه وملكوته وأن ليس ثم حكم إلا حكم الرب - جل وعلا -.
وهذه المسألة - أعني مسألة التحاكم إلى غير شرع الله - من المسائل التي يقع فيها خلط كثير، خاصة عند الشباب في هذه البلاد وفي غيرها، وهي من أسباب تفرق المسلمين؛ لأن نظر الناس فيها لم يكن واحدا، والواجب أن يتحرى طالب العلم ما دلت عليه الأدلة وما بين العلماء من معاني تلك الأدلة وما فقهوه من أصول الشرع والتوحيد وما بينوه في تلك المسائل.
стр. 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن أوجه الخلط في ذلك: أنهم جعلوا المسألة - مسألة الحكم والتحاكم - واحدة، يعني: جعلوها صورة واحدة، وهي متعددة الصور، فمن صورها: أن يكون هناك تشريع لتقنين مستقل، يضاهى به حكم الله - جل وعلا -. هذا التقنين من حيث وضعه كفر، والواضع له، والمشرع والسان لذلك، وجاعل هذا التشريع منسوبا إليه وهو الذي حكم بهذه الأحكام، هذا المشرع كافر، وكفره ظاهر؛ لأنه جعل نفسه طاغوتا، فدعا الناس إلى عبادته، عبادة الطاعة وهو راض، وهناك من يحكم بهذا التقنين - وهذه الحالة الثانية - فالمشرع حالة، ومن يحكم بذلك التشريع حالة، ومن يتحاكم إليه حالة، ومن يجعله في بلده من جهة الدول هذه حالة رابعة.
فصارت عندنا الأحوال أربعا: المشرع، ومن أطاعه في جعل الحلال حراما والحرام حلالا ومناقضة شرع الله؛ هذا كافر. ومن أطاعه في ذلك فقد اتخذه ربا من دون الله. والحاكم بذلك التشريع فيه تفصيل: فإن حكم مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك ولم يكن ذلك ديدنا له وهو يعلم أنه عاص بتحكيم بغير شرع الله، فهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب، ولا يكفر حتى يستحل؛ ولهذا تجد أن بعض أهل العلم يقول: الحاكم بغير شرع الله لا يكفر إلا إذا استحل، وهذا صحيح، ولكن لا تنزل هذه الحالة على حالة التقنين والتشريع، كما قال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، هو كفر دون كفر. . يعني: أن من حكم في مسألة أو في مسألتين بهواه بغير شرع الله وهو يعلم أنه عاص ولم يستحل، هذا كفر دون كفر.
أما الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله بتاتا ويحكم دائما ويلزم الناس بغير شرع الله، فهذا من أهل العلم من قال: يكفر مطلقا ككفر الذي سن القانون؛
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لأن الله - جل وعلا - قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] فجعل الذي يحكم بغير شرع الله مطلقا طاغوتا وقال: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]
ومن أهل العلم من. قال: حتى هذا النوع لا يكفر حتى يستحل؛ لأنه قد يعمل ذلك ويحكم وهو يعتقد في نفسه أنه عاص، فله حكم أمثاله من المدمنين على المعصية الذين لم يتوبوا منها. والقول الأول - وهو أن الذي يحكم دائما بغير شرع الله ويلزم الناس بغير شرع الله أنه كافر - هو الصحيح - عندي - وهو قول الجد الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في رسالته تحكيم القوانين "؛ لأنه لا يصدر في الواقع من قلب قد كفر بالطاغوت، بل لا يصدر إلا ممن عظم القانون، وعظم الحكم بالقانون.
الحال الثالثة: حال المتحاكمين، يعني: الذي يذهب هو وخصمه ويتحاكمون إلى قانون، فهذا فيه تفصيل - أيضا -، وهو: إن كان يريد التحاكم إلى الطاغوت، وله رغبة في ذلك، ويرى أن الحكم بذلك سائغ ولا يكرهه، فهذا كافر أيضا: لأنه داخل في هذا الآية، ولا تجتمع - كما قال العلماء - إرادة التحاكم إلى الطاغوت مع الإيمان بالله، بل هذا ينفي هذا، والله - جل وعلا - قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠]
وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاض يحكم بالقانون، أو أنه علم أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاض قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك، فهذا الأصح أيضا - عندي - أنه جائز.
وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله - جل وعلا - وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] [النور: ٤٩] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله - جل وعلا - له مشروعا، فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع، فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعا.
الحال الرابعة: حال الدولة التي تحكم بغير الشرع، تحكم بالقانون، فالدول التي تحكم بالقانون - أيضا - فقد فصل الشيخ محمد بن إبراهيم الكلام في هذه المسألة في فتاويه، وخلاصة قوله: أن الكفر بالقانون فرض، وأن تحكيم القانون في الدول إن كان خفيا نادرا فالأرض أرض إسلام، يعني: أن الدولة دولة إسلام، فيكون له حكم أمثاله من الشركيات التي تكون في الأرض، قال: وإن كان ظاهرا فاشيا، فالدار. دار كفر، يعني: الدولة دولة كفر، فيصبح الحكم على الدولة راجع إلى هذا التفصيل:
إن كان تحكيم القانون قليلا وخفيا، فهذه لها حكم أمثالها من الدول الظالمة، أو التي لها ذنوب وعصيان ووجود بعض الشركيات في دولتها. وإن كان ظاهرا فاشيا - والظهور يضاده الخفاء، والفشو يضاده القلة - قال: فالدار
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دار كفر، وهذا التفصيل هو الصحيح؛ لأننا نعلم أنه صار في دول الإسلام تشريعات غير موافقة لشرع الله - جل وعلا - والعلماء في الأزمنة الأولى ما حكموا على الدار بأنها دار كفر ولا على تلك الدول بأنها دول كفرية إلا لأن الشرك له أثر في الدار، وإذا قلنا: الدار فنعني الدولة، فمتى كان التحاكم إلى الطاغوت ظاهرا فاشيا فالدولة دولة كفر، ومتى كان قليلا خفيا أو كان قليلا ظاهرا وينكر، فالأرض أرض إسلام، والدار دار إسلام، والدولة دولة إسلام.
فهذا التفصيل يتضح به هذا المقام وبه تجمع بين كلام العلماء ولا تجد مضادة بين قول عالم وعالم ولا تشتبه المسألة - إن شاء الله تعالى -.
هذا الباب ترجم له إمام هذه الدعوة بقوله: " باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " يعني: وما يلحقه من الذم، وأن جحد شيء من الأسماء والصفات مناف لأصل التوحيد ومن خصال الكفار والمشركين.
وقد ذكرنا فيما سبق أن توحيد الإلهية عليه براهين، ومن براهينه توحيد المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فمن أدلة توحيد الإلهية توحيد الربوبية كما سبق في " باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] [الأعراف: ١٩١] "، وكذلك توحيد الأسماء والصفات برهان على توحيد الإلهية، ومن حصل عنده ضلال في توحيد الأسماء والصفات فإن ذلك سيتبعه ضلال في توحيد الإلهية؛؛ ولهذا تجد المبتدعة الذين ألحدوا في أسماء الله وفي صفاته من هذه الأمة: من الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والأشاعرة، والماتريدية، ونحو هؤلاء، تجد أنهم لما انحرفوا في باب توحيد الأسماء والصفات لم يعلموا حقيقة معنى توحيد الإلهية ففسروا (الإله) بغير معناه وفسروا: (لا إله إلا الله) بغير معناها الذي
стр. 425
[باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات]
" باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] [الرعد: ٣٠] .
وفي صحيح البخاري قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! " (١) .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: " أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء، يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ " (٢) . انتهى.
ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] (٣) .
فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .