. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن أوجه الخلط في ذلك: أنهم جعلوا المسألة - مسألة الحكم والتحاكم - واحدة، يعني: جعلوها صورة واحدة، وهي متعددة الصور، فمن صورها: أن يكون هناك تشريع لتقنين مستقل، يضاهى به حكم الله - جل وعلا -. هذا التقنين من حيث وضعه كفر، والواضع له، والمشرع والسان لذلك، وجاعل هذا التشريع منسوبا إليه وهو الذي حكم بهذه الأحكام، هذا المشرع كافر، وكفره ظاهر؛ لأنه جعل نفسه طاغوتا، فدعا الناس إلى عبادته، عبادة الطاعة وهو راض، وهناك من يحكم بهذا التقنين - وهذه الحالة الثانية - فالمشرع حالة، ومن يحكم بذلك التشريع حالة، ومن يتحاكم إليه حالة، ومن يجعله في بلده من جهة الدول هذه حالة رابعة.
فصارت عندنا الأحوال أربعا: المشرع، ومن أطاعه في جعل الحلال حراما والحرام حلالا ومناقضة شرع الله؛ هذا كافر. ومن أطاعه في ذلك فقد اتخذه ربا من دون الله. والحاكم بذلك التشريع فيه تفصيل: فإن حكم مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك ولم يكن ذلك ديدنا له وهو يعلم أنه عاص بتحكيم بغير شرع الله، فهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب، ولا يكفر حتى يستحل؛ ولهذا تجد أن بعض أهل العلم يقول: الحاكم بغير شرع الله لا يكفر إلا إذا استحل، وهذا صحيح، ولكن لا تنزل هذه الحالة على حالة التقنين والتشريع، كما قال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، هو كفر دون كفر. . يعني: أن من حكم في مسألة أو في مسألتين بهواه بغير شرع الله وهو يعلم أنه عاص ولم يستحل، هذا كفر دون كفر.
أما الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله بتاتا ويحكم دائما ويلزم الناس بغير شرع الله، فهذا من أهل العلم من قال: يكفر مطلقا ككفر الذي سن القانون؛
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لأن الله - جل وعلا - قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] فجعل الذي يحكم بغير شرع الله مطلقا طاغوتا وقال: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]
ومن أهل العلم من. قال: حتى هذا النوع لا يكفر حتى يستحل؛ لأنه قد يعمل ذلك ويحكم وهو يعتقد في نفسه أنه عاص، فله حكم أمثاله من المدمنين على المعصية الذين لم يتوبوا منها. والقول الأول - وهو أن الذي يحكم دائما بغير شرع الله ويلزم الناس بغير شرع الله أنه كافر - هو الصحيح - عندي - وهو قول الجد الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في رسالته تحكيم القوانين "؛ لأنه لا يصدر في الواقع من قلب قد كفر بالطاغوت، بل لا يصدر إلا ممن عظم القانون، وعظم الحكم بالقانون.
الحال الثالثة: حال المتحاكمين، يعني: الذي يذهب هو وخصمه ويتحاكمون إلى قانون، فهذا فيه تفصيل - أيضا -، وهو: إن كان يريد التحاكم إلى الطاغوت، وله رغبة في ذلك، ويرى أن الحكم بذلك سائغ ولا يكرهه، فهذا كافر أيضا: لأنه داخل في هذا الآية، ولا تجتمع - كما قال العلماء - إرادة التحاكم إلى الطاغوت مع الإيمان بالله، بل هذا ينفي هذا، والله - جل وعلا - قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠]
وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاض يحكم بالقانون، أو أنه علم أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاض قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك، فهذا الأصح أيضا - عندي - أنه جائز.
وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله - جل وعلا - وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] [النور: ٤٩] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله - جل وعلا - له مشروعا، فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع، فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعا.
الحال الرابعة: حال الدولة التي تحكم بغير الشرع، تحكم بالقانون، فالدول التي تحكم بالقانون - أيضا - فقد فصل الشيخ محمد بن إبراهيم الكلام في هذه المسألة في فتاويه، وخلاصة قوله: أن الكفر بالقانون فرض، وأن تحكيم القانون في الدول إن كان خفيا نادرا فالأرض أرض إسلام، يعني: أن الدولة دولة إسلام، فيكون له حكم أمثاله من الشركيات التي تكون في الأرض، قال: وإن كان ظاهرا فاشيا، فالدار. دار كفر، يعني: الدولة دولة كفر، فيصبح الحكم على الدولة راجع إلى هذا التفصيل:
إن كان تحكيم القانون قليلا وخفيا، فهذه لها حكم أمثالها من الدول الظالمة، أو التي لها ذنوب وعصيان ووجود بعض الشركيات في دولتها. وإن كان ظاهرا فاشيا - والظهور يضاده الخفاء، والفشو يضاده القلة - قال: فالدار
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دار كفر، وهذا التفصيل هو الصحيح؛ لأننا نعلم أنه صار في دول الإسلام تشريعات غير موافقة لشرع الله - جل وعلا - والعلماء في الأزمنة الأولى ما حكموا على الدار بأنها دار كفر ولا على تلك الدول بأنها دول كفرية إلا لأن الشرك له أثر في الدار، وإذا قلنا: الدار فنعني الدولة، فمتى كان التحاكم إلى الطاغوت ظاهرا فاشيا فالدولة دولة كفر، ومتى كان قليلا خفيا أو كان قليلا ظاهرا وينكر، فالأرض أرض إسلام، والدار دار إسلام، والدولة دولة إسلام.
فهذا التفصيل يتضح به هذا المقام وبه تجمع بين كلام العلماء ولا تجد مضادة بين قول عالم وعالم ولا تشتبه المسألة - إن شاء الله تعالى -.
هذا الباب ترجم له إمام هذه الدعوة بقوله: " باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " يعني: وما يلحقه من الذم، وأن جحد شيء من الأسماء والصفات مناف لأصل التوحيد ومن خصال الكفار والمشركين.
وقد ذكرنا فيما سبق أن توحيد الإلهية عليه براهين، ومن براهينه توحيد المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فمن أدلة توحيد الإلهية توحيد الربوبية كما سبق في " باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] [الأعراف: ١٩١] "، وكذلك توحيد الأسماء والصفات برهان على توحيد الإلهية، ومن حصل عنده ضلال في توحيد الأسماء والصفات فإن ذلك سيتبعه ضلال في توحيد الإلهية؛؛ ولهذا تجد المبتدعة الذين ألحدوا في أسماء الله وفي صفاته من هذه الأمة: من الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والأشاعرة، والماتريدية، ونحو هؤلاء، تجد أنهم لما انحرفوا في باب توحيد الأسماء والصفات لم يعلموا حقيقة معنى توحيد الإلهية ففسروا (الإله) بغير معناه وفسروا: (لا إله إلا الله) بغير معناها الذي
стр. 425
[باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات]
" باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] [الرعد: ٣٠] .
وفي صحيح البخاري قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! " (١) .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: " أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء، يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ " (٢) . انتهى.
ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] (٣) .
فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 426
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دلت عليه اللغة ودل عليه الشرع، وكذلك لم يعلموا متعلقات الأسماء والصفات وآثارها في ملك الله - جل وعلا - وسلطانه؛ لهذا عقد الشيخ ﵀ هذا الباب لأجل أن يبين أن تعظيم الأسماء والصفات من كمال التوحيد وأن جحد الأسماء والصفات مناف لأصل التوحيد، فالذي يجحد اسما سمى الله به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ وثبت ذلك عنه وتيقنه فإنه يكون كافرا بالله - جل وعلا - كما قال سبحانه عن المشركين: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] [الرعد: ٣٠] .
والواجب على العباد من أهل هذه الملة، أن يوحدوا الله - جل وعلا - في أسمائه وصفاته، ومعنى توحيد الله في أسمائه وصفاته: أن يتيقن ويؤمن بأن الله - جل وعلا - ليس له مثيل في أسمائه ولا في صفاته كما قال ـ جل وعلا ـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١] فنفى وأثبت، نفى أن يماثل الله شيء - جل وعلا - وأثبت له صفتي السمع والبصر.
قال العلماء: قدم النفي قبل الإثبات على القاعدة العربية المعروفة أن التخلية تسبق التحلية، فيجب أن يخلو القلب من كل براثن التمثيل ومن كل ما كان يعتقده المشركون الجاهلون من تشبيه الله بخلقه، أو تشبيه خلق الله به، فإذا خلا القلب من كل ذلك، وبرئ من التشبيه والتمثيل، أثبت ما يستحقه الله - جلا وعلا - من الصفات، فأثبت هنا صفتين وهما السمع والبصر.
وسبب ذكر السمع والبصر هنا في مقام الإثبات دون غيرهما من الصفات، أو دون ذكر غير اسم السميع والبصير من الأسماء؛ لأن صفتي السمع
стр. 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والبصر مشتركة بين أكثر المخلوقات الحية، فجل المخلوقات الحية التي حياتها بالروح والنفس لا بالنماء فإن السمع والبصر موجود فيها جميعا، فالإنسان له سمع وبصر وسائر أصناف الحيوانات لها سمع وبصر، فالذباب له سمع وبصر يناسبه، والبعير له سمع وبصر يناسبه، وكذلك الطيور، والأسماك، والدواب الصغيرة، والحشرات كل له سمع وبصر يناسبه.
ومن المتقرر عند كل عاقل أن سمع هذه الحيوانات ليس متماثلا، وأن بصرها ليس متماثلا وأن سمع الحيوان ليس مماثلا لسمع الإنسان، فسمع الإنسان ربما كان أبلغ وأعظم من سمع كثير من الحيوانات وكذلك البصر، فإذا كان كذلك كان اشتراك المخلوقات التي لها سمع وبصر في السمع والبصر اشتراكا في أصل المعنى، ولكل سمع وبصر بما قدر له وما يناسب ذاته، فإذا كان كذلك ولم يكن وجود السمع والبصر في الحيوان وفي الإنسان مقتضيا لتشبيه الحيوان بالإنسان، فكذلك إثبات السمع والبصر للملك الحي القيوم ليس على وجه المماثلة للسمع والبصر في الإنسان أو في المخلوقات، فلله - جل وعلا - سمع وبصر يليق به، كما أن للمخلوق سمعا وبصرا يليق بذاته الحقيرة الوضيعة، فسمع الله كامل مطلق من جميع الوجوه لا يعتريه نقص وبصره كذلك.
واسم الله (السميع) هو الذي استغرق كل الكمال في صفة السمع، وكذلك اسم الله (البصير) هو الذي استغرق كل الكمال في صفة البصر، فدل ذلك على أن النفي مقدم على الإثبات، وأن النفي يكون مجملا والإثبات يكون مفصلا، فالواجب على العباد أن يعلموا أن الله - جل
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جلاله - متصف بالأسماء الحسنى وبالصفات العلى وأن لا يجحدوا شيئا من أسمائه وصفاته، فمن جحد شيئا من أسماء الله وصفاته فهو كافر؛ لأن ذلك صنيع الكفار والمشركين.
والإيمان بالأسماء والصفات يقوي اليقين بالله، وهو سبب لمعرفة الله، والعلم به، بل إن العلم بالله ومعرفة الله - جل وعلا - تكون بمعرفة أسمائه وصفاته، وبمعرفة آثار الأسماء والصفات في ملكوت الله - جل وعلا -، وهذا باب عظيم ربما يأتي له زيادة إيضاح عند " باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] [الأعراف: ١٨٠] .
فتلخص من هذا أن لقوله: " باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " صلة وطيدة بكتاب التوحيد من جهتين:
الجهة الأولى: أن من براهين توحيد العبادة توحيد الأسماء والصفات.
الثانية: أن جحد شيء من الأسماء والصفات شرك وكفر مخرج من الملة، وأن من ثبت عنده الاسم، أو ثبتت الصفة، وعلم أن الله - جل وعلا - أثبتها لنفسه، وأثبتها له سوله ﷺ ثم جحدها ونفاها أصلا، فإن هذا كفر؛ لأنه تكذيب بالكتاب وبالسنة.
" وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] [الرعد: ٣٠] . الآية "، الرحمن: من أسماء الله - جل وعلا - والمشركون والكفار في مكة كانوا يقولون: لا نعلم الرحمن إلا رحمن اليمامة، فكفروا باسم الله (الرحمن) ،
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا كفر بنفسه؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] يعني: باسم الله (الرحمن) ، وهذا اسم من أسماء الله الحسنى، وهو مشتمل على صفة الرحمة؛ لأن (الرحمن) فيه صفة الرحمة ومبني على وجه المبالغة، فالرحمن أبلغ في اشتماله على صفة الرحمة من اسم (الرحيم) ؛ ولهذا لم يتسم به على الحقيقة إلا الله - جل وعلا - فهو من أسماء الله العظيمة التي لا يشركه فيها أحد، أما (الرحيم) فقد أطلق الله - جلا وعلا - على بعض عباده بأنهم رحماء، وأن نبيه ﷺ ، رحيم كما قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] [التوبة: ١٢٨.] .
والاسم والصفة بينهما ارتباط من جهة أن كل اسم لله - جل وعلا - مشتمل على صفة، فأسماء الله ليست جامدة، بل كل اسم من أسماء الله مشتمل على صفة، فالاسم من أسماء الله يدل على مجموع شيئين بالمطابقة. وهما: الذات، والصفة التي اشتمل عليها الاسم، ويدل على أحدهما - الذات أو الصفة - بالتضمن؛ ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة من صفات الله ودال بالمطابقة على كل من الذات والصفة، أي الذات المتصفة بالصفة حتى لفظ الجلالة (الله) الذي هو علم على المعبود بحق - جل وعلا - مشتق، على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن أصله (الإله) حذفت همزته تخفيفا لكثرة دعائه وندائه بذلك في أصل العربية، فهو مأخوذ من (الإلهة) وهي العبادة، فلفظ الجلالة (الله) ليس اسما جامدا، بل هو مشتق من ذلك.
وجميع الصفات التي تتضمنها الأسماء كلها دالة على كمال الله - جل وعلا - وعلى عظمته، فالعبد المؤمن إذا أراد أن يكمل توحيده فليعظم العناية
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالأسماء والصفات؛ لأن معرفة الاسم والصفة يجعل العبد يراقب الله - جل وعلا - وتؤثر هذه الأسماء والصفات في توحيده وقلبه وعلمه بالله ومعرفته، كما سيأتي في تقاسيم الأسماء والصفات.
" وفي صحيح البخاري قال علي ﵁: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " (١) هذا فيه دليل على أن بعض العلم لا يصلح لكل أحد؛ فإن من العلم ما هو خاص، ولو كان نافعا في نفسه ومن أمور التوحيد، لكن ربما لا يعرفه كثير من الناس، وهذا من مثل بعض أفراد توحيد الأسماء والصفات كبعض مباحث الأسماء والصفات، وذكر بعض الصفات لله - جل وعلا - فإنها لا تناسب كل أحد حتى إن بعض المتجهين إلى العلم قد لا تطرح عليه بعض المسائل الدقيقة في الأسماء والصفات، ولكن يؤمرون بالإيمان بذلك إجمالا، والإيمان بالمعروف والمعلوم المشتهر في الكتاب والسنة، أما دقائق البحث في الأسماء والصفات فإنما هي للخاصة، ولا تناسب العامة والمبتدئين في طلب العلم؛ لأن منها ما يشكل، ومنها ما قد يؤول بقائله إلى أن يكذب الله ورسوله، كما قال هنا علي ﵁: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! "
فمناسبة هذا الأثر لهذا الباب: أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات؛ لأن عامة الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب إلا إذا كان المخاطب يعقل ذلك ويعيه، وليس أكثر الناس كذلك؛ ولهذا نهى الإمام مالك ﵀ لما حدث عنده بحديث الصورة نهى المتحدث بذلك؛ لأن العامة لا يحسنون فهم مثل هذه المباحث، وهكذا في بعض المسائل في الأسماء والصفات لا تناسب العامة، فقد يكون سبب الجحد تحديث الرجل ببحث لا يعقله، فيؤول به ذلك إلى أن يجحد شيئا من العلم بالله - جل وعلا -، أو يجحد شيئا من الأسماء والصفات.
فالواجب على المسلم وبخاصة طالب العلم أن لا يجعل الناس يكذبون شيئا مما قاله الله - جل وعلا - أو أخبر به رسوله ﷺ ، ووسيلة ذلك التكذيب أن يحدث الناس بما لا يعرفون، وبما لا تبلغه عقولهم، كما جاء في الحديث الآخر: " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " (١) وقد بوب على ذلك البخاري في الصحيح في كتاب العلم بقوله: " باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه "، وهذا من الأمر المهم الذي ينبغي للمعلم والمتحدث والواعظ والخطيب أن يعيه، وأن يحدث الناس بما يعرفون وأن يجعل تقوية التوحيد وإكمال توحيدهم والزيادة في إيمانهم بما يعرفون لا بما ينكرون.
" وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن
стр. 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء؟!! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ " (١) هذا الرجل لما لم يعرف هذه الصفة انتفض؛ لأنه فهم من هذه الصفة المماثلة أو التشبيه، فخاف من تلك الصفة، والواجب على المسلم أنه إذا سمع صفة من صفات الله في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ أن يجريها مجرى جميع الصفات، وهو أن إثبات الصفات لله - جل وعلا - إثبات بلا تكييف، وبلا تمثيل، فإثباتنا للصفات على وجه تنزيه الله - جل وعلا - عن المثيل والنظير في صفاته وأسمائه، فله من كل اسم وصفة أعلى وأعظم ما يشتمل عليه من المعنى؛ ولهذا قال ابن عباس هنا: " ما فرق هؤلاء؟ " يعني: ما سبب خوف هؤلاء؟ لماذا فرقوا؟ خافوا من هذه الصفة ومن إثباتها.
قوله: " يجدون رقة عند محكمه " يعني: إذا خوطبوا بالمحكم الذي يعرفون، وجدوا في قلوبهم رقة لذلك، والمحكم: هو ما يعلم، أي الذي يعلمه سامعه هذا هو المحكم.
قوله: " ويهلكون عند متشابهه " فإذا سمعوا في الكتاب أو السنة شيئا لا تعقله عقولهم هلكوا عنده، وخافوا، وفرقوا، وأولوا، ونفوا أو جحدوا، وهذا من أسباب الضلال.
والمتشابه: الذي يشتبه علمه على سامعه.
والقرآن والعلم والشريعة كلها محكمة، وكلها متشابهة، ومنها محكم، ومنها متشابه، فهذه ثلاثة أقسام:
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالأول: المحكم كما قال - جل وعلا -: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ١ - ٢] [هود: ١-٢] فالقرآن كله محكم، بمعنى: أن معناه واضح، وأن الله - جل وعلا - أحكمه، فلا اختلاف فيه ولا تباين، وإنما يصدق بعضه بعضا كما قال - جل وعلا -: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] [النساء: ٨٢] .
والقرآن والشريعة أيضا متشابهة كلها، بمعنى: أن بعضها يشبه بعضا، فهذا الحكم يشبه غيره، وهذه المسألة تشبه تلك؛ لأنها تجري معها في قاعدة واحدة، فنصوص الشريعة يصدق بعضها بعضا ويؤول بعضها إلى بعض وقد قال - جل وعلا -: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] [الزمر: ٢٣] فقال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] فالقرآن متشابه، يعني: أن بعضه يشبه بعضا، فهذا خبر في الجنة، وهذا خبر في الجنة، وبعض الأخبار يفصل بعضا، وهذه قصة وهذه قصة، وكل تصدق الأخرى وتزيدها تفصيلا، وهكذا كل ما في القرآن.
والقرآن أيضا والشريعة والعلم منه محكم ومنه متشابه باعتبار آخر، كما جاء في آية آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] [آل عمران: ٧] ، فمنه محكم:
стр. 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهو الذي اتضح لك علمه، ومنه متشابه: وهو الذي اشتبه عليك علمه. وبهذا نعلم أنه ليس عند أهل السنة والجماعة - أتباع السلف الصالح - شيء من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه أحد، بمعنى أنه لا توجد مسألة من مسائل التوحيد، أو من مسائل العمل يشتبه علمها على كل الأمة هذا لا يوجد، بل ربما اشتبه على بعض الناس وبعضهم يعلم المعنى كما قال - جل وعلا -: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] [آل عمران: ٧] على أحد وجهي الوقف، فهذا المتشابه الموجود الذي هو قسيم للمحكم قد يشتبه على بعض الناس، فإذا اشتبه عليك علم شيء من التوحيد أو من الشريعة فإن الواجب ألا تفرق عنده وألا تخاف وألا تتهم الشرع وإلا وقع في قلبك شيء من الزيغ؛ لأن الذين يتبعون المتشابه بمعنى: لا يؤمنون به، فإن هؤلاء هم الذين في قلوبهم زيغ، وهذا هو الذي عناه ابن عباس ﵄ حين قال: " يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه " يريد به هذا الوجه من أن الذين يهلكون عند المتشابه هم أهل الزيغ الذين قال الله - جل وعلا - فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] [آل عمران: ٧] .
فأهل الزيغ يتبعون المتشابه ابتغاء أحد أمرين: إما أن يبتغوا بالمتشابه الفتنة، وإما أن يبتغوا به التأويل، والواجب أن يرد المتشابه إلى المحكم، فنعلم أن الشريعة يصدق بعضها بعضا، وأن التوحيد بعضه يدل على بعض، وكالقاعدة المعروفة في الصفات التي ذكرها عدد من
стр. 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأئمة كالخطابي وشيخ الإسلام في التدمرية: " أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض " و " أن القول في الصفات كالقول في الذات يحتذى فيه حذوه وينهج على منواله " " ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] [الرعد: ٣٠] " (١) فإنكار الصفة أو إنكار الاسم بمعنى عدم التصديق بذلك هذا جحد، وهذا يختلف عن التأويل، فالتأويل والإلحاد له مراتب يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
هذا الباب من الأبواب العظيمة في هذا الكتاب وبخاصة في هذا الزمن، لشدة الحاجة إليه، وترجمه المصنف - رفع الله مقامه في الجنة - بقوله: " باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] فوصف الكفار في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، وصفهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وإنكار النعمة أن تنسب إلى غير الله، وأن يجعل المتفضل بالنعمة غير الذي أسداها وهو الله ﷻ .
فالواجب على العبد أن يعلم أن كل النعم من الله - جل وعلا - وأن كمال التوحيد لا يكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله - جل وعلا - وأن إضافة النعم إلى غير الله نقص في كمال التوحيد، ونوع شرك بالله جل وعلا؛ ولهذا تكون مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن ثمة ألفاظا يستعملها كثير من الناس في مقابلة النعم أو في مقابلة اندفاع النقم وتكون تلك الألفاظ نوع شرك بالله - جل وعلا - بل هي شرك أصغر بالله - جل وعلا - فنبه الشيخ ﵀ بهذا الباب على ما ينافي كمال التوحيد من الألفاظ، وأن نسبة النعم إلى الله - جل وعلا - واجبة.
قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أن لفظ (المعرفة) يستعمل في القرآن وفي السنة غالبا فيما يذم من أخذ المعلومات كقوله - جل وعلا -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] [البقرة: ١٤٦] ، وكقوله في هذه
стр. 437
[باب قول الله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون]
" باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] . قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه «وإن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. .» الحديث، وقد تقدم -: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير.
فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الآية: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] . وهذا على جهة الأكثرية، وإلا فقد وردت المعرفة بمعنى العلم كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يعرفوا الله، فإن هم عرفوا الله. .» (١) فهذا يدل على أن بعض من روى الحديث من التابعين جعل المعرفة بمعنى العلم، وهم حجة في هذا المقام فيدل على أن استعمال المعرفة بمعنى العلم لا بأس به.
وهذا الباب معقود لألفاظ يكون استعمالها من الشرك الأصغر، ذلك أن فيها إضافة النعمة إلى غير الله، والله - جل وعلا - قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] [النحل: ٥٣] وهذا نص صريح في العموم؛ لأن مجيء النكرة في سياق النفي يدل على العموم ظهورا، فإن سبقت النكرة بـ (من) دلت على العموم نصا، والتنصيص في العموم معناه أنه لا يخرج شيء من أفراده، فدلت الآية على أنه لا يخرج شيء من النعم أيا كان ذلك الشيء، صغيرا كان أو كبيرا، عظيما أو حقيرا، لا يكون إلا من الله جل وعلا، فكل النعم صغرت أو عظمت هي من الله ﷻ وحده، وأما العباد فإنما هم أسباب تأتي النعم على أيديهم، وأسباب في إيصال النعمة إليك، فمن كان سببا في معالجتك، أو سببا في تعيينك، أو سببا في نجاحك، أو نحو ذلك لا يدل على أنه هو ولي النعمة، أو هو الذي أنعم، فإن ولي النعمة هو الرب
стр. 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جل وعلا، وهذا من كمال التوحيد فإن القلب الموحد يعلم أنه ما ثم شيء في هذا الملكوت إلا والله - جل وعلا - هو الذي يرسله، وهو الذي يمسك ما يشاء كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] [فاطر: ٢] فكل النعم من الله - جل وعلا - والعباد أسباب في ذلك، فالواجب إذا أن تنسب النعمة إلى المسدي لا إلى السبب؛ لأن السبب لو أراد الله - جل وعلا - لأبطل كونه سببا، وهذا السبب إذا كان آدميا فقلبه بين إصبعين من أصابع الله - جل وعلا - لو شاء لصده عن أن يكون سببا، أو أن ينفعك بشيء، فالله - جل وعلا - هو ولي النعمة، قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: ما من أحد تعلق بمخلوق إلا وخذل، وما من أحد تعلق بمخلوق في حصول نفع له أو اندفاع مكروه عنه إلا خذل، وهذا في غالب المسلمين؛ وذلك لأن الواجب على المسلم أن يعلق قلبه بالله، وأن يعلم أن النعم إنما هي من عند الله، والعباد أسباب يسخرهم الله ﷻ وهذا هو حقيقة التوحيد ومعرفة تصرف الله - جل وعلا - في ملكوته.
" قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي " (١) يعني أن قول الرجل " مالي ورثته عن آبائي " مناف لكمال التوحيد ونوع شرك؛ لأنه نسب هذا المال إليه ونسبه إلى آبائه، وفي الواقع أن هذا المال أنعم الله به على آبائه ثم أنعم الله به على هذا المؤمن؛ إذ جعل الله
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا - قسمة الميراث تصل إليه، وهذا كله من فضل الله - جل وعلا - ومن نعمته، والوالد سبب في إيصال المال إليك، ولهذا لا يجوز للوالد أو لصاحب المال أن يقسم الميراث على ما يريد هو؛ لأن المال في الحقيقة ليس مالا له كما قال - جل وعلا -: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] [النور: ٣٣] ، فهو مال الله - جل وعلا - يقسمه كيف يشاء «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم» (١) فالواجب على العبد أن يعلم أن ما وصله من المال، أو وصله من النعمة عن طريق آبائه هو من فضل الله - جل وعلا - ونعمته، والده أو والدته أو قريبه سبب من الأسباب، فيحمد الله - جل وعلا - على هذه النعمة، ويقابل ذلك السبب بجزائه إما بدعاء وإما بغيره.
" وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا " (٢) كقول القائل: لولا الطيار لذهبنا في هلكة، ولولا أن سائق السيارة كان ماهرا لذهبنا في كذا وكذا، أو يقول: لولا أن الشيخ كان معلما وأفهمنا هذه المسألة لما فهمناها أبدا، أو يقول: لولا المدير الفلاني لفصلت، ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها تعليق حصول الأمر بهذه الواسطة. والأمر إنما حصل بقضاء الله وبقدره، وبفضل الله وبنعمته من حصول النعم، أو اندفاع المكروه والنقم؛ ولهذا يجب على العبد أن يوحد فيقول: لولا الله ثم فلان، فيجعل
стр. 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
مرتبة السبب ثانية ولا يجعلها هي الأولى الوحيدة؛ لأن الله - جل وعلا - هو المسدي للنعم المفضل بها.
قوله: " لولا فلان لم يكن كذا " إنما قال هنا: " فلان " من جهة كثرة الاستعمال، أما في الواقع فإن الناس يستعملونها فيما يتعلقون به من جمادات، كبيت، أو سيارة، أو طيارة، أو بقعة، أو مطر، أو ماء، أو سحاب، أو هواء، ونحو ذلك، فنسبة النعمة إلى إنسان، أو إلى بقعة، أو إلى فعل فاعل، أو إلى صنعة، أو إلى مخلوق، كل ذلك من نسبة النعم إلى غير الله، وهو نوع من أنواع الشرك في اللفظ وهو من الشرك الأصغر بالله - جل وعلا - كما سيأتي في الباب بعده إن شاء الله.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا " يعني: إذا حصلت لهم نعمة، أو جاءتهم أمطار، أو مال، أو نجحوا في تجارتهم، إذا حصل لهم ذلك توجهوا للأولياء، أو توجهوا للأنبياء، أو توجهوا للأصنام، أو للأوثان، فصرفوا لها شيئا من العبادة فقالوا: الآلهة شفعت لنا فلذلك جاءنا هذا الخير، فيتذكرون آلهتهم وينسون أن المتفضل بذلك هو الله - جل وعلا - وأن الله سبحانه لا يقبل شفاعة شركية من تلك الشفاعات التي يذكرونها.
" وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: «وإن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. . .» الحديث، وقد تقدم: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ألسنة كثير: وهذا باب ينبغي الاهتمام به وتنبيه الناس عليه؛ لأن نعم الله على أهل الإيمان في كل مكان كثيرة لا حصر لها؛ ولهذا يجب أن تنسب النعم إلى الله - جل وعلا - وأن يذكر بها وأن يشكر؛ لأن من درجات شكر النعمة أن تضاف إلى من أسداها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] [الضحى: ١١] ، فأول درجات الشكر التحديث بالنعمة كأن تقول: هذا من فضل الله، وهذه نعمة الله، فإذا التفت القلب إلى مخلوق فإنه يكون قد أشرك هذا النوع من الشرك المنافي لكمال التوحيد.
هذا " باب قول الله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢] "، وفيه بيان أن هناك ألفاظا فيها التنديد، والتنديد معناه: أن تجعل غير الله ندا له، فيكون التنديد في نسبة النعم إلى غير الله، ويكون في الحلف بغير الله، ويكون في قول: ما شاء الله وشاء فلان، وغير ذلك من الألفاظ.
стр. 443
[باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون]
" باب قول الله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " [البقرة: ٢٢] . قال ابن عباس ﵄ في الآية: الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل، على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله شرك. رواه ابن أبي حاتم (١) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢) . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.
وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا (٣) .
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» . رواه أبو داود بسند
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 444
صحيح (١) وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك (٢) ويجوز أن يقول: بالله ثم بكم، قال: ويقولون: لولا الله ثم فلان ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو و (ثم) في اللفظ.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فهذا الباب فيه بيان أن التنديد يكون في الألفاظ، والتنديد هنا المراد به: التنديد الأصغر الذي هو شرك أصغر في الألفاظ وليس التنديد الكامل الذي هو الشرك الأكبر.
" قوله - جل وعلا -: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢] : هذا عام يشمل اتخاذ الأنداد بالشرك الأكبر ويشمل أيضا اتخاذ الأنداد بأنواع الإشراك التي دون الشرك الأكبر؛ لأن قوله: (أندادا) نكرة في سياق، النهي فتعم جميع أنواع التنديد، والتنديد منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة؛ ولهذا ساق عن ابن عباس أنه قال: " الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل " فجعل مما يدخل في هذه الآية الشرك الخفي أو شرك الألفاظ التي تخفى على كثير من الناس.
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: من أن حقيقة التوحيد ألا يكون في الملة إلا الله - جل وعلا - وألا يتلفظ بشيء فيه جعل غير الله - جل وعلا - شريكا أو ندا له كمن حلف بغير الله أو كمن قال: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ونحو هذه الألفاظ.
قوله " لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك " يعني لا تقل: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله لحصل كذا، هذا هو الأكمل، فالذي ينبغي في استعمال هذه الألفاظ أن تنسب إلى الله، فظهر لنا هنا أن ثمة: درجتين كاملة، جائزة، وغير ذلك لا يجوز:
فالدرجة الأولى - وهي الكاملة -: أن يقول: لولا الله لما حصل كذا.
стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والدرجة الثانية وهي الجائزة -: أن يقول: لولا الله ثم فلان لما حصل كذا، فهذه جائزة وهي توحيد، لجعله مرتبة فلان نازلة عن مرتبة إنعام الله، ولكن هذا ليس هو الكمال؛ ولهذا قال ابن عباس هنا: " لا تجعل فيها فلانا "؛ لأن الكمال أن تقول: لولا الله لأتانا اللصوص، ولولا نعمة الله لما حصل كذا، ولولا فضل الله لما حصل كذا، هذه هي المرتبة الكاملة، والجواز أن تقول: لولا الله ثم فلان.
وأما الذي لا يجوز والذي قال فيه ابن عباس: " كله به شرك " فهو أن يقول: لولا الله وفلان، بالواو؛ لأن (الواو) تفيد التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه دون تراخ في المرتبة، أما (ثم) فتفيد التراخي في المرتبة، أو التراخي في الزمن، على ما هو معلوم في هذا المبحث في حروف المعاني من النحو؛ فلهذا كان قول القائل: لولا الله وفلان شرك، أو ما شاء الله وشاء فلان شرك أصغر. والواجب أن يقول: لولا الله، أو أن يقول: ما شاء الله وحده، كما سيأتي في باب بعد ذلك.
فاتضح من هذا أن الكمال أن ينسب ذلك إلى الله - جل وعلا - وحده، وأن الجائز أن يقول: لولا الله ثم فلان.
" وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم " قوله: «من حلف بغير الله» يعني: عقد اليمين بغير الله - جل وعلا - «فقد كفر أو أشرك»
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
واليمين هي: تأكيد الكلام بمعظم به بين المتكلم والمخاطب، بأحد حروف القسم الثلاثة: الواو، أو الباء، أو التاء، والواجب ألا يؤكد الكلام إلا بالله - جل وعلا -؛ لأن المعظم على الحقيقة هو الله - جل وعلا -، وأما البشر فليسوا بمعظمين بحيث يحلف بهم، نعم ربما عظموا بشيء يناسب ذاتهم التعظيم البشري اللائق بهم، أما التعظيم الذي يصل إلى حد أن يحلف به فهذا إنما هو لله - جل وعلا -.
فالواجب إذا ألا يؤكد الكلام إلا بالله - جل وعلا - إذا أراد الحلف، فمن كان حالفا فليحلف بالله، وليؤكد الكلام بالله - جل وعلا - باستخدام أحد الأحرف الثلاثة: الواو، أو الباء، أو التاء.
وأما إذا استخدم غير هذه الأحرف كلفظ (في) ونحو ذلك فإنه لا يعد حلفا إلا إن كان في قلبه أنه يمين ولكنه أخطأ التعبير، فالعبرة بما في النفس من المعاني، أما ما في اللفظ فإنه في هذا المقام يؤول إلى ما في القلب؛ لهذا قال هنا: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وإنما كفر أو أشرك؛ لأنه عظم هذا المخلوق كتعظيم الله - جل وعلا - في الحلف به وكفره وشركه شرك أصغر، وقد يصل إلى أن يشرك بالحلف شركا أكبر إذا عظم المحلوف به تعظيم الله - جل وعلا - في العبادة.
فالحلف بغير الله تعالى تعظيم لذلك المحلوف به في الحلف، فإن انضاف إلى ذلك تعظيم المحلوف به تعظيم عبادة صار شركا أكبر، كحلف الذين يعبدون الأوثان بأوثانهم فإنه شرك أكبر؛ لأنه يعظم ذلك الوثن، أو ذلك القبر، أو تلك البقعة، أو ذلك المشهد، أو ذلك الولي، يعظمه كتعظيم الله في العبادة
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فيكون حلفه حلفا بمعظم به في العبادة، ويكون شركا أصغر بمجرد الحلف بغير الله، فكل من حلف بغير الله فهو مشرك الشرك الأصغر، قد يصل في بعض الأحوال إلى أن يكون مشركا الشرك الأكبر إذا كان يعبد هذا الذي حلف به.
وهناك يمين بغير الله في اللفظ فهذه أيضا شرك، ولو لم يعقد القلب اليمين، كمن يكون دائما على لسانه استعمال الحلف بالنبي، أو بالكعبة، أو بالأمانة، أو بولي، ونحو ذلك وهو لا يريد حقيقة اليمين، وإنما يجري على لسانه مجرى اللغو، فهذا أيضا شرك؛ لأنه تعظيم لغير الله - جل وعلا -.
" وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ": هذا لأجل عظم الحلف بغير الله - جل وعلا - وأن الحلف بغير الله شرك، وأما الكذب فإنه كبيرة والشرك الأصغر هذا أعظم من الكبائر؛ فلهذا استحب أن يكذب مع التوحيد وألا يصدق مع الشرك؛ لأن حسنة التوحيد أعظم من سيئة الكذب؛ ولأن سيئة الشرك أشنع من سيئة الكذب.
" وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» رواه أبو داود بسند صحيح ":: هذا من جهة الإرشاد إلى ما ينبغي أن يقال، فلا تجعل مشيئة العبد مقارنة مشتركة مع مشيئة الله، بل الواجب أن ينزه العبد لفظه حتى يعظم الله - جل وعلا -، والقلب المعظم لله - جل وعلا - لا يمكن أن يستعمل لفظا فيه جعل لمخلوق في مرتبة الله - جل وعلا - في المشيئة، أو في الحلف، أو في الصفات ونحو ذلك؛ لهذا قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان» وهذا النهي للتحريم؛ لأن هذا التشريك في المشيئة، شرك أصغر بالله - جل وعلا -.
стр. 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» : لأن (ثم) تفيد التراخي في المشيئة، وهذا لأن مشيئة العبد تبع لمشيئة الله - جل وعلا - قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] [التكوير: ٢٩] فمشيئة العبد ناقصة ومشيئة الله كاملة.
" وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك) : لأن (الواو) تقتضي التشريك في الاستعاذة، والاستعاذة كما ذكرنا لها جهتان: جهة ظاهرة، وجهة باطنة، أما الجهة الباطنة وهي: الالتجاء، والاعتصام، والرغب، والرهب، وإقبال القلب على المستعاذ به، فهذه لا تصلح إلا لله.
والاعتماد في الاستعاذة على المخلوق فيما أقدره الله عليه جائز، لأن الاستعاذة بالمخلوق ظاهرا فيما أقدره الله عليه جائزة؛ لهذا " كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك " والكراهة في استعمال السلف يراد منها غالبا المحرم، وقد ترد لغير المحرم ولكن يستعملونها فيما لا نص فيه.
ومجيء الكراهة بمعنى التحريم في القرآن في قوله تعالى لما ذكر الكبائر في سورة الإسراء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] [الإسراء: ٣٨] ، وفي القراءة الأخرى: كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها أي: محرما التحريم الشديد.
" ويجوز أن يقول: بالله ثم بك": لما فيها من التراخي " قال: ويقولون: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان "
" باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله "، قوله: " لم يقنع " استفاد منه كثير من الشراح أن المراد بهذا الباب ما يكون عند توجه اليمين على أحد المتخاصمين، فإنه إذا كانت الخصومة، وتوجهت اليمين في الدعوى فإن الواجب على الآخر أن يقنع بما حلف عليه الآخر بالله - جل وعلا - فخصوا ما جاء من الدليل، وخصوا هذا الباب بمسألة الدعاوى، يعني: اليمين عند القاضي.
стр. 450
[باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله]
" باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله" عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله» . رواه ابن ماجه بسند حسن) (١) .
فيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقال بعض أهل العلم: إن الحديث عام، والحديث حسنه طائفة من أهل العلم، كما ذكر الشيخ ﵀ فقوله: «من حلف له بالله فليرض» هذا عام في كل حلف، سواء كان عند القاضي أو لم يكن عند القاضي، وهذا القول أوجه وأصوب ظاهرا؛ لأن سبب الرضا بما حلف عليه بالله هو التعظيم لله - جل وعلا -؛ فإن تعظيم الله في قلب العبد يجعله يصدق من حلف له بالله، ولو كان كاذبا، لكن له ألا يبني عليه لكن يصدقه ولا يظهر تكذيبا له لتعظيم الله - جل وعلا - «من حلف له بالله فليرض» فليجعل توحيده وتعظيمه لله - جل وعلا - له وكذب ذاك في الحلف بالله عليه.
وقال طائفة من أهل العلم - وهذا قول ثالث -: إن هذا راجع إلى من عرف صدقه في اليمين، أما من كان فاجرا فاسقا لا يبالي إذا حلف أن يحلف كاذبا فإنه لا يجب تصديقه؛ لأن تصديقه - والحالة هذه - مع قيام اليقين أو القرائن العامة بكذبه ليس بداخل في الحديث؛ لقوله في أول الحديث: «من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض» فتعلق قوله: «من حلف له بالله» بما قبله، وهو قوله: «من حلف بالله فليصدق» ، يعني من حلف له من كان صادقا، فليرض.
قوله: «ومن لم يرض» أي: من لم يرض باليمين بالله «فليس من الله» ، فيدل على أن فعله من الكبائر؛ لأن قوله: «ليس من الله» هذا ملحق لفعله بالكبائر.
وهذا الباب فيه نوع تردد عند الشراح، والظاهر في المراد منه أن الإمام المصنف ﵀ ذكره تعظيما لله - جل وعلا -، وقد ذكر في الباب
стр. 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قبله من حلف بغير الله، وأن حكمه أنه مشرك، فهذا فيه أن الحلف بالله يجب تعظيمه، وأن لا يحلف المرء بالله إلا صادقا، وأن لا يحلف بآبائه، وأن لا يحلف بغير الله، ومن حلف له بالله فواجب عليه الرضا تعظيما لاسم الله، وتعظيما لحق الله - جل وعلا -، حتى لا يقع في قلبه استهانة باسم الله الأعظم، وعدم اكتراث به أو بالكلام المؤكد به.
فتلخص من هذا أن كثيرا من أهل العلم جعلوا قول المصنف: " باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله " خاصا بما إذا توجهت اليمين على أحد المتخاصمين عند القاضي، وأن طائفة من أهل العلم قالوا في قوله: «ومن حلف له بالله فليرض» : إن هذا عام في كل من حلف له بالله، فإنه يجب عليه الرضا، وآخرون قالوا: يفرق بين من ظاهره الصدق، ومن ظاهره الكذب، والله أعلم
هذا الباب ترجمه بقوله: " باب قول: ما شاء الله وشئت "، وهذه المسألة تقدم الكلام عليها في " باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢] " وأن قول القائل: ما شاء الله وشئت، شرك في اللفظ، وتشريك في المشيئة، وهذا من الشرك الأصغر.
والباب واضح من حيث ما اشتمل عليه، لكن فيه فوائد، منها:
стр. 453
[باب قول ما شاء الله وشئت]
" باب قول: ما شاء الله وشئت" عن قتيلة: «أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت» . رواه النسائي وصححه (١) .
وله أيضا عن ابن عباس ﵄: «أن رجلا قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟ بلى ما شاء الله وحده» (٢) .
ولابن ماجه عن الطفيل - أخي عائشة لأمها - قال: «رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: هل أخبرت بها
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 454
أحدا قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده» (١) .
فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثاني: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله ﷺ : «أجعلتني لله ندا» فكيف بمن قال: " مالي من ألوذ به سواك " والبيتين بعده؟ .
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: يمنعني كذا وكذا "
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع لبعض الأحكام.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن قوله في حديث قتيلة: «أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت. وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت» . رواه النسائي وصححه ": فيه من الفوائد ما ذكره الشيخ ﵀ في مسائل الباب حيث قال: فيه فهم الإنسان إذا كان له هوى. فهؤلاء اليهود هم أهل الشرك يقولون: عزير ابن الله، ويشركون بالله - جل وعلا - لكنهم مع كونهم مشركين نقموا على أهل الإسلام أنهم يشركون، وهذا لأجل الطعن فيهم، فالهوى وطلب تنقص أهل الإسلام والنقد عليهم ومخاطبتهم بما يسوؤهم، كل هذا كان قصدا لهم؛ ولهذا فهموا من أين يدخلون، فأهل الإسلام أهل التوحيد قالوا لهم: إنكم تشركون، وهم أهل الشرك، فردوا عليهم بما قالوا، مما يستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فهم الصواب فإن الواجب أن يقبل منه؛ لأن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديا أو نصرانيا، فهذا اليهودي والنصراني توجها إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبي ﷺ من قبول الحق الذي قالوه أنهم يهود، بل قبل ما جاء به ذلك اليهودي فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد، لأن الحق هو ضالة المؤمن أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقا؛ لأنه كما قال النبي ﵊: «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها» (١) .
والحديث الذي بعده واضح.
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" ولابن ماجه عن الطفيل - أخي عائشة لأمها - قال: «رأيت: كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد» : هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلا كما أن عند ذاك باطلا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل، وقد حصل كثير من البدع في تاريخ الإسلام، وحصلت الشبهات، وقويت بعض الضلالات بسبب أن من وجه بحق لم يتقبله ورده؛ لأن الذي واجهه بذلك الحق صاحب باطل، فلما لم يقبل الحق صار يوجه الأدلة ويؤولها؛ من أجل إبطال ذلك الحق، وهذا كما فعله طائفة من أهل البدع، والواجب أيضا ألا ترد البدعة ببدعة، وإنما ترد البدعة بحق، وإذا جهل المرء كيف يرد البدعة بحق، فليصبر حتى يتعلم، أو يسأل أهل العلم، وليس من الواجب عليك أن ترد مباشرة، بل إذا ووجهت بحق ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس - الشيطان - قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله ﷻ .
وهذه المسائل ليست من الشرك الأكبر، بل من الأصغر، كما دل عليه قوله في آخره: «قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها» والنهي عن
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرك في الألفاظ أتى بالتدريج في تاريخ بعثة النبي ﵊ وتبليغه أمته بالأوامر والنواهي، فكان الحلف بالآباء جائزا، ثم فهاهم ﵊ عن ذلك. وكذلك قول: ما شاء الله وشئت، ثم نهاهم عن ذلك؛ ولهذا قال المصنف في مسائل كتاب التوحيد: فيه أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لقوله: «كان يمنعني كذا وكذا» ، " وأما الشوك الأكبر فلا يجوز أن يؤخر إنكاره أو أن يمنع عنه مانع، أما شرك الألفاظ فقد تكون المصلحة والفقه - فقه الدعوة وفقه ترتيب الأهم والمهم وتقديم الأهم على المهم - أن يؤخر بعضه لتتم المصلحة العظمى، أما الشرك الأكبر فلا مصلحة تبقى مع وجوده.
الدهر هو: الزمان، كاليوم والليلة، والأسابيع، والأشهر، والسنين، والعقود، هذا هو الدهر، وهذه الأزمنة مفعولة لا فاعلة، فهي لا تفعل شيئا، وإنما هي مسخرة يسخرها الله ﷻ ، وكل يعلم أن السنين لا
стр. 458
[باب من سب الدهر فقد آذى الله]
" باب من سب الدهر فقد آذى الله " وقوله الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] [الجاثية: ٢٤] . في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:، «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» (١) "، وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» (٢) .
فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر"
الرابعة: أنه قد يكون سابا، ولو لم يقصده بقلبه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تأتي بشيء، وإنما الذي يفعل هو الله - جل وعلا - في هذه الأزمنة؛ ولهذا كان سب هذه السنين سبا لمن تصرف فيها، وهو الله ﷻ ؛ لهذا عقد المؤلف هذا الباب ليبين أن سب الدهر ينافي كمال التوحيد، وأن سب الدهر يعود على الله - جل وعلا - بالإيذاء؛ لأنه سب لمن تصرف في هذا الدهر.
فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهو أن سب الدهر من الألفاظ التي لا تجوز، والتخلص منها واجب واستعمالها مناف لكمال التوحيد، وهذا يحصل من الجهلة كثيرا، فإنهم إذا حصل لهم في زمان شيء لا يسرهم سبوا ذلك الزمان، ولعنوا ذلك اليوم، أو لعنوا تلك السنة، أو لعنوا ذلك الشهر، ونحو ذلك من الألفاظ الوبيلة، أو شتموا الزمان، وهذا لا شك لا يتوجه إلى الزمن؛ لأن الزمن شيء لا يفعل وإنما يفعل فيه، وهو أذية لله - جل وعلا -.
قوله: " باب من سب الدهر ": السب في أصله: التنقص، أو الشتم، فيكون بتنقص الدهر، أو يكون بلعنه، أو بشتمه، أو بنسبة النقائص إليه، أو بنسبة الشر إليه، ونحو ذلك، وهذا كله من أنواع سبه. والله - جل وعلا - هو الذي يقلب الليل والنهار.
قوله: " فقد آذى الله ": كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» ففيه رعاية للفظ الحديث.
وسب الدهر - كما ذكرنا - محرم، وهو درجات وأعلاها لعن الدهر؛ لأن توجه اللعن إلى الدهر أعظم أنواع المسبة وأشد أنواع الإيذاء، وليس من مسبة الدهر وصف السنين بالشدة، ولا وصف اليوم بالسواد، ولا وصف الأشهر
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالنحس، ونحو ذلك؛ لأن هذا مقيد، وهذا جاء في القرآن في نحو قوله - جل وعلا - ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] [فصلت: ١٦] . فوصف الله - جل وعلا - الأيام بأنها نحسات، والمقصود: في أيام نحسات عليهم، فوصف الأيام بالنحس؛ لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله - جل وعلا - في سورة القمر: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] [القمر: ١٩] ، فهذا ليس من سب الدهر؛ لأن المقصود بهذا أن الوصف ما حصل فيها كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم، وأما سبه أن ينسب الفعل إليه فيسب الدهر لأجل أنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أذية لله - جل وعلا -.
" وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] [الجاثية: ٢٤] " هذه الآية ظاهرة في أن نسبة الأشياء إلى الدهر من خصال المشركين أعداء التوحيد، فنفهم منه أن خصلة الموحدين أن ينسبوا الأشياء إلى الله - جل وعلا - ولا ينسبوا الإهلاك إلى الدهر، بل الله - جل وعلا - هو الذي يحيي ويميت.
" في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر» : قوله: «وأنا الدهر» لا يعني أن الدهر من أسماء الله - جل وعلا -، ولكنه رتبه على ما قبله، وهو قوله: «يسب الدهر وأنا الدهر» ؛ لأن حقيقة الأمر أن الدهر لا يملك شيئا ولا يفعل شيئا، فسب الدهر سب لله؛ لأن الدهر يفعل الله - جل وعلا -