. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" ولابن ماجه عن الطفيل - أخي عائشة لأمها - قال: «رأيت: كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد» : هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلا كما أن عند ذاك باطلا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل، وقد حصل كثير من البدع في تاريخ الإسلام، وحصلت الشبهات، وقويت بعض الضلالات بسبب أن من وجه بحق لم يتقبله ورده؛ لأن الذي واجهه بذلك الحق صاحب باطل، فلما لم يقبل الحق صار يوجه الأدلة ويؤولها؛ من أجل إبطال ذلك الحق، وهذا كما فعله طائفة من أهل البدع، والواجب أيضا ألا ترد البدعة ببدعة، وإنما ترد البدعة بحق، وإذا جهل المرء كيف يرد البدعة بحق، فليصبر حتى يتعلم، أو يسأل أهل العلم، وليس من الواجب عليك أن ترد مباشرة، بل إذا ووجهت بحق ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس - الشيطان - قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله ﷻ .
وهذه المسائل ليست من الشرك الأكبر، بل من الأصغر، كما دل عليه قوله في آخره: «قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها» والنهي عن
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرك في الألفاظ أتى بالتدريج في تاريخ بعثة النبي ﵊ وتبليغه أمته بالأوامر والنواهي، فكان الحلف بالآباء جائزا، ثم فهاهم ﵊ عن ذلك. وكذلك قول: ما شاء الله وشئت، ثم نهاهم عن ذلك؛ ولهذا قال المصنف في مسائل كتاب التوحيد: فيه أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لقوله: «كان يمنعني كذا وكذا» ، " وأما الشوك الأكبر فلا يجوز أن يؤخر إنكاره أو أن يمنع عنه مانع، أما شرك الألفاظ فقد تكون المصلحة والفقه - فقه الدعوة وفقه ترتيب الأهم والمهم وتقديم الأهم على المهم - أن يؤخر بعضه لتتم المصلحة العظمى، أما الشرك الأكبر فلا مصلحة تبقى مع وجوده.
الدهر هو: الزمان، كاليوم والليلة، والأسابيع، والأشهر، والسنين، والعقود، هذا هو الدهر، وهذه الأزمنة مفعولة لا فاعلة، فهي لا تفعل شيئا، وإنما هي مسخرة يسخرها الله ﷻ ، وكل يعلم أن السنين لا
стр. 458
[باب من سب الدهر فقد آذى الله]
" باب من سب الدهر فقد آذى الله " وقوله الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] [الجاثية: ٢٤] . في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:، «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» (١) "، وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» (٢) .
فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر"
الرابعة: أنه قد يكون سابا، ولو لم يقصده بقلبه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تأتي بشيء، وإنما الذي يفعل هو الله - جل وعلا - في هذه الأزمنة؛ ولهذا كان سب هذه السنين سبا لمن تصرف فيها، وهو الله ﷻ ؛ لهذا عقد المؤلف هذا الباب ليبين أن سب الدهر ينافي كمال التوحيد، وأن سب الدهر يعود على الله - جل وعلا - بالإيذاء؛ لأنه سب لمن تصرف في هذا الدهر.
فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهو أن سب الدهر من الألفاظ التي لا تجوز، والتخلص منها واجب واستعمالها مناف لكمال التوحيد، وهذا يحصل من الجهلة كثيرا، فإنهم إذا حصل لهم في زمان شيء لا يسرهم سبوا ذلك الزمان، ولعنوا ذلك اليوم، أو لعنوا تلك السنة، أو لعنوا ذلك الشهر، ونحو ذلك من الألفاظ الوبيلة، أو شتموا الزمان، وهذا لا شك لا يتوجه إلى الزمن؛ لأن الزمن شيء لا يفعل وإنما يفعل فيه، وهو أذية لله - جل وعلا -.
قوله: " باب من سب الدهر ": السب في أصله: التنقص، أو الشتم، فيكون بتنقص الدهر، أو يكون بلعنه، أو بشتمه، أو بنسبة النقائص إليه، أو بنسبة الشر إليه، ونحو ذلك، وهذا كله من أنواع سبه. والله - جل وعلا - هو الذي يقلب الليل والنهار.
قوله: " فقد آذى الله ": كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» ففيه رعاية للفظ الحديث.
وسب الدهر - كما ذكرنا - محرم، وهو درجات وأعلاها لعن الدهر؛ لأن توجه اللعن إلى الدهر أعظم أنواع المسبة وأشد أنواع الإيذاء، وليس من مسبة الدهر وصف السنين بالشدة، ولا وصف اليوم بالسواد، ولا وصف الأشهر
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالنحس، ونحو ذلك؛ لأن هذا مقيد، وهذا جاء في القرآن في نحو قوله - جل وعلا - ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] [فصلت: ١٦] . فوصف الله - جل وعلا - الأيام بأنها نحسات، والمقصود: في أيام نحسات عليهم، فوصف الأيام بالنحس؛ لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله - جل وعلا - في سورة القمر: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] [القمر: ١٩] ، فهذا ليس من سب الدهر؛ لأن المقصود بهذا أن الوصف ما حصل فيها كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم، وأما سبه أن ينسب الفعل إليه فيسب الدهر لأجل أنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أذية لله - جل وعلا -.
" وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] [الجاثية: ٢٤] " هذه الآية ظاهرة في أن نسبة الأشياء إلى الدهر من خصال المشركين أعداء التوحيد، فنفهم منه أن خصلة الموحدين أن ينسبوا الأشياء إلى الله - جل وعلا - ولا ينسبوا الإهلاك إلى الدهر، بل الله - جل وعلا - هو الذي يحيي ويميت.
" في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر» : قوله: «وأنا الدهر» لا يعني أن الدهر من أسماء الله - جل وعلا -، ولكنه رتبه على ما قبله، وهو قوله: «يسب الدهر وأنا الدهر» ؛ لأن حقيقة الأمر أن الدهر لا يملك شيئا ولا يفعل شيئا، فسب الدهر سب لله؛ لأن الدهر يفعل الله - جل وعلا -
стр. 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فيه، فهو ظرف للأفعال وليس مستقلا؛ فلهذا لا يفعل، ولا يحرم، ولا يعطي، ولا يكرم، ولا يهلك، وإنما الذي يفعل هذه الأشياء مالك الملك المتفرد بالملكوت وتدبير الأمر الذي يجير ولا يجار عليه.
فقوله - إذا -: «وأنا الدهر» فيه نفي نسبة الأشياء إلى الدهر، وأن هذه الأشياء تنسب إلى الله - جل وعلا - فيرجع مسبة الدهر إلى مسبة الله - جل وعلا -؛ لأن الدهر لا ملك له، والله هو الفاعل.
«أقلب الليل والنهار» : والليل والنهار هما الدهر، فالله - جل وعلا - هو الذي يقلبهما، فليس لهما من الأمر شيء.
التوحيد يقتضي من الموحد المؤمن بالله - جل وعلا - أن يعظمه وألا يجعل مخلوقا في منزلة الله - جل وعلا - فيما يختص به، لأنه قد يجعل المخلوق في منزلة الله لشبهة وصف قام به، ككون القاضي هو رئيس القضاة أو أعلم، فيجعل في اللفظ والتسمية قاضيا للقضاة؛ فلهذا نبه الشيخ ﵀ على
стр. 462
[باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه]
" باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه " في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» (١) قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» (٢) وقوله " أخنع " يعني: أوضع.
فيه مسائل: الأولى: النهي. عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا، ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن التسمي بالأسماء التي معناها إنما هو لله ﷻ : لا يجوز، والتوحيد يقتضي ألا يوصف بها إلا الله وألا يسمى بها إلا الله - جل وعلا -.
فتسمية غير الله بتلك الأسماء التي ستأتي لا تجوز ومحرم، بل هي أخنع الأسماء وأوضع تلك الأسماء وأبغض الأسماء إلى الله ﷻ .
قوله: " باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه ": " التسمي " يشمل ما إذا سمى نفسه، أو سماه غيره به فرضي، أما إذا سماه غيره به فلم يرض، فإنه لا يدخل في الذم؛ لعدم الرضا، فيلحق الوعيد المسمي، ومن رضي بذلك الاسم.
قوله: " بقاضي القضاة ونحوه ": ونحو قاضي القضاة مثل: ملك الأملاك، وشاهان شاه، ونحو ذلك، وقاضي القضاة: هو الذي يقضي بين القضاة، تقول: قاضي المسلمين، يعني: الذي يقضي بين المسلمين، وقاضي الرياض، يعني: الذي يقضي في الخصومات التي بين أهل الرياض، فقاضي القضاة لفظ حقيقة معناه: الذي يقضي بين القضاة، وهذا إنما هو لله ﷻ فهو الذي يقضي بين العباد، وبين القضاة وبين العبيد، فهو قاضي القضاة على الحقيقة فيخبر عنه بذلك، لأن " قاضي القضاة " ليست من أسماء البشر، فالذي يقضي بين القضاة هو الله ﷻ .
والذي أطلقوا هذه التسمية على كبير القضاة، أو على كبير العلماء، لا يعنون بها أن ذاك يقضي بين القضاة، وإنما يعنون بها أنه وصل إلى مرتبة في القضاء أو في العلم أعلى من درجة القاضي، فصار قاضي القضاة، كما شاع
стр. 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في الزمن المتأخر في الدولة العثمانية أنهم يسمون المفتي: شيخ الإسلام، ووكيل المفتي: وكيل شيخ الإسلام، وهي تسمية خاصة.
وقد انتشر في بلاد المسلمين التسمية بقاضي القضاة ونحوه، منذ القرن الرابع الهجري إلى أوقات متأخرة قريبة من هذا الزمان، والواجب على العبد ألا يجعل هذه التسمية جارية على لسانه، ولا أن يرضى بها.
وكذلك مالك الأملاك، أو شاهان شاه، يعني: ملك الأملاك، لأن فيه تسمية البشر بما يختص بالله، فإن ملك الأملاك هو الله - جل وعلا -، والأملاك واسعة، والإنسان إنما يطلق عليه أنه مالك للشيء المعين، وليس مالكا لكل شيء، فالذي يملك كل شيء هو الله وحده، والبشر يملكون بالإضافة بعض الأشياء.
وكذلك الملك - بالضم - وهو: نفاذ الأمر والسيطرة، فإنه يكون في بعض الأرض وليس في كل الأرض، فالذي يملك يقال له: مالك إذا كان يملك ملكا، أو ملك إذا كان يملك ملكا، بمعنى: نفاذ الأمر، ويضاف إلى بقعته فيقال: ملك المملكة العربية السعودية، وملك الأردن، ونحو ذلك.
وأما الإطلاق العام ملك الأملاك، أو شاهان شاه، فإن الأملاك منها ما هو على الأرض ومنها غير ذلك وهذا إنما هو لله - جل وعلا -، فالتوحيد يوجب ألا يتسمى بذلك أحد، وألا يرضى بتسمية أحد بذلك، حتى لو وجد في بعض الكتب لا ينقل كما هو، وقد يغلط بعض الباحثين وبعض طلبة العلم فينقل قولا عن بعض أهل العلم المتقدمين، ممن يتجوزون في مثل هذه الألفاظ وفيه: " وقال: قاضي القضاة كذا "، " وكان قاضي القضاة كذا "، ولا
стр. 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يغيره، والواجب أن يغيره تعظيما لله - جل وعلا -، وأمانة النقل التي يدعون هي في مرتبة دون توحيد الله - جل وعلا - بكثير كثير، فالواجب تغيير. ذلك، وهذا من توحيد الله وتغيير اشتراك الخلق مع الله - جل وعلا - في حقه فيما يزعمه بعض الخلق.
" في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» : " أخنع " يعني: أوضع، وأحقر، وأبعد الأسماء عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك.
قوله: «لا مالك إلا الله» وهذا من أساليب الحصر، يعني: أن الملك إنما هو لله وحده، وهناك فرق بين مالك وملك، فمالك: اسم فاعل من الملك، يقال: ملك الشيء، يعني: اقتناه وصار مختصا به من الملك، وهذا راجع إلى التصرف بالأعيان.
وأما الملك - بالضم - فالاسم منه الملك، وهو: الذي ينفذ أمره ونهيه. فالملك راجع إلى الأعيان، والملك راجع إلى المعاني، هذا في قول عدد من محققي أهل اللغة.
" قال سفيان: مثل شاهان شاه، وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» وسبب كونه أغيظ رجل وأخبث رجل أنه جعل نفسه مماثلا لله - جل وعلا - في الحق بهذه التسمية.
هذا الباب فيه الإرشاد إلى الأدب الذي يجب أن يصدر من قلب الموحد ومن لسانه، فإن الموحد متأدب مع الله- ﷻ ، ومتأدب مع أسمائه، وصفاته، ومع دينه، فلا يهزل- مثلا- بشيء فيه ذكر الله، ولا يلقي الكلمة عن الله- جل وعلا- دون أن يتدبر ما فيها، وكذلك لا يسمي أحدا بأسماء
стр. 466
[باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك]
" باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك " عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : «إن الله هو الحكم، وإليه الحكم " فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: " ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قال: شريح، ومسلم، وعبد الله قال: " فمن أكبرهم؟ " قلت: شريح، قال: " فأنت أبو شريح» (١) . رواه أبو داود وغيره.
فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته، ولو لم يقصد معناه.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله- جل وعلا- ويغير الاسم لأجل هذا، فأسماء الله- جل وعلا- يجب احترامها، وتعظيمها، ومن احترامها أن يجعل ما لا يصلح إلا لله منها لله وحده، وألا يسمى به البشر.
قوله: " باب احترام أسماء الله تعالى ": هذا الاحترام قد يكون مستحبا من جهة الأدب، وقد يكون واجبا، فأسماء الله تعالى يجب احترامها، بمعنى يجب ألا تمتهن، ويستحب احترامها أيضا فيما كان من الأدب ألا يوصف به غير الرب جل وعلا.
وهذا راجع إلى تعظيم شعائر الله- ﷻ قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] [الحج: ٣٢] ، وقال- جل وعلا-: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] [الحج: ٣٠] : قال أهل العلم: الشعائر: جمع شعيرة، وهي: كل ما أشعر الله بتعظيمه، يعني: أعلم بتعظيمه فهو شعيرة، ومما أشعر الله بتعظيمه أسماؤه الحسنى- جل وعلا- فيجب احترامها وتعظيمها ولهذا يستدل أهل العلم على وجوب ألا تمتهن أسماء الموجودة في الجرائد، أو في الأوراق، أو أن ترمى، أو أن توضع في أمكنة قذرة، وعلى وجوب احترام كل ما فيه اسم من أسماء الله بهاتين الآيتين، وبالقاعدة العامة في ذلك.
قوله: " وتغيير الاسم لأجل ذلك " ساق فيه حديث أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم، و " يكنى " بالتخفيف هي الفصيحة، أما
стр. 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يكنى بالتشديد فهي لغة ضعيفة، تقول: فلان يُكْنَى بكذا، أما يُكَنَّى فليست بجيدة لأن يُكْنَى هي التي كان عليها غالب الاستعمال فيما ذكره أهل اللغة.
والحكم من أسماء الله- جل وعلا-، والله- جل وعلا- لم يلد ولم يولد، فتكنية المخلوق بأبي الحكم غير لائقة لأن الحكم من أسماء الله، والله - جل وعلا- لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن الحكم، وهو: بلوغ الغاية في الحكم، والفصل بين المتخاصمين، راجع إلى من له الحكم وهو الله- ﷻ ، وأما البشر فإنهم لا يصلحون أن يكونوا حكاما أو أن يكون الواحد منهم حكما على وجه الاستقلال ولكن يكون حكما على وجه التبع؛ ولهذا أنكر النبي ﵊ على أبي شريح هذه التكنية فقال له: «إن الله هو الحكم» ودخول (هو) بين لفظ الجلال وبين اسمه (الحكم) يدل على اختصاصه بذلك كما هو مقرر في علم المعاني لأن (هو) ضمير عماد أو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وفائدته أن يجعل الثاني مختصا بالأول.
«وإليه الحكم» : يعني أن الحكم إليه لا إلى غيره فاسم (الحكم) الذي يفيد استغراق صفات الحكم ليس إلا إلى الله جل وعلا.
ذاك الرجل علل فقال: «إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: " ما أحسن هذا» ، " ما أحسن هذا " راجع إلى الحكم، وعائد إلى الإصلاح، وهو أنه يصلح ويحكم بينهم، فيرضى كلا الفريقين، وهل حكم بينهم بالشرع، أو حكم بينهم بما عنده، يعني: بما يراه؟ الجواب: أنه حكم بينهم بما يراه، ولو كان الحكم بينهم
стр. 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالشرع لجاز إطلاق الحكم على من يحكم بين المتخاصمين بالشرع، أما إطلاقه على الفاصل بين المتخاصمين بغير الشريعة فإن هذا مخالف للأدب.
فالواجب ألا يسمى أحد بالحكم أو الحاكم أو نحو ذلك إلا إذا كان منفذا لأحكام الله- ﷻ ؛ لهذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] [النساء: ٣٥] ، فسمى المبعوث من هذا وهذا حكما لأنهما يحكمان بالشرع، فالذي يحكم بما حكم به الله الذي هو الحكم يقال له: حكم لأنه حكم يحكم من له الحكم وهو الله- ﷻ فيسوغ إطلاق ذلك ولا بأس به؛ لأن الله- جل وعلا- وصف من يحكمون بشرعه بأنهم حكام وهم القضاة، فقال- جل وعلا- في سورة البقرة: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] [البقرة: ١٨٨] فقوله: ﴿الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] هو جمع الحاكم، وساغ إطلاق ذلك عليه؛ لأنه يحكم بالشرع.
والمقصود أن من الأدب ألا يسمى أحد بشيء يختص الله- جل وعلا- به ولذلك أورد المؤلف هذا الباب إثر الباب الذي قبله، لأجل هذه المناسبة، فتسمية " ملك الأملاك " مشابهة لتكنيه " أبي الحكم " من جهة أن في كل منهما اشتراكا في التسمية، لكن فيها اختلاف من جهة أن " أبا الحكم " راجع إلى شيء يفعله هو، وهو أنه يحكم فيرضون بحكمه وذاك " ملك الأملاك " ادعاء ليس له شيء؛ ولهذا كان أخنع اسم عند الله ﷻ .
هذا " باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ".
التوحيد الخالص في القلب، بل أصل التوحيد لا يجامع الاستهزاء بالله- جل وعلا- وبرسوله وبالقرآن لأن الاستهزاء معارضة، والتوحيد موافقة ولهذا قال بعض أهل العلم: الكفار نوعان: معرضون كمن قال الله فيهم: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] [الأنبياء: ٢٤] ، ومعارضون، وهم المجادلون، أو الذين يعارضون بأنواع المعارضات لأجل إطفاء نور الله، ومن ذلك الاستهزاء ونحوه.
فالتوحيد استسلام وانقياد وقبول وتعظيم، والهزء والاستهزاء بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول معارضة لأنه مناف للتعظيم، ولهذا كان كفرا أكبر بالله- جل وعلا-، إذ لا يصدر الاستهزاء بالله، أو برسوله ﷺ ، أو بالقرآن، من قلب موحد أصلا، بل لا بد أن يكون إما منافقا، أو كافرا مشركا.
стр. 470
[باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول]
" باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول " وقول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] [التوبة: ٦٥] .
وعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم، وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض: «أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركبان، نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] ما يلتفت إليه وما يزيده عليه» (١) .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 471
فيه مسائل: الأولى: - وهي العظيمة- أن من هزل بهذا فإنه كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " باب من هزل " الهزل خلاف الجد، وصفته: أن يتكلم بكلام فيه الهزل والاستهزاء والعيب إما بالله أو بالقرآن أو بالرسول ﷺ .
وقول الشيخ- ﵀ هنا: " باب من هزل بشيء " الباء هذه، هل هي التي يذكر بعدها وسيلة الهزل، أو الباء التي يذكر بعدها المهزول به؟ ؟ الظاهر هو الثاني، فعلى الأول يكون المعنى: أنه ذكر الله بشيء فيه هزل، وذكر الرسول بشيء فيه هزل، يعني: هزل، وهو يذكر هذه الأشياء.
وعلى الثاني يكون معنى: " من هزل بشيء فيه ذكر الله " أن المستهزئ به أو المهزول به هو ذكر الله، أو القرآن، أو الرسول، ومعلوم أن المعنى المراد هو الثاني لأن الشيخ يريد أن المستهزئ به هو الله، أو الرسول، أو القرآن، اتباعا لنص الآية.
فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهو أن الهزل والاستهزاء بالله أو بالرسول أو بالقرآن مناف لأصل التوحيد، وكفر مخرج من الملة، لكن بضابطه الذي ذكرناه، وهو: أن الاستهزاء- وهو الاستنقاص واللعب والسخرية- يكون بالله- ﷻ أو يكون بالرسول ﷺ أو يكون بالقرآن، وهذا هو الذي جاء فيه النص قال- جل وعلا-: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] [التوبة: ٦٥- ٦٦] ، فمن استنقص الله- جل وعلا-، أو هزل بذكره لله- جل وعلا-، يعني: حينما ذكر الله- جل وعلا- استهزأ وهزل ولم يظهر التعظيم
стр. 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في ذلك، فتنقص الله- جل وعلا- كما يفعله بعض الفسقة، والذين يقولون الكلمة لا يلقون لها بالا تهوي ببعضهم في النار سبعين خريفا، أو هزل بالقرآن أو استهزأ بالقران أو بالسنة، يعني: بالنبي ﵊، فإنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة هذا ضابط هذا الباب.
ويخرج عن ذلك ما لو استهزأ بالدين فإن الاستهزاء بالدين فيه تفصيل، فإن المستهزئ بالدين، أو الساب له، أو اللاعن له، قد يريد دين المستهزأ به، ولا يريد دين الإسلام أصلا، فلا يرجع استهزاؤه إلى واحد من الثلاثة؛ فلهذا نقول: الكفر يكون أكبر إذا كان الاستهزاء بأحد الثلاثة التي ذكرنا ونصت عليها الآية، أو كان راجعا إلى أحد الثلاثة.
أما إذا كان الاستهزاء بشيء خارج عن ذلك، فإنه يكون فيه تفصيل: فإن هزل بالدين، فينظر هل يريد دين الإسلام، أو يريد تدين فلان؟ ومثال ذلك أن يأتي واحد من المسلمين ويستهزئ- مثلا- بهيئة أحد الناس وهيئته يكون فيها التزام بالسنة، فهل يكون هذا مستهزئا الاستهزاء الذي يخرجه من الملة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الاستهزاء راجع إلى تدين هذا المرء، وليس راجعا إلى الدين أصلا، فيعرف بأن هذا سنة عن النبي ﷺ فإذا علم أنه سنة، وأقر بذلك، وأن النبي فعله ثم استهزأ، بمعنى: استنقص أو هزأ بالذي اتبع السنة مع علمه بأنها سنة وإقراره بصحة كونها سنه فهذا رجع إلى الاستهزاء بالرسول.
وكذلك الاستهزاء بكلمات قد يكون مرجعها إلى القرآن، وقد لا يكون مرجعها إلى القرآن فيكون فيه تفصيل، فالخلاصة - إذا - أن الاستهزاء إذا كان بالله، أو بصفاته، أو بأسمائه، أو بالرسول ﵊، أو بالقرآن
стр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإن هذا كفر، وإن كان الاستهزاء غير ذلك فينظر: إن كان راجعا إلى أحد الثلاثة فهو كفر أكبر، وإن كان غير ذلك فإنه يكون محرما ولا يكون كفرا أكبر " وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] [التوبة: ٦٥- ٦٦] : هذه الآية نص في أن المستهزئ بالله، وبالرسول، وبآيات الله- جل وعلا- والمقصود بها آيات الله- جل وعلا- الشرعية، يعني: القران، أن هذا المستهزئ كافر، وأنه لا ينفعه اعتذاره بأنه كان في هزل ولعب بل هو كافر لأن تعظيم الله- جل وعلا- وتوحيده يوجب عليه أن لا يستهزئ.
وهذه الآية نزلت في المنافقين، وبعض أهل العلم قال: ليست في المنافقين، وهذا غلط وليس بصواب، لأسباب، منها: أن هذه السورة التي منها هذه الآية هي في حال المنافقين؛ ولأن سياق الآية- سابقها ولاحقها- يدل على أن الضمائر ترجع إلى المنافقين. قال- جل وعلا- قبل هذه الآية في سورة براءة: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٥] [التوبة: ٦٤ - ٦٥] فالآية السابقة لآية الباب هي في المنافقين نصا، فالضمير- إذا- في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٥] يعود على من ذكر قبل هذه الآية، وهم المنافقون المنصوص
стр. 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عليهم بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] وكذلك ما بعدها من الآيات في المنافقين في قوله- جل وعلا- ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] [التوبة: ٦٧] والأدلة على ذلك كثيرة.
فالصواب في ذلك أن المراد بالآية هم المنافقون، وأما أهل التوحيد فإنه لا يصدر منهم استهزاء أصلا، ولو استهزءوا لعلمنا أنهم غير معظمين لله، وأن توحيدهم ذهب أصلا لأن الاستهزاء يطرد التعظيم.
فالواجب على المسلمين- جميعا- وعلى طلبة العلم- بخاصة- أن يحذروا من مزالق الكلام لأن كثيرين يتكلمون بكلام لا يلقون له بالا، ربما استهزءوا، أو ربما تكلموا بكلام فيه شيء من الهزل، وفيه شيء من الضحك، وكان في أثناء هذا الكلام ذكر الله، أو فيه قراءة القرآن، أو فيه ذكر بعض العلم، وهذا مما لا يجوز وقد يدخل أحدهم في قول النبي ﵊: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي بها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا» (١) . نسأل الله- جل وعلا- السلامة والعافية.
فالواجب على العبد أن يعظم الله، وأن لا يتلفظ إلا بكلام عقله قبل أن يقوله لأن اللسان هو مورد الهلكة، قال معاذ للنبي ﵊: «أومؤاخذون يا رسول الله بما نقول؟ قال: " ثكلتك أمك يا معاذ
стр. 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو قال على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» (١) . فالله الله في اللسان فإنه أعظم الجوارح خطرا، ومما يتساهل فيه أكثر الناس، فاحذر الخوض فيما لا يعنيك، وبخاصة فيما يتعلق بالدين، أو بالعلم، أو بأولياء الله، أو بالعلماء، أو بصحابة النبي ﵊، أو بالتابعين، فإن هذا مورده خطير والله المستعان، فقد عظمت الفتنة، والناجي من سلمه الله جل وعلا.
هذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان وجوب تعظيم الله- جل وعلا- في الألفاظ وأن النعم يجب أن تنسب إليه، وأن يشكر عليها فتعزى إليه، ويقول العبد: هذا أنعم الله علي به، والكذب في هذه المسائل، أو أن يتكلم المرء بكلام ليس موافقا للحقيقة، أو هو مخالف لما يعلمه من أن الله- جل وعلا-
стр. 477
[باب قول الله تعالى وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي]
باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] [فصلت: ٥٠]
قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به (١) . وقال ابن عباس: يريد من عندي، (٢) . وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] [القصص: ٧٨] قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب (٣) . وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، (٤) . وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف (٥) .
وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به قال: فمسحه فذهب
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 478
عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق- فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. قال فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصر قال: فأي المال أحب إليك؟ قال الغنم، فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بكم، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له:: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله- المال؟ !! فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأقرع في صورته. فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال له: إن
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 479
كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين، وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه (١) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قد أنعم عليه بذلك فهذا قد يؤديه إلى المهالك، وقد يسلب الله- جل وعلا- عنه النعمة بسبب لفظه.
فالواجب على العبد أن يتحرز في ألفاظه وبخاصة فيما يتصل بالله- جل وعلا-، أو بأسمائه وصفاته، أو بأفعاله وإنعامه، أو بعدله وحكمته، والتحرز في ذلك من كمال التوحيد؛ لأنه لا يصدر التحرز إلا عن قلب معظم لله، مجل لله، مخبت لله، يعلم أن الله- ﷻ مطلع عليه، وأنه سبحانه هو ولي الفضل، وهو ولي الإنعام، وهو الذي يستحق أن يجل فوق كل جليل، وأن يحب فوق كل محبوب، وأن يعظم فوق كل معظم.
فالله- ﷻ يجب توقيره وتعظيمه في الألفاظ، ومن ذلك ما عقد له الشيخ هذا الباب حيث قال: " باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] [فصلت: ٥٠] قال مجاهد في تفسيرها: " هذا بعملي، وأنا محقوق به. " يعني أنه نسب النعمة إلى نفسه، وأنه جدير وحقيق بها، وأن الله- جل وعلا- تفضل عليه لأنه مستحق لهذا الإنعام، والمال، والجاه، ولرفعة القدر عند الناس، فصار إليه ذلك الشيء من المال والرفعة والسمعة الطيبة لأنه مستحق لذلك الشيء بفعله وبجهده ونحو ذلك مما قد يطرأ على قلوب ضعفاء الإيمان وضعفاء التوحيد.
والواجب أن يعلم العبد أنه فقير غير مستحق لشيء على الله- جل وعلا- وأن الله هو الرب المستحق على العبد أن يشكره، وأن يذكره، وأن ينسب
стр. 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
النعم إليه، أما العبد فليس مستحقا في الدنيا بحق واجب على الله- جل وعلا - إلا ما أوجبه الله -جل وعلا- على نفسه.
ومثل قول القائل: هذا بعملي، وأنا محقوق به، - بعد أن أتته رحمة من بعد ضراء- مثل هذا القول يكثر في ألفاظ الناس، كقول الطبيب مثلا: هذا الذي حصل من شفاء المريض بسببي، أو نجاحي، ونيلي لهذا الأمر إنما بسبب جهدي، وبسبب تعبي، ونحو ذلك مما يجعل إنعام الله -جل وعلا- على العبد بذلك بسبب استحقاقه، أو أن ينسى الله -جل وعلا- وينسب الأشياء إلى نفسه؛ ولهذا قال: " قال ابن عباس: يريد من عندي ": أي أنا الذي أتيت بهذا المال أو بهذه النعمة وهذا من عندي، ولم يتفضل علي به.
فيدخل في هذا الوصف الذي جاء في الآية نوعان من الناس: من ينسب الشيء إلى نفسه، ولا ينسبه إلى الله -جل وعلا- أصلا، والثاني: أن ينسبه إلى الله تعالى، لكن يرى نفسه مستحقا لذلك الشيء على الله -جل وعلا- كما يحصل من بعض المغرورين أنه إذا أطاع الله واتقاه، وحصلت له نعمة قال: حصلت لي هذه النعمة من جراء استحقاقي لها، فأنا العابد لله -جل وعلا- ولا يستحضر أن الله- جل وعلا- يرحم عباده ولو حاسبه على عمله لم تقم عباداته وعمله بنعمة من النعم التي أسداها الله -جل وعلا- له.
فالواجب -إذًا- على العبد أن ينسب النعم جميعا لله، وأن يشعر بأنه لا يستحق شيئا على الله، وإنما الله هو المستحق للعبودية، وهو المستحق للشكر، وهو المستحق للإجلال، والعبد فقير مذنب مهما بلغ. وانظر إلى أبي بكر الصديق ﵁ كيف علمه النبي ﵊ أن يقول في، آخر
стр. 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي» (١) . إذا كان أبو بكر علمه الرسول ﵊ أن يدعو بهذا الدعاء، فكيف بحال المساكين أمثالنا، وأمثال أكثر هذه الأمة؟ وكيف يظنون في أنفسهم أنهم يستحقون على الله شيئا؟ !
فتمام التوحيد -إذًا- أن يجل العبد ربه ﵎ ويعظمه، وأن لا يعتقد أنه مستحق للنعم، أو أنه أوتيها بجهده، وجهاده، وعمله، وذهابه ومجيئه، بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ لأن فعل العبد سبب وهذا السبب قد يتخلف، وقد يكون مؤثرا، ثم إنه إذا أثر فلا يكون مؤثرا إلا بإذن الله -جل وعلا- فرجع الأمر إلى أنه فضل الله يؤتيه من يشاء.
" وقوله ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] [القصص: ٧٨] قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب "، هذه الآية في قصة قارون، قال -جل وعلا-: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] [القصص: ٧٦- ٧٨] إلى أن قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] قال قتادة: " على علم مني بوجوه المكاسب " وهذا يحصل من كثير ممن أغناهم الله -جل وعلا - وأعطاهم أموالا كثيرة، فتجد أحدهم ينسب الشيء إلى نفسه، فيقول: أنا
стр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
خبير بإدارة الأموال، وأنا أفهم في التجارة، وأنا عندي علم بوجوه المكاسب، ونحو ذلك، وينسى أن الله -جل وعلا- هو الذي تفضل، ولو منع الله السبب الذي فعله من التأثير لم يصر شيئا، فالله -جل وعلا- هو الذي تفضل عليه، وهو الذي وفقه وهو الذي هداه للفكرة، وهو الذي جعل السبب مؤثرا، فالله هو المنعم ابتداء وهو المنعم ختاما، فالواجب إذًا أن يتخلص العبد من رؤية نفسه وأن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ويكثر من قولها، فإنها كنز من كنوز الجنة.
فهذا الباب معقود كما ذكرنا لتخليص القلب واللسان من ألفاظ واعتقادات باطلة، يظن المرء فيها أنه مستحق أشياء على الله -جل وعلا- والتوحيد هو أن يكون العبد ذليلا خاضعا بين يدي الله، يعلم أنه لا يستحق شيئا على الله -جل وعلا- وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
" وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل ": وهذا يشمل أحد النوعين اللذين ذكرتهما. " وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف ".
ثم ساق حديث أبي هريرة الطويل، والدلالة منه ظاهرة: وأن الله- جل وعلا- عافى هؤلاء الثلاثة في أبدانهم، ورزقهم من فضله، ثم نسب اثنان منهم النعمة إلى أنفسهم، وثالث نسبها إلى الله، فجزى الله الأخير خيرا، وأدام عليه النعمة، ورضي عنه، وعاقب الآخرين، وسخط عليهما، وهذا فضل الله ينعم ثم يثبت النعمة فيمن يشاء، ويصرفها عمن يشاء، ومن أسباب ثبات النعمة أن يعظم العبد ربه، وأن يعلم أن الفضل بيد الله، وأن النعمة هي نعمة الله.
стр. 484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وفي ختام هذه الأبواب أوصي المسلم بأن يكون حذرا من آفات اللسان، متثبتا فيما يتكلم به، وأن يعلم أن كل خير إنما هو من الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولو سلبه الله العناية منه طرفة عين لهلك، ولكان من الخاسرين، فإن العبد أحوج ما يكون إلى الاعتراف بذنبه، والعلم بأسماء الله وبصفاته، وبآثار ذلك في ملكوته، وبربوبيته- جل وعلا- على خلقه، وبعبادته حق عبادته.
مناسبة هذا الباب للأبواب قبله: أن جميع الأبواب في معنى واحد، وهو أن شكر النعمة لله- جل وعلا- فيما أنعم به، يقتضي أن تنسب إليه- جل وعلا- وأن يحمد عليها، ويثنى عليه بها، وأن تستعمل في مراضيه- جل وعلا- وأن يتحدث بها، فالذي ينسب النعم إلى نفسه لم يحقق التوحيد؛ فإنه جمع بين ترك تعظيم الله- جل وعلا- وبين ادعاء شيء ليس له، وقد يعتقد في غيره أنه هو المنعم عليه، كقول القائل: لولا فلان لم يكن كذا، أو نحو تلك العبارات التي تدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢]
стр. 485
[باب قوله تعالى فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ]
باب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] [الأعراف: ١٩٠] .
قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب.
وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعانني، أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنه فيشقه ولأفعلن، ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] رواه ابن أبي حاتم. (١) .
وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته (٢) . وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 486
قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا (١) وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهما ".
فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله.
الثانية: تفسير الآية.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وفي قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] [النحل: ٨٣] فهذه الألفاظ وأمثالها راجعة إلى عدم شكر النعمة.
ومن شكر النعم أن الله- جل وعلا- إذا أنعم على عبد بولد، وجعله سليما معافى، ورزقه بتلك النعمة -التي هي نعمة الولد- أن يشكر الله عليها، ومن عدم شكر النعمة تلك، ونسبتها إلى غير الله: أن يعبد الولد لغير الله- جل وعلا- فإن هذا مضاد للاعتراف بأن المنعم بذلك الولد هو الله ﷻ وقد يصل ذلك إلى حد الشرك الأكبر، إذا عبد الولد لولي أو لعبد صالح، وهو يعني حقيقة العبودية التي هي أن هذا عبد لذاك؛ لأن ذاك إله. كمن يعبد لبعض المشايخ، فيقول: عبد السيد ويعنون به: السيد البدوي، ويقولون: عبد زينب، وعبد علي، وعبد عمرو، ونحو ذلك من الأسماء التي فيها اعتقادات.
فمن عبد ولدا لغير الله -جل وعلا- فقد نافى شكر النعمة؛ ولهذا أتبع الشيخ- ﵀ هذا الباب الأبواب قبله لما كان يشترك معها في هذا المعنى، وأن الواجب على العبد أن يحقق التوحيد، وأن لا ينسب النعم لغير الله -جل وعلا- فإن وقع منه ذلك فواجب عليه أن يبادر بالتوبة، وألا يقيم على ذلك.
" باب قول الله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] [الأعراف: ١٩٠] :
стр. 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] الضمير هنا يرجع إلى آدم وحواء، والذي عليه عامة السلف أن القصة في آدم وحواء حتى قال الشارح الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: إن نسبة ذلك إلى غير آدم وحواء هو من التفاسير المبتدعة. وسياق الآية لا يقتضي غير ذلك إلا بأوجه من التكلف؛ ولهذا اعتمد الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ التفسير الذي عليه عامة السلف، ففسر هذه الآية بأن المراد بها آدم وحواء، فقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني: آتى الله آدم وحواء صالحا. وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني: من جهة الخلقة؛ لأنه كان يأتيهما ولد فيموت، أو يكون معيبا فيموت، فالله -جل وعلا- رزقهما هذا الولد الصالح السليم في خلقته، المعافى في بنيته، وكذلك هو صالح لهما من جهة نفعهما.
﴿جَعَلَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني: آدم وحواء ﴿لَهُ﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني: لله- جل وعلا- ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] وكلمة شركاء جمع الشريك، والشريك في اللغة هو المقصود بهذه الآية، ومعنى الشركة في اللغة: اشتراك اثنين في شيء، فجعلا لله -جل وعلا- شركاء فيما آتاهما، حيث سميا ذلك الولد عبد الحارث. والحارث هو إبليس، وهو الذي قال: إن لم تسمياه عبد الحارث لأفعلن ولأفعلن، ولأجعلن له قرني أيل -وهو ذكر الوعل- وفي هذا تهديد بأن يشق بطن الأم، فتموت ويموت أيضا الولد.
فلما رأت حواء ذلك، وأنها قد مات لها عدة بطون، أطاعت الشيطان في ذلك، فصارت الشركة شركة في الطاعة، وآدم وحواء ﵉ قد
стр. 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أطاعا الشيطان من قبل، حيث أمرهما بأن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله -جل وعلا- عنها، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «خدعهما مرتين» (١) وهذا هو المعروف عند السلف، فيكون إذًا قوله: ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] من جهة التشريك في الطاعة، ومعلوم أن كل عاص مطيع للشيطان، وكل معصية لا تصدر من العبد إلا وثم نوع تشريك حصل في الطاعة؛ لأنه إما أن يطيع هواه، وإما أن يطيع الشيطان؛ ولهذا قال شيخ الإسلام وغيره من المحققين: إنه ما من معصية يعصي بها العبد ربه إلا وسببها طاعة الشيطان أو طاعة الهوى، وذلك نوع تشريك، وهذا هو الذي حصل من آدم وحواء ﵉، وهو لا يقتضي نقصا في مقامهما، ولا يقتضي شركا بالله -جل وعلا- وإنما هو نوع تشريك في الطاعة. والمعاصي الصغار جائزة على الأنبياء، كما هو معلوم عند أهل العلم، فإن آدم نبي مكلم، وصغار الذنوب جائزة على الأنبياء، ولا تقدح في كمالهم؛ لأنهم لا يستقيمون عليها، بل يسرعون وينيبون إلى الله -جل وعلا- ويكون حالهم بعد ما وقع منهم ذاك أعظم من حالهم قبل أن يقع منهم ذلك؛ لأنه يكون لهم مقامات إيمانية واعتراف بالعبودية أعظم، وذل وخضوع أكبر بين يدي الله -جل وعلا-، ومعرفة أكمل بتحقيق ما يجب لله -جل وعلا- وما يستحب.
فهذه القصة -كما ذكرنا- صحيحة، وآثار السلف الكثيرة تدل عليها، وسياق الآيات في آخر سورة الأعراف يدل عليها، والإشكال الذي أورده
стр. 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بعض أهل التفسير من المتأخرين، وهو أن آدم وحواء جعلا لله شركاء، وهذا نص الآية لا يمنع؛ لأن التشريك هنا تشريك فيما يدل عليه المعنى اللغوي، وليس شركا أصغر، ولا شركا أعظم، وحاشاهما من ذلك، وإنما هو تشريك في الطاعة، كما قال -جل وعلا- ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] [الفرقان: ٤٣] وكما قال أيضا في الآية الأخرى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] [الجاثية: ٢٣] فكل من جعل هواه متبعا فقد جعله مطاعا، وهذا نوع تأليه، لكن لا يقال: عبد غير الله، أو أله غير الله، أو أشرك بالله -جل وعلا- لكن هو نوع تشريك، فكل طاعة للشيطان أو للهوى فيها هذا النوع من التشريك، إذ الواجب على العبد أن يعظم الله -جل وعلا- وأن لا يطيع إلا أمره -جل وعلا- وأمر رسوله ﷺ .
فظهر بهذا التقرير أن هذه القصة لا تقتضي نقصا في مقام آدم ﵇ ولا في مقام حواء، بل هو ذنب من الذنوب، تابا منه، كما حصل لهما أول مرة في الأكل من الشجرة، بل إن أكلهما من الشجرة ومخالفة أمر الله -جل وعلا- أعظم من هذا الذي حصل منهما هنا، وهو تسمية الولد عبد الحارث، وذلك أن الخطاب الأول كان من الله -جل وعلا- لآدم مباشرة، خاطبه الله -جل وعلا- ونهاه عن أكل هذه الشجرة، وهذا خطاب متوجه إلى آدم بنفسه، وأما هذه التسمية فإنه لم ينه عنها مباشرة، وإنما يفهم النهي عنها من وجوب حق الله -جل وعلا-، فذاك المقام زاد على هذا المقام من
стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جهة خطاب الله -جل وعلا- المباشر لآدم، وهذا أمر معروف عند أهل العلم؛ ولهذا فسر قتادة كلمة شركاء بقوله كما نقل الشيخ حيث قال: " له بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته " وهذا هو الصحيح في تفسير الآية.
" قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب " (١) .: قول ابن حزم: " اتفقوا " يعني: أجمعوا، أي: أجمع أهل العلم فيما علمه هو أن التعبيد لغير الله محرم؛ لأن فيه إضافة النعم لغير الله، وفيه أيضا إساءة أدب مع الربوبية والإلهية، فإن تعبيد الناس لغير الله -جل وعلا- غلط من جهة المعنى، وأيضا فيه نوع هضم لمقام الربوبية، فلذلك حرم في شريعة الإسلام هذه التسمية، بل وفي شرائع الأنبياء جميعا، فاتفق أهل العلم على ذلك، وأن كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وعبد علي، وغير ذلك من الأسماء، فإن هذا وما أشبهه محرم ولا يجوز.
قوله: " حاشا عبد المطلب ": يعني: لم يجمعوا عليه؛ فإن من أهل العلم من قال: تكره التسمية بعبد المطلب ولا تحرم؛ لأن النبي ﵊ قال في غزوة حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (٢) . قالوا: وجاء في أسماء الصحابة من اسمه عبد المطلب؛ ولهذا قالوا:
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لا يحرم، وهذا القول ليس بصحيح في أن عبد المطلب لا تكره التسمية به ولا تحرم، وما استدلوا به ليس بوجيه، وذلك أن قول النبي ﵊: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " كان من جهة الإخبار، والإخبار ليس فيه تعبيد مباشر بإضافة ذلك المخلوق إلى غير خالقه، وإنما هو إخبار، وباب الإخبار أوسع من باب الابتداء كما هو معلوم.
وأما تسمية بعض الصحابة بعبد المطلب، فالمحققون من الرواة يقولون: إن من سمي بعبد المطلب، فالصحيح أن اسمه المطلب بدون التعبيد، ولكن نقل بعبد المطلب، لأنه شاعت التسمية بعبد المطلب دون المطلب، فوقع خطأ في ذلك، وبحث هذه المسائل يطول، ومحله كتب الحديث وكتب الرجال.
" وعن ابن عباس في معنى الآية قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعانني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنه فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] رواه ابن أبي حاتم. وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته ": وهذا دليل على التفريق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة، فالشرك في العبادة كفر أكبر مخرج من الملة، أما
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرك في الطاعة فله درجات يبدأ من المعصية والمحرم وينتهي بالشرك الأكبر، فالشرك في الطاعة درجاته كثيرة، وليس درجة واحدة، فقد يحصل شرك في الطاعة فيكون معصية، ويحصل شرك في الطاعة فيكون كبيرة، ويحصل شرك في الطاعة ويكون كفرا أكبر، ونحو ذلك، أما الشرك في العبادة فهو كفر أكبر بالله ﷻ ؛ ولهذا فرق أهل العلم بين شرك الطاعة وشرك العبادة، مع أن العبادة مستلزمة للطاعة، والطاعة مستلزمة أيضا للعبادة، لكن ليس في كل درجاتها.
" وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا ": يعني: خافا أن يكون له -كما قال الشيطان- له قرنا أيل، أو خلقته مختلفة، أو يخرج حيوانا، أو قردا، أو نحو ذلك، فقالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني: ولدا صالحا سليما من الآفات، سليما من الخلقة المشينة، فوعدا بأن يكونا من الشاكرين ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] عبدا ذلك للحارث، خوفا من أن يتسلط الشيطان عليه بالموت أو الإهلاك، فأخذتهما شفقة الوالد على الولد فكان ذلك خلاف شكر تلك النعمة؛ لأن من شكر نعمة الولد أن يعبد الولد لله الذي أنعم به وأعطاه وتفضل به.
هذا الباب في وجوب تعظيم أسماء الله الحسنى، وأن من تعظيمها أن لا يلحد فيها، وأن يدعى الله -جل وعلا- بها، والأسماء الحسنى هي:
стр. 494
[باب قول الله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ]
باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] [الأعراف: ١٨٠] .
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] يشركون، (١) . وعنه: سمو اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها ".
فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء.
الثانية: كونها حسنى.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها.
السادسة: وعيد من ألحد.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأسماء البالغة في الحسن نهايته، فالخلق يتسمون بأسماء، لكن قد لا تكون حسنة، أو قد تكون حسنة، ولكن ليست بالغة في الحسن نهايته؛ لأن الحسن في الأسماء يكون راجعا إلى أن الصفة التي اشتمل عليها ذلك الاسم تكون حقا، موجودة فيمن تسمى بها، والإنسان وإن تسمى باسم فيه معنى فقد لا يكون فيه من ذلك المعنى شيء، فيسمى صالحا وقد لا يكون صالحا، ويسمى خالدا وقد لا يكون خالدا، ويسمى محمدا وقد لا يكون كثير خصال الحمد وهكذا، فإن الإنسان قد يسمى بأسماء لكن لا تكون في حقه حسنى، والله -جل وعلا- له الأسماء الحسنى البالغة في الحسن نهايته، وهي الأسماء المشتملة على صفات الكمال، والجلال، والجمال، والقدرة، والعزة، والجبروت وغير ذلك، وله من كل اسم مشتمل على صفة أعلى وأعظم وأسمى المعاني التي اشتملت عليها الصفة.
وأهل العلم إذا فسروا الأسماء الحسنى فإنما هو تقريب، ليدلوا الناس على أصل المعنى، أما المعنى بكماله فإنه لا يعلمه أحد إلا الله ﷻ ولهذا قال ﷺ في دعائه: «لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١) . فالناس حين يفسرون أسماء الله- جل وعلا- فإنهم يفسرون ذلك بما يقرب إلى الأفهام المعنى، أما حقيقة المعنى على كماله فإنهم لا يعونه؛ لأن ذلك من الغيب، وكذلك الكيفية فإنهم لا يعلمونها؛ لأن ذلك من الغيب، فالله- جل وعلا- له الأسماء الحسنى، والصفات العلى.