. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جهة خطاب الله -جل وعلا- المباشر لآدم، وهذا أمر معروف عند أهل العلم؛ ولهذا فسر قتادة كلمة شركاء بقوله كما نقل الشيخ حيث قال: " له بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته " وهذا هو الصحيح في تفسير الآية.
" قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب " (١) .: قول ابن حزم: " اتفقوا " يعني: أجمعوا، أي: أجمع أهل العلم فيما علمه هو أن التعبيد لغير الله محرم؛ لأن فيه إضافة النعم لغير الله، وفيه أيضا إساءة أدب مع الربوبية والإلهية، فإن تعبيد الناس لغير الله -جل وعلا- غلط من جهة المعنى، وأيضا فيه نوع هضم لمقام الربوبية، فلذلك حرم في شريعة الإسلام هذه التسمية، بل وفي شرائع الأنبياء جميعا، فاتفق أهل العلم على ذلك، وأن كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وعبد علي، وغير ذلك من الأسماء، فإن هذا وما أشبهه محرم ولا يجوز.
قوله: " حاشا عبد المطلب ": يعني: لم يجمعوا عليه؛ فإن من أهل العلم من قال: تكره التسمية بعبد المطلب ولا تحرم؛ لأن النبي ﵊ قال في غزوة حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (٢) . قالوا: وجاء في أسماء الصحابة من اسمه عبد المطلب؛ ولهذا قالوا:
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لا يحرم، وهذا القول ليس بصحيح في أن عبد المطلب لا تكره التسمية به ولا تحرم، وما استدلوا به ليس بوجيه، وذلك أن قول النبي ﵊: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " كان من جهة الإخبار، والإخبار ليس فيه تعبيد مباشر بإضافة ذلك المخلوق إلى غير خالقه، وإنما هو إخبار، وباب الإخبار أوسع من باب الابتداء كما هو معلوم.
وأما تسمية بعض الصحابة بعبد المطلب، فالمحققون من الرواة يقولون: إن من سمي بعبد المطلب، فالصحيح أن اسمه المطلب بدون التعبيد، ولكن نقل بعبد المطلب، لأنه شاعت التسمية بعبد المطلب دون المطلب، فوقع خطأ في ذلك، وبحث هذه المسائل يطول، ومحله كتب الحديث وكتب الرجال.
" وعن ابن عباس في معنى الآية قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعانني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنه فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] رواه ابن أبي حاتم. وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته ": وهذا دليل على التفريق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة، فالشرك في العبادة كفر أكبر مخرج من الملة، أما
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرك في الطاعة فله درجات يبدأ من المعصية والمحرم وينتهي بالشرك الأكبر، فالشرك في الطاعة درجاته كثيرة، وليس درجة واحدة، فقد يحصل شرك في الطاعة فيكون معصية، ويحصل شرك في الطاعة فيكون كبيرة، ويحصل شرك في الطاعة ويكون كفرا أكبر، ونحو ذلك، أما الشرك في العبادة فهو كفر أكبر بالله ﷻ ؛ ولهذا فرق أهل العلم بين شرك الطاعة وشرك العبادة، مع أن العبادة مستلزمة للطاعة، والطاعة مستلزمة أيضا للعبادة، لكن ليس في كل درجاتها.
" وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا ": يعني: خافا أن يكون له -كما قال الشيطان- له قرنا أيل، أو خلقته مختلفة، أو يخرج حيوانا، أو قردا، أو نحو ذلك، فقالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني: ولدا صالحا سليما من الآفات، سليما من الخلقة المشينة، فوعدا بأن يكونا من الشاكرين ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] عبدا ذلك للحارث، خوفا من أن يتسلط الشيطان عليه بالموت أو الإهلاك، فأخذتهما شفقة الوالد على الولد فكان ذلك خلاف شكر تلك النعمة؛ لأن من شكر نعمة الولد أن يعبد الولد لله الذي أنعم به وأعطاه وتفضل به.
هذا الباب في وجوب تعظيم أسماء الله الحسنى، وأن من تعظيمها أن لا يلحد فيها، وأن يدعى الله -جل وعلا- بها، والأسماء الحسنى هي:
стр. 494
[باب قول الله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ]
باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] [الأعراف: ١٨٠] .
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] يشركون، (١) . وعنه: سمو اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها ".
فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء.
الثانية: كونها حسنى.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها.
السادسة: وعيد من ألحد.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأسماء البالغة في الحسن نهايته، فالخلق يتسمون بأسماء، لكن قد لا تكون حسنة، أو قد تكون حسنة، ولكن ليست بالغة في الحسن نهايته؛ لأن الحسن في الأسماء يكون راجعا إلى أن الصفة التي اشتمل عليها ذلك الاسم تكون حقا، موجودة فيمن تسمى بها، والإنسان وإن تسمى باسم فيه معنى فقد لا يكون فيه من ذلك المعنى شيء، فيسمى صالحا وقد لا يكون صالحا، ويسمى خالدا وقد لا يكون خالدا، ويسمى محمدا وقد لا يكون كثير خصال الحمد وهكذا، فإن الإنسان قد يسمى بأسماء لكن لا تكون في حقه حسنى، والله -جل وعلا- له الأسماء الحسنى البالغة في الحسن نهايته، وهي الأسماء المشتملة على صفات الكمال، والجلال، والجمال، والقدرة، والعزة، والجبروت وغير ذلك، وله من كل اسم مشتمل على صفة أعلى وأعظم وأسمى المعاني التي اشتملت عليها الصفة.
وأهل العلم إذا فسروا الأسماء الحسنى فإنما هو تقريب، ليدلوا الناس على أصل المعنى، أما المعنى بكماله فإنه لا يعلمه أحد إلا الله ﷻ ولهذا قال ﷺ في دعائه: «لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١) . فالناس حين يفسرون أسماء الله- جل وعلا- فإنهم يفسرون ذلك بما يقرب إلى الأفهام المعنى، أما حقيقة المعنى على كماله فإنهم لا يعونه؛ لأن ذلك من الغيب، وكذلك الكيفية فإنهم لا يعلمونها؛ لأن ذلك من الغيب، فالله- جل وعلا- له الأسماء الحسنى، والصفات العلى.
стр. 496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن الأسماء ما لا يكون حسنا إلا بقيد مثل: الصانع، والمتكلم، والمريد، والفعال أو الفاعل، ونحو ذلك، فهذه الأسماء لا تكون كمالا إلا بقيد، وهو أن يكون متكلما بما شاء إذا شاء بما تقتضيه الحكمة وتمام العدل، فهذا يكون محمودا؛ ولهذا ليس من أسماء الله المتكلم، وكذلك الصانع قد يصنع خيرا، وقد يصنع غير ذلك، والله- جل وعلا- ليس من أسمائه الحسنى الصانع؛ لاشتماله على هذا وهذا، فإذا أطلق من جهة الخبر فيعنى به ما يقيد بالمعنى الذي فيه كمال، وكذلك فاعل أو فعال فإن الفعال قد يفعل أشياء لا توافق الحكمة، وقد يفعل أشياء لا يريدها بل مجبر عليها، والكمال أن يفعل ما يريد ولا يكون مجبرا لكمال عزته وقهره؛ ولهذا قال الله- جل وعلا- عن نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] [البروج: ١٦]- لأن تقييد كونه فعالا بما يريد، يدل على الكمال في أشياء كثيرة، وهي معروفة في مباحث الأسماء والصفات.
وأسماء الله الحسنى تنقسم باعتبارات من جهة المعنى، قال طائفة من أهل العلم: إن منها أسماء الجمال، وأسماء الجمال لله- ﷻ هي الأسماء المشتملة على حسن في الذات، أو حسن في المعنى وبر بالعباد والمخلوقين، فيكون من أسماء الجمال صفات الذات، واسم الله الجميل، ويكون من أسماء الجمال: البر، والرحيم، والودود، والمحسن، وما أشبه ذلك. ومن أسماء الله ما هو من الجلال فيقال: هذه أسماء الجلال، وأسماء الجلال لله هي التي فيها ما يدل العباد على جلال الله، وعظمته وعزته- جل وعلا- وجلاله حتى يجل، من مثل: القهار، والجبار، والقدير، والعزيز،
стр. 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ونحو ذلك، فهذه أسماء الجلال، وهناك أسماء في تقسيمات مختلفة، تطلب من كلام ابن القيم ﵀ أو من كلام الشراح، فإن المقصود هو أن العبد المؤمن الموحد ينبغي أن يتعرف إلى الله- جل وعلا- بأسمائه وصفاته، ولا تتم حقيقة التوحيد في قلب العبد حتى يعلم أسماء الله- جل وعلا- ويعلم صفات الله- جل وعلا- فإن العلم بها تتم به حقيقة التوحيد.
والعلم بها على مراتب، منها: أن يعلمها إثباتا، يعني: أن يثبت ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، فيؤمن أن هذا الاسم من أسماء الله، وأن هذه الصفة من صفات الله جل وعلا.
والثاني: أن يسأل الله- جل وعلا- بأسمائه وصفاته بما يوافق مطلوبه؛ لأن الأسماء والصفات نتعبد لله- جل وعلا- بها، بأن ندعوه بها كما جاء في هذه الآية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والثالث من الإيمان بالأسماء والصفات: أن ينظر إلى آثار أسماء الله وصفاته في الملكوت، فإذا نظر إلى آثار الأسماء والصفات في الملكوت وتأمل ذلك علم أن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن الحقيقة أن الحق الثابت اللازم هو الله- جل وعلا- وأما ما سوى الله فهو باطل، وزائل، وآيل إلى الهلاك ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [القصص: ٨٨] .
قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] هي لام الاستحقاق، يعني: الأسماء الحسنى البالغة في الحسن نهايته مستحقة لله- جل وعلا- والله مستحق ذلك.
стр. 498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] يعني: إذا علمتم أن الله هو المستحق لذلك، وآمنتم به، فادعوه بها، وهذا أمر، والدعاء هنا فسر بالثناء والعبادة، وفسر بالسؤال والطلب، وكلاهما صحيح؛ فإننا ندعو الله بها، أي: نحمده، ونثني عليه بها، فنعبده متوسلين إليه بالأسماء الحسنى، وما اشتملت عليه من الصفات العلى، وكذلك أن نسأله بها، يعني: إذا كان لنا مطلوب نتوجه إلى الله، فنسأله بتلك الأسماء بما يوافق المطلوب، فإذا سألنا الله المغفرة نأتي بصفات الجمال، وإذا سألنا الله- جل وعلا- النصرة نأتي بصفات الجلال، وهكذا فيما يناسب، وهناك تفصيلات أيضا لهذا الأمر.
والمقصود أن قوله- جل وعلا- ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] يعني: اسألوه بها، أو اعبدوه، واثنوا عليه بها- جل وعلا-، فيشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
والباء في قوله ﴿بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] هي باء الوسيلة، أي: ادعوه متوسلين بها.
قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] يعني: اتركوا، وهذا يوجب على المسلم أن يبتعد عن حال الذين يلحدون في أسماء الله- جل وعلا-. والإلحاد في أسماء الله هو: الميل والعدول بها عن حقائقها إلى ما لا يليق بالله -جل وعلا-.
وهذا الإلحاد في أسماء الله وصفاته مراتب منها: أن يسمي البشر المعبودين بأسماء الله، كما سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، ونحو ذلك.
стр. 499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن الإلحاد في أسماء الله: أن يجعل لله- جل وعلا- ولد، وأن يضاف المخلوق إليه إضافة الولد إلى والده، كحال النصارى.
ومن الإلحاد: إنكار الأسماء والصفات، أو إنكار بعض ذلك، كما فعلت الجهمية الغلاة، فإنهم لا يؤمنون باسم من أسماء الله، ولا بصفة من صفات الله إلا الوجود والموجود، لأن هذه الصفة هي التي يستقيم معها برهانهم بحلول الأعراض في الأجسام، ودليل ذلك على الوحدانية كما هو معروف في موضعه.
ومن الإلحاد أيضا والميل بها عن الحق الثابت الذي يجب لله- جل وعلا- فيها: أن تؤول وتصرف عن ظاهرها إلى معان لا يجوز أن تصرف إليها، فيكون ذلك من التأويل، والواجب الإيمان بالأسماء والصفات وإثباتها، واعتقاد ما دلت عليه، وترك التعرض لها بتأويل ونحوه، وهذه هي قاعدة السلف فنؤمن بها ولا نصرفها عن حقائقها بتأويل أو بمجاز أو نحو ذلك، كما فعل المعتزلة، وفعلته الأشاعرة، والماتريدية وطوائف، كل هذا نوع من أنواع الإلحاد.
وإذا تقرر ذلك علم أن الإلحاد منه ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة بحسب ما ذكرنا، فالحال الأخيرة -وهي التأويل، وادعاء المجاز في الأسماء والصفات- بدعة وإلحاد لا يصل بأصحابه إلى الكفر، أما نفي وإنكار وجحد الأسماء والصفات، فهذا كفر، كحال الجهمية، والنصارى، ومشركي العرب.
" ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] يشركون ": يعني يجعلون اللات من الإله، فينادون اللات، وعندهم أنهم نادوا الإله، فصار شركا.
стр. 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" وعنه: سمو اللات من الإله، والعزى من العزيز وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها ": وهذه مرتبة من مراتب الإلحاد في أسمائه؛ لأن الله- جل وعلا- له الأسماء الحسنى، فمن أدخل اسما لم يثبت في الكتاب والسنة أنه من أسماء الله فقد ألحد؛ لأنه مال وعدل عن الحق الذي يجب في الأسماء والصفات إلى غيره، والحق هو أن تثبت لله ما أثبته لنفسه، إذ لا أحد أعلم بالله من الله- ﷻ وتعاظم شانه- وكذلك لا أحد أعلم من الخلق بالله- جل وعلا- من رسوله الخاتم محمد ﷺ . فمن أدخل فيها ما ليس منها فقد ألحد، كمن قال: إن من أسماء الله: الماكر، والمستهزئ، والصانع، وجعل ذلك من الأسماء الحسنى، فإن هذا لا يجوز، ومنها ما يجوز بتقييد في باب الإخبار، ومباحث هذا الباب طويلة لاتصالها بالأسماء والصفات وهي معروفة في مبحث توحيد الأسماء والصفات.
مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: أن ترك قول: السلام على الله، هو من تعظيم الأسماء الحسنى، ومن العلم بها، ذلك أن السلام هو الله- ﷻ ، والسلام من أسمائه ، فهو المتصف بالسلامة الكاملة من كل نقص وعيب، وهو المنزه والمبعد عن كل آفة ونقص وعيب، فله الكمال المطلق في ذاته، وصفاته الذاتية، وصفاته الفعلية- جل وعلا-،
стр. 501
[باب لا يقال السلام على الله]
باب لا يقال السلام على الله " في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: «كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : " لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام» (١) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام.
الثانية: أنه تحية.
الثالثة: أنها لا تصلح لله.
الرابعة: العلة في ذلك.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والسلام في أسماء الله معناه أيضا: الذي يعطي السلامة ويرزقها، وأثر هذا الاسم في ملكوت الله أن كل سلامة في ملكوت الله من كل شر يؤذي الخلق، فإنها من آثار هذا الاسم، فإنه لكون الله- جل وعلا- هو السلام فإنه يفيض السلامة على العباد.
إذا كان كذلك فالله- ﷻ هو الذي يفيض السلام، وليس العباد هم الذين يعطون الله السلامة، فإن الله- جل وعلا- هو الغني عن خلقه بالذات، والعباد فقراء بالذات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] [فاطر: ١٥] ، فالعبد هو الذي يعطى السلامة، والله- جل وعلا- هو الذي يسلم؛ ولهذا كان من الأدب الواجب في جناب الربوبية وأسماء الله وصفاته أن لا يقال: السلام على الله، بل أن يقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على فلان وفلان، السلام عليك يا فلان، ونحو ذلك، فتدعو له بأن يبارك باسم الله (السلام) أو أن تحل عليه السلامة.
فظهر بهذا أن وجه مناسبة هذا الباب للذي قبله ظاهرة. وأما مناسبته لكتاب التوحيد: فهي أن الأدب مع أسماء الله- جل وعلا- وصفاته ألا يخاطب بهذا الخطاب، وأن لا يقال: السلام على الله، لأن في هذا نقصا في تحقيق التوحيد، فتحقيق التوحيد الواجب ألا تقال هذه الكلمة؛ لأن الله غني عن عباده، والفقراء هم الذين يحتاجون إلى السلام.
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: «كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده السلام على فلان
стр. 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وفلان» ، وإنما كانوا يقولون هذا مع كونهم موحدين عالمين بحق الله- جل وعلا- ظنا أنها تحية لا تحوي ذلك المعنى، فجعلوها من باب التحية، والتحية في هذه الشريعة مرتبطة بالمعنى، فالسلام على الله من عباده كأنهم قالوا: تحية لله من عباده، وهذا المعنى- وإن كان صحيحا من حيث القصد- لكنه ليس بصحيح من حيث اللفظ، لأن هذا اللفظ لا يجوز من جهة أن الله - جل وعلا- هو السلام كما قال النبي ﵊. والعباد مسلمون، أي: يسلمهم الله- جل وعلا- ويفيض عليهم السلامة وهم الفقراء المحتاجون، فليسوا هم الذي يعطون الله السلام، فمعنى: السلام على الله، يعني: السلامة تكون على الله من عباده، وهذا لا شك أنه باطل وإساءة في الأدب مع ما يجب لله- جل وعلا- في ربوبيته وأسمائه وصفاته.
لهذا قال لهم النبي ﵊ «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام» ، وهذا النهي للتحريم، فلا يجوز لأحد أن يقول: السلام على الله؛ لأن السلام على الله مقتض لانتقاص جناب الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
إذا كان كذلك، فما معنى قولك حين تسلم على أحد: السلام عليك يا فلان، أو السلام عليكم ورحمة الله؟ وهي تحية المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] [الأحزاب: ٤٤] . قال بعض أهل العلم: إن معناها: كل اسم لله- جل وعلا- عليكم، يعني: اسم السلام عليكم، فيكون ذلك تبركا بأسماء الله- جل وعلا- وبصفاته، فاسم السلام عليكم، يعني: اسم الله عليكم، فيكون ذلك تبركا بكل الأسماء ومنها اسم الله- جل وعلا- السلام، وهذا أحد المعنيين.
стр. 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والثاني: ما قاله آخرون من أهل العلم: أن قول القائل: السلام عليكم ورحمة الله، يعني: السلامة التي اشتمل عليها اسم (السلام) عليكم، نسأل الله أن يفيضها عليكم، أو أن يكون المعنى: كل سلامة عليكم مني، فإنك لن تجد مني إلا السلامة، وهذا يصدق حين تنكر فتقول: سلام عليكم ورحمه الله وبركاته، يعني: كل سلامة مني ستأتيك، فلن أخفرك في عرضك، ولن أخفرك في مالك، ولن أخفرك في نفسك، وكثير من المسلمين يقول هذه الكلمة وهو لا يعي معناها، لأنه حين قال لمن أتاه: السلام عليكم، كأنه عاهده بأنه لن يأتيه منه إلا السلامة، ثم هو يخفر هذه الذمة، وربما أضره، أو تناول عرضه، أو تناول ماله، أو نحو ذلك.
فهذا فيه التنبيه على فائدة مهمة، وهي أنه ينبغي لكل طالب العلم، بل كل عاقل بعامة إذا نطق بكلام أن يتبين ما معنى هذا الكلام، فكونه يستعمل كلاما لا يعي معناه، هذا من العيب، إذ ليس من أخلاق الرجال أصلا أن يتكلموا بكلام لا يعون معناه، فيأتي بكلام ثم ينقضه في فعله أو في قوله، هذا ليس من أفعال الذين يعقلون، فضلا أن يكون من أفعال أهل العلم، أو طلبة العلم الذين يعون عن الله- جل وعلا- شرعه ودينه.
والصواب أن قول القائل: السلام عليكم، يشمل المعنيين الأول والثاني، فهو تبرك بكل اسم من أسماء الله، وتبرك باسم الله (السلام) الذي من آثاره السلامة عليك في دينك ودنياك، فهو دعاء لك بالسلامة في الدين، وفي الدنيا، وفي الأعضاء، والصفات، والجوارح، إلى آخر ذلك.
الشرح: حقيقة التوحيد أن يوحد العبد ربه- جل وعلا- بتمام الذل والخضوع والمحبة، وأن يتضرع إلى الله- جل وعلا- ويتذلل إليه بإظهار فقره التام إليه،
стр. 505
[باب قوله اللهم اغفر لي إن شئت]
" باب قوله: اللهم اغفر لي إن شئت " في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له» (١) .
ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (٢) .
فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء.
الثانية: بيان العلة في ذلك.
الثالثة: قوله: ليعزم المسألة.
الرابعة: إعظام الرغبة.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأن الله- جل وعلا- هو الغني عما سواه، وقول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» يفهم منه أنه مستغن عن أن يغفر له، كما يأتي العزيز أو المتكبر من الناس فيقول لآخر لا يريد أن يتذلل له: افعل هذا إن شئت، يعني: إن فعلت ذلك فحسن، وإن لم تفعل فلست بملح عليك، ولست بذي إكرام، فهذا القول مناف لحاجة الذي قالها إلى الآخر ولهذا كان فيه عدم تحقيق للتوحيد، ومنافاة لما يجب على العبد في جناب ربويية الله- جل وعلا- من أن يظهر فاقته وحاجته لربه، وأنه لا غنى به عن مغفرة الله، وعن غنى الله، وعن عفوه، وكرمه وإفضاله، ونعمه طرفة عين، فقول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» كأنه يقول: لست محتاجا، إن شئت فاغفر، وإن لم تشأ فلست بمحتاج، وهذا فعل أهل التكبر، وأهل الإعراض عن الله- جل وعلا-، ولهذا حرم هذا اللفظ، وهو أن يقول أحد: «اللهم اغفر لي إن شئت» ؛ للحديث الذي ساقه المؤلف، فقال: " في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له» . ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» .
قوله: «ليعزم المسألة» : يعني: ليسأل سؤال عازم، سؤال محتاج، سؤال متذلل، لا سؤال مستغن مستكبر، فليعزم المسألة، وليسأل سؤال جاد محتاج متذلل فقير يحتاج إلى أن يعطى ذلك، والذي سأل سأل أعظم المسائل، وهي المغفرة والرحمة من الله- جل وعلا- فيجب عليه أن يعظم هذه المسألة، ويعظم الرغبة وأن يعزم المسألة.
стр. 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «فإن الله لا مكره له» أي: لا أحد يكرهه لتمام غناه، وتمام عزته وقهره وجبروته، وتمام كونه مقيتا ، وهذا من آثار الأسماء والصفات.
ولهذا لا يجوز قي الدعاء أن يواجه العبد ربه بهذا القول: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت» ، وهذا واضح ظاهر في الدعاء الذي فيه المخاطبة، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا يتقيد بالدعاء الذي فيه خطاب، أما الدعاء الذي ليس فيه خطاب فيكون التعليق بالمشيئة ليس تعليقا؛ لأجل عدم الحاجة، أو منبئا عن عدم الحاجة كهذا الدعاء، بل هو للتبرك كمن يقول: ﵀ إن شاء الله، أو غفر الله له إن شاء الله، أو الله يعطيه من المال كذا وكذا إن شاء الله، ونحو ذلك، فهذا قالوا: لا يدخل في هذا النوع، لأنه ليس على وجه الخطاب، وليس على وجه الاستغناء، ولكن الأدب يقتضي ألا يستعمل هذه العبارة في الدعاء مطلقا؛ لأنها وإن كانت ليست بمواجهة فإنها داخلة في تعليق الدعاء بالمشيئة، والله- جل وعلا- لا مكره له، فعموم المعنى المستفاد من قوله: «فإن الله لا مكره له» عموم هذا التعليل يشمل هذا وهذا، فلا شك أن قول «اللهم اغفر لي إن شئت» أعظم ولكن القول الآخر داخل أيضا في علة النهي ومعنى النهي؛ ولهذا لا يسوغ استعماله.
وقول النبي ﵊ لمن عاده وقد أصابته الحمى- كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما-: «طهور إن شاء الله» قال: بل هي حمى تفور. . إلخ كلامه (١) هذا ليس فيه دعاء، وإنما هو من جهة الخبر، قال: يكون طهورا إن شاء الله، فهو ليس بدعاء، وإنما هو خبر، فافترق عن أصل المسألة.
стр. 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقال طائفة من أهل العلم من شراح البخاري: وقد يكون قوله: «طهور إن شاء الله» للبركة، فيكون ذلك من جهة التبرك، كقوله- جل وعلا- مخبرا عن قول يوسف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] وهم قد دخلوا مصر، وكقوله- جل وعلا-: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧] [الفتح: ٢٧] .
الشرح: هذا الباب مع الأبواب قبله وما بعده كلها في تعظيم ربوبية الله- جل وعلا-، وتعظيم أسماء الله- جل وعلا- وصفاته؛ لأن تعظيم ذلك من كمال التوحيد، وتحقيق التوحيد لا يكون إلا بأن يعظم الله- جل وعلا- في ربوبيته، وفي إلهيته، وفي أسمائه وصفاته.
стр. 509
[باب لا يقول عبدي وأمتي]
" باب لا يقول عبدي وأمتي " في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (١) .
فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك.
الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فتحقيق التوحيد لا يكون إلا بالاحتراس من الألفاظ التي يكون فيها إساءة أدب مع ربوبية الله- جل وعلا-، أو مع أسماء الله- جل وعلا- وصفاته، ولهذا عقد المؤلف هذا الباب فقال: " باب لا يقول عبدي وأمتي ".
عبودية البشر لله - جل وعلا - عبودية حقيقة، وإذا قيل: هذا عبد الله، فهو عبد لله- جل وعلا- إما قهرا أو اختيارا، فكل من في السماوات والأرض عبد لله- جل وعلا- كما قال- جل وعلا- ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] [مريم: ٩٣- ٩٥] ، فعبودية الخلق لله- جل وعلا- ظاهرة؛ لأنه هو الرب، وهو المتصرف، وهو خالق الخلق، وهو المدبر لشئونهم، فالله- جل وعلا- هو المتفرد بذلك سبحانه، فإذا قال الرجل لرقيقه: هذا عبدي، وهذه أمتي، كان فيه نسبة عبودية أولئك له، وهذا فيه منافاة لكمال الأدب الواجب مع الله- جل وعلا-؛ ولهذا كان هذا اللفظ غير جائز عند كثير من أهل العلم، ومكروه عند طوائف آخرين.
وسبب النهي عن لفظ: «عبدي وأمتي» ما ذكرنا من وجوب تعظيم الربوبية، وعدم انتقاص عبودية الخلق لله جل وعلا.
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل
стр. 511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» : هذا النهي في هذا الحديث اختلف فيه أهل العلم على قولين:
الأول: أنه للتحريم، لأن النهي الأصل فيه للتحريم إلا إذا صرفه عن ذلك الأصل صارف.
وقال آخرون: النهي هنا للكراهة، وذلك لأنه من جهة الأدب، ولأنه جاء في القرآن قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] [يوسف: ٤٢] ولأن الربويية هنا المقصود بها ما يناسب البشر، فرب الدار، ورب العبد هو الذي يملك أمره في هذه الدنيا؛ فلهذا قالوا: النهي للكراهة وليس للتحريم، مع ما جاء في بعض الأحاديث من تجويز إطلاق بعض تلك الألفاظ.
قوله: «وليقل: سيدي ومولاي» السيادة مع كون الله- جل وعلا- هو السيد، لكن السيادة بالإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه.
«ومولاي» : المولى يأتي على معان كثيرة، ومخاطبة البشر بقول: " مولاي " أجازه طائفة من أهل العلم، بناء على هذا الحديث، وقد جاء في صحيح مسلم النهي عن أن يقول: مولاي، فقال: «لا تقولوا مولاي إنما مولاكم الله» أو نحو ذلك، وهذا الحديث أعله بعض أهل العلم بأنه نقل بالمعني، فهو شاذ من جهة اللفظ، ومعارض لهذا الحديث الذي هو نص في إجازة ذلك، فالصحيح جواز إطلاق لفظ " مولاي " و " سيدي "، ونحو
стр. 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ذلك؛ لأن المراد بالسيادة هنا سيادة تناسب البشر، وكذلك قول: مولاي مراد به ما يناسب البشر من ذلك، فليس اللفظان في مقام الربوبية المطلقة؛ لأنها أعظم درجة، ولأن العبودية لا تكون إلا لله- جل وعلا- وإطلاق ذلك على البشر لا يجوز.
فتحصل من ذلك: أن هذه الألفاظ- كما ذكرنا- يجب أن يحترز فيها، وأن يتجنب ما ينافي الأدب مع مقام ربوبية الله- جل وعلا- وأسمائه ، وعليه فلا يكون جائزا أن يقول: عبدي وأمتي، أو أن يقول: أطعم ربك، وضئ ربك، ونحو ذلك.
هذا كله مختص بالتعبيد أو الربوبية للمكلفين، أما إضافة الربوبية إلى غير المكلف فلا بأس بها؛ لأن حقيقة العبودية لا تتصور فيها، كأن تقول: رب الدار، ورب المنزل، ورب المال، ونحو ذلك، فإن الدار، والمنزل، والمال، ليست بأشياء مكلفة بالأمر والنهي فلهذا لا تنصرف الأذهان أو يذهب القلب إلى أن ثمت نوعا من عبودية هذه الأشياء لمن أضيفت إليه، بل إن ذلك معروف أنه إضافة ملك؛ لأنها ليست مخاطبة بالأمر والنهي وليس يحصل منها خضوع أو تذلل.
الشرح: هذا الباب مع الباب الذي قبله ومع ما سبقه- كما ذكرنا- كلها في تعظيم الله- جل وعلا- وربوبيته وأسمائه وصفاته؛ لأن تعظيم ذلك من إكمال
стр. 513
[باب لا يرد من سأل بالله]
" باب لا يرد من سأل بالله " عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل بالله فأعطوا ومن استعاذ بالله فأعيذوا ومن دعاكم فأجيبوا ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (١) . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التوحيد ومن تحقيق التوحيد، ومن سأل بالله- ﷻ فقد سأل بعظيم، ومن استعاذ بالله فقد استعاذ بعظيم، بل استعاذ بمن له هذا الملكوت، وله تدبير الأمر - جل وعلا- فكيف يرد من جعل مالك كل شيء وسيلة؟ ولهذا كان من تعظيم الله التعظيم الواجب ألا يرد أحد سأل بالله- جل وعلا - فإذا سأل سؤالا وجعل الله- جل وعلا- هو الوسيلة فإنه لا يجوز أن يرد تعظيما لله- جل وعلا- والذي في قلبه تعظيم الله- جل وعلا- ينتفض إذا ذكر الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] [الأنفال: ٢] بمجرد ذكر الله تجل القلوب لعلمهم بالله- جل وعلا- وما يستحق، وعلمهم بتدبيره وملكوته وعظمة صفاته وأسمائه- جل وعلا- فإذا سأل أحد بالله فإن قلب الموحد لا يكون رادا له؛ لأنه معظم لله مجل لله- جل وعلا- فلا يرد أحدا جعل وسيلته إليه رب العزة .
ومن أهل العلم من قال: إن السائل بالله قد تجب إجابته ويحرم رده، وقد لا يجب ذلك، وهذا القول هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار عدد من المحققين بعده، وهو القول الثالث في المسألة.
وأما القول الأول: فهو أن من سأل بالله حرم أن يرد مطلقا.
والقول الثاني: أن من سأل بالله استحب إجابته، وكره رده.
ومراد شيخ الإسلام ﵀ بحالة الوجوب: أن يتوجه السؤال لمعين في أمر معين، يعني: ألا يكون السائل سأل عددا من الناس بالله، ليحصل على شيء؛ فلهذا لم يدخل فيه السائل الفقير الذي يأتي فيسأل هذا ويسأل هذا،
стр. 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كما لم يدخل فيه من يكون كاذبا في سؤاله، أما إذا لم يتوجه لمعين في أمر معين، فإنه لا يجب عليه أن يؤتيه مطلبه، ويجوز له أن يرد سؤاله، وعلى هذا التفصيل يكون للمسألة ثلاثة أحوال:
حال يحرم فيها رد السائل، وحال يكره فيها رد السائل، وحال يباح فيها رد السائل بالله.
فيحرم رد السائل بالله: إذا توجه لمعين في أمر معين، كما إذا خصك بهذا التوجه، وسألك بالله أن تعينه وأنت قادر على أن تؤتيه مطلوبه.
ويستحب: إذا كان التوجه ليس لمعين، كأن يسأل أشخاصا كثيرين، ويباح: إذا كان من سأل بالله يعرف منه الكذب.
قوله: " باب لا يرد من سأل بالله " فيه عموم لأجل الحديث الوارد.
" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل بالله فأعطوه» : وإنما وجب إعطاؤه تعظيما لله- جل وعلا-. قوله: «ومن استعاذ بالله فأعيذوه» من استعاذ منك بالله فيجب أن تعيذه، فمن قال: أعوذ بالله منك، تعظيما لله- ﷻ تجيبه إلى ذلك وتتركه؛ لأن من استعاذ بالله فقد استعاذ بأعظم مستعاذ به؛ وفي قصة الجونية التي دخل عليها النبي ﵊ واقترب منها، قالت له: أعوذ بالله منك، فابتعد عنها ﵊ وقال: «لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك» (١) . فلما استعاذت بالله منه تركها ﵊.
стр. 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «ومن دعاكم فأجيبوه» عامة أهل العلم على أن هذا مخصوص بدعوة العرس، وأما سائر الدعوات فهي على الاستحباب.
قوله: «ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه» من صنع إليك معروفا فكافئه، ولتكن مكافأته من جنس معروفه، إن كان معروفه من جهة المال فكافئه من جهة المال، وإن كان معروفه من جهة الجاه فكافئه من جهة الجاه، وهكذا.
وعلاقة هذا بالتوحيد كما قال المحققون: أن الذي صنع له معروف يكون في قلبه ميل ونوع تذلل وخضوع في قلبه واسترواح لهذا الذي صنع إليه المعروف، ومعلوم أن تحقيق التوحيد لا يتم إلا بأن يكون القلب خاليا من كل ما سوى الله- ﷻ وأن يكون ذله وخضوعه وعرفانه بالجميل هو لله - جل وعلا- وتخليص القلب من ذلك يكون بالمكافأة على المعروف، وأنه إذا أدى إليك معروفا فخلص القلب من رؤية ذلك المعروف بأن ترد إليه معروفه؛ ولهذا قال: «فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» ، لأجل أن يتخلص القلب من أثر ذلك المعروف، فترى أنك دعوت له بقدر ترجو معه أنك قد كافأته، وهذا لتخليص القلب مما سوى الله- جل وعلا- وهذه مقامات لا يدركها إلا أرباب الإخلاص، وتحقيق التوحيد جعلنا الله وإياكم منهم.
الشرح: هذا باب: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» ومناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة: في أن تعظيم صفات الله- جل وعلا- الذاتية والفعلية من تحقيق التوحيد، ومن كمال الأدب والتعظيم لله- جل وعلا-، فإن تعظيم الله- ﷻ وتعظيم أسمائه وصفاته يكون بأمور كثيرة، منها: ألا يسأل بوجه الله أو بصفات الله- ﷻ إلا المطالب العظيمة التي أعلاها الجنة.
стр. 517
[باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]
باب (١) لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» (٢) . رواه أبو داود.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «لا يسأل» هذا نفي مضمن النهي المؤكد، كأنه قال: لا يسأل أحد بوجه الله إلا الجنة، أو لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، فعدل عن النهي إلى النفي لكي يتضمن أن هذا منهي عنه وأنه لا يسوغ وقوعه أصلا لما يجب من تعظيم الله- ﷻ وتعظيم توحيده، وتعظيم أسماء الله- جل وعلا- وصفاته.
قوله: «بوجه الله» وجه الله- ﷻ صفة ذات من صفاته سبحانه، وهو غير الذات. والوجه في اللغة: ما يواجه به، وهو مجمع أكثر الصفات في اللغة، فالله- جل وعلا- متصف بالوجه على ما يليق بجلاله وعظمته، نثبت ذلك إثباتا نعلم أصل المعنى، ولكن كمال المعنى أو الكيفية فإننا نكل ذلك إلى عالمه وإلى المتصف به- ﷻ ولكن نثبت على أصل عدم التمثيل والتعطيل، كما قال- جل وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١] .
قوله: «إلا الجنة» الجنة: هي دار الكرامة التي أعدها الله- جل وعلا- للمكلفين من عباده الذين أجابوا رسله، ووحدوه، وعملوا صالحا، وهي أعظم مطلوب لأن الحصول عليها حصول على أعظم ما يسر به العبد؛ فلهذا كان من غير السائغ واللائق بل كان من غير الجائز أن يسأل الله- جل وعلا- بنفسه أو بوجهه أو بصفة من صفاته أو باسم من أسمائه الحسنى إلا أعظم مطلوب، فإن الله- ﷻ لا يسأل بصفاته الأشياء الحقيرة الوضيعة؛ بل يسأل بها أعظم المطلوب، وذلك لكي يتناسب السؤال مع وسيلة السؤال، وهذا معنى هذا الباب، وهو أن من تعظيم صفات الله- جل
стр. 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعلا- أن لا تدعو الله بها إلا في الأمور الجليلة، فلا تسأل الله- جل وعلا- بوجهه أو باسمه الأعظم أو نحو ذلك في أمور حقيرة وضيعة لا تناسب تعظيم ذلك الاسم.
" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» رواه أبو داود ودلالة الحديث على ما بوب له الإمام المصنف - رحمه الله تعالى- ظاهرة جلية، وقد قال العلماء هنا: إن وجه الله- ﷻ يسأل به الجنة، ولا يجوز أن يسأل به غيرها إلا ما كان وسيلة إلى الجنة، أو كان من الأمور العظيمة التي هي من جنس السؤال بالجنة، أو من لوازم السؤال بالجنة كالنجاة من النار، وكالتثبيت عند السؤال، ونحو ذلك.
فالأمر المطلوب الجنة أو ما قرب إليها من قول أو عمل، والنجاة من النار أو ما قرب إليها من قول وعمل، فهذا يجوز أن تسأل الله- جل وعلا- إياه متوسلا بوجهه العظيم .
وأما غير الوجه من الصفات أو من الأسماء فالأدب أن لا يسأل به إلا المطالب العظيمة، أما المطالب الوضيعة أو غيرها مما ليس بعظيم، فلا يتوسل إليها بصفات الله الجليلة العظيمة، بل يقال: اللهم أعطني كذا، اللهم أسألك كذا، والله أعلم.
قلب الموحد المؤمن، لا يكون محققا مكملا للتوحيد حتى يعلم أن كل شيء بقضاء الله- جل وعلا- وبقدره، وأن ما فعله سببا من الأسباب والله- جل وعلا- ماض قدره في خلقه، وأنه مهما فعل فإنه لن يحجز قدر الله- جل وعلا-، فإذا كان كذلك كان القلب معظما لله- جل وعلا- في تصرفه في ملكوته، وكان القلب لا يخالطه تمني أن يكون شيء فات على غير ما كان، وأنه لو فعل كذا لتغير ذلك السابق، بل الواجب أن يعلم أن قضاء الله نافذ، وأن قدره ماض، وأن ما سبق من الفعل قد قدره الله- جل وعلا- وقدر نتائجه، فالعبد لا يمكنه أن يرجع إلى الماضي فيغير. وإذا استعمل لفظ (لو) أو لفظ (ليت) وما أشبهها من الألفاظ التي تدل على الندم، وعلى التحسر على ما فات، فإن ذلك يضعف القلب، ويجعله متعلقا بالأسباب، منصرفا عن الإيقان بتصريف الله- جل وعلا- في ملكوته، وكمال التوحيد إنما يكون بعدم الالتفات إلى الماضي فإن الماضي الذي حصل إما أن يكون مصيبة أصيب بها العبد فلا يجوز له أن يقول: لو فعلت كذا لما حصل كذا، بل الواجب عليه أن يصبر على المصيبة، وأن يرضى بفعل الله- جل وعلا- ويستحب له الرضى بالمصيبة.
وإذا كان ما أصابه في الماضي معصية فإن عليه أن يسارع في التوبة والإنابة وأن لا يقول: لو كان كذا لم يكن كذا بل يجب عليه أن يسارع في التوبة والإنابة حتى يمحو أثر المعصية.
فتبين أن ما مضى من المقدر للعبد معه حالان: إما أن يكون ذلك الذي مضى مصايب، فحالها كما ذكرنا، وإما أن يكون معايب ومعاصي فالواجب
стр. 520
[باب ما جاء في اللو]
" باب ما جاء في اللو " وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤] . وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] [آل عمران: ١٦٨] .
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» (١) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الثانية: النهي الصريح عن قول: " لو " إذا أصابك شيء.
الثالثة: تعليل المسألة؛ بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عليه أن ينيب وأن يستغفر وأن يقبل على الله. ﷻ وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] [طه: ٨٢] .
والشيطان يدخل على القلب، فيجعله يسيء الظن بربه- جل وعلا- وبقضائه وبقدره، وإذا دخلت إساءة الظن بالله ضعف التوحيد ولم يحقق العبد ما يجب عليه من الإيمان بالقدر والإيمان بأفعال الله- ﷻ ؛ ولهذا عقد المصنف هذا الباب؛ لأن كثيرين يعترضون على القدر من جهة أفعالهم، ويظنون أنهم لو فعلوا أشياء لتغير الحال والله- جل وعلا- قد قدر الفعل وقدر نتيجته، فالكل موافق لحكمته .
" وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤] وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] [آل عمران: ١٦٨] ": تقدم أن قول (لو) في الماضي لا يجوز وأنه محرم ودليل ذلك واضح من الآيتين. ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة: وهو أن التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ (لو) إنما هو من خصال المنافقين قال- جل وعلا- عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] وهذا في قصة غزوة أحد كما هو معروف، فهذا من كلام المنافقين، فيكون استعمال (لو) من خصال النفاق، وهذا يدل على حرمتها.
стр. 522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) ، تفتح عمل الشيطان» : وجه مناسبة هذا الحديث: قوله: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا» و (لو) هنا كانت على الماضي، وقوله: (فلا تقل) نهي، والنهي للتحريم؛ وهذا لأنه سوء ظن؛ ولأنه فتح عمل الشيطان، فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ (لو) حتى إذا استعملها ضعف قلبه وعجز، وظن أنه سيغير من قدر الله شيئا، وهو لا يستطيع أن يغير من قدر الله شيئا، بل قدر الله ماض؛ ولهذا أرشده ﵊ أن يقول: «قدر الله وما شاء فعل» ؛ لأن ذلك راجع إلى قدره وإلى مشيئته، هذا كله من النهي والتحريم راجع إلى ما كان من استعمال (لو) أو (ليت) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمني أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك فيما يتصل بالماضي.
أما المستقبل كأن يقول: لو يحصل لي كذا وكذا في المستقبل، فإنه لا يدخل في النهي؛ لأنها حينئذ تكون للتعليق في المستقبل، وترادف (إن) .
فاستعمال (لو) في المستقبل الأصل فيه الجواز، إلا إن اقترن بذلك اعتقاد أن فعله سيكون حاكما على القدر كاعتقاد بعض الجاهليين، أنه إن حصل لي كذا فعلت كذا، تكبرا وأنفة واستعظاما لفعلهم وقدرتهم، فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبرا وتعاظما، والواجب على العبد أن يكون ذليلا؛ لأن القضاء والقدر ماض، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه كحال
стр. 523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الذي قال الله- جل وعلا- فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ - فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] [التوبة: ٧٥- ٧٧] فإنهم قالوا: لئن كان لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا، فلما أعطاهم الله- جل وعلا- المال بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فهذا فيه نوع تحكم على القدر وتعاظم، فاستعمال (لو) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير فهذا جائز، أما إذا كان على وجه التجبر والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر.
الريح مخلوق من مخلوقات الله مسخر، وهي واحدة الرياح، يجريها الله- جل وعلا- كما يشاء، وهي-كالدهر- لا تملك شيئا، ولا تدبر أمرا، فسب الريح كسب الدهر يرجع في الحقيقة إلى أذية الله- جل وعلا-؛ لأن الله هو الذي يصرف الريح كيف يشاء، فيجعل الريح تأتي بأمر مكروه؛ ليذكر العباد بالتوبة والإنابة؛ ويذكر بمعرفة قدرته عليهم، وأنه لا غنى لهم
стр. 524
[باب النهي عن سب الريح]
" باب النهي عن سب الريح" عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم أنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به» (١) . " صححه الترمذي.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عنه- جل وعلا- طرفة عين. وهو الذي يجعل الرياح بشرا، فيسخرها- جل وعلا- لما فيه مصلحة العباد.
فهذا الباب عقده لبيان تحريم سب الريح، كما عقد ما قبله لبيان أن سبب الدهر لا يجوز ومحرم؛ لأنه أذية لله- جل وعلا- وهذا الباب من جنس ذاك، لكن هذا يكثر وقوعه، فأفرده لكثرة وقوعه، وللحاجة إلى التنبيه عليه.
قوله " باب النهي عن سب الريح " النهي للتحريم، وسب الريح يكون بشتمها أو بلعنها، وكما ذكرنا في باب الدهر، فإنه ليس من سبها أن توصف بالشدة، كقول الله- جل وعلا-: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ - ٧] [الحاقة: ٦- ٧] فهذا وصف للريح بالشدة، ومثل ذلك وصفها بالأوصاف التي يكون فيها شر على من أتت عليه كقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] [الذاريات: ٤٢] فمثل هذا ليس من المنهي عنه.
" عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها وخير ما أمرت به» هذا يدل على أن الريح يكون فيها خير، وتؤمر وتنهى، والله- جل وعلا- يرسل الرياح كيف يشاء، ويصرفها أيضا- جل وعلا- عمن يشاء، فهي مسخرة بأمره- جل وعلا- والملائكة هي التي تصرف الريح بأمره- جل وعلا- فللريح ملائكة تصرفها كيف شاء ربنا
стр. 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا وتقدس وتعاظم- فيكون فيها خير أو يكون فيها عذاب؛ ولهذا قال ﵊: «إذا رأيت ما تكرهون فقولوا. .» فأرشدهم " إلى القول الآتي.
«وكان النبي ﵊ إذا رأى شيئا في السماء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، ورئي ذلك في وجهه، حتى تمطر السماء، فيسرى عنه، ويسر ﵊، قالت له عائشة: يا رسول الله لم ذاك؟ قال: " ألم تسمعي لقول أولئك- أو كما قال ﵊: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] » [الأحقاف: ٢٤- ٢٥] " (١) .
فالخوف من الله- ﷻ إذا ظهرت هذه الحوادث أو التغيرات في السماء أو في الأرض واجب، والله- جل وعلا- يتعرف إلى عباده بالرخاء، كما أنه يتعرف إليهم بالشدة، حتى يعرفوا ويعلموا ربوبيته وقهره وجبروته، ويعلموا حلمه وتودده ورحمته أيضا لعباده.
فعلى العبد إذا رأى ما يكره أن يتضرع إلى الله، ويستغيث به، وأن يسأله بقوله: «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» صححه الترمذي.
стр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أسأل الله- جل وعلا- أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يجعل وسيلتنا التوحيد وأن يجعل وسيلتنا إليه الإخلاص، فإنا مذنبون، ولولا رحمة الله لهلكنا، اللهم فاغفر جما وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الله - جل وعلا - موصوف بصفات الكمال، وله - جل وعلا - أفعال الحكمة، وأفعال العدل، وأفعال الرحمة والبر، فهو سبحانه كامل في أسمائه، كامل في صفاته، كامل في ربوبيته، ومن كماله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته أنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة بالغة، والحكمة هي: أنه - جل وعلا - يضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، وهذا دليل الكمال. فالله - جل وعلا - له صفات الكمال، وله نعوت الجلال والجمال، فلهذا وجب لكماله - جل وعلا - أن يظن به ظن
стр. 528
[باب قول الله تعالى يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ . . . .]
باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤]
وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] [الفتح: ٦] ، قال ابن القيم في الآية: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ ، وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 529
بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية الفتح.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات، وعرف نفسه.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحق، وأن لا يظن به ظن السوء، وأن يعتقد فيه ما يجب لجلاله - جل وعلا - من تمام الحكمة، وكمال العدل، وكمال الرحمة، وكمال أسمائه وصفاته ، فالذي يظن به - جل وعلا - أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظن السوء الذي ظنه أهل الجاهلية، فظن غير الحق بالله تعالى مناف للتوحيد، وقد يكون منافيا لكمال التوحيد، فمنه ما يكون صاحبه خارجا عن ملة الإسلام أصلا، كظن غير الحق بالله تعالى في بعض مسائل القدر - كما سيأتي. ومنه ما هو مناف لكمال التوحيد، كعدم الإيمان بالحكمة، أو بأفعال الله - جل وعلا - المنوطة بالعلل التي هي منوطة بحكمته سبحانه البالغة؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] [الأنعام: ١٤٩] في الرد على القدرية المشركة، وقد قال أيضا - جل وعلا -: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] [القمر: ٥] ، فالله - جل وعلا - موصوف بكمال الحكمة، وكمال الحمد على أفعاله؛ لأن أفعال الله - جل وعلا - قسمان: أفعال ترجع إلى الحكمة والعدل، وأفعال ترجع إلى الفضل والنعمة والرحمة والبر بالخلق، فالله - جل وعلا - يفعل هذا وهذا، وحتى أفعاله التي هي أفعال بر وإحسان هي منوطة بالحكم العظيمة، وكذلك الأفعال التي قد يظهر للبشر أنها ليست في صالحهم أو ليست موافقة للحكمة، فإن ظن الحق بالله - جل وعلا - أن يظن به، وأن يعتقد أنه ليس ثم شيء من أفعاله إلا وهو موافق لحكمته - جل وعلا - العظيمة، إذ هو العزيز القهار، الفعال لما يريد.