← Акыда

Акыда · id 4426

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

صالح آل الشيخ

Полный текст (614 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] - جل وعلا وتقدس وتعاظم- فيكون فيها خير أو يكون فيها عذاب؛ ولهذا قال ﵊: «إذا رأيت ما تكرهون فقولوا. .» فأرشدهم " إلى القول الآتي. «وكان النبي ﵊ إذا رأى شيئا في السماء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، ورئي ذلك في وجهه، حتى تمطر السماء، فيسرى عنه، ويسر ﵊، قالت له عائشة: يا رسول الله لم ذاك؟ قال: " ألم تسمعي لقول أولئك- أو كما قال ﵊: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] » [الأحقاف: ٢٤- ٢٥] " (١) . فالخوف من الله- ﷻ إذا ظهرت هذه الحوادث أو التغيرات في السماء أو في الأرض واجب، والله- جل وعلا- يتعرف إلى عباده بالرخاء، كما أنه يتعرف إليهم بالشدة، حتى يعرفوا ويعلموا ربوبيته وقهره وجبروته، ويعلموا حلمه وتودده ورحمته أيضا لعباده. فعلى العبد إذا رأى ما يكره أن يتضرع إلى الله، ويستغيث به، وأن يسأله بقوله: «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» صححه الترمذي.

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أسأل الله- جل وعلا- أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يجعل وسيلتنا التوحيد وأن يجعل وسيلتنا إليه الإخلاص، فإنا مذنبون، ولولا رحمة الله لهلكنا، اللهم فاغفر جما وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الله - جل وعلا - موصوف بصفات الكمال، وله - جل وعلا - أفعال الحكمة، وأفعال العدل، وأفعال الرحمة والبر، فهو سبحانه كامل في أسمائه، كامل في صفاته، كامل في ربوبيته، ومن كماله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته أنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة بالغة، والحكمة هي: أنه - جل وعلا - يضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، وهذا دليل الكمال. فالله - جل وعلا - له صفات الكمال، وله نعوت الجلال والجمال، فلهذا وجب لكماله - جل وعلا - أن يظن به ظن

стр. 528

[باب قول الله تعالى يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ . . . .] باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤] وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] [الفتح: ٦] ، قال ابن القيم في الآية: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ ، وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 529

بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات، وعرف نفسه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الحق، وأن لا يظن به ظن السوء، وأن يعتقد فيه ما يجب لجلاله - جل وعلا - من تمام الحكمة، وكمال العدل، وكمال الرحمة، وكمال أسمائه وصفاته ، فالذي يظن به - جل وعلا - أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظن السوء الذي ظنه أهل الجاهلية، فظن غير الحق بالله تعالى مناف للتوحيد، وقد يكون منافيا لكمال التوحيد، فمنه ما يكون صاحبه خارجا عن ملة الإسلام أصلا، كظن غير الحق بالله تعالى في بعض مسائل القدر - كما سيأتي. ومنه ما هو مناف لكمال التوحيد، كعدم الإيمان بالحكمة، أو بأفعال الله - جل وعلا - المنوطة بالعلل التي هي منوطة بحكمته سبحانه البالغة؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] [الأنعام: ١٤٩] في الرد على القدرية المشركة، وقد قال أيضا - جل وعلا -: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] [القمر: ٥] ، فالله - جل وعلا - موصوف بكمال الحكمة، وكمال الحمد على أفعاله؛ لأن أفعال الله - جل وعلا - قسمان: أفعال ترجع إلى الحكمة والعدل، وأفعال ترجع إلى الفضل والنعمة والرحمة والبر بالخلق، فالله - جل وعلا - يفعل هذا وهذا، وحتى أفعاله التي هي أفعال بر وإحسان هي منوطة بالحكم العظيمة، وكذلك الأفعال التي قد يظهر للبشر أنها ليست في صالحهم أو ليست موافقة للحكمة، فإن ظن الحق بالله - جل وعلا - أن يظن به، وأن يعتقد أنه ليس ثم شيء من أفعاله إلا وهو موافق لحكمته - جل وعلا - العظيمة، إذ هو العزيز القهار، الفعال لما يريد.

стр. 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] فالواجب - تحقيقا للتوحيد - أن يظن العبد بالله - جل وعلا - ظن الحق. وأما ظن السوء فهو ظن الجاهلية، الذي هو مناف لأصل التوحيد في بعض أحواله، أو مناف لكمال التوحيد، فترجم المؤلف ﵀ بهذا الباب ليبين أن ظن السوء بالله - جل وعلا - من خصال أهل الجاهلية، وهو مناف لأصل التوحيد، أو مناف لكماله بحسب الحال. " باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤] . الظن يطلق ويراد به الاعتقاد، وقد يراد به ما يسبق إلى الوهم، يعني: ما يسبق إلى الذهن، فهم يعتقدون، أو يسبق إلى أذهانهم - بما معهم من الشرك - أن الله - جل وعلا - ليست أفعاله أفعال حق، والله سبحانه هو الحق، وأفعاله كلها أفعال الحق، وذلك الظن هو ظن الجاهلية، فكل من ظن بالله غير الحق، فقد ظنَّ ظنَّ الجاهلية، بمعنى أنه ظن بالله - جل وعلا - غير الكمال، فهذا هو ظن الجاهلية. وأما ظن أهل التوحيد والإسلام فإنهم يظنون، يعني: يعتقدون ويعلمون ويسبق إلى أذهانهم في أي فعل يحصل لهم أن الله - جل وعلا - موصوف بالكمال وبالحكمة البالغة، فسر ذلك - جل وعلا - بقوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وهذا فيه إنكار للحكمة، أو إنكار للقدر، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وهذا في الرد على هؤلاء المنافقين أو المشركين.

стр. 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] [الفتح: ٦] : يؤخذ من كلام ابن القيم الذي أورده المصنف أن السلف فسروا هذا الظن السوء بأحد ثلاثة أشياء، وكلها صحيح: الأول: إنكار القدر. الثاني: إنكار الحكمة. الثالث: إنكار نصر الله - جل وعلا - لرسوله ﷺ ، أو لدينه أو لعباده الصالحين، فهذه ثلاثة أشياء، ووجه كون إنكار القدر ظنا بالله ظن السوء: أن تقدير الأمور قبل وقوعها من آثار عزة الله - جل وعلا - وقدرته؛ فإن العاجز هو الذي تقع معه الأمور استئنافا عن غير تقدير سابق، وأما الذي لا يحصل معه أمر حتى يقدره قبل أن يوقعه، فيقع على وفق ما قدر، فهو ذو الكمال، وهو ذو العزة، وهو الذي لا يغالب في ملكوته؛ ولهذا قال الشاعر في وصف رجل كامل: لأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري الخلق هنا بمعنى التقدير، يعني: لأنت تقطع ما قدرت، وبعض القوم - وهم الناقصون إما لعدم قدرتهم، أو لعدم عزتهم، أو لجهلهم - يخلق، يعني: يقدر الأشياء، ثم لا يفري، أي: لا يستطيع أن يقطعها على وفق ما يريد. فإنكار القدر ظن بالله - جل وعلا - ظن السوء؛ لأن فيه نسبة النقص لله - جل وعلا -، والله - جل وعلا - هو الكامل في أسمائه، الكامل في صفاته - جل وعلا -، الذي يجير ولا يجار عليه، والذي إليه الأمر كله، كما قال هنا:

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ؛ فلهذا كان كل ما يحصل من الرب - جل وعلا - في بريته موافقا لقدره السابق الذي هو دليل كمال حكمته، وعلمه، وخلقه، وعموم مشيئته. أما التفسير الثاني: فهو إنكار الحكمة، وحكمة الله - جل وعلا - ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع السلف، واسم الله (الحكيم) مشتمل على صفة الحكمة، فإنه - جل وعلا - حكيم، بمعنى: حاكم، وحكيم، بمعنى: محكم للأمور، وحكيم، بمعنى: أنه ذو الحكمة البالغة، فهذه ثلاثة تفسيرات لاسم الله (الحكيم) . وكلها صحيحة، وكلها يستحقها الله - جل وعلا -، فإنه - جل وعلا - حكيم بمعنى حاكم، وحكيم بمعنى محكم، كما قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] [هود: ١] ، وقال: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] [الملك: ٣] ؛ لأجل إحكامه، وقال أيضا: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] [يونس: ١٠١] ، ونحو ذلك من دليل إحكامه - جل وعلا - لما خلق، والثالث: أنه ذو الحكمة، والحكمة في صفة الله - جل وعلا - تفسر كما تقدم - بأنها وضع الأمور في مواضعها، الموافقة للغايات المحمودة منها؛ ولهذا قال أهل السنة والجماعة، أهل الأثر الفقهاء بالكتاب والسنة: إن أفعال الله - جل وعلا - معللة، وكل فعل يفعله الله - جل وعلا - فله علة من أجلها فعل، وهذه العلة هي حكمته ، فإن أفعال الله - جل وعلا - منوطة بالعلل، وهذا أنكره المعتزلة؛ لأنهم قدرية، وأنكره الأشاعرة؛ لأنهم جبرية، فقالوا: إن أفعال الله - جل وعلا - ليست مرتبطة بالحكم، وهو يفعل لا عن حكمة، وهذا سوء ظن بالله - جل وعلا -؛

стр. 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ولهذا أورد الشيخ ﵀ هذا الباب ليبين أن تحقيق التوحيد، وتحقيق كمال التوحيد أن توقن بالحكمة البالغة لله - جل وعلا -، ومن نفى الحكمة في أفعال الله فهو مبتدع، توحيده قد انتفى عنه كماله؛ لأن بدعته شنيعة، وكل البدع تنفي كمال التوحيد، ومنها ما ينفي أصل التوحيد. والتفسير الثالث - في ظن أهل الجاهلية وأهل النفاق ظن السوء بالله - جل وعلا -: أن الله - جل وعلا - لا ينصر رسوله ﷺ وأن الله - جل وعلا - لا ينصر كتابه، أو أنه يجعل رسوله أو دينه في اضمحلال حتى يذهب ذلك الدين، هذا ظن سوء بالله - جل وعلا -. ولهذا كان من براهين النبوات عند أهل السنة: أنه لم يدع أحد النبوة وهو كاذب في دعواه، إلا ويخذل ويضمحل أمره، ومن براهينها: أن كل نبي قال إنه مرسل من عند الله - جل وعلا - أيد بالآيات والبينات، ونصر على عدوه، وجعل دينه وأهل دينه في عزة على من سواهم، كما قال - جل وعلا -: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [غافر: ٥١] ، وقال - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ، فظن أهل الجاهلية أن الخير أو الدين سيضمحل، وأنهم إذا بذلوا إطفاء ذلك الأمر وحاربوه بكل ما أوتوا من وسيلة وقاوموهم فإنه سينتهي، وهذا مع كونه عملا محرما لما يشتمل عليه من الظلم، فإنه أيضا سوء ظن بالله - جل وعلا - وغرور بالقوة وبالنفس، والله - جل وعلا - ناصر رسله، والله - جل وعلا - ناصر عباده المؤمنين، ولكن

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] قد يبتلي الله - جل وعلا - المؤمنين بعدم النصرة والظهور زمنا طويلا قد يبلغ مئات السنين، كما حصل في قصة نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] [العنكبوت: ١٤] ، ثم بعد ذلك نصره الله - جل وعلا - وهذا الظن السيئ يحصل - كما ذكر ابن القيم - من كثير من أهل الصلاح، بل من كثير من الناس، بل قد يحصل من بعض المنتسبين إلى العلم، وسبب حدوث ذلك الظن السيئ في القلوب عدم العلم بما يستحقه الله - جل وعلا - وما أوجبه - جل وعلا - من الصبر والأناة، ونحو ذلك من الواجبات. فالمسألة متصل بعضها ببعض، فالذي يخالف ما أمر الله - جل وعلا - به شرعا فيما يتصل بنصرة الدين، فإنه قد يقع في سوء ظن بالله ﷻ وهذا مما ينافي كمال التوحيد الواجب. ولهذا يجب على المؤمن أن يتحرز كثيرا، وأن يحترس من سوء الظن بالله - جل وعلا - فإن بعض الناس قد ينال الشيء فيرى أنه يستحق أكثر منه، وقد يحصل له الشيء بقضاء الله وبقدره فيظن أنه لا يستحق ذلك الشيء، أو أن الذي ينبغي أن يصاب به هو غيره، فينظر إلى فعل الله - جل وعلا - وقضائه وقدره على وجه الاتهام، وقل من يسلم باطنا وظاهرا من ذلك، فكثيرون قد يسلمون ظاهرا، ولكن في الباطن يقوم بقلوبهم ظن الجاهلية، واعتقاد السوء؛ ولهذا قال - جل وعلا - في الآية التي في صدر الباب: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] والظن محله القلب؛ فلهذا يجب على المؤمن أن يخلص قلبه من كل ظن بالله غير الحق، وأن يتعلم أسماء الله - جل وعلا - وصفاته، وأن

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يتعلم، آثار ذلك في ملكوت الله، حتى لا يقوم بقلبه إلا أن الله ﷻ هو الحق، وأن فعله حق، حتى ولو كان في أعظم خطب، ولو أصيب بأكبر مصيبة، أو أهين بأعظم إهانة، فإنه يعتقد أن فيما أصابه حكمة، لتمام ملك الله - جل وعلا - وحكمته، وأنه يتصرف في خلقه كيف يشاء، وأن العباد مهما بلغوا فإنهم يظلمون أنفسهم، والله - جل وعلا - يستحق الإجلال والتعظيم، فخلص قلبك - أيها المسلم، وخاصة طالب العلم - من كل ظن سوء بالله - جل وعلا -، فلا تظنن في أمر قدر الله وجوده أن غيره أفضل منه، وأن عدم حصوله أصلح، ولا في أمر قدر الله عدم كونه أن وجوده أولى، فإن كل ذلك سوء ظن بالله - جل وعلا -؛ ولهذا قال العلماء في معنى قول النبي ﷺ : «إياكم والحسد، فإنه يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب» (١) سبب ذلك أن الحاسد ظن أن من أعطاه الله - جل وعلا - هذه النعمة فإنه لا يستحقها، فحسده وتمنى زوالها عنه، فصار في ظن سوء بالله - جل وعلا - ولهذا أكل ظنه حسناته، كما أكلت النار الحطب، نسأل الله - جل وعلا - السلامة والعافية من أن نظن بالله - جل وعلا - غير الحق، ونسأله أن يجعلنا من المعظمين له، ومن المجلين لأمره ونهيه، المعظمين لحكمته . هذا " باب ما جاء في منكري القدر ". ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن إنكار القدر سوء ظن بالله - جل وعلا - ويكون هذا الباب كالتفصيل لما اشتمل عليه الباب الذي قبله. ومناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة: وهي أن الإيمان بالقدر واجب، ولا يتم توحيد العبد حتى يؤمن بالقدر، وإنكار القدر كفر بالله - جل وعلا - ينافي أصل التوحيد، كما قال ابن عباس ﵄: القدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. يعني: أن الإيمان بالقدر هو النظام، أي: السلك الذي تجتمع وتنظم فيه مسائل التوحيد حتى يقوم عقدها في القلب، فمن كذب بالقدر يكون قد قطع السلك، فنقض ذلك التكذيب أمور التوحيد، وهذا ظاهر؛ فإن أصل الإيمان أن يؤمن بالأركان الستة التي منها الإيمان بالقدر، كما ذكر ذلك الشيخ في حديث ابن عمر. والقدر في اللغة: هو التقدير كما هو معروف، وهو وضع الشيء على نحو ما بما يريده واضعه، يقال: قدر الشيء تقديرا، وقدره قدرا وقدرا، وفي العقيدة عرفه بعض أهل العلم بقوله: إن القدر هو علم الله السابق بالأشياء، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، وعموم مشيئته - جل وعلا - وخلقه للأعيان والصفات القائمة بها، وهذا التعريف صحيح؛ لأنه يشمل مراتب القدر الأربع. وهذه المراتب على درجتين: الدرجة الأولى: ما يسبق وقوع المقدر، وذلك مرتبتان: الأولى: الإيمان بالعلم السابق، والثانية: الإيمان بكتابة الله - جل وعلا - لعموم الأشياء، كما قال ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلق قبل

стр. 537

[باب ما جاء في منكري القدر] " باب ما جاء في منكري القدر " وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم استدل بقول النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) . وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» . يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (٢) وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٣) وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ : «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار» (٤) وفي المسند ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 538

والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ (١) . حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه. فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» ، فقوله: «قدر مقادير الخلق» يعني: كتبها. والدرجة الثانية: ما يقارن وقوع المقدر، فهذا له مرتبتان: الأولى منهما: هي مرتبة عموم المشيئة، فإن الله - جل وعلا - ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، والعبد لا يشاء شيئا إلا إذا كان الله - جل وعلا - قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] [الإنسان: ٣٠] ، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] [التكوير: ٢٩] ، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله - جل وعلا - والمرتبة الثانية: وهي الإيمان بأن الله - جل وعلا - خالق لكل شيء، للأعيان، وللصفات التي تقوم بالأعيان، أما الأعيان والذوات فإن الله - جل وعلا - خالقها باتفاق أهل الإسلام، يعني: الله - جل وعلا - هو الخالق للإنسان، وللحيوان، وللسماء وللأرض. وكذلك الإيمان بأن الصفات التي تقوم بتلك الأعيان الله - جل وعلا - هو الخالق لها، ومن ذلك أفعال العباد، ففعل العبد داخل في عموم خلقه - جل وعلا - قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] [الزمر: ٦٢] ، وكلمة (شيء) تعرف بأنها ما يصح أن يعلم، فكل ما يصح أن يعلم يقال عنه شيء؟ فلهذا يدخل في عموم قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] العباد، وأفعال العباد، فهذه أربع مراتب. وإنكار القدر الذي بوب عليه الشيخ ﵀ يصدق على إنكار أي مرتبة من هذه المراتب، ولا يقال عن

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] أحد: إنه مؤمن بالقدر إلا إذا سلم بها جميعا، وآمن بها جميعا؛ لدلالة النصوص على ذلك. فمن منكري القدر: القدرية الغلاة، وهم نفاة القدر الذين أنكروا العلم السابق، فهؤلاء كفار، ينافي فعلهم أصل التوحيد، فمن أنكر العلم السابق، فقد أنكر القدر إنكارا انتفى معه أصل التوحيد، وكذلك من ينكر الكتابة، فإن إنكار الكتابة السابقة - مع العلم بالنصوص الدالة عليها - مناف لأصل التوحيد، ولا يستقيم معه الإيمان. وأما إنكار المرتبتين الأخيرتين: عموم المشيئة، وعموم الخلق، كإنكار عموم خلق الله للأفعال كما هو مذهب المعتزلة ونحوهم، فإنه ينافي كمال التوحيد، ولا يحكم عليهم بالكفر والخروج من الإسلام بذلك، وإن بدعوا، وضللوا بسببه. فإنكار القدر منه ما هو كفر مخرج من التوحيد مخرج من الملة، ومنه ما هو دون ذلك، ويكون منافيا لكمال التوحيد، وبهذا يظهر صلة هذا الباب بكتاب التوحيد. " وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر "، وإنما كان كذلك لأن الله - جل وعلا - لا يقبل من مسلم - إذ الإسلام شرط في صحة قبول الأعمال - ومن أنكر القدر، ولم يؤمن بالقدر، فإنه لا يكون مسلما، فلا يقبل منه عمل - إذا -، ولو أنفق مثل أحد ذهبا، حتى يؤمن بالقدر.

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " ثم استدل بقول النبي ﷺ : «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» ، وفي قوله: «تؤمن بالقدر خيره وشره» دليل على أن القدر منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، أي: خير بالنسبة لابن آدم، وشر بالنسبة لابن آدم، فالمكلف قد يكون عليه قدر هو بالإضافة إليه خير، وقد يكون عليه القدر بالإضافة إليه شر، وأما بالنسبة لفعل الله - جل وعلا - فالله - جل وعلا - أفعاله كلها خير؛ لأنها موافقة لحكمته العظيمة؛ فلهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال في ثنائه على ربه: «والشر ليس إليك» (١) . فالله - جل وعلا - ليس في فعله شر، فالشر بما يضاف للعبد، فإذا أصيب العبد بمصيبة فهي شر بالنسبة إليه، أما بالنسبة لفعل الله فهي خير، لأنها موافقة لحكمة الله - جل وعلا - البالغة، والله له الأمر كله. " وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك " (٢) وهذا لأن القضاء والقدر قد فرغ منه، يعني: تقدير الأمور قد فرغ منه، والله - جل وعلا - قد قدر الأشياء وقدر أسبابها، فالسبب الذي سيفعله المختار من عباد الله مقدر، كما أن نتيجته مقدرة، ومن الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله - جل وعلا - جعلك مختارا، وأنك

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] لست مجبورا، فالقول بالجبر لا يستقيم مع الإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر إيمان معه الإيمان بأن العبد مختار وليس بمجبر؛ لأن التكليف وقع بذلك. والجبرية طائفتان: طائفة غلاة، وهم الجهمية، وغلاة الصوفية الذين يقولون إن العبد كالريشة في مهب الريح، وحركاته حركات اضطرارية، ومنهم طائفة ليست بالغلاة، وهم الأشاعرة ونحوهم الذين يقولون بالجبر في الباطن، وبالاختيار في الظاهر، ويقولون: إن العبد له كسب، وهذا الكسب هو أن يكون العبد في الفعل الذي فعله محلا لفعل الله - جل وعلا - فيفعل به، فيكون هو محلا للفعل، ويضاف الفعل إليه على جهة الكسب، على ما هو معروف في موضعه من التفاصيل في كتب العقيدة المطولة. " سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (١) هذا فيه دليل على مرتبة الكتابة، وقوله: «إن أول ما خلق الله القلم» معناه - على الصحيح عند المحققين - إنه حين خلق الله القلم، فـ (أول) هنا ظرف بمعنى: حين و (إن) اسمها ضمير الشان محذوف: إنه أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب، فيكون قول اكتب هذا من جهة الظرفية، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب. وأما أول المخلوقات فالعرش سابق في الخلق على القلم، كما قال ﵊ في الحديث الذي في الصحيح: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (١) فقوله ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب» يدل على أنه حين خلق الله القلم قال له: اكتب، والكتابة كانت بعد الخلق مباشرة، ودل الحديث الثاني على أن العرش كان سابقا، والماء كان سابقا أيضا؛ ولهذا فالقول الصحيح: أن العرش مخلوق قبل القلم، كما قال ابن القيم ﵀ في النونية: والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو بعده ... قولان عند أبي العلى الهمذاني والحق أن العرش قبل لأنه ... عند الكتابة كان ذا أركان إلى آخر ما في هذا الباب من مباحث في الإيمان بالقدر. هذا " باب ما جاء في المصورين "، والمصورون جمع تصحيح للمصور، والمصور: هو الذي يقوم بالتصوير، والتصوير معناه: التشكيل، تشكيل الشيء حتى يكون على هيئة صورة لآدمي أو لغير آدمي من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو سماء، أو أرض، فكل هذا يقال له: مصور، إذا كان يشكل بيده شيئا على هيئة صورة معروفة، هذا من حيث المعنى، أما من حيث الحكم فسيأتي بيانه إن شاء الله. وقوله: " باب ما جاء في المصورين " يعني: من الوعيد، ومن الأحاديث التي فيها أنهم جعلوا أنفسهم أندادا لله - جل وعلا -. ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التوحيد هو ألا يجعل لله ند فيما يستحقه - جل وعلا -. والتصوير تنديد من جهة أن المصور جعل فعله ندا لفعل الله - جل وعلا -؛ ولهذا يدخل الرضى بصنيع المصور في قول الله - جل

стр. 544

[باب ما جاء في المصورين] " باب ما جاء في المصورين " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» أخرجاه (١) . ولهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» (٢) ولهما عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» (٣) ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» (٤) . ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٥) . فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 545

الثانية: التنبيه على العلة؛ وهو ترك الأدب مع الله؛ لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ". الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم؛ لقوله: " فيخلقوا ذرة أو حبة، أو شعيرة ". الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور جهنم. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢] ؛ إذ ذلك حقيقته أنه جعل هذا المصور شريكا لله - جل وعلا - في هذه الصفة، مع أن تصويره ناقص وتصوير الله - جل وعلا - على جهة الكمال، لكن من جهة الاعتقاد لما جعل هذا المخلوق مصورا، والله - جل وعلا - هو الذي ينفرد بتصوير المخلوقات كما يشاء، كان من كمال التوحيد أن لا يرضى بالتصوير، وأن لا يفعل أحد هذا الشيء؛ لأن ذلك لله - جل وعلا -، فالتصوير من حيث الفعل مناف لكمال التوحيد، وهذا هو مناسبة إيراد هذا الباب في هذا الكتاب. والمناسبة الثانية له: أن التصوير وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا - والشرك ووسائله يجب وصدها وغلق الباب؛ لأنها تفضي بالناس إلى الإشراك، فمناسبة الباب لكتاب التوحيد من جهتين: الجهة الأولى: جهة المضاهاة بخلق الله، والتمثل بخلق الله - جل وعلا - وبصفته واسمه. والثانية: أنه وسيلة للإشراك، نعم قد لا يشرك بالصورة المعينة التي عملت، ولكن الصورة من حيث الجنس هي وسيلة - ولا شك - من وسائل الإشراك؛ فإن شرك كثير من المشركين كان من جهة الصور، فكان من تحقيق التوحيد ألا تقر الصور لأجل أن الصورة وسيلة من وسائل المشركين في عباداتهم. " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] ليخلقوا شعيرة» أخرجاه: هذا الحديث فيه معنى وفيه تمثيل، أما المعنى هو قوله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» ، فسبب الظلم أن العبد اعتدى، فأراد أن يخلق كخلق الله - جل وعلا - والمقصود بذلك أن يصور كتصوير الله - جل وعلا - لخلقه. ثم قال معجزا: «فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» معلوم أن الذرة - وهي واحدة الذر، صغار النمل - من أصغر المخلوقات. وحبة الحنطة، أو حبة البر، أو حبة الرز، يمكن أن تصنع، ولكن لا يمكن أن تكون كخلق الله - جل وعلا - وكذلك الشعيرة يمكن أن تصنع شكلا وأن تصور شكلا، لكن يعجز أن يجعل فيها الحياة، فمثلا حب البر، أو الشعير، أو الرز، أو نحو ذلك مما صنعه الله ينبت إذا وضع في الأرض، أما ما صنعه المخلوق فإنه لا تكون فيه حياة، فالرز الصناعي الذي يأكل، لو رمي في الأرض لما خرج منه ساق، ولما خرج له جذر، ولما كانت منه حياة، وأما الذي يكون من خلق الله - جل وعلا - فهو الذي أودع فيه سر حياة ذلك الجنس من المخلوقات؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا على وجه التعجيز، فالذي يخلق كخلق الله - جل وعلا - هذا من جهة ظنه، أما من جهة الحقيقة فإنه لا أحد يخلق كخلق الله؛ ولهذا صار ذلك مشبها نفسه بالله - جل وعلا - فصار أظلم الخلق. استدل مجاهد وغيره من السلف بقوله: «أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» على أن تصوير ما لا حياة فيه أو ما لا روح فيه محرم؛ لأنه ذكر الحبة والشعيرة، قالوا: فتصوير الأشجار وتصوير الحب ونحو ذلك لا يجوز.

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] وجمهور العلماء على خلاف ذلك، وأن الأمر في ذلك للتعجيز، وليس لجهة التعليل؛ ولهذا قال في الحديث الذي بعده: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» ، فلما قال: «كلف أن ينفخ فيها الروح» علمنا أن النهي في التصوير كان منصبا على ما فيه روح، يعني: على ما حياته بحلول الروح فيه، أما ما حياته بالنماء كالمزروعات والأشجار ونحوها، فليس داخلا في ذلك. " ولهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» : هذا فيه تنبيه على العلة، وهذه العلة هي المضاهاة بخلق الله - جل وعلا - وهي إحدى العلتين اللتين من أجلهما حرم التصوير، فالتصوير حرم، وصار صاحبه من أشد الناس عذابا لأجل أنه يضاهي بخلق الله - جل وعلا - ولأن الصورة وسيلة للشرك. والمضاهاة بخلق الله - جل وعلا - التي رتب عليها أن يكون فاعلها أشد الناس عذابا يوم القيامة، عند كثير من العلماء: محمولة على المضاهاة التي تكون كفرا؛ لأن المضاهاة في التصوير يكون كفرا في حالتين: الحالة الأولى: أن يصور صنما ليعبد، أو يصور إلها ليعبد، كأن يصور لأهل البوذية صورة بوذا، أو يصور للنصارى المسيح، أو يصور أم المسيح ونحو ذلك، فتصوير ما يعبد من دون الله - جل وعلا - مع العلم بأنه يعبد هذا كفر بالله - جل وعلا -؛ لأنه صور وثنا ليعبد، وهو يعلم أنه يعبد، فيكون شركا أكبر، وكفرا بالله - جل وعلا -.

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] والحالة الثانية: أن يصور الصورة ويزعم أنها أحسن من خلق الله - جل وعلا - فيقول: هذه أحسن من خلق الله، أو أنا فقت في خلقي وتصويري ما فعل الله - جل وعلا - فهذا كفر أكبر، وشرك أكبر بالله ﷻ وهذا هو الذي حمل عليه هذا الحديث، وهو قوله: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يضاهئون بخلق الله» ، وأما المضاهاة بالتصوير عامة بما لا يخرجه من الملة، كالذي يرسم بيده، أو ينحت التمثال، أو ينحت الصورة مما لا يدخل في الحالتين السابقتين فهو كبيرة من الكبائر، وصاحبها ملعون ومتوعد بالنار. " ولهما عن ابن عباس سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» : قوله: " نفس " أفاد أن ذلك التصوير وقع لشيء تحله النفس، وهو الحيوانات أو الآدمي؛ ولهذا كان الوعيد منصبا على ذلك. «كل مصور في النار» : هذا يفيد أن التصوير كبيرة من الكبائر. " ولهما عنه مرفوعا: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» ؛ لأن الروح إنما هي من أمر الله - جل وعلا. " ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» . في هذا الحديث التنبيه على العلة الثانية من علتي تحريم التصوير، وهي أنه وسيلة من وسائل الشرك، ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه قرن بين الصورة والقبر المشرف في وجوب إزالتهما، وبقاء القبر

стр. 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] المشرف وسيلة من وسائل الشرك، وكذلك لاقتران بقاء الصورة أيضا وسيلة من وسائل الشرك، «فالنبي ﵊ بعث عليا أن لا يدع صورة إلا طمسها» ؛ لأن الصور من وسائل الشرك، وأن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه؛ لأن بقاء القبور مشرفة يدعو إلى تعظيمها وذلك من وسائل الشرك. وهناك خلاف في بعض مسائل التصوير محله كتب الفقه والفتوى من جهة التصوير الحديث الذي يكون بالآلات كالتصوير بالكاميرات المختلفة أو بالفيديو أو التليفزيون أو نحو ذلك. هذا " باب ما جاء في كثرة الحلف "، ومن الظاهر والبين أن القلب المعظم لله ﷻ الذي إن ذكر الله وجل قلبه أنه لا يكثر الحلف، لأن كثرة الحلف لا تجامع كمال التوحيد، فإن من كمل التوحيد في قلبه، أو قارب الكمال لا يجعل الله - جل وعلا - عرضة لأيمانه، فالذي إذا تكلم تكلم بالحلف، وإذا باع باع بالحلف، وإذا اشترى اشترى بالحلف ونحو ذلك، لم يعظم التعظيم الواجب لله - جل وعلا - فإن الواجب على العبد أن يعظم الله - جل وعلا - وأن لا يكثر اليمين، والمقصود باليمين والحلف هنا: اليمين المعقودة التي عقدها صاحبها، أما لغو اليمين فإن هذا معفو عنه، مع أن

стр. 551

[باب ما جاء في كثرة الحلف] " باب ما جاء في كثرة الحلف " وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائدة: ٨٩] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» أخرجاه (١) وعن سلمان أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» (٢) . رواه الطبراني بسند صحيح. وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ «ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٣) وفيه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» . وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (٤) . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 552

فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الإيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] الكمال فيه والمستحب أن يخلص الموحد لسانه وقلبه من كثرة الحلف في الإكرام ونحوه بلغو اليمين. فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ وهي أن: تحقيق التوحيد وكمال التوحيد لا يجامع كثرة الحلف، فكثرة الحلف منافية لكمال التوحيد، والحلف - كما ذكرنا - هو تأكيد الأمر بمعظم، وهو الله ﷻ . فمن أكد وعقد اليمين بالله - جل وعلا - وأكثر من ذلك، فإنه لا يكون معظما لله ﷻ ، إذ الله يجب أن يصان اسمه، ويصان الحلف به واليمين به إلا عند الحاجة إليها، أما كثرة ذلك وكثرة مجيئه على اللسان، فهو ليس من صفة أهل الصلاح؛ ولهذا أمر الله - جل وعلا - بحفظ اليمين، فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] [المائدة: ٨٩] ، وهذا الأمر للوجوب؛ لأنه وسيلة لتحقيق تعظيم الله - جل وعلا - وتحقيق كمال التوحيد، فقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا إيجاب لأن يحفظ العبد يمينه، فلا يحلف عاقدا اليمين إلا على أمر شرعي بين، أما أن يحلف دائما، ويجعل الله - جل وعلا - في يمينه، فهذا ليس من تعظيم أسماء الله ﷻ . " عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب» : وسبب ذلك أنه نوع عقوبة، فإن هذا الذي يبيع بالحلف فإنه تنفق سلعته، ولكن كسبه يمحق؛ لأن محق الكسب يكون نوع عقوبة لأجل أنه لم يفعل الواجب من تعظيم الله - جل وعلا -. " وعن سلمان أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زان» : يعني من شمطه الشيب إذا

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] خالطه، وقلبه متعلق بالزنى - والعياذ بالله - فإنه ليس عنده من الدواعي للزنى ما يجعله يقبل عليه، كحال من كان شابا، فهو قد وخطه الشيب، فيكون إذا في قلبه حب المعصية، وليست مسألة غلبة الشهوة؛ ولهذا كان من أهل هذا الوعيد العظيم بألا يكلمه الله، ولا يزكيه، وله عذاب أليم. «وعائل مستكبر» : هذا النوع الثاني - وهو من جنس الأول - فإن الاستكبار - كما قال العلماء - يكون استكبارا في الذات، ويكون استكبارا للصفات. فإذا كان استكبارا للصفات فهذا محرم، ولكنه أهون كمن يكون ذا جاه ورفعة، فيتكبر لأجل ما له من الجاه والرفعة، فهذا لا يجوز، لكن عنده ما يوقع في قلبه الشبهة والفتنة بالتكبر أو الاستكبار، أو يكون ذا مال، أو يكون ذا جمال، أو يكون ذا سمعة، ونحو ذلك، فعنده سبب يجعله يتكبر، وهذا يكثر في أهل الغنى، فإن كثيرا من أهل الغنى يكون عندهم نوع تكبر على الفقراء، أو من ليس من أهل الغنى، فهذا عنده وصف جعله يتكبر، لكن الأعظم أن يكون تكبره في الذات بألا يكون عنده صفة تجعله متكبرا، وهذا هو النوع الأول، وهو استكبار للذات يرى نفسه كبيرا، ويتعاظم، وهو ليس عنده شيء من الصفات تجعله كذلك، فهذا يكون فعله كبيرة من الكبائر العظيمة، ويدخل في هذا الحديث: «وعائل مستكبر» ؛ لأن العائل - وهو الفقير الكثير العيال - ليس عنده من الصفات ما يكون الاستكبار شبهة عنده، أو لأجل تلك الصفات، أو يكون ثم فتنة عنده، إلا لما قام في نفسه الخبيثة من الكبر.

стр. 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» : وهذا موطن الشاهد من الحديث، وهو ظاهر في أنه مذموم، وأنه صاحب كبيرة؛ لأنه جعل الله بضاعته، يبيع باليمين، ويشتري باليمين، وهذا لا يجامع كمال التوحيد، بل لا يجامع تعظيم الله - جل وعلا - التعظيم الواجب، فيكون مرتكبا لمحرم. والحديثان اللذان بعده واضحان، وأما قول إبراهيم النخعي: " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار ": فهذا فيه تأديب السلف لأولادهم ولذراريهم على تعظيم الله - جل وعلا - فإن الشهادة والعهد يجب أن يقترنا بالتعظيم لله - جل وعلا - والخوف من لقائه، والخوف من الظلم، فكانوا يؤدبون أولادهم على ذلك حتى يتمرنوا وينشئوا على تعظيم توحيد الله وتعظيم أمر الله ونهيه. الشرح: هذا باب عظيم من الأبواب الأخيرة في هذا الكتاب، وهو " باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ "، وذكر الإمام ﵀ لهذا الباب لأجل حديث بريدة الذي ساقه وفيه «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن

стр. 556

[باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه] " باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه " وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] [النحل: ٩١] وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأتيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 557

وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» (١) رواه مسلم. فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. الثالثة: قوله «اغزوا بسم الله في سبيل الله» . الرابعة: قوله: «قاتلوا من كفر بالله» . الخامسة: قوله: «استعن بالله وقاتلهم» . السادسة: الفرق بين حكم الله، وحكم العلماء. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه» ، وهذا لأجل تعظيم الرب - جل وعلا - وتعظيم رسوله ﷺ ، فإن تعظيم الله - جل وعلا - في مناجاته وفي سؤاله، وفي العبادة له - جل وعلا - وفي التعامل مع الناس، هذا كله من كمال التوحيد، وهذا الباب من جهة التعامل مع الناس، كما جاء في الباب الذي قبله، فالباب الذي قبله وهو " باب ما جاء في كثرة الحلف " متعلق بتعظيم الله - جل وعلا - حين التعامل مع الناس، و" باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه " متعلق بالتعامل مع الناس في الحالات العسرة الصعبة، وهي حال الجهاد، فنبه بذلك على أن تعظيم الرب - جل وعلا - يجب أن يكون في التعامل ولو في أعصب الحالات، وهي الجهاد، فإن العبد يكون موقرا لله تعالى مجلا له، معظما لأسمائه وصفاته، ومن ذاك أن يعظم ذمة الله وذمة نبيه. والذمة بمعنى العهد، وذمة الله يعني: عهد الله وعهد نبيه؛ فإنه إذا كان يعطي بعهد الله ثم يخفر، فقد خفر عهد الله - جل وعلا - وفجر في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد أن يعظم الله ﷻ وألا يخفر عهده وذمته؛ لأنه إذا أعطى بذمة الله فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان، حتى لا ينسب النقص لذمة الله ﷻ ؛ لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل كثرة الحلف، فلا يجوز أن تجعل في العهد ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصا في تعظيم الرب ﷻ .

стр. 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] " وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] [النحل: ٩١] : العهد في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] فسر بالعقد، وفسر باليمين، فالعهد بمعنى العقد، كما قال - جل وعلا -: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] [الإسراء: ٣٤] ، وقال - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] [المائدة: ١] ، فالعقد والعهد بمعنى، فلهذا فسر: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] بأنها العقود التي تكون بين الناس، وفسر أيضا بأنه اليمين، ودل عليه قوله بعدها: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فيجب الوفاء بالعقد والوفاء باليمين تعظيما لحق الله - جل وعلا -؛ لأن من أعطى اليمين بالله، فإن معناه أنه أكد وفاءه بهذا الشيء الذي تكلم به، أكد ذلك بالله ﷻ ، فإذا خالف وأخفر فمعنى ذلك أنه لم يعظم الله ﷻ تعظيما خاف بسببه من أن لا يقيم ما يجب لله - جل وعلا - من الوفاء باليمين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] [النحل: ٩١] حين استشهدتم الله ﷻ أو حين حلفتم بالله ﷻ ؛ ولهذا كانت كفارة اليمين واجبه على ما هو مفصل في موضعه من كتب الفقه. والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، ففيه تعظيم الله ﷻ بأن لا يعطي العبد الناس بذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، بل أن يعطي بذمته هو، وفي هذا

стр. 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] تنبيه عظيم لأهل التوحيد وطلبة العلم الذين يهتمون بهذا العلم، ويعرف الناس منهم أنهم يهتمون بهذا العلم، ألا يبدر منهم ألفاظ أو أفعال تدل على عدم تخلقهم بهذا العلم، فإن التوحيد هو مقام الأنبياء والمرسلين، ومقام أولياء الله الصالحين، فأن يتعلم طالب العلم مسائل التوحيد، ثم لا تظهر على لسانه، أو على جوارحه، أو على تعامله لا شك أن هذا يرجع - ولو لم يشعر - إلى اتهام ما يحمله من التوحيد والعلم الذي هو علم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فتذكر قول النبي ﵊ هنا: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه» لأجل أنه قد يدخل على أهل الإسلام أو على الدين نفسه من جهة فعلهم؛ لأنهم إذا خفروا هذه الذمة رجع إخفارهم إلى ما حملوه من الإسلام ومن الدين، فهذه مسألة عظيمة، فينبغي أن تستحضر أن الناس ينظرون إليك - خاصة في هذا الزمان الذي هو زمان شبه وزمان فتن - على أنك تحمل سنة، وتحمل توحيدا، وعلما شرعيا، فلا تعاملهم إلا بشيء فيه تعظيم الرب - جل وعلا - وحتى تجعل أولئك يعظمون الله - جل وعلا - بتعظيمك له، ولا تستهن بشأن اليمين، ولا تخفر ذمة الله؛ لأن ذلك منقص لأثر ما تحمله من العلم والدين، فتذكر هذا، وتذكر أيضا قوله ﵊ هنا: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» ، وذلك حتى إذا حصل غلط فيكون الغلط منسوبا إلى من حكم إلى هذا البشر، ولا يكون

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] منسوبا إلى حكم الله، فيصد الناس عن دين الله، وكم من الناس ممن يحملون سنة وعلما أو يشار إليهم بالاستقامة يسيئون بأفعالهم وأقوالهم لأجل عدم تعظيمهم لله - جل وعلا - وما يجب لسنة النبي ﷺ ، وما يدعوهم إليه الرب الكريم - جل وعلا وتعالى وتقدس - نبرأ إلى الله - جل وعلا - من كل نقص ونسأله أن يعفو ويتجاوز عنا ويرحمنا جميعا. الشرح: الإقسام على الله يكون على جهتين: جهة يكون فيها التكبر والتجبر، ورفعة هذا المتألي نفسه حتى يجعل له على الله حقا، وهذا مناف لكمال التوحيد، وقد ينافي أصله، وصاحبه متوعد

стр. 562

[باب ما جاء في الإقسام على الله] " باب ما جاء في الإقسام على الله " عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (١) رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته (٢) . فيه مسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» إلخ. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] بالعقاب الذي جاء في مثل هذا الحديث، فهذا يتألى على الله - جل وعلا - أن يحكم بما اختاره هو من الحكم، فيقول: والله لا يحصل لفلان كذا، تكبرا واحتقارا للآخرين، فيريد أن يجعل حكم الله كحكمه تأليا واستكبارا على الله أن يفعل الله - جل وعلا - ما ظنه هو، فهذا التألي والاستكبار نوع تحكم في أمر الله - جل وعلا - وفي فعله، وهذا لا يصدر من قلب معظم لله - جل وعلا. والجهة الثانية: أن يقسم على الله ﷻ لا على جهة التألي، ولكن على جهة أن ما ظنه صحيح في أمر وقع له، أو في أمر يواجهه، فهذا يقسم على الله أن يكون كذا في المستقبل على جهة التذلل والخضوع لله لا على جهة التألي، وهذا هو الذي جاء فيه الحديث: «ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (١) ؛ لأنه أقسم على الله، لا على جهة التعاظم والتكبر والتألي، ولكن على جهة الحاجة والافتقار إلى الله، فحين أقسم أقسم محتاجا إلى الله، وأكد ذلك بالله وبأسمائه من جهة ظنه الحسن بالله - جل وعلا - فهذا جائز، ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره؛ لأنه قام في قلبه من العبودية لله والذل والخضوع ما جعل الله - جل وعلا - يجيبه في سؤاله، ويعطيه طلبته ورغبته. وأما الحال الأولى فهي حال المتكبر المترفع الذي يظن أنه بلغ مقاما بحيث يكون فعل الله - جل وعلا - تبعا لفعله، فتكبر واحتقر غيره، فبهذا التفصيل يتضح ما جاء في هذا الباب من الحديث. عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] علي أن لا أغفر لفلان؟» : هذا الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان، كان رجلا صالحا، والآخر كان رجلا فاسقا، فقال الرجل الصالح: والله لا يغفر الله لفلان؛ لأن فلانا هذا كان رجلا فاسقا مريدا كثير العصيان، فتألى هذا العابد وعظيم نفسه، وظن أنه بعبادته لله - جل وعلا - بلغ مقاما يكون متحكما فيه بأفعال الله، وأن الله لا يرد شيئا طلبه، أو له أن يتحكم في الخلق، وهذا ينافي حقيقة العبودية التي هي التذلل لله - جل وعلا - فالله عاقبه، فقال: «من ذا الذي يتألى علي؟» يعني: يتعاظم ويتكبر علي ويحلف علي؛ لأن " يتألى " من الألية، وهي: الحلف، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] [البقرة: ٢٢٦] ، والإيلاء من الألية وهي: الحلف، فيتألى، يعني: يحلف على جهة التكبر والتعاظم. «ألا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك» : فغفر للطالح، وأحبط عمل ذلك الرجل العابد، وهذا يبين لك عظم شأن مخالفة تعظيم الله ﷻ وعظم مخالفة توحيد الله فهذا الرجل الفاسق أتاه خير من حيث لا يشعر، وقيلت في حقه كلمة بحسب الظاهر أنها مؤذية له، وأن فيها من الاحتقار والازدراء له ما يجعله في ضعة بين الناس، حيث شهد عليه هذا الصالح بقوله: «والله لا يغفر الله لفلان» ، فكانت هذه الكلمة التي ساءته وآذته فيها مصلحة عظيمة له بأن غفر له ذنبه؛ ولهذا نبه الشيخ في مسائل الباب بمسألة معناها: أن من الابتلاء والإيذاء

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التمهيد لشرح كتاب التوحيد] للشخص ما يكون أعظم أسباب الخير له. فليست العبرة باحتقار الناس، ولا بكلامهم، ولا بإيذائهم، ولا بتصنيفهم للناس، بل العبرة بحقيقة الأمر بما عند الله ﷻ فالواجب على العباد جميعا أن يعظموا الله، وأن يخبتوا إليه، وأن يظنوا أنهم أسوأ الخلق، حتى يقوم في قلوبهم أنهم أعظم حاجة إلى الله - جل وعلا - وأنهم لم يوفوا الله حقه، أما التعاظم في النفس، والتعاظم بالكلام والمدح والثناء ونحو ذلك، فليس من صنيع المجلين لله - جل وعلا - الخائفين من تقلب القلوب، فالله - جل وعلا - يقلب القلوب، ويصرفها كيف يشاء، فالقلب المخبت المنيب يحذر ويخاف دائما من أن يتقلب قلبه، فينتبه للفظه، وينتبه للحظه، وينتبه لسمعه، وينتبه لحركاته، لعل الله - جل وعلا - أن يميته غير مفتون ولا مخزي. الشرح: «لا يستشفع» : يعني: لا يجعل الله شفيعا على الخلق؛ لأن شأن الله - جل وعلا - أعظم وأجل من أن يستشفع به، ويجعل واسطة للانتفاع من أحد من الخلق، فالشفاعة المعروفة: أن تأتى إلى أحد، وتطلب أن يكون شفيعا عند آخر؛ لأن ذلك الآخر هو الذي يملك ما تريد والنفع عنده، وهذا يكون واسطة، ولا يستطيع أن ينفعك هو بنفسه إلا بأن يتوسط. والله ﷻ لا يجوز أن يظن به ذلك الظن، لأنه ظن سوء بالله ﷻ فالله - سبحانه - لا يصلح أن يجعل واسطة لأحد، أو إلى أحد من الخلق أو على أحد من الخلق، بل هو - جل وعلا - الذي يملك الأمور جميعا، فالاستشفاع بالله على الخلق يعني أن يجعل الله واسطة يتوسط العبد بربه على أحد من الخلق، وهذا مناف لكمال التوحيد، وعمل وقول من الأقوال المنافية لتعظيم الله - جل وعلا - التعظيم الواجب؛ ولهذا ذكر الشيخ ﵀ حديث جبير بن مطعم، والشاهد منه قول الأعرابي للنبي ﵊: «فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله» يعني: نستشفع بالله نجعل الله - جل وعلا - واسطة يتوسط لنا عندك حتى تدعو، والله - جل وعلا - هو الملك الحي القيوم، الملك الحق المبين، نواصي العباد بيديه، يصرفها كيف يشاء، فشأن الله أعظم من أن يستشفع به على أحد من خلقه، بل الرجل أو المكلف يستشفع بأحد من الخلق عند مخلوق آخر يحتاجه في شيء، والله - جل وعلا - هو الذي يملك الأشياء جميعا، بيده الملك والملكوت، وهو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وبيده خزائن
следующие страницы →