← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

وَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَكُمْ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ يَرْمِيَكُمْ بِالْعَاشِرِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ غَيَّرْتُمْ دِينَ الْأُمَّةِ، وَقَتَلْتُمُ الصَّالِحِينَ، وَادَّعَيْتُمْ نُورَ الْإِلَهِيَّةِ، فَأَمَرَ بَإِشْهَارِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، ثُمَّ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ضَرْبًا شَدِيدًا مُبَرِّحًا، ثُمَّ أَمَرَ بِسَلْخِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَجِيءَ بِيَهُودِيٍّ فَجَعَلَ يَسْلُخُهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَأَخَذَتْنِي رِقَّةٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ تِلْقَاءَ قَلْبِهِ طَعَنْتُهُ بِالسِّكِّينِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: الشَّهِيدُ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ بَنُو الشَّهِيدِ مِنْ أَهْلِ نَابُلُسَ إِلَى الْيَوْمِ. وَقَدْ كَانَ الْمُعِزُّ ذَا شَهَامَةٍ وَقُوَّةٍ وَشِدَّةِ عَزْمٍ، وَلَهُ سِيَاسَةٌ، وَيُظْهِرُ أَنَّهُ يَعْدِلُ وَيَنْصُرُ الْحَقَّ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُنَجِّمًا يَعْتَمِدُ مَا يُرْصَدُ مِنْ حَرَكَاتِ النُّجُومِ، قَالَ لَهُ مُنَجِّمُهُ: إِنَّ عَلَيْكَ قُطْعًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَوَارَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى تَنْقَضِيَ هَذِهِ الْمُدَّةُ. فَعَمِلَ لَهُ سِرْدَابًا، وَأَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ، وَأَوْصَاهُمْ بِوَلَدِهِ نِزَارٍ، وَلَقَّبَهُ بِالْعَزِيزِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَدَخَلَ ذَلِكَ السِّرْدَابَ، فَتَوَارَى فِيهِ سَنَةً، فَكَانَتِ الْمَغَارِبَةُ إِذَا رَأَى الْفَارِسُ مِنْهُمْ سَحَابًا سَارِيًا تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ ظَانِّينَ أَنَّ الْمُعِزَّ فِي ذَلِكَ الْغَمَامِ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزُّخْرُفِ: ٥٤] ثُمَّ بَرَزَ إِلَى النَّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ، وَجَلَسَ فِي مَقَامِ الْمُلْكِ، وَحَكَمَ عَلَى عَادَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ عَاجَلَهُ الْقَضَاءُ الْمَحْتُومُ، وَالْحِينُ الْمَقْسُومُ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ

стр. 9557

أَيَّامِهِ فِي الْمُلْكِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، مِنْهَا بِمِصْرَ سَنَتَانِ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَجُمْلَةُ عُمُرِهِ كُلِّهِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ; لِأَنَّهُ وُلِدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ السَّنَةُ.

стр. 9558

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بُوَيْهِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَيَّامُ وِلَايَتِهِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَبْلَ مَوْتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ قَسَّمَ مُلْكَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ عُمِلَتْ ضِيَافَةٌ فِي دَارِ ابْنِ الْعَمِيدِ بِأَصْبَهَانَ حَافِلَةٌ، حَضَرَهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَبَنُوهُ وَأَعْيَانُ دَوْلَتِهِ، فَعَهِدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَخَلَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى إِخْوَتِهِ وَسَائِرِ الْأُمَرَاءِ الْأَقْبِيَةَ وَالْأَكْسِيَةَ عَلَى عَادَةِ الدَّيْلَمِ، وَحَيَّوْهُ بِالرَّيْحَانِ عَلَى عَادَتِهِمْ أَيْضًا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ سَائِسًا حَلِيمًا وَقُورًا، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، فِيهِ إِيثَارٌ وَكَرَمٌ كَثِيرٌ، وَحُسْنُ عِشْرَةٍ وَرِيَاسَةٍ عَلَى أَقَارِبِهِ وَدَوْلَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ. وَحِينَ تَمَكَّنَ ابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَصَدَ الْعِرَاقَ لِيَأْخُذَهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَرَدَاءَةِ سَرِيرَتِهِ، فَالْتَقَوْا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَهَزَمَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ أَثْقَالَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأَخَذَهَا، وَأَصْلَحَ بَيْنَ أَهْلِهَا حَيَّيْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْفٌ مُتَقَادِمٌ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُضَرُ تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَرَبِيعَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ

стр. 9559

الْحَيَّانِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فَعَزَلَ عِزَّ الدَّوْلَةِ، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ ابْنِ بَقِيَّةَ; لِأَنَّهُ اسْتَحْوَذَ عَلَى الْأُمُورِ دُونَهُ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ إِلَى خَزَائِنِهِ، فَاسْتَظْهَرَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بِمَا وَجَدَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ لِابْنِ بَقِيَّةَ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةً. وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِالْقَبْضِ عَلَى وَزِيرِ أَبِيهِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ لِمَوْجِدَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ سَلَفَ ذِكْرُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِبَنِي الْعَمِيدِ أَيْضًا فِي الْأَرْضِ بَقِيَّةٌ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَكَابِرُ تَتَّقِي مِنْهُمُ التَّقِيَّةَ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْعَمِيدِ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِأَوْفَرَ مَكَانٍ، فَخَانَتْهُ الْمَقَادِيرُ وَعَاجَلَهُ غَضَبُ السُّلْطَانِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ الرَّحْمَنِ. وَفِي مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ - صَاحِبُ بِلَادِ خُرَاسَانَ - بِبُخَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرةَ سَنَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ نُوحٌ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلُقِّبَ بِالْمَنْصُورِ.

стр. 9560

وَفِيهَا تُوَفِّيَ الْحَكَمُ، وَلَقَبُهُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ بْنُ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَعُلَمَائِهِمْ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْخِلَافِ وَالتَّوَارِيخِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، مُدَّةُ خِلَافَتِهِ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ هِشَامٌ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَلُقِّبَ بِالْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ، وَاضْطَرَبَتِ الرَّعَايَا عَلَيْهِ، وَحُبِسَ مُدَّةً، ثُمَّ أُخْرِجَ وَأُعِيدَ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ أَمْرِهِ حَاجِبُهُ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمُعَافِرِيُّ، وَابْنَاهُ الْمُظَفَّرُ وَالنَّاصِرُ، فَسَاسَ الرَّعَايَا جَيِّدًا، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَغَزَا الْأَعْدَاءَ، وَاسْتَقَرَّ لَهُمُ الْحَالُ كَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَدْ سَاقَ ابْنُ الْأَثِيرِ هَاهُنَا قِطْعَةً مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَطَالَ شَرْحَهَا. وَفِيهَا رَجَعَ مُلْكُ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي شَرِيفِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ وَقَامَ هُوَ مِنْ بَعْدِهِ تَغَلَّبَ مَوْلَاهُمْ قَرْعُوَيْهِ عَلَيْهِمْ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَسَارَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ،

стр. 9561

ثُمَّ جَاءَ فَنَزَلَ حُمَاةَ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ خَرَّبَتْ حِمْصَ فَسَعَى فِي عِمَارَتِهَا وَتَرْمِيمِهَا وَسَكَنَهَا، ثُمَّ إِنَّ قَرْعُوَيْهِ اسْتَنَابَ فِي حَلَبَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: بَكْجُورُ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَسَجَنَ مَوْلَاهُ قَرْعُوَيْهِ بِقَلْعَتِهَا نَحْوًا مِنْ سِتِّ سِنِينَ، فَكَتَبَ أَهْلُ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي وَهُوَ بِحِمْصَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ فَحَاصَرَ حَلَبَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَافْتَتَحَهَا وَامْتَنَعَتِ الْقَلْعَةُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا بَكْجُورُ ثُمَّ اصْطَلَحَ مَعَ أَبِي الْمَعَالِي عَلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَسْتَنِيبَهُ بِحِمْصَ، فَفَعَلَ، فَنَابَ لَهُ بَكْجُورُ بِحِمْصَ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِي وَقْتٍ إِلَى نِيَابَةِ دِمَشْقَ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ هَذِهِ الْمَزْرَعَةُ ظَاهِرَ دِمَشْقَ مِنْ غَرْبِهَا، الَّتِي تُعْرَفُ بِالْقَصْرِ الْبَكْجُورِيِّ. ابْتِدَاءُ مُلْكِ سُبُكْتِكِينَ، وَالِدِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَقَدْ كَانَ سُبُكْتِكِينَ مَوْلًى لِلْأَمِيرِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ أَلِبْتِكِينَ صَاحِبِ جَيْشِ غَزْنَةَ وَأَعْمَالِهَا لِلسَّامَانِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِحَاجِبِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ذَاكَ، تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ مَوْلَاهُ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ لَا مِنْ وَلَدِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ، فَاصْطَلَحَ الْجَيْشُ عَلَى مُبَايَعَةِ سُبُكْتِكِينَ هَذَا; لِخَيْرِهِ فِيهِمْ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَكَمَالِ عَقْلِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَدِيَانَتِهِ، فَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ بِيَدِهِ، وَاسْتَمَرَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَلَدِهِ السَّعِيدِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ غَزَا سُبُكْتِكِينُ هَذَا

стр. 9562

بِلَادَ الْهِنْدِ، فَفَتَحَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ حُصُونِهِمْ، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا وَكَسَرَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ وَنُذُورِهِمْ أَمْرًا هَائِلًا وَبَاشَرَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ حُرُوبًا تُشَيِّبُ الْوَلَدَانَ، وَقَدْ قَصَدَهُ جِيبَالُ مَلِكُ الْهِنْدِ بِنَفْسِهِ وَجُنُودِهِ الَّتِي تَعُمُّ السُّهُولَ وَالْجِبَالَ، فَكَسَرَهُ مَرَّتَيْنِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ فِي أَسْوَإِ حَالٍ وَأَرْدَإِ بَالٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ أَنَّ سُبُكْتِكِينَ لَمَّا الْتَقَى مَعَ جِيبَالَ مَلِكِ الْهِنْدِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَيْنٌ فِي عَقَبَةِ غُورَكَ، مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُ إِذَا وُضِعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ قَذَرٌ، اكْفَهَرَّتِ السَّمَاءُ وَأَرْعَدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَأَمْطَرَتْ، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تُطَهَّرَ تِلْكَ الْعَيْنُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهَا، وَأَنَّ سُبُكْتِكِينَ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ نَجَاسَةٍ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ - وَكَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ نَحْرِ الْعَدُوِّ - فَلَمْ يَزَالُوا فِي رُعُودٍ وَبَرْوَقٍ وَأَمْطَارٍ وَصَوَاعِقَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ ذَلِكَ الْحَالُ إِلَى الْهَرَبِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ خَائِبِينَ هَارِبِينَ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ الْهِنْدِ يَطْلُبُ مِنْ سُبُكْتِكِينَ الصُّلْحَ، فَأَجَابَهُ بَعْدَ امْتِنَاعٍ مِنْ وَلَدِهِ مَحْمُودٍ، عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، وَبِلَادٍ كَثِيرَةٍ يُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ، وَخَمْسِينَ فِيلًا وَرَهَائِنَ مِنْ رُءُوسِ قَوْمِهِ يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ حَتَّى يَقُومَ بِمَا الْتَزَمَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَنَّابِيُّ صَاحِبُ هَجَرَ

стр. 9563

وَمُقَدَّمُ الْقَرَامِطَةِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سِتَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ بِالسَّادَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى تَدْبِيرِ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا، فَمَشَى حَالُهُمْ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ: الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقِرْمِطِيُّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ بَهْرَامٍ، وَيُقَالُ: الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ كُوذْكَارَ. يُقَالُ: أَصْلُهُ مِنَ الْفُرْسِ. قَالَ: وَيُعْرَفُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا بِالْأَعْصَمِ. قَالَ: وَوُلِدَ بِالْأَحْسَاءِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الشَّامِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَحْسَاءِ بَعْدَ سَنَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ، وَكَسَرَ جَيْشَ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ أَوَّلِ مَنْ نَابَ بِالشَّامِ عَنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَقَتَلَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ، فَحَاصَرَهَا فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَاسْتَمَرَّ مُحَاصِرُهَا شُهُورًا، وَقَدْ كَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ ظَالِمَ بْنَ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيَّ،

стр. 9564

ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَحْسَاءِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّمْلَةِ فَتُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَهُوَ يُظْهِرُ طَاعَةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ الطَّائِعِ لِلَّهِ بْنِ الْمُطِيعِ. وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْعَارًا حَسَنَةً رَائِقَةً فَائِقَةً، مِنْ ذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ قَبْلَ الْحَرْبِ بَيْنَهُمَا: الْكُتْبُ مُعْذِرَةٌ وَالرُّسْلُ مُخْبِرَةٌ … وَالْحُقُّ مُتَّبَعٌ وَالْخَيْرُ مَوْجُودُ وَالْحَرْبُ سَاكِنَةٌ وَالْخَيْلُ صَافِنَةٌ … وَالسِّلْمُ مُبْتَذَلٌ وَالظِّلُّ مَمْدُودُ فَإِنْ أَنَبْتُمْ فَمَقْبُولٌ إِنَابَتُكُمْ … وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهَذَا الْكُورُ مَشْدُودُ عَلَى ظُهُورِ الْمَطَايَا أَوْ تَرِدْنَ بِنَا … دِمَشْقَ وَالْبَابُ مَهْدُومٌ وَمَرْدُودُ إِنِّي امْرُؤٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِي وَلَا أَرَبِي … طَبْلٌ يَرِنُّ وَلَا نَايٌ وَلَا عُودُ وَلَا اعْتِكَافٌ عَلَى خَمْرٍ وَمِجْمَرَةٍ … وَذَاتِ دَلٍّ لَهَا دَلٌّ وَتَفْنِيدُ وَلَا أَبِيتُ بَطِينَ الْبَطْنِ مِنْ شِبَعٍ … وَلِي رَفِيقٌ خَمِيصُ الْبَطْنِ مَجْهُودُ وَلَا تَسَامَتْ بِيَ الدُّنْيَا إِلَى طَمَعٍ … يَوْمًا وَلَا غَرَّنِي فِيهَا الْمَوَاعِيدُ وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا:

стр. 9565

يَا سَاكِنَ الْبَلَدِ الْمُنِيفِ تَعُزُّزًا … بِقِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ وَكُهُوفِهِ لَا عِزَّ إِلَّا لِلْعَزِيزِ بِنَفْسِهِ … وَبِخَيْلِهِ وَبِرَجْلِهِ وَسُيُوفِهِ وَبِقُبَّةٍ بَيْضَاءَ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَى … شَرَفِ الْخِيَامِ بِجَارِهِ وَحَلِيفِهِ قَوْمٌ إِذَا اشْتَدَّ الْوَغَى أَرْدَى الْعِدَا … وَشَفَى النُّفُوسَ بِضَرْبِهِ وَوُقُوفِهِ لَمْ يَرْضَ بِالشَّرَفِ التَّلِيدِ لِنَفْسِهِ … حَتَّى أَشَادَ تَلِيدُهُ بِطَرِيفِهِ وَفِيهَا تَمَلَّكَ قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ بِلَادَ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي. وَفِيهَا دَخَلَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ بِشَاهْ نَازَ بِنْتِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ عُرْسًا حَافِلًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، كَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِحَجِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا عَمِلَتْ أَرْبَعَمِائَةِ مَحْمَلٍ، فَلَا يُدْرَى فِي أَيِّهَا هِيَ، وَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ، نَثَرَتْ عَلَيْهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَسَتِ الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ كُلَّهُمْ، وَأَنْفَقَتْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً فِي ذَهَابِهَا وَإِيَابِهَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِ الشَّرِيفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُلْوِيُّ، وَكَذَلِكَ حَجَّ بِالنَّاسِ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ،

стр. 9566

وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْفَاطِمِيِّينَ أَصْحَابِ مِصْرَ دُونَ الْعَبَّاسِيِّينَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَالِمٍ، أَبُو عَمْرٍو السُّلَمِيُّ صَحِبَ الْجُنَيْدَ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ ثِقَةً. وَمِنْ جِيِّدِ كَلَامِهِ: مَنْ لَمْ تُهَذِّبْكَ رُؤْيَتُهُ، فَلَيْسَ بِمُهَذَّبٍ. وَقَدِ احْتَاجَ شَيْخُهُ أَبُو عُثْمَانَ مَرَّةً إِلَى شَيْءٍ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فِيهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ نُجَيْدٍ بِكِيسٍ فِيهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَقَبَضَهُ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَشْكُرُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ نُجَيْدٍ: يَا سَيِّدِي إِنَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ كَانَ مِنْ مَالِ أُمِّي، وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَأُحِبُّ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيْهَا، فَأَعْطَاهُ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَهُ بِهَا، وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَصْرِفَهَا فِي أَمْرِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ أَبُو عُثْمَانَ يَقُولُ: أَنَا أَخْشَى مِنْ هِمَّةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ نُجَيْدٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9567

الْحَسَنُ بْنُ بُوَيْهِ، أَبُو عَلِيٍّ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ عَرَضَ لَهُ قُولَنْجٌ، فَمَاتَ لَيْلَةَ السَّبْتِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِمَارَتِهِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ عُمُرِهِ ثَمَانٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا. مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ رَافِعِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ كَانَ نَقِيبَ الْأَنْصَارِ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً، يَعْرِفُ أَيَّامَ الْأَنْصَارِ وَمَنَاقِبَهُمْ وَأُمُورَهُمْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ سَمِعَ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ الْقَاضِي وَغَيْرَهُ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، صَلَّى حَتَّى أُقْعِدَ، وَبَكَى حَتَّى عَمِيَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9568

الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو الْحَكَمِ الْبَلُّوطِيُّ الظَّاهِرِيُّ مَذْهَبًا، قَاضِي قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ إِمَامًا فَقِيهًا عَالِمًا فَصِيحًا خَطِيبًا شَاعِرًا دَيِّنًا كَثِيرَ الْفَضْلِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ وَاخْتِيَارَاتٌ، مِنْهَا أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُدْخِلَهَا آدَمُ وَأُخْرِجَ مِنْهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفٌ مُفْرَدٌ، لَهُ وَقْعٌ فِي النُّفُوسِ، وَلَهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. دَخَلَ يَوْمًا عَلَى النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ الزَّهْرَاءِ وَقُصُورِهَا، وَقَدْ بُنِيَ لَهُ فِيهَا قَصْرٌ عَظِيمٌ مُنِيفٌ وَزُخُرِفَ بِأَنْوَاعِ الدِّهَانَاتِ وَالسُّتُورِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ رُءُوسُ دَوْلَتِهِ وَأُمَرَاؤُهُ، وَجَاءَ الْقَاضِي فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلَ الْحَاضِرُونَ يُثْنُونَ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ، وَالْقَاضِي سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ، وَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ فَبَكَى الْقَاضِي، وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الشَّيْطَانَ - أَخْزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلَا أَنَّكَ تُمَكِّنُهُ مِنْ قِيَادِكَ هَذَا التَّمْكِينَ، مَعَ مَا آتَاكَ اللَّهُ، وَفَضَّلَكَ بِهِ، حَتَّى أَنْزَلَكَ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 9569

وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزُّخْرُفِ: ٣٣ - ٣٥] قَالَ: فَوَجَمَ الْمَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ وَبَكَى، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَكْثَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ. وَقَدْ قَحَطَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ الْقَاضِيَ مُنْذِرَ بْنَ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيَّ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ بِذَلِكَ لِيَخْرُجَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ لِلرَّسُولِ: كَيْفَ تَرَكْتَ الْمَلِكَ وَمَا حَالُهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ أَخْشَعَ مَا يَكُونُ وَأَكْثَرَهُ دُعَاءً، فَقَالَ الْقَاضِي: رُحِمْتُمْ وَسُقِيتُمْ وَاللَّهِ، إِذَا خَشَعَ جَبَّارُ الْأَرْضِ، رَحِمَ جَبَّارُ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: اخْرُجْ بِالْمِمْطَرِ مَعَكَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ، وَجَاءَ الْقَاضِي صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْتَمِعُونَ لِمَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوَّلَ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ أَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةِ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] ثُمَّ أَعَادَهَا، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ وَالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى سُقُوا، وَرَجَعُوا يَخُوضُونَ الْمَاءَ. وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُصَنَّفًا فِي مَنَاقِبِهِ ﵀. أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ، وَأَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ

стр. 9570

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ كَانَ وَرِعًا زَاهِدًا لَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وَلَهُ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَانَ لَهُ دَرْسٌ بِبَغْدَادَ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9571

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَخَرَجَ مِنْهَا عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَاتَّبَعَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ لِيُقَاتِلَهُ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْخَلِيفَةَ الطَّائِعَ لِلَّهِ فَاسْتَعْفَاهُ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْخُرُوجِ فَأَعْفَاهُ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَرَاءَهُ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ قُتِلَ سَرِيعًا، وَتَصَرَّمَتْ دَوْلَتُهُ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَادَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ السَّنِيَّةَ وَالْأَسْوِرَةَ فِي يَدَيْهِ وَالطَّوْقَ فِي عُنُقِهِ، وَأَعْطَاهُ لِوَاءَيْنِ; أَحَدُهُمَا فِضَّةٌ وَالْآخَرُ ذَهَبٌ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الثَّانِي يَصْنَعُهُ إِلَّا لِأَوْلِيَاءِ الْعَهْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِتُحَفٍ سَنِيَّةٍ، وَبَعَثَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْخَلِيفَةِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ. وَزُلْزِلَتْ بَغْدَادُ مِرَارًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَزَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَانْبَثَقَتْ بُثُوقٌ كَثِيرَةٌ، غَرِقَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ. وَقِيلَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ: إِنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ قَدْ قَلُّوا كَثِيرًا بِسَبَبِ الطَّاعُونِ وَمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ بِسَبَبِ الرَّفْضِ وَالسُّنَّةِ، وَأَصَابَهُمْ حَرِيقٌ وَغَرَقٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُهَيِّجُ

стр. 9572

الشَّرَّ بَيْنَ النَّاسِ فِي السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ هَؤُلَاءِ الْقُصَّاصُ وَالْوُعَّاظُ، ثُمَّ رَسَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُصُّ وَلَا يَعِظُ فِي سَائِرِ بَغْدَادَ وَلَا يَسْأَلُ سَائِلٌ بَاسِمِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا يَقْرَأُ السَّائِلُ الْقُرْآنَ، فَمَنْ أَعْطَاهُ أَخَذَ مِنْهُ. فَعُمِلَ بِذَلِكَ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونَ الْوَاعِظَ - وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ - قَدِ اسْتَمَرَّ يَعِظُ النَّاسَ عَلَى عَادَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ جَاءَ بِهِ، فَأُخِذَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَبِّلِ التُّرَابَ، وَتَوَاضَعْ فِي الْخِطَابِ وَالْجَوَابِ. فَلَمَّا دَخَلَ دَارَ الْمَلِكِ وَجَدَ السُّلْطَانَ قَدْ جَلَسَ فِي حُجْرَةٍ وَحْدَهُ، لِئَلَّا يَنْدُرَ مِنِ ابْنِ سَمْعُونَ فِي حَقِّهِ كَلَامٌ بِحَضْرَةِ النَّاسِ يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَدَخَلَ الْحَاجِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِيَسْتَأْذِنَ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ دَخَلَ وَرَاءَهُ، فَإِذَا الْمَلِكُ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَتَنَحَّى ابْنُ سَمْعُونَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ دَارِ عِزِّ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هُودٍ: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ الْمَلِكِ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يُونُسَ: ١٤] ثُمَّ أَخَذَ فِي مُخَاطَبَةِ الْمَلِكِ وَوَعْظِهِ، فَبَكَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ بُكَاءً كَثِيرًا، وَجَزَاهُ خَيْرًا. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لِلْحَاجِبِ: اذْهَبْ فَخُذْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةَ أَثْوَابٍ، وَادْفَعْهَا إِلَيْهِ; لِنَفْسِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا جِئْنِي بِرَأْسِهِ، قَالَ الْحَاجِبُ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: هَذِهِ أَثْوَابٌ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْكَ الْمَلِكُ لِتَلْبِسَهَا، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا; هَذِهِ ثِيَابِي مِنْ عَهْدِ أَبِي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، كُلَّمَا خَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ لَبِسْتُهَا، فَإِذَا رَجَعْتُ طَوَيْتُهَا. قُلْتُ: وَهَذِهِ نَفَقَةٌ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا;

стр. 9573

لِي دَارٌ آكُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا، تَرَكَهَا لِي أَبِي فَأَنَا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا. فَقُلْتُ: فَرِّقْهَا فِي فُقَرَاءِ أَهْلِكَ، فَقَالَ: أَهْلُهُ أَحَقُّ مِنْ أَهْلِي وَأَفْقَرُ إِلَيْهَا مِنْهُمْ. فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَلِكِ لِأُشَاوِرَهُ وَأُخْبِرَهُ بِمَا قَالَ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِنَّا، وَسَلَّمَنَا مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ أَخَذَ ابْنَ بَقِيَّةَ الْوَزِيرَ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ قَوَائِمِ الْفِيَلَةِ، فَتَخَبَّطَتْهُ بِأَرْجُلِهَا حَتَّى هَلَكَ، ثُمَّ صُلِبَ عَلَى رَأْسِ الْجِسْرِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَرَثَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِأَبْيَاتٍ يَقُولُ فِيهَا: عُلُوٌّ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَمَاتِ … بِحَقٍّ أَنْتَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ كَأَنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حِينَ قَامُوا … وُفُودُ نَدَاكَ أَيَّامَ الصِّلَاتِ كَأَنَّكَ وَاقِفٌ فِيهَمْ خَطِيبًا … وَكُلُّهُمْ وَقُوفٌ لِلصَّلَاةِ مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احْتِفَاءً … كَمَدِّهِمَا إِلَيْهِمْ بِالْهِبَاتِ وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، أَوْرَدَ كَثِيرًا مِنْهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ. صِفَةُ مَقْتَلِ عِزِّ الدِّينِ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَأَخْذِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا لَمَّا دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَغْدَادَ وَتَسَلَّمَهَا مِنْ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا ذَلِيلًا طَرِيدًا

стр. 9574

فِي فَلٍّ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ عَزْمِ عِزِّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الشَّامِ فَيَأْخُذَهَا، وَقَدْ حَلَّفَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَبِي تَغْلِبَ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَذَلِكَ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَمُكَاتَبَةٍ وَمُرَاسَلَاتٍ مِنْهُمَا، فَحَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَحِينَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ كَانَ مَعَهُ حَمْدَانُ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَحَسَّنَ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ أَخْذَ بِلَادِ الْمَوْصِلِ; لِأَنَّهَا أَطْيَبُ وَأَكْثَرُ مَالًا، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ الْآنَ، وَكَانَ عِزُّ الدَّوْلَةِ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، قَلِيلَ الدِّينِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا تَغْلِبَ، أَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ يَقُولُ لَهُ: لَئِنْ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِأَخِي حَمْدَانَ بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَعَنْتُكَ بِجَيْشِي وَبِنَفْسِي حَتَّى أَرُدَّكَ إِلَى مُلْكِ بَغْدَادَ وَأُقَاتِلُ مَعَكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ. فَأَمْسَكَ حَمْدَانَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى عَمِّهِ أَبِي تَغْلِبَ، فَسَجَنَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِهِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمَا بِجَيْشِهِ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ مَعَهُ، فَاسْتَعْفَاهُ فَأَعْفَاهُ، وَاسْتَمَرَّ هُوَ ذَاهِبًا إِلَيْهِمَا فَالْتَقَى مَعَهُمَا، فَكَسَرَهُمَا وَهَزَمَهُمَا، وَأَخَذَ عِزَّ الدَّوْلَةِ أَسِيرًا، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ سَارَ مِنْ فَوْرِهِ، فَأَخَذَ الْمَوْصِلَ وَمُعَامَلَتَهَا، وَكَانَ قَدْ حَمَلَ مَعَهُ مِيرَةً كَثِيرَةً، وَتَشَرَّدَ أَبُو تَغْلِبَ فِي الْبِلَادِ، وَبَعَثَ وَرَاءَهُ السَّرَايَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَأَقَامَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ وَضَيَّقَ عَلَى أَبِي تَغْلِبَ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَكْثَرِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ بِصَرَامَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَهِمَّتِهِ وَعَزِيمَتِهِ، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ إِلَى أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَفَتَحَ مَيَّافَارِقِينَ وَآمِدَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ بِلَادِ بَكْرٍ وَرَبِيعَةَ، وَتَسَلَّمَ بِلَادَ مُضَرَ مِنْ أَيْدِي نُوَّابِ أَبِي تَغْلِبَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الرَّحْبَةَ، وَرَدَّ بَقِيَّتَهَا عَلَى صَاحِبِ

стр. 9575

حَلَبَ سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَتَسَلَّطَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بِلَادِ عَمِّهِ أَبِي تَغْلِبَ يَتَسَلَّمُهَا بَلَدًا بَلَدًا، وَحِينَ رَجَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمَوْصِلِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا أَبَا الْوَفَاءِ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ وَرُءُوسُ النَّاسِ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَمِمَّا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَقْعَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَبَيْنَ أَفْتِكِينَ غُلَامِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ دِمَشْقَ فَهَزَمَهُ، وَأَسَرَهُ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَسَلَّمُ الْعَزِيزُ دِمَشْقَ وَأَعْمَالَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ بَسْطُ هَذِهِ الْكَائِنَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَفِيهَا خُلِعَ عَلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعْتَزِلِيِّ بِقَضَاءِ قُضَاةِ الرَّيِّ وَمَا تَحْتَ حُكْمِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ، مِنْهَا دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَعُمُدُ الْأَدِلَّةِ، وَغَيْرُهُمَا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَائِبُ الْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ بَادِيسُ بْنُ زِيرِي أَخُو يُوسُفَ بْنِ بُلُكِّينَ. وَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ اللُّصُوصُ، وَسَأَلُوا مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُمُ الْمَوْسِمَ هَذَا الْعَامَ، بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَظْهَرَ لَهُمُ الْإِجَابَةَ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَقَالَ لَهُمْ: اجْتَمَعُوا كُلُّكُمْ حَتَّى أُضَمِّنَكُمْ كُلَّكُمْ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ حَرَامِيًّا، فَقَالَ: هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فَحَلَفُوا لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ

стр. 9576

كُلِّهِمْ، وَنِعْمَ مَا فَعَلَ. وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِلْفَاطِمِيِّينَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ دُونَ الْعَبَّاسِيِّينَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْمَلِكُ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ وَعُمُرُهُ فَوْقَ الْعِشْرِينَ سَنَةً بِقَلِيلٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْجِسْمِ، شَدِيدَ الْبَطْشِ، قَوِيَّ الْقَلْبِ جِدًّا، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِقَوَائِمِ الثَّوْرِ الشَّدِيدِ، فَيُلْقِيهِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَعْوَانٍ، وَيَتَقَصَّدُ الْأُسُودَ فِي مُتَصَيِّدَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّذَّاتِ. وَلَمَّا كَسَرَهُ ابْنُ عَمِّهِ بِبِلَادِ الْأَهْوَازِ، كَانَ فِيمَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِ غُلَامٌ لَهُ كَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَبَعَثَ يَتَرَقَّقُ لِابْنِ عَمِّهِ فِيهِ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِتُحَفٍ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ وَجَارِيَتَيْنِ عَوَّادَتَيْنِ، لَا قِيمَةَ لَهُمَا، وَبَعَثَ نَقِيبَ الْأَشْرَافِ فِي ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْغُلَامَ الْمَذْكُورَ، فَكَثُرَ تَعْنِيفُ النَّاسِ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَسَقَطَ مِنْ أَعْيُنِ الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ذَهَابُ هَذَا الْغُلَامِ أَشُدُّ عَلَيَّ مِمَّا جَرَى مِنْ أَخْذِ بَغْدَادَ بَلْ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ آلَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ أَسَرَهُ ابْنُ عَمِّهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ،

стр. 9577

كَمَا ذَكَرْنَا وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ سَرِيعًا، فَكَانَتْ مُدَّةُ حَيَّاتِهِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ دَوْلَتِهِ مِنْهَا إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشُهُورٌ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفُ بِابْنِ قُرَيْعَةَ وَلِيُّ الْقَضَاءِ بِالسِّنْدِيَّةِ، وَكَانَ فَصِيحًا يَأْتِي بِالْكَلَامِ الْمَسْجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، وَكَانَ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، ظَرِيفَ الْمُحَاضَرَةِ. وَمِنْ شَعْرِهِ: لِي حِيلَةٌ فِي مَنْ يَنِمُّ … وَلَيْسَ فِي الُكَذَّابِ حِيلَهْ مَنْ كَانَ يَخْلُقُ مَا يَقُو … لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَهْ وَكَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا تَمَاشَيَا: إِذَا تَقَدَّمْتُ فَحَاجِبٌ، وَإِنْ تَأَخَّرْتُ فَوَاجِبٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9578

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا أَمَرَ الطَّائِعُ لِلَّهِ أَنْ يُدْعَى لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ الْخَلِيفَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ بِبَغْدَادَ، وَأَنْ تُضْرَبَ الدَّبَادِبُ عَلَى بَابِهِ وَقْتَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعَشَاءِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ سَأَلَ مِنَ الْمُطِيعِ لِلَّهِ أَنْ يَضْرِبَ الدَّبَادِبَ عَلَى بَابِهِ بِبَغْدَادَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدِ افْتَتَحَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْمَوْصِلِ - أَكْثَرَ بِلَادِ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، كَآمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَالرَّحْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُدُنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَحِينَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَادَ اسْتَنَابَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَبَا الْوَفَاءِ الْحَاجِبَ، وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا فِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ وَالْأَعْيَانُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. ذِكْرُ مُلْكِ قَسَّامٍ التَّرَّابِ لِدِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لَمَّا اتَّقَعَ أَفْتِكِينُ مَعَ الْعَزِيزِ بِأَرْضِ الرَّمْلَةِ وَانْهَزَمَ أَفْتِكِينُ وَالْحَسَنُ الْقِرْمِطِيُّ مَعَهُ، وَأُسِرَ أَفْتِكِينُ فَذَهَبَ مَعَ

стр. 9579

الْعَزِيزِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ نَهَضَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ يُقَالُ لَهُ: قَسَّامٌ التَّرَّابُ، كَانَ أَفْتِكِينُ يُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ وَيَأْتَمِنُهُ عَلَى أَسْرَارِهِ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى دِمَشْقَ وَطَاوَعَهُ أَهْلُهَا، وَقَصَدَتْهُ عَسَاكِرُ الْعَزِيزِ مِنْ مِصْرَ، فَحَاصَرُوهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَحَاصَرَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ دِمَشْقَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ خَائِبًا إِلَى طَبَرِيَّةَ فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي عُقَيْلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ حُرُوبٌ طَوِيلَةٌ، آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ قَتُلِ أَبُو تَغْلِبَ، وَكَانَتْ مَعَهُ أُخْتُهُ جَمِيلَةُ، وَامْرَأَتُهُ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَرُدَّتَا إِلَى سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِحَلَبَ، فَأَخَذَ أُخْتَهُ، وَبَعَثَ بِجَمِيلَةَ إِلَى بَغْدَادَ فَحُبِسَتْ فِي دَارٍ وَأُخِذَ مِنْهَا أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ. وَأَمَّا قَسَّامٌ - وَهُوَ الْحَارِثِيُّ، وَأَصْلُهُ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِنَ الْيَمَنِ - فَأَقَامَ بِالشَّامِ يَسُدُّ خَلَلَهَا، وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهَا مُدَّةَ سِنِينَ عَدِيدَةٍ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ بِالْجَامِعِ، وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ عِنْدَهُ فَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، وَيَقُومُ فَيَمْتَثِلُونَ مَا يَرْسُمُ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةِ تَلْفِيتَا وَكَانَ تَرَّابًا. قُلْتُ: وَالْعَامَّةُ يَقُولُونَ: اسْمُهُ قُسَيْمٌ الزَّبَّالُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَسَّامٌ، وَلَمْ يَكُنْ زَبَّالًا بَلْ تَرَّابًا مِنْ قَرْيَةِ تَلْفِيتَا بِالْقُرْبِ مِنْ قَرْيَةِ مَنِينَ، وَكَانَ بُدُوَّ أَمْرِهِ أَنَّهُ انْتَمَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَاثِ دِمَشْقَ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ الْجَسْطَارِ، فَكَانَ مِنْ حِزْبِهِ، ثُمَّ

стр. 9580

اسْتُحْوِذَ عَلَى الْأُمُورِ، وَغُلِبَ عَلَى الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، وَصَارَتْ إِلَيْهِ أَزْمَةُ الْأَحْكَامِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ بُلُكِّينُ التُّرْكِيُّ مِنْ مِصْرَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَدَخَلَهَا، وَاخْتَفَى قَسَّامٌ التَّرَّابُ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا وَأَرْسَلَهُ مُقَيَّدًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأُطْلِقَ وَأُحْسِنَ إِلَيْهِ وَأَقَامَ بِهَا أَيْضًا مُكَرَّمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ مِنْ قَطِيعَةِ الدَّقِيقِ بِبَغْدَادَ، رَاوِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» عَنِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ أَحْمَدَ، وَحَدَّثَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَشَايِخِ أَيْضًا، وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَالْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْحَاكِمُ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَلَا الْتَفَتُوا إِلَى مَا شَغَبَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ، بِسَبَبِ غَرَقِ بَعْضِ كُتُبِهِ حِينَ غَرِقَتِ الْقَطِيعَةُ بِالْمَاءِ الْأَسْوَدِ، فَاسْتَحْدَثَ بَعْضَهَا مِنْ نُسَخٍ أُخَرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُعَارَضَةٌ عَلَى كُتُبِهِ الَّتِي غَرِقَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَكَانَ لَا يَدْرِي مَا قُرِئَ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ، ﵀. تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيُّ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ دَوْلَةِ أَبِيهِ

стр. 9581

وَأَخِيهِ الْعَزِيزِ، وَفِيهِ كَرَمٌ، وَلَهُ فَضِيلَةٌ، وَقَدِ اتَّفَقَتْ لَهُ كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَاشْتُرِيَتْ لَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ بِمَبْلَغٍ جَزِيلٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْ عِنْدَهُ أَضَافَ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَغَنَّتْ - وَكَانَتْ تُحِبُّ شَخْصًا بِبَغْدَادَ -: وَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْدَمَلَ الْهَوَى … بَرْقٌ تَأَلَّقَ مُوهِنًا لَمَعَانُهُ يَبْدُو كَحَاشِيَةِ الرِّدَاءِ وَدُونَهُ … صَعْبُ الذَّرَى مُتَمَنِّعٌ أَرْكَانُهُ فَبَدَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ لَاحَ فَلَمْ يُطِقْ … نَظَرًا إِلَيْهِ وَصَدَّهُ أَشْجَانُهُ فَالنَّارُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلُوعُهُ … وَالْمَاءُ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَجْفَانُهُ ثُمَّ غَنَّتْهُ بِأَبْيَاتٍ أُخَرَ، فَاشْتَدَّ طَرَبُ تَمِيمٍ هَذَا، وَقَالَ لَهَا: لَا بُدَّ أَنْ تَسْأَلِينِي حَاجَةً، فَقَالَتْ: عَافِيَتَكَ. فَقَالَ: وَمَعَ هَذَا، وَأَلَحَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: تَرُدُّنِي إِلَى بَغْدَادَ حَتَّى أُغَنِّيَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، فَوَجَمَ، ثُمَّ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْوَفَاءِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَأَحَجَّهَا، ثُمَّ سَارَ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُونَ مِنْ صَبِيحَتِهَا بَغْدَادَ ذَهَبَتْ فِي اللَّيْلِ، فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ، فَلَمَّا رَاحَ الْخَبَرُ إِلَى مَوْلَاهَا تَأَلَّمَ أَلَمًا شَدِيدًا، وَنَدِمَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ. الْعَقِيقِيُّ صَاحِبُ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ الْمَنْسُوبَتَيْنِ إِلَيْهِ بِمَحَلَّةِ بَابِ الْبَرِيدِ بِدِمَشْقَ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَقِيقِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ

стр. 9582

اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَصْغَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِيُّ الْعَقِيقِيُّ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ مِنْ وُجُوهِ الْأَشْرَافِ بِدِمَشْقَ، وَإِلَيْهِ تَنْسُبُ الدَّارُ وَالْحَمَّامُ بِمَحَلَّةِ الْبَرِيدِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الْوَأْوَاءُ الدِّمَشْقِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ مِنَ الْغَدِ، وَأُغْلِقَ الْبَلَدُ بِسَبَبِ جِنَازَتِهِ، وَحَضَرَهَا بَكْجُورُ وَأَصْحَابُهُ - يَعْنِي نَائِبَ دِمَشْقَ - وَدُفِنَ خَارِجَ بَابِ الصَّغِيرِ. قُلْتُ: وَقَدِ اشْتَرَى الْمَلِكُ الظَّاهِرُ رُكْنُ الدِّينِ بِيبَرْسُ دَارَهُ، وَبَنَاهَا مَدْرَسَةً وَدَارَ حَدِيثٍ وَتُرْبَةً، وَبِهَا قَبْرُهُ، وَذَلِكَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ النَّحْوِيُّ: الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ النَّحْوِيُّ الْقَاضِي سَكَنَ بَغْدَادَ وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا نِيَابَةً، وَلَهُ شَرْحُ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَطَبَقَاتُ النُّحَاةِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مَجُوسِيًّا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ هَذَا عَالِمًا بِاللُّغَةِ وَالْقِرَاءَاتِ وَالنَّحْوِ وَالْعَرُوضِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ.

стр. 9583

وَكَانَ زَاهِدًا لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، كَانَ يَنْسَخُ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ وَرَقَاتٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، تَكُونُ مِنْهَا نَفَقَتُهُ وَقُوتُهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِنَحْوِ الْبَصْرِيِّينَ، وَيَنْتَحِلُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الْفِقْهِ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ وَاللُّغَةَ عَلَى ابْنِ دُرَيْدٍ وَالنَّحْوَ عَلَى ابْنِ السَّرَّاجِ وَالْمَبْرَمَانِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الِاعْتِزَالِ، وَأَنْكَرَهُ آخَرُونَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الزِّنْجَانِيُّ، وَيُعْرَفُ بَالْآبَنْدُونِيِّ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْآفَاقِ، وَرَافَقَ ابْنَ عَدِيٍّ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، ثُمَّ سَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِي يَعْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ ثِقَةً ثَبَتًا لَهُ مُصَنَّفَاتٌ، زَاهِدًا، رَوَى عَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، وَذَكَرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَكْلِهِ الْخُبْزُ الْمَأْدُومُ بِمَرَقِ الْبَاقِلَّاءِ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ تَقَلُّلِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَتُوَفِّي عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ وَرْقَاءَ، الْأَمِيرُ أَبُو أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ مِنْ أَهْلِ

стр. 9584

الْبُيُوتَاتِ وَالْحِشْمَةِ، بَلَغَ التِّسْعِينَ، رَوَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ: هِيَ الضِّلَعُ الُعَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا … أَلَا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا أَيَجْمَعْنَ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْفَتَى … أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا قُلْتُ: وَهَذَا الشَّاعِرُ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسْرَتَهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ. « وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ رَاوِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ الْفَقِيهِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ مِنَ الزُّهَّادِ، يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ مِنَ النَّسْخِ، وَبَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 9585

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ عِمْرَانُ بْنُ شَاهِينَ صَاحِبُ بِلَادِ الْبَطِيحَةِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، تَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَعَجَزَ عَنْهُ الْأُمَرَاءُ وَالْمُلُوكُ وَالْخُلَفَاءُ، وَبُعِثَتْ إِلَيْهِ الْجُنُودُ وَالسَّرَايَا وَالْجُيُوشُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَفُلُّهَا وَيَكْسِرُهَا، وَكُلُّ مَا لَهُ فِي تَمَكُّنٍ وَقُوَّةٍ، وَمَكَثَ كَذَلِكَ هَذِهِ الْمُدَّةَ كُلَّهَا، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ - فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ - وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْحَسَنُ، فَرَامَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَنْ يَنْتَزِعَ الْمُلْكَ مِنْ يَدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً فِيهَا خَلْقٌ مِنَ الْجُنُودِ، فَكَسَرَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ، وَكَادَ أَنْ يُتْلِفَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ، وَأَخَذُوهَا مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ الْغَرِيبَةٍ. وَفِي صَفَرٍ قُبِضَ عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي أَحْمَدَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْمُوسَوِيِّ نَقِيبِ الطَّالِبِيِّينَ، وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ يُفْشِي الْأَسْرَارَ، وَأَنَّ عِزَّ الدَّوْلَةِ أَوْدَعَ عِنْدَهُ عِقْدًا ثَمِينًا، وَأُتِيَ بِكِتَابٍ أَنَّهُ خَطَّهُ فِي إِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ، فَأَنْكَرَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَكَانَ مُزَوَّرًا عَلَيْهِ،

стр. 9586

وَاعْتَرَفَ بِالْعِقْدِ، فَأُخِذَ مِنْهُ، وَعُزِلَ عَنِ النِّقَابَةِ، وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فِيهَا، وَكَانَ مَظْلُومًا فِي ذَلِكَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أَيْضًا عَزَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مَعْرُوفٍ، وَوَلَّى غَيْرَهُ. وَفِي شَعْبَانَ وَرَدَ الْبَرِيدُ مِنْ مِصْرَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِمُرَاسَلَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَرَدَّ الْجَوَابَ بِمَا مَضْمُونُهُ صِدْقُ النِّيَّةِ وَحُسْنُ الطَّوِيَّةِ، ثُمَّ سَأَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنَ الطَّائِعِ أَنْ يُجَدِّدَ عَلَيْهِ الْخِلَعَ وَالْجَوَاهِرَ، وَأَنْ يَزِيدَ فِي أَلْقَابِهِ تَاجَ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَابِسِ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَقْبِيلِ الْأَرْضِ مِنْ كَثْرَتِهَا، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ مَا وَرَاءَ دَارِهِ مِنَ الْأُمُورِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَحَضَرَ ذَلِكَ الرُّؤَسَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَأَعْيَانُ النَّاسِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَأَرْسَلَ فِي رَمَضَانَ إِلَى الذُّعَّارِ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ وَغَيْرِهِمْ، فَعَقَرَهُمْ وَكَسَرَهُمْ وَقَهَرَهَمْ، وَكَانَ أَمِيرُهُمْ ضَبَّةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ مُتَحَصِّنًا بِعَيْنِ التَّمْرِ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأُخِذَتْ دِيَارُهُمْ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَحَالَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ بِنْتَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الْكُبْرَى، وَعُقِدَ الْعَقْدُ بِحَضْرَةِ الْأَعْيَانِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَكَانَ عَقْدًا هَائِلًا حَافِلًا، عَلَى صَدَاقٍ مَبْلَغُهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَيُقَالُ: مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ وَكِيلَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ

стр. 9587

«الْإِيضَاحِ وَالتَّكْمِلَةِ»، وَكَانَ الَّذِي خَطَبَ خُطْبَةَ الْعَقْدِ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْمُحَسِّنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ بِالشَّامِ، قَرِيبًا مِنْ نَوَى وَأَعْمَالِهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ أُخْتُهُ جَمِيلَةُ وَزَوْجَتُهُ بِنْتُ عَمِّهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَرُدَّتَا إِلَى ابْنِ عَمِّهِ سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ حَلَبَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِيهَا جَدَّدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عِمَارَةَ بَغْدَادَ وَمَحَاسِنَهَا، وَجَدَّدَ الْمَسَاجِدَ وَالْمَشَاهِدَ، وَأَجْرَى عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْزَاقَ وَالْجِرَايَاتِ، مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْأَطِبَّاءِ وَالْحُسَّابِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَطْلَقَ الصِّلَاتِ لِأَرْبَابِ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ، وَأَلْزَمَ أَصْحَابَ الْأَمْلَاكِ بِبَغْدَادَ بِعِمَارَةِ بُيُوتِهِمْ وَدُورِهِمْ، وَمَهَّدَ الطُّرُقَاتِ، وَأَطْلَقَ الْمُكُوسَ، وَأَصْلَحَ طَرِيقَ الْحُجَّاجِ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى مَكَّةَ وَأَرْسَلَ الصَّدَقَاتِ لِلْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ، قَالَ: فَأَذِنَ لِوَزِيرِهِ نَصْرِ بْنِ هَارُونَ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا - بِعِمَارَةِ الْبِيَعِ وَالدِّيَرَةِ، وَإِطْلَاقِ الْأَمْوَالِ لِفُقَرَائِهِمْ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَسْنَوَيْهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُرْدِيُّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى نَوَاحِي بِلَادِ الدِّينَوَرِ وَهَمَذَانَ وَنَهَاوَنْدَ مُدَّةَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِالْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ اخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَتَمَزَّقَ شَمْلُهُمْ، وَتَمَكَّنَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ أَكْثَرِ بِلَادِهِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ فِي الْأَرْضِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَكِبَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ إِلَى بِلَادِ أَخِيهِ فَخْرِ

стр. 9588

الدَّوْلَةِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانَ بَلَغَهُ مِنْ مُمَالَآتِ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَفَرَّغَ مِنْ أَعْدَائِهِ، رَكِبَ، فَتَسَلَّمَ بِلَادَ أَخِيهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ; هَمَذَانَ وَالرَّيَّ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسَلَّمَ ذَلِكَ إِلَى أَخِيهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بُوَيْهِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ; لِيَكُونَ نَائِبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلَادِ حَسْنَوَيْهِ الْكُرْدِيِّ، فَتَسَلَّمَ بِلَادَهُ وَأَخَذَ حَوَاصِلَهُ وَذَخَائِرَهُ، وَكَانَتْ جَلِيلَةً كَثِيرَةً جِدًّا، وَحَبَسَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ، وَأَمَّرَ بَعْضَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَكْرَادِ الْهَكَّارِيَّةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ بَعْضَ بِلَادِهِمْ، وَعَظُمَ شَأْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَارْتَفَعَ صِيتُهُ وَذِكْرُهُ إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ دَاءُ الصَّرْعِ، وَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِثْلُهُ فِي الْمَوْصِلِ فَكَانَ يَكْتُمُهُ، وَلَكِنَّهُ غَلَبَ بِهِ كَثْرَةُ النِّسْيَانِ، فَلَا يَذْكُرُ الشَّيْءَ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ، وَالدُّنْيَا لَا تَسُرُّ بِقَدْرِ مَا تَضُرُّ: دَارٌ إِذَا مَا أَضْحَكَتْ فِي يَوْمِهَا … أَبْكَتْ غَدًا بُعْدًا لَهَا مَنْ دَارِ وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذَبَارِيُّ ابْنُ أُخْتِ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَسْنَدَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَدِ انْتَقَلَ مِنْ بَغْدَادَ فَأَقَامَ بِصُورَ، فَتُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9589

أَحْمَدُ بْنُ فَارِسِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَبُو الْحُسَيْنِ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الْمُجْمَلِ» فِي اللُّغَةِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمَيْنِ: يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي قَدْ أَحَطْتَ بِهَا … عِلْمًا وَبِي وَبِإِعْلَانِي وَإِسْرَارِي أَنَا الْمُوَحِّدُ لَكِنِّي الْمُقِرُّ بِهَا … فَهَبْ ذُنُوبِي لِتَوْحِيدِي وَإِقْرَارِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ. الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيُعْرَفُ بِالْجُعَلِ، سَكَنَ بَغْدَادَ وَانْتَحَلَ مَذْهَبَ الْعِرَاقِيِّينَ، فَصَنَّفَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ اشْتِغَالُهُ فِي الْفُرُوعِ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيِّ وَعِنْدَهُ دُفِنَ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ. ثَابِتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ الصَّابِئُ الْمُتَطَبِّبُ، الْحَاذِقُ فِي فَنِّهِ. تُوُفِّيَ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.

стр. 9590

حَسْنَوَيْهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُرْدِيُّ أَمِيرُ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ كَمَا قَدَّمْنَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَزَّازُ أَسْنَدَ الْكَثِيرَ، وَبَلَغَ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا، تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى، أَبُو الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ شَيْبَانَ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا، لَهُ تَصَانِيفُ، وَقَدْ وَلِيَ الْحُكْمَ بِبَغْدَادَ قَدِيمًا، وَكَانَ جَيِّدَ السِّيرَةِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ وَقَارَبَ الثَّمَانِينَ، ﵀ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ.

стр. 9591

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا وَرَدَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ مِنْ جِهَةِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَخِيهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَتَلَقَّاهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَمَرَ الدَّوْلَةَ بِاحْتِرَامِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَزَادَهُ فِي أَقْطَاعِهِ، وَرَدَّ مَعَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً جِدًّا. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا رَجَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ، وَضُرِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ، وَزُيِّنَتِ الْأَسْوَاقُ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ دَخَلَ الْخَلِيفَةُ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَحُمِلَ مَعَهَا مِنَ الْجِهَازِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أَيْضًا وَصَلَتْ هَدَايَا مِنْ صَاحِبِ الْيَمَنِ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَفِيهَا أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِصَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ الْعَزِيزُ بْنُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو بَكْرٍ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الرَّازِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ،

стр. 9592

وَلَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ كِتَابُ «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ»، وَهُوَ تِلْمِيذُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، وَرَحَلِ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْآفَاقِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَرَادَهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ عَلَى أَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذَا الْعَامِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْخُوَارِزْمِيُّ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَيُلَقَّبُ بِغُنْدَرٍ أَيْضًا، كَانَ جَوَّالًا رَحَّالًا، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ بِبِلَادِ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَمِعَ الْبَاغَنْدِيَّ وَابْنَ صَاعِدٍ وَابْنَ دُرَيْدٍ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالَوَيْهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ، أَصْلُهُ مِنْ هَمَذَانَ ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَادَ فَأَدْرَكَ بِهَا مَشَايِخَ هَذَا الشَّأْنِ، كَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَابْنِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ، وَاشْتَغَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ السِّيرَافِيِّ، ثُمَّ صَارَ إِلَى حَلَبَ فَعَظُمَتْ مَكَانَتُهُ عِنْدَ آلِ حَمْدَانَ، وَكَانَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ يُكْرِمُهُ وَهُوَ أَحَدُ جُلَسَائِهِ، وَلَهُ مَعَ الْمُتَنَبِّي مُنَاظَرَاتٌ.

стр. 9593

وَقَدْ سَرَدَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً مِنْهَا «كِتَابُ لَيْسَ» ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَذَا وَكَذَا، وَ «كِتَابُ الْآلِ» تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى أَقْسَامِهِ وَتَرْجَمَ الْأَئِمَّةَ الِاثْنَىْ عَشَرَ، وَإِعْرَابَ ثَلَاثِينَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَشَرَحَ الدُّرَيْدِيَّةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ فَرْدًا فِي زَمَانِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9594

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِالْكَرْخِ مِنْ بَغْدَادَ. وَفِيهَا سُرِقَ شَيْءٌ نَفِيسٌ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ; لِشِدَّةِ هَيْبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ مَعَ هَذَا اجْتَهَدُوا كُلَّ الِاجْتِهَادِ، فَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ أَخَذَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ صَاحِبَ مِصْرَ بَعَثَ مَنْ فَعَلَ هَذَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْجُرْجَانِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الرَّحَّالُ الْجَوَّالُ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَحَدَّثَ وَخَرَّجَ وَصَنَّفَ، فَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ وَالِاعْتِقَادَ، صَنَّفَ كِتَابًا عَلَى «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَعُلُومٌ غَزِيرَةٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كُنْتُ عَزَمْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَيْهِ، فَلَمْ أُرْزَقْ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتَ عَاشِرَ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ

стр. 9595

ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، ﵀. الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ السَّبِيعِيُّ سَمِعَ ابْنَ جَرِيرٍ وَقَاسِمًا الْمُطَرِّزَ وَغَيْرَهُمَا، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَرْقَانِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا مُكْثِرًا، وَكَانَ عَسِرَ الرِّوَايَةِ، ﵀. الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ طَهْمَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّاهِدُ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَادِي سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ ثِقَةً، عُمِّرَ سَبْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، مِنْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مُقْعَدًا أَعْمَى، ﵀. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو بَكْرٍ الضَّبِّيُّ الْقَاضِي وَلِيَ الْحُكْمَ بِعِدَّةِ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا صَيِّنًا دَيِّنًا. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ اللَّيْثِ، أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، لَهُ كَلَامٌ وَمُصَنَّفٌ فِي الْخِلَافِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ وَضَعَ حَدِيثًا، وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ: مَا زَالَ هَذَا دَأْبَ الْخَطِيبِ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ:
следующие страницы →