Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.
стр. 9591
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا وَرَدَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ مِنْ جِهَةِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ إِلَى أَخِيهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَتَلَقَّاهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَمَرَ الدَّوْلَةَ بِاحْتِرَامِهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَزَادَهُ فِي أَقْطَاعِهِ، وَرَدَّ مَعَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً جِدًّا.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا رَجَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ، وَضُرِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ، وَزُيِّنَتِ الْأَسْوَاقُ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ دَخَلَ الْخَلِيفَةُ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَحُمِلَ مَعَهَا مِنَ الْجِهَازِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أَيْضًا وَصَلَتْ هَدَايَا مِنْ صَاحِبِ الْيَمَنِ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَفِيهَا أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِصَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ الْعَزِيزُ بْنُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو بَكْرٍ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الرَّازِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ،
стр. 9592
وَلَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ كِتَابُ «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ»، وَهُوَ تِلْمِيذُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، وَرَحَلِ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْآفَاقِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَرَادَهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ عَلَى أَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذَا الْعَامِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْخُوَارِزْمِيُّ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ
وَيُلَقَّبُ بِغُنْدَرٍ أَيْضًا، كَانَ جَوَّالًا رَحَّالًا، سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ بِبِلَادِ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَمِعَ الْبَاغَنْدِيَّ وَابْنَ صَاعِدٍ وَابْنَ دُرَيْدٍ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالَوَيْهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ
صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ، أَصْلُهُ مِنْ هَمَذَانَ ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَادَ فَأَدْرَكَ بِهَا مَشَايِخَ هَذَا الشَّأْنِ، كَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَابْنِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ، وَاشْتَغَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ السِّيرَافِيِّ، ثُمَّ صَارَ إِلَى حَلَبَ فَعَظُمَتْ مَكَانَتُهُ عِنْدَ آلِ حَمْدَانَ، وَكَانَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ يُكْرِمُهُ وَهُوَ أَحَدُ جُلَسَائِهِ، وَلَهُ مَعَ الْمُتَنَبِّي مُنَاظَرَاتٌ.
стр. 9593
وَقَدْ سَرَدَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً مِنْهَا «كِتَابُ لَيْسَ» ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَذَا وَكَذَا، وَ «كِتَابُ الْآلِ» تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى أَقْسَامِهِ وَتَرْجَمَ الْأَئِمَّةَ الِاثْنَىْ عَشَرَ، وَإِعْرَابَ ثَلَاثِينَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَشَرَحَ الدُّرَيْدِيَّةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، وَكَانَ فَرْدًا فِي زَمَانِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9594
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِالْكَرْخِ مِنْ بَغْدَادَ.
وَفِيهَا سُرِقَ شَيْءٌ نَفِيسٌ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ; لِشِدَّةِ هَيْبَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ مَعَ هَذَا اجْتَهَدُوا كُلَّ الِاجْتِهَادِ، فَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ أَخَذَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ صَاحِبَ مِصْرَ بَعَثَ مَنْ فَعَلَ هَذَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْجُرْجَانِيُّ
الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الرَّحَّالُ الْجَوَّالُ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَحَدَّثَ وَخَرَّجَ وَصَنَّفَ، فَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ وَالِاعْتِقَادَ، صَنَّفَ كِتَابًا عَلَى «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَعُلُومٌ غَزِيرَةٌ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كُنْتُ عَزَمْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَيْهِ، فَلَمْ أُرْزَقْ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتَ عَاشِرَ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ
стр. 9595
ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، ﵀.
الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ السَّبِيعِيُّ
سَمِعَ ابْنَ جَرِيرٍ وَقَاسِمًا الْمُطَرِّزَ وَغَيْرَهُمَا، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَرْقَانِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا مُكْثِرًا، وَكَانَ عَسِرَ الرِّوَايَةِ، ﵀.
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ طَهْمَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّاهِدُ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَادِي
سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ ثِقَةً، عُمِّرَ سَبْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، مِنْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مُقْعَدًا أَعْمَى، ﵀.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو بَكْرٍ الضَّبِّيُّ الْقَاضِي
وَلِيَ الْحُكْمَ بِعِدَّةِ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا صَيِّنًا دَيِّنًا.
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ اللَّيْثِ، أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ
الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، لَهُ كَلَامٌ وَمُصَنَّفٌ فِي الْخِلَافِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ وَضَعَ حَدِيثًا، وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ: مَا زَالَ هَذَا دَأْبَ الْخَطِيبِ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ:
стр. 9596
وَشَيْخُ الْخَطِيبِ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ هَذَا هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَسَدٍ الْعُكْبَرِيُّ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ يَقُولُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ.
قُلْتُ: وَهَذَا غَرِيبٌ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ تَخْلِيدِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ لَا يَقُولُ هَذَا بِتَخْلِيدِ الْكُفَّارِ! قَالَ: وَعَنْهُ حُكِيَ الْكَلَامُ فِي ابْنِ بَطَّةَ أَيْضًا.
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحُصَرِيُّ الصُّوفِيُّ الْوَاعِظُ
شَيْخُ الْمُتَصَوِّفَةِ بِبَغْدَادَ، أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ صَحِبَ الشِّبْلِيَّ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ بِالْجَامِعِ، ثُمَّ لَمَّا كَبُرَتْ سِنُّهُ بُنِيَ لَهُ الرِّبَاطُ الْمُقَابِلُ لِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ عُرِفَ بِصَاحِبِهِ الزَّوْزَنِيِّ، وَكَانَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَلَهُ كَلَامٌ جَيِّدٌ فِي التَّصَوُّفِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ.
وَمِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلَيَّ مِنِّي؟ وَأَيُّ شَيْءٍ لِي فِيَّ حَتَّى أَخَافَ وَأَرْجُوَ، إِنْ رَحِمَ رَحِمَ مَا لَهُ، وَإِنَّ عَذَّبَ عَذَّبَ مَا لَهُ.
تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ حَرْبٍ مِنْ بَغْدَادَ.
стр. 9597
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَحْدَبُ الْمُزَوِّرُ
كَانَ قَوِيَّ الْخَطِّ، لَهُ مَلَكَةٌ عَلَى التَّزْوِيرِ، لَا يَشَاءُ يَكْتُبُ عَلَى كِتَابَةِ أَحَدٍ إِلَّا فَعَلَ، فَلَا يَشُكُّ ذَلِكَ الْمُزَوَّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَبَلَا النَّاسَ بِبَلَاءٍ عَظِيمٍ، وَخَتَمَ السُّلْطَانُ عَلَى يَدِهِ مِرَارًا فَلَمْ يَفِدْ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ الشَّافِعِيُّ
شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَإِمَامُ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، فَسَمِعَ مِنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: عَادَلْتُ الشَّيْخَ أَبَا زَيْدٍ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فَمَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَتَبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً.
وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَتَهُ بِكَمَالِهَا فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ». قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ: تُوُفِّيَ بِمَرْوَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ خَفِيفٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ
أَحَدُ مَشَاهِيرِ
стр. 9598
الصُّوفِيَّةِ، صَحِبَ الْجَرِيرِيَّ وَابْنَ عَطَاءِ وَغَيْرَهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِي الْمُسَمَّى بِ «تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ» عَنْهُ حِكَايَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْإِبَاحِيَّةِ.
стр. 9599
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي الْمُحَرَّمِ جَرَى الْمَاءُ الَّذِي سَاقَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ وَبُسْتَانِهِ.
وَفِي صَفَرٍ فُتِحَ الْمَارَسْتَانُ الَّذِي أَنْشَأَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَقَدْ رَتَّبَ فِيهِ الْأَطِبَّاءَ وَالْخَدَمَ، وَنُقِلَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْعَقَاقِيرِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
وَقَالَ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَكَتَمَ أَصْحَابُهُ وَفَاتَهُ، حَتَّى أَحْضَرُوا وَلَدَهُ صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ فَوَلَّوْهُ الْأَمْرَ، وَرَاسَلُوا الْخَلِيفَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَالْوِلَايَةِ.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
أَبُو شُجَاعِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ الْعِرَاقِ، وَمَلِكُ بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا.
стр. 9600
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَسَمَّى «شَاهِنْشَاهْ»، وَمَعْنَاهُ مَلِكُ الْمُلُوكِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَوْضَعُ اسْمٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَخْنَعُ اسْمٍ - عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ .
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضُرِبَتْ لَهُ الدَّبَادِبُ بِبَغْدَادَ، وَأَوَّلُ مَنْ خُطِبَ لَهُ بِهَا مَعَ الْخَلِيفَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ بِمَدَائِحَ هَائِلَةٍ كَالْمُتَنَبِّي وَغَيْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامِيِّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
إِلَيْكَ طَوَى عَرْضَ الْبَسِيطَةِ جَاعِلٌ … قُصَارَى الْمَطَايَا أَنْ يَلُوحَ لَهَا الْقَصْرُ
فَكُنْتُ وَعَزْمِي فِي الظَّلَامِ وَصَارِمِي … ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ كَمَا اجْتَمَعَ النَّسْرُ
وَبَشَّرْتُ آمَالِي بِمَلْكٍ هُوَ الْوَرَى … وَدَارٍ هِيَ الدُّنْيَا وَيَوْمٍ هُوَ الدَّهْرُ
ثُمَّ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ.
وَقَالَ الْمُتَنَبِّي أَيْضًا:
هِيَ الْغَرَضُ الْأَقْصَى وَرُؤْيَتُكَ الْمُنَى … وَمَنْزِلُكَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ الْخَلَائِقُ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَيْسَ فِي الطِّلَاوَةِ كَقَوْلِ السَّلَامِيِّ، وَلَا اسْتَوْفَى الْمَعْنَى كُلَّهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الدَّهْرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ الْأَرَّجَانِيُّ الْقَاضِي فِي قَصِيدَةٍ لَهُ بَيْتًا، فَلَمْ يَلْحَقِ السَّلَامِيَّ
стр. 9601
أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُهُ:
لَقِيتُهُ فَرَأَيْتُ النَّاسَ فِي رَجُلٍ … وَالدَّهْرَ فِي سَاعَةٍ وَالْأَرْضَ فِي دَارِ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَفْتِكِينُ مَوْلَى أَخِيهِ صَاحِبِ دِمَشْقَ يَسْتَمِدُّهُ بِجَيْشٍ يُقَاتِلُ بِهِ الْفَاطِمِيِّينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ: غَرَّكَ عِزُّكَ، فَصَارَ قُصَارُ ذَلِكَ ذُلَّكَ، فَاخْشَ فَاحِشَ فِعْلِكَ، فِعَلَّكَ بِهَذَا تُهْدَا. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَقَدْ أَبْدَعَ فِيهَا كُلَّ الْإِبْدَاعِ.
وَقَدْ جَرَى لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ مِنَ الْخَلِيفَةِ مَا لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ ذَا هِمَّةٍ وَصَرَامَةٍ وَعَزْمٍ، اجْتَهَدَ فِي عِمَارَةِ بَغْدَادَ وَالطُّرُقَاتِ، وَأَجْرَى النَّفَقَاتِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ، وَبَنَى الْمَارَسْتَانَ الْعَضُدِيَّ، وَأَدَارَ السُّورَ عَلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي مُدَّةِ مُلْكِهِ عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَتْ خَمْسَ سِنِينَ.
وَقَدْ كَانَ عَاقِلًا فَاضِلًا، حَسَنَ السِّيَاسَةِ، شَدِيدَ الْهَيْبَةِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَجَاوَزُ فِي سِيَاسَتِهِ الْأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ، كَانَ يُحِبُّ جَارِيَةً، فَأَلْهَتْهُ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ، فَأَمَرَ بِتَغْرِيقِهَا، وَبَلَغَهُ أَنَّ غُلَامًا لَهُ أَخَذَ لِرَجُلٍ بِطِّيخَةً، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ.
وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ دَاءُ الصَّرْعِ، وَحِينَ أَخَذَتْهُ عِلَّةُ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلَامٌ سِوَى تِلَاوَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الْحَاقَّةِ: ٢٨، ٢٩].
стр. 9602
وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعِلْمَ وَالْفَضِيلَةَ، وَكَانَ يُقْرَأُ عِنْدَهُ «كِتَابُ إِقْلِيدِسَ» وَكِتَابُ النَّحْوِ لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَهُوَ «الْإِيضَاحُ وَالتَّكْمِلَةُ» الَّذِي صَنَّفَهُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ لَهُ شِعْرًا، فَمِنْهُ قَوْلُهُ، وَقَدْ خَرَجَ مَرَّةً إِلَى بُسْتَانٍ لَهُ فَقَالَ: أَوَدُّ لَوْ جَاءَ الْمَطَرُ، فَنَزَلَ الْمَطَرُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَيْسَ شُرْبُ الْكَأْسِ إِلَّا فِي الْمَطَرْ … وَغِنَاءٌ مِنْ جِوَارٍ فِي السَّحَرْ
غَانِيَاتٍ سَالِبَاتٍ لِلنُّهَى … نَاغِمَاتٍ فِي تَضَاعِيفِ الْوَتَرْ
رَاقِصَاتٍ زَاهِرَاتٍ نُجَّلٍ … رَافِلَاتٍ فِي أَفَانِينِ الْحِبَرْ
مُطْرِبَاتٍ مُحْسِنَاتٍ مُجَّنٍ … رَافِضَاتِ الْهَمِّ إِبَّانَ الْفِكَرْ
مُبْرِزَاتِ الْكَأْسِ مِنْ مَخْزَنِهَا … مُسَقَّيَاتِ الْخَمْرِ مَنْ فَاقَ الْبَشَرْ
عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَابْنُ رُكْنِهَا … مَالِكُ الْأَمْلَاكِ غَلَّابُ الْقَدَرْ
سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بُغْيَتَهُ … فِي مُلُوكِ الْأَرْضِ مَا دَارَ الْقَمَرْ
وَأَرَاهُ الْخَيْرَ فِي أَوْلَادِهِ … لِيُسَاسَ الْمُلْكُ فِيهِمْ بِالْغُرَرْ
قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّهُ مُنْذُ قَالَ: غَلَّابُ الْقَدَرْ، لَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهَا. وَذَكَرَ غَيْرُهُ:
стр. 9603
أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ آخِرُ مَا أُنْشِدَتْ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ عَقِبَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَحُمِلَ إِلَى مَشْهَدِ عَلِيٍّ، فَدُفِنَ فِيهِ.
وَقَدْ كُتِبَ عَلَى قَبْرِهِ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي بُنِيَتْ لَهُ عِنْدَ مَشْهَدِ عَلِيٍّ: هَذَا قَبْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَتَاجِ الْمَمْلَكَةِ أَبِي شُجَاعِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، أَحَبَّ مُجَاوَرَةَ هَذَا الْإِمَامِ الْمُتَّقِي لِطَمَعِهِ فِي الْخَلَاصِ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النَّحْلِ: ١١١] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرَةِ.
وَقَدْ تَمَثَّلَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، وَهِيَ لِلْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ:
قَتَلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجَالِ فَلَمْ أَدَعْ … عَدُوًّا وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى ظَنِّهِ خَلْقَا
وَأَخْلَيْتُ دُورَ الْمُلْكِ مِنْ كُلِّ نَازِلٍ … فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَشَرَّدْتُهُمْ شَرْقَا
فَلَمَّا بَلَغْتُ النَّجْمَ عِزًّا وَرِفْعَةً … وَصَارَتْ رِقَابُ الْخَلْقِ أَجْمَعُ لِي رِقَّا
رَمَانِي الرَّدَى سَهْمًا فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي … فَهَا أَنَا ذَا فِي حُفْرَتِي عَاطِلًا مُلْقَى
فَأَذْهَبْتُ دُنْيَايَ وَدِينِي سَفَاهَةً … فَمَنْ ذَا الَّذِي مِنِّي بِمَصْرَعِهِ أَشْقَى
ثُمَّ جَعَلَ يُكَرِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ إِلَى أَنْ مَاتَ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأُجْلِسَ ابْنُهُ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ السَّوَادِ، وَجَاءَهُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ مُعَزِّيًا، وَنَاحَ النِّسَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأَسْوَاقِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَلَمَّا انْقَضَى الْعَزَاءُ
стр. 9604
رَكِبَ صَمْصَامَةُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ سَبْعَ خِلَعٍ، وَطُوِّقَ وَسُوِّرَ، وَأَلْبَسَهُ التَّاجَ، وَلَقَّبَهُ شَمْسَ الدَّوْلَةِ، وَوَلَّاهُ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ وَهْبٍ، أَبُو بَكْرٍ الْحَرِيرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِزَوْجِ الْحُرَّةِ
سَمِعَ ابْنَ جَرِيرٍ وَالْبَغَوِيَّ وَابْنَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ ابْنُ رَزْقَوَيْهِ وَابْنُ شَاذَانَ وَالْبَرْقَانِيُّ، وَقَالَ: كَانَ جَلِيلًا، أَحَدَ الْعُدُولِ الثِّقَاتِ.
قَالَ الْخَطِيبُ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِزَوْجِ الْحُرَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ إِلَى مَطْبَخِ ابْنَةِ بَدْرٍ مَوْلَى الْمُعْتَضِدِ، الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُقْتَدِرُ، وَبَقِيَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ سَالِمَةً مِنَ الْكُتَّابِ وَالْمُصَادَرَاتِ، كَثِيرَةَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ هَذَا وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ حَدَثُ السِّنِّ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ حَوَائِحِ الطَّعَامِ عَلَى رَأْسِهِ، فَيَدْخُلُ بِهِ إِلَى مَطْبَخِهَا مَعَ جُمْلَةِ الْخَدَمِ، وَكَانَ شَابًّا رَشِيقًا حَرِكَا، فَنَفَقَ عَلَى الْقَهْرَمَانَةِ فَقَدَّمَتْهُ حَتَّى جَعَلَتْهُ كَاتِبًا عَلَى الْمَطْبَخِ، ثُمَّ تَرَقَّتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ صَارَ وَكِيْلًا يَنْظُرُ فِي الضَّيَاعِ وَالْعَقَارِ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ حَتَّى صَارَتِ السِّتُّ تُحَدِّثُهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، فَعَلِقَتْ بِهِ وَأَحَبَّتْهُ، وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، فَاسْتَصْغَرَ نَفْسَهُ، وَخَافَ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ، فَشَجَّعَتْهُ هِيَ وَأَعْطَتْهُ مَالًا جَزِيلًا لِيُظْهِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِشْمَةِ وَالسَّعَادَةِ مَا يُنَاسِبُهَا; لِيَتَأَهَّلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ شَرَعَتْ تُهَادِي الْقُضَاةَ وَالْأَكَابِرَ، ثُمَّ عَزَمَتْ عَلَى
стр. 9605
تَزْوِيجِهِ، وَرَضِيَتْ بِهِ عِنْدَ حُضُورِ الْقُضَاةِ، وَاعْتَرَضَ أَوْلِيَاؤُهَا عَلَيْهَا، فَغَلَبَتْهُمْ بِالْمُكَارَمَاتِ وَالْهَدَايَا، وَدَخَلَ عَلَيْهَا فَمَكَثَتْ مَعَهُ دَهْرًا طَوِيلًا، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ قَبْلَهُ، فَوَرِثَ مِنْهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَطَالَ عُمُرُهُ بَعْدَهَا حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
стр. 9606
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ حَتَّى بَلَغَ الْكَرُّ مِنَ الطَّعَامِ إِلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الضَّعْفِ فِي الطُّرُقَاتِ جُوعًا، ثُمَّ تَسَاهَلَ الْحَالُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا. وَجَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ عَبَّادٍ الْوَزِيرَ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّاهُ الْمُلْكَ مَكَانَ أَخِيهِ، فَاسْتَوْزَرَ ابْنَ عَبَّادٍ أَيْضًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا بَلَغَ الْقَرَامِطَةَ مَوْتُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ قَصَدُوا الْبَصْرَةَ لِيَأْخُذُوهَا مَعَ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ صُولِحُوا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ، فَأَخَذُوهُ وَانْصَرَفُوا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
بُوَيْهِ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ
كَانَ مَلِكًا عَلَى بَعْضِ مَا كَانَ أَبُوهُ يَمْلِكُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ الصَّاحِبُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبَّادٍ وَزِيرَهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ هَذَا بِزُبَيْدَةَ بِنْتِ عَمِّهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَغَرِمَ عَلَى عُرْسِهِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَهَذَا سَرَفٌ عَظِيمٌ.
بُلُكِّينُ بْنُ زِيرِي بْنِ مُنَادٍ الْحِمْيَرِيُّ الصِّنْهَاجِيُّ
وَيُسَمَّى أَيْضًا يُوسُفَ،
стр. 9607
وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أُمَرَاءِ الْمُعِزِّ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ حِينَ سَارَ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ حَظِيَّةٍ، وَقَدْ بُشِّرَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا، وَهُوَ جَدُّ بَادِيسَ الْمَغْرِبِيِّ.
سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ، أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ
أَصْلُهُ مِنْ بِلَادِ الْقَيْرَوَانِ وَدَخَلَ الشَّامَ وَصَحِبَ أَبَا الْخَيْرِ الْأَقْطَعَ، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ مُدَّةَ سِنِينَ، وَكَانَ لَا يَظْهَرُ فِي الْمَوَاسِمِ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرُوِيَ لَهُ أَحْوَالٌ صَالِحَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْمُخْتَارِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ الْوَاسِطِيُّ
يُعْرَفُ بِابْنِ السَّقَّا، سَمِعَ عَبْدَانَ وَأَبَا يَعْلَى الْمَوْصِلِيَّ وَابْنَ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَغَوِيَّ، وَكَانَ فَهِمًا حَافِظًا، دَخَلَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِهَا مَجَالِسَ كَثِيرَةً مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ يَحْضُرُهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَ مَرَّةً عَنْ أَبِي يَعْلَى بِحَدِيثٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي أَصْلِهِ بِخَطِّ الصِّبَا، كَمَا حَدَّثَ بِهِ سَوَاءً، فَبَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 9608
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ الْمُلَقَّبِ بِشَمْسِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ عَمِّهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ لِفَخْرِ الدَّوْلَةِ خِلَعًا سَنِيَّةً وَتُحَفًا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا عُمِلَ عُرْسٌ فِي دَرْبِ رَبَاحٍ، فَسَقَطَتِ الدَّارُ عَلَى مَنْ فِيهَا، فَهَلَكَ أَكْثَرُ النِّسَاءِ بِهَا، وَنُبِشَ مِنْ تَحْتِ الرَّدْمِ، فَكَانَتِ الْمُصِيبَةُ عَامَّةً.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةٌ:
الْحَافِظِ أَبِي الْفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ
الْمُصَنَّفُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي يَعْلَى وَطَبَقَتِهِ، وَضَعَّفَهُ كَثِيرٌ مِنْ حُفَّاظِ زَمَانِهِ، وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِوَضْعِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لِابْنِ بُوَيْهِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بَغْدَادَ فَسَاقَهُ بِإِسْنَادٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ
стр. 9609
يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ صُورَةِ ذَلِكَ الْأَمِيرِ. فَأَجَازَهُ وَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ كَثِيرَةً وَالْعَجَبُ - إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا - كَيْفَ رَاجَ هَذَا عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَعَقْلٍ، وَقَدْ أَرَّخَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْخَطِيبُ أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُبَاتَةَ الْحَذَّاءُ - بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقِيلَ: مِنْ إِيَادٍ - الْفَارِقِيُّ
خَطِيبُ حَلَبَ أَيَّامَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَلِهَذَا أَكْثَرُ دِيوَانِهِ الْخُطَبُ الْجِهَادِيَّةُ، وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَى مَثَلِ دِيوَانِهِ هَذَا، وَلَا يُلْحَقُ فِيهِ - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ - لِأَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا ذَكِيًّا دَيِّنًا وَرِعًا. رَوَى الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْكِنْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ بِخُطْبَةِ الْمَنَامِ، ثُمَّ رَأَى لَيْلَةَ السَّبْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْمَقَابِرِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَرْحَبًا بِخَطِيبِ الْخُطَبَاءِ. ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى الْقُبُورِ، فَقَالَ لِابْنِ نُبَاتَةَ: كَيْفَ تَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلْعُيُونِ قُرَّةً، وَلَمْ يُعَدُّوا فِي الْأَحْيَاءِ مَرَّةً، فَتَمَّمَ الْكَلَامَ ابْنُ نُبَاتَةَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: يَوْمَ تَكُونُونَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ - وَأَشَارَ إِلَى الصَّحَابَةِ - وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، وَأَشَارَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ أَحْسَنْتَ، ادْنُهِ ادْنُهْ، فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجْهَهُ، وَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَقَالَ: وَفَّقَكَ اللَّهُ، فَاسْتَيْقَظَ، وَبِهِ مِنَ السُّرُورِ أَمْرٌ كَبِيرٌ، وَعَلَى وَجْهِهِ نُورٌ وَبَهَاءٌ، وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لَمْ يَسْتَطْعِمْ فِيهَا بِطَعَامٍ،
стр. 9610
وَيُوجَدُ مِنْ فِيهِ مِثْلُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ حَتَّى مَاتَ، ﵀.
قَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ الْفَارِقِيُّ: وُلِدَ ابْنُ نُبَاتَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَهِيَ هَذِهِ السَّنَةُ، ﵀ وَإِيَّانَا. حَكَاهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
стр. 9611
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ وَسَوَّرَهُ وَطَوَّقَهُ، وَأُرْكِبَ عَلَى فَرَسٍ بِسَرْجٍ ذَهَبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَنِيبٌ مِثْلُهُ.
وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ سَادَةِ الْقَرَامِطَةِ - وَهُمَا إِسْحَاقُ وَجَعْفَرٌ - دَخَلَا الْكُوفَةَ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ، فَانْزَعَجَتِ النُّفُوسُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِصَرَامَتِهِمْ وَشَهَامَتِهِمْ، وَلِأَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَعَ شَجَاعَتِهِ قَدْ كَانَ يُصَانِعُهُمْ، وَأَقْطَعَهُمْ أَرَاضِيَ مِنْ وَاسِطٍ وَكَذَلِكَ عِزُّ الدَّوْلَةِ مِنْ قَبْلِهِ أَيْضًا، فَجُهِّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ بَغْدَادَ فَطَرَدُوهُمْ عَنْ تِلْكَ النَّوَاحِي الَّتِي قَدْ أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، وَبَطَلَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا عَزَمَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ مَكْسًا عَلَى الثِّيَابِ الْإِبْرَيْسَمِيَّاتِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَهَمُّوا بِتَبْطِيلِ الْجُمُعَةِ، وَكَادَتِ الْفِتْنَةُ تَقَعُ بَيْنَهُمْ، فَأُعْفُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ ابْنِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ، فَجَلَسَ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ لِلْعَزَاءِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ فِي ثِيَابِ السَّوَادِ وَالْقُرَّاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَامَ
стр. 9612
إِلَيْهِ صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَخَاطَبَا فِي الْعَزَاءِ بِأَلْفَاظٍ حَسَنَةٍ، وَانْصَرَفَ الْخَلِيفَةُ رَاجِعًا إِلَى دَارِهِ، وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ:
الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُ اخْتِيَارَاتٌ كَثِيرَةٌ غَرِيبَةٌ، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي «الطَّبَقَاتِ» بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَبُو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِحُسَيْنَكْ
كَانَتْ تَرْبِيَتُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَتِلْمِيذًا لَهُ، وَكَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَيَقْرَأُ لَهُ مَا لَا يَقْرَأُهُ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا تَخَلَّفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ مَجَالِسِ السُّلْطَانِ بَعَثَ حُسَيْنَكْ مَكَانَهُ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُ خُزَيْمَةَ كَانَ عُمُرُ حُسَيْنَكْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَمَّرَ بَعْدَهُ دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ عِبَادَةً وَقِرَاءَةً، لَا يَتْرُكُ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي حَضَرٍ وَلَا سِفَرٍ، وَلَا صَيْفٍ وَلَا شِتَاءٍ، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ، وَكَانَ يَحْكِي وُضُوءَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَصَلَاتَهُ، وَلَمْ يُرَ فِي الْأَغْنِيَاءِ أَحْسَنُ صَلَاةً مِنْهُ، ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ.
أَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْقَاسِمِ
стр. 9613
الدَّارَكِيُّ
أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، نَزَلَ نَيْسَابُورَ ثُمَّ سَكَنَ بَغْدَادَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسْأَلُ عَنِ الْفَتْوَى، فَيُجِيبُ بَعْدَ تَفَكُّرٍ طَوِيلٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ فَتْوَاهُ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ: وَيَلَكُمُ! رَوَى فَلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمُخَالَفَتُهُمَا أَسْهَلُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَهُ فِي الْمَذْهَبِ وُجُوهٌ جَيِّدَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَتَانَةِ عِلْمِهِ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالِاعْتِزَالِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَالْحَدِيثَ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّارَكِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَأَخَذَ عَنْهُ عَامَّةُ شُيُوخِ بَغْدَادَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ - وَقِيلَ: فِي ذِي الْقَعْدَةِ - مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السَّبْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ، أَبُو سَهْلٍ النَّيْسَابُورِيُّ
وَيُعْرَفُ بِالْحَسْنَوِيِّ، كَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا أَدِيبًا مُحَدِّثًا، مُشْتَغِلًا بِنَفْسِهِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9614
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، أَبُو بَكْرٍ
الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ سَمِعَ مِنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَالْبَاغَنْدِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي شَرْحِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَأَبَاهُ، وَأَشَارَ بِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ الْحَنَفِيِّ، فَلَمْ يَقْبَلِ الْآخَرُ أَيْضًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9615
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا كَثُرَتِ الْحُمِّيَّاتُ فِي بَغْدَادَ فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَلِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْعِشْرُونَ مِنْ تَمُّوزَ - وَقَعَ مَطَرٌ كَثِيرٌ بِبَرْقٍ وَرَعْدٍ، وَفِي رَجَبٍ غَلَتِ الْأَسْعَارُ جِدًّا بِبَغْدَادَ، وَوَرَدَ الْخَبَرُ فِيهِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَوْصِلِ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ سَقَطَ مِنْهَا عُمْرَانٌ كَثِيرٌ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَاقْتَتَلَا، فَغَلَبَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ، وَأَسَرَهُ وَدَخَلَ بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ وَهَنَّأَهُ بِالسَّلَامَةِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى شَرَفُ الدَّوْلَةِ بِفَرَّاشٍ لِيُكَحِّلَ صَمْصَامَ الدَّوْلَةِ فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ، فَكُحِّلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ مَا وَقَعَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ قَبِلَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ شَهَادَةَ الْحَافِظِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَذُكِرَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: كَانَ يُقْبَلُ قَوْلِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْدِي، فَصَارَ لَا يُقْبَلُ قَوْلِي عَلَى نَقْلِي إِلَّا مَعَ غَيْرِي، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
стр. 9616
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي صَفَرٍ مِنْهَا عُقِدَ مَجْلِسٌ بِحَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ، فِيهِ الْقُضَاةُ وَأَعْيَانُ الدَّوْلَةِ، وَجُدِّدَتِ الْبَيْعَةُ بَيْنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَبَيْنَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
ثُمَّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا رَكِبَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مِنْ دَارِهِ فِي طَيَّارٍ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ، وَضُرِبَتِ الطُّبُولُ وَالدَّبَادِبُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَطَوَّقَهُ وَسَوَّرَهُ، وَأَعْطَاهُ لِوَاءَيْنِ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى مَا وَرَاءَ دَارِهِ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَدِمَ مَعَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ، فَلَمَّا رَآهُ الْخَلِيفَةُ قَالَ:
مَرْحَبًا بِالْأَحِبَّةِ الْقَادِمِينَا … أَوْحَشُونَا وَطَالَمَا آنَسُونَا
فَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، وَلَمَّا قُضِيَتِ الْبَيْعَةُ، دَخَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ إِلَى عِنْدِ أُخْتِهِ امْرَأَةِ الْخَلِيفَةِ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا إِلَى الْعَصْرِ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَسَارَ إِلَى دَارِهِ لِلتَّهْنِئَةِ، وَجَاءَ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ يُهَنِّئُونَهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّ الْغَلَاءُ جِدًّا، ثُمَّ لَحِقَهُ فَنَاءٌ كَثِيرٌ.
стр. 9617
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتْ تُرْكِيَّةً أُمَّ وَلَدٍ، فَجَاءَهُ الْخَلِيفَةُ فَعَزَّاهُ فِيهَا.
وَفِيهَا وُلِدَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ ابْنَانِ تَوْأَمَانِ، فَهُنِّئَ بِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ
وَيُعْرَفُ بِابْنِ الطَّبَرِيِّ، كَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ، مُتْقِنًا، بَصِيرًا بِالْأَثَرِ، مُتَفَنِّنًا، فَقِيهًا، حَنَفِيًّا، دَرَسَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي الْفِقْهِ وَالتَّارِيخِ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِخُرَاسَانَ، ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَادَ وَقَدْ عَلَتْ سِنُّهُ، فَحَدَّثَ النَّاسَ، وَكَتَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِانْتِخَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ.
إِسْحَاقُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ
كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرٌ، وَدُفِنَ فِي تُرْبَةِ جَدَّتِهِ شَغَبَ أُمِّ الْمُقْتَدِرِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْحُجَّابُ وَالْأَعْيَانُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، وَمِنْ جِهَةِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَأَرْسَلَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مَنْ عَزَّى الْخَلِيفَةَ فِيهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْحُضُورِ لِوَجَعٍ حَصَلَ لَهُ.
جَعْفَرُ بْنُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ
وَكَانَ فَاضِلًا، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9618
أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو عَلِيٍّ
النَّحْوِيُّ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ; مِنْهَا «الْإِيضَاحُ وَالتَّكْمِلَةُ» وُلِدَ بِبَلَدِهِ، ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَادَ وَخَدَمَ الْمُلُوكَ، وَحَظِيَ عِنْدَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، بِحَيْثُ إِنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ كَانَ يَقُولُ: أَنَا غُلَامُ أَبِي عَلِيٍّ فِي النَّحْوِ. وَحَصَّلَ لَهُ الْأَمْوَالَ، وَقَدِ اتَّهَمَهُ قَوْمٌ بِالِاعْتِزَالِ، وَفَضَّلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْمُبَرِّدِ وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ: أَبُو الْفَتْحِ عُثْمَانُ بْنُ جِنِّيٍّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
سُتَيْتَةُ بِنْتُ الْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيِّ
وَتُكَنَّى أَمَةَ الْوَاحِدِ، قَرَأَتِ الْقُرْآنَ، وَحَفِظَتِ الْفِقْهَ وَالْفَرَائِضَ وَالْحِسَابَ وَالدَّوْرَ وَالنَّحْوَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ فِي وَقْتِهَا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَتْ تُفْتِي بِهِ مَعَ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَتْ فَاضِلَةً فِي نَفْسِهَا، كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ مُسَارِعَةً إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَقَدْ سَمِعَتِ الْحَدِيثَ وَحَدَّثَتْ أَيْضًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي رَمَضَانَ عَنْ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9619
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، كَثُرَ الْغَلَاءُ وَالْفَنَاءُ بِبَغْدَادَ، وَفِي شَعْبَانَ كَثُرَتِ الرِّيَاحُ وَالْعَوَاصِفُ، بِحَيْثُ هَدَمَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَبْنِيَةِ، وَغَرَّقَتْ سُفُنًا كَثِيرَةً، وَاحْتَمَلَتْ بَعْضَ الزَّوَارِقِ فَأَلْقَتْهُ بِالْأَرْضِ مِنْ نَاحِيَةِ جُوخَى، وَهَذَا أَمَرٌ هَائِلٌ وَخَطْبٌ شَامِلٌ. وَفِي هَذَا الْوَقْتِ لَحِقَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ حَرٌّ شَدِيدٌ، بِحَيْثُ سَقَطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَمَاتُوا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ
الْحَافِظُ، وُلِدَ أَعْمَى، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، فَيَحْفَظُ مَا يُمْلِيهِ كُلَّهُ، وَكَانَ ظَرِيفًا، حَسَنَ الزِّيِّ، وَقَدْ سَبَقَ الشَّاطِبِيَّ إِلَى قَصِيدَةٍ عَمِلَهَا فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّقَّاشِ الْمُفَسِّرِ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ وَتُعْجِبُ شُيُوخَ زَمَانِهِ.
الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي
شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي الْفِقْهِ
стр. 9620
وَالْحَدِيثِ سَمِعَ ابْنَ خُزَيْمَةَ وَالْبَغَوِيَّ وَابْنَ صَاعِدٍ وَغَيْرَهُمْ، وَهَذَا سُمِّيَ النَّحْوِيَّ الْمُتَقَدِّمَ.
زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْهَيْثَمِ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَرْخَانِيُّ
بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى قُومِسَ وَلَهُمُ الْجُرْجَانِيُّ بِجِيمَيْنِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَهُمُ الُخَرْجَانِيُّ بِخَاءٍ ثُمَّ جِيمٍ، وَقَدْ حَرَّرَ هَذَا الْمَوْضِعَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ»، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9621
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيِّ، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى قَصْرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَنْ إِشَارَةِ الْأَطِبَّاءِ لِصِحَّةِ الْهَوَاءِ; وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنَ الدَّاءِ، فَلَمَّا كَانَ فِي جُمَادَى الْأُولَى تَزَايَدَ بِهِ، وَمَاتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ أَبِي نَصْرٍ، وَجَاءَ الْخَلِيفَةُ فِي طَيَّارٍ لِتَعْزِيَةِ أَبِي نَصْرٍ فِي وَالِدِهِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَتَلَقَّاهُ أَبُو نَصْرٍ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْعَسْكَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الطِّيَارِ، وَهُمْ يُقَبِّلُونَ الْأَرْضَ إِلَى نَاحِيَتِهِ، وَجَاءَ الرَّئِيسُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَبَلَّغَهُ تَعْزِيَةَ الْخَلِيفَةِ لَهُ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ ثَانِيَةً، وَعَادَ الرَّسُولُ أَيْضًا إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَبَلَّغَهُ شُكْرَ أَبِي نَصْرٍ، ثُمَّ عَادَ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ لِتَوْدِيعِ أَبِي نَصْرٍ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ ثَالِثًا، وَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ فِي طَيَّارِهِ إِلَى دَارِهِ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ عَاشِرُ هَذَا الشَّهْرِ، رَكِبَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ إِلَى حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَمَعَهُ الْأَشْرَافُ وَالْأَعْيَانُ وَالْقُضَاةُ وَالْأُمَرَاءُ، وَجَلَسَ الْخَلِيفَةُ فِي الرِّوَاقِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ
стр. 9622
الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، خَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ سَبْعَ خِلَعٍ، أَعْلَاهُنَّ السَّوَادُ وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَفِي عُنُقِهِ طَوْقٌ، وَفِي يَدِهِ سِوَارَانِ، وَمَشَى الْحُجَّابُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالْمَنَاطِقِ، فَلَمَّا حَصَلَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ ثَانِيَةً، وَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَقَرَأَ الرَّئِيسُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَهْدَهُ، وَقَدَّمَ إِلَى الطَّائِعِ لِوَاءَهُ، فَعَقَدَهُ بِيَدِهِ، وَلَقَّبَهُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ وَضِيَاءَ الْمِلَّةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَالْعَسْكَرُ مَعَهُ حَتَّى عَادَ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَأَقَرَّ الْوَزِيرَ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ صَالِحَانَ عَلَى الْوِزَارَةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُنِيَ جَامِعُ الْقَطِيعَةِ - قَطِيعَةُ أُمِّ جَعْفَرٍ - بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَكَانَ أَصْلُ بِنَائِهِ مَسْجِدًا أَنَّ امْرَأَةً رَأَتْ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يُصَلِّي، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي جِدَارٍ هُنَاكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ، تَذَكَّرَتْ ذَلِكَ الْمَنَامَ، فَوَجَدُوا أَثَرَ الْكَفِّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَبُنِيَ مَسْجِدًا، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّرِيفَ أَبَا أَحْمَدَ الْمُوسَوِيَّ جَدَّدَ هَذَا الْمَسْجِدَ، فَوَسَّعَهُ وَجَعَلَهُ جَامِعًا، وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ الطَّائِعَ لِلَّهِ فِي عَقْدِ جُمُعَةٍ فِيهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ فِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
شَرَفُ الدَّوْلَةِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ
تَمَلَّكَ بَغْدَادَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْخَيْرَ وَيَبْغَضُ الشَّرَّ، وَأَمَرَ بِتَرْكِ الْمُصَادَرَاتِ، وَكَانَ
стр. 9623
مَرَضُهُ بِالِاسْتِسْقَاءِ، فَتَزَايَدَ بِهِ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِي مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى تُرْبَةِ أَبِيهِ بِمَشْهَدِ عَلَيٍّ، وَكُلُّهُمْ فِيهِ تَشَيُّعٌ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ النَّجَّارُ
وَيُلَقَّبُ غُنْدَرًا أَيْضًا، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ فَهِمًا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِفْظًا حَسَنًا، وَمِنْ ثِقَاتِ النَّاسِ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ بُدَيْلٍ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ الْجُرْجَانِيُّ
قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا. قَالَ الْخَطِيبُ: كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِالْقِرَاءَاتِ، وَصَنَّفَ أَسَانِيدَهَا، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَخْلِطُ، وَلَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَرْوِيهِ، وَأَنَّهُ وَضَعَ كِتَابًا فِي الْحُرُوفِ، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَكَتَبَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ، فَافْتَضَحَ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْجَبَلِ فَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ هُنَاكَ، وَحَبِطَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَكَانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ أَوَّلًا كُمَيْلًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ.
стр. 9624
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ إِيَاسٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَزَّارُ
الْحَافِظُ، وُلِدَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَرَحَلَ إِلَى بِلَادٍ شَتَّى، وَرَوَى عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَالْبَغَوِيِّ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ - مِنْهُمُ الدَّارَقُطْنِيُّ - شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ يُعَظِّمُهُ وَيُجِلُّهُ وَلَا يَسْتَنِدُ بِحَضْرَتِهِ، وَكَانَ ابْنُ الْمُظَفَّرِ ثِقَةً ثَبْتًا، وَكَانَ قَدِيمًا يَنْتَقِي عَلَى الْمَشَايِخِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَوِ الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
стр. 9625
ثُمَّ اسْتَهَلَّتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
فِيهَا قُلِّدَ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْمُوسَوِيُّ نِقَابَةَ الْأَشْرَافِ الطَّالِبِيِّينَ، وَالنَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ، وَإِمْرَةَ الْحَاجِّ، وَكُتِبَ عَهْدُهُ بِذَلِكَ، وَاسْتُخْلِفَ وَلَدَاهُ الْمُرْتَضَى أَبُو الْقَاسِمِ، وَالرَّضِيُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى النِّقَابَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِمَا مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ.
وَفِيهَا تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَصَارَ النَّاسُ أَحْزَابًا، فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ أَمِيرٌ مُقَدَّمٌ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ، وَأُخِذَتِ الْأَمْوَالُ، وَاتَّصَلَتِ الْكَبَسَاتُ، وَأُحْرِقَتِ الدُّورُ الْكِبَارُ، وَوَقَعَ حَرِيقٌ بِالنَّهَارِ فِي نَهْرِ الدَّجَاجِ، فَاحْتَرَقَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لِلنَّاسِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ، أَبُو الْفَرَجِ بْنُ كِلِّسٍ
وَزِيرُ صَاحِبِ مِصْرَ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَكَانَ شَهْمًا فَهِمًا، ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَتَدْبِيرٍ جَيِّدٍ، وَكَلِمَةٍ نَافِذَةٍ عِنْدَ مَخْدُومِهِ، وَقَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أُمُورَهُ فِي سَائِرِ مَمْلَكَتِهِ، وَلَمَّا مَرِضَ عَادَهُ الْعَزِيزُ، وَوَصَّاهُ الْوَزِيرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَمْلَكَتِهِ، وَلَمَّا مَاتَ دَفَنَهُ فِي قَصْرِهِ، وَتَوَلَّى دَفْنَهُ بِيَدِهِ، وَحَزِنَ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَأَغْلَقَ الدِّيوَانَ أَيَّامًا مِنْ شِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِ.
стр. 9626
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا كَانَ الْقَبْضُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَخِلَافَةُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَادَتِهِ فِي الرِّوَاقِ، وَقَعَدَ الْمَلِكُ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَنِ اجْتَذَبَ الْخَلِيفَةَ بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ عَنِ السَّرِيرِ، وَلَفُّوهُ فِي كِسَاءٍ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخِزَانَةِ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِالنَّهْبِ، وَلَمْ يَدْرِ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا الْخَطْبُ وَلَا مَا الْخَبَرُ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَلِكَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ هُوَ الَّذِي مُسِكَ، فَنُهِبَتِ الْخَزَائِنُ وَالْحَوَاصِلُ وَشَيْءٌ كَثِيرٌ مِنْ أَثَاثِ دَارِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى أُخِذَتْ ثِيَابُ الْأَعْيَانِ وَالْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ، وَجَرَتْ كَائِنَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَرَجَعَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ، وَكَتَبَ عَلَى الطَّائِعِ كِتَابًا بِالْخَلْعِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ أَنَّهُ قَدْ خَلَعَ نَفْسَهُ عَنِ الْخِلَافَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَتَشَغَّبَتِ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ، وَطَالَبُوا بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ، وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ، وَتَطَاوَلَ الْأَمَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يُمَكَّنُوا
стр. 9627
مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ، بَلْ قِيلَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ وَخَلِيفَتَكَ الْقَادِرَ بِاللَّهِ. وَلَمْ يُسَمَّ، ثُمَّ أَرْضَى وُجُوهَهُمْ وَأَكَابِرَهُمْ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَأَمَرَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِتَحْوِيلِ جَمِيعِ مَا فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْفُرُشِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى دَارِهِ، وَأُبِيحَتْ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَقَلَعُوا أَبْوَابَهَا وَشَبَابِيكَهَا وَشَعَّثُوا أَبْنِيَتَهَا، ثُمَّ مُنِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا كُلُّهُ وَالْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ قَدْ هَرَبَ إِلَى أَرْضِ الْبَطِيحَةِ مِنَ الطَّائِعِ حِينَ كَانَ يَطْلُبُهُ، وَلَمَّا رَكِبَ إِلَى بَغْدَادَ مَنَعَتْهُ الدَّيْلَمُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ رَسْمَ الْبَيْعَةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ رَضُوا عَنْهُ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ هَرَبِهِ بِأَرْضِ الْبَطِيحَةِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَجَلَسَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ مَقْدِمِهِ جُلُوسًا عَامًّا لِلتَّهْنِئَةِ وَسَمَاعِ الْمَدَائِحِ وَالْقَصَائِدِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَوَّالٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ بَهَاءِ الدِّينِ وَتَفْوِيضِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ وَسَادَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، وَصَنَّفَ عَقِيدَةً فِيهَا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تُقْرَأُ فِي حِلَقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي جَامِعِ الْمَهْدِيِّ، وَتَجْتَمِعُ النَّاسُ لِسَمَاعِهَا مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَكَانَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَتَرَنَّمُ بِهَا، وَهِيَ لِسَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ:
سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنُ … وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ
стр. 9628
تُعْنَى بِمَا تُكْفَى وَتَتْرُكُ مَا بِهِ
تَغْنَى كَأَنَّكَ لِلْحَوَادِثِ آمِنُ … أَوَ مَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا
فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا يَا خَائِنُ … وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبًا لَكَ فِي الَّذِي
أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لِغَيْرِكَ خَازِنُ … يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا
لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعَ الْمَنِيَّةِ سَاكِنُ … الْمَوْتُ شَيْءٌ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ
حُقٌّ وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ … إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَتَتْ
فِي نَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا تَسْتَأْذِنُ
وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - وَهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ - جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَظْهَرَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَخَرَّقُوا أَعْلَامَ السُّلْطَانِ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ اتُّهِمُوا بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَصُلِبُوا عَلَى الْقَنْطَرَةِ لِيَرْتَدِعَ أَمْثَالُهُمْ.
وَفِيهَا ظَهَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعُلْوِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَادَّعَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَسَمَّى نَفْسَهُ الرَّاشِدَ بِاللَّهِ، فَمَالَأَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَصَلَ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْصَى لَهُ بِهَا، فَانْتَظَمَ أَمْرُهُ بِسَبَبِهَا، وَتَقَلَّدَ سَيْفًا وَزَعَمَ أَنَّهُ ذُو الْفَقَارِ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ قَضِيبًا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَصَدَ بِلَادَ الرَّمْلَةِ لِيَسْتَعِينَ بِعَرَبِ الشَّامِ فَتَلَقَّوْهُ بِالرَّحْبِ وَقَبَّلُوا لَهُ الْأَرْضَ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَظْهَرَ الْأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَاكِمَ صَاحِبَ مِصْرَ - وَكَانَ قَدْ قَامَ
стр. 9629
بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - كَتَبَ إِلَى عَرَبِ الشَّامِ مُلَطَّفَاتٍ، وَوَعَدَهُمْ مِنَ الذَّهَبِ بِأُلُوفٍ وَمِئَاتٍ، وَكَذَلِكَ إِلَى عَرَبِ الْحِجَازِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى مَكَّةَ أَمِيرًا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِجَارِيَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَانْتَظَمَ أَمْرُ الْحَاكِمِ، وَتَمَزَّقَ أَمْرُ الرَّاشِدِ، وَتَسَحَّبَ إِلَى بِلَادِهِ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا، وَعَادَ إِلَيْهَا، وَكَانَ عَوْدُهُ إِلَيْهَا كَمَا رَحَلَ عَنْهَا، وَاضْمَحَلَّ حَالُهُ، وَانْتَقَضَتْ حِبَالُهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ رِجَالُهُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو بَكْرٍ الْمَقْرِئُ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَاتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِ وَفَاتِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْعَامِرِيُّ الْفَيْلَسُوفُ، فَرَأَى بَعْضُ الصَّالِحِينَ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ هَذَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أُسْتَاذُ، أَيُّ شَيْءٍ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: أَقَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْعَامِرِيَّ إِلَى جَانِبِي، وَقَالَ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ قَاضِي الْقُضَاةِ
стр. 9630
بِ بَغْدَادَ رَوَى عَنِ ابْنِ صَاعِدٍ وَعَنْهُ الْخَّلَالُ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الْأَلِبَّاءِ الْعُقَلَاءِ الْفُطَنَاءِ، حَسَنَ الشَّكْلِ، جَمِيلَ الْمَلْبَسِ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، ثُمَّ دُفِنَ فِي دَارِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
جَوْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَائِدُ
بَانِي الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَةِ، أَصْلُهُ رُومِيٌّ، وَيُعْرَفُ بِالْكَاتِبِ، أَرْسَلَهُ مَوْلَاهُ الْمُعِزُّ بْنُ الْمَنْصُورِ بْنِ الْقَائِمِ بْنِ الْمَهْدِيِّ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ مِنْ إِفْرِيقِيَةَ لِأَخْذِ مِصْرَ عِنْدَ اضْطِرَابِ جَيْشِهَا بَعْدَ مَوْتِ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ فَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْإِخْشِيدِ، فَلَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمُعِزِّ يَسْتَنْجِدُ بِهِ، فَأَرْسَلَ مَوْلَاهُ جَوْهَرًا هَذَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ أَلْفٌ وَمِائَتَا صُنْدُوقٍ لِيُنْفِقَهُ فِي ذَلِكَ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ الْجَيْشُ بِذَلِكَ، وَبَرَزُوا لِقِتَالِهِ فَكَسَرَهُمْ، وَجَدَّدَ الْأَمَانَ لِأَهْلِهَا، وَدَخَلَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ، فَشَقَّ مِصْرَ، وَنَزَلَ فِي مَكَانِ الْقَاهِرَةِ الْيَوْمَ، وَأَسَّسَ مِنْ لَيْلَتِهِ الْقَصْرَيْنِ، وَخَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْآتِيَةِ، فَقَطَعَ خُطْبَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَعَوَّضَ بِمَوْلَاهُ، وَذَكَرَ الْأَئِمَّةَ الْاثْنَيْ عَشَرَ، وَأُذِّنَ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَكَانَ يُظْهِرُ الْإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَيَجْلِسُ كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ مَعَ الْوَزِيرِ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ وَالْقَاضِي، وَاجْتَهَدَ فِي تَكْمِيلِ الْقَاهِرَةِ وَفَرَغَ مِنْ
следующие страницы →