Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.
стр. 10676
هذا منظر الحمر الوحشية وقد ظهر أول نور الفجر فأظهرها ولا يزال الظلام يحجب باقي نور الفجر ومنظر العين تلمع من وراء طحلبها، وقد قصدتها هذا الحمر للشرب في هذا الوقت لا تسمع إلا صخب ضفادعها وحيتانها، والفرق بين الوصفين أنك تحس في وصف ذي الرمة بمشهد كامل وشخص كأنه واقف يتأمل هذا المشهد بينما لا تحس في وصف البحتري بهذا الانفصال لأن البحتري قدر على أن ينقل لك المشهد وانفعال نفسه به، لقد ولَّد معنى ذي الرمة، وجعل عيسه متحركة تنصل به من دجى الليل، وهذه الحركة كافية في أن تنقل لنا انفعاله.
هذا والشاعر الثاني الذي نظر إليه البحتري هنا هو الراعي النميري في قوله يصف العيس:
قلق الفؤوس إذا أردن نصولاَ
في مهمه قلقت به هاماتها
حيث شبه حركة هامات الإبل حين ترقل بحركة الفؤوس التي توشك أن تنصل فولَّد البحتري معنى الراعي وجعل النصول للعيس نفسها والله تعالى أعلم.
هذا ومن مظاهر انفعاله الخافق، كثرة وصفه لالتماع الأشياء حين تنعكس في شيء آخر كقوله يصف الطيف:
والشمس تلمع في جناح الطائر
أهوى فأسعف بالتحية خلسة
فهو هنا يسجل انفعاله بانعكاس ضوء الشمس في جناح الطائر، وهذا كما ترى وقت الشروق قبل أن تظهر الشمس لعينيك فأنت لا ترى الشمس وتظنها لم تشرق بعد، ولكنك إذا نظرت وقد مرَّ طائر محلق في السماء فإنك سترى التماع الشمس في جناحه وهذا من معاني البحتري المبتكرة التي تدل على دقة ملاحظته؛ ومن الأمثلة أيضا قوله:
وشياً يكاد على الألحاظ يلتهب
هذا الربيع يُسدي من زخارفه
نلاحظ هنا أنه يعبر عن انعكاس الأشياء المضيئة في الألحاظ بالالتهاب، وهو يفعل هذا في غير ما موضع، كقوله يصف ياقوتة حمراء في يد الخليفة:
جبينك عند الجواد إذ يتألَّق
إذا التهبت في اللحظ ضاهى ضياؤها
стр. 10677
ففي هذين المثالين يقرن بين شيئين يوحيان بالخفقة السريعة، وهما اللحظ والالتهاب.
ومن آثار هذا في معاني مدحه أنك تجده يخلع على الممدوحين بعض صفات نفسه المنفعلة بالخفقات السريعة كقوله:
هديا وإن خمدوا في رأي تلتهب
رآك إن وقفوا في الأمر تسبقهم
كأنه يصف نفسه فهو الذي يكره الخمود ويولع بالالتهاب حتى يكاد يلتهب في الرأي، وكقوله:
يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا
فتى لم يضيّع وجه حزم ولم يبت
وكقوله:
تسبقها قبل وقتها عدده
مأخوذة للأمور أهبته
يمدحه هنا بالتيقظ للأمور ومهاجمتها قبل وقتها، وهو هنا كأنَّه يتحدث عن نفسه فهو الذي ينفعل بالأشياء قبل اكتمال ظهورها، كلمعة الماء من وراء الطحلب ولمعة الضياء من وراء الحجب، بل إن نفسه لتنفعل بجذوة الثورة وهي في نفوس أصحابها ويكاد يسمع جلبتها في خفوتها، استمع إليه ﵀ إذ يقول:
إلى إرمٍ إذ ما نعت وعمادِها
تشوَّف أهل الغرب فارم بعزمة
فلسطون عن عصيانها وعنادها
لتسكن ضوصاء العَريش وتنتهي
ومن جمرة مخبوءة في رمادها
فكم ثَمَّ من إجلابة تحت خفتة
إنه هنا ينبه على الفتنة وهي تزال في نفوس أصحابها، سبحان الله كأنَّ أبا عبادة في بعض كلامه يتكلم على فلسطين اليوم، إن في كلامه حيوية لا يحسنها ذوو الكلام الركيك ممن يزعمون أنفسهم مجددين في الشعر. نعم يا أبا عبادة قل، فلن تسكن ضوضاء العريش ولن تنتهي فلسطين عن عصيانها وعنادها حتى يعود القدس الشريف إلينا وحتى تنتصر الثورة الفلسطية، يا قومنا الفلسطية أفصح من قولك الفلسطنية فلا تتركوا الأفصح إلى غيره نصركم الله نعود هذا الاستطراد إلى وصف أبي عبادة لنورد مثالاً آخر بديع كلامه في هذا المضمار إذ يصف فيه انعكاس المعاني والمحسوسات وذلك حين يقول:
على العرنين والخدِّ الأسيلِ
ووجه رق ماء السجود فيه
стр. 10678
شعاع الشمس في السيف الصقيلِ
يريك تألُّقُ المعروف فيه
لقد أرانا أبو عبادة الجود وهو المعاني التي لا تحس متألقا يشع من وجه الممدوح المضيئ، وما قوله شعاع الشمس في السيف الصقيل فإنه عَوْذَةُ كلامه كما كان يقول الثعالبيُّ وفيه كما ترى وصف التماع شعاع الشمس الخافق منعكساً في التماع السيف الصقيل وهذا تشبيه رائع أُعْجب به الشاعر الشامي المشهور السري الرفَّاء فأخذه من بيت البحتريِّ وذلك في قوله:
مجال الماء في السيف الصقيل
أتتك يجول ماء الطبع فيها
لقد رام السريّ مراماً صعباً فأخذ الماء والسيف الصقيل ولكنَّه لم يستطع أن يأخذ من بيت البحتري تألقه ولا التماع الشعاع فيه؛ مسكين أنت أيها السريُّ فقد أتعبك شعر البحتري وصدق عليك قوله:
تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي.
سوائر شعر جامع بدد العلى
إن الشعر أبي عبادة فرس أرَّن لا يتعب ولا يلغب وبعض الشعر يتعب ويلغب، كما قال هو عن قصائده:
وبعض الشعر يدركه اللغوب
بلغن الأرض لم يلغبن فيها
وهذا قريب مما تقدم قول البحتريّ:
يضيئ على العيون ويستنير
يجلِّي سدفة الهيجا بوجه
رأيت الماء يلبسه الصبير
إذا لمعت بوادي البشر فيه
ولا نغالى إذا قلنا إن شعر البحتري كله بريق ولمح ولمع ومن هنا كان الشعر عنده لمحاً كما قال:
وليس بالهذر طُوِّلَت خطبه
والشعر لمح تكفي إشاراته
هذا وكان البحتري يجيد وصف آثار الذعر كقوله يصف السحاب:
ذَعَرَ الأجدالَ في السماء حفيفه
صخب العشيِّ إذا تألق برقه
سجل هنا رعشات الذعر التي تصيب قلوب الأجدال من حفيف هذا السحاب الذي جعله كأنَّه أجدل كبير أو رُخٌّ أخافها وكأنَّ هذا من قول علقمة الفحل:
سحابة صواعقها لطيرهن دبيب
كأنهم صابت عليهم
стр. 10679
كما كان البحتري يجيد وصف التلفت وفي التلفت حركات وخفقات، مثل قوله:
فلم يبق إلا لفتة المتذكر
ولما خطونا دجلة انصرم الهوى
إذ تحس فيه خفقة اللفتة التي يبعثها التذكر وحسبك في هذا قوله:
وما التفت المشتاق إلا لينْظُر
نظرت وضمَّت جانبيَّ التفاتة
هذه خفقة انتظمت الجسم كله ومن هذا أيضا قوله:
رأيت الهوى نفس بطيئ نزوعها
إذا انصرفت يوما بعطفيه لفتةٌ
ونُنَبِه هنا على موضع التاء في لفتة وفي التفاتة، إذ أن البحتري مولع بهذا الخاصة في المصادر، كما رأينا فما سبق في قوله: إجلابة، وكما في قوله:
لم أنصرف عنه انصرافة عاتب
إِمَّا تعذَّرَ نائل من منعم
حيث ذكر الهاء في المصدر وهو انصراف فقال انصرافة وكقوله:
وأسرعهم إمضاءة حين يعزم
أمدَّ الرجال لبثه حين يرتئ
وقوله:
بأحمد بن عليٍّ ثم تنقلب
فما تزيد على إلمامة خُلْسُ
وقد لاحظ المعري هذا وجعله من خصائص شاعرنا حيث يقول [١١] : "أبو عبادة يدخل الهاء على المصادر كثيراً وقلما يوجد ذلك في أشعار المحدثين وإدخال الهاء على المصادر عريق فصيح"اهـ.
ونحن نميل إلى تفسير هذه الظاهرة بما يدخلها في حاقِّ عناية البحتري بوصف الانفعالات الخافقة السريعة، إذ في المصدر ذي الهاء ما يوحي بالسرعة كأنه أخذ جزء منه وهو دلالته على المرَّة وسيتضح لك هذا إذا رجعت إلى الأمثلة السابقة، أو إلى غيرها من كلامه، وارجع على سبيل المثال إلى قوله:
نظرت وضحت جانبيَّ التفاتة الخ.
لترى أثر التاء في سرعة الالتفاتة بخلاف ما لو جاء المصدر بغير تاء فقيل: التفات، وبعد.
أيها القارئ الكريم، هذه هي شاعرية البحتري تجلت في أنغامه المطربة وانفعالاته الخافقة، فكان حقاً كما قال ابن الأثير عنه [١٢] : "وأما أبو عبادة فإنَّه أحسن سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر فغنَّى".
стр. 10680
هذا وآمل أن أوفق لإكمال هذا الموضوع في مقالة أخرى أتحدث فيها عن طيفه، وحسن سبكه ورصفه، والله الموفق.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أخبار البحتري (للصولي تحقيق الدكتور صالح الأشتر (ط) . الثانية م. دار الفكر بدمشق ص ٧٩.
[٢] نفسه ص ١٠٧.
[٣] خاص الخاصّ لابن منصور الثعالبي منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت.
[٤] مصارع العشاق لأبي محمد القارئ ط بيروت مجلد أول ص ٣٨.
[٥] رسائل المعري ص ٨٩.
[٦] في الترجمة العربية لدائرة المعارف الإسلامية مجلد ٣ ص ٣٦٨: "قدما ديك" بدل "طاووس"بينما النص الإنجليزي “Peacocks Feet” ومعناها "قدما طاووس"ونحسب ما في الترجمة العربية وهماً من الأساتذة الفضلاء المترجمين أوقعهم فيه ورود النص الإنجليزي مقطعاً هكذا: Pea آخر السطر ثم cocks Feet. أول السطر التالي فحسبها المترجمون قدمي ديك وانظر الطبعة الإنجليزية ٧٧٤. V.I.P.
[٧] جـ ١٨ ص ١٧٤ مطبعة التقدم بمصر.
[٨] انظر كتابه مع أبي الطيب.
[٩] ديوانه ط دار صادر بيروت جـ ١ ص ٣٧٢.
[١٠] الياء في الكلمة بادي وأمثالها في القافية ليست بلام الكلمة بل هي وصل.
[١١] عبث الوليد.
[١٢] المثل السائر.
стр. 10681
اْلتَّمَتُّعُ فِي اْلحَج
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
قوله تعالى:
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد فقد يحسن أن يقدم بين يدي شرح هذه الآيات القرآنية المباركة شرحُ مفرداتها أولا، ثم شرح جملها وتراكيبها، ليكون ذلك عوناً للقارئ على فهم مراد الله تعالى من هذه الآية الكريمة.
شرح المفردات:
١- أمنتم: حصل لكم الأمن وهو عدم الخوف من عَدْوٍّ أو مرض.
٢- تَمتّعَ بالعمرة إلى الحج: أحرم بالعمرة في أشهر الحج فلما أداها تحلل من إحرامه فتمتع بما كان محظوراً عليه بسبب الإحرام من لبس الثياب، وتغطية الرأس، ومس الطيب ومباشرة النساء.
٣- العمرة: زيارة بيت الله تعالى للطواف به والسعي بين الصفا والمروة.
٤- الحج: زيارة بيت الله تعالى لأداء أنواع من العبادات تسمى مناسك، وهي الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات، والنحر، والحلق، والمبيت بمنى ثلاث ليال، وطواف الوداع.
٥- استيسر: تهيّأ وسهل بدون كلفة ولا مشقة.
٦- الهدي: ما يهدى إلى البيت من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم.
٧- حاضري المسجد الحرام: مقيمين ساكنين بالمسجد الحرام، وهو الحرم كلّه بحدوده المعروفة غربا وشرقا وشمالا وجنوبا.
معنى الآية:
стр. 10682
لمَّا ذكر تعالى حكم الإحصار وهو أن يُمنَع الحاجُّ من دخول الحرم بسبب عدوٍّ حال بينه وبين دخول مكة للأداء المناسك، أو بسبب مرض كذلك، قياساً على المنع بالعدو، فيذبح أو ينحر ما تيسر له نحره أو ذبحه، ويتحلل من إحرامه ويعود إلى أهله، ولا شيء عليه بعد ذلك.
وكذلك ذكر حكم من مرض وهو محرم فاضطرَّ إلى تغطية رأسه، أو لبس ثيابه، أو حلق شعره لأذى في رأسه، وهو أنه يفعل ما اضطر إليه، ويفدي، والفدية واحدة من ثلاث: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاه.
لما ذكر تعالى هذين الحكمين" حكم الإحصار، وحكم المرض عقَّب على ذلك بحكم التمتع، فقال : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية.
يريد تعالى أن على المسلم إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج: شوال أو القعدة أو العشر الليالي الأول من شهر الحجة، فأدّاها بأن طاف وسعى وحلق أو قصر، ثم تحللَّ فلبس الثياب ومسَّ الطيب وتمتع بكل ما كان محظوراً عليه وبقي في مكة ينتظر الحج، فإذا جاء يوم التروية أحرم بالحج وحج.
إن على هذا المتمتع بالعمرة إلى الحج ما تيسر له من الهدي، شاة أو بقرة أو بدَنة (بعير) ، فإن لم يجد ما يهديه، إما لعدم وجود نقود زائدة على نفقته في سفره، أو لعدم وجدود الهدي نفسه، فإن الواجب عليه عندئذ أن يصوم ثلاثة أيام في الحج أي ما بين تحلله من العمرة ويوم عرفة، وإن صام السابع والثامن والتاسع من شهر الحجة، أجزأ، وإن صام السادس والسابع والثامن، كان خيراً وأفضل..
ثم إذا عاد إلى أهله صام سبعة أيام، وبها يكون قد أتم صيام عشرة أيام كاملة، وذلك المطلوب في حق من تمتع بالعمرة إلى الحج مفرداً للعمرة عن الحج، أو قارناً لها معه.
стр. 10683
ثم استثنى الله ﵎ ساكني المسجد الحرام، وهو الحرم كله كما قدمنا، فإنه ليس لهم أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج، وذلك لعدم وجدود مشقة تحصل لهم بالإحرام، فإن أحدهم يحرم على منزله يوم التروية ويخرج إلى منىً، بخلاف بعيد الدار فإنه يحرم من المواقيت فيبقى في سفره أياما وليالي محرماً، يعاني من الشعثة والغبرة والتعب؛ فرخص الله ﵎ في أن يحرم بعمرة، فإذا قضاها تحلل منها، وتمتع بلبس الثياب ومس الطيب ومباشرة النساء إن كانت امرأته معه.
ومقابل هذا التيسير الإلهي وجب عليه هديٌ شكراً لله تعالى على نعمة التيسير ورفع الحرج والمشقة، ولله الحمد والمنّة.
ولما بين تعالى حكم التمتع بالعمرة إلى الحج، أمر بتقواه وهي طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، وحذر من معصيته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، فإن من كان شديد العقاب ينبغي أن يُتقى فلا يُعصى.
وكان هذا منه رحمة بعباده ورأفة بهم، حتى لا يتعرضوا لنقمه وأليم عذابه: فله الحمد وله الشكر، لا إله غيره ولا رب سواه. هذا معنى هذه الآية المباركة الكريمة.
نعقب عليه بمسائل مهمة تتعلق بما تضمنته الآية من أحكام التمتع:
الأولى: هذه الآية نص صريح في جواز التمتع بالعمرة إلى الحج وهي عامة في كل حاج يريد أن يتحلل بعمرة انتظاراً للحج، غير أن السنة خصصتها بمن لم يسق الهدي، فإن من ساق معه هدياً من الحل لا يجوز له أن يتحلل من إحرامه حتى يقف بعرفة، ويرمي جمرة العقبة، وينحر هديه أو يذبحه، لأمر الرسول ﷺ أصحابه في حجة الوداع أن يتحللوا بعد الطواف والسعي إلا من كان معه هدي، فقد أمره بالبقاء على إحرامه، نظراً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ .
стр. 10684
الثانية: في الآية دليل قطعي على جواز الإفراد فإن مفهوم قوله تعالى فمن تمتع إلخ أن من لم يتمتع بأن يحج مفرداً فلا هدي عليه. وهذه المسألة أجمع المسلمون عليها أي على جواز الإفراد والتمتع والقران، الصحابة فمن دونهم إلى هذا اليوم. وخالف فيها الروافض والظاهرية، فقالوا بوجوب التمتع، ولازمه أنه لا إفراد وهو خطأ بيّن، وخروج عن إجماع المسلمين وغرهم أمر النبي ﷺ أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وهو أمر أراد به -فداه أبي وأميّ- التوسعة على هذه الأمة، ورفع الحرج عنها، إذ كانوا يرون عدم جواز التمتع بل كانوا يعدونه من أفجر الفجور. حتى قالوا: إذا برأ الدَبَر حلت العمرة لمن اعتمر. مع ما فيه من الحرج، فإن المرء محرم في المدينة المنورة ويقضي عشرة أيام مسافراً أو أكثر وقد ينتظر الحج أياما أخرى فتحصل له المشقة ويتعب من ملازمته الإحرام هذه المدة الطويلة، فرأى ذلك رسول الله ﷺ في أصحابه فأمرهم بالتحلل تخفيفاً عليهم ورحمة بهم، وبين بهذه مراد الله تعالى وحققه عملياً، وهو قوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية. ويؤكد هذا ويقرره فهم أصحاب رسول الله ﷺ وتقريرهم له، إذ حج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين مفردين بالحج، بل كان عمر ينهى عن العمرة رغبة منه في أن لا يخلو البيت من زائر وطائف، ولذا أجمع الأئمة الأربعة ومعهم السواد الأعظم على جواز أيّ من الأنساك الثلاثة، وهي الإفراد والتمتع والقران. كما أجمعوا على أن من كان يعتمر في غير أشهر الحج ويحج عامه ذاك أن الإفراد أفضل له، كما أن من ساق الهدي معه من الحل أن القران أفضل له، ومن لم يعتمر في غير أشهر الحج. ولا ساق الهدي أجمعوا أن التمتع أفضل له، ذكر هذا وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة وجزاه الله عن هذا هذه الأمة الإسلامية خير الجزاء أمين.
стр. 10685
الثالثة: اختلف فيمن أحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج، ثم لما أداها خرج من الحرم ثم عاد محرما بالحج، هل يعتبر متمتعا يجب عليه الهدي، أو خروجه من الحرم أسقط عنه التمتع ولا هدي عليه في هذه الحال؟
وأوسط أقوال العلماء في هذه وأعدلها أن من سافر حتى تجاوز المواقيت وحصلت له بذلك مشقة السفر ذهاباً وإياباً فإنه يسقط عنه هدي التمتع، ولم يعتبر متمتعاً بما حصل له من السفر والمشقة. أما من كان دون المواقيت فهو متمتع ولم يسقط عنه الهدي بل يجب عليه.
أما من عاد إلى بلاده وأهله فإن الإجماع على أنه غير متمتع ولا هدي عليه. وهذه مفهوم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ...
الرابعة: من لم يصم قبل العيد جاز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة رخص في ذبك غير واحدة من الصحابة والأئمة، إذا كان تأخيره للصوم لعذر مرض ونحوه..
هذا والله أسأل أن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا ويزيدنا من العلم والعمل الذي يرضيه عنا آمين.
стр. 10686
رسائل لم يحملها البريد
فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
أختي العزيزة هل
لقد أرسلت إليك قبل هذه الرسالة رسائل ثلاثا حدثتك فيها عن أربع صيغ من الصيغ التي أدخل فيها على "لم"النافية الجازمة للفعل المضارع، وها أنا ذي اليوم محدثتك عن الصيغة الخامسة ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ ... ﴾ .
في هذه الصيغة ترينني أنا همزة الاستفهام قد دخلت على "لم" النافية الجازمة لمضارع " رأى " مسنداً إلى ما يدل على جمع هو واو الجماعة، يليه " أنَّ " المفتوحة الهمزة المشددة النون، وقد جاءت هذه الصيغة في إحدى عشر آية:
١- الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ الآية (١٤٨) من سورة الأعراف.
٢- الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ الآية (٤١) من سورة الرعد.
٣- الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ الآية (٩٩) من سورة الإسراء.
٤- الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٨٦) من سورة النمل.
стр. 10687
٥- الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ الآية (٦٧) من سورة العنكبوت.
٦- الآية السادسة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٣٧) من سورة الروم.
٧- الآية السابعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ الآية (٢٠) من سورة لقمان.
٨- الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ الآية (٢٧) من سورة السجدة.
٩- الآية التاسعة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ الآية (٧١) من سورة ياسين.
١٠- الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ الآية (١٥) من سورة فصلت.
١١- الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآية (٣٣) من سورة الأحقاف.
стр. 10688
وقد جاءت هذه الصيغة أيضا وقد أسند فيها مضارع "رأى " إلى ما يدل على جمع هو اسم الموصول (الذين) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٣٠) من سورة الأنبياء.
وقد جاءت هذه الصيغة أيضا وقد أسند فيها مضارع " رأى " إلى اسم جنس يفيد العموم بسبب اقترانه بـ (أل) الجنسية وهو الإنسان [١] (١) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ . الآية (٧٧) من سورة ياسن.
وعلى هذا تكون هذه الصيغة قد جاءت في ثلاث عشرة آية.
هذه الآيات الكريمة الثلاث عشرة المتقدمة منها ما يتضمن بعض آثار قدرته الدالة على أنه واحد لا شريك له، ومنها ما يرد على منكري البعث ويقيم الدليل على قدرته تعالى على أن يحي الناس مرة ثانية يوم القيامة، ومنها ما يذكر أنواعا من النعم تفضل الله بها على عباده، وفي الآية الأولى ذكر تعالى قوم موسى الذين اتخذوا عجلاً صنعوه من الحلي بأيديهم إلهاً وكانوا ظالمين.
ومعنى همزة الاستفهام في هذه الصيغة الواردة في الآيات الثلاث عشرة المتقدمة، معناها: الإنكار والتوبيخ، ينكر الله على الكافرين ويوبخهم ألاَّ يروا رؤية تدبر وتبصر ما تضمنته هذه الآيات من آثار قدرته تعالى التي تؤدي إلى الإيمان بأنه واحد لا شريك له.
وينكر عليهم ويوبخهم ألاَّ يروا ما تضمنته من أدلة تؤدي إلى الإيمان بقدرته تعالى على أن يبعث الموتى وهو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن وخلق هؤلاء المنكرين أنفسهم من نطفة.
стр. 10689
وينكر عليهم ويوبخهم ألاَّ يروا ما تضمنته من نعم توجب على هؤلاء المنعم عليهم ﴿لَوْ كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أن يشكروا الله عليها وأن يخلصوا العبادة له وحده.
وفي الآية الأولى ينكر الله على الذين اتخذوا العجل إلهاً أن لم يروا الرؤية التي ترشدهم إلى أنه لا يصلح أن يكون إلهاً، ويوبخهم بذلك.
والإنكار هذا بمعنى لا ينبغي، ويجيء أحياناً في غير هذا الموضع بمعنى النفي المحض.
والفعل المضارع في صيغة الاستفهام هذه ﴿ألم يروا أن ... ﴾ مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل، والفعل المضارع في ﴿أو لم ير الذين ... ﴾ مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الألف والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل.
و ﴿ير﴾ في هذه الصيغة بمعنى يعلم فهي تتعدى إلى مفعولين، و (أَنَّ) من نواسخ المبتدأ والخبر تنصب الأول وترفع الثاني وهي حرف مصدري تؤوَّل هي وخبرها بمصدر في محل نصب يسدّ مسدّ مفعولي ﴿يَرَ﴾ في هذه الصيغة، و (أَنَّ) فوق هذا وذاك حرف توكيد، تؤكد مضمون جملتها، ومضمون الجمل التي أكدتها في الآيات السابقة جدير بالتوكيد، لأنها ماعدا الآية الأولى أخبار عن الله ، فجاء توكيدها اهتماماً بما تضمنته ومزيد عناية به.
أما في آية قوم موسى الذين اتخذوا العجل إلهاً فقد جاء التوكيد لتنزيلهم منزلة المنكرين. والواو الواقعة بين همزة الاستفهام و (لم) عاطفة على ما قبل الهمزة، وهذا رأي سيبويه والجمهور، وزعم الزمخشري أنها عاطفة على فعل مقدر بين الهمزة والواو، وأبو السعود في تفسيره ممن يرون رأي الزمخشري في هذه المسألة، وربما كان أكثر المفسرين عناية بتقدير المعطوف عليه لكل واو أو فاء تجيء بعد همزة الاستفهام، وقد قدَّر المعطوف عليه في الآية التاسعة من الآيات المتقدمة الذكر (ألم يتفكروا أو لم يلاحظوا) [٢] (٢) .
стр. 10690
وقدره في الآية العاشرة من هذه الآيات (أغفلوا أو لم ينظروا) [٣] (٣) .
ولعلك تلاحظين أيتها الأخت أن هذه التقديرات للمعطوف عليه لا يتطلبها معنى ولا سياق ولا أسلوب، وإنما هي تكلف يدل ما على في هذا الرأي من ضعف، وقد ذكر ابن هشام في كتابه مغني اللبيب أوجه الضعف في رأي الزمخشري هذا [٤] (٤) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الرسالة الثالثة من هذه الرسائل.
أختي الكريمة " هل "
أنتقل بك الآن إلى الصيغة السادسة من الصيغ التي أدخل فيها أنا همزة الاستفهام على لم النافية الجازمة لمضارع " رأى " وهي: ﴿لَمْ يَرَوْا كَيْفَ ... ﴾ وقد جاءت هذه الصيغة في آيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . الآية (١٩) سورة العنكبوت.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ . الآيتان (١٥-١٦) من سورة نوح.
وتتضمن هاتان الآيتان الصورة البديعة التي خلق الله عليها الإنسان لأول مرة بعد أن لم يكن شيئا مذكوراً، وخلق عليها السموات السبع وما فيهن، تلك الصورة التي رآها المشركون وكان ينبغي أن تدلهم على أن الله الذي خلق هذه الأشياء على هذه الصورة الرائعة البديعة قادر على أن يعيد خلقهم مرة ثانية بعد الموت وأن ذلك عليه يسير. فليس لهم من عذر بعد أن رأوا ما رأوا أن ينكروا البعث وأن يكذبوا الرسل.
وهمزة الاستفهام في هذه الصيغة معناها الإنكار أي النفي، وقد دخلت على حرف النفي " لم " فتكون قد نفت النفي، ونفي النفي إثبات، أي قد رأوا ذلك وعلموه.
стр. 10691
وهذا معنى قولهم الاستفهام للتقرير أي تثبيت المنفي بـ (لم) وتثبيت المنفي بـ (لم) معناه: قد رأوا ذلك وعلموه. فقولنا الهمزة لإنكار النفي وقولنا الاستفهام للتقرير معناهما واحد وهو الإخبار بما ولي حرف النفي على جهة الإثبات.
وهمزة الاستفهام هنا في هذه الصيغة تفيد التوبيخ أيضا، يوبخ الله هؤلاء المشركين على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دليله فيما يرونه من خلق أنفسهم والأشياء التي تحيط بهم.
ولقد مر إعراب ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أكثر من مرة. و ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى يعلموا فهو فعل متعد إلى مفعولين ولكنه معلق عن العمل في مفعوليه، والذي علقه عن العمل اسم الاستفهام (كيف) . و (كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الحال من مفعول الفعل الذي بعده، و (كيف) وجملتها في محل سدَّت مسد مفعولي فعل (يروا) .
أختي الكريمة " هل ":
لم يبق في هذه الرسالة شيء أكتبه إليك سوى الصيغة السابعة، وهي الصيغة الأخيرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على " لم " النافية الجازمة لمضارع " رأى "، وهذه الصيغة هي: ﴿ألم يروا كم ... ﴾ ، وقد جاءت في آيتين اثنتين: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ . الآية (٦) من سورة الأنعام.
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ . الآية (٣١) من سورة ياسين.
стр. 10692
تتضمن هاتان الآيتان أن أهل مكة قد علموا أنه تعالى قد أهلك قبلهم كثيراً من الأمم بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل، وكانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً للأموال وخصباً في الأرض ورفاهاً في العيش، أهلكهم ولم يُبق منهم أحدا، وأنشأ بعد المهلكين أمم أخرى تعمر أرضهم وديارهم.
فليحذر أهل مكة أن يصيبهم العذاب ما أصاب المكذبين بالرسل من قبل.
وهمزة الاستفهام في هذه الصيغة وفي هاتين الآيتين معناها الإنكار أي النفي، وقد دخلت على نفي فأبطلته فأصبح الكلام مثبتاً، والمعنى قد علم هؤلاء الكفار أننا أهلكنا قبلهم كثيراً من الأمم.
ومن العلماء من يقول بدلاً من هذا: الاستفهام هنا معناه التقرير أي الإيجاب.
والمعنى: قد علم هؤلاء الكفار ... الخ.
والقولان معناهما واحد كما تقدم في الصيغة السادسة.
وهمزة الاستفهام هنا في هاتين الآيتين تفيد التوبيخ أيضاً، يوبخ الله أهل مكة أن لم يروا رؤية تبصر واعتبار واتعاظ ما أصاب كثيراً من الأمم قبلهم من إهلاك وتعذيب وتدمير من جراء كفرهم وتكذيبهم الرسل، وقد كان مَن قبلهم أشد منهم قوة وأكثر مالا وأوسع نعمة.
وإعراب (ألم يروا) قد تقدم أكثر من مرة، والرؤية هنا علمية (فيما أرى وأرجح) و (يروا) بمعنى يعلموا، فالفعل متعد إلى مفعولين.
و (كم) في هاتين الآيتين تكثيرية (فيما أرجح) مبينة على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل الذي بعدها وهو أهلك.
و (كم) -وإن كانت تكثيرية- معلقة لفعل الرؤية عن العمل في مفعوليه، وهذا التعليق باعتبار أصلها وهو الاستفهام [٥] (٥) .
وكم مع جملتها في محل نصب سدَّت مسدَّ مفعولي (يروا) .
أختي الكريمة " هل ".
يكفني ويكفيك هذا المقدار من هذه الرسالة، وأسأل الله تعالى أن يعين على رسالة خامسة أكتبها إليك عما قريب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ...
أختك
همزة الاستفهام
стр. 10693
المراجع
١- مراجع الصيغة: ﴿ألم يروا أن ... ﴾ وهي الصيغة الخامسة.
أ- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض جـ٤ ص٣٩٢/ جـ٦ ص٨٢/ جـ٦ ص٣٠٨/ جـ٧ ص٣٤٧/ جـ٧ ص٤٩٠.
ب- تفسير أبى السعود. الطبعة السالفة الذكر.
جـ٣ ص٢٧٢/ جـ٥ ص٢٧/ جـ٦ ص٦٤/ جـ٧ ص٧٣/ جـ٧ ص١٧٨/ جـ٧ ص١٨٠/ جـ٨ ص٨٩.
جـ - الفتوحات الإلهية المشهورة بحاشية الجمل على الجلالين. طبعة الحلبي بمصر.
جـ٢ ص١٩٢/ جـ٢ ص٥١١/ جـ٣ ص٥٢٥.
د- تفسير ابن كثير. طبعة الحلبي. بمصر جـ٢ ص٢٤٧.
هـ - تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية جـ٣ ص٥٢٤) الطبعة السالفة الذكر.
و تفسير الزمخشري. جـ٣ ص٢٢٣. الطبعة السالفة الذكر.
ز- تفسير القرطبي جـ١٦ ص٢٨١. الطبعة المصورة عن الطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.
٢- مراجع صيغة ﴿ألم يروا كيف ... ﴾ وهي الصيغة السادسة.
أ- تفسير البحر المحيط. جـ٧ ص١٤٦ (المؤلف والطبعة السالف ذكرهما) .
ب- تفسير أبي السعود جـ٧ ص٣٤ الطبعة المتقدمة الذكر.
جـ - الفتوحات الإلهية جـ٣ ص٣٧١ الطبعة المتقدمة الذكر.
د- تفسير القرطبي جـ١٣ ص٣٣٦ الطبعة المتقدمة الذكر.
٣- مراجع صيغة ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ ... ﴾ وهي صيغة السابعة.
أ- تفسير البحر المحيط جـ٤ ص٧٥ (المؤلف والطبعة السالف ذكرهما) .
ب- تفسير أبي السعود جـ٣ ص١١٠. الطبعة السالفة الذكر.
جـ - الفتوحات الإلهية جـ٢ ص٦. الطبعة السالفة الذكر.
د- تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية جـ٣ ص٥١١) الطبعة السالفة الذكر.
هـ- تفسير الكشاف للزمخشري جـ٣ ص٣٢١.
و إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس تحقيق الدكتور زهير غازي زاهد الناشر: مطبعة العاني - بغداد.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 10694
[١] تفسير ابن كثير جـ٤ ص٥٨١. طبعة الحلبي مصر.
[٢] تفسير أبى السعود جـ٧ ص ١٧٨. الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
[٣] تفسير أبى السعود جـ٨ ص٨. الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.
[٤] مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري: جـ ١ ص ٨، تحقيق: الدكتور مازن المبارك وزميله، الناشر: دار الفكر.
[٥] تفسير الكشاف للزمخشري جـ ٣ ص ٣٢١. طبعة الحلبي بمصر.
стр. 10695
بحث في صيغة (أفعل)
(بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في العربية)
لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
المدرس بكلية اللغة العربية -جامعة الأزهر
(الحلقة الثانية)
آراء العلماء في فعل وأفعل بمعنى واحد:
رأى ابن درستويه في مجيء فعل وأفعل بمعنى واحد وقد أورده السيوطي في المزهر [١] قال:
قال ابن درستويه في شرح الفصيح [٢] : لا يكون فعل وأفعل بمعنى واحد كما لم يكونا على بناء واحد إلا أن تجيء ذلك في لغتين مختلفتين فأما من لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد كما يظن كثير من اللغويين والنحويين، وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك على طباعها وما في نفوسها من معانيها المختلفة، وعلى ما جرت به عادتها وتعارفها ولن يعرف السامعون تلك العلة فيه والفروق فظنوا أنهما بمعنى واحد وأولوا على العرب هذا التأويل من ذات أنفسهم فإن كانوا قد صدقوا في رواية ذلك عن العرب فقد أخطؤوا عليهم في تأويلهم ما لا يجوز في الحكمة وليس يجيء شيء من هذا الباب إلا على لغتين متباينتين كما بينا أو يكون على معنيين مختلفين أو تشبيه شيء بشيء على ما شرحناه في كتابنا الذي ألفناه في افتراق معنى فعل وأفعل.
стр. 10696
ومن ههنا يجب أن يتعرف ذلك وأن قول ثعلب: وقفت الدابة ووقفت أنا، ووقفت وقفا للمساكين لا يجوز أن يكون الفعل اللازم من هذا النحو، والمجاوز على لفظ واحد في النظر والقياس لما في ذلك من الإلباس، وليس إدخال الإلباس في الكلام من الحكمة والصواب، وواضع اللغة حكيم عليم، وإنما اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين أو أحدهما ضد للآخر لما كان ذلك إبانة بل تعمية وتغطية ولكن قد يجيء النادر من هذا لعلل، كما يجيء فعل وأفعل فيتوهم من لا يعرف العلل أنهما لمعنيين مختلفين وإن اتفق اللفظان، والسماع في ذلك صحيح من العرب فالتأويل عليهم خطأ وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع وتأول فيه الخطأ وذلك أن الفعل الذي لا يتعدى فاعله إذا احتيج إلى تعديته لم تجز تعديته على لفظه الذي هو عليه حتى يُغير إلى لفظ آخر إما بأن يزاد في أوله همزة [٣] أو يوصل به حرف جر بعد تمامه ليستدل السامع على اختلاف المعنيين إلا أنه ربما كثر استعمال بعض هذا الباب في كلام العرب حتى يحاولوا تخفيفه فيحذفوا حرف الجر منه كقولهم: كلته -وزنته أي كلت له وزنته له فيعرف بطول العادة وكثرة الاستعمال وينوب المفعول وإعرابه فيه عن الجار والمجرور المحذوف، أو يشبه الفعل بفعل آخر متعد على غير لفظه فيجري مجراه لاتفاقهما في المعنى كقولهم حبست الدابة وحبست مالاً على المساكين.
стр. 10697
وقد استقصينا شرح ذلك كله في كتاب فعلت وأفعلت بحججه ورواية أقاويل العلماء فيه وذكر علله والقياس فيه اهـ، وقال في موضع آخر، أهل اللغة أو عامتهم يزعمون أن فعل وأفعل بهمزة وبغير همزة قد يجيئان لمعنى واحد وإن قولهم دير بي وأدير بي من ذلك وهو قول فاسد في القياس والعقل مخالف للحكمة والصواب، ولا يجوز أن يكون لفظان مختلفان لمعنى واحد إلا أن يجيء أحدهما في لغة قوم والآخر في لغة غيرهم، كما يجيء في لغة العرب والعجم أو في لغة رومية ولغة هندية.
وقد ذكر ثعلب أن أدير بي لغة فأصاب في ذلك وخالف من يزعم أن فعلت وأفعلت بمعنى واحد، والأصل في هذا قد درت وهو الفعل اللازم ثم ينقل إما بالباء وإما بالألف فيقال: قد دير بي أو أدرت فهذا القياس.
ثم جيء بالباء مع الألف فقيل: قد أدير بي كما قيل قد أسرى بي على لغة من قال أسرى في معنى سرى لأن إدخال الألف في أول الفعل والباء في آخره للنقل خَطأ إلا أن يكون قد نقل مرتين إحداهما بالألف والأخرى بالباء [٤] اهـ.
رأي ابن قتيبة:
وقال ابن ابن قتيبة [٥] باب فعلت وأفعلت بإتقان معنى.
جد فلان في أمره وأجد، ويقال فلان جاد ومجد، لاق الدواة وألاقها "الفراء"أضاء القمر وضاء وأنشد غيره للعباس بن عبد المطلب عم الرسول يمدح النبي ﷺ .
ض وضاءت بنورك الأفق
أنت لما ظهرت أشرقت الأر
وقال الفراء أوحى ووحى وأومأ وومأ وقال غيره محصته السوء وأمحصته، وسلكته وأسلكته. قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ .
وقال الهذلي:
شَلاَّ كما تطرد الجَمَّالة الشُرُدا
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة
стр. 10698
عمَّر الله بك دارك وأعمرها، أمر الله ما له وأمر، نضر الله وجهك وأنضره، مددت الدواة وأمددتها وأمددته بالرجال لا غير، خلف الله عليك بخير وأخلف، نهج الثوب وأنهج إذا بلى، سكت القوم وأسكتو، وصمتوا وأصمتوا، خلق الثوب وأخلق، سمح الرجل وأسمح محَّ الكتاب وأمحَّ إذا درس، ينعت الثمرة وأينعت، نسل الوبر وأنسل إذا وقع، سندت في الجبل وأسندت، قطرت عليه الماء وأقطرت، خلد إلى الأرض وأخلد، نزفت البئر وأنزفتها، جلب الجرح وأجلب إذا صارت عليه جلبة، قدعته وأقدعته، فتنته وأفتنته، ساس الطعام وأساس إذا سوس، وداد وأدادا إذا دود، سريت وأسريت، كنبت يداه وأكنبت إذا اشتدت وغلظت، سوءت به ظنا وأسأت الظن، قتر الرجل وأقتر إذا قل ماله، خفقت الأمر وأخفقته وهرقت الماء وأهرقته، زها البسر وأزهى، شنقت القربه وأشنقتها إذا شددت رأسها، قصر عنه وأقصر عنه، زكا الزرع وأزكى الزرع، جمَّت الدابة وأجمت، قتله البيع وأقتله، سار الدابة وأسارها، مُطرنا وأُمطرنا، وأبو عبيدة يفرق بينهما، غسا الليل يغسو وأغسى إذا أظلم، حشمته وأحشمته، أغضبته. زننت به خيراً وأزننت، جهده السير وأجهده، جرمت وأجرمت من الجرم، خلا المكان وأخلى، عسرت الرجل وأعسرته إذا طلبت الدين منه على عسرة خفق الطائر بجناحيه وأخفق، سقفت الباب وأسقفته، ثاب جسمه وأثاب، أجرت الغلام وآجرته، ذرت الريح وأذرت، لغطوا وألغطوا، وضجوا وأضجوا.
نبت البقل وأنبت، رجنت الشاة وأرجنت، ثرى الرجل وأثرى إذا أيسر، رجف وأرجف إذا أعيا، سحته الله وأسحته إذا استأصله، وقرىء فيسحتكم وفيسحتكم، (بفتح الياء وضمها) ، جاح الله ماله وأجاحه، هديت العروس وأهديتها، عرض لك الخير وأعرض حدت المرأة وأحدت، فرزت الشيء وأفرزته.
стр. 10699
عقم الله رحمها وأعقمها، حدق القوم به وأحدقوا، أوخفت الخطمى ووخفته، دجنت السماء وأدجنت، جلبوا عليهم وأجلبوا إذا صاحوا، لاذوا به وألاذوا وجرته الدواء وأوجرته، صلَّ اللحم وأصلَّ، وخمَّ وأخمَّ، سعرني شرا وأسعرني، مهرت المرأة وأمهرت، شار العسل وأشار، عذر الغلام وأعذره، ضب الرجل وأضب إذا سكت، صددت الرجل وأصددته، صردت السهم وأصردته إذا أنفذته، وعيت العلم وأوعيته، وأوعيت الطعام لا غير، وفيت بالعهد وأوفيت به، وأوفيت الكيل لا غير، غللت وأغللت من الغلول، لحدت القبر وألحدته، ولحد الرجل في الدين وألحد، وقرئ يَلحدون يُلحدون (بفتح الياء وضمها) بدأ الله الخلق وأبدأ وقال ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ ، بشرت الرجل وأبشرته وبشرت الأديم وأبشرته إذا قشرت ما عليه.
стр. 10700
قبل وأقبل، ودبر وأدبر، وقح الحافر وأوقح، جهشت في البكاء وأجهشت، جمع القوم رأيهم وأجمعوا رأيهم، سمل الثوب وأسمل، عصفت القارورة وأعصفتها، حل من إحرامه وأحل، بل من مرضه وأبل أي نجا، ثويت عنده وأثويت، منيت وأمنيت من المني، مذيت وأمذيت، من المذي، طافوا به وأطافوا، حال في متن فرسه وأحال، صرَّ الفرس أذنه وأصرَّ، مر الطعام وأمر، وقعت بالقوم في القتال وأوقعت، نويت النوى وأنويته، إذا أكلت التمر ورميت بالنوى، غمي عليه وأغمي، مطيت عنده وأمطيت تنحيت، وكذلك مطت غيري وأمطيته، هذا قول أبي زيد وقال الأصمعي مطت أنا وأمطيت غيري لا غير، قمعت الرجل وأقمعته، صعقتهم السماء وأصعقتهم، ألقت عليهم صاعقة، قمسته في الماء وأقمسته إذا غططته، مضَّني وأمضَّني، قال الأصمعي أمضَّني بالألف ولم يعرف غيره، صليت الشيء في النار وأصليته نجوت الجلد عن اللحم، وأنجيته إذا قشرته، جننته في القبر وأجننته، ربعت عليه الحمى وأربعت، وغبت عليه وأغبت، رميت على الخمسين وأرميت زدت، كلأت الناقة وأكلأت، إذا أكلت الكلأ، حكمت الفرس وأحكمته، ورسنته وأرسنته، رحبت الدار وأرحبت إذا اتعست، جهرت بالقول وأجهرت، خسرت الميزان وأخسرته نقصته، حصُر الرجل من الغائط وأحصر، صقعت الأرض وأصقعت من الصقيع، عَنَدَ العِرْقُ وأعند إذا سال أكثر، لخيت الغلام وألخيته إذا أوجرته الدواء، فرشته فراشاً وأفرشته، صرَّت إليَّ رأسه وأصرته إذا أملته ضنأت المرأة وأضنأت إذا كثر ولدها، هلكت الشيء وأهلكته. قال العجاج: ومهمه هالكٍ مَنَ تَعَرَّجا بمعنى مهلك، هذا قول أبو عبيد وقال غيره أي هالك المتعرجين أي من عرج فيه واحتبس هلك.
стр. 10701
جذا الشيء وأجذى إذا ثبت قائما، زلت الشيء وأزلته، رفل من مشيته وأرفل، وضعت في مالي وأوضعت، ووكست وأوكست، زحفت في المشي وأزحفت أعييت، أويته وآويته، وأويت إلى فلان مقصور لا غير، حلت في ظهر دابتي وأحلت إذا وثبت عليه، حشت عليه الصيد وأوحشت، قصرنا وأقصرنا في قصر العشىِّ.
وكف البيت وأوكف، خطل في كلامه وأخطل، حاك فيه القول وأحاك أي نجح، غمدت سيفي وأغمدته، رشَّت السماء وأرشَّت، وطشَّت وأطشَّت، هلت عليه التراب وأهلت، نار الشيء وأنار، خذ ما طف لك وأطف، شمس يوماً وأشمس، حالت الدار وأحالت من الحول، وبان وأبان، حضرت حتى عنت وأعينت أي بلغت العيون، طلق يده بالخير وأطلق رملت الحصير وأرملته، وسفقته وأسفقته نسجته، برا الله حجك وأبره، وسعده الله وأسعده ونعشه الله وأنعشه، قطبت الشراب وأقطبته فرجته، شظظت الوعاء وأشظظته من الشظاظ، رجعت يدي وأرجعتها، لمحته وألمحته، تبله الحب وأتبله، جلا القوم عن الموضع وأجلوا تنحوا عنه، وأجلوتهم.
قال أبو ذؤيب:
ثبات عليها ذُلُّها واكتئابها
فلما جلاها بالأيام تحيرت
يعني مشتار العسل جلاها عن موضعها بالدخان ليشتاره.
لاح الرجل وألح أي أشفق، سقت إليها الصداق وأسقته، جفلت الريح وأجفلت، خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر، غبش الليل وأغبش أظلم، ذرق الطير وأذرق، صم الرجل وأصم، غامت السماء وأغامت، خلف فوه وأخلف، زففت العروس وأزففتها، وعزت إليك في الأمر وأوعزت، شنقت الناقة وأشنقتها، إذا كففتها بزمامها، وسنفتها وأسفنتها من السناف، بقَّت المرأة وأبقَّت كثر ولدها، وقد بقفت يا رجل وأبقفت إذا كثر كلامه.
حرست الناقة وأحرستها إذا سرت عليها حتى تهزل، قحدت الناقة وأقحدت إذا صار مقحادا وهي العظيمة السنام، وهنه الله وأوهنه قال طرفة أنني لست بموهون فقر.
فقال الآخر:
إلا لتوهن آمن العظْم
أقتلت سادتنا بغير دم
стр. 10702
صغوت إلى الرجل وأصغيت، ذروت الحب وأذريته الفراء، وجملت الشحم وأجملته أذبته، نجزت الحاجة وأنجزتها قضيتها، ركست الشيء وأركسته إذا رددته قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ يروى في التفسير ردهم إلى كفرهم ابن العربي، مرأني الطعام وأمرأني، وروى لطَّ دون الحق بالباطل وألطَّ، وقول الناس الإلطاط وهو ملط من هذا، ويروى كفأت الإناء وأكفيته، ألفت المكان وآلفته، نكرت القوم وأنكرتهم، نعم الله بك عيناً وأنعم، جدب الوادي وأجدب، وخصب وأخصب، وبأت الأرض وأوبأت، وحطبت وأحطبت، وعشبت وأعشبت، وبقلت وأبقلت، وضبعت الناقة وأضبعت اشتهت الفحل، لحقته وألحقته ومنه إن عذاب بالكفار ملحق أي لاحق، قويت الدار وأقوت، زكنت الأمر وأزكنته، خطئت وأخطأت.
وقال الله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ﴾ .
وقال الشاعر:
رب بِكَفَّيْكَ المنايا لا تموت
عبادك يخطئون وأنت
ردفته وأردفته، ملح الماء وأملح، ونتن الشيء وأنتن، أعورت عينه وعرتها، دير بالرجل وأدير من دوار الرأس، مرع الوادي وأمرع ... انتهى كلام ابن قتيبة.
قال في لحن العامة [٦] فعل وأفعل: يخلطون بين هذين الوزنين ففي العربية أفعال جاءت على وزن أفعل ينطقونها ثلاثية على فعل فيقولون: ضج القوم، وحكّني رأسي وأحس كذا وشرعت الرمح، وعييت، وحسن الشيء ومسكت كذا وصح الله بدنك، وعازني الشيء وباده الله وخزاه.
وشبه فلان أباه وصحت السماء فهي صاحية، وجبرت فلانا على كذا، وفلان يأوي اللصوص، وكل هذه الأفعال رباعية في اللغة العربية على أفعل.
стр. 10703
وحدث عكس ما سبق أيضاً قالوا: أرفدت فلانا وأرسنت الدابة، وأردمت الباب وأسعرهم شراً، وأشملت الريح، وأشغلت فلانا، وأشفاك الله وأصرفته عما أراد، وأعناني الشيء، وأقلينا الماء، وأقست الشيء وأكريت النهر، وأكببت فلانا على وجهه، وأنعشه الله وأنجع الدواء، وأنبذت، وأوقفت دابتي، وأهديت العروس، وصواب كله على وزن فعل لا فعل وهذا الباب أعني الخلط بين فعل وأفعل قد شاع من القرن الثالث الهجري فعالجه ابن السكيت في إصلاح المنطق [٧] ، وابن قتيبة في أدب الكاتب [٨] ، وثعلب في الفصيح.
وقد صنفت في باب (فعل وأفعل) كتب خاصة للأصمعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي إسحاق الزجاج [٩] .
أفعال ينطقها العامة بالهمزة والفصيح بدونه
وقد عقد لها ابن السكيت في كتابه إصلاح المنطق [١٠] .
تقول نعشه الله يَنْعَشَه أي رفعه الله ومنه سمى النعش نعشاً لارتفاعه ولا يقال أنعشه: وتقول: نجع فيه الدواء، وقد نجع في الدابة العلف ينجع ولا يقال قد أنجع فيه.
ويقال قد نبذت نبيذاً وقد نبذت الشيء من يدي إذا ألقيته فقال: أبو محمد أنشدني غير واحد:
كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
نظرت على عنوانه فنبذته
ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولا يقال أنبذت نبيذاً. وقد شغلته ولا يقال سعرهم شراً ولا يقال أسعرهم، وقد رعبته إذا أفزعته وكذلك رعبت الحوض إذا ملأته وهو مرعوب.
قال الهذلي أبو خراش:
من الفُرنّى يرعبها الجميل
نقاتل جوعهم بمكلاّت
ويقال جملت الشحم إذا أذبته وكذلك أجتملت وقال مليح بن الحكم الهذلي:
ودقة فتروى وأيما كل واد فيرعب
بذي هيدب أيما الربا تحت
أيما في معنى أما.
وقد هزلت دابتي وكذلك هزل في منطقه يهزل ويقال قد أهزل الناس إذا وقع في أموالهم الهزال.
وقد كفأت الإناء فهو مكفوء إذا قلبته.
стр. 10704
ويقال قد قلبت الشيء وأقلبته قلباً، وقد قلبت الصبيان وصرفتهم بغير ألف.
وقالوا أقلبت الخبزة إذا نضجت وأنى لها أن تقلب. وقد وقفت دابتي وقد وقفت وقفاً للمساكين، ووقفته على ذنب كله بغير ألف.
وحكى الكسائي: ما أوقفك هاهنا؟ أي شيء أوقفك هاهنا؟ صيرك إلى الوقوف.
قال الأصمعي: جنبت الريح وشملت وقبلت وصبت ودبرت كله بغير ألف.
ويقال قد برقت السماء وأرعدت وقد برق ورعد إذا تهدد وأوعد، قال ولم يكن يرى بيت الكميت حجة لأنه عنده مولد وهو قوله.
فما وعيدك لي بضائر.
أبرق وأرعد يا يزيد
وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: برق ورعد، وأبرق وأرعد إذا تهدد وأوعد، الفراء يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير وعدته وفي الشر أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة وفي الشر الإيعاد والوعيد وإذا قالوا أوعدته بالشر أو بكذا أثبتوا الألف مع الياء وأنشد.
رجلي ورجلي شثنة المناسم
أوعدني بالسجن والأداهم
ويقال قد كببته لوجهه وكب الله الأبعد لوجهه ولا يقال أكب الله، ويقال قد علفت الدابة وقد رسنتها بغير الألف.
وقد حششت بعيري، وقد حميت المريض وأحمية حمْيَة وقد حميت أَنَفًا أن أفعل كذا وكذا حمية ومحمية إذا أنفت أن تفعله.
ويقال: عبته ولا يقال أعبته، وحدرت السفينة ولا يقال أحدرتها، وعن غير يعقوب حميت المكان وأَحْميته أي جعلته حمى لا يقرب، ومنعت الناس منه وكذلك المسمار وأحميته أنشدنا أبو الحسن ويعقوب وغيره.
وأحمى ما يليه من الإجام
حمى أحماته فَتُركن قفرا
وقد رفدته ولا يقال أرفدته.
وقد عقد لها الزجاج في كتاب فعلت وأفعلت باب ما تكلم فيه بفعلت دون أفعلت وما اختير فيه فعلت [١١] على أفعلت.
стр. 10705
يقال بهأت به وبهئت به إذا أنست به ... وبردت عيني أبردها ... وبرد الماء حرارة جوفي بردا ... وبحرت أذن الناقة شققتها وبترت الشيء قطعته من أصله.
تنح بالمكان وتنأ به أقسام به وتمك السنام إذا ارتفع.
ثنيت الشيء عطفته، وثلمت الشيء فهم مثلوم، وثبر الله العدو أهلكه فهو مبثور، وثروت الرجل إذا كنت أكثر منه مالاً وثلجت صدر الرجل إذا أتيته بما يسره وهو حق. وثمأت رأسه بالحجر شدخته.
يقال دمعت العين تدمع ... ودرأته عن الشيء أدراه دفعته ... ودهنت الناقة ودهنت إذا قل لبنها، ودنأ يدنأ دناءه ودنوء إذا كان دنيا لا خير فيه.
يقال رعف الرجل من الرعاف، ورعبت الرجل أرعبُه ورزأته أرزؤه رزءً أي أصبت منه خيرا ... وربأت القوم أربؤهم إذا كنت لهم طليعة ... ورفأت السفينة رفءً إذا قربتها من الشط ... ورقأت العين إذا جفت دمعها ... ورأيت الشيء إذا أصلحته ... ورأفت الرجل أرأف به إذا رحمته ورأس الرجل القوم صار رئيسهم.
يقال زريت على الرجل أزري عليه إذا أعبته، وزرى الرجل وجهه عني، وزرى الميراث عن الورثة ... وزعيت له من المال زعية أعطيته منه قطعة، وزيده زيدا أعطاه ... وزأدت الرجل دعوته ... وزنأ في الجبل صعد وزبرت الكتاب كتبته.
سحوت القرطاس وسحيته قشرته ... وسبيت العدو سبيا وسبأت الخمر شربتها ... وسأبت الرجل ختنته ... وسرأت المرأة كثر ولدها ... وسلأت السمن أَسْلَؤُهُ إذا خلصته.
شريت الشيء أشريته وشريته بعته، وشملت الريح ... وشأوت القوم سبقتهم ... وشفأ الناب طلع.
صرف الله عنك الأذى ... وصرفت القوم عن الشيء وصرف عن الأمر أعرض عنه ... وصمدت للشيء أصمد له وصبت الريح من الصبا ... وصبأت عن الشيء رجعت عنه وصبا الرجل في دينه صار صابئاً ... وصبأ الناب طلع وصال الطيب وغيره يصيل بالشيء إذا لزق به.
стр. 10706
ضفا الشيء إذا كثر يضفو ... وضمر الشيء فهو ضامر ... وضفرت الشعر ... وضربت إليه لجأت إليه ... وضامه يضميه إذا ظلمه ... وضبأ الرجل بالمكان إذا اختبأ ضبوءا ... وضلعت مع فلان مِلْتُ معه.
طما الشيء يطمو إذا علا ... وطمأت الشيء واريته ... وطم الشعر جزه ... وطان الكتاب يطينه ختمه بالطين ... وطبأه إلى الشيء يطبؤه دعاه إليه ... وطبن له فطن له ... وطببت له صرت طبيباً ... وطببت الطب صرت رفيقاً بالشيء فهماً به.
عبأت الطيب وغيره خلطته ... وعبأت بالشيء باليت به ... وما عبأت بفلان ما باليت ... وعابني فلان وعبته بغير ألف وعرضت الجيش ... وعلفت الدابة ... وعناني الأمر يعينيني بغير ألف ... وعززت فلان بالشر ... وعدا فلان على فلان يعدو إذا ظلمه.
غارهم إذا أتاهم بالميره وغار على الشيء غيرة ... وغبنته في البيع غبناً، وغلت القدر تغلي ... وغثت نفسه تغثي وغبطته أغبطه إذا أحببت أن يكون لك مثل ما له من غير أن يُسلبه.
فتأت الرجل عن رأيه أفتوه صرفته عنه ... وكل شيء رددته عنك فقد فتأْته عنك.
قال الشاعر:
وتفتؤها عنا إذا حميتها غلى
تغور علينا قدرهم فنديمها
وفأوت رأسه شققته وفأيته أيضاً ... وفأدت الرجل أصبت فؤاده ... وفرق الرجل بين الشيئين وهو فارق بينهما فرقاً ... وفقأت عينه.
قاس الرجل الشيء يقيسه ... وقلمت ظفري ... وقنا للون إذا احمر ... وقلبت الشيء ... وقلبت القوم إلى منازلهم وقريت الضيف أطعمته، وقنط الرجل قنوطاً إذا استحكم يأسه.
كسبت مالاً بغير ألف أكسبه ... وكتفت الرجل أكِفُه توليت حياطته ... وكرف الحمار إذا شم البول ورفع رأسه ... وكبا الزند يكبو إذا لم يخرج ناره ... وكفلت الرجل صرت كفيله، وكعَّ الرجل عن قرنه كبن عنه ... وكلمت الرجل إذا جرحته وكسأت وسطه قطعته بالسيف.
стр. 10707
لبأت القوم أطعمتهم اللبأ ... ولطأ الرجل بالأرض لزق بها ... ولمَّ الشَّعث أصلحته ... ولبأت اللحم من العظم قشرته ... ولززت الشيء بالشيء ألزقته ... ولددت الصبي صببت الدواء عن جانب فيه ... ولبقت الطعام خلطته ومثله لكته ... ولهف الرجل ولهث.
مجن الرجل صار ماجنا ... ومأوت بين القوم أفسدت بينهم ... ومأست بينهم مثله ... ومأنت الرجل احتملت مؤنته ... ومريت الشيء مسحته ... ومقرت السمك مقراً جعلته في الخل.
نفيت الرجل بغير ألف أنفيه ... ونبذت النبيذ اتخذته ... ونبذت الشيء ألقيته ... ونقل الرجل بين القوم سعى بالفساد بينهم وناء الرجل بالحمل ينوء إذا نهض به ... وناء اللحم ينئ إذا لم ينضج في الطبخ ونسأت الإبل في مشيها إذا تأخرت ... ونبأت من بلد إلى بلد خرجت ... ونكأت الجرح ... ونكيت في العدو ... وما نبس فلان بكلمة أي ما نطق ... ونوى البعير سمن.
وقفت الدابة والضيعة بغير ألف ... ووصلت بين الشيئين جمعت بين طرفيهما ... ووديت الرجل أعطيته ديته ... ووراه الداءُ يريه أفسد جوفه ... ووسمت الدابة وسما ووألت من الشيء نجوت منه ... ووسقت المرأة حملت ... ووسق الإبل حملها ... ووشيت الثوب من الوشى وولب الرجل الكلام سلقه وأسرع فيه ... ووقمت العدو قمعته وقهرته ... ووأد الموؤدة دفنها وهي في الحياة ووترت الرجل من التِّرة وهي العداوة ... ووصل السيب كثر واتصل ... ووشيت الشيء إذا خرزته.
هنأته النعمة وهنأني الأمر ... وهرف القوم بالرجل أفرطوا في مدحه ... وهرقت الماء صببته ... وهتيت بالرجل إذا دعوته رافعاً صوتك ... وهمدت النار طفئت، وهمد الثوب أخلق ... وهزأت بالرجل وهرئت به سواء ... وهال التراب صبه وهالني الأمر بغير ألف ... وهجأني الطعام أشبعني.
يمن الرجل القوم بيِمنهُم إذا صار ميمونا عليهم مباركاً ... ويعر الجدي يتعر يعارا إذا صاح ... ويسرت بالقداح إذا ضربت بها.
стр. 10708
أجر العظم إذا جبر على فساد ... وأفل النجم إذا غار وغاب وأبر النخل يأبرها إذا لقحها ... وأدمت الخبز أكلته بإدام وأممت القوم صرت لهم إماما ... وأجن الماء يأجن ويأجن وأسن يأسن ويأسُن إذا تغيرت رائحته، وأطر الرجل الشيء على الشيء إذا ثناه عليه ... وأصر الشيء يأصره إذا عطفه ... وأشر الرجل الشيء بالحديد يأشره ويأشره بالمنشار.
(يتبع)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر المزهر ج ١ ص ٣٨٤-٣٨٦. وانظر تصحيح الفصيح ج ١ ص ١٦٥ تحقيق عبد الله جبوري طبعة بغداد. وقد ذكر هذا الكلام تعقيباً على الإمام ثعلب تصحيح الباب الثالث وهو باب فعلت بغير ألف، عند قوله، وأما قوله في رعد وبرق في باب فعلت إنه يقال فيه أرعد وأبرق فإن لكل واحد من هذين معنى يخصه ... الخ.
[٢] في تصحيح الفصيح إتمام للكلام هو: الهمزة التي تدخل لنقل الفعل الذي على فعل فيجعل على أفعل نحو كرم وأكرم وحس وحسن.
[٣] هناك وإما بان يوصل الخ مثل ذهب بغيره، وقام وقام بأخره.
[٤] قال في لسان: أسريت بالألف لغة أهل الحجاز وجاء القرآن العزيز بهما جميعا.
[٥] انظر أدب الكاتب لابن قتيبة ص ٣٦٠ دار صادر بيروت.
[٦] انظر لحن العامة للدكتور مطر طبع وزارة الثقافة المصرية ص ٩٤.
[٧] من ص ٢٢٥ إلى ص ٢٢٨. من ٣٣٣-٣٥٣.
[٨] أبواب فعلت بغير ألف، فعلت وأفعلت، أفعل.
[٩] انظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ج ٢ ص ١٤٩.
[١٠] انظر إصلاح المنطق ص ٢٥١ باب يتكلم فيه بفعلت مما تغلط فيه العامة فيتكلمون بأفعلت.
[١١] انظر الأفعال لابن القطاع، وإصلاح المنطق لابن السكيت وتصحيح الفصيح ج ١ ص ١٦٣ طبعة بغداد.
стр. 10709
حداثة الشعر العربي
الدكتور: عبد الباسط بدر
الأستاذ المساعد في كلية اللغة العربية بالجامعة
(الحلقة الأولى)
تعد قضية الحداثة من قضايا الشعر العربي الخطرة، إن لم تكن في عصرنا أخطرها على الإطلاق، فهي قضية تطوره وتغير مفهومه وطبيعته وعناصره الشكلية والموضوعية.
وقد اكتسبت هذه القضية أهميتها الخطيرة في عصرنا من كونها تحولت إلى مسوغ أساسي لتغير أي من مقومات الشعر، ولا أستثني من ذلك كيان الشعر كله. وصارت عند بعض المتنطعين غاية وهدفاً.
لأجلها "يُسْتَشْهد"بعضهم، وفي سبيلها يعاني آخرون المتاعب ويعللون فقرهم في الجمهور، وبسببها يتحمل فريق ثالث لعنات مجتمعه غير مبال بها. فهو -كما يزعم- يؤصل قواعد الحداثة ويرود التطوير.
وللحداثة قامت صراعات كثيرة بين أجيال متوالية في هذا القرن، وما زالت تقوم، تشتد تارة وتهدأ تارة.. وربما تظل كذلك إلى ما شاء الله.
فما الحداثة؟ ولم صارت شغل النقاد والشعراء؟ وهل تستند إلى جذور أصلية في تراثنا الأدبي؟
هذا ما سأجيب عنه في الصفحات التالية..
من الحقائق الثابتة أن ظواهر الحياة البشرية، المادية والفنية، تخضع لتطور دائم عبر الزمن. ونظرة سريعة إلى أية ظاهرة منها في زمنين متباعدين تظهر الفروق الكبيرة بين شكل الظاهرة في الزمن الأول وشكلها في الزمن الثاني، حتى ليصح أن يقال: إن الثابت الوحيد في هذه الظواهر هو التطور.
стр. 10710
والشعر ظاهرة فنية عريقة، صاحبت الحياة البشرية منذ فترة مبكرة من تاريخها، وستصحبها إلى ما شاء الله، هذا الشعر لا يخرج عن قانون التطور أياً كان زمانه ومكانه، ولا يمكنه أن يتوقف عن التطور دون أن تتصلب شرايينه وتسكت نبضات الحياة فيه، فالتطور -أو لنقل التغير خشية أن بفهم التطور على أنه الاتجاه نحو الأفضل- خيط دقيق يمتد فيه طوال تاريخه، وقد يدق ويرق في عصر من العصور حتى لا يرى منه إلا أثر بسيط، ولكنه لا يغيب نهائياً، والشعر العربي -مهما قيل عن ثباته وتطوره- لا يخرج عن هذه الحقيقة.
وقد أدرك الشعراء العرب هذه الحقيقة منذ القديم، وكان بعضهم واعياً يحس نبضها في شعره، كما أدركها عدد من النقاد القدماء ورصدوها بمقاييس مختلفة، وجعلوها إحدى قضايا نقدهم التطبيقي حيناً والتنظيري حيناًً آخر، واتخذها بعضهم مقياساً في تقويم العمل الشعري.
وفي العصر الحديث تطور قضية الحداثة وتطور مفهومها، وغَدت صاحبة الدور الأساسي في قيام الاتجاهات الشعرية الجديدة وكسب الأنصار والمؤيدين. ولابد -لتوضيح قضية الحداثة- من العودة إلى جذورها، والمرور بها -خطفاً- في الشعر والقديم ونقده، تمهيداً لرصدها في العصر الحديث، والوقوف على بصماتها في الحركات الشعرية المتتالية، وتطروها بين هذه الحركات.
الحداثة في الشعر القديم:
بلغ الشعر العربي في الفترة التي نعرفها عن العصر الجاهلي -درجة عالية من النضج، وتنبئنا الصورة التي وصلتنا عنه أنه حصيلة تطورات فنية لا نعرفها، وأن قواعده بلغت درجة من الاستقرار جعلت الشعراء يخضعون لها حقبة طويلة من الدهر، ولو كانت بدايته المبكرة [١] مدونة لاستطعنا أن نعرف شكل تطوره واتجاهاته.
стр. 10711
ولا يعني هذا أن الشعر لم يتطور منذ الفترة المعروفة من العصر الجاهلي، فقد شهد بعض التطور في العصر الأموي، إذ تغيرت بعض موضوعات الشعر، وتطور بعضها الآخر، وظهرت أصداء الحياة الإسلامية في شعر الفتوح وشعر الطوائف السياسية. ولوَّن الشعراء الكبار -ولا سيما جرير والفرزدق والأخطل- قصيدة المديح بألوان جديدة مستمدة من نظرية الدولة الأموية في الخلافة، ومن الظروف المعيشية آنئذ، وثبَّت جرير ألواناً حديثة من قيم المديح استقاها من الإسلام، أما الجانب الفني في القصيدة فالتجديد فيها قليل الشأن إذ بقيت هندسة القصيدة على حالها، وظلت وسائل التصوير بمستواها القديم وطريقتها القديمة، ولم يتطور القاموس الشعري إلا عند الشعراء الغزليين كعمر بن أبي ربيعة وكثيّر، وبقيت الأوزان الشائعة في قصائد العصر الجاهلي مستعملة بالنسبة نفسها تقريباً في العصر الأموي [٢] اللهم إلا المقطوعات التي نظمها عمر بن أبي ربيعة في الغزل على أوزان خفيفة والأدوار التي تغنى بها المغنون، وإلا المقطوعات التي أنشدها المجاهدون في معارك الفتح..
وهكذا يمكننا القول: إن ملامح التجديد في العصر الأموي يسيرة وإن أثرها في شكل القصيدة وبنائها الفني محدود، في حين أنها أكثر وضوحاً في موضوعها ومضمونها [٣] .
стр. 10712
وفي العصر العباسي لا نجد انعطافا حاداً، بل نجد تطويراً أوسع من تطوير العصر الأموي يشمل الشكل والمحتوى معاً، ففي الشكل صفت لغة القصيدة وبلغت درجة عالية من الرشاقة والعذوبة عند عدد من الشعراء، لتلائم الحياة العباسية الجديدة وتناسب الذوق الموسيقي الشائع، وكثرت المقطوعات الصغيرة المنظومة على الأوزان الخفيفة والمجزوءة، وانتعشت بحور كانت ضارمة من قبل كالمضارم والمجتث والمقتضب [٤] ، وظهر المتدارك الذي يقال إن الأخفش استدركه على الخليل، ولحق القوافي بعض التجديد فظهر المزدوج والمسمط في فترة مبكرة، ويذكر الجاحظ أن بشاراً كان صاحب مزدوج [٥] . كما نجد في دواوين أبي العتاهية وبشر بن المعتمر وابن المعتز عدة مزدوجات. ويذهب الدكتور شوقي ضيف إلى أن المزدوج هو الذي رشح لظهور الرباعيات في الشعرين العربي الفارسي [٦] .
ولعل أوسع تجديد شعري عرفه العصر العباسي هو التجديد البديعي وقد سماه معظم النقاد القدماء " شعر المحدثين ". ويجمع الدارسين -قديماً حديثاً- على أن بشار بن برد رائد هذا المذهب، وأنه كان يحافظ على توازن دقيق بين العناصر الجديدة والعناصر التقليدية. وأن مسلم بن الوليد طور المذهب من بعده وجعل الشعر صنعة مجهدة، لابد فبها من التريث والتدقيق، ولابد فيها من الصقل والتجويد، وأن أبا تمام أخذ الشوط من بعدهما فبلغ به الغاية.
ويُعَدًّ لمذهب البديع -إن صحت تسميته مذهباً- قدرته على استيعاب الفلسفة ومعظم جوانب الثقافة الأخرى في العصر العباسي وبراعته في المواءمة بين العناصر الفنية والعناصر الفكرية في القصيدة فالأدوات البديعية من جناس وطباق ومشاكلة ... الخ تمتزج بالفكرة الفلسفية وتخدمها، والاستعارة تأخذ أطرافاً من المنطق، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية عامة، وعلى لغة القصيدة، وتجعل اللون العقلي أقوى من اللون العاطفي. وهذا الضرب من الصناعة الفنية لم يؤلفه الشعر العربي من قبل.
стр. 10713
أما محتوى القصيدة فكان متأثراً إلى حد كبير بالحياة الجديدة في العصر العباسي، وكان متصلاً بالثقافة المنتشرة. وقد لحق موضوعات القصيدة تطور واضح: تطور الغزل وذاغت فيه ضروب من الصراحة المكشوفة، وظهرت في بعضه دعوة إلى التهتك والخلاعة وانتهاز اللذات، ومن جهة أخرى ازداد الاهتمام بموضوع الزهد وشاع في عدد من القصائد والمقطوعات. أما قصيدة المدح " الشعر الرسمي " فكان أقل نصيباً في التطور، لأن الشاعر المداح يحرص على التجديد في مضمون القصيدة دون شكلها غالباً، ويستخدم كل ما ترفده به الثقافة من معان جديدة لإضفائها على ممدوحه، وقد جعل البديعيون -ولا سيما أبو تمام- ألفاظ الثقافة ومعانيها معرضاً للمذهب الجديد.
وبوجه عام لم يكن التغيير في الشعر العباسي كبيراً: لم تتغير موضوعاته بل بقيت كما كانت من قبل: المديح والهجاء والرثاء والوصف والغزل، وقد تجددت هذه الموضوعات دون أن تتغير، ولم يكن تجديدها جوهرياً ولا مضطرداً. كما لم يتغير في شكله، بل بقي يعتمد على وحدة الوزن والقافية، ولم تشع المسمطات والمزدوجات، ولم تلق تشجيع النقاد آنئذ [٧] ..
وفي الأندلس: كان الشعر يحتذي خطرات الشعر في المشرق الإسلامي إلى حد كبير، حتى قال عنه بعض المشرقيين: هذه بضاعتنا ردت إلينا. ولكن القرون الأخيرة من حياة الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ولا سيما عصر ملوك الطوائف، شهد تطويراً أوسع في لغة القصيدة وفي عدد في أدواتها التصويرية، وشهد انتشار الموشح بأنغامه القوية وألوانه الموسيقية الجديدة، وسواء أكانت ولادة الموشح في الشرق على يد ابن المعتز أم كانت في الأندلس على يد شعراء أندلسيين لم يتأثروا بالمشرقيين في توليده. فإن الواضح تماماً أن الموشح نما وتطور في الأندلس وأنه بخصائصه الفنية ومقوماته الأخرى [٨]-صناعة أندلسية كاملة.
стр. 10714
ولا شك أن الموشح هو أوسع تجديد شكلي عرفه الشعر العربي قبل العصر الحديث. وقد تداوله الشعراء في الأندلس وفي عدد من البلاد الإسلامية الأخرى. وعدوه تلويناً في موسيقى الشعر العربي لا يلغي ما قبله بل يرفده بإضافة جديدة -فكتبوا به كما كتبوا بالأوزان الخليلية الأخرى، ولم يجدوا أي تعارض بينهما، وسرعان ما طوعوه لأغراض القصيدة كلها، فكان فيه المديح والوصف والهجاء إضافة إلى موضوعه الأساسي.
وفيما عدا الموشح في الأندلس، والتجديد الذي شهده العصر العباسي لا نجد طائلاً، فقد ضعف الشعر بعد ذلك وأصبح الابتكار فيه ينحدر به درجة بعد أخرى. وشاع التقليد الضعيف، وغدا الشعراء المتأخرون يستهلكون التراث القديم ويحتالون على ألوان البديع ويملؤون بها شعرهم، ولكنها ألوان باهتة ليس لها قدرة كبيرة على التعبير وإبداع الجمال. وأسفّت موضوعات معظم القصائد وأصبحت أقرب إلى العبث واللهو، لذا من العبث أن نبحث عن التجديد والحداثة في تلك الفترة فهو تجديد خير منه العدم [٩] .
الحداثة في النقد القديم:
على الرغم من أن الحداثة في الشعر القديم لم تكن شيئًا كبيراً، فإن صداها كان كبيراً، أثار خصومة واسعة، وأنشأ قضية نقدية شغلت النقاد ردحاً من الزمن وهي قضية "الحداثة والقدم".
وقد ظهرت قضية الحداثة والقدم أو ل مرة عند النقاد اللغويين، وكان هؤلاء النقاد يتصدرون ساحة النقد في القرن الثاني الهجري من خلال عملهم في اللغة، وكانوا يجمعون الشعر القديم ويدونونه ويتخذونه مثالاً للغة الفصية الصحيحة. وقد دفعهم اهتمامهم الشديد به إلى منحه هالة من التعظيم واتخاذه نموذجاً أعلى للشعر.
يروي ابن رشيق أن اللغوي الكبير أبا عمرو بن العلاء كان يقول: " لقد حسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق " [١٠] . ويقول عنه أيضا: " وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين " [١١] .
стр. 10715
وينقل ابن الأثير عنه هذه الرواية: " قال أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل: لو أدرك يوماً واحداً من الجاهلية لما فضلت عليه واحداً " [١٢] .
وتعرض كتب الأدب والنقد حكايات كثيرة عن ابن الأعرابي والأصمعي وغيرهما من أعلام اللغويين آنئذ. تتشابه كلها في إظهار حماستهم للشعر القديم لأنه قديم فحسب، منها أن ابن الأعرابي سمع أرجوزة أبي تمام -وكان معاصراً له- التي مطلعها:
فظن أني جاهل من جهله
وعاذل عذلته في عذله
فاستحسنها وأمر بكتابتها، ولما عرف أنها لأبي تمام قال: خرِّقوه [١٣] .
ومنها أن إسحاق الموصلي أنشد الأصمعي بيتين يقول فيهما:
فيروى الصدى ويشفى الغليل
هل إلى نظرة إليك سبيل
وكثير ممن تحب القليل
إن ما قل منك يكثر عندي
فقال الأصمعي: لمن البيتان؟ قال إسحاق: لبعض الأعراب. فقال الأصمعي: هذا هو والله الديباج الخسرواني. قال إسحاق: فإنهما لليلتهما. فقال الأصمعي: لا جرم، والله إن أثر الصنعة والتكلف باد عليهما [١٤] .
هذه الحكايات -وأمثالها كثيرة في كتب الأدب النقد- تظهر تعصب اللغويين الشديد للقديم.
وقد نلتمس لهؤلاء اللغويين بعض العذر في أنهم ارتبطوا بقواعد التقنين اللغوي، فالشعر القديم مقياس القاعدة اللغوية وحجتها، في حين أن الشعر المعاصر لهم متهم لاحتمال وقوع اللحن فيه. الأمر الذي جعلهم يشكلون تياراً مضاداً للحديث والحداثة، ولكن لا عذر لهم في مخادعة أذواقهم الفنية.
следующие страницы →