← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

ولا يعني هذا أن الشعر لم يتطور منذ الفترة المعروفة من العصر الجاهلي، فقد شهد بعض التطور في العصر الأموي، إذ تغيرت بعض موضوعات الشعر، وتطور بعضها الآخر، وظهرت أصداء الحياة الإسلامية في شعر الفتوح وشعر الطوائف السياسية. ولوَّن الشعراء الكبار -ولا سيما جرير والفرزدق والأخطل- قصيدة المديح بألوان جديدة مستمدة من نظرية الدولة الأموية في الخلافة، ومن الظروف المعيشية آنئذ، وثبَّت جرير ألواناً حديثة من قيم المديح استقاها من الإسلام، أما الجانب الفني في القصيدة فالتجديد فيها قليل الشأن إذ بقيت هندسة القصيدة على حالها، وظلت وسائل التصوير بمستواها القديم وطريقتها القديمة، ولم يتطور القاموس الشعري إلا عند الشعراء الغزليين كعمر بن أبي ربيعة وكثيّر، وبقيت الأوزان الشائعة في قصائد العصر الجاهلي مستعملة بالنسبة نفسها تقريباً في العصر الأموي [٢] اللهم إلا المقطوعات التي نظمها عمر بن أبي ربيعة في الغزل على أوزان خفيفة والأدوار التي تغنى بها المغنون، وإلا المقطوعات التي أنشدها المجاهدون في معارك الفتح.. وهكذا يمكننا القول: إن ملامح التجديد في العصر الأموي يسيرة وإن أثرها في شكل القصيدة وبنائها الفني محدود، في حين أنها أكثر وضوحاً في موضوعها ومضمونها [٣] .

стр. 10712

وفي العصر العباسي لا نجد انعطافا حاداً، بل نجد تطويراً أوسع من تطوير العصر الأموي يشمل الشكل والمحتوى معاً، ففي الشكل صفت لغة القصيدة وبلغت درجة عالية من الرشاقة والعذوبة عند عدد من الشعراء، لتلائم الحياة العباسية الجديدة وتناسب الذوق الموسيقي الشائع، وكثرت المقطوعات الصغيرة المنظومة على الأوزان الخفيفة والمجزوءة، وانتعشت بحور كانت ضارمة من قبل كالمضارم والمجتث والمقتضب [٤] ، وظهر المتدارك الذي يقال إن الأخفش استدركه على الخليل، ولحق القوافي بعض التجديد فظهر المزدوج والمسمط في فترة مبكرة، ويذكر الجاحظ أن بشاراً كان صاحب مزدوج [٥] . كما نجد في دواوين أبي العتاهية وبشر بن المعتمر وابن المعتز عدة مزدوجات. ويذهب الدكتور شوقي ضيف إلى أن المزدوج هو الذي رشح لظهور الرباعيات في الشعرين العربي الفارسي [٦] . ولعل أوسع تجديد شعري عرفه العصر العباسي هو التجديد البديعي وقد سماه معظم النقاد القدماء " شعر المحدثين ". ويجمع الدارسين -قديماً حديثاً- على أن بشار بن برد رائد هذا المذهب، وأنه كان يحافظ على توازن دقيق بين العناصر الجديدة والعناصر التقليدية. وأن مسلم بن الوليد طور المذهب من بعده وجعل الشعر صنعة مجهدة، لابد فبها من التريث والتدقيق، ولابد فيها من الصقل والتجويد، وأن أبا تمام أخذ الشوط من بعدهما فبلغ به الغاية. ويُعَدًّ لمذهب البديع -إن صحت تسميته مذهباً- قدرته على استيعاب الفلسفة ومعظم جوانب الثقافة الأخرى في العصر العباسي وبراعته في المواءمة بين العناصر الفنية والعناصر الفكرية في القصيدة فالأدوات البديعية من جناس وطباق ومشاكلة ... الخ تمتزج بالفكرة الفلسفية وتخدمها، والاستعارة تأخذ أطرافاً من المنطق، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية عامة، وعلى لغة القصيدة، وتجعل اللون العقلي أقوى من اللون العاطفي. وهذا الضرب من الصناعة الفنية لم يؤلفه الشعر العربي من قبل.

стр. 10713

أما محتوى القصيدة فكان متأثراً إلى حد كبير بالحياة الجديدة في العصر العباسي، وكان متصلاً بالثقافة المنتشرة. وقد لحق موضوعات القصيدة تطور واضح: تطور الغزل وذاغت فيه ضروب من الصراحة المكشوفة، وظهرت في بعضه دعوة إلى التهتك والخلاعة وانتهاز اللذات، ومن جهة أخرى ازداد الاهتمام بموضوع الزهد وشاع في عدد من القصائد والمقطوعات. أما قصيدة المدح " الشعر الرسمي " فكان أقل نصيباً في التطور، لأن الشاعر المداح يحرص على التجديد في مضمون القصيدة دون شكلها غالباً، ويستخدم كل ما ترفده به الثقافة من معان جديدة لإضفائها على ممدوحه، وقد جعل البديعيون -ولا سيما أبو تمام- ألفاظ الثقافة ومعانيها معرضاً للمذهب الجديد. وبوجه عام لم يكن التغيير في الشعر العباسي كبيراً: لم تتغير موضوعاته بل بقيت كما كانت من قبل: المديح والهجاء والرثاء والوصف والغزل، وقد تجددت هذه الموضوعات دون أن تتغير، ولم يكن تجديدها جوهرياً ولا مضطرداً. كما لم يتغير في شكله، بل بقي يعتمد على وحدة الوزن والقافية، ولم تشع المسمطات والمزدوجات، ولم تلق تشجيع النقاد آنئذ [٧] .. وفي الأندلس: كان الشعر يحتذي خطرات الشعر في المشرق الإسلامي إلى حد كبير، حتى قال عنه بعض المشرقيين: هذه بضاعتنا ردت إلينا. ولكن القرون الأخيرة من حياة الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ولا سيما عصر ملوك الطوائف، شهد تطويراً أوسع في لغة القصيدة وفي عدد في أدواتها التصويرية، وشهد انتشار الموشح بأنغامه القوية وألوانه الموسيقية الجديدة، وسواء أكانت ولادة الموشح في الشرق على يد ابن المعتز أم كانت في الأندلس على يد شعراء أندلسيين لم يتأثروا بالمشرقيين في توليده. فإن الواضح تماماً أن الموشح نما وتطور في الأندلس وأنه بخصائصه الفنية ومقوماته الأخرى [٨]-صناعة أندلسية كاملة.

стр. 10714

ولا شك أن الموشح هو أوسع تجديد شكلي عرفه الشعر العربي قبل العصر الحديث. وقد تداوله الشعراء في الأندلس وفي عدد من البلاد الإسلامية الأخرى. وعدوه تلويناً في موسيقى الشعر العربي لا يلغي ما قبله بل يرفده بإضافة جديدة -فكتبوا به كما كتبوا بالأوزان الخليلية الأخرى، ولم يجدوا أي تعارض بينهما، وسرعان ما طوعوه لأغراض القصيدة كلها، فكان فيه المديح والوصف والهجاء إضافة إلى موضوعه الأساسي. وفيما عدا الموشح في الأندلس، والتجديد الذي شهده العصر العباسي لا نجد طائلاً، فقد ضعف الشعر بعد ذلك وأصبح الابتكار فيه ينحدر به درجة بعد أخرى. وشاع التقليد الضعيف، وغدا الشعراء المتأخرون يستهلكون التراث القديم ويحتالون على ألوان البديع ويملؤون بها شعرهم، ولكنها ألوان باهتة ليس لها قدرة كبيرة على التعبير وإبداع الجمال. وأسفّت موضوعات معظم القصائد وأصبحت أقرب إلى العبث واللهو، لذا من العبث أن نبحث عن التجديد والحداثة في تلك الفترة فهو تجديد خير منه العدم [٩] . الحداثة في النقد القديم: على الرغم من أن الحداثة في الشعر القديم لم تكن شيئًا كبيراً، فإن صداها كان كبيراً، أثار خصومة واسعة، وأنشأ قضية نقدية شغلت النقاد ردحاً من الزمن وهي قضية "الحداثة والقدم". وقد ظهرت قضية الحداثة والقدم أو ل مرة عند النقاد اللغويين، وكان هؤلاء النقاد يتصدرون ساحة النقد في القرن الثاني الهجري من خلال عملهم في اللغة، وكانوا يجمعون الشعر القديم ويدونونه ويتخذونه مثالاً للغة الفصية الصحيحة. وقد دفعهم اهتمامهم الشديد به إلى منحه هالة من التعظيم واتخاذه نموذجاً أعلى للشعر. يروي ابن رشيق أن اللغوي الكبير أبا عمرو بن العلاء كان يقول: " لقد حسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق " [١٠] . ويقول عنه أيضا: " وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين " [١١] .

стр. 10715

وينقل ابن الأثير عنه هذه الرواية: " قال أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل: لو أدرك يوماً واحداً من الجاهلية لما فضلت عليه واحداً " [١٢] . وتعرض كتب الأدب والنقد حكايات كثيرة عن ابن الأعرابي والأصمعي وغيرهما من أعلام اللغويين آنئذ. تتشابه كلها في إظهار حماستهم للشعر القديم لأنه قديم فحسب، منها أن ابن الأعرابي سمع أرجوزة أبي تمام -وكان معاصراً له- التي مطلعها: فظن أني جاهل من جهله وعاذل عذلته في عذله فاستحسنها وأمر بكتابتها، ولما عرف أنها لأبي تمام قال: خرِّقوه [١٣] . ومنها أن إسحاق الموصلي أنشد الأصمعي بيتين يقول فيهما: فيروى الصدى ويشفى الغليل هل إلى نظرة إليك سبيل وكثير ممن تحب القليل إن ما قل منك يكثر عندي فقال الأصمعي: لمن البيتان؟ قال إسحاق: لبعض الأعراب. فقال الأصمعي: هذا هو والله الديباج الخسرواني. قال إسحاق: فإنهما لليلتهما. فقال الأصمعي: لا جرم، والله إن أثر الصنعة والتكلف باد عليهما [١٤] . هذه الحكايات -وأمثالها كثيرة في كتب الأدب النقد- تظهر تعصب اللغويين الشديد للقديم. وقد نلتمس لهؤلاء اللغويين بعض العذر في أنهم ارتبطوا بقواعد التقنين اللغوي، فالشعر القديم مقياس القاعدة اللغوية وحجتها، في حين أن الشعر المعاصر لهم متهم لاحتمال وقوع اللحن فيه. الأمر الذي جعلهم يشكلون تياراً مضاداً للحديث والحداثة، ولكن لا عذر لهم في مخادعة أذواقهم الفنية.

стр. 10716

لذا لم يكن من الممكن أن يستمر النقد على مقاييس اللغويين "الاجتماجية"وبدا أن اتجاهاً مناقضاً سينمو ويأخذ بناصية النقد. ويخبرنا تاريخ النقد العربي أن هذا الاتجاه ظهر على أيدي النقاد المنهجيين الأوائل كابن سلام والجاحظ وابن قتيبة والآمدي والجرجاني وابن رشيق وسواهم. وقد سعى هؤلاء النقاد لإنصاف الشعر المحدث وإسقاط مبدأ "الأفضلية المطلقة للقديم"فأعلن ابن قتيبة في مقدمة مصنفه الكبير "الشعر والشعراء" أنه يرفض مقياس اللغويين المجحف، وأنه سيتخذ مقياساً جديداً يقوم على "الجودة الفنية". قال: "ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختاراً له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلاً حقه. فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر على زمن دون زمن، ولا خص بهم قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً، في عصره، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثاله يعدون محدثين، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: "لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى هممت بروايته" [١٥] . وكذلك فعل النقاد المنهجيون الآخرون، فقد اتخذوا "الجودة الفنية"مقياساً يحكمون به على الشعر، لا فرق بين قديمه وحديثه، ولا ميزة لأحدهما على الآخر، ولأول مرة يزاحم شعر المحدثين شعر الأقدمين في مصنفات الأدب والشعر وعند الرواة، ويزيد من هذه المزاحمة ظهور شعراء ذوي مواهب فذة ترفد الرواة والمصنفين بقصائد رائعة كالبحتري وأبي تمام وابن الرومي وأبي العتاهية وأبي فراس والمتنبي وغيرهم.

стр. 10717

ويبدوا أن هؤلاء المبدعين عكفوا على الشعر القديم فتثقفوا به ثقافة عالية، ثم أضافوا ثقافة عصرهم. واستخدموا كل ذلك في نسج روائعهم الشعرية، فنجحوا في شد الأنظار إليهم وأثاروا ضجة واسعة وكتب عنهم النقاد والمصنفون، فكان هذا سبباً في إشاعة الاهتمام بالشعراء من أبناء العصر نفسه. وقد بلغ الاهتمام درجة جعلت ابن المعتز يصنف كتاباً عن طبقات الشعراء ويقصره على الشعراء المحدثين أبناء عصره، ويصرح في ثناياه بأن شعر المحدثين أصبح في عصره أكبر مكانة من شعر القدماء، فيقول: " ولكننا لا نخرج عن شرط الكتاب (الاختصار) لئلا يمله القارئ إذا طال عليه الفن الواحد، وليحفظ هذه النكت والنوادر والملح، وليستريح من أخبار المتقدمين وأشعارهم، فإن هذا شيء قد كثرت رواية الناس له فملوه، وقد قيل: لكل جديد لذة. والذي يستعمل في زماننا إنما هو أشعار المحدثين وأخبارهم. فمن هاهنا أخذنا من كل خبر عينه، ومن كل قلادة حبتها " [١٦] . وهكذا تكشف عبارة ابن المعتز أن الذوق الأدبي في عصره اتجه إلى شعر " المحدثين " وأنه ملَّ " القديم " لأن العناصر الجديدة في الشعر المحدث أقرب إلى أذواق النقاد والمهتمين بالشعر. ولأن هؤلاء النقاد حكّموا حسهم الجمالي، وأن التجديد الذي جاء به المحدثون استطاع أن يهزهم ويشد أنظارهم.

стр. 10718

ولكن بعض الدارسين في عصرنا ينظر إلى هذا النقد نظرة مخالفة ويرى أن بجملته كان يرجح كفة القديم على المحدث، وأن النقاد المنهجيين تحيزوا إلى القديم على الرغم من إعلانهم الصريح عن تساوي القديم والحديث عندهم وعن خضوعهما لمقياس الجودة الفنية وحسب [١٧] . وحجتهم في ذلك أن مقاييس الجودة الفنية التي اتخذوها معياراً للحكم مرتبطة إلى حد كبير بالشعر القديم. وأن شواهدهم على فصاحة اللفظ وروعة التشبيه وحسن الاستعارة ولطف الكناية ... الخ مأخوذة من أبيات متفرقة من الشعر القديم، وأنهم في تحليلهم لنماذج من الشعر المحدث يرتبطون -بشكل ما بنماذج من الشعر القديم ويقيسونها بها ويشبهون جودة هذه بروعة تلك. وأجدني أميل إلى هذا الرأي. ويشجعني على ذلك موقف معظم النقاد المنهجيين من حركة البديع في الشعر، فقد ترددوا في قبولها، وحاكموها بمقاييس الشعر القديم، وعدوها خروجاً على عمود الشعر [١٨] . وكذلك الحال في موقف النقاد من محاولات التجديد الشكلية، فقد أهملها معظمهم، وعدها معظمهم محاولات هزيلة تدل على ضعف الشاعرية، وهذه صورة أخرى لارتباط المقاييس الفنية ارتباطاً شديداً بأنظمة الشعر القديم.

стр. 10719

فابن رشيق الذي أنصف المحدثين وشعرهم في مثل قوله: "فالمولد المحدث على هذا إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع ومعرفة الصواب، على أنه أرق حوكاً وأحسن دياجة" [١٩] . نجده بعد ذلك يشكك في المخمسات والمسمطات، وينسبها إلى ضعف الشاعرية فيقول: "وقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون فيها، ولم أرى متقدماً حاذقاً صنع شيئًا منها، لأنها دالة على عجز الشاعر وقلة قوافيه وضيق عطنه، ما خلا امرئ القيس في القصيدة التي نسبت إليه -وما أصحها له- وبشار بن برد، قد كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثاً واستهانة، وبشر بن المعتمر، فقد أنشد الجاحظ له أول مزدوجة، ووضع ابن المعتز قصيدة في ذم الصبوح، وقصيدة في سيرة المعتضد، ركب فيها هذا الطريق، لما تقتضيه الألفاظ المختلفة الضرورية، ولمراده التوسع في الكلام، والتملح بأنواع السجع" [٢٠] . مما سبق نصل إلى النتائج التالية: أولاً: أن مفهوم الحداثة كان عند بعض النقاد لا يتعدى معناه اللغوي البسيط، أي الشيء الجديد، وبناء على هذا المفهوم رفض هؤلاء النقاد كل جديد يظهر في عصرهم دون أن يميزوا بين الجديد الذي يحمل سمات فنية جديدة، والجديد الذي هو نسخة عما قبله. ثانياً: أن مفهومها تطور عند نقاد آخرين وأصبح يعني: الجديد الذي يحمل سمات فنية جديدة، وهذا المفهوم هو أساس مفهوم الحداثة في عصرنا الحاضر بعامة. ثالثاً: أن النقاد القدماء لم يهتموا بمصادر السمات الفنية الجديدة، ولم يربطوا بينها وبين الثقافة الوافدة في ذلك العصر. رابعاً: أن قضية الحداثة برمتها -كانت في النقد القديم- قضية مضخمة شغلت جزءًا أكبر من حجمها، واستهلكت من الجدل والنقاش أضعاف التجديد الذي جاء به المجددون. (يتبع) --------------------------------------------------------------------------------

стр. 10720

[١] ثمة إشارات كثيرة إلى بداية الشعر العربي: تربطه بالموسيقى أو بالعمل أو بالعبادة. انظر عرضاً موجزاً لبداية الشعر العربي في الدكتور أحمد كمال زكي: نقد -دراسة وتطبيق ٦٥. دار الكتاب العربي -القاهرة ١٩٦٧. [٢] انظر الدكتور إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر العربي ١٩٣-١٩٤ مكتبة الأنجلو ١٩٧٢. [٣] استفدت في عرض ملامح التجديد في العصر الأموي من كتاب الدكتور شوقي ضيف: التطور والتجديد في العصر الأموي ص ٦٠-١٤٢ دار المعارف بمصر ١٩٥٩. [٤] الدكتور إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر العربي ١٩٥-١٩٦ مكتبة الأنجلو ١٩٦٥. [٥] البيان والتبين ١: ٩٤ المكتبة التجارية الكبرى ١٩٢٦م. [٦] الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الأول ١٩٨ دار المعارف بلا تاريخ. [٧] استفدت في عرض ملامح التطور في العصر العباسي من: الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الأول ص ١٥٩-٢٠٠ ط دار المعارف بمصر بلا تاريخ –والعصر العباسي الثاني ص ٢٠٣-٢٥٤ ط دار المعارف بمصر ١٩٧٣م. [٨] انظر رصداً لهذه الخصائص والمقومات في المؤلفات القديمة: ابن سناء شاء الملك: دار الطراز في مجمل الموشحات. بتحقيق جودة ركابي ١٩٤٩. وفي المؤلفات الحديثة: د. مصطفى عوض الكريم. فن التوشيح. بيروت ١٩٦٥م. [٩] انظر: الدكتور عمر موسى باشا: أدب الدول المتتابعة الصفحات ٢٢٦-٧١٠. دمشق ١٩٦٥م. [١٠] ابن رشيق القيراوني: العمدة ١: ٩١ المكتبة التجارية الكبرى. بتحقيق محي الدين عبد المجيد. [١١] ابن رشيق القيراوني: العمدة ١: ٩١ المكتبة التجارية الكبرى. بتحقيق محي الدين عبد المجيد. [١٢] ابن الأثير: المثل السائر ٤٨٩ مطبعة حجازي بمصر ١٩٣٥. [١٣] الآمدي: الموازنة١: ٢٢ دار المعارف بمصر ٩٦٠ بتحقيق أحمد السيد صقر. [١٤] السابق: ١: ٢٣. [١٥] ابن قتيبة: الشعر والشعراء ٦ و٧ دار حياء الكتب العربية. القاهرة ١٣٦٤ بتحقيق أحمد محمد شاكر.

стр. 10721

[١٦] ابن المعتز طبقات الشعراء المحدثين ٨٦ دار المعارف بمصر ١٩٦٨م. [١٧] الدكتور محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب ١٣٠ دار نهضة مصر بلا تاريخ. [١٨] انظر: الدكتور أحمد إبراهيم موسى: الصبغ البديعي في اللغة العربية ٨٢-١٠١ دار الكاتب العربي- القاهرة ١٩٦٦. [١٩] العمدة: ١: ٩. [٢٠] السابق: ١: ١٨٢.

стр. 10722

من تراثنا الشعري ليزيد بن الحكم رِبُهَا لذي اللّبِّ الحكيمُ يا بَدْرُ والأمثالُ يَضْـ ما خيرُ وُدِّ لا يَدومُ دُمْ للخليلِ بِوُدِّه فالحقُّ يعرِفُه الكريمُ واعْرِف لِجارِكَ حَقَّهُ ماً سَوْف يَحْمِّدُ أو يَلومُ واعلم بأنَّ الضيفَ يو دُ البناية أوْ ذميمُ والناسُ مُبتَنِيان مَحْمُو بِالعلم يَنْتَفِعُ العليمُ واعلم بُنَيَّ فإنه مما يَهيجُ له العظيمُ إنَّ الأمورَ دقيقُها ـضاهُ وقد يَلوى الغريمُ والتَّبْلُ مِثْلُ الدَّيْنِ تُقْـ والظلمُ مرتعهُ وخيمُ والبغْيُ يَصْرَعُ أهلَه أخاً ويَقْطَعُكَ الحميمُ ولقد يكونُ لك الغريبُ ويُهانُ للعَدَمِ العديمُ والمرءُ يُكْرَمُ للغنى ويُكْثِرُ الحَمِقُ الأثيمُ قد يُقْتِرُ الحَوِلُ التقيّ هذا فأيُّها المضِيمُ يُمْلَى لذاك وَيَبْتلي ق وللكلالة ما يُسِيمُ والمرءُ يَبْخَلُ في الحقو ن ورَيْبِهَا غَرَضٌ رجيمُ ما بخلُ من هو للمنو همدوا كما همد الهشيمُ ويرى القرون أمامهُ بؤسٌ يدوم ولا نعيمُ وتُخَرَّبُ الدنيا فلا ـهُ العِرْسُ أو منها يئيمُ كل امرئٍ ستئيم مِنْـ ـهُ أم الولدُ اليتيمُ مَا عِلْمُ ذِي وَلَدٍ أَيَثْكَلُـ ـبُ على تَلاَتِلِها العَزُومُ والحربُ صاحبُها الصليـ ولدى الحقيقِة لا يَخِيمُ من لا يَمَلُّ ضِراسها يسطيعُها المَرِحُ السَّؤُومُ واعلم بأنَّ الحربَ لا هِب عند كَبَّتِها الأزُومُ والخيلُ أجودُها المُنا خيٌر وشرُّ للشيخ محمد المجذوب إن كنت لا تدري ألا تسأل! يا أيها المغرور في ماله لله لا يطغى ولا يجهل المال خير في يَدَيْ شاكر لا يتقي الله ولا يعقل وياله شراً بكف امرئٍ إن لم يكن في فضله يؤمل فليس بالمال يَعزُّ الفتى زاد غنى في قومه يسفل فكم خسيسٍ لم يزل كلما وإن علاه الدهن لا يؤكل والكلبُ قد يَسمنُ لكنه

стр. 10723

رسالة إلى شباب الإسلام لفضيلة الشيخ محمود محمد سالم المدرس بكيلة اللغة العربية بالجامعة توارثتم المجد الذي يتجددُ هنيئًا بني الإسلام عزٌّ وسؤدد لغير إله الكون لم تتعبَّدُوا وكنتم -ومازلتم- أباةً أعزةً على الدهر لا يبلى ولا يتبددُ بكم تزدهي الدنيا ويبقى جمالها تنازع فيه اليوم طاغ وملحدُ فدينكم التوحيد آمال عالمٍ به يأمن العاني الشقي ويسعد وشرعتكم في الحق والعدل مورد ترددها الأيام والدهر يشهد وماضيكم الزاهي سجل بطولةٍ وقصَّر عنها في المفاخر أصيد تقاصر عنها الطامحون إلى العلا من المسلمين الغُرِّ تسمو وتخلد بكل مجال في الحياة نماذجُ لأهل المعالي نورها متجدد وتبقى على الأيام نوراً وقدوةً تولَّوا فإن الله مولىً ومقصد جهادهم في الله كان – فأينما فعزوا بأمر الله حين توحّدوا وهانت عليهم في الجهاد نفوسهم أسوداً يُخاف الشر منها ويُرْعَدُ إذا قيل هبوا للجهاد تواثبوا صفوفا لوجه الله تعنو وتسجد وإن قيل هيا للفلاح تواكبوا بها ليل ربّاها النبي محمد أولئك جند الله حول رسوله يطيعونه فيما يقول ويقصد يُحفوّن بالهادي البشير أحبةً من الله يهدي العالمين ويرشد يفدون بالأرواح من جاء رحمة وكان لهم نعم الإمامُ المسِّدد نبي الهدى والحق كان إمامهم بهم يرتجي خير الحياة ويُنْشَدُ فكانوا - كما شاء الإله أئمة بهم تعمر الدنيا ويصلح مفسد وكانوا شموساً للمعالي وقادةً على العدل والتقوى فأعلوا وشيدوا بهم ولهم دان الوجود فأسسوا ليسفل عبد أو يمجد سَيِّدُ تساوَوْا فلا الأنسابُ تفرق بينهم هم القدوة المثلى التي تتجسد هم المثل الأعلى هم النور والهدى

стр. 10724

وينطقْ لساني بالمديح يُرَدَّدُ فإن يُذكَروا يخفقْ فؤادي بحبهم نعيش ومن أخلاقهم نتزود ونحن على ما خلفوا من فضائل من العزة القعساء ما نتقلد وإن تكن الأيام لم تبق بيننا سعيد فلا تأسوا ولا تتنكدوا فإن الغد المأمول فيكم أحبتي إذا كان منكم للشريعة مقصد ولا تيأسوا أن تستردوا مكانكم لأن تجهروا بالحق لا تترددوا شباب بني الإسلام آن أوانكم لما يأمر الباري وللحق فاصمدوا فهذا أوان الجد والبذل فانهضوا وجودوا بما جادوا به وتوحدوا وضحوا بما ضحى الأوائل منكمُ يعنكم فإن العود لله أحمد ولله عودوا واستعينوا بعونه ضعيف وحزب الله أقوى وأرشد ولا ترهبوا حزب الشيطان إنه عيون على الإسلام في الشرق ترصد ولا تأمنوا كيد المضلين إنهم من الخلف بين المسلمين وتسعد تقَّرُ عيون الحاقدين بما ترى على كِلْمة التوحيد فينا تَرَدَّدُ ويكبتهم أن يجمع الله شملنا صديقا يوالهم وفِدْماً يُمَجِدِّ ويسعدهم أن يبصروا في ديارنا وما لعدو الله إلا المهند فوا أسفاه!! هل نوالي عدونا وما هو إلا مجرم يترصد وهل يصبح الإلحاد يوماً حليفنا وهل غاب عنا يوم حطين مشهد وهل ترتجى الصلبان إلا حتوفنا يواليه دون المسلمين ويحمد وهل صار صهيون ابن عم ليعقنا يساء بلا ذنب إليه ويبعد يكال لصهيون المديح وغيره شقيُّ ثمود حين ضلوا وأفسدوا فكان كأشقاها قدار بن سالف وعابوا نبي الله حين يهدِّد وقد كذَّبوا آي السماء مضيئة طَوَتهم فسُوُّوا بالتراب وأُخْمِدوا فها هي إلا صيحة بعد رجفة يمهنم تشويهم وخزي مؤبد وإن مصير المجرمين لواحدٌ حمانا ومن مِنَّا إليه توددُّوا لقد ضلَّ فينا من أباحوا عدونا وهم لعدو الله جند مجند ومن عجب أن يُحْسَبُوا من صفوفنا

стр. 10725

وبين نياطي جمرة تتوقد فبين ضلوعي من تخاذلهم أسىً من الأرض طاغوت ومزِّق ملحد وما تنتهي شكواي إلا إذا انتهى يسود ولا صوت سواه يردد وحتى أرى الإسلام لا دين غيره ونرضى بما يرضاه منا محمد وما ذاك إلا أن نعود لشرعه وللحق نسعى في الحياة ونحفد ونصبح جند الله لله أمة إليكم يُزّجِّيها هوى يتجدد هيا إخوة الإسلام هذي رسالتي وفيكم ومنكم يشرق اليوم والغد فأنتم غدُ الإسلام أنتم حماته

стр. 10726

أخي ... الشيخ محمد رجب حميدو أخي في الهند والصين أخي في الله في الدين يعذبني ويضنيني شكوتُ إلي من همٍ وما يؤذيك يؤذيني فما يشقيك يؤلمني وما يحييك يحييني وحتفك يا أخي حتفي بسيف أو بسكين كلانا اليوم مذبوح تمت موت المساكين فمت موت الرجال ولا بأفواه الشياطين ولا تك مطعماً سهلاً فإن لعسرنا يسرا وصبراً يا أخي صبراً سيحدث بعد ذا أمرا وإن الله مولانا ليكمل في الدجى بدرا وإن هلالنا ينمو لكل مقدَّر قدرا وسنة ربنا جعلت ومن عسر إلى لينِ فمن ضيق إلى سعة فإنَّ الحق لن يُصرع أخا الإسلام لا تجزع على تقويض ما نصنع وإن البغي لن يقوى من الصاروخ والمدفع وإيمان الفتى أمضى فما آذاك قد ينفع فلا تخشع لنازلة فخذ بالأرفع الأرفع وإن غامرت في شرف أسير الذّل والهُون وإلا فاسترح واقعد وأعيا الناس داهيةً أخي كم عاث طاغيةٍ وكم ملكت أباطرةً وكم حكمت أكاسرةً وكم ظَلَمَتْ جبابرةٌ وكم عُبدت فراعنةٌ وما للقوم باقيةً فأين همُ؟ لقد ذهبوا على الأحياء دائرةٌ وكأس الموت يا هذا ومستبقيً إلى حين فمحمول على نعشٍ لنا يا قوم أخدودا حذار فإنهم شقُّوا على الأبرار مشدودا وصار القيد في يدهم بنار الحقد مهدودا وصَرْحُ الدين قد أمسى فبات العُهْرُ محمودا وأغروا كل ساقطة بلا عرض ولا دينِ؟! فهل في العيش من خيٍر

стр. 10727

المشارق في المغارب فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري عميد كلية اللغة العربية في مطار هنغ كنغ: وكان وصولنا إلى مطار هنغ كنغ في تمام الساعة الثانية بتوقيت طوكيو، الواحدة بتوقيت هنغ كنغ، فكانت مدة الطيران أربع ساعات وكان الاتجاه إلى الجنوب الغربي باستمرار. وعندما دخلنا إلى قاعة مبنى المطار بدأنا نحس بأن المعاملة تختلف عن البلدان التي زرناها، وأصبحت شبيهة بمعاملة الموظفين والعمال في منطقتنا: فكان العمَّال يرمون العفش بعنف، وبدأ موظفو الجوازات يدققون، كما بدأنا نشعر بالخوف من المجرمين الذين يختلسون الجيوب أو يسرقون الأثاث، إلا أن المفتش كان لطيفاً معنا فلم يفتح حقائبنا الكبيرة. شاب صالح في انتظارنا: وبعد إنهاء الإجراءات خرجنا من الباب المعد لخروج مسافري الرحلات الخارجية، فوجدنا شاباً ملتحياً بيده ورقة كتب فيها اسمي وعندما رآنا سأل أفيكم الأخ عبد الله قادري فقلت نعم فأخذ يعانقنا ويرحب تريحباً عاطفياً، ومعه شاب من نفس الجزيرة اسمه يوسف كريم، وهو مسؤول عن الطلبة المسلمين في هنغ كنغ. وكان الأخ الشاب الباكستاني هو محمد أحمد الذي اتصل به بعض الإخوان من طوكيو عن طريق الهاتف وأخبره بقدومنا، فأخذ هو وزميله حقائبنا وخرجنا إلى الشارع لاستئجار سيارة توصلنا إلى الفندق الذي كان الأخ محمد قد حجز لنا فيه حجرة، وكان المطر منهمراً بغزارة، كأن سحبا كاملة تسقط على الأرض. والمعمول به في سيارات الأجرة توزيعها تحت إشراف جندي مرور على المسافرين يجب ترتيبهم الأول فالأول، وجاء دورنا فأخذنا سيارة أوصلتنا إلى الفندق.

стр. 10728

وصعد بنا الفراش إلى الحجرة وبعد أن وضع العفش في الحجرة وقف ينتظر، ولم ندر لماذا؟ ولكن الأخ محمد أفهمنا أنه يريد شيئا من المال وهذه أول مرة في رحلتنا يقف لخادم ينتظر منا شيئا من المال. نعم إذا أعطي الخادم في الغرب مالا يأخذه ويشكرك، ولكنه لا ينتظرك ولا يشير بحركات تدل على أنه يطلب شيئًا. عوائق: ومكث الأخ محمد معنا في الفندق مدة طويلة يشرح لنا أوضاع المسلمين في هذه البلاد، وهو في غاية السرور لقدومنا وأخلاقه فاضلة، وحماسه للإسلام واضح وتمسكه به كذلك، وأراد أن يرتب لنا لقاء عاماً مع من يمكن إبلاغهم من المسلمين الموجودين، ولكن المطر كان غزيراً ومستمراً ليلاً ونهاراً، إذ كان ذلك موسم الأمطار. ولذلك لا يدري ما يفعل، وسألنا عن الوقت الذي يمكن أن نقضيه فسألناه نحن عن الرحلات الجوية هل هي متيسرة في كل وقت؟ فقال: هي متيسرة إلا أنها في هذه الأيام بسبب وجود العواصف تتعطل الرحلات بين وقت وآخر وفي الأسبوع الماضي بقي الركاب لمدة يومين لم يتمكنوا من السفر بسبب ذلك، ولذلك فقد حصلت الآن زحمة في الرحلات وذكر أنهم يتوقعون عاصفة شديدة يشتد بسببها هياج المحيط وتتعطل الرحلات. وكنا عازمين على أن نكون في المملكة في أول من أيام رمضان وكان الزميل الدكتور بيلو يبدي رغبته في مواصلة السير لارتباطه بهر النيل من الدلتا إلى الأزرق والأبيض وذلك يقتضي منه رحلات أخرى بالإضافة إلى قرب وقت عودته إلى المدينة. طلب متكرر: لذلك طلبنا من الأخ محمد أحمد أن يحجز لنا يوم الأحد في أقرب رحلة وواصل معنا الحديث وتمنى أن يوجد في هذه البلاد من يقوم بإرشاد المسلمين وتعليم أولادهم، وذكر أن المسلمين يجتمعون يوم الأحد مع أولادهم على الطعام، ويلعب الأولاد، وبهذا الاجتماع والأكل واللعب يشعرون بارتباطهم بالإسلام، وهذا يقع في قاعة تابعة لأحد المساجد.

стр. 10729

وطلب مني إبلاغ الملك خالد هذه الرغبة، وذكر أنه قد طلب من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومن ورابطة العالم الإسلامي بعث مرشدين إلى هنغ كنغ عندما زار المملكة في صيف السنة الماضية ١٣٩٧هـ. عضوا في ندوة الشباب العالمية. وذكر أن إمام الحرم المكي، والأخ أحمد توتنجي زارا هذه البلاد واطلعا على حالة المسلمين وحاجتهم ووعد أنهما سيقدمان تقريرا بذلك، وأنه قد جاءت كتب من المملكة على أثر ذلك. ولكن الكتب لا تفيد إلا قليلاً من المسلمين والمهم هو بعث من يدعو الناس وتعليمهم مباشرة. وقال الأخ محمد: إن عدد المسلمين في البلاد يبلغ ما بين خمسة وعشرين ألف وخمسين ألفا، وأغلبهم من أهل الصين، وهم المتعلمون (العلم المدني) والأقليات الأخرى يغلب عليهم الجهل. وقال الأخ محمد: حبذا لو منحت المملكة المسلمين في هذه البلاد مدرسة ومدرسين، وتكون جامعة بين المنهج الإسلامي والمواد المطلوبة هنا. وذكر أن المدرسة الثانوية التي يدرس فيها الدين عامة، ويدرس فيها شخص واحد مسلم صيني، وهو لا يمثل الإسلام في سلوكه، وإن كان قد تأثر بنصح إمام الحرم وأحمد توتنجي له. في مسجد قالون: ذهبنا بعد ذلك إلى مسجد قالون، وقالون هذه بلدة متصلة بالصين الشعبية، وهي قطعة من أراضيها استأجرتها منها بريطانيا بعد استيلائها على جزيرة هنغ كنغ التي تقع في جنوب شرق الصين، وهذا المسجد أنشأته بريطانيا للمسلمين من الباكستان عندما استولت على الجزيرة وكانوا في الجيش.

стр. 10730

والمسجد قريب من الفندق الذي نزلنا فيه، وعندما دخلنا المسجد كان قد حان وقت المغرب، فأذن المؤذن، والتقينا بذلك الشيخ الكبير الذي تضرب لحيته في نصف صدره، طويل القامة، وقور، وفرح بنا أيما فرح حتى لقد اغرورقت عيناه بالدموع، وأراد منا أن نصلي بالناس ولكنا أصررنا على أن يصلي هو، لأنه إمام المسجد، وصلى بنا، وبعد الصلاة جلسنا نتذاكر معه أحوال المسلمين ونتعرف عليه هو، فظهر أن له في هذا المسجد ستة عشر عاماً يسكن في منزل صغير تابع للمسجد وهو يتكلم باللغة العربية وكان المصلون قليلين بسبب انهمار المطر المستمر، وكان في تلك اللحظات قد خف قليلاً وأبدى حزنه وأسفه الشديد على الحالة التي يعيشها المسلمون في هذه البلاد، وقال إن الدول الإسلامية مسؤولة عنا وقد نسيتنا ههنا فلم تبعث لنا من يعلم أبناءنا. وهذا المسجد يخشى عليه من السقوط وهو لا يتسع للناس أيام الجمع ولا أيام الأعياد وبدأ الناس يفدون إلى المسجد فكان من جاء صلى وجلس معنا وكلهم متفقون على ضرورة بعث من يقوم بدعوة المسلمين وتعليمهم وإنشاء مدرسة، ووعدناهم بأننا سنعمل جهدنا في إبلاغ الجهات المختصة بذلك ورجونا الله لهم التوفيق، كما حرضناهم على بذل -جهدهم في الحفاظ على أولادهم وطلبنا من الشيخ الإمام أن يكرس جهوده في تعليم أبناء المسلمين مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية في المسجد. ولكنه قال: أبناء المسلمين لا تفيدهم إلا مدرسة فيها المواد الإسلامية والمواد الأخرى. بقينا معهم إلا أن صلينا العشاء، ورجعنا إلى الفندق، وذهب الأخ محمد أحمد إلى منزله على أن يعود إلينا في الغد. المكالمة الهاتفية: وفي هذه الليلة -أي ليلة السبت- كان الزميل يحاول الاتصال هاتفياً ببعض طلبة الجامعة الإسلامية الباكستانيين في كراتشي لنشعره بقدومنا حتى يحجز لنا غرفة في الفندق، وسيكون وصولنا في آخر الليل نحتاج إلى من يرشدنا.

стр. 10731

ولكن الاتصال الهاتفي اختلف علينا عن الاتصال الهاتفي في أمريكا، حيث كنا إذا أردنا أن ننام في مدينة ديترويت أو إنديانا أو لوس أنجلس نرفع السماعة وفي خلال دقيقة يكون صاحبنا قد رفع سماعته في المدينة المنورة ليقول نعم أما هنا في هنغ كنغ فأمسى الزميل ينتظر ويعاود الاتصال وكانت موظفة الهاتف تسليه بين وقت وآخر تتصل به وتقول له: قريباً تأتي المكالمة. أما أن فقد سبحت في بحر نوم عميق هادئ، والمحيط الهادي حولي من هياج عنيف في جزره ومده، أمواجه تتلاطم والأمطار تنهمر بغزارة طول الليل. وبعد مضي وقت ثم الاتصال الهاتفي بكراتشي فوقع الدكتور في مشكلة، إن الطالب الذي نريده متأثر وليس قريبا من الهاتف، والأسرة الموجودة عند الهاتف في حيرة، الزميل يتكلم بالعربية أو الإنجليزية وهم لا يجيدون إلا لغتهم المحلية ويتكلمون فيما بينهم للتشاور فيما يفعلون وهو يظنهم يكلمونه فيكلمهم مرة بالعربية وأخرى بالإنجليزية دون جدوى. ولكن موظفة الهاتف في هنغ منغ فهمت مشكلته فأنقذته إذ جعلت الاتصال بينه وبين موظف الهاتف في كراتشي وهو يجيد الإنجليزية فسمع كلام الزميل ووعده بنقله إلى الأسرة المحتارة وكان ذلك فعلاً. وفي يوم السبت الموافق ٢٤-٨/ ١٣٩٨ هـ تأخر عنا الأخ محمد أحمد بسبب غزارة الأمطار، وعدم وجود مواصلات بسبب ذلك. المظلات: ثم جاءنا بعد ذلك في شدة غزارة الأمطار حرصا على لقائنا وعدم التأخر عنا وهو يحمل ثلاث مظلات -لنرفعها فوق رؤوسنا للوقاية من المطر عندما نخرج. وخرجنا مع الأخ محمد رافعين مظلاتنا فوق رؤوسنا، والهواء يكاد يأخذنا من أيدينا، وذهبنا إلى مضيق من البحر يفصل بين قالون التي نزلنا فيها، وبين هنغ كنغ، وهي التي استأجرتها بريطانيا من الصين، وهي الجزيرة التي استعمرتها بريطانيا وتقع جنوب قالون وبها يسكن الأخ محمد، وهناك ركبنا زورقا أوصلنا إلى الشاطئ التي تقع عليه الجزيرة.

стр. 10732

على قمة الجبل: وأراد الأخ محمد أن يرينا أحد الأماكن السياحية في الجزيرة، فهناك جبل عالي يصعد عليه السائحون (الزائرون) ووسيلة النقل سيارة نقل "حافلة"تسير بالكهرباء على الحديد، مخصصة لذلك الجبل تهبط بقوم وتصعد بآخرين، وقفنا قليلا وإذا الحافلة قد جاءت فركبنا، وكان صوتها مزعجا وكان طلوعها مخيفا إذ يشعر الإنسان أنها ستسقط على ظهرها، والبيوت تكتنف الطريق من الجانبين والسكان الذين ركبوا معنا يوقفونها بين لحظة وأخرى في المكان المناسب لهم. وما كنا نرى البيوت القريبة منا إلا بمشقة لأن الأمطار الكثيفة تحول بيننا وبين الرؤية، وعندما وصلنا إلى قمة الجبل وجدنا بعض المباني السياحية وفيها بعض البقالات وبعض الدكاكين، فأسرعنا بالدخول إلى قاعة المبنى المحاط بسور من الزجاج الذي يدفع الرياح الشديدة التي تحمل الأمطار إلى الداخل لولا وجوده. ولم نجد فائدة في البقاء هناك، إذ كان المطر ينزل في هيئة سحب كثيفة فلا يتمكن الإنسان من رؤية شيء لذلك فضلنا أن نعود فورا. فاستأجرنا سيارة صغيرة لتوصلنا إلى بيت الأخ محمد الذي كان قد أوصى أهله بتهيئة طعام الغداء. في منزل الأخ محمد: وكان السائق يسير بنا في الطريق الملتوي، وكان في بعض الأوقات يدور بنا حول بعض التلال الصغيرة في الجبال حتى أوصلنا إلى بيت الأخ محمد الذي يسكن في إحدى عمارات شركات الكهرباء التي يعمل موظفاً فيها والأجرة التي يسلمها للشركة رمزية، ولكن الأخ محمد كان قد ترك الشركة وعنده مشروع تجاري نأمل أن يحقق به للمسلمين فوائد طيبة. رجل عمل ولكنه مربي:

стр. 10733

واستقبلنا أبناء الأخ محمد في منزله، فرأينا أثر تربيته في الأولاد، فهم في غاية الأدب، وذكر أنه قد انتهى من قراءة القرآن بنتاه الكبيرتان وأحد أبنائه وأن الآخر من أبنائه في طريقه إلى إكماله، كما علمهم بعض مبادئ الإسلام والصلاة وغير ذلك مما يدخل تحت طاقته الثقافية والزمنية. وهناك لعبة محببة إلى قلوب أولاده، وهي في الواقع ليست لعبة، بل إنها رمز تذكاري لما تهفو إليه نفوس المسلمين من كل أقطار الأرض، إنها صورة مجسمة لمبنى الحرم المكي على هيئته الجديدة التي تمت في العهد السعودي الحاضر في وسطه الكعبة وفيه بطاريات وشريط تلبية يضغط الولد على الزر فتضئ منارات الحرم وتنطلق التلبية، والأولاد حوله يكادون يطيرون إلى بيت الله الحرام الذي كثيراً ما شوقهم إليه أبوهم الذي صارحنا أنه يتمنى أن يحج هو وأسرته وأبوه وأمه. وقدم لنا طعام الغداء الخامس من نوعه من حيث الاطمئنان إلى حله والثالث من حيث الطهي الشرقي الذي ألفناه، وكان الأول في بريطانيا في منزل الأخ محمد أشرف والثاني في منزل الأخ الدكتور محمود رشدان في إنديانا والثالث في منزل الأخ الدكتور أحمد العسال في إنديانا والرابع في منزل الأخ محمد نور السوداني في شيكاغو وهذا هو الخامس. انضمام مظهر السيد إلينا: وبينما كنا نتذاكر في أمور المسلمين، ويرينا الأخ محمد بعض الكتب الموجودة عنده، بعضها باللغة الإنجليزية، وبعضها باللغة الأردية، وغالبها عن مؤلفات الأستاذين المودودي والندوي، وبعضها للأستاذ محمد قطب وخليل الحامدي، جاءنا الأخ مظهر السيد مع أسرته التي جاءت لزيارة أسرة الأخ محمد وللبقاء عندها لأن الأخ مظهر أحب أن يرافقنا للاستفادة والمؤانسة، وهو مهندس إذاعي ومن الباكستان أيضاً، ويتوقد حماسا للإسلام مثل أخيه محمد والجو بالنسبة للأسرة المسلمة يعتبر خانقا ولذلك -فوجود أسرة مسلمة مع مثيلتها يجلب الأنس.

стр. 10734

واصلنا المذاكرة وأكد الأخ مظهر السيد ما طلبه منا الأخ محمد من بعث الدعاة والمعلمين، وبعد ذلك صلينا الظهر والعصر جمع تأخير بالنسبة لنا وخرجنا فودعنا أولاد الأخ محمد وهم يبدون عاطفة جياشة لفراقنا. مقارنة بين بيوت الله الواحد وبيوت الشرك الثلاثي: وذهبنا بعد ذلك إلى أحد المساجد في هنغ كنغ ليرينا الأخوان حالة المساجد فوجدنا بعض النساء يخرجن فرش المسجد المبللة لتجفيفها ويجرفن المياه التي تجمعت فيه، وعندما رأيننا اعتذرنا لنا بأننا لا نستطيع الصلاة في المسجد الآن لحالته التي نراها وكن ظننا أننا جئنا للصلاة فيه. ثم ذهبنا لنرى بعض الكنائس القريبة منه لنرى كيف يعتنى بها في بنائها ونظافتها ونقارن بينهما، وبعد رؤيتها سجلت عندي أنه يجب إبلاغ رابطة العالم الإسلامي خاصة المجلس التأسيسي الأعلى للمساجد الذي يجب أن يوفد إلى العالم من يقدم له تقارير عن المساجد وحالتها للقيام ببناء المساجد وتجديد ما يحتاج إلى تجديد وبعث الأئمة والمرشدين في وقت واحد. فالإمكانات المادية موجودة، والدعاة موجودون، ويمكن الاستفادة من الطلبة الذين يتخرجون في الجامعة الإسلامية أو من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ومهما قدمنا من مساعدات في مجال الدعوة والإمامة وغيرها من الشؤون الإسلامية فلا فضل لنا في ذلك إلا أداء واجب مفروض من الله الخالق الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس بشروطها. وكم يبذل المسيحيون من مال ورجال في مجلات متعددة لا تصل جهودنا إلى عشر معشار ما يعملون، ونحن أهل حق وهم أهل باطل؟ سيل من المطر لا يبقى على وجه الأرض:

стр. 10735

ثم ذهبنا بعد ذلك إلى السوق لقضاء بعض الحاجات الخفيفة والمطر ينهمر والناس يمشون في الشوارع وعلى رؤوسهم المظلات ولو قعدوا في بيوتهم انتظارا للصحو لما قضوا حاجاتهم لاستمرار نزول المطر، ومع شدة نزول المطر واستمراره لا تجد في الشوارع ما يبلل ثوبك، بل كأن المطر لا ينزل إلا لتنظيف الشوارع لأن الشوارع شبه مسنمة وبجانبها مجاري تصريف الماء الذي لا يقع في الشارع إلا ليهبط إلى المجرى. تذكرت عندئذ كيف تنطفئ سياراتنا في شوارعنا إذا نزل مطر كثير نسبيا والمطر عندنا نادر فقلت: أما درس مهندسون في بلاد الغرب فيكون تخطيطهم مثل هذا - التخطيط؟ عدنا بعد ذلك إلى الفندق، وتواعدنا على اللقاء غداً الأحد صباحا لنجتمع ببعض المسلمين في أحد المساجد التي يجتمع فيها المسلمون يوم الأحد من أجل تقديم النصح لهم والإجابة على أسئلتهم. وفي يوم الأحد ٢٥/ ٨/ ١٣٩٨ هـ. تأخر عنا الأخ محمد أحمد كثيراً، ثم اتصل بنا معتذرا من كثرة الأمطار وعدم وجود مواصلات ووعدنا أنه سيصل في أقرب وقت ممكن. وجاءنا بعد ذلك، ومعه الأخ مظهر السيد، وقالا: الاجتماع في المسجد معتذراً لعدم استطاعة الناس الاجتماع فيه من شدة المطر وتفرق أماكنهم. لذلك نزلنا إلى السوق قليلا ثم ذهبا بنا إلى مطعم باكستاني يقدم للمسلمين الطعام الحلال فتناولنا فيه الطعام وكان الأخ مظهر اتصل ببيته فأفاده أهله أن ابنه الصغير سقط من على السرير وأنه ينزف دما، فهمس للأخ محمد وأخبره بذلك، فقال له الأخ محمد: يجب أن تذهب لتنظر ما إذا كان يحتاج إلى إسعاف فلم يرضى فأخبرنا الأخ محمد فألححنا عليه أن يذهب، وبعد إلحاح ذهب وهو مكره، لأنه أحب أن يودعنا عند السفر. واتصل الأخ محمد بأهله وطلب منهم زيارة بيت الأخ سيد لمؤانسة أهله ومساعدتها إن احتاجت، ثم اتصل يعد ذلك للاطمئنان على صحة الطفل فأفادوه أنه طيب فحمدنا الله على ذلك. سفرنا في الليل كان اضطراراً:

стр. 10736

ثم رجعنا إلى الفندق وحاسبنا المسؤول فيه واستأجرنا سيارة إلى المطار، وكان ذلك في الساعة الثامنة مساء، وهذه أول رحلة لنا يكون سفرنا فيها ليلاً اضطرارا خشية عدم تيسر الرحلات في الأيام التالية كما كانوا يتوقعون، إذ كانت رحلاتنا كلها في النهار من أجل التأمل في الكون الدال على خالقه سبحانه من بحار وأنهار وغابات وقفار وغيرها. وبعد عمل الإجراءات اللازمة ودعنا الأخ محمد أحمد فدخلنا إلى الطائرة التي أقلعت في العاشرة والدقيقة الخامسة والعشرون من مطار هنغ كنغ. في مطار بانكوك: وكانت المحطة الأولى لهذه الرحلة -والطائرة سويسرية- في بانكوك عاصمة تايلند وكان هبوط الطائرة في مطار بانكوك في الساعة الثانية عشر والدقيقة الخامسة والثلاثين بتوقيت هنغ كنغ فكانت مدة الطيران ساعتين وعشر دقائق. والفرق بين التوقيت المحلي لتايلند والتوقيت المحلي لهنغ كنغ ساعة واحدة، فكان وقت هبوطنا في مطار تايلند بتوقيت بانكوك الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة والثلاثين. نزلنا في مطار بانكوك وأخذنا بطاقة المرور (ترانزيت) وتجولنا قليلاً في قاعات المبنى ثم رجعنا وكانت مدة الوقوف ساعة تقريباً إذ أقلعت بنا الطائرة في الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة والأربعين إلى كراتشي. وكنت متلهفاً لرؤية المناظر التي تمر الطائرة فوقها، وأغلبها جبال وغابات وأنهار حسب معرفتي الجغرافية، ولكن الله أراد ما أراد، لذلك سبحت في بحر النوم فوق تلك الجبال والغابات والحمد لله على راحة أرادها لي هو سبحانه. في مطار كراتشي: لم أفق من نومي إلا بالقرب من مطار كراتشي عندما بدأت الطائرة تنزل استعداداً للهبوط، وكان الهبوط في مطار كراتشي في تمام الساعة الخامسة بتوقيت هنغ كنغ، والساعة الثالثة بتوقيت كراتشي، والفرق بين توقيت هنغ كنغ وتوقيت كراتشي ساعتان.

стр. 10737

بذلك تكون مدة الطيران من هنغ كنغ إلى كراتشي ست ساعات تقريبا. ودخلنا إلى قاعة تسلم الأثاث في المطار وأخذنا في الانتظار فكان العمال يأتون بعفش اثنين أو ثلاثة فيشكو الباقون، وتتصل الموظفة المسؤولة بجهاز اللاسلكي الذي بيدها بالجهات المسؤولة فيأتي العمال بمثل ذلك، وهكذا استمر الحال وشبهت حالنا وحال عفشنا بالطفل الذي يجب أن يعطيه الدواء ولي أمره بمقدار معين في أوقات معينة وكان انتظارنا لا يقل عن ساعتين حتى فرج الله علينا. بمجيء حقائبنا التي كنا نظنها قد ارتفعت بين السماء والأرض في الطائرة السويسرية وتذكرنا أنا وزميلي ما كان يحصل في مطارات الغرب حيث كانت حقائبنا في كثير من الأحيان تسبقنا وتنتظرنا هي. وأخذنا نلتفت يمنة ويسرة لعلنا نرى الأخ خليق أحمد أحد طلبة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية الذي تم الاتصال بأسرته من هنغ كنغ، وكان الأمل في لقائه ضعيفا لأن أهله ذكروا أنه مريض ولكن الرجل كان ينتظرنا هو وزميل له من نفس الكلية ووالد زميله وعندما رأونا أسرعوا إلينا، وكان الوقت متأخرا جدا فرحبوا بنا وأخذوا حقائبنا إلى الجمرك الذي احترمنا فلم يفتش الحقائب بل أشار عليها وخرجنا. في فندق مهران: فركبنا في السيارة التي كانت معهم وأوصلونا إلى فندق مهران وتركونا حيث لم يبق على الفجر إلا نصف ساعة تقريبا، ووعدنا الأخ خليق أحمد أن يأتينا غدا، بل اليوم الاثنين في الساعة الثانية عشر لتناول طعام الغداء في منزل والده. توضأنا وصلينا الفجر، ثم أسلمنا أنفسنا للنوم الذي أخذ حقه فلم يطلقنا إلا عندما قرع الباب الأخ خليق أحمد في الوقت الذي وعدنا أن يأتينا فيه الساعة الثانية عشرة يوم الاثنين ٢٦/ ٨/ ١٣٩٨ هـ. في منزل مفتي رشيد أحمد:

стр. 10738

قمنا توضأنا ولبسنا وذهبنا معه، وكان وصولنا في وقت آذان الظهر دخلنا المسجد الذي يقع بجوار بيت والده، بل في داخل الحائط الدائر حول المنزل. وجاء والده واسمه مفتي رشيد أحمد إلى المسجد فرحب بنا وأقيمت الصلاة فصلى بالناس إماما. ثم قام وطلب منا الدخول معه إلى منزله، فدخلنا في غرفة الاستقبال التي يجتمع به فيها تلاميذه وضيوفه، وفيها بعض الكتب من المراجع الإسلامية ومن مؤلفاته وفتاواه. والرجل يحب العزلة إلا في مذاكرة العلم، ويكثر من ذكر الله تعالى فبدأ في مذاكرة بعض المسائل العلمية، ومنها كيفية تحديد القبلة بمناسبة رحلتنا الطويلة التي كانت حول الأرض في مشارقها ومغاربها وكذلك تحديد أوقات الصلاة، وتحديد الأهلة، وله إلمام طيب بعلم الفلك وله في ذلك مؤلفات، تأتيه الفتاوى من داخل باكستان ومن خارجها فيجيب عليها. ومن الأمور التي ينتقدها التبكير بصلاة الفجر في الحرمين الشريفين كما قال: فقلت له: إننا نصلي في المسجد النبوي، ونخرج والصبح مسفر جدا أما في المسجد الحرام فلم أنتبه له، وهو ينتقد تقويم أم القرى ويرى أنه مأخوذ عن تقويم أجنبي غير سليم ولذلك لابد من إعادة النظر في ذلك. وكان من الحاضرين في مجلس الشيخ الأستاذ محمود أمين عام دار العلوم الذي طلب منا زيارة الدار غدا الثلاثاء فلبينا الطلب. وبعد أن تناولنا طعام الغداء عدنا إلى الفندق وفي هذا اليوم تم الحجز في الخطوط الباكستانية ذهابا وإيابا إلى لاهور لزيارة الجماعة الإسلامية هناك، كما تم الحجز في الخطوط السعودية من كراتشي إلى جدة يوم الجمعة الموافق ٣٠/ ٨/ ١٣٩٨ هـ. وفي يوم الثلاثاء ٢٧/ ٨ زارنا بالفندق الأخ عبد الله كاكاخيل الذي يعمل الآن مدرسا في نيجريا، والأخ عبد الرزاق إسكندر، وكلاهما كانا من زملائي في الجامعة الإسلامية إذ تخرجنا معا في ٨٥-١٣٨٦ هـ.

стр. 10739

وفي الساعة الحادية عشر جاء إلينا الأخ خليق فأخبرنا أن والده في انتظارنا ليصحبنا إلى دار العلوم، فحسبنا المسؤولين في الفندق وأخذنا حقائبنا ليوصلها الأخ خليق إلى منزلهم، لأنا سنسافر مساء اليوم إلى لاهور، على أن يقابلنا الأخ خليق بالحقائب مساء الخميس في مطار كراتشي. متخمون وعالة: وعندما خرجنا إلى والد الأخ خليق الذي كان ينتظرنا في السيارة وجدنا بعض الفقراء موجودين يتوسمون فينا قضاء بعض حاجتهم، وكانوا يلحون في الطلب، فسألت الدكتور إذا كان عنده شيء يمكن أن يساعدهم به وعندما رأوه يدخل يده في جيبه أخذوا يتزاحمون ويتدافعون فأعطاهم وكانت عجوز مسنة تمد يدها ففاتها أن تنال شيئا فأخذت تصرخ وتضارب بعض الذين نالوا شيئا. وهكذا وجدنا حالة الناس في باكستان بائسة جدا، إذ لم يجد بعضهم المأوى، فرأينا من ينام تحت قطعة قماش ربطت على أربعة أخشاب جوانبها لا يسترها شيء، ومنهم من ينام تحت الأشجار ومنهم من ينام تحت الجسور. وسبب ذكري لهذا الأمر هو التنبيه على حالة بعض المسلمين في الشعوب الإسلامية، مع أن الناس من شعوب أخرى يلتمسون ما يهضم لهم الأكل الذي أصيبوا من كثرته وتنوعه بالتخمة وبالأمراض الكثيرة التي تستدعي العلاج والاستشفاء ويرمي الطعام في آنية القمامة فتأكل منه الحيوانات ويزيد، مع أن الآخرون لا يجدون لقمة العيش بسهولة. بعد هذا كله قلت: ترى لو أن للمسلمين خليفة واحدا ترتفع راية خلافته على كل بلاد من بلدانهم أترى كان يحصل هذا التفاوت العظيم. وهنا رجوت لدعوة التضامن الإسلامي أن تحقق أمل المسلمين في كل مكان. في دار العلوم: ذهبنا بعد ذلك إلى دار العلوم، وهي في ضاحية من ضواحي كراتشي حيث تم اللقاء بالأمين العام للدار، ونائب المدير العام وبعض أساتذة الحديث الشريف في الدار.

стр. 10740

وحصل نقاش ومذاكرة لأحوال المسلمين الذين زرناهم في جولتنا هذه وللعمل الإسلامي في باكستان. وقد خصصت للدار أرض واسعة أقيمت عليها مباني سكنية للطلبة. وفصول دراسية ومسجد ومكاتب إدارية، وتبنى الآن مكتبة كبيرة تتسع للكتب الموجودة وغيرها من الكتب التي تشترى مستقبلا وبها قاعات للمطالعة. وذكرنا لهم حاجة الإخوة الباكستانيين في هنغ كنغ إلى التشجيع ببعث الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، أو المؤلفة بالأردية فوعدوا بمراسلتهم. وقد أسست دار العلوم في كراتشي عام ١٣٧١هـ. أسسها الشيخ محمد شفيع. وهي تشتمل على ثلاث مراحل. المرحلة الابتدائية – ومدتها خمس سنوات. المرحلة الثانوية - ومدتها خمس سنوات. المرحلة العالية - ومدتها خمس سنوات. وبها مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم. في جامعة العلوم الإسلامية: وبعد أن انتهينا من زيارة دار العلوم ذهبنا إلى جامعة العلوم الإسلامية التي أسسها الشيخ محمد يوسف البنوري، إذ كنا على موعد مع الأخ عبد الرزاق إسكندر الذي يعمل في نفس الجامعة المذكورة، وعند بابها ودعنا الشيخ مفتي رشيد أحمد الذي عاد إلى منزله. استقبلنا الأخ عبد الرزاق، وكانت الصلاة قد أقيمت فصلينا معهم الظهر في المسجد الموجود بداخل المدرسة وهو جامع كبير. وبعد الصلاة أطلعنا الأخ عبد الرزاق على أقسام الدراسة بالجامعة فقال: يوجد بها القسم الإعدادي، ومدته ثلاث سنوات. والقسم الثانوي، ومدته ثلاث سنوات. والقسم العالي، ومدته أربع سنوات. وقسم التخصص في ثلاث شعب، هي: الحديث، والفقه الإسلامي، والدعوة والإرشاد، ومدته سنتان في كل شعبة وأن في الجامعة طلبة وافدين من خارج باكستان من نحو خمس وعشرين دولة من دول أوربا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وكندا.

стр. 10741

وتجولنا في مباني الجامعة، المشتملة على فصول الدراسة والمسجد وسكن الطلبة المغتربين والمكتبة، ودار الإفتاء ودار التصنيف. كما ذكر الأخ عبد الرزاق أن للجامعة مشاريع جديدة منها مساكن لأساتذة الجامعة وموظفيها. ثم قدم لنا طعام الغداء في نفس الجامعة، وودعناهم بعد ذلك وذهبنا إلى مطار كراتشي، للسفر إلى لاهور. وباطلاعنا على دار العلوم، وجامعة العلوم الإسلامية رأينا تلك الجهود الجبارة التي يقوم بها المسلمون دون أي عون يأتي من الحكومات، بل يقومون بجهود يحاربها بعض الحكام وهذا يدل على الرغبة الشديدة عند الأهالي لنشر العلوم الإسلامية وتعليم أبنائهم. والواجب على المسلمين أن يكونوا مستعدين دائما للبذل والتضحية في سبيل نشر العلم الإسلامي وإقامة المساجد والمؤسسات الإسلامية سواء حصلت إعانات من حكام تلك الشعوب لتلك المؤسسات أم معارضات. وعلى تبرعات الأهالي تقوم المؤسسات الإسلامية في الهند والباكستان وغيرها من العالم، من مساجد ومدارس وجامعات ومستشفيات وغيرها. من كراتشي إلى لاهور: ذهبنا إلى مطار كراتشي، ومعنا التذاكر التي تم الحجر عليها إلى لاهور ثم من لاهور إلى كراتشي، وعندما وصلنا إلى المطار، نظرت الموظفة في التذاكر وقالت لم يحجز إلا لواحد منكم، قلنا كيف؟ قالت هكذا، وواحد منكم ينتظر وبعد ربع ساعة راجعها الأخ خليق فقالت: لا يوجد مقعد لأحد منهما ولم يتم الحجز، وتأثر الأخ خليق وذهب ليشكو إلى صديق له في المطار ولكن الموظفة بعد قليل أخذت التذاكر وأعطتنا بطاقتي الدخول. وهكذا في خلال ساعة تقريبا حصلت هذه التناقضات. وكان إقلاع الطائرة من مطار كراتشي في الساعة الخامسة والدقيقة العشرين كما كان هبوطها في مطار لاهور في الساعة السادسة والدقيقة الخامسة والأربعين من مساء يوم الثلاثاء المذكور. في المنصورة:

стр. 10742

وكان في استقبالنا الأخ فيض الرحمن الذي انتدب لاستقبالنا من قبل الجماعة الإسلامية بسيارة خاصة، واصطحبنا معه إلى مدينة المنصورة الخاصة بالجماعة والتي تحتوي على دار للضيافة ضمن مبانيها تتكون من دورين، وهي -درا الضيافة- شبيهة بفندق صغير، وكان في استقبالنا الأخ الأستاذ خليل الحامدي مدير دار العروبة، وهي إدارة مختصة بما يتعلق باللغة العربية ترجمة وتأليفا وغير ذلك. وقد هيئوا لنا حجرة خاصة نزلنا بها فشعرنا بالارتياح ونحن ننزل بين إخوة أحبة في الله واسترحنا من أجواء الفنادق التي سئمنا النزول بها. وبعد قليل من نزولنا جاء إلينا الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة وبعض أعضاء الجماعة فرحبوا بنا وأظهروا سرورهم لزيارتهم فشكرناهم على حسن الضيافة والاستقبال. وبعد أن قدم لنا طعام العشاء، صلينا العشاء ثم نمنا إلى الصباح. وفي يوم الأربعاء ٢٨/٨/٩٨ بعد صلاة الفجر بقليل جاء إلينا الأخ خليل الحامدي وقدم طعام الإفطار والشاي، ثم أخذنا الأخ خليل الحامدي لزيارة المدينة التي تشتمل على مباني سكنية لعوائل العاملين المتفرعين من الجماعة، وعلى رأسهم أمير الجماعة، ومكاتب إدارية، ومسجد كبير، بجواره مسجد صغير للنساء، فصل عن مسجد الرجال بجميع مرافقه ولكنه وضع ليكون صالحا لتصلي فيه النساء صلاة الجماعة مع الرجال، وفي الدور الأعلى في المسجد خصص ليكون معهدا يوضع له منهج يخرج المسلم الذي يجمع بين علم السلف والعلوم الجديدة. وعندهم مشروعات للمستقبل جيدة، ولكنهم يسيرون خطوة خطوة في التنفيذ حسب استطاعتهم. مع أمير الجماعة الإسلامية:

стр. 10743

ثم زرنا الأستاذ طفيل أمير الجماعة الذي كان في انتظارنا في مكتبه وشرح لنا منهاج الجماعة الإسلامية في العمل والأوضاع الحالية في الباكستان وطلب منا أن ندعو للباكستان بأن يبلغها الله غايتها التي انفصلت عن الهند من أجلها وهي تطبيق الإسلام، وأثنى آنذاك على الجنرال ضياء الحق وذكر أنه يريد تطبيق الإسلام في الباكستان، كما يظهر من حاله وأعماله، والله سبحانه المسئول أن يذلل الصعاب التي تعترضه في ذلك. وكان قد ضرب لنا موعدا مع الأستاذ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة سابقاً، وحدد الموعد بعد صلاة العصر من هذا اليوم عدنا بعد ذلك إلى مقر نزولنا. زيارة الأستاذ المودودي:

стр. 10744

وبعد أن صلينا الظهر وتناولنا طعام الغداء، وكان معنا الأستاذ خليل الحامدي، نمنا إلى أن أذن صلاة العصر، صلينا العصر في مسجد الجماعة ثم ذهبنا لزيارة الأستاذ المودودي في داخل المدينة وكان وصولنا إلى منزله في تمام الساعة السادسة مساء، وكان عنده بعض الزوار، ولم ننتظر في غرفة الانتظار إلا دقيقتين تقريبا فخرج الذين كانوا عنده فدخلنا نحن إلى الغرفة الصغيرة التي انطلقت منها صيحات إنذار الأستاذ المودودي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وفيها ربى رجاله الذين رأى فيهم ثمار تربيته في حياته. لم أكن قد رأيت الأستاذ المودودي شخصيا على رغم أنه زار الحجاز وزار المدينة المنورة وأنا موجود فيها عندما كنت طالبا بالجامعة الإسلامية في كلية الشريعة بها التي هي أول كلية أنشئت بالجامعة الإسلامية، لأني في تلك الفترة لم أكن قد قرأت كتب المودودي بإمعان، وإن كنت مررت مرورا سريعا ببعضها ولكن بعد ذلك قرأت غالب كتبه فرأيت فيها عمق التفكير وتشريح الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وبيان الجذور التي أثمرت هذا الواقع داخلية كانت أم خارجية، ثم الدعوة إلى تغيير هذا الواقع الأليم بأسلوب الإسلام في الدعوة والتربية والتكوين وإقامة راية الإسلام بإقامة نظامه الذي طبقه رسول الله ﷺ وأصحابه ومن سار بعدهم على هديهم. كما سمعت عن المودودي أنه يطبق ما يدعو إليه فعلا فتعرض للمخاطر والمضايقات والسجون والمعتقلات وهو واقف كالجبل الأشم الذي لا تحركه عواصف الامتحان والابتلاء من قبل قوم أذاقوا المسلمين وبالا وشعوبهم فناء، كل ذلك جعلني أشتاق للقاء عملاق الفكر الإسلامي الذي أنجب أمة عاهدته على السير في طريقه الذي هو طريق الرسول ﷺ ألا وهو الدعوة إلى الله على بصيرة مع الصبر على الأذى مهما كان ذلك الأذى.

стр. 10745

دخلنا غرفة الأستاذ المودودي، وهو يقعد على كرسي عادي، بجانبه بعض الكراسي المشابهة للزوار، فسلمنا عليه ورحب بنا، وجعلت أحييه وأنا أنظر إلى هذه الغرفة التي ملئت بالمصادر الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية والأردية وعن يساره من الجهة الشرقية الشمالية من الغرفة يوجد الباب الذي يدخل منه ويخرج إلى غرفة نومه ومنها إلى هذه الحجرة وعندما سألناه عن حاله أجاب بقوله: الحمد لله، اشتدت علي الآلام من مدة سبعة شهور حيث أشعر بأنني مشلول النصف الأسفل، وعمر الرجل خمس وسبعون سنة، كان أغلبها في جهاد وكفاح مريرين ولا زال الرجل يجاهد ويكافح. إذ يقضي ثماني عشرة ساعة يوميا في العمل كما أفادنا الأستاذ خليل الحامدي. وكانت عندي بعض الأسئلة تتعلق بنقد بعض العلماء في الباكستان للمودودي كنت أود أن أسأله عنها ولكنه في تلك الحال لا يتحمل كثرة النقاش وإطالة الكلام، وكان يتكلم معنا باللغة العربية وإن كان فيها ثقل فهي مفهومة، وسئل الأستاذ المودودي أن يقدم نصيحة لنا وللمسلمين فلم يزد على وصية الله للأولين والآخرين: وهي تقوى الله وخشيته في السر والعلانية. وتخفيفاً عن الرجل استأذنا لندعه يستريح فأذن لنا ودعا لنا بخير وبعد أن خرجنا وأردنا أن نركب في السيارة جاءنا مدير مكتبه الخاص الذي لم يكن موجودا من قبل يطلب منا الرجوع إلى غرفة الاستقبال لنتناول الشاي أو البارد، وكان ذلك بطلب من الأستاذ المودودي، والذي قال لمدير مكتبه اعتذر لي منهم لخروجهم من عندي قبل أن يتناولوا شيئا ولابد أن يقدم لهم شيء، فحققنا رغبة الأستاذ ثم خرجنا.

стр. 10746

وسألت الأستاذ خليل الحامدي عن الدار التي يسكن فيها الأستاذ المودودي بأسرته أهي ملك له أم مستأجرة؟ فأجاب عندما انفصلت الباكستان عن الهند أقام أعضاء الجماعة الإسلامية المخيمات في مدينة لاهور، ثم استأجرت الجماعة هذه الدار منذ ثلاثين سنة، وأخذ الأستاذ المودودي شقة منها لأسرته وكان يعطي الجماعة أجرتها سنويا، وعندما ارتفعت الأسعار كان هو يزيد باستمرار، ويقول: كما يزيد الناس في الأجرة فأنا يجب أن أزيد. وفي عام ١٩٧٣ اشترى المنزل فأصبح ملكا له، بعد أن اشترى للجماعة الأرض التي أقيمت عليها مدينة المنصورة حاليا. وقد تنازل الأستاذ المودودي عن إمارة الجماعة بصفة رسمية ولكن الجماعة لازالت تتجمع حوله كما يتجمع خلايا النحل على يعسوبها يستشيرونه في أمورهم المهمة، وهو ينصح ويشير [١] . وفي طريقنا إلى المنصورة تعطلت بنا السيارة، فاستأجرت سيارة لإيصالنا، وعندما ركبنا نزل السائق وهو شيخ كبير السن مثل سيارته فأخذ يغلق الأبواب بقوة ليطمئن أنها أغلقت، والظاهر أنها لا تغلق إلا بمثل تلك القوة، لأنها مصلبة، كبقية هيكلها وأخذت ترتفع منها أصوات ضربات حديدها بعضه ببعض، وعندما أظلم الليل سألناه إن كان عنده نور فمال بسيارته إلى جانب الطريق ونزل منها ففتح غطاء الماكينة وأشعل النور من هناك بسبب عدم اتصال النور بالزر الذي عنده في داخل السيارة. وهنا تواردت الذكريات السودانية على الزميل الدكتور محمد بيلو فقال: كأننا في السودان، ثم شرح ذلك بحالة السيارات في السودان بأنها لا تختلف عن هذه، ولقد وصلنا إلى مدينة المنصورة في تلك السيارة والحمد لله. وفي صباح يوم الخميس الموافق ٢٩/٨/١٣٩٨هـ. بعد أن تناولنا طعام الإفطار تم اللقاء مرة أخرى بالأستاذ خليل الحامدي الذي زودنا ببعض مؤلفات الأستاذ المودودي. نبذة موجزة عن حياة المودودي

стр. 10747

١- ولادته: ولد بمدينة أورنك آباد في ولاية حيدر آباد في أسرة هندية فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم. ٢- تعليمه: التحق بمدرسة دينية في سن الحادية عشرة، وقد كان والده على ثقافة عالية. رفض هذا الوالد أن يرسل أولاده إلى المدارس الإنجليزية ومنهم المودودي، ولم يتمكن المودودي من إكمال تعليمه وحصل على الشهادة الثانوية فقط ذلك لتدهور صحة والده بسبب إصابته بالشلل فانصرف إلى خدمة والده وتعلم منه في المنزل اللغات الأردية والعربية والفارسية والإنجليزية، ولم تطل حياة هذا الأب الفاضل فافتقده المودودي في يفاعه وهو في السادسة عشرة من عمره.

стр. 10748

٣- أهم أعماله: تولى منصب رياسة التحرير في كبريات صحف الهند مثل "تاج"و "مسلم"وصحيفة الجمعية في دلهي، ثم أصدر مجلته الشهيرة بترجمان القرآن عام ١٩٢٣م، وقدم على صفحاتها تصوراً واضحاً للإسلام ولكنه خطا خطوات أعظم آثاراً في ميدان العمل الإسلامي بإيجاد تجمع حركي يتمثل هذا التصور الواضح للإسلام في حياته الواقعية وأول خطوة خطاها في هذا السبيل إنشاءه "دار السلام"عام ١٩٣٨م بدأت هذه الدار بأربعة رجال شاركوه في تبني الفكرة وأخذ العدد يتزايد يوماً بعد يوم مما شكل خطراً على المودودي نفسه وبدأت حملات مكثفة للنيل منه شأن كل داعية يكون له أثر في دنيا الناس كما أرجف به المرجفون وجسموا له المخاطر التي ستحيق به إن هو واصل السير في هذا الميدان الإسلامي فقال قولته الشهيرة الفياضة بروح اليقين والثقة بالله قال: "وهل خفي عني كل ذلك عندما أقدمت، لقد أعددت للشدة يقينا وللمعوقات دينا، وللظلم صبرا، وللسجون قرآنا وذكرا وللمشانق "وعجلت إليك ربي لترضى"هذا اليقين والإيمان هو الذي يقف في وجه الطغيان المائج الهائج ولا يقدر على ذلك من لا يملك هذه الروح وهذا الإيمان والتجارب أمامنا أكبر برهان. تعرض المودودي للسجون واعتبرته السلطات الحاكمة خطراً عليها فشددت الرقابة عليه وزجوا به في السجن في أكتوبر عام ١٩٤٨م وأطلق سراحه في ٢٨ من مايو سنة ١٩٥٠م ثم قبض عليه في ٢٨ من شهر مارس عام ١٩٥٣م عندما كتب كتابه "المسألة القاديانية"ثم أطلق سراحه في ٧ من مايو في نفس السنة ثم اعتقل مرة أخرى في العام نفسه وقدم إلى محكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام شنقا، وحين سمع المودودي الحكم وقف في ملابس الإعدام وخاطب ابنه قائلا "لا تضطرب يا بني.. لو ناداني ربي إلى جواره وحانت لحظات اللقاء فعلى الإنسان أن يذهب للقاء ربه مسروراً وإذا لم يصدر حكمه في هذا الأمر فلن يشنقوا لي إصبعاً واحداً رغم كل من شنقوهم من قبل". واهتز العالم الإسلامي لنبأ

стр. 10749

هذا الحكم وانهالت برقيات الاحتجاج وتدخلت حكومة المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت فخفف الحكم إلى السجن المؤبد وحين طلب منه أن يلتمس العفو رفض في عزة المؤمن بالله قائلاً: "إن تعليقي على حبل المشنقة أهون عليّ من أن أطلب العفو من أناس يعرفون جيداً ما هي التهمة الموجهة ضدي"وفي هذا السجن أكمل تفسيره الشهير "بتفهيم القرآن"في سبعة مجلدات وفي سنة ١٩٥٥م صدر حكم بالإفراج عنه وعن زملائه ثم في عام ١٩٦٧م أعتقل مرة أخرى لمدة شهرين ثم أطلق سراحه، هكذا كانت حياة المودودي سلسلة متصلة الحلقات من الكفاح الطويل والنضال المرير وألف مجموعة من الكتب الفكرية هدف منها إلى تنقيح الأفكار وغربلة الدعوات ومعالجة المشكلات في الاقتصاد والاجتماع والتربية والسياسة كما هدف إلى إفراغ التعاليم الإسلامية في قالب عصري يلائم مدارك أهل العصر وأذواقهم مع الاحتفاظ بالأصالة الإسلامية التي لا تميع فيها ولا جمود وقد كشف النقاب عن عورات زنادقة هذا العصر والمحرفين والقاديانيين وفند مزاعم منكري حجية السنة وانتقد جمود بعض علماء المسلمين وزيف أباطيل المتصوفة المنحرفين عن منهج الكتاب والسنة ومعظم تراث هذا الداعية باللغة الأردية لم يترجم منه إلى العربية إلا النزر اليسير.

стр. 10750

عاش المودودي حياته كلها وهو يسعى لتحقيق قيام الإسلام ليحكم حياة الناس واتخد لذلك أساليب شتى جديرة بالدراسة الجادة للاستفادة منها فأفكار هؤلاء المفكرين ليست هي النهاية في التصور الإسلامي الواعي ولكنها منافذ معرفة وفكر يدخل منها الجيل الإسلامي المنشود ليشيد البناء وليتمم العمل وليكمل النقص أما الوقوف عند هذه الأفكار واعتبارها النهاية القصوى في المعرفة والفكر فذلك لا يعدو أن يكون تقليداً أعمى على غرار التقليد المذهبي المتعصب الجامد الذي أمات روح الابتكار ووقف بالمد الإسلامي عند اجترار أفكار من سبق فكانت كارثة عظيمة لا تخفى نتائجها في كل الظواهر فعسى أن لا تتكرر المأساة مع العاملين في الحقل الإسلامي وأن يأخذوا العبرة ويطوروا من أساليب العمل للإسلام. نال المودودي الرضى في جميع الأوساط الإسلامية، ونهل الشباب والعلماء من بحر أفكاره ولا تزال كتبه ورسائله ومحاضراته معيناً فكرياً غزيراً، وقد توجته المملكة العربية السعودية بجائزة الملك فيصل العالمية تكريماً منها له على جهوده العظيمة في مجال الجهاد والفكر والعمل الإسلامي في شتى المجالات وفي يوم السبت الثاني والعشرين من سبتمبر عام ١٩٧٩م توفى المودودي بعد أن خلف تركة ضخمة في خدمة ميراث النبوة جزاه الله عن كل ما قدم ما يجزي عباده الصادقين ورزق الله المسلمين خير خلف لخير سلف وإنا لله وإنا إليه راجعون. جامعة إسلامية بكوريا الجنوبية قرر اتحاد المسلمين الكوريين إنشاء جامعة إسلامية في كوريا الجنوبية وذلك من أجل تجميع الأنشطة الدينية في البلاد لمواجهة الدعاية الخبيثة التي ينشرها أعداء الإسلام من صليبيين وشيوعيين وصهيونيين ومذاهب هدامة، لما لمثل هذه الجامعة من دور فعال ونبيل في بناء الفرد وبلورة أفكار المجتمع في إطار إسلامي.
следующие страницы →