← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

وسألت الأستاذ خليل الحامدي عن الدار التي يسكن فيها الأستاذ المودودي بأسرته أهي ملك له أم مستأجرة؟ فأجاب عندما انفصلت الباكستان عن الهند أقام أعضاء الجماعة الإسلامية المخيمات في مدينة لاهور، ثم استأجرت الجماعة هذه الدار منذ ثلاثين سنة، وأخذ الأستاذ المودودي شقة منها لأسرته وكان يعطي الجماعة أجرتها سنويا، وعندما ارتفعت الأسعار كان هو يزيد باستمرار، ويقول: كما يزيد الناس في الأجرة فأنا يجب أن أزيد. وفي عام ١٩٧٣ اشترى المنزل فأصبح ملكا له، بعد أن اشترى للجماعة الأرض التي أقيمت عليها مدينة المنصورة حاليا. وقد تنازل الأستاذ المودودي عن إمارة الجماعة بصفة رسمية ولكن الجماعة لازالت تتجمع حوله كما يتجمع خلايا النحل على يعسوبها يستشيرونه في أمورهم المهمة، وهو ينصح ويشير [١] . وفي طريقنا إلى المنصورة تعطلت بنا السيارة، فاستأجرت سيارة لإيصالنا، وعندما ركبنا نزل السائق وهو شيخ كبير السن مثل سيارته فأخذ يغلق الأبواب بقوة ليطمئن أنها أغلقت، والظاهر أنها لا تغلق إلا بمثل تلك القوة، لأنها مصلبة، كبقية هيكلها وأخذت ترتفع منها أصوات ضربات حديدها بعضه ببعض، وعندما أظلم الليل سألناه إن كان عنده نور فمال بسيارته إلى جانب الطريق ونزل منها ففتح غطاء الماكينة وأشعل النور من هناك بسبب عدم اتصال النور بالزر الذي عنده في داخل السيارة. وهنا تواردت الذكريات السودانية على الزميل الدكتور محمد بيلو فقال: كأننا في السودان، ثم شرح ذلك بحالة السيارات في السودان بأنها لا تختلف عن هذه، ولقد وصلنا إلى مدينة المنصورة في تلك السيارة والحمد لله. وفي صباح يوم الخميس الموافق ٢٩/٨/١٣٩٨هـ. بعد أن تناولنا طعام الإفطار تم اللقاء مرة أخرى بالأستاذ خليل الحامدي الذي زودنا ببعض مؤلفات الأستاذ المودودي. نبذة موجزة عن حياة المودودي

стр. 10747

١- ولادته: ولد بمدينة أورنك آباد في ولاية حيدر آباد في أسرة هندية فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم. ٢- تعليمه: التحق بمدرسة دينية في سن الحادية عشرة، وقد كان والده على ثقافة عالية. رفض هذا الوالد أن يرسل أولاده إلى المدارس الإنجليزية ومنهم المودودي، ولم يتمكن المودودي من إكمال تعليمه وحصل على الشهادة الثانوية فقط ذلك لتدهور صحة والده بسبب إصابته بالشلل فانصرف إلى خدمة والده وتعلم منه في المنزل اللغات الأردية والعربية والفارسية والإنجليزية، ولم تطل حياة هذا الأب الفاضل فافتقده المودودي في يفاعه وهو في السادسة عشرة من عمره.

стр. 10748

٣- أهم أعماله: تولى منصب رياسة التحرير في كبريات صحف الهند مثل "تاج"و "مسلم"وصحيفة الجمعية في دلهي، ثم أصدر مجلته الشهيرة بترجمان القرآن عام ١٩٢٣م، وقدم على صفحاتها تصوراً واضحاً للإسلام ولكنه خطا خطوات أعظم آثاراً في ميدان العمل الإسلامي بإيجاد تجمع حركي يتمثل هذا التصور الواضح للإسلام في حياته الواقعية وأول خطوة خطاها في هذا السبيل إنشاءه "دار السلام"عام ١٩٣٨م بدأت هذه الدار بأربعة رجال شاركوه في تبني الفكرة وأخذ العدد يتزايد يوماً بعد يوم مما شكل خطراً على المودودي نفسه وبدأت حملات مكثفة للنيل منه شأن كل داعية يكون له أثر في دنيا الناس كما أرجف به المرجفون وجسموا له المخاطر التي ستحيق به إن هو واصل السير في هذا الميدان الإسلامي فقال قولته الشهيرة الفياضة بروح اليقين والثقة بالله قال: "وهل خفي عني كل ذلك عندما أقدمت، لقد أعددت للشدة يقينا وللمعوقات دينا، وللظلم صبرا، وللسجون قرآنا وذكرا وللمشانق "وعجلت إليك ربي لترضى"هذا اليقين والإيمان هو الذي يقف في وجه الطغيان المائج الهائج ولا يقدر على ذلك من لا يملك هذه الروح وهذا الإيمان والتجارب أمامنا أكبر برهان. تعرض المودودي للسجون واعتبرته السلطات الحاكمة خطراً عليها فشددت الرقابة عليه وزجوا به في السجن في أكتوبر عام ١٩٤٨م وأطلق سراحه في ٢٨ من مايو سنة ١٩٥٠م ثم قبض عليه في ٢٨ من شهر مارس عام ١٩٥٣م عندما كتب كتابه "المسألة القاديانية"ثم أطلق سراحه في ٧ من مايو في نفس السنة ثم اعتقل مرة أخرى في العام نفسه وقدم إلى محكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام شنقا، وحين سمع المودودي الحكم وقف في ملابس الإعدام وخاطب ابنه قائلا "لا تضطرب يا بني.. لو ناداني ربي إلى جواره وحانت لحظات اللقاء فعلى الإنسان أن يذهب للقاء ربه مسروراً وإذا لم يصدر حكمه في هذا الأمر فلن يشنقوا لي إصبعاً واحداً رغم كل من شنقوهم من قبل". واهتز العالم الإسلامي لنبأ

стр. 10749

هذا الحكم وانهالت برقيات الاحتجاج وتدخلت حكومة المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت فخفف الحكم إلى السجن المؤبد وحين طلب منه أن يلتمس العفو رفض في عزة المؤمن بالله قائلاً: "إن تعليقي على حبل المشنقة أهون عليّ من أن أطلب العفو من أناس يعرفون جيداً ما هي التهمة الموجهة ضدي"وفي هذا السجن أكمل تفسيره الشهير "بتفهيم القرآن"في سبعة مجلدات وفي سنة ١٩٥٥م صدر حكم بالإفراج عنه وعن زملائه ثم في عام ١٩٦٧م أعتقل مرة أخرى لمدة شهرين ثم أطلق سراحه، هكذا كانت حياة المودودي سلسلة متصلة الحلقات من الكفاح الطويل والنضال المرير وألف مجموعة من الكتب الفكرية هدف منها إلى تنقيح الأفكار وغربلة الدعوات ومعالجة المشكلات في الاقتصاد والاجتماع والتربية والسياسة كما هدف إلى إفراغ التعاليم الإسلامية في قالب عصري يلائم مدارك أهل العصر وأذواقهم مع الاحتفاظ بالأصالة الإسلامية التي لا تميع فيها ولا جمود وقد كشف النقاب عن عورات زنادقة هذا العصر والمحرفين والقاديانيين وفند مزاعم منكري حجية السنة وانتقد جمود بعض علماء المسلمين وزيف أباطيل المتصوفة المنحرفين عن منهج الكتاب والسنة ومعظم تراث هذا الداعية باللغة الأردية لم يترجم منه إلى العربية إلا النزر اليسير.

стр. 10750

عاش المودودي حياته كلها وهو يسعى لتحقيق قيام الإسلام ليحكم حياة الناس واتخد لذلك أساليب شتى جديرة بالدراسة الجادة للاستفادة منها فأفكار هؤلاء المفكرين ليست هي النهاية في التصور الإسلامي الواعي ولكنها منافذ معرفة وفكر يدخل منها الجيل الإسلامي المنشود ليشيد البناء وليتمم العمل وليكمل النقص أما الوقوف عند هذه الأفكار واعتبارها النهاية القصوى في المعرفة والفكر فذلك لا يعدو أن يكون تقليداً أعمى على غرار التقليد المذهبي المتعصب الجامد الذي أمات روح الابتكار ووقف بالمد الإسلامي عند اجترار أفكار من سبق فكانت كارثة عظيمة لا تخفى نتائجها في كل الظواهر فعسى أن لا تتكرر المأساة مع العاملين في الحقل الإسلامي وأن يأخذوا العبرة ويطوروا من أساليب العمل للإسلام. نال المودودي الرضى في جميع الأوساط الإسلامية، ونهل الشباب والعلماء من بحر أفكاره ولا تزال كتبه ورسائله ومحاضراته معيناً فكرياً غزيراً، وقد توجته المملكة العربية السعودية بجائزة الملك فيصل العالمية تكريماً منها له على جهوده العظيمة في مجال الجهاد والفكر والعمل الإسلامي في شتى المجالات وفي يوم السبت الثاني والعشرين من سبتمبر عام ١٩٧٩م توفى المودودي بعد أن خلف تركة ضخمة في خدمة ميراث النبوة جزاه الله عن كل ما قدم ما يجزي عباده الصادقين ورزق الله المسلمين خير خلف لخير سلف وإنا لله وإنا إليه راجعون. جامعة إسلامية بكوريا الجنوبية قرر اتحاد المسلمين الكوريين إنشاء جامعة إسلامية في كوريا الجنوبية وذلك من أجل تجميع الأنشطة الدينية في البلاد لمواجهة الدعاية الخبيثة التي ينشرها أعداء الإسلام من صليبيين وشيوعيين وصهيونيين ومذاهب هدامة، لما لمثل هذه الجامعة من دور فعال ونبيل في بناء الفرد وبلورة أفكار المجتمع في إطار إسلامي.

стр. 10751

والجدير بالذكر أن في كوريا الجنوبية مع صغر حجمها ما لا يقل عن مائة جامعة تمتلكها الإرساليات المسيحية والبوذية. وستضم الجامعة الإسلامية إن شاء الله تعالى خمس عشرة كلية موزعة على أربعة أقسام تضم مجموعة من الكليات منها كلية الشريعة وكلية الدراسات المقارنة بين الأديان وكلية التاريخ الإسلامي وكلية اللغة العربية. وتشكل لجان خاصة من المختصين الأساتذة لوضع المناهج لهذه الكليات. هذا وقد تبرعت الحكومة الكورية بقطعة من الأرض مساحتها أربعمائة وثلاثون ألف متر مربع بالقرب من سيول العاصمة لإقامة الجامعة الإسلامية عليها مع العلم بأن شركة سن للتعمير والهندسة في سيول قد قامت بإعداد الخرائط والرسوم من أجل البدء في تنفيذ هذا المشروع الذي دخل في دور التنفيذ وقد حددت المرحلة الأولى منه زمنيا بسنتين. والجدير بالذكر أن المسلمين في كوريا الجنوبية كانوا قد قاموا ببناء مركز إسلامي ومسجد جامع في العاصمة سيول.. ولا شك أن هذه الجامعة سوف تؤدي خدمة كبيرة للمسلمين وللثقافة الإسلامية في المنطقة. "الرأي الهندية -------------------------------------------------------------------------------- [١] ولقد نقل إلينا نبأ وفاة مجدد القرن الرابع عشر الهجري عملاق الفكر الإسلامي المجاهد في سبيل الله العلامة الشيخ أبي الأعلى المودودي ﵀ في يوم ٢٢ سبتمبر ١٩٧٩م. حيث وافته المنية في إحدى مستشفيات نيويورك. وقد نقل جثمانه بعد ذلك بثلاثة أيام حيث صلى عليه في كراتشي وإسلام آباد ما يقارب مليوناً من المسلمين. وقد هز نبأ وفاته العالم الإسلامي كله. وقد وجهت خطاب تعزية لأمير الجماعة الإسلامية الأستاذ طفيل محمد، بعد سماع نبأ وفاته كما أنشأت قصيدة في رثائه ﵀ بعنوان: "غوثاه"وقد نشرت في العدد الأول من السنة الثانية عشرة من هذه المجلة.

стр. 10752

وقد كانت وفاته في وقت إعدادي هذه المذكرات للطبع. ﵀ رحمة واسعة.

стр. 10753

من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء س (١) : هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحاً لكل إنسان، أو هناك شروط لابد أن تتوفر في المجتهد، وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه دون معرفته بالدليل الواضح، وما درجة الحديث القائل "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" أو ما في معناه؟ والجواب: باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحاً لمن كان أهلاً لذلك بأن يكون عالماً بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها من الآيات والأحاديث قادراً على فهمهما والاستدلال بهما على مطلوبه، عالماً بدرجة ما يستدل به من الأحاديث وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفاً من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص ليتأتى له الاستدلال بها والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي ثم بأقوال أهل العلم ونظرهم في الأدلة وطريقتهم في الاستدلال بها والاستنباط، ثم يتكلم أو يفتي بما اقتنع به ورضيه لنفسه ديناً. أما حديث "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" فقد رواه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في سننه عن عبد الله بن أبي جعفر المصري مرسلاً، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم. س (٢) : هل يجوز استعمال العطورات ومزيل رائحة الإبط ومعجون الأسنان والايسكريم والشامبو لاحتوائها على الكحول، والصابون الذي فيه دهن الخنزير، وهل الخمر نجسة كنجسة البول، واللحم إذا اختلط بدهن أو دم الخنزير ولو بنسبة بسيطة جداً والجبن؟

стр. 10754

والجواب: الأصل في الأشياء الحل والطهارة فلا يجوز أن يحكم الشخص على شيء بأنه محرم ونجس إلا بدليل شرعي، ومتى تيقنت وغلب على ظنك اختلاط اللحم المباح بدهن أو دم خنزير وكذلك الجبن إذا خلط بدهن أو دم خنزير فلا يجوز لك تناوله، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على تحريم لحم الخنزير وأجمع العلماء على أن شحمه له حكم اللحم، أما إذا كنت لا تعلم فيجوز الأكل منه لما سبق من أن الأصل في الأشياء الحل حتى يقوم دليل على التحريم. والعطورات ونحوها التي مزجت بها الكحول حتى بلغت بها مبلغ الإسكار القول بنجاستها وطهارتها مبني على القول بنجاسة الخمر وطهارتها، والجمهور على القول بنجاستها، وعليه فينبغي تجنبها إذا بلغت مبلغ الإسكار بسب ما خلط بها من الكحول، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. س (٣) : هل يجوز استعمال العادة السرية؟ والجواب: الصحيح من أقوال العلماء في الاستمناء باليد المعروف بالعادة السرية التحريم، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ﴾ فأثنى ، على من حفظ فرجه، فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أمته، وحكم بأن من قضى وطره فيما وراء ذلك أيا كان فهو عاد متجاوز لما أحله الله له، ويدخل في عموم ذلك الاستمناء باليد "العادة السرية"، ولأن في استعمال ذلك مضارا كثيرة، وله عواقب وخيمة، منها إنهاك القوى وضعف الأعصاب، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنع ما يضر بالإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 10755

القلب وعظمة الخالق للدكتور إسماعيل صبحي حافظ طبيب عام وأمراض باطنية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد: فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر/ ٤٩، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ لقمان/ ١١، وقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات/ ٢١. ألا تبصر أيها الإنسان في نفسك التي بين جنبيك، وتتأمل عظمة الخالق في جسدك ولحمك ودمك وأعضائك، فترى العجب العجاب، ترى خلق الله في توازن وتناسق وتكامل، كل له دور يؤديه، وعملٌ يقومُ به على أكمل وجه، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون/ ١٤. وإذا تبَصَّرت وأبْصَرت، وخاصة إذا كنت من فئة الأطباء، ترى كيف صنع الخالق هذا الجسم البشري من نطفة ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ ثم خلق النطفة عظاماً، ثم كسا العظام لحما، وجعل أجهزة كل يؤدي وظيفته بإحكام وإتقان. تبَصَّر أيها الإنسان في جوف صدرك، تجد جرماً صغيراً، آية في الخلق والإبداع، آية في التخطيط والتصميم، ترى قلبا حوى ما يخطر لك ببال، من غرف وقنوات، ووصلات اتصال، ومولد ذاتي، ومحرك كهربائي، وأسلاك كهربائية، تعمل بأمر العلي القدير، فستعجب وتقول في نفسك، يا عجبا لأمر هؤلاء الكفرة والملاحدة من بني الإنسان، لماذا هم عن الفهم مبعدون وفي أنفسهم لا يبصرون؟ وتقول في نفسك واعجباً من أمر أولئك الأطباء الذين تعلموا الطب في بلاد الغرب والشرق، بعد هذا يكفرون وقد تبين لهم أنه الحق، وأنه من صنع عليم حكيم، وأحسن كل شيء خلقه. عجبا للطبيب يلحد في الخا لق من بعد درسه التشريحا

стр. 10756

تأملْ وتبصرْ في نفسك أيها الإنسان، تجد قلبا عجيباً، تجد فيه مولداً، ومحركاً، ومنبهاً، وخزاناً، ومغذياً، إذا توقف توقفت الحياة. لذلك سأبحث هذا الموضوع على قدر جهدي البسيط، لعلي أوصل إلى قارئي بعض المعلومات المفيدة، لأن أعماقه تحتاج إلى مجلدات، تبحث وتمحص من قبل ذوي الاختصاص. وأصنف بحث الموضوع في ثلاث نقط، كما يلي: أولا: القلب الطبيعي أو المادي. ثانيا: العوامل المؤثرة في القلب. ثالثا: القلب المعنوي أو الروحي. أولا: القلب الطبيعي: (أ) لمحة تشريحية أو بنيوية: يتألف القلب من أربع غرف من الأذَيْنَة اليسرى والبُطَين الأيسر. والأذينة اليُمنى والبُطين الأيمن، والغرف اليسرى، تحوي الدم الأحمر القاني، واليمنى تحوي الدم الأسود القاتم. والقلب يتركب كذلك من طبقات: ١- غشاء خارجي يغلف القلب هو التأمور. ٢- وطبقة عضلية. ٣- وغشاء باطني، هو الشفاف الذي يغطي القلب من الباطن. ٤- وحجاب يفصل القلب الأيسر ذو الدم الأحمر القاني عن القلب الأيمن ذو الدم الأسود القاتم. ٥- وأوعية تصب في الأذينة اليسرى، وهي الأوردة الرئوية تحمل الدم الأحمر القاني المملوء بالأكسجين والمواد الغذائية. ٦- وأوعية تصب في الأذينة اليمنى وهي الوريد الأجوف العلوي والسفْلي، ويحملان الدم الأسود الممتلئ بثاني أوكسيد الفحم. ٧- وأوعية تنشأ في البطين الأيسر، وهو شريان الأبهر الذي يحمل الدم الأحمر القاني إلى كل جزء من الجسم، حتى القلب نفسه يأخذ منه بالأوعية الأكليلية، والشريان الرئوي الذي ينشأ من البطين الأيمن، ليذهب بالدم الأسود إلى الرئة فيتصفى هناك بالمبادلات الغازية.

стр. 10757

ويتألف القلب من مركز تنبيه، ومولد ذاتي هي العقدة الجيبية، وتوضع في جدار الأذينة وتسمى بصانع الخطى، تصل بواسطة سلك إلى العقدة الأذينية البطينية، ومنها سلك هو حزمة هيس، تتفرع إلى الغصن الأيسر والغصن الأيمن يتفرعان إلى أغصان بوركنج التي تتوزع في عضلات البطينين. (ب) لمحة فيزيولوجية آلية: كيف يعمل القلب ولماذا يعمل القلب؟ القلب خزانٌ يأتيه الدم النقي الأحمر الذي يحمل الأكسجين والمواد الغذائية بالأوردة الرئوية، بعد أن يكون قد أخذ الأكسجين بالمبادلات التنفسية، ثم يبقي في الأذينة اليسرى حتى ينفتح الصمام بينها وبين البطين الأيسر، أثناء راحة القلب من الانقباض، ثم ينقبض البطين الأيسر، فيخرج الدم الأحمر من الأبهر حيث يتوزع على جميع أنحاء الجسم، حاملاً الأكسجين والمواد الغذائية، الضرورية لجميع خلايا الحسم بدون استثناء، حتى خلايا القلب نفسه، فتأخذ خلايا الجسم ما تحتاجها من أوكسجين ومواد غذائية لتقوم بحياتها وتطوراتها التي قدرها الله تعالى، وتطرح الفضلات والمواد السامة في الدم العائد الأسود القاتم ضمن الأوردة، لتعود إلى الأذينة اليمنى، حيث تبقى فيها بنفس وقت خزن الأذينة اليسرى أثناء انقباض القلب، ثم يفتح الصمام الأيمن بين الأذينة اليمنى والبطين الأيمن أثناء راحة القلب من الانقباض، فيمتلئ البطين الأيمن، ثم ينقبض طارحاً الدم القاتم ضمن الشريان الرئوي ليذهب إلى الرئتين ليتصفى من المواد السامة، ويعود أحمر نقياً. هذا يحدث في كل نبضة من نبضات القلب، أي بمعدل (٨٠) مرة في الدقيقة. كيف ينقبض القلب:

стр. 10758

إن في القلب عقدة صغيرة في جدار الأذينة هي العقدة الجيبية، أودعها الله سراً ذاتيا بأن تكون مبدأ التنبيه، أو نقطة الانطلاق التي تخرج منها التنبيهات بمعدل (٨٠) مرة في الدقيقة، ولكن قد يتغير عددها حسب حالات كثيرة، ثم ينتقل التنبيه ضمن الحزمة الأذينة البطينية، ثم إلى محطة أخرى هي العقدة الأذينية البطينية، ثم إلى حزمة هيس فالغصنين، ثم أغصان بوركنج، فينقبض القلب الممتلئ بالدم إلى أماكنه المخصصة لها، ليعود بالأوردة إلى القلب من جديد. وهكذا في دوران مستمر، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. والعبرة ليست في عملياته المتلاحقة، وإنما في هذه العقدة الصغيرة، التي أسكنها نظما ذاتيا بقدرته لتطلق هذه التنبيهات، فتحدث هذه المراحل، ولو أمرها الله بالتوقف لوقفت الحياة، فكيف تكفر بعد هذا يا أيها الإنسان الجحود؟ أفلا تبصر قلبك لترى هذا العضو الصغير الذي خلقه الله تعالى بقدرته، وقال له منذ أن ظهرت الحياة على ظهر الأرض، أطلق تنبيهاتك بأمرنا، حتى قدرك المحتوم، وعندها نقول لك كُفَّ عن التنبيه فقد حان الأجل المحتوم تباركت يا رب في عليائك وسمائك، كم أنت عظيم في خلقك ما أعظمك. فكيف لا تبصر أيها الإنسان وتفكر، وتتدبر في هذا الجرم الصغير الموجود في القلب، وكيف لا تبصر هذا المولد الذاتي الذي يعمل من تلقاء نفسه بمشيئة الله، ويا أيها الملاحدة انظروا في أجسادكم، انظروا في أنفسكم، انظروا في قلوبكم، يا من لستم قادرين على أن تخلقوا ذبابة، انظروا إلى هذا الجرم الصغير وتفكروا، تجدوا أنكم لا تملكون إلا أن تطأطئوا رؤوسكم خاشعين أذلة، أمام عظمة الخالق الذي بيده مقاليد كل شيء، أتعلم أيها الإنسان أن دواءك فيك ما تبصر. وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء/ ٣٦.

стр. 10759

فكل شيء يسبح بعظمة الخالق، وكل نبضة من نبضات القلب تقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيّ﴾ النمل/ ١٩ والأحقاف/ ١٥. ثانيا: العوامل المؤثرة في القلب: ١- الجهد: كل جهد أو عمل لا يثير ألماً في القلب ولا ضيق نفس في الصدر، يجب أن يشجع عليه، لأن طاقة القلب ضمن إمكانياته، فالقلب الطبيعي لا يتأثر ضمن الحدود المعينة وحتى لو كان مريضاً، تشجيع الجهد. ٢- التدخين: إن التدخين وخاصة المفرط يؤثر على تقبض الأوعية النبيلة في القلب، ومنه نقص التروية، ونقص تغذية عضلة القلب، ونقص الأكسجين فيها، وكذلك تسرع القلب عن الحد الطبيعي. ٣- الخمر (الكحول) [١] : يحدث اعتلال العضلة القلبية ويتلفها. ٤- الانفعال والغضب: يزيد سرعة القلب، ويرفع الضغط، ويشنج الأوعية المغذية للقلب. ٥- المرض: يجب وقاية القلب خاصة من مرضى الروماتيزم الحاد، وعلى الأخص مراحل الطفولة إذ أن الروماتيزم يعضُّ القلب، فيجب عدم التهاون في هذا المرض خاصة عند الأطفال، والانتباه إلى التهاب اللوزات المتكرر الذي يعزى إليه هذا الروماتيزم. ٦- الإفراط في الطعام: تمتلئ المعدة كثيرا ويحدث انتفاخ في البطن وتضغط على الصدر، ويحدث تسرع في القلب، وقد تحدث آلام انعكاسية. ثالثا: القلب المعنوي أو الروحي:

стр. 10760

لا أقصد به القلب المادي الذي يضخ الدم لأنحاء الجسم، بل أقصد به القلب من حيث المعاني القرآنية الروحية، التي وردت في ذكر القلب، إذ أن هناك كثيراً من الناس لها قلوب من لحم ودم، ولكن ليس لها قلوب روحية أو معنوية، وقد أشار الله تعالى لهذا في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ق/ ٣٧، وإن بعض الناس قلوبهم عمياء ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الأعراف/١٧٩، فالقلب المعنوي أو الروحي قلب مطمئن بالإيمان لأنه ذاكر لله دائما ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب﴾ الرعد/ ٢٨، وهو كذلك قلب بعيد عن النفاق والرياء والشرك، يبين الله تعالى فوز صاحبه يوم القيامة في قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الشعراء/ ٨٩، قلب لا يخشى إلا الله، لا تجده وجلاً إلا من خالقه، بين الخوف والرجاء يرجو رحمته ويخشى عذابه، فوصف صاحبه بالإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنفال/ ٣ قلب فيه الرأفة والرحمة: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ الحديد/ ٢٧ قلب منيب تائب هادئ: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ق/ ٣٣، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ الفتح/١٨. وقلوب المؤمنين مؤلفة مؤتلفة متجانسة ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الأنفال/ ٦٣، واطمئنان القلب، واعتقاده بالله، والإيمان به، والثقة به، لا تتغير مهما كانت الظروف والأحوال، لو تغير اللسان، بالأقوال والجوارح بالإكراه: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ النحل/١٠٦.

стр. 10761

وهذه الصفات المعنوية للقلب المؤمن، نجد أنها أحياناً يعبر عنها بصفات جسدية، فتجد القلب هادئاً في مكانه آمناً مطمئناً ينبض باتزان وتؤدة، يأخذ الوقت الكافي للانقباض، والوقت الكافي للاسترخاء والامتلاء من الدم، ينبض ضمن الحدود الطبيعية، غير هياب ولا خائف من الناس، غير مسرع السرعة التي تفوق الحد الطبيعي عند تعرضه للشدة والانفعال والغضب والمصائب والأهوال وذلك للاطمئنان والسكينة بذكر الله. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ الأنفال/ ١٠، بينما نجد قلب الكافر أو المنافق في التعبير القرآني، قلباً مريضاً: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ البقرة/ ١٠، قلباً خائفاً إلى حد اضطراب التوازن النفسي، إلى حد اليأس والقنوط: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الأحزاب/ ٢٦، ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ آل عمران/ ١٥١، قلباً أسود مليئاً بالفسوق والعصيان: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففون/ ١٤، قلباً قاسياً: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ البقرة/ ٧٤ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ المائدة/ ١٣، ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنعام/ ٤٣، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الزمر/٢٢، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الحديد/ ١٦.

стр. 10762

وقلوب الكافرين أو المنافقين قلوب جاهلة: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الروم/ ٥٩ قلوب مشمئزة من ذكر الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ الزمر/ ٤٥، قلوب مقفلة لا يخترقها التدبر ولا التفهم: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد/ ٢٤ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ البقرة/ ٨٨، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ النساء/ ١٥٥، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْر﴾ فصلت/ ٥.

стр. 10763

وهي قلوب زائغة منحرفة يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء الانحراف والأهواء، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ آل عمران/ ٢٧، وهي قلوب نجسة ملوثة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ المائدة/٤١، وهي قلوب مترددة، شاكة، ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ التوبة/ ٤٥، وقلوبهم تبطن شيئًا وتظهر ألسنتهم غير ذلك: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الفتح/ ١١، وقلوبهن محل للارتكاس والثأر وحمية الجاهلية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الفتح/ ٢٦، وهي قولب متفرقة: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ الحشر/ ١٤، وهي قلوب ملئت بالكبر والخيلاء والجبروت: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ غافر/ ٣٥، وهي قلوب غافلة عن ذكر الله منشغلة بأهواء الدنيا وشهواتها: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الكهف/٢٨. وهي قلوب عمياء ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج/٤٦. فهذه الصفات القرآنية لقلوب الكافرين والمنافقين والفاسقين، قد يعبر عنها أحياناً بصفات جسدية، فتجد قلوبهم غير مطمئنة، إن أصابتهم مصيبةٌ تثور ثائرتهم وتنتفخ أوداجهم ويتسرع قلبهم إلى حد الرجفان، لأنها قلوب غير مكبوحة الجماح بالإيمان، أو الذكر أو العلم، فترتعش الأعضاء ويهتز الصدر كجناحي الطائر، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين. التدخين والانتحار البطيء

стр. 10764

ليس أغرب من (التحذير الرسمي) الملصق على كل علبة سجائر في الأسواق، والذي يقول إن (التدخين يضر بصحتك ... ننصحك بالامتناع عنه) .. بينما السم داخل العلبة، وتحت هذا التحذير مباشرة.. أقول ليس أغرب من ذلك.. إلا الطبيب الذي يلح على مريضه بالإقلاع عن عادة التدخين، ثم يرسل في وجه المريض سحابة من سيجارته، أو يمص غليونه أمامه على مهل.. وبأناقة.. إن هذين التصرفين، أو المظهرين بعيدان عن المسئولية التي يتطلبها منع السم عن المريض، أو إقناع المدخن بالإقلاع عن التدخين.. الذي أصبح محوراً للعديد من البحوث العلمية في الآونة الأخيرة وكلها تجمع على أن التدخين سبب العديد من الأمراض القاتلة، وفي مقدمتها السرطان. أمامي نتائج دراسات عديدة، وبحوث عليمة استغرقت سنوات طويلة، في أكثر من بلد، وإلى المدخنين أسوق بعض النتائج المذهلة كما وردت في (المختار) : * خلال ٦ ثوان يصل النيكوتين من دخان السيجارة إلى الدماغ، ومن يدخن علبة سيجارة واحدة في اليوم يتعرض كمية تتراوح بين ٥٠ و٧٠ ألف جرعة نيكوتين سنوياً. * تحتوي علبة السجاير اليوم على أقل من ستين مللغراما من النيكوتين، وهذه الكمية كافية لو تناولها الإنسان جرعة واحدة أن تقتله. * يسبب النيكوتين تسارعاً عنيفاً في دقات القلب، وبسببه تضيق الأوعية الدموية ويرتفع الضغط، وتندفق الأحماض الدهنية في الدم.. ثم يشعر المدخن بالارتخاء والتعب، فتخف سرعة القلب وينخفض الضغط، ويفقد العقل فطنته الحادة. * عندما يبلغ النيكوتين الدماغ، يثير الوصلات العصبية ثم يهمدها، كما ينشط إفراز (الادرينالين) ثم يهمده، وهو ينبه الأعصاب في العضلات، ولكن سرعان ما ينتهي هذا التنبيه بنوع من الشلل، وهو إذا أعطي بكميات صغيرة يؤدي إلى الرجفة وبكميات كبيرة يؤدي إلى التشنجات.

стр. 10765

* والنيكوتين يهيج التقيؤ اللاإرادي في الدماغ في أعصاب المعدة وله تأثير مقاوم لإدرار البول.. وعلى الرغم من أنه ينشط الأمعاء في البداية إلا أن الجرعات اللاحقة منه (خلال التدخين) تبطئ حركة الجهاز الهضمي بأسره.. وكذلك الحال بالنسبة للفم والمجاري الهوائية. هذه بعض النتائج فقط وهي كافية لوصف التدخين بأنه (انتحار بطيء) .. وعسى أن يتعظ المدخنون عندما يتصور الواحد منهم كل تلك التفاعلات داخل جسمه وعقله مع كل سيجارة.. أو حتى كل (جرعة) .. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الكحول تحريف للأصل العربي الذي هو الغول. وقد ورد ذكره في الكتاب الحكيم في قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ الصافات/٤٧.

стр. 10766

"من أعماق الكتب" لقد كانت السنة مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلالنا الحاضر؟ إن العمل بسنة رسول الله ﷺ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أَفَيُدْهِشُكَ أن يتقوَّض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ إننا نستعمل هنا كلمة السنة بأوسع معانيها، على أنها المثال الذي أقامه لنا الرسول ﷺ من أعماله وأقواله، إن حياته العجيبة كانت تمثيلا حيًّا، وتفسيراً لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلَّغ الوحي ﷺ . لقد أتى الإسلام بالرسالة الجديدة التي لا تجعل احتقار الدنيا شرطاً للنجاة في الآخرة، تلك الخاصة الظاهرة في الإسلام تجلو الحقيقة الدالة على أن نبينا -الذي كان في رسالته الدليل الهادي للإنسانية- كان شديد الاهتمام بالحياة الإنسانية في كلا اتجاهيها، في المظهر الروحي، والمظهر المادي، وإن القول بأننا مجبرون على اتباع الأوامر المتعلقة بالنوع الأول، ولكننا لسنا مجبرين على أن نتبع الأوامر المتعلقة بالنوع الثاني إنما هو نظر سطحي، وهو فوق ذلك مناهض في روحه للإسلام، مثل الفكرة القائلة بأن بعض أوامر القرآن الكريم قد قصد بها العرب الذين عاصروا نزول الوحي، لا النخبة من الأكياس (الجنتلمان) الذين يعيشون في القرن العشرين. - هذا القول بخس شديد لقدر النور النبوي الذي قام به المصطفى ﷺ .

стр. 10767

- وكما أن حياة المسلم يجب أن تقوم على التعاون التام المطلق بين ذاته الروحية وذاته الجسدية، فإن هداية نبينا يجب أن تضم الحياة على أنها وحدة مركبة، أي على أنها مجموع أعمق المظاهر الخلقية، والعملية، والشخصية، والاجتماعية، وهذا هو أعمق معاني السنة. من كتاب (الإسلام على مفترق الطرق) للمستشرق النمساوي المسلم: محمد أسد تعليق التحرير: إن محمد أسد -المستشرق النمساوي المسلم- بفضل الله تعالى خالطت بشاشته بشاشة الإسلام قلبه، وظهر ذلك فيما سطره في كتابه (الإسلام على مفترق الطرق) . فقد كتب فيه كلمات رائعة عن السنة المطهرة، وأوردت منها ما ذكره من أن ترك السنة هو انحلال الإسلام، وأن حياة رسول الله ﷺ كانت تمثيلاً حيًّا، وتفسيراً لما جاء في القرآن الكرم، فلابد إذن من اتباعها، في القرن العشرين كما اتبعت في الماضي، في الحياة الروحية والجسدية على السواء. وما أروع تصوير هذا المستشرق المسلم لعظمة السنة المشرفة وأهميتها للمسلم، وضرورة الأخذ بها مع القرآن الكريم، لأن الأخذ بها أخذ بالقرآن الكريم، وردها رد للقرآن الكريم، فقد جاء فيه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر آية ٧) ، وذلك كل ما جاء به الرسول ﷺ إنما هو وحي من الله تعالى كما قال جل شأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم آية ٣-٤) ، وحذر تعالى من ترك سنة رسوله ﷺ في قوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور آية ٦٣) . إذ أنه بدون السنة لا يفهم ولا يُطبق كثير من أحكام الدين.

стр. 10768

فإلى منكري السنة المشرفة، والمعرضين عنها، والمحادين لها، نوجه هذا التحذير الإلهي الشديد، وإلى الذابين عن السنة المطهرة، نوجه الدعاء لهم بالتوفيق، ونستحثهم للجد، وعدم ترك لواء الذب عن المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، والله معهم، ولن يترهم أعمالهم. وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وخاتم رسله محمد وعلى آله صحبه ... سعد ندا عضو التحرير

стр. 10769

إزالة الشبهة عن حديث التربة فضيلة الشيخ عبد القادر السندي المحاضر بكلية الحديث الشريف بالجامعة (الحلقة الأولى) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: فمما يؤسف له حقا بما أورده الشيخ محمود أبو رية في كتابه الذي أسماه "أضواء على السنة المحمدية"من شبهات هزيلة، وآراء فاسدة، وأفكار هدامة نحو السنة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وقد رد على كتابه هذا العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمهما الله تعالى، ولقد أجادا وأفادا في رديهما البارعين المفيدين، وكلامهما مطبوع في سنة ١٣٧٧هـ. ولقد استفدت من كتابيهما كثيرا في هذا الباب، فلله درهما، رحمهما الله تعالى، فما كنت أتجاسر على كتابة الرد على الشيخ أبي رية بعد وجود هذين الكتابين العظيمين وهما: "الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتظليل والمجازفة"للعلامة الشيخ المعلمي "وظلمات أبي رية"للعلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة، فقد قام بنشر الكتابين المذكورين نصير السنة المحمدية الشيخ محمد نصيف رحمه الله تعالى، وتغمده برحمته ورضوانه آمين.

стр. 10770

وما كنت بحال من الأحوال -قد بلغت مبلغ هذين العلمين من العلم والفضل ومن سواهما إلا أني قد أردت- مع ضعف حيلتي وقلة بصيرتي وإدراكي- أن أرضي الله جل وعلا وذلك بالدفاع عن سنة نبيه ﷺ والذب عن كرامة أصحابه البررة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين وعلى رأسهم الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه الذي طعن فيه أبو رية وذلك باتهامه إياه بالكذب على رسول الله ﷺ وهو بريء منه، وسائر أصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، إذ قال أبو رية: "روى مسلم عن أبي هريرة أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة"، وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار، لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم قال أبو رية: ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه عن النبي ﷺ ، وأنه أخذ بيده حين حدثه به، وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث، وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا، أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها".

стр. 10771

قلت: هذا نص كلام أبي رية في كتابه آنف الذكر، والشبهة التي لعبت في رأسه أن هذا الحديث لا يمكن الجمع بينه وبين نص القرآن الكريم الوارد في سبعة مواضع في كتاب الله تعالى وهو أولا: في سورة الأعراف إذ قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [١] ونحو هذا القول المبارك في سورة يونس [٢] وفي سورة هود [٣] وفي سورة الفرقان [٤] وفي سورة السجدة [٥] وفي سورة ق [٦] وفي سورة الحديد [٧] . وليس هناك تعارض حقيقي بين معنى هذا الحديث الشريف، وما ورد في كتاب الله من خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما سوف يأتي ذلك مفصلا وموضحا إن شاء الله تعالى، لأن هذه التحديات لم تكن قد وقعت من الشيخ محمود أبي رية إلا لبعده لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين من علوم صافية نقية، وقواعد راسخة متينة، وأصول ثابتة محكمة لا يشذ عنها إلا من ابتلي بمرض الجهل أو النفاق، أعاذنا الله تعالى منهما، وإني سوف أتكلم على هذا الحديث الصحيح من جوانبه الأربعة المهمة. ١- تخريجه. ٢- إسناده. ٣- معناه. ٤- شواهده. تخريج الحديث

стр. 10772

أما تخريجه فقد أخرجه مسلم في صحيحه (١) والإمام أحمد في مسنده (٢) وابن جرير الطبري في تاريخه (٣) والإمام الحافظ أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني المتوفى سنة ٤١٠هـ في تفسيره (٤) والإمام البيهقي في الأسماء والصفات (٥) والنسائي في السنن الكبرى (٦) . وقد عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه على مسلم بابا على هذا الحديث بقوله: باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇، ثم ساق الإمام مسلم إسناده بقوله: حدثني سريج بن يونس، وهارون بن عبد الله، قالا: حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل ابن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ثم ذكر الحديث كما نقله أبو رية في كتابه، وزاد مسلم في نهاية الحديث "في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" وهذه الزيادة لم ينقلها أبو رية في كتابه آنف الذكر. ثم قال مسلم رحمه الله تعالى في نهاية الحديث: قال إبراهيم: حدثنا البسطامي وهو الحسين بن عيسى، وسهل بن عمار، وإبراهيم بن بنت حفص وغيرهم عن حجاج بهذا الحديث اهـ.

стр. 10773

قلت: هكذا أثبت إسناد الحديث بهذا السياق عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي الترمذي الأصل وهو من شيوخ الكتب الستة، والإمام أحمد في مسنده، وقد تغير أخيراً عند قدومه بغداد، كما قال الإمام الذهبي في ميزانه، والحافظ في تهذيبه، وقد روى عنه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره شيئا كثيرا في حالة التغيير، وأما رواية مشايخ الكتب الستة عنه والإمام أحمد في مسنده فكانت قبل التغيير والله تعالى أعلم، وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده [٨] في مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ قال: حدثنا حجاج، أخبرين ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ثم ذكر الحديث بطوله كما أخرجه مسلم في الصحيح، والحجاج هو ابن محمد الأعور المذكور الذي سبق فيه الكلام، وأخرجه أيضا الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه [٩] ، عن شيخه القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن عبد الله الصدائي عن الحجاج بن محمد به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات [١٠] عن طريق شيخه محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ثم ذكر الحديث بلفظه، ثم قال في نهاية الحديث -هذا حديث قد أخرجه مسلم في كتابه عن شريح- هكذا في المطبوعة- والصحيح سريج بالسين ابن يونس وغيره عن حجاج بن محمد اهـ.

стр. 10774

وأورد هذا الحديث الإمام أبو الحجاج المزي في كتابه: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف [١١] وعزا تخريجه إلى مسلم في الصحيح عن طريق سريج بن يونس وهارون بن عبد الله، والنسائي في السنن الكبرى في التفسير، عن طريق هارون بن عبد الله ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن إسماعيل ابن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع به. وأورد الحديث الإمام ابن كثير في البداية والنهاية [١٢] نقلا عن مسند الإمام أحمد بإسناده ثم قال: وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله، والنسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن محمد بن المباح عن أبي عبدة الحداد، عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، ذكر الحديث بتمامه ونقله القاسمي في تفسيره [١٣] ، ثم قال رحمه الله تعالى في تفسيره [١٤] بعد إيراده هذا الحديث وبيان من أخرجه، ورواه النسائي من غير وجه عن حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قال: في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وليس مرفوعا والله تعالى أعلم. قلت: سوف يأتي النقل عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى من تاريخه الكبير في ترجمة أيوب بن خالد ما أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى.

стр. 10775

وعزى الإمام السيوطي في الدر المنثور [١٥] هذا الحديث إلى الحافظ أحمد بن موسى ابن مردويه الأصبهاني المتوفى سنة ٤١٠ في تفسيره فقط، ولم أدر عن صنيعه هذا هنا في التفسير ربما خاف رحمه الله تعالى من تعارض هذا الحديث مع ظاهر القرآن الكريم في حالة عزوه إلى مسلم في الصحيح والإمام أحمد في مسنده والإمام البيهقي في الأسماء والصفات والنسائي في سننه، أو لم يطلع على تخريجه كاملا والعلم عند الله تعالى، مع أنه رحمه الله تعالى، عزاه في الجامع الصغير [١٦] إلى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، ومسلم في صحيحه. وعزاه صاحب الكنز [١٧] بعد إيرداه كلاما إلى مسلم في الصحيح والإمام أحمد في مسنده، وهكذا قال الشيخ النابلسي في ذخائر المواريث [١٨] ، والإمام ابن القيم في المنار المنيف [١٩] ، والشيخ عبد القادر القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية [٢٠] ، وتكلم عليه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي في الأنوار الكاشفة [٢١] ردا على أبي رية وإثباتا لمعنى الحديث وإسناده فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى، فهذا هو تخريج هذا الحديث، وأما الكلام حول إسناده فهو كالآتي. إسناد الحديث

стр. 10776

وأما إسناد هذا الحديث فهو إسناد من أسانيد مسلم في الصحيح كما ترى وهو على شرطه الذي اشترطه على نفسه في مقدمة صحيحه إذ قال رحمه الله تعالى [٢٢] في مقدمته العليمة على صحيح مسلم، ومقسماً الأخبار التي يخرجها في صحيحه وهي ثلاثة أنواع "فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، وأنقى ما يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، وتخليط فاحش، كما عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثه، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم، وإن كانوا فيما وضعنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يحملهم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي الزياد وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حمال الآثار، ونقال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة، لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة، وخصلة سنية، ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء، ويزيد وليثاً بمنصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهم مباينين لهم لا يدانونهم، لاشك عند أهل العلم بالحديث في ذلك، للذي استفاض عندهم من صحة منصور، والأعمش، وإسماعيل وإتقانهم لحديثهم وإنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء، ويزيد، وليث، وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون، وأيوب السختياني، مع عوف بن أبي جميلة، وأشعت الحمراني وهما صاحبا الحسن، وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحبهما إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفصل، وصحة النقل، وإن كان عوف، وأشعت غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم،

стр. 10777

ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم، وإنما مثلنا هؤلاء في التسمية ليكون تمثيلهم سمة يصدر عن فهمها من غبى عليه طريق أهل العلم في ترتيب أهله فيه يقصّر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرافع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطي كل ذي حق فيه حقه، وينزل منزلته وقد ذكر عن عائشة ﵂، أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله ﷺ فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل تخريج حديثهم كعبد الله بن مسور وأبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمر وأبي داود النخعي وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط امسكنا أيضا عن حديثهم. قلت: هذا هو النقل عن الإمام أبي الحجاج مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه وأنه لم يخالف في إخراج حديث أبي هريرة ﵁ بحال من الأحوال وأنه على شرطه تماما كما نص في هذا النقل بأنه لا يخرج حديث من كان متهما بالكذب أو من كان منكرا كثير الغلط، وأما ما سواهما فإنه يخرج حديثهم للاستشهاد، والمتابعات وهكذا نقل السيوطي في تدريبه [٢٣] عن مسلم فرواه وبهذا الإسناد الذي أنا بصدد الكلام حولهم فإنهم كلهم ثقات، إلا أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس بن جابر الأنصاري المدني الذي يروي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة وروى عنه إسماعيل بن أمية فقد قال الحافظ في تقريبه [٢٤] : فيه لين من الرابعة ورمز له بأنه من رجال مسلم، والترمذي، والنسائي، وقال في التهذيب [٢٥] وذكره ابن حبان في الثقات، ورجحه الخطيب.

стр. 10778

قلت: صالح للمتابعات والشواهد، ويكتب حديثه، ولم يخرج له مسلم سوى هذا الحديث الواحد فقط في صحيحه، ولم يكن حديثه مخالف للثقات، كما سوف يأتي في معنى الحديث مفصلا إن شاء الله تعالى. وقال الإمام البخاري في تاريخه الكبير [٢٦] في ترجمة أيوب بن خالد هذا رقم ١٣١٧ وروى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد الأنصاري، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "خلق الله التربة يوم السبت"، وقال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح اهـ. وقال الإمام ابن القيم في المنار المنيف [٢٧] ويشبه هذا ما وقه فيه الغلط من حديث أبي هريرة: خلق الله التربة يوم السبت، وهو في صحيح مسلم ولكن الغلط في رفعه، وإنما هو قول كعب الأحبار، ثم نقل عن الإمام البخاري قوله من تاريخه الكبير الذي نقل آنفا ثم قال: وقال غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا، لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام، والله تعالى أعلم. قلت: هكذا ضعف هذا الإسناد استنادا على قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى، المنقول من تاريخه الكبير، وإلى هذا التضعيف جنح الشيخ عبد القادر القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنيفة [٢٨] إذ قال: وقد روى مسلم أيضا خلق الله التربة ثم ذكر الحديث، ثم قال: واتفقت الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد اهـ.

стр. 10779

قلت: سوف يأتي الرد على هذا عند الكلام على معنى الحديث، وقال العلامة المناوي في فيض القدير على شرحه على الجامع الصغير للسيوطي [٢٩] . أخرجه مسلم وهو من غرائبه، وقد تكلم فيه ابن المديني والبخاري وغيرهما من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه منه لكن اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا، وقد حرر ذلك البيهقي، وذكره ابن كثير في تفسيره، وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السماوات في يومين اهـ. قلت: ليست هناك غرابة في معنى الحديث ولا تعارض مع نص القرآن الكريم، كما يفصل ذلك ويوضح عند الكلام على معنى الحديث، والإسناد قد تكلم عليه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات، وصححه كما سوف يأتي قريبا وقد صحح هذا الإسناد أيضا الإمام يحي بن معين، وابن منده، والدولابي، والثقفي كما نقله الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير [٣٠] ، وقد تكلم عليه في الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٣٣.

стр. 10780

وقال الإمام البيهقي في الأسماء والصفات [٣١] : وزعم بعض أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفته ما عليه أهل التفسير، وأهل التواريخ، وزعم بعضهم: أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحي عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به، ثم ساق إسناده بقوله: أخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو يحي أحمد بن السمرقندي ببخارى، ثنا أبو عبد الله محمد بن نصر، حدثني محمد بن يحي، قال: سألت علي بن المديني عن حديث أبي هريرة ﵁، خلق الله التربة يوم السبت، فقال علي: هذا حديث مدني رواه همام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، قال عليّ: وشبك إبراهيم بن أبي يحي، وقال لي: شبك بيدي أيوب بن خالد، وقال لي شبك بيدي عبد الله بن رافع، وقال لي، شبك بيدي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وقال لي: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال لي: "خلق الله الأرض يوم السبت" فذكر الحديث، قال لي علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى.

стр. 10781

قلت هكذا علل ابن المديني رحمه الله تعالى، إسناد هذا الحديث، بقوله إنه مروي عن طريق إبراهيم بن يحي، وإبراهيم غير محتج به كما قال البخاري في التاريخ الكبير [٣٢] ، والصغير [٣٣] ، والضعفاء له [٣٤] والجرح والتعديل [٣٥] والضعفاء للنسائي [٣٦] والمجروحين لابن حبان [٣٧] والضعفاء للعقيلي [٣٨] وتهذيب الكمال [٣٩] ، والذهبي في الميزان [٤٠] ، وتذكرة الحفاظ للذهبي [٤١] ، وتهذيب التهذيب [٤٢] ولم يثبت هؤلاء كلهم سماع أو رواية إسماعيل بن أمية عن إبراهيم بن أبي يحي هذا، وهو متروك متهم بالكذب، وهو من رواة ابن ماجة وقد انفرد به ولم يعلل البخاري رحمه الله تعالى هذا التعليل في تاريخه الكبير، ولم يضعف علي بن عبد الله المديني رحمه الله تعالى أيوب بن خالد الأنصاري الذي روى هذا الحديث، ولقد قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى بعد نقل ابن المديني حول هذا الإسناد في الأسماء والصفات. قلت: أي قال الإمام البيهقي رادا على ابن المديني حين قال إن إسماعيل بن أمية روى عن إبراهيم بن أبي يحي -وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروى عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحي عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف، والله أعلم اهـ.

стр. 10782

قلت: لم يرتضي البخاري رحمه الله تعالى قول شيخه ابن المديني لأن إسماعيل بن أمية ثقة ثبت عند المحدثين، وليس بمدلس وهو معاصر لشيخه أيوب بن خالد الأنصاري كما لا يخفى هذا الأمر على من مارس من التحقيق في علوم الحديث، وكأن البخاري رحمه الله تعالى قد أعل هذا الإسناد بأمر آخر في تاريخه، كما قال الشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي في الأنوار الكاشفة [٤٣] ، إذ قال رحمه الله تعالى: ومؤدى صنيعه أنه يحس أن أيوب أخطأ، وهذا الحس مبني على ثلاثة أمور: الأول: استنكار الخبر لما مرّ، والثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقل، ولم يخرج مسلم إلا هذا الحديث كما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي، ولم ينقل توثيقه عن أحد الأئمة إلا أن ابن حبان، ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله "وقال بعضهم: وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبِّه ومن يأخذ عنهم، أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه بنوا قولهم في السبت.

стр. 10783

قلت: هذا الوجه الثالث الذي ذكره رحمه الله تعالى كان ينبغي أن يحتفظ به على رده على الإمام البخاري رحمه الله تعالى في تضعيفه لأيوب بن خالد الأنصاري وسوف يأتي ذلك مفصلاً عند ذكر معنى الحديث وخلاصة القول أن علي بن المديني والبخاري رحمهما الله تعالى لم يتفقا في تعليلهما على تضعيف هذا الإسناد بل لكل واحد منهما رأي متغاير في التضعيف ولو اتفقا على علة واحدة لكان لرأيهما وزن كبير وثقل عظيم، وقد رد عليهما الإمام البيهقي، والشيخ عبد الرحمن بن يحي المعلمي رحمهما الله تعالى، وسوف يأتي كلام المعلمي مفصلاً عند معنى الحديث بعد ما يثبت إسناد الحديث بالحجة القاطعة، والبرهان الواضح، فلله دره رحمه الله تعالى.

стр. 10784

وأزيد على ما ذكره المعلمي حول إسناد هذا الحديث والإمام البيهقي في ذكره الزيادات الإسنادية ثم تضعيفه إياها وسكوته عليها فأقول: إن هذا الإسناد الذي تكلم عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه الكبير بقوله: "وقال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح"إن حكمه على هذا الإسناد بالأصحية يدل على أن رواية مسلم التي صرح فيها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمعها من رسول الله ﷺ شاذة في نظر البخاري رحمه الله تعالى، ولكن أين هذه الرواية التي أشار إليها بالأصحية ومن أخرجها من أصحاب الكتب الستة وغيرهم، والبخاري رحمه الله تعالى لم يخرجها في الجامع الصحيح ولا في غيره من الكتب، ولقد فتشت عنها كثيرا في كتب الحديث المطبوعة التي بين يديّ والمخطوطة فلم أقف عليها، وكذا في كتب التراجم والسير والتاريخ والتفسير ولم يشر إليها أحد من المحدثين، ما عدا الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ولم يعلل الإمام علي بن عبد الله المديني هذا الإسناد بما علل به تلميذه الرشيد رحمهما الله تعالى، والبخاري يقول في حق شيخه هذا كما نقل هذا المزي في تهذيب الكمال والحافظ في التهذيب وغيرهما من أئمة الحديث: "ما اصتغرت نفسي إلا عند ابن المديني فإنه خلقه الله تعالى للحديث"والإسناد قد صححه جملة كبيرة من المحدثين كما مضى، وأما قول الإمام البيهقي في الأسماء والصفات عند رده على ابن المديني، وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحي إلخ: فاستعماله كلمة "زعم"رد واضح وإنكار ظاهر، وكيف لا، وقد كان إسماعيل بن أمية معاصراً لأيوب بن خالد الأنصاري، ولم يكن متهماً بالتدليس، ولا بالإرسال الخفي وليس هناك انقطاع، فيما علمت، ولو كان هناك شيء لأشار إليه البخاري في تاريخه الكبير، ولهذا صحح الإسناد جملة كبيرة من أهل الفن كما نقل عنهم، وأما الزيادات التي أشار إليها الإمام البيهقي في هذا الإسناد فإنها زيادة في

стр. 10785

متصل الأسانيد كما لا يخفى مع ضعفها كما أشار إليها الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، والضعف محتمل في نظره رحمه الله تعالى، وفي نظر أهل الفن خصوصا متابعة موسى بن عبيدة الربذي لإسماعيل بن أمية عن شيخه أيوب بن خالد الأنصاري، واكتفى بهذا القدر بما يتعلق بإسناد خبر أبي هريرة ﵁، وهو إسناد صحيح كما اشترطه مسلم في صحيحه كما ظهر لك في هذه الدراسة المتواضعة التي تتعلق بقولي الإمام علي بن عبد الله المديني والإمام البخاري رحمه الله تعالى وعدم اتفاقهما على علة واحدة في تضعيف الإسناد فهناك دليل قوي على تفوق جانب المصححين قوة ورجحانا وهم أكثر والله تعالى أعلم بالصواب. (يتبع) -------------------------------------------------------------------------------- [١] الآية: ٥٤. [٢] رقم الآية: ٣. [٣] رقم الآية: ٧. [٤] رقم الآية: ٥٩. [٥] رقم الآية: ٤. [٦] رقم الآية: ٣٨. [٧] رقم الآية: ٤. [٨] مسند الإمام أحمد بن حنبل: ٣٢٧/٢. [٩] تاريخ الأمم والملوك: ٢٣/١. [١٠] الأسماء والصفات: ٣٨٣-٣٨٤. [١١] تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: ١٣٣/١٠. [١٢] البداية والنهاية: ٧١/١. [١٣] تفسير القاسمي: ٢٧/٧. [١٤] تفسير القاسمي: ١٧٨/٣. [١٥] الدر المنثور: ٩١/٣. [١٦] الجامع الصغير: ٤٤٧-٤٤٨/٣. [١٧] كنز العمال: ١٢٧/٦. [١٨] ذخائر المواريث: ٢٠/٤. [١٩] المنار المنيف: ص ٨٤، فصل ١٩. [٢٠] الجواهر المضية في طبقات الحنفية: ٤٢٩/٢. [٢١] الأنوار الكاشفة: ص ١٨٩. [٢٢] مقدمة صحيح مسلم: ٥٠-٦٠. [٢٣] تدريب الراوي: ص ٤٥. [٢٤] تقريب التهذيب: ٨٩/١. [٢٥] تهذيب التهذيب: ٤٠١/١. [٢٦] التاريخ الكبير: ١/١/٤١٣. [٢٧] المنار المنيف: ص ٨٤، فصل ١٩.
следующие страницы →