← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

(١) خديجة بنت خويلد (٢) عائشة بنت الصديق (٣) حفصة بنت عمر (٤) أم حبيبة (رملة) بنت أبي سفيان (٥) أم سلمة (هند) المخزومية (٦) سودة بنت زمعة (٧) زينب بنت جحش (٨) زينب بنت خزيمة (٩) جويرية بنت الحارث (١٠) ميمونة الهلالية (١١) صفية بنت حُيَىّ. مات منهن في حياته ﷺ اثنتان، خديجة، وزينب بنت خزيمة، المعروفة بـ (أم المساكين) ، والتسع الباقيات بقين بعد وفاته ﷺ أعمارا مختلفة، ﵅ من أمهات للمؤمنين. وقد جمعهن أحد العلماء في الأبيات الثلاثة الآتية:- توفى رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند، وزينب جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب ويلاحظ لمجرد ذكر أسمائهن وأنسابهن، أنهن يجمعن باقة أشهر القبائل العربية وأقواها، لهذا كان اختيار هن وسيلة من وسائل شد هذه القبائل بصاحب الرسالة صلوات الله عليه، ليكون ذلك صورة من صور التبليغ عندما تقع المصاهرة، وهى من أهم وشائج الصلات عند العرب. وأظهرها وقوع التواصل والتلاقي، وترديد اسم مشهور لخير من زاوج وصاهر، وهو اسم محمد الذي هزّ مجتمعهم كله من أساسه، ولذا ثبت بسبب هذا التصاهر دخول كثير منهم في الإسلام، ممن لم يسبق لهم الدخول فيه قبل المصاهرة.

стр. 11027

ثانيا: وهو الأخطر شأنا، أن هذه الباقة النابهة من الزوجات، وقد اخترن من الله لرسوله، فقد قال له بعد ذلك ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج﴾ ، كان عليهن مهمة تبليغ الرسالة للنصف البشرى الذي يقيده الحياء؛ وهن: النساء، خاصة ما يتصل بتشريع الأنوثة، ولهذا لا تكاد بيوتهن تخلو من أفواج النساء ليتلقين منهن عاطر الوحي الخاص بهن، والدليل بأن هذا تكليف لنساء الرسول وليس مجرد تطوع بالخير منهن هو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ، وخص هذا الأمر مباشرة بهن، فالكلمة ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ تكليف بِمَعَانٍ ثلاثة، اذكرن بمعنى احفظن ما أنزله على زوجكن الرسول، اذكرن ذلك في ذوات أنفسكن؛ بمعنى: العمل والتنفيذ لأنكن القدوات لغيركن، وثالث المعاني اذكرن ذلك بين النساء تبليغا وتعليما.

стр. 11028

فلما كانت الرسالة بهذا الاتساع والتعاظم، ونصيب المرأة منها كبير، أصبح كثرة المعلمات المتصلات بِسر النبوة شيئا يزيد في كمية العلم المبلَّغ وسعة انتشاره، وعودا إلى كتب الإسلام على اختلاف أنواعها وكثرتها، نجد عائشة وزميلاتها قد أضأن هذه الكتب بما أخرجن من التشريع والعلم، من داخل حجرات النبوة، ليس عن النساء فقط ولكن عن الرجال أيضا، فقمن بتنفيذ الأمر كاملا، فذكرن حفظا وتطبيقا وتبليغا، وهكذا زوجه سبحانه بعدد من النسوة وخاطبهن بالجمع ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ لعلمه بما زوج به نبيه، وأن من مهمتهن مساعدة رسوله في تبليغ رسالته الثقيلة ولهذا كُنَّ جديرات بأن يجعلهن أمهات المؤمنين وكأنهن وَلَدْنَ جميع أمة زوجهن العظيم، ﷺ ، فكل أمّ يمكن أن تلد، ولكن ليس كل أم يمكن أن تعلم وتربي أبناءها، وهذا هو خير ما في الأم، فأعطاهن الله هذه الصفة كاملة وليس مجرد تشبيه، فلم يقل سبحانه: وأزواجه كأمهاتهم، إنما قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، حتى إن كبار الصحابة كانوا يرجعون إلى أمهاتهم هؤلاء في كل معضل من الشريعة، ثم إن نبينا عليه الصلوات، لم يكن بدعا من الرسل حين تزوج بهذا العدد المحدود، وهو كثير عند الأعداء والجاهلين، والذي كان لحكمة عظيمة أوضحنا منها ما ذكرنا، والذي تخرج هذه البغضاء من أفواههم، يعلمون يقينا أن أكثر من نبي كريم من أنبيائهم كسليمان ﵇، تزوج بتسعين امرأة كما هو ثابت في الحديث الصحيح، فيتركون التسعين ويتكلمون عن التسع، وذلك لحاجة في نفس يعقوب لم يقضها.

стр. 11029

وإنه والله زيادة في الكفر، حينما يعترض أحد على من له التصرف في ملكه بما يشاء.. فما دخْلُ الخلق في عمل الخالق؟، حيث الرجال عباده والنساء إماؤه، زوج من يشاء بالعدد الذي يشاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَه﴾ ، إن الواحد منا لا يقبل من غيره التدخل في شؤونه، فكيف بالتدخل في شأن من له الشأن كله؟، والرسل هم أحبابه وصفوته، يميزهم بما يشاء، ويدخل في ذلك بما يعجز عنه غيرهم، فسبحان من أتم عليهم نعمته خَلْقا وخلقا، وبعد ذلك. أفنحن نسمع الصّم ولو كانوا لا يعقلون.

стр. 11030

ثم قال الأعداء وردد أدعياء الإسلام قولهم: إنكم أيها المسلمون تمزقون ما أحكمته أواصر الزواج بتشريد الزوجة وأطفالها بمجرد كلمة طلاق تخرج من فم أحدكم، أما غيركم فلا يطلق إلا بدعوى أمام القاضي ليحكم بالطلاق أو عدمه، وجوابنا من كتاب الله أيضا، فإذا كان بعض الرعناء والحمقى قد أساءوا استعمال كلمة الطلاق فقد خالفوا صميم تعاليم دينهم، ومكنوا عدونا من اصطياد التي ضدنا، وإلى قرآننا وهو نبعنا الذي لا يغور فراته، لنأخذ منه ما نرد به الكيد، ولنرى كيف يعالج الأمر منذ أوّل بادرة شر بين الزوجين، وبصورة ترفع من هام المسلم بهذا التشريع الرفيع، يقول عزّ من قائل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . أما القوامة وما يتصل بها، فسأعود إليها في فاصل آخر يأتي بعد إن شاء الله، وسأبدأ الآن من قوله تعالى:

стр. 11031

﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ ، أي مطيعات حافظات لغيب الزوج في عرضه وولده وماله ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ، يعني حقها الذي أمر الله زوجها أن يفي لها به مقابل حفظها له، فإذا قام الرجل بما عليه- فليس غير القائم محل حديثنا- وإن كنا لن نغفله ولو بقليل؛ لأن حديثنا الآن حول المرأة؛ ولأن الآية التي نحن بصددها مختصة بها أيضا، فإذا لم تعد مطيعة لزوجها حافظة لغيبه، وبدأ (النشوز) وهو التمرد والمعصية، فهل تخرج طلقات الطلاق كما يطلق المدفع الرشاش، لتقتل أسرة بأكملها ولتصبح مشردة تعسة في هذه الحياة؟ ، تباعد بين زوجين عزيزين أفضيا إلى بعضهما، وتحكم باليتم المحزن على أطفال برآء لم يمت أبواهما، لمجرد لحظات من تعكير صفو، كما يفعل الآن الكثير من المتهورين والمندفعين. ولننظر كيف يكون من القرآن وقتئذ، فقد جعل الطلاق آخر مرحلة من خمس مراحل، بعد أربع لا بد أن تسبق خامستها، وهي مرحلة الفراق.

стр. 11032

الأولى: مرحلة الكلام الهادىء، المرهب أو المرغب، وهو المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ ، ولا يكتفي بذلك بيوم ولا بأيام، وإنما بمدة تكفى للتفكر والتبصر، ولو طال هذا النصح سنة أو أكثر، فإن انتهى النشوز، وإلا فالمرحلة الثانية، وهي الابتعاد عن فراشها، فلا يمسها بمدة تشغل بالها، بنحو الخوف من أن يتجه إلى غيرها، وهو المعبر عنه بقوله تعالى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ، والغيرة عند المرأة معروفة، فإذا طال الأمر ولم تقلع، فتأتي المرحلة الثالثة وهي الضرب، ولكم أسيء إلى هذه الكلمة إساءة بالغة، سواء ممن لم يفهمها من المسلمين، أو ممن سمعها منا أعداء الإسلام المتربصين، فقالوا إن دينكم يأمر بضرب المرأة، وربما قطعت هذه الجملة من الآية بتعمد لئيم مقصود، ورددتها كثيرات من المتعلمات التعليم المعروف الذي لا صلة له بالإسلام، فلم تذكر الآية بكاملها، وإنما على طريقة ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ و ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ فمع أن كلمة الضرب لم تأت إلا في ثالث مرحلة قد تكون بعد سنوات يهب الوعظ والهجر، فإنها ليست بالأمر اللازم التنفيذ، بمعنى أن الزوج إذا رأى أن الجرم الذي وقع منها يوجب ضربها، ولكنه تنازل عنه ولم يضرب، فهل عليه من إثم؟، لم يقل أحد بذلك أبدا، ودليل أنه ثبت عن نبي الإسلام ﷺ أنه لم يستعمل هذه الرخصة أبدا، فلم يضرب واحدة من زوجاته قط طول حياته، رغم أنهن أغضبنه لأكثر من مرة كما نعلم، ثم إن معنى الضرب هنا بما أجمع عليه المفسرون أخذاً من تفسير النبي صلى ولله عليه وسلم بنفسه، بأنه ضرب غير مبرح، أي الذي لا يسيل الدم، ولا يكسر العظم، بل ولا شديد الألم، فلا يكثر من ضرب الزوجة إلا الزوج الضعيف الشخصية، حتى إن أبا حنيفة ﵀ لا يجيز الضرب بأكبر من حجم السواك غلظا وطولا، ولعله ﵀ أخذ هذا الحكم من قول نسب إلى ابن عباس ﵁، ومنع اللطم على الوجه أو

стр. 11033

باليد مقبوضة لأنها قد تكسر بل قد تقتل، وإنما بعود رفيع يؤلم ولا يحطم، بنحو ما ذكر الفقهاء، ولكم أصلح هذا الضرب بصورته هذه معوجات كثيرات وناشزات، شريرات، وقد ورد أن معاوية بن حيدة ﵁ قال، يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه، ولا تضرب" رواه أحمد، وكلمة (لا تضرب) أي بمعنى الضرب الغير جائز وهو المبرح، مع الابتعاد عن الوجه على أي حال. أبعْد ذلك يقال إن الإسلام أمر بضرب المرأة وكفى؟ وأن يعصى الكثير منا أمر القرآن وحديث الرسول وسيرته مع أهله، فيغالي في الضرب بما نرى ونعلم؟ وبما يتخذه الخصوم سببا للتشويش والتشهير، مع أن ضربهم للنساء في الخارج بوحشية أصبح أمرا مألوفا عندهم. نعود إلى الآية لما لم يجد التخويف بالضرب، فتكون المرحلة الرابعة عندما يتحول الأمر إلى شقاق ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، واشترطت الآية الحَكَم الذي لا يميل مع هوى القرابة ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، فإرادة الإصلاح ونيته لا بدّ أن توجد عند الحكمين، ولو وجداه في الانفصال بعد محاولة الوصال أولاً فلا بأس باعتباره آخر مرحلة. وقيل إن عمر رضى الله عنه أرسل حكمين إلى زوجين، فعادا ولم يصهل ولم يفصلا، فضربهما بالدرة قائلا: إنكما لم تريدا إصلاحا كما قال الله، ولو أردتماه لأصلح الله بكما. وأخيرا إذا لم يفد ذلك كله يأتي خامس المراحل وهو الطلاق، وعندئذ يكون أبغض الحلال ويغن الله كلا عن الآخر من سعته ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، هذا هو الطلاق عندنا، فإذا فعل أحدنا غير ذلك، فهل يكون من تقصير الدين أم تقصير الجاهلين. إلى الإسلام

стр. 11034

لقد اضطلعت الجزائر بدور الريادة خلال تاريخها الطويل.. فكانت ثورتها التحريرية قدوة للشعوب المستعمرة.. كما كافحا معركتها في البناء- بعد الاستقلال- نموذجا للشعوب السائرة؟ في طريق النمو، بفضل سياستها الرشيدة، ومبادراتها الشجاعة المشرفة، في خدمة الإنسانية وقضايا العدل، لكن الجزائر اليوم، ينتظر منها دور أعظم، هو تقديم النموذج الحي للمجتمع السليم المعافى، في عالم مريض، أختل توازن إنسانه؛ لأنه يطلب السعادة في التقدم الصناعي التكنولوجي وحده، وتجاهل الجانب الروحي في الوجود الإنساني. إن ناقوس الخطر، الذي يهدد الكيان الحضاري بالانهيار يدقه أبناء هذه الحضارة نفسها، الذين يغارون عليها، فما أكثر الصيحات التي أطلقها المفكرون الواعون الذين نادوا بضرورة العودة إلى الإسلام، عقيدة ومنهاج حياة، وأنه لمن العجب، أن يقتنع غيرنا بالإسلام منقذا لإنسان الذرة وغزو الفضاء، بينما يظل بعض أبنائه شاكين تائهين، أو معرضين متنكرين لصلاحية مبادئه وقيمه! ((جوهر الإسلام التونسية))

стр. 11035

أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية د/ جاد أحمد رمضان رئيس قسم التاريخ بالجامعة الحمد لله الذي هدى المسلمين إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بعثه الله رحمة للعالمين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وعبد ربه حتى أتاه اليقين. أما بعد فإنه في الوقت الذي كان المسلمون ينعمون فيه بظل الحضارة الإسلامية التي أفاضت عليهم كل أنواع الخير ووقتهم مفاسد الشر وأبعدتهم عن مواقع الفتن، في هذا الوقت الذي كان فيه المسلمون كذلك، كان أهل أوروبا يعيشون في جهالة جهلاء وضلالة عمياء بعيدين كل البعد عن كل مظاهر التقدم الحضاري. ومنذ العقد الأخير من القرن الأول الهجري بدأ شعاع الحضارة الإسلامية يصل إلى أوروبا عن طريق الأندلس، ثم عن طريق صقلية وكذلك عن طريق الحروب الصليبية، ومن قبل تلك الحروب، عن طريق السفارات بين دول أوروبا وبين دول المسلمين، في الشرق والغرب. ولم يكن تأثير هذا الإشعاع الحضاري متساويا في الدرجة بل كان بعضه أكثر تأثيرا من الآخر فالأندلس كانت أسبق مصادر الإشعاع وأكبرها تأثيرا، ثم تلتها في الأهمية صقلية ثم تأتي بعد ذلك الحروب الصليبية ثم الاتصالات السياسية والتجارية بين الدول الإسلامية والدول الأوروبية. الأندلس مصدر الإشعاع الأول عبر المسلمون إلى الأندلس في العقد الأخير من القرن الأول الهجري وواصلوا فتوحهم في أوروبا حتى استولوا على شبه جزيرة أيبريا وجنوب فرنسا ثم استمروا في فتوحهم حتى استولوا على جزر البحر الأبيض المتوسط وجنوب إيطاليا ونشروا دينهم فيما فتحوه من البلاد.

стр. 11036

وكانت أوروبا -في ذلك الوقت- خلوا من كل مظاهر الحضارة بعد أن تمكنت القبائل المتبربرة من القضاء على الدولة الرومانية الغربية واحتلال الأقاليم التي كانت تخضع لحكمها. وعلى الرغم من أن هذه القبائل دانت بالمسيحية، فإنها لم تتقدم تقدما حضاريا يستحق الذكر؛ بسبب تولى مجيء موجات جديدة منهم، وغلبة الروح العسكري عليهم، وقلة المرونة العقلية لديهم؛ مما جعلهم متخلفين عن ركب الحضارة والمدنية يعيشون في ظلام الجهالة والهمجية. وقد نشر المسلمون في كل بقعة دخلوها من أوروبا لواء الأمن ونور المعرفة، وأقاموا فيها قواعد حكم عادل، يسوي بين الجميع في المعاملة، ويكفل الحرية لكل فرد في المجتمع، ويعمل للصالح العام ويمقت الأنانية والانتهازية. وتاريخ أسبانيا العربية المسلمة صحيفة مشرقة من صحائف التاريخ الإنساني، وسجل حافل بالأمجاد، ذاخر بمختلف نواحي الحضارة، التي كانت مركز إشعاع هائل للحضارة الأوروبية. وقد كان المجتمع في الأندلس بعد الفتح الإسلام يتألف من العرب الفاتحين، ومن الأسبان الذين اعتنقوا الإسلام، وقد عرفوا باسم "المسالمة"، ومن الأسبان الذين استمروا على المسيحية، وقد أطلق عليهم اسم "العجم"، وأصبحوا أهل ذمة يدفعون الجزية للمسلمين، ويعيشون آمنين في وطنهم، ويتمتعون بالحرية الدينية والتسامح الذي امتاز به المسلمون في معاملتهم لمخالفهم في الدين. وكان من بين هؤلاء جماعة عاشروا العرب، وتعلموا لغتهم، ودرسوا علومهم وقلدوهم في عاداتهم، وأسلوب معيشتهم، وأطلق على هذه الطائفة اسم "المستعربين" [١] وعن طريق هؤلاء الذين جمعوا بين معرفة اللغة العربية واللغة اللاتينية الحديثة نقلت حضارة العرب إلى الإمارات الشمالية في شبه جزيرة أيبريا، التي اتخذها المسيحيون معقلا لهم واعتصموا بجبالها ولم يدخلوا في طاعة المسلمين.

стр. 11037

وبعد جيل من الفتح تكوَّن من المسلمين العرب والأسبان عنصرٌ جديدٌ عرف "بالمولدين"وهم الذين ولدوا من آباء عرب وأمهات أسبانيات، وعلى مرّ الزمن كثر عدد هؤلاء حتى أصبحوا يكونون أغلب سكان الأندلس. وقد وصلت الحضارة العربية في الأندلسي إلى درجة عالية من الازدهار، وبخاصة في القرن الرابع الهجري؛ حيث كانت مدينة قرطبة العاصمة تضم مائة وثلاثة عشر ألف مسكن وواحد وعشرين ضاحية، وكان بها سبعون دارا للكتب، وعدد لا يحصى كثرة من الحوانيت كما كان بها كثير من المساجد، وكان أغلب شوارعها مرصوفا ومضاءة [٢] وكانت بقية المدن صورة مصغرة من العاصمة. وفي محيط الزراعة غرس العرب الكروم في بلاد الأندلس، وأدخلوا إليها كثيرا من النباتات والفواكه التي لم تكن بها، مثل الأرز والقمح وقصب السكر والمشمش والخوخ والبرتقال والرمان، وقد حفر المسلمون الترع والقنوات، ونظموا وسائل الري وكان الرقى الزراعي أحد مفاخر أسبانيا الإسلامية [٣] . وفي ميدان الصناعة ازدهرت صناعة النسيج والزجاج والنحاس والخزف والسيوف، وكثر استخراج الذهب والفضة والحديد والرصاص، وغيره من المعادن [٤] . وكان ما تنتجه الأندلسي من مزروعات وفواكه ومصنوعات يفيض عن حاجة سكانها.

стр. 11038

ولقد ازدهرت الحياة الثقافية في الأندلس وبخاصة في عهد الحكم الثاني (٣٥٠- ٣٦٦ هـ) وكانت جامعة قرطبة التي أنشأها والده عبد الرحمن الناصر في المسجد الجامع يفد إليها الطلاب من جميع أنحاء الأندلس، ومن أفريقيا وأوروبا، وقد استدعى الحكم بعض الأساتذة المشهورين من الشرق ليحاضروا فيها، ومن بينهم العالم اللغوي المشهور أبو على القالي مؤلف كتاب الامالي [٥] وكان المؤرخ الأندلسي ابن القوطية يدرس النحو بها. وكان الحكم مغرما باقتناء الكتب؛ فكان يكلف رجاله بالبحث عن المخطوطات في حوانيت الإسكندرية ودمشق وبغداد، وشرائها ونسخها، وبهذه الطريقة تمكن من جمع أربعمائة ألف مجلد [٦] وكان يطالع بنفسه على بعض هذه المخطوطات ويكتب ملاحظات في هوامشها مما جعل لها قيمة كبيرة في نظر العلماء المتأخرين. وقد أراد أن يحصل على النسخة الأولى لكتاب الأغاني التي كتبها أبو الفرج الأصفهاني بنفسه- وهو من سلالة الأمويين- وكان يقيم إذ ذاك بالعراق فبعث إليه بألف دينار ثمنا لها [٧] . وكان المسيحيون الأسبان الذين هاجروا إلى كثير من بلاد أوروبا قد أشادوا بالعرب وشرائعهم، وحضارتهم، وثقافتهم، وبالعمران الذي عم البلاد الأسبانية على أيديهم؛ فنشروا بذلك- من حيث لا يقصدون- دعاية طيبة للمسلمين في أوربا ونبهوا أذهان أهلها إلى النهضة الحضارية التي قام بها المسلمون في أسبانيا. وكان هؤلاء المهاجرون قد تسرعوا في هجرتهم خوفا على أنفسهم من بطش المسلمين بهم، من غير أن ينتظروا ما سيكون منهم، ولكنهم لم يلبثوا أن ندموا على هجر بلادهم حين علموا من مواطنيهم الذين لم يهاجروا مثلهم أن المسلمين يحسنون جوارهم ويطلقون لهم الحرية في أداء شعائر دينهم، ويعاملونهم بالحسنى وينشرون العدل والأمن في سائر البلاد وأنهم حولوا أسبانيا إلى مروج خضراء وجنات فيحاء [٨] .

стр. 11039

هذه الدعاية غير المقصودة التي نشرها المهاجرون الأسبان، في أكثر بقاع أوروبا جعلت أهلها يتطلعون للوقوف على هذه النهضة الحضارية، التي وصلت أخبارها إليهم وكان أسبق الأوربيين إلى ذلك الملك فيليب البافاري؛ حيث بعث إلى الأندلس يرجو الأمير الأموي هشاما الأول (١٧٢- ١٨٠ هـ) يرجوه أن يسمح له بإيفاد بعثة إلى قرطبة لدراسة أنظمة الأندلس وثقافتها، ومشاهدة أوجه النشاط بها، فقبل الأمير رجاءه وأرسل الملك الجرماني وفداً إلى الأندلس برئاسة وزيره الأول "ويلميبن "الذي أطلق عليه الأندلسيون اسم "وليم الأمين "لأنه تحرى الأمانة في نقل ما رأوه من مظاهر نهضة بلادهم إلى الملك. وقد أشار الوزير على الملك بالاستمرار في إرسال البعثات العلمية لاقتباس ما يفيد البلاد من فنون الحضارة العربية [٩] . وقد توالت البعثات على الأندلس بعد ذلك، وفي أوائل القرن الخامس الهجري أرسل جورج الثاني ملك إنجلترا ابنة أخيه الأميرة "دوبانت "، على رأس بعثة من ثمان عشرة فتاة، من بنات الأمراء والأعيان، إلى أشبيلية بمرافقة النبيل "سفليك "رئيس موظفي القصر الملكي، وأرسل معه كتابا إلى الخليفة هشام الثالث آخر الخلفاء الأمويين بالأندلس جاء فيه بعد الديباجة: "وقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم، والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل؛ لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة، وقد أرسلنا ابنة شقيقتنا الأميرة "دوبانت "على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز؛ لتتشرف بلثم أهداب العرش؛ والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم؛ وحماية الحاشية الكريمة، وحدب من لدن اللواتي سيتوفرن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها، مع التعظيم والحب الخالص من خادمكم المطيع: جورج.

стр. 11040

وقد ردّ الخليفة هشام الثالث على ملك إنجلترا برسالة جاء فيها: "لقد اطلعت على التماسكم فوافقت- بعد استشارة من يعنيهم الأمر- على طلبكم وعليه فإننا نعلمكم بأنه سينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي. أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد، وبالمقابلة أبعث إليكم بغالي الطنافس الأندلسية وهى من صنع أبنائنا، هدية لحضرتكم، وفيها المغزى الكافي للتدليل على اتفاقنا ومحبتنا والسلام- خليفة رسول الله على ديار الأندلس: هشام. وفي عهد ملوك الطوائف في الأندلس كانت توفد إلى معاهد غرناطة، وأشبيلية، وغيرهما بعثات من فرنسا، وإيطاليا، والأراضي الواطئة؛ لتنهل من الحضارة العربية، وكان طلاب هذه البعثات يعجبون بالحياة العربية وتقاليدها وثقافتها حتى أن بعضهم اعتنق الإسلام وفضل البقاء بالأندلس ولم يعد إلى بلاده [١٠] . وكانت مدينة طليطلة بعد سقوطها في أيدي المسيحيين سنة ٤٨٧ هـ المركز الرئيسي لحركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وقد أنشأ "ريموند "رئيس أساقفتها مكتبا للترجمة، وكان المستعربون من أهل الأندلس أكبر المساهمين في حركة الترجمة ومن أشهرهم " دومونيقوس جوند يسا لفى "و "بطرس الفونسى "و "حنا الأشبيلى "وغيرهم [١١] وقد ترتب على هذه الحركة وجود ثورة علمية وفكرية هائلة في غرب أوروبا؛ ذلك لأن المعارف الجديدة التي نقلت من العربية إلى اللاتينية أضاعت أمام الأوربيين طريق الحياة, وبددت ضباب الجهالة الذي حجب عنهم رؤية الحضارة وأيقظتهم من سباتهم العميق ونبهتهم من غفلتهم الطويلة فأقبلوا على دراسة الحضارة الإسلامية بشغف بالغ ونهم شديد [١٢] .

стр. 11041

ففي علم الحساب مثلا عرفوا نظام الأعداد الهندية عن العرب، وهو النظام الذي تتغير فيه قيمة الرقم بنقله من خانة الآحاد إلى خانة العشرات أو المئات أو الآلاف وما بعدها استعملوه في عملياتهم الحسابية بدل الأرقام الرومانية التي كانت عملياتها الحسابية تتطلب منهم وقتا طويلا. ومن المرجح أن البابا "سلفتر "الثاني الذي قضى سنوات عديدة في شمال إسبانيا كان من أوائل الأوروبيين الذين نقلوا نظام الأعداد العربي إلى الغرب، هذا بالإضافة إلى تشجيعه على ترجمة كثير من المؤلفات العربية إلى اللاتينية. وبخاصة ما يتعلق منها بعلم الجغرافيا. وقد عرف الأوروبيون علم الجبر- لأول مرة- عن العرب، كما نقلوا عنهم علوم الهندسة والفلكَ والطبيعة والكيمياء والطب والفلسفة، وكثيرا من أنواع فروع المعرفة المختلفة. وقد سلكت الفنون الإسلامية سبيلها إلى أوربا عن طريق الأندلس، كذلك، مثل صناعة الخزف والنسيج، والتعدين، وصناعة المعادن، والنجارة، والتطعيم بالعاج وغيرها من الصناعات [١٣] . ومن هذا العرض السريع نتبين أهمية الدور الذي قامت به الأندلس في نقل الحضارة الإسلامية إلى ربوع أوربا، فكانت أساس نهضتها في العصور الحديثة، وسببا في تنعم به الآن من حياة مرفهة وثراء وفير، وما تفخر به من تفوق في العلوم والفنون. صقلية مصدر الشعاع الثاني حاول المسلمون فتح جزيرة صقلية منذ عهد معاوية بن أبى سفيان فقد أرسل واليه على مصر وأفريقية (معاويةُ بن حديج) جيشا بقيادة عبد الله بن قشر الغزاوي؛ لغزوها ولكن ابن قشر لم يتمكن من ذلك ثم تجددت المحاولة عدة مرات، ولكن أقدام المسلمين لم تثبت في هذه الجزيرة إلا في أوائل القرن الثالث الهجري حيث ابتدأ فتحها سنة ٣١٣ هـ زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب الذي كان والي على إفريقية من قبل الخليفة المأمون العباسي.

стр. 11042

وكان سبب فتحها أن إمبراطور الدولة البيزنطية " ميخائيل الثاني"ولى عليها "قسطنطين البطريق"، فأرسل الأمير القائد قسطنطين "بوفيموس"على رأس أسطول نهب ساحل أفريقية، ولكن الإمبراطور غضب على هذا القائد، لما بلغه من أنه اختطف راهبة من أحد الأديرة هناك،؛ ففر القائد إلى مدينة "سرقوسة"الواقعة على ساحل صقلية الشرقي، وأعلن الثورة على حاكم الجزيرة، غير أنه رأى أن لا طاقة له على مقاومة جيوش الإمبراطور وأساطيله، فلجأ إلى زيادة الله بن الأغلب أمير أفريقية، وأغراه بغزو صقلية وهوّن عليه فتحها فجهز الأمير الأغلبي جيشا وأسطولا يتألف من مائة سفينة بقيادة أسد بن الفرات قاضى القيروان وسيره لفتحها ( [١٤] ) . وقد لقي المسلمون صعوبات كثيرة في فتحها ولم يتمكنوا من الاستيلاء عليها جميعها إلا في عهد إبراهيم الثاني الأغلبي سنة ٣٦٤ هـ، وقد ظلت صقلية تابعة لدولة الأغالبة حتى سقطت هذه الدولة على أيدي الفاطميين سنة ٣٩٦ هـ، فدخلت صقلية في حوزتهم ولكن العرب الذين كانوا يستوطنونها أعلنوا الثورة على الفاطميين، بزعامة أحمد بن قرهب بعد أربع سنوات من حكمهم اعترفوا بسيادة الدولة العباسية [١٥] . غير أن الفاطميين تمكنوا من إخضاع الثورة، وإعادة سيطرتهم على الجزيرة، واتخذوها قاعدة حربية لأسطولهم يشنون منها الغارات على جنوب إيطاليا، وبخاصة مدينة جنوة التي تكررت غاراتهم عليها.

стр. 11043

وقد عيّن الخليفة المنصور (ثالث خلفاء الفاطميين) الحسن بن علي بن الكلبي واليا على صقلية فوضع الحسن أساس حكومة شبه مستقلة في صقلية يتوارثها أبناؤه من بعده وفي عهد هذه الأسرة بذرت بذور الثقافة العربية، وأخذت تنمو وتزدهر على مرّ الأيام في تلك الجزيرة. ولم يتدخل العرب في الشئون الداخلية لأهل الجزيرة، بل تركوا لهم الحرية التامة في مزاولة عاداتهم وتقاليدهم، وفي أداء شعائر دينهم، واكتفوا بجباية جزية قليلة ممن لم يعتنق الإسلام منهمن، وكان مقدارها أقل بكثير من الضرائب التي كان الرومان يفرضونها عليهم، وقد أعفوا من هذه الجزية الرهبان والفقراء والنساء والأطفال والشيوخ، ولم يتعرضوا لكنائسهم بسوء. وقد اهتم العرب بالزراعة، وأدخلوا في الجزيرة العربية زراعة قصب السكر والكتان والزيتون، وكثيرا من النباتات، وأشجار الفاكهة التي لم تكن موجودة بها من قبل، وقد ساعد خصب تربة الجزيرة على نمو زراعتها وجودة فواكهها؛ فتوفرت حاصلاتها، وكثرت مواردها. وقد مرّ الرحالة ابن جبير بها سنة ٥٨٠ هـ بعد ست وتسعين سنة من انتهاء حكم العرب بها، فأعجب بأشجار الفاكهة فيها، واسترعى انتباهه ما شاهده من جودة كرومها [١٦] . ولم يكن اهتمام العرب في صقلية بالصناعة أقل من اهتمامهم بالزراعة، فقد أنشأوا مصانع للورق، ومصانع للنسيج، واستخرجوا الذهب والفضة، والحديد والرصاص والنوشادر من مناجمها، وتفننوا في صناعة الأواني النحاسية وصناعة النجارة والتطعيم بالعاج وصناعة الرخام والفسيفساء وغيرها وشيدوا المساجد الفخمة والقصور الجميلة. وقد ساعدت موارد الجزيرة الفنية، كما ساعد اشتغال العرب بالتجارة على زيادة ثروتهم؛ فعاشوا عيشة مرفهة، ومضوا منازلهم بالأثاث الفاخر، وفرشوها بأحسن أنواع السجاد، وتزينوا بأغلى أنواع الثياب، ولبست نساؤهم ثياب الحرير الموشى بالذهب وانتعلن الأخفاف المذهبة وتزيّن بالذهب والجواهر.

стр. 11044

ومنذ أوائل القرن الرابع الهجري أخذ البيزنطيون يكثرون من الغارات على الجزيرة فشغل ولاتها من قبل الفاطميين بعد هذه الغارات، وفي الوقت نفسه، قامت اضطرابات بين العرب أنفسهم داخل صقلية؛ فأدى ذلك إلى ضعفهم وعجزهم عن الدفاع عن الجزيرة، ولم يكن في وسع الفاطميين بالقاهرة أن يمدوهم بالجيوش لاضطراب الأمور فيها، فانتهز النورمانديون هذه الفرصة وأخذوا يستولون على ثغور الجزيرة ومدنها الواحدة تلو الأخرى حتى تم للملك "روجر الأول"الاستيلاء على جميع نواحي الجزيرة سنة ٤٨٣ هـ وبذلك انتهى حكم العرب فيها بعد أن استمر مائتين وعشرين عاما [١٧] . ولم يكن استيلاء النورمانديين على الجزيرة آخر عهد العرب بها، بل ظلوا بعد زوال الحكم العربي يقيمون فيها، وقد اعتمد حكامها النورمانديون على العناصر العربية في الشئون السياسية، والاقتصادية؛ لأنهم كانوا على جانب كبير من الخبرة والحضارة والرقي، كما كانوا عناصر نشيطة ومنتجة. وكان "روجر الثاني" يرتدى الملابس العربية ويطرز رداءه بحروف عربية وقد نقش على سقف كنيسته التي بناها في مدينة "بارمو"نقوشا بالخط الكوفي. وكان الإدريس الجغرافي الرحالة، وأعظم رسامي الخرائط، محببا إليه مقربا عنده، وقد شجعه الملك على بحوثه الجغرافية وقدم له كل مساعدة وبذل له من المال ما مكنه من إرسال الرسل إلى كثير من الأقاليم؛ لإمداده بالمعلومات الجغرافية عنها. وكذلك كان الملك "وليم"بن الملك روجر الثاني وحفيد الملك روجر الأول يعتمد على العرب فيقربهم إليه ويثق فيهم، وقد عبر عن ذلك شاهد عيان هو الرحالة بن جبير في حديث له عن الملك بقوله: "لا.... إنه عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين، وإنه لكثير الثقة بهم، وساكن إليهم في أحواله، والمهم من أشغاله، وله منهم الأطباء، والمنجمون وهو شديد الحرص عليهم" [١٨] .

стр. 11045

وكان الإمبراطور "فردريك الثاني"الذي ورث عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة عن أبيه الألماني، كما ورث عرش صقلية عن أمه الإيطالية، كان قد ولد بصقلية وتربى بها، وتعلم فيها؛ فنشأ محبا للعلوم العربية وكان يحسن التكلم باللغة العربية. وقد أفاض المؤرخون العرب والأوربيون في وصف حبه للمسلمين، وإعجابه بعلومهم، وحضارتهم، وأخلاقهم، وتقريبه لهم واستخدامهم في حاشيته حتى أن الموذنين المسلمين كانوا يؤذنون عند موعد كل صلاة في معسكره [١٩] . وقد قامت بين الإمبراطور "فرديك الثاني" وبين السلطان الأيوبي الكامل محمد بن آخي صلاح الدين صداقة متينة، وكانا يتبادلان السفارات والهدايا. فتذكر المصادر التاريخية أن السلطان الكامل أرسل هدية إلى الإمبراطور، كان من بينها زرافة كانت أول زرافة دخلت أوربا، وأن الأشراف الأيوبي صاحب دمشق أرسل إليه جهازا عجيبا للكواكب في صدر تمثل الشمس والقمر، وتحدد الساعات في مداراتهما، وأن الإمبراطور أرسل هدايا لكل من الكامل والأشرف منها دب أبيض وطاووس أبيض أعجبا أهل القاهرة ودمشق، كما أعجبت الزرافة وجهاز الكواكب أهل صقلية [٢٠] وقد استمرت الصداقة قائمة بين "فردريك الثاني"وسلاطين مصر بعد وفاة السلطان الكامل سنة ٦٣٥ هـ؛ يدلّ على ذلك ما أشارت إليه المراجع التاريخية من أن الإمبراطور حذر الصالح نجم الدين أيوب عندما علم بنية ملك فرنسا "لويس التاسع"القيام بالحملة الصليبية السابعة ضد مصر سنة ٦٤٧ هـ حيث أرسل إليه- وهو بدمشق- رسولا تظاهر بأنه تاجر، وأسرّ إليه بأن لويس التاسع يعتزم توجيه حملة إلى مصر؛ للاستيلاء عليها، فأسرع الصالح بالعودة إلى مصر للدفاع عنها [٢١] .

стр. 11046

وقد ظل العرب يحتفظون بضياعهم وأموالهم ومتاجرهم ومصانعهم في الجزيرة، ويزاولون نشاطهم الزراعي والتجاري والصناعي بحرية تامة، كما ظلت اللغة العربية شائعة في الجزيرة، وكان ملوك النورماند يحسنون التكلم بها ويطربون لأدبها وشعرها. ويظهر أن استعمالها استمر إلى أواخر القرن التاسع الهجري؛ ويؤيد ذلك شواهد القبور التي عثر عليها علماء الآثار حديثا سواء كانت قبور مسلمين أم قبور مسيحيين. وقد ترك العرب في جزيرة صقلية كثيرا من عاداتهم وتقاليدهم، التي لا تزال باقية حتى الآن، كما تركوا ألفاظا عربية كثيرة في اللغة الصقلية والإيطالية. ولا تزال مدن كثيرة في الجزيرة تحمل أسماء عربية. وفي مدينة بارمو مبنيان عظيمان من مباني العرب أحدهما قلعة العزيزة والآخر قصر القبة. ومما تقدم يتبين أن الحضارة الإسلامية ازدهرت في الجزيرة نحو ستة قرون من الزمن وقد خرّجت صقلية العربية عددا غير قليل من المحدثين والفقهاء والنحويين والأدباء والمؤرخين والجغرافيين والأطباء والفلاسفة. نذكر منهم على سبيل المثال أسد الدين بن الحارث، صاحب كتاب الأسديات في الفقه، والقاضي ميمون بن عمر، وابن حمد يس الصقلي الشاعر المبدع، والشريف الإدريسي الجغرافي المحقق، والحسن بن يحي المعروف بابن الخزاز صاحب تاريخ صقلية، وعيسى بن عبد المنعم، وكان من أهل العلم بالهندسة والنجوم والحكمة، وأبو عبد الله الصقلي الفيلسوف وغيرهم كثير.

стр. 11047

وقد أنشأ العرب في مدينة بالرمو، عاصمة صقلية، أول مدرسة للطب في أوربا، وعن طريقها انتشر الطب في إيطاليا، وسائر أرجاء القارة. إذن كانت جزيرة صقلية مركز إشعاع للحضارة الإسلامية العربية، أفادت منه أوربا أعظم الفائدة؛ لأن الجزيرة كانت على صلة وثيقة بالعالم الإسلامي، وبخاصة ما يقع منه على شواطئ البحر المتوسط؛ مثل الشام، ومصر وبلاد المغرب، وكانت البلاد الإسلامية في العصر الوسطى وطنا عاما للمسلمين لا فرق بين مشرقي ومغربي. فلم تكن هناك قيود على انتقال العلماء من بلد إسلامي إلى بلد آخر فكثرت تنقلاتهم، وساعد هذا على تبادل الآراء وانتقالها من جهة إلى جهة فلم تكن حضارة المسلمين في صقلية من صنع أهلها وحدهم بل كانت حضارة إسلامية شاملة لنتاجها ونتاج العالم الإسلامي كله ومن هناك ترجمت وتسربت إلى جميع أصقاع أوروبا. لذلك لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن صقلية ساهمت في تحضير أوروبا وتنويرها بنصيب يقرب من نصيب الأندلس، ولكنه يقّل عنه لأن رقعتها أضيق بكثير من رقعة الأندلس ولأن عدد من أنجبتهم من العلماء لم يصل في شهرته العلمية إلى ما وصل إليه علماء الأندلس. وهذا لا يغض من قيمة الدور الذي قامت به صقلية في إمداد أوروبا بكل مظاهر الحضارة ما كان منها من صنع العرب الذين استوطنوها أو مما نقلوه عن غيرهم من الدول الإسلامية الأخرى. دور الحروب الصليبية في نقل الحضارة الإسلامية في أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) خرجت جموع من المسيحيين الأوروبيين مختلفي النزعات والأغراض لغزو الشرق الإسلامي. والأسباب التي دفعت هؤلاء إلى شنّ تلك الحروب التي عرفت في التاريخ باسم "الحروب الصليبية"نسبة إلى الصليب -الذي اتخذه المحاربون شعارًا لهم- أسبابٌ غير واضحة، تختلف باختلاف الطوائف التي اشتركت فيها.

стр. 11048

ويمكننا أن نعتبر رغبة القبائل القيوتونية في الهجرة، وحبهم للمخاطرة من بين تلك الأسباب، كما لا نستبعد أن يكون هدم الخليفة الفاطمي (الحاكم بأمر الله) لكنيسة القيامة في أواخر القرن الرابع الهجري من بين الأسباب البعيدة لهذه الحروب [٢٢] . أما ادعاء الحجاج المسيحيين أنهم كانوا يلقون مصاعب في أثناء اجتيازهم أسيا الصغرى الإسلامية، وهم في طريقهم إلى بيت المقدس، أو أنهم كانوا يتعرضون لمضايقات من جانب المسلمين في أثناء حجهم، فليس له ما يبرره؛ لأن تعاليم الإسلام كفلت لأهل الأديان الأخرى الحرية التامة في مزاولة شعائر دينهم، ونهت عن التعرض لهم بسوء ماداموا مسالمين ولا نظن أن مسلمي هذا العصر كانوا يجهلون ذلك. ولئن سلمنا حدوث بعض مضايقات، فإن ذلك لا يعدو أن يكون حوادث فردية صدرت من بعض جهلة المسلمين، وحتما على فرض صدورها، فإنها لا تقتضي هذه الضجة الكبرى التي أثارها الغرب ضد المسلمين ولا تستلزم سفك ما سفك من دماء في هذه الحروب التي استمرت نحو قرنين من الزمن. وكان الراهب بطرس الناسك الذي حج إلى بيت المقدس، وعزّ عليه أن يراه مِلكا للمسلمين، وهو المكان الذي يقدسه المسيحيون؛ كان هذا الراهب هو الذي روّج تلك الإشاعات. على أن السبب المباشر لتلك المأساة التي ذهب ضحيتها عدد من البشر هو استنجاد الإمبراطور "ألكسيوس كمنينوس"إمبراطور الدولة البيزنطية بالبابا "إربان الثاني"بطريك الكنيسة الغربية بعد هزيمة البيزنطيين أمام السلاجقة في موقعة "ملاذكر"في أواخر سنة ٤٦٢ هـ[٢٣] ، وكان هذا الاستنجاد بعد الموقعة بأكثر من عشرين سنة ولكنه صادف هوى في نفس البابا الذي كان يطمع في ضم الكنيسة الشرقية إلى الكنيسة الغربية فأثار تلك الضجة العالمية التي تعتبر من أهم أحداث التاريخ العالمي.

стр. 11049

وفي العام التالي لهذا الاستنجاد ألقى البابا خطبة في مدينة "كليرمنت"في الجنوب الشرقي لفرنسا حثّ فيها المؤمنين من النصارى على أن "يسلكوا سبيلهم إلى القبر المقدس ويأخذوه عنوة من ذلك الشعب الملعون ويخضعوه لأنفسهم" [٢٤] ، ولقد أشعلت هذه الخطبة جذوة الحماس في نفوس الجماهير المسيحية شريفهم ووضيعهم على السواء، وبلغ عدد المتطوعين لهذه الحرب مائة وخمسين ألفا من النورماندبين والفرنج. ولم يكن الحماس الديني وحده هو الذي دفع هذه الجماهير إلى شنّ الغارة على الشرق بل إن كثيرا من الأمراء- ومن بينهم "بوهيمند"_ خرجوا استجابة لأطماعهم في تكوين إمارات لهم في الشرق الأوسط، كما كانت المصالح الاقتصادية هدف تجار البندقية وبيزة وجنوة. وقد نجح الصليبيون في تكوين أربع إمارات لهم في الشرق وهى إمارة الرها وإمارة أنطاكيا وإمارة طرابلس وإمارة بيت المقدس وسميت هذه الإمارات مملكة بيت المقدس حيث كان أمير بيت المقدس يتوج ملكا لهذه المملكة، وإن كان كل أمير مستقلا داخليا في إمارته. وكان الاعتداء الصليبي على الشرق سببا في ظهور قوى إسلامية فتية؛ فقد تحمس الأبطال المسلمون لاسترداد بلادهم المغتصبة، وتمكن البطل عماد الدين زنكي من استرداد إمارة الرها أول أمارة أنشأها الصليبيون في الشرق، وأهم إماراتهم وقد تم له ذلك سنة ٥٣٩ هـ[٢٥] . ثم جاء بعده ابنه السلطان نور الدين محمود (٥٤١- ٥٦٩ هـ) فوحّد بلاد الشام تحت حكمه وضم إليها مصر، ولم يتمكن الصليبيون في عهده من إضافة شبر واحد إلى ممتلكاتهم في الشرق، بل انتزع السلطان من أيديهم كثيرا من البلاد التي كانوا قد احتلوها قبل أن يتنبه المسلمون لخطرهم، وحمل لواء الجهاد في عهده ومن بعده السلطان صلاح الدين الأيوبي (٥٦٧- ٥٨٩ هـ) فانتزع بيت المقدس من أيدي الصليبيين سنة ٥٨٣ هـ[٢٦] .

стр. 11050

ثم أخذ سلاطين الأيوبيين والمماليك من بعدهم ينتزعون المدن الإسلامية من أيدي هؤلاء المغتصبين مدينة بعد أخرى حتى انتزع السلطان المملوكي الأشراف خليل (٦٨٩-٦٩٣ هـ) مدينة عكا أخر معقل لهم في الشرق سنة ٦٩٢ هـ[٢٧] وبذلك قضى على مملكة الصليبيين القضاء الأخير. وكان الأثر الحضاري لهذه الحروب فنيا وصناعيا وتجاريا أكثر منه علميا أو أدبيا؛ فقد كان الأوروبيون الذين أقاموا في الشام في الإمارات التي أنشئوها يعيشون داخل حصون وسكنات عسكرية، وكان اتصالهم بالزراع الوطنيين والصناع أكثر من اتصالهم بالطبقة المثقفة. على أنهم مع ذلك استفادوا علميا، وإن كانت استفادة محدودة فقد نقل أحد علماء مدينة بيزة الكتاب الطبي المشهور "كامل الصناعة الطبية"لعلي بن العباس المعروف بالمجوسي نسبة إلى أحد أجداده الذي كان يدين بالمجوسية قبل أن يعتنق الإسلام وترجم فيليب الطرابلسي مخطوطا عربيا في الفلسفة والأخلاق يسمى "سر الأسرار"يقال إن أرسطو ألفه لتلميذه الإسكندر المقدوني. كما كان من أثر الحروب الصليبية العلمي اهتمام الأوروبيين بتعلم اللغة العربية؛ لأنهم وقد فشلوا في نشر الديانة المسيحية بحدّ السيف رأوا أن تعلم اللغة العربية يمكنهم من التخاطب مع الشرقيين ونشر المسيحية بينهم باللين والإغراء [٢٨] . على أن إنشاء المستشفيات ومعالجة المرضى فيها لم يعرف في أوروبا قبل الحروب الصليبية؛ مما يرجح أن هذا النظام منقول عن الشرق الإسلامي، بعد أن شاهد الأوروبيون المستشفيات فيه أثناء الحروب الصليبية، كما يرجح أيضا أن نظام الحمامات العامة الذي انتقل إلى أوروبا بعد الحروب الصليبية منقول كذلك بواسطتها.

стр. 11051

وقد كان أثر الحروب الصليبية في نقل الفنون الحربية إلى أوروبا واضحا؛ فقد تعلم الصليبيون من المسلمين استخدام حمام الزاجل في نقل الأخبار الحربية [٢٩] كما اقتبسوا منهم الاحتفال بالانتصارات بإشعال النيران، ولعبة الفروسية المعروفة باسم "الجريد"، وكذلك نقلوا عنهم اتخاذ الشعارات ونقشها على الأسلحة والخوذات، وكان اتخاذ الشعارات معروفا عند المسلمين، فقد كان صلاح الدين يلبس خوذة عليها رسم النسر، وكانت خوذة الظاهر بيبرس على شكل أسد كخوذة ابن طولون من قبل، ولم يكن ذلك معروفا في أوروبا قبل الحروب الصليبية. وفي مجال الزراعة والصناعة والتجارة نقل الصليبيون العائدون إلى أوروبا كثيرا من النباتات وأشجار الفواكه مثل السمسم والبصل والأرز والبطيخ والبرقوق والليمون، كما حملوا معهم حين عودتهم البسط والسجاجيد والمنسوجات، وبدأت تظهر في أوروبا مصانع الآنية والبسط والأقمشة تقليدا للمنتجات الشرقية، ووجدت سوق أوروبية جديدة للمنتجات الزراعية الشرقية، والسلع الصناعية مما ساعد على نشاط التجارة الدولية التي كانت قد ركدت منذ سقوط الدولة الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي [٣٠] . السفارات بين دول أوروبا والدول الإسلامية حدثت اتصالات بين دول أوروبا والدول الإسلامية في العصور الوسطى كان لها أثر- ولو ضئيل- في نقل حضارة المسلمين إلى أوروبا. فيحدثنا التاريخ أنه عندما يئس الخليفة أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء العباسيين من مدّ سلطانه إلى بلاد الأندلس التي أَسس فيها الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إمارة أموية. عندما يئس أبو جعفر من التغلب على هذا الأمير بالقوة لجأ إلى سلاح سياسي يستعين به على الوصول إلى غرضه فأراد التحالف مع "ببن" ملك الفرنجة على طرد الأمويين من الأندلس.

стр. 11052

وقد مهد أبو جعفر لذلك بإرسال سفارة إلى "ببن" وجرت مفاوضات بين رسل الخليفة وبين ملك الفرنجة حول الغرض الذي جاءوا من أجله، ثم عادوا إلى بغداد يصحبهم سفراء من الفرنجة ليتفاوضوا مع أبى جعفر في التحالف مع دولة الفرنجة على سحق الدولة البيزنطية عدوتها، وعادوا إلى بلادهم يحملون الهدايا النفيسة التي أرسلها الخليفة إلى ملكهم. ولم تؤد هذه المفاوضات إلى نتيجة إيجابية لكل من الطرفين أكثر من إزعاج عبد الرحمن الداخل وتخويفه من هجوم الفرنجة على بلاده، وإزعاج البيزنطيين من هجوم العباسيين على بلادهم. ويؤخذ على حكام المسلمين الاستعانة بغير المسلمين للتغلب على إخوانهم في الدين؛ فالمسلمون إخوة ينصر بعضهم بعضا، ويقفون صفا واحدا للدفاع عن عقيدتهم وصد أي عدوان يوجه إليها ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ . وفي عهد الخليفة هارون الرشيد تجددت العلاقة بين دولة الفرنجة والدولة العباسية؛ حيث خطب شارلمان ود الرشيدَ؛ فأرسل إليه يطلب التحالف معه ضد البيزنطيين ويرجوه أن ييسر الحج إلى بيت المقدس للفرنجة، وأن تتبادل دولة الفرنجة التجارة مع الدولة العباسية وأن يمده بالكتب العلمية، كما أرسل الرشيد بعثة إلى بلاط شارلمان بغية التحالف معه ضد الإمبراطورية البيزنطية، والأمويين بالأندلس. وقد أسفرت هذه المفاوضات عن إرسال مفاتيح كنيسة القيامة إلى شارلمان، وتبادل الهدايا بينه وبين الرشيد وكان من بين الهدايا التي أرسلها الرشيد إلى شارلمان: فيل وساعة مائية دقاقة، وأقمشة فاخرة من الموشى المنسوج بالذهب، وبسط ومواد عطرية [٣١] .

стр. 11053

ولم تسفر هذه المفاوضات عن عمل إيجابي من جانب شارلمان ضد الأمويين في الأندلس؛ لأنه لم يجازف بالدخول في حرب مع الأمويين لا يدرى مغبتها حيث أدرك استحالة الفضاء على الأمارة الأموية التي أصبحت ثابتة البنيان، موطدة الدعائم، واكتفى هو وأولاده من بعده بالدفاع عن أملاكهم ولم يفكروا في توجيه حملات هجومية ضد الأمويين. وكما حاول الفرنجة والعباسيون أن يتحالفوا ضد البيزنطيين والأمويين كذلك حاول الأمويون والبيزنطيون أن يتحالفوا ضد العباسيين والفرنجة. وقد بدأت هذه المحاولة في عهد الإمبراطور البيزنطي "تيوفيل"الذي اشتد العداء بينه وبين الخليفة العباسي المعتصم بالله، فقد هاجم الإمبراطور حصن زبطرة الإسلامي وضربه فرّد عليه الخليفة بالهجوم على عمورية وتخريبها سنة ٢٢٣ هـ، كما خرّب كثيرا من المدن البيزنطية [٣٢] . بعث الإمبراطور "تيوفيل"، سفيره "كريتوس"ومعه هدايا نفيسة رسالة يطلب فيها صداقة عبد الرحمن الثاني (الأوسط) أمير الأندلس ويرجوه عقد معاهدة صداقة ويحرضه على استعادة مقر خلافة أجداده. وقد ردّ الأمير عبد الرحمن الأوسط على لا "تيوفيل"بخطاب عبّر فيه عن عداوته للعباسيين، دون أن يرتبط معه بمعاهدة حربية ضدهم وهذا تصرف نبيل من الأمير المسلم، يستحق الثناء عليه حيث لم يتفق مع المسيحيين على حرب المسلمين. ومع أن هذه المراسلات لم تؤد إلى عقد تحالف فعلي فإنها لم تخل من فائدة حيث أوجدت حالة استقرار في غرب أوروبا؛ إذ أن الأمويين والفرنجة اقتنعوا بأنه من الخير لهم أن يتفاهموا، وأن تكف كل من الدولتين عن حرب الأخرى وتنصرف كل منها إلى رعاية مصالحها وتعمل على تقدمها الحضاري.

стр. 11054

وقد نشأت بين المدن الإيطالية وبين الدولة الفاطمية بمصر والشام علاقات تأرجحت بين الودّ، والعداء فقد أرسلت مدينة بيزا سفيرا إلى بلاط الخليفة الفاطمي الظاهر (٤١١-٤١٧ هـ) لتسوية المشكلة التي تسببت عن اعتداء بعض تجار بيزا على جماعة من التجار المصريين في البحر الأبيض، على مقربة من بيزا وسلب أموالهم، وقتل بعضهم. وقد انتقمت الحكومة الفاطمية لرعاياها وعاقبت التجار البيزيين المقيمين بمصر. ونجح سفير بيزا في تسوية الخلاف بعد أن تعهد عن حكومته بالاقتصاص من المعتدين كما تعهد بالامتناع عن إمداد أعداء المسلمين بأي مساعدة، وفي نظير ذلك تعهدت الحكومة الفاطمية بإطلاق سراح التجار البيزيين المسجونين بمصر، وحماية حجاج بيت المقدس القادمين من بيزا على سفن غير حربية. وعندما تولى الصالح طلائع بن رزيك الوزارة المصرية سنة ٥٤٩ هـ بادرت حكومة بيزا بإرسال وفد لتهنئته، فرحب الوزير بهم وأكرمهم وأكد المعاهدات القديمة بينهما. وقد قامت صلات ودية بين مدينة جنوة والدولة الفاطمية وازدادت هذه الصلات في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري فقدي بعثت جنوة سفراء معاهدة مع الحكومة الفاطمية وتمخضت المفاوضات بين الطرفين عن تعهد الحكومة الفاطمية بحماية رعايا جنوة في مصر، وكان معظمهم يقيمون في مدينة الإسكندرية.

стр. 11055

وكذلك قامت علاقات بين البندقية والدولة الفاطمية؛ حيث تعهدت البندقية في القرن الرابع الهجري بإمداد الفاطميين بما يحتاجونه من الأخشاب التي تلزم لبناء الأسطول الفاطمي المرابط في سواحل مصر، وسواحل الشام، ولكن البندقية توقفت بعد فترة عن إرسال الأخشاب- تحت تهديد حكومة بيزنطة- فتعكر صفو العلاقات بينها وبين الفاطميين، غير أن البندقية لم تلبث أن أدركت أن مصالحها التجارية تحتم عليها أن تعيد علاقاتها الطيبة بالقاهرة؛ فعادت إلى ما كانت عليه من إمدادها بالأخشاب نظير حصولها على امتيازات خاصة لسفنها التي تمر بالمياه المصرية، وتنقل حاصلات إفريقية وأسيا إلى أوروبا [٣٣] . ومما لاشك فيه أن هذه السفارات قامت بدور في توصيل حضارة المسلمين إلى دول الغرب؛ لأن السفراء كانوا يطلعون على مظاهر الحضارة في العالم الإسلامي، وينقلون فكرة عما شاهدوه إلى بلادهم لكن عدد هؤلاء السفراء- بالطبع- كان محدودا وإقامتهم في البلاد الإسلامية لم تكن طويلة، بل كانت مدتها تتوقف على انتهاء المهمة التي أرسلوا من أجلها. ولذلك لم يكن دور هذه الاتصالات بارزا في نقل الحضارة الإسلامية، بل كان نصيبه في نقلها محدودا يقتصر أغلبه على الجانب المادي للحضارة، أما الجانب الثقافي منها فقد كان قليلا جدا، كما اقتصر نقل التجار على الجانب المادي فقط لأن همتهم كانت متجهة أولاً وبالذات إلى الحصول على المال فكانوا ينقلون التحف بقصد الكسب من ورائها فحسب ولم تكن الثقافة والفن مما يحرص التجار على تداوله. من كل ما تقدم نعلم أن ما تنعم الدول الغربية به من حضارة ليس من ابتكار عقول أهلها، ولا من صنع أيديهم إنما هو فيض الحضارة الإسلامية وصل إليهم عن تلك المصادر التي تكلمنا عنها.

стр. 11056

وقد اهتم الغربيون بالجانب المادي من الحضارة التي وصلت إليهم من الشرق وأغفلوا الجانب الروح، وهو المهم، وليتهم وجهوا الجانب المادي وجهة صالحة تعمّر ولا تخرب، وتبني ولا تهدم. بل تفننوا في نقل وسائل التخريب والتدمير، حتى أصبح العالم يعيش اليوم في جو من القلق والرعب اللذين يجب أن يخلو منها المجتمع الحضاري. ويوم يرجع المسلمون إلى التمسك بقواعد دينهم، والسير على هداها فسوف يعيدون إلى المجتمع الإنساني نعمة الأمن، ويخرجونه من جو القلق والرعب إلى جو الطمأنينة والسعادة والله يهدى إلى سواء السبيل، نسأله جلت قدرته أن يعيد للمسلمين عزهم ومجدهم إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] لطفي عبد السميع، الإسلام في أسبانيا ص٣١.٣٠. [٢] المقري، نفح الطيب جـ١ ص٢٩٨. [٣] جوت هل، الحضارة العربية ص١١٩. [٤] ابن حوقل، المسالك والممالك ص٧٩.٧٨. [٥] ابن خلكان، وفيات الأعيان جـ١ ص١٣١.١٣٠. [٦] ابن خلدون، كتاب العبر جـ٤ ص ١٤٦. [٧] المقري، نفع الطيب ج١ ص ٢٥٠. [٨] المدوّر. الديانات والحضارات ص ٦٧. [٩] علي الخربوطلي: العرب والحضارة ص ٣١٣. [١٠] المدور الديانات والحضارات ص ٧٠. [١١] سعيد عاشور. أوروبا في العصور الوسطى ص ٢١٧. [١٢] بالنشيا، تاريخ الفكري الأندلس ص ٥٣٦. [١٣] هل، الحضارة العربية ص ١٢٠. [١٤] أماري، مكتبة صقلية العربية جـ١ ص ٤٢٧،٤٢٩. [١٥] ابن الأثير، الكامل جـ١ ص ٥٤،٥٣ [١٦] رحلة ابن جبير ص ٢٢٨. [١٧] أماري، مكتبة صقلية العربية ص ٤٧٢ [١٨] رحلة ابن جبير ص٣٣١. [١٩] المقريرزي، السلوك لمعرفة دول الملوك ج١ ص٣٨٢ [٢٠] أبو المحاسن، النجوم الزاهرة ج٦ ص٢٨٣

стр. 11057

[٢١] المقريزي، الخطط، ج١ ص٢١٩ [٢٢] ابن الأثير، الكامل جـ١ ص٤٥.٤٤. [٢٣] ابن الأثير، الكامل جـ٨ ص٤٥.٤٤. [٢٤] فيليب حتى، تاريخ العرب جـ٢ ص٨٢٢. [٢٥] إسحاق أرملة، الحروب الصليبية ص١٠٦ [٢٦] ابن شداد. سيرة صلاح الدين ص ٦٧٠٦٦. [٢٧] أبو الفداء المختصر في أخبار البشر جـ٤ ص ٢٤. [٢٨] فليب حتى، تاريخ العرب جـ٢ ص ٨٥٧، ٨٥٨. [٢٩] السيوطي، حسن المحاضرة جـ٣ ص ١٦٨. [٣٠] فيليب حتى تاريخ العرب جـ٣ ص ٦٥. [٣١] جميل نخلة حضارة الإسلام ص ١٥١. [٣٢] إبراهيم العدوى، المسلمون والجرمان ص ٢٧٠. [٣٣] جمال سرور الدولة الفاطمية ص ١٧٦٠١٧٥

стр. 11058

كتاب في رؤية الله ﵎ تأليف أبي عبد الرحمن بن عمر بن محمد، المعروف بأبي النحاس تحقيق وتخريج الشيخ محفوظ الرحمن بن زيد الله السلفي المعيد بكلية الحديث بالجامعة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. لاشك أن رؤية الله في الآخرة قد ثبتت في الآيات الكريمة نحو قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (سورة القيامة الآية ٢٣- ٣٣) وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (سورة يونس الآية ٣٦) والأحاديث الصحيحة المتواترة التي تدل دلالة ناصعة على وقوع رؤية الله تعالى، وهي حقيقة لا ينكرها إلا من زاغ قلبه وعمى بصره. فأنكر الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرها من الفرق الضالة، وحملوا هذه النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة حسب هواهم على غير محملها، وأولوها تأويلا لا يحتمله العقل السليم والفكر الصائب، ولا توافقه اللغة العربية وأساليبها؛ وذلك لإشباع غرائزهم الخبيثة، وتأييد معتقداتهم الفاسدة التي ترفضها نصوص الكتاب والسنة رفضا باتا. لذلك فقد تناول علماء السلف هذا الموضوع- منذ قديم- بالبحث والدراسة والأخذ والردّ، فمنهم من استعرضه في كتبهم كباب من أبوابها، وذلك في حقول مختلفة: * كتب التفسير. * كتب الصحاح والسنن. * كتب المذاهب والفرق. * كتب العقيدة. وغيرها.

стр. 11059

ومنهم من أفرد في هذا الموضوع كتبا رسائل مستقلة منها ما يلي: ١- النظر إلى الله تعالى لابن وضاح: محمد بن وضاح بن بزيع أبو عبد الله (ت: ٢٨٦ هـ) مخطوط في مكتبة حسن حسنى التونسي [١] ٢- جواز رؤية الله تعالى بالأبصار: لأبى الحسن الأشعري، على بن إسماعيل (ت: ٣٢٤ هـ) . ٣- جواز كتاب العمد في رؤية الباري له ذكرهما البغدادي في هدية العارفين ٦٧٧/١. ٤- الرؤية لأبى أحمد العسال، محمد بن أحمد (ت: ٣٤٩ هـ) كما ذكره البغدادي في هدية العارفين ٤٣/٢. ٥- التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجرى، محمد بن الحسين بن عبد الله (ت: ٣٦٠) مخطوط، توجد في مكتبة الجامعة الإسلامية نسختان مصورتان من دار الكتب الظاهرية بدمشق [٢] . ٦- كتاب الرؤية للدار قطني، علي بن عمر البغدادي (ت: ٣٨٥ هـ) مخطوط، توجد في الجامعة الإسلامية صور منه وهي مصورة من اسكوريال بأسبانيا [٣] ٧- كتاب في رؤية الله لابن النحاس، وهو هذا الكتاب الذي نتشرف بتقديمه للقراء. ٨- الضوء الساري إلى صرف رؤية الباري لأبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي (ت: ٦٦٥ هـ) توجد في الجامعة الإسلامية نسخة مصورة من ريوان كشك بتركيا. ٩- رسالة في رؤية الله تعالى للنساء لابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت: ٧٢٨ هـ) ذكرها ابن عراق في تنزيه الشريعة: ٢/٣٨٤ ١٠- الغنية في مسألة الرؤية لابن حجر العسقلانى (ت: ٨٥٣ هـ) مخطوط. وهي موجودة في معهد المخطوطات بالقاهرة ١٣٣/١. ١١- رسالة في مباحث الهوية والكلام لخطيب زاده، محمد إبراهيم، مخطوط. توجد نسخة في الجامعة الإسلامية وهي مصورة من اسكوريال بأسبانيا. ١٢- إسبال الكساء في رؤية الله للنساء للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت:٩١١ هـ) مطبع. ١٣- تحفة النساء في رؤية الله للنساء للسيوطي، توجد منه نسخة خطية في الجامعة الإسلامية.

стр. 11060

١٤- اللفظ الجوهري في رد خباط الجوجري للسيوطي، مخطوط توجد في الجامعة الإسلامية وهي مصورة من دار الكتب الظاهرية بدمشق. ١٥- البغية في مسألة الرؤية للشوكاني محمد بن على (ت: ١٢٥٠ هـ) كما ذكرها البغدادي في هدية العارفين ٢/٣٦٥. وتوجد منه نسخة في الجامعة مصورة من كلناؤ. ١٦- رؤية الله ﵎، رسالة قدمها الأستاذ أحمد الناصر الحمد لنيل درجة العالمية (ماجستير) . فمساهمة في الرد على زحمة الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم، والدفاع عن العقيدة الصحيحة أقدم إلى القراء الكرام هذا الجزء الصغير محققا، وأترك التفاصيل حول الرؤية واختلاف الفرق وأدلتهم العقلية والنقلية، ومن يريد التفصيل فليراجع كتاب التوحيد لا بن خزيمة، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وكتاب الرؤية للدار قطني، وشرح السنن لللالكائي، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، وحادي الأرواح لابن القيم، والنهاية لابن كثير رحمهم الله تعالى. ترجمة ابن النحاس اسمه ونسبه: هو عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد، أبو محمد التجيبي [٤] المصري المالكي، البزار، المعروف بابن النحاس [٥] . مولده: ولد بمصر ليلة الأضحى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة من الهجرة [٦] . نشأته: قد اعتنى ابن النحاس بالعلوم الإسلامية منذ طفولته، وبدأ يتردد على مجالس العلماء ويتلقى الحديث والفقه وغيرهما، فأوّل سماعه كان في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة حينما كان عمره ثماني سنين فقط [٧] . وحج سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وجاور بمكة، وسمع من ابن الأعرابي شيخ الحرم في وقته فأكثر عنه [٨] حتى صار من أبرز تلامذته، وقد روى عنه المعجم [٩] .

стр. 11061

وواظب ابن النحاس بالجد والاجتهاد على طلب علم الحديث والفقه، وبرع حتى صار محدثا وفقيهاً، ومسند الديار المصرية في وقته، فهو كما قال الإمام الذهبي: "الشيخ الإمام الفقيه المحدث الصدوق، مسند الديار المصرية [١٠] . وذاع صيته في العالم حتى عزم الخطيب على الرحلة إليه فلم يقض [١١] . رحلاته: لم تشر المصادر إلى أنه ارتحل إلى خارج الديار المصرية، غير أنه حج سنة تسع وثلاثين، وجاور وسمع من ابن الأعرابي [١٢] . مشايخه: سمع بمكة وبمصر من خلق كثير لا يمكن حصرهم، وأكتفي بذكر بعضهم مرتبا إياهم على حروف المعجم مع ذكر تاريخ وفياتهم- إن وجدته-. ١- أحمد بن بهزاد السيرافي، مسند مصر (ت: ٣٤٦ هـ) . ٢- أحمد بن عبد الله بن الحسن، أبو هريرة العدوى (ت: ٣٤٦ هـ) . ٣- أحمد بن محمد بن زياد، أبو سعيد، ابن الأعرابي (ت: ٣٤٠ هـ) . ٤- أحمد بن محمد الصابوني، أبو الفوارس (ت: ٣٤٩ هـ) . ٥- أحمد بن محمد بن عمرو، أبو طاهر المديني (ت: بمصر: ٣٤١ هـ) . ٦- أحمد بن محمد بن فضالة الدمشقي (ت: بمصر: ٣٣٩ هـ) . ٧- الحسن بن مروان القيسراني. ٨- الحسن بن يوسف بن مليح الطرائفي (ت: ٣٤٠ هـ) ٩- سليمان بن داود العسكري (ت: ٣٣٨ هـ) . ١٠- عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، أبو سعيد صاحب تاريخ مصر (ت: ٣٤٧ هـ) . ١١- عبد الله بن جعفر بن الورد (ت: ٣٥١ هـ) . ١٢- عبد الله بن محمد بن الخصيب. ١٣- عثمان بن شعبان، أبو عمرو القرظي الياسري. ١٤- عثمان بن محمد، أبو عمرو المحدث السمرقندي (ت: ٣٤٥ هـ) . ١٣- على بن عبد الله بن أبي مطر الإسكندراني، قاضي إسكندرية ومسندها (ت: ٣٣٩ هـ) . ١٦- الفضل بن وهب. ١٧- محمد بن إبراهيم بن حفص البصري. ١٨- محمد بن أيوب بن الصموت، الرقى نزيل مصر (ت: ٣٤١ هـ)

стр. 11062

١٩- محمد بن بشر، أبو بكر العكري الزنبري، مسند مصر (ت: ٣٣٢ هـ) . ٢٠- محمد بن وردان العامري. وغير هم [١٣] . تلامذته: قد سمع منه خلق أذكر بعضهم: ١- إبراهيم بن سعيد بن عبد الله، أبو إسحاق الحبال (ت: ٤٨٢ هـ) . ٢- أحمد بن أبى نصر. ٣- الحسين بن أحمد العداس. ٤- خلف بن أحمد. ٥- عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري (ت: ٤٦١ هـ) . ٦- عبيد الله بن سعيد بن حاتم، أبو نصر السجزى (ت: ٤٤٤ هـ) . ٧- عثمان بن سعيد القرظي، أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) . ٨- علي بن الحسن أبو الحسن الخلعي صاحب الخلعيات (ت: ٤٩٢ هـ) . ٩- محمد بن سلامة بن جعفر القضاعى (ت: ٤٥٤ هـ) . ١٠- محمد بن عبد الله بن علي أبو عبد الله الصوري (ت: ٤٤١ هـ) . وغير هم [١٤] . مؤلفا ته: ١- مشيخة، وهي في جزئين كما ذكره الذهبي [١٥] . ٢- كتاب في رؤية الله تعالى وهو هذا الكتاب الذي نقدمه للقراء. وفاته: توفي ابن النحاس بمصر في ليلة الثلاثاء، في العاشر أو الثالث عشر من صفر، سنة ست عشرة وأربعمائة [١٦] . وعاش اثنتين وتسعين وشهرين. توثيق نسبة الكتاب: إن المصادر القديمة لم تشر إلى هذا الكتاب ولا إلى مؤلفه، وكذلك اسم المؤلف لم يذكر على طرة الكتاب، ولكن الشيخ الألباني حفظه الله ذكره في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية من مؤلفات ابن الأعرابي [١٧] . وتبعه فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي [١٨] . ولعل السبب أن الكتاب واقع بعد كتاب المعجم لابن الأعرابي برواية ابن النحاس، والأحاديث في أول الكتاب وفي آخره قد رويت من طريق ابن الأعرابي.

стр. 11063

ولكن بعد التدقيق ظهر لي أن الكتاب ليس لابن الأعرابي، بل لتلميذه عبد الرحمن ابن عمر المعروف بابن النحاس؛ لأن الكتاب يحتوى على ثمانية عشر حديثا من إحدى وعشرين طريقا وهي مروية عن تسعة مشايخ غير ابن الأعرابي وهم: ١- أحمد بن عبد الله بن الحسن، أبو هريرة العدوى فقد روى عنه حديثا واحدا [١٩] . ٢- الحسن بن يوسف بن مليح الطرائفي، روى عنه حديثين [٢٠] . ٣- سليمان بن داود أبو القاسم العسكري، روى عنه حديثا واحدا [٢١] . ٤- عبد الله بن جعفر بن محمد بن داود أبو محمد، روى عنه حديثين [٢٢] . ٥- عثمان بن شعبان، ابن عمرو القرظي روى عنه حديثا [٢٣] . ٦- على بن أحمد بن على الحربي روى عنه حديثا واحدا [٢٤] . ٧- محمد بن عبد الله بن محمد بن هاشم الأزدي، روى عنه حديثا واحدا [٢٥] . ٨- محمد بن ملاق بن نصر بن سلام العثماني، روى عنه أربعة أحاديث [٢٦] . ٩- يحيى بن الربيع بن محمد بن الربيع، أبو الفضل العبدي روى عنه حديثا واحدا [٢٧] وأما ابن الأعرابي فقد روى عنه سبعة أحاديث فقط [٢٨] . فعرف من هذا أن سبعة أحاديث فقط رويت عن طريق ابن الأعرابي والباقي عن طريق غيره، وهذا يرجع أن الكتاب ليس لابن الأعرابي بل لتلميذه ابن النحاس. ومن الجدير بالذكر أنه ورد في حديث رقم: ١٢: "نا أبو القاسم سليمان بن داود- في مسجده بالعسكر سنة ثمان وثلاثمائة"، وأضفت أنا كلمة (وثلاثين) بين القوسين تقويما للنص اعتماد على بقية أسانيد الأحاديث؛ لأن النسخة- فيما ترجح لدي من تأليف ابن النحاس لابن الأعرابي؛ ويؤيد صنيعي هذا أن في الحديث رقم ١٤ "نا أبو عمرو عثمان ابن شعبان- سنة ثمان وثلاثمائة- وسقطت منه كلمة "وثلاثين"فأضافها كاتب النسخة في الحاشية (١/٣٥٤) . وصف المخطوطة:

стр. 11064

لم أعثر إلا على هذه النسخة الفريدة فقط وهي مصورة من دار الكتب الظاهرية بدمشق، مع كتاب المعجم لابن الأعرابي برواية ابن النحاس. الخط:- خطها مغربي جيد، وكثير من الكلمات قد استدركت على الحاشية، كما أن شرح بعض الكلمات ذكر على الهامش. الناسخ: لم يعرف. تاريخ النسخ: سبع عشرة ليلة خلت من صفر من سنة سبع وأربعين وأربعمائة [٢٩] . عدد الأوراق: خمس ورقات جاءت بعد كتاب المعجم لابن الأعرابي (٢٥٠/١.٢٥٥/١) . عدد السطور: ١٨ سطرا في كل صفحة. عدد الكلمات: في كل سطر اثنتا عشرة كلمة إلى ثماني عشرة كلمة. مقاسها: ١٩ ×٣٥ سم عملي في الكتاب: ١- حاولت تقويم النصوص بالرجوع إلى مصادر الحديث. ٢- وضعت ما أضفته مما تستلزمه سلامة النص بين قوسين هكذا: [] . ٣- بينت مواضع الآيات من السور استعملت القوسين هكذا () للآيات. ٤- خرّجت الأحاديث، وذكرت أولا اسم المؤلف، ثم اسم الكتاب، ثم الباب، إذا كان مرتبا على الأبواب، والترجمة إذا كان في كتب التراجم، ثم ذكرت أقوالهم إذا وجدت في ذكرها فائدة، ثم ذكرت الجزء والصفحة في المطبوعات والورقة واللوحة في المخطوطات. وإذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فلم أذكر مصادر أخرى إلا إذا كان لذكرها فائدة. ٥- حكمت على الأحاديث. ٦- ترجمت للرواة الواردين في الكتاب إلا الصحابة والثقات الموجودين في تقريب التهذيب لا بن حجر- إن وجدتها- وضبطت الأسماء والأنساب التي تحتاج إلى ضبط. ٧- شرحت الكلمات الغريبة الواردة في الكتاب. ٨- أشرت لبدء أوراق المخطوطة واللوحة؛ ليسهل الرجوع إليها؛ ووضعتها بين قوسين ورمزت لوجه اللوحة (١) ولظهرها (٢) فمثلا (٢٥٢/١-٢٥٢/٢) . ٩- كتبت مقدمة وجيزة ذكرت فيها ترجمة المؤلف وتوثيقهما نسبة الكتاب إليه.

стр. 11065

١٠- أثبت المصادر والمراجع في آخر الكتاب مع ذكر المؤلفين، ومكان طبعها إذا كانت مطبوعة، ومكان وجودها إذا كانت مخطوطة، وفهرست الأحاديث وتركت الفهارس الأخرى؛ لأن المقام لا يتحملها. الرموز: نا= حدثنا ثنا= حدثنا أنا= أخبرنا ح= تحويل السند بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله ١- أنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس قراءة عليه، أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن الأعرابي [٣٠] بمكة في شوال من سنة أربعين وثلاثمائة، نا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، نا وكيع بن الجراح، نا إسماعيل ابن أبا خالد، عن قشي بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون [٣١] في رؤيته فان استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " [٣٢] . ٢- أنا أبو سعيد بن الأعرابي، نا سعدان بن نصر المخرّمي [٣٣] نا سفيان بن عيينة، نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ نحوه [٣٤] . ٣- أنا أبو سعيد بن الأعرابي، نا أبو أمية بكر بن فرقد التميمي [٣٥] نا يحيى ابن سعيد [٣٦] نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيل بن أبي حازم عن جرير عن النبي ﷺ نحوه [٣٧] .
следующие страницы →