← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وما أن حل اليوم السادس من كانون الأول سنة ١٥٢٥ حتى كان سفير فرانسة (فرانكيان) على عتبة الباب العالي يلتمس مقابلة السلطان.. وقد رحب السلطان الداهية بمقدم السفير، وأكرم مثواه، وبالغ بالحفاوة به، لأنه - وهو الخبير بالوضع الدولي في مصر - سيعرف كيف يستغله حتى الثمالة. وينهي السفير إلى مسامع السلطان حالة مليكه، وأنه وقع في أسر شارلكان، وأنه لم يتخلص من الأسر إلا بعد أن أبرم مع خصمه معاهدة جائرة مهينة، وأنه يرجو جلالة السلطان مساعدته على هذا الخصم العنيد، وذلك بالانقضاض عليه من جهة المجر (هنغاريا) كيما يشغله عن جيوش فرانسة التي أرهقها وفل حدها ... وبعد أن تدارس السلطان الحالة مع رجاله يعد السفير في بساطة متناهية باحتلال المجر، ولم ير أن يعقد معه معاهدة بل اكتفى بتزويده في أوائل ربيع الثاني سنة ٩٣٢هـ برسالة إلى مليكه يعده فيها النصر، وإلى القارئ الكريم خلاصة هذه الرسالة: "الله العلي المعطي المغني المعين:

стр. 107

بعناية حضرة عزة الله جلت قدرته، وعلت كلمته..... أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين متوج الملوك، ظل الله في الأرض، سلطان البحر الأبيض، والبحر الأسود والأناضول، والروملي، وقرمان الروم، وولاية ذي القدرية وديار بكر، وكردستان، وأذربيجان والعجم، والشام، وحلب، ومصر، ومكة، والمدينة، والقدس، وجميع بلاد العرب واليمن، وممالك كثيرة أيضا أفتتحها آبائي الكرام، وأجدادي العظام، بقوتهم القاهرة، أنار الله براهينهم، وبلاد أخرى كثيرة، أفتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر، أنا السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان إلى فرنسيس ملك ولاية فرانسة، وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم (فرانقيان) النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيا، وأعلمنا أن عدوكم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم، وكل ما قلتموه عرض على أعتاب سرير سدتنا الملوكاتية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار تمامه معلوما، فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم، فكن منشرح الصدر ولا تكن مشغولا الخاطر، فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام، نور الله مراقدهم، لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد، ورد العدو، ونحن أيضا سالكون على طريقتهم، وفي كل وقت نفتح البلاد الصعبة، والقلاع الحصينة، وخيولنا ليلا ونهارا مسرجة، وسيوفنا مسلولة، فالحق ييسر الخير بإرادته ومشيئته، وأما باقي الأحوال فتفهمونها من تابعكم المذكور، فليكن معلومكم هذا". تحريرا في أوائل شهر آخر الربيعين سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة. دار السلطنة العلية القسطنطينية المحروسة المحمية

стр. 108

لا شك أن أسلوب هذه الرسالة إن من جهة الصياغة أو المضمون لم يعد مألوفا في الأوساط الدبلوماسية المعاصرة، غير أن الذي يهمنا منها الآن شيئان: الأول أنها تعبر عن سمو المنزلة التي كانت تحتلها الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر، والثاني أنها لم تكن مجرد تبجح وكلام فارغين، فيها أن صاحبها يعززها بفعال مجيدة لعلها أقوى في عالم الواقع من معاني هذه الرسالة في عالم الرسائل، وآية ذلك أنه ما كاد يحل اليوم الخامس عشر من نيسان سنة ١٥٢٦حتى كان السلطان نفسه مع وزرائه الثلاثة على رأس جيش جرار في طريقة إلى بلاد المجر (هنغاريا) ، وكان هذا الجيش مؤلفا من مائة ألف مقاتل مدججين بأحدث الأسلحة المعروفة لذلك العصر، منها ثلاثمائة مدفع، ومزودين بثمانمائة سفينة تمخر نهر الدانوب (الطونة) لنقل الجنود والعتاد من جهة إلى أخرى عند الضرورة ... (معركة موهاكس)

стр. 109

وبعد أن يستولي الجيش على عدد من الحصون والقلاع الواقعة على نهرالدانوب ينتهي يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة الموافق (٢٨-٨-١٥٢٦) إلى وادي موهاكس، وهناك يبدأ تعبئة تدل على البراعة الفائقة في الفنون العسكرية ... لقد جعل ثلاثة خطوط وكمن السلطان ومعه جميع المدافع في الخط الخلفي، ثم نشبت الحرب وحمي الوطيس، وانقض مقاتلة المجر الأشداء المعروفون بالشجاعة والبأس على جنود الخط الأول العثماني، وما هي إلا جولات قصيرة حتى تراجع العثمانيون إلى ما وراء مواقع المدفعية ... وما أن أقترب الجيش المجري من المواقع حتى قصفته المدفعية قصفا شديدا، فأذهلته عن نفسه، وملأته رعبا، وأجبرته على التقهقر، وعندها حمل عليه جند الله حملات صاعقة أتوا خلالها على أكثر فرسانه، وفي جملتهم ملكهم الذي هلك ولم يعثر لجيشه على أثر، ومن لم يقتل من هؤلاء هام على وجهه يلتمس النجاة بعار الفرار، وهكذا تحطم الجيش المجري، وضاع استقلال البلاد التي سقطت بأيدي المسلمين ... وسار سلطانهم وألوية النصر تخفق فوق رأسه حتى دخل العاصمة في ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وكانت تسمى (بود) وهي بودابست اليوم. واجتمع الأعيان ورجال الدين وقدموا إليه مفتاح العاصمة علامة خضوع واستسلام، ويأبى الفاتح المسلم شأن ذوي النفوس الكبيرة المؤمنة، إلا أن يكون كريما في معاملة الذين كانوا إلى أيام خلت خصومة الألداء، فيعفوا عنهم، ويؤمنهم على أموالهم ونفوسهم وذراريهم، ويتوج عليهم ملكا من بني دينهم، هو (جان زابولي) أمير ترانسلفانيا. وبعد أن يطمئن السلطان إلى سلامة التدابير التي اتخذها، يعود إلى عاصمته استنبول يحفه النصر ويحدوه الجلال، وقد بر بوعده الذي وعده للعاهل الفرنسي، وتوج ملكا، وبسط حكم الآستانة على مملكة جديدة من ممالك أوربة الشرقية ...

стр. 110

هكذا أيها القارئ، هكذا كان أجدادنا المسلمون، وإلى عهد ليس ببعيد يدوخون الممالك، ويتوجون الملوك، ويوقدون مشاعل الهداية في طريق الإنسانية التائهة ... هذه فعالهم يوم كانوا يعتصمون بالإسلام، يوم كانت تعاليمه تفجر في نفوسهم روح الفداء، وطاقات النصر، يوم كانت تخفق فوق هاماتهم ألوية القرآن والسنة. إننا لا نريد البكاء، فالبكاء لا يجدي، ولا نريد التأوه فهذا ما نتركه للفتيات، ولكنا نريد تمثلا حقيقيا للإسلام الحقيقي، إسلام القرآن والسنة، إسلام أبي بكر وعمر وخالد وصلاح الدين ... الإسلام الذي جعل منا خير أمة أخرجت للناس ... أنت معي أيها القارئ في أنه لا داعي لليأس مهما أظلمت الآفاق من حولنا، إن عهدنا بالغلب والمجد ليس ببعيد، والعلاج لواقعنا المرير ما يزال بين أيدينا محفوظا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فمتى نتحلى بالإخلاص والشجاعة الكافيين لتناوله كما أنزله الله، وفي غير مواربة أو تحريف، فإن مصارع المبادئ في تعاريج المواربة، وفي ظلمات التحريف ... في تناول هذا العلاج، وعلى النحو الذي ذكرت، كيما نجدد لأنفسنا وللبشر قاطبة حياة يسري في أوصالها نسغ القرآن والسنة، وتضئ على طريقها مصابيح الحق والعدالة والحرية؟؟ أرى برغم كثافة الظلام مشاعل تضئ في جنبات وجودنا الفكري والاجتماعي، وعما قريب، وبفضل الله ثم بفضل الطلائع الواعية المؤمنة سينجاب الظلام، ويشرق النور. ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. أيهما ألزم؟ هل يشفى المريض المدنف باقة من الدهر، أم حقنة من البنسلين؟. وهل يكفي الجائع لحن مطرب، أم رغيف مشبع؟. وهل يسعد الفقير أن تزين له جدرانه بالرسوم، أم أن تهيء له مايحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص، أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟

стр. 111

((مصطفى السباعي)) --- (١) ولد هذا الإمبراطور سنة ١٥٠٠وهو من جهة أمة حفيد فرديناند وايزابلا ملكي أسبانيا اللذين انتهي على عهدهما وجود المسلمين في الندلس، وقد قضى معظم أيامه في محاربة فرنسا والبروتستانت، كما حارب خير الدين باشا أمير البحر العثماني المعروف. وفي سنة ١٥٥٦سئم الحياة السياسية فتنازل عن أسبانيا لأبنه فيليب الثاني، وعن ألمانيا وما يتبعها لأخيه فرديناند، والتحق بإحدى الأديرة وبقي فيه حتى مات سنة ١٥٥٨.

стр. 112

طرائف – وسوانح غرائب الشعر: ذكروا أن البيت الذي لا يمكن لمسه قول الشاعر: تقشع غيم الهجر من قمر الحب وإشراق نور الصلح من ظلمة العتب لأن كلا من الغيم والهجر والقمر والحب والنور والصلح والظلمة والعتب أشياء لا تلمس. وذكروا أن البيت الذي يعظم وعيده ويصغر خطبه قول عمرو بن كلثوم: كأن سيوفنا منا ومنهم مخاريق بأيدي لا عبينا لأنه أنحط بسيوفهم لما شبهها بمخاريق اللاعبي. فلسفة الأجواد: للأجواد والكرماء فلسفة تظهر لك ما وراء سجيتهم من حكمة، ومن ذلك قول حاتم: أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر أمأوى إن يصبح صداي بقفرة من الأرض لاماء لدي ولا خمر ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني وأن يدي مما بخلت به صفر أماوي إن المال مال بذلته فأوله سكر وآخرة ذكر وللبخلاء أيضا فلسفتهم: فقد ذكر أبو عمرو الجاحظ قال: قال إسماعيل سمعت الكندي يقول: إنما المال لمن حفظه، وإنما الغنى لمن تمسك به، ولحفظ المال بنيت الحيطان، وغلقت الأبواب، واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال، ونقشت الرشوم والخواتيم، وتعلم الحساب والكتاب، فلم يتخذون هذه الوقايات دون المال وأنتم آفته، وقد قال الأول أحرس أخاك إلا من نفسه، ولكن احسب أنك قد أخذته في الجو اسق وأودعته الصخور ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين لك بألا تكون أشد عليه من السارق، وأعدى عليه من الغاصب، وأجعلك قد حضنته من كل يد لا تملكه، كيف لك من أن تحصنه من اليد التي تملكه وهي عليه أقدر، ودواعيها أكثر، وقد علمنا أن حفظ المال أشد من جمعه.. فالمال لمن حفظه والحسرة لمن أتلفه، وإنفاقه هو تلافه وإن حسنتموه بهذا الاسم وزينتموه بهذا اللقب. وخير من هذا وذاك قول الحكيم الخبير : ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ . غرائب السؤال:

стр. 113

طلاب العلم يعلمون معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . فالسؤال له حدوده وآدابه، ولكن صنفا من الناس لا يدرك ذلك فيقع منه من التنطع والإغراب في السؤال شيء مضحك، وللعلماء ﵏ أجوبة لطيفة ومواقف ظريفة فيها التخلص والتأديب والحكمة، من ذلك ما روي أن عمر وبن قيس وكان أحد العلماء الأجلاء سأله رجل عن الحصاة من حصى المسجد يجدها الرجل في جبهته أو في ثوبه أو خفه فقال: "أرمها"، قال الرجل: "زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد ... "فقال: "دعها تصيح حتى ينشق حلقها"، فقال الرجل: "سبحان الله أو لها حلق؟ "قال: "فمن أين تصيح إذن؟ ". ومن حيلة اللطيفة ﵀ أنه جلس للدرس يوم الشك من شعبان، فتوارد عليه الناس كل يسأله عن صيام هذا اليوم حتى ضجر منهم، فأرسل إلى منزله فدعا برمانة ووضعها في حجره فكان كلما لمح إنسانا يتقدم للسؤال، أخذ حبة منها وأكلها فيرجع السائل وقد حصل على الجواب، بدون أن يتكلف مئونة الخطاب.. وقد كان الصحابة ﵃ يكرهون كثرة السؤال والتعمق في المسائل والفرضيات، امتثالا لقول نبيهم ﷺ : "إن الله كره قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"، وقد ذكروا أن ابن عباس وقف عليه رجل في المسجد في حلقته وقال: "لو حدث كذا وكذا فما الحكم"، قال: "أحدث ذلك.."قال الرجل: "لا"، قال: "فدعه حتى يحدث".

стр. 114

وأما كثرة السؤال في المتشابه وفي العقائد، فقد كانوا ينكرون عليه أشد الإنكار، ومن ذلك ما روى البيهقي أن مالكا ﵀ سأله رجل عن الاستواء فأطرق وأخذته الرحضاء وقال: "الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة أخرجوه"، وروي أن رجلا في عهد عمر يدعى صبيغ بن عسل كان يجادل الناس في المتشابه فدعا به عمر وسأله أن يعيد عليه كلامه، فلما سمع منه أمر بجريد أخضر رطب فأتي بحزم منه، فقال: "سبيل محدثة"، ومازال يجلده حتى أدمي ظهره، ثم تركه حتى برئ فدعا به وجلده حتى أدمي ظهره، ثم تركه حتى برئ ثم دعا به ليجلده فقال الرجل: "إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد مداواتي فقد والله برئت"، فنفاه إلى أرضه وأمر واليها بأن يعتزله الناس ولا يكلموه. وليت شعري: إذا أراد حاكم اليوم أن يتبع سنة الفاروق هذه كم رجلا يجلد.. وكم رجلا يطرد.. فقد أصبح أكثر من رأى نفسه يحمل قلما يتشدق على دين الله بما لا يرضى الله.. فنسأل الله العصمة من الزلل، والسداد في القول والعمل..

стр. 115

طرق الدعوة إلى الله للشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في الجامعة الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد: فإن الدعوة إلى الله سبحانة وتعالى هي أشرف الوظائف وأفضل الأعمال، فإنها الوظيفة الأساسية للنبيين والمرسلين، والعمل الرئيسي لسائر الهداة المصلحين، وقد نص الله ﵎ في محكم كتابه على أن أحسن الناس قولا هم الدعاة إلى الله وفي ذلك يقول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . كما أشار رسول الله ﷺ إلى أن الداعين إلى الله العاملين بعلمهم المعلمين لغيرهم هم أعلى الناس درجة، وأكثر الناس تأثرا وتأثيرا بالدين الحنيف، وأعظم الناس انتفاعا بالغيث الذي أغاث الله به الأرض. فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".

стр. 116

كما أشار رسول الله ﷺ إلى عظيم مثوبة الدعاة عند الله. فقد روى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يده يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يعطاها فقال: "أين علي أبن أبي طالب؟ " فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه.."فأتى به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فقال علي ﵁: "يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا". فقال رسول الله ﷺ :" أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه. فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم.." يعني من أن تتصدق بأنفس المال. ولقد رسم القرآن الكريم خير مناهج الدعوة فيما وصف للدعاة من آياته المحكمة، وفيما قص الله ﵎ عن النبيين والمرسلين من طرق دعوتهم إلى الله تعالى التي تعتبر النموذج الأعلى للداعين إلى الله ، وقد وضع القرآن الكريم النظام الأساسي للدعوة إلى الله تعالى إذ يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وإذ يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . فقد طلب الله ﵎ من الداعي إليه أن يسلك طريق الحكمة في دعوته، والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، فاللين حيث ينفع اللين، والشدة حيث لا يجدي غيرها، فوضع اللين في موضع الشدة مضر كوضع الشدة في موضع اللين، على حد قول الشاعر:

стр. 117

فقد طلب الله ﵎ من الداعي إليه أن يسلك طريق الحكمة في دعوته، والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها، فاللين حيث ينفع اللين، والشدة حيث لا يجدي غيرها، فوضع اللين في موضع الشدة مضر كوضع الشدة في موضع اللين، على حد قول الشاعر: فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى ومن الحكمة في الدعوة معرفة نفسيات المدعوين ومنازلهم فدعوة الأمي غير دعوة المتعلم، والمستقيم في الجملة غير المنحرف والمعاند غير خالي الذهن، وسادة القوم غير عامتهم. وهذه القاعدة في الدعوة من أعظم أسباب نجاحها ولذلك دعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام أول الأمر سرا ثلاث سنوات. ولذلك كذلك جرب عقلاء الدعاة حتى ولو لم يكونوا مسلمين هذه الطريقة أعني طريقة الحكمة في الدعوة فنجحوا في نشر شرهم، فلقد أثر أن بوذا كان يبعث دعاته إلى نواح متفرقة من بلاد الهند لبث دعوته، وكان لا يبعث الداعية حتى يعقد له اختباراً نفسانياً ليرى مقدار تغلغل الفكرة في نفسه وصلاحيته للقيام بمهمة التبشير بها، ومن أمثلة هذا الإختبار أنه أراد أن يبعث داعية اسمه ((بورنا)) إلى قبيلة معروفة بالشراسة اسمها ((سرونا برانتا)) فقال بوذا للداعية: "إن رجال هذه القبيلة قساة سريعوا الغضب فإذا وجهوا إليك ألفاظا بذيئة خشنة ثم غضبوا عليك وسبوك فماذا كنت فاعلا؟ "فأجاب بورنا: "أقول لاشك أنهم قوم طيبون لينو العريكة لأنهم لم يضربوا بأيديهم ولم يرجموني بالحجارة"فقال: "بوذا فإن ضربوك بأيديهم ورموك بالحجارة فماذا كنت قائلا؟ "قال بورنا أقول: "إنهم طيبون إذا لم يضربوني بالسيوف". قال بوذا: "فإن قاموا عليك بالسيوف فماذا كنت فاعلا؟ " قال: "أقول إنهم طيبون إذا خلصوا روحي من سجن هذا الجسد بلا كبيرة" فقال له بوذا: "أحسنت يابورنا إنك تستطيع أن تسكن في بلاد قبيلة سروانا برانتا فاذهب إليهم وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك وكما تفريت

стр. 118

ففرهم". فذهب بورنا فدخل جميع أفراد هذه القبيلة في البوذية. ومن الحكمة الدعوة كذلك إلى اغتنام الفرص الملائمة للدعوة، ومن أروع الأمثلة على ذلك ما ذكر الله ﵎ في قصة يوسف ﵇ مع صاحبه في السجن إذ يقول: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذان السجينان رأى كل واحد منهما رؤيا، وهي رؤيا غريبة تستدعي الاهتمام لذلك بحثا عن معبر لها ولم يختارا غير يوسف الصديق، وكان الذي حملهما على اختياره دون غيره هو ما رأياه عليه من حسن السلوك والإحسان في القول والعمل، وما على وجهه من آثار الصلاح يدل على ذلك كله قوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وحينما رأى يوسف ﵇ حاجاتهما الماسة لتعبير هذه الرؤيا العجيبة، ورأى كذلك من حسن ظنهما فيه أغتنم هذه الفرصة لدعوتهم إلى الله ﵎، وكان من حكمته ﵇ أن يبدأ قبل دعوتهما إلى الله وقبل تفسير الرؤيا لهما بزيادة تعريفها بنفسه وتشويقهما إلى حديثه وبيان نعمة الله على أهل التوحيد فقال: ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ثم بين لهما أن الشرك بالله سبب لكل شر وأن توحيد الله سبب لكل خير فقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وأتبعت ملة وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ثم بعد كل

стр. 119

هذه التمهيدات العظيمة جرد الدعوة إلى التوحيد فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وبعد إقامة هذه الحجة على هذه الدعوة العظيمة فسر لكل واحد من صاحبي سجنه رؤياه في عبارة موجزة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض. فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ . ومن اغتنام الفرص في الدعوة كذلك أن يتخول الدعاة المدعوين بالموعظة الحسنة في غير إكثار ممل، فإن كثرة الكلام تنسيه وتمله، ولذلك كان رسول الله يتخول أصحابه بالموعظة الحسنة مخافة السآمة عليهم مع أن حديثه كان أعذب حديث يستمعون إليه على حد قول الشاعر: مشافهة يملي على فأنقل ولا حسن إلا سماع حديثكم وعلى حد قول الشاعر: أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها من الخفرات البيض ود جليسها

стр. 120

فقد كان ﷺ إذا تكلم كأن قطع السكر تتناثر من فمه ﷺ ، ولذلك جاء في حديث أم معبد في قصة الهجرة تصفه ﷺ لزوجها تقول: "رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي صوته صحل أي نبرات حلوة". ومع ذاك كله فقد كان لا يكثر على أصحابه وإنما يغتنم الفرصة فيتخولهم بالموعظة الحسنة مخافة أملالهم. فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة الاسدي الكوفي رحمة الله قال: "كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس مرة". فقال له رجل: "يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم". فقال: "أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة الحسنة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا". كما أشعر أن رسول الله ﷺ أن قصر الخطبة يوم الجمعة من فقه الرجل فقد روى مسلم في صحيحة من حديث عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه" فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، ولذلك كذلك كان رسول الله ﷺ قليل الكلام جدا على حد قول النابغة الجعدي ﵁ فيه ﷺ : ضمنا وليس بجسمه سقم نذر الكلام من الحياء تخاله ولقد كان السامع له ﷺ يستطيع أن يعد كلامه ومع ذلك إذا تكلم أعاد الكلمة ثلاثا ليفهم عنه ﷺ .

стр. 121

ومن الحكمة كذلك في الدعوة ملاحظة أقدار الناس وعدم التسرع في الكلام حتى تحين فرصة قد تكون الكلمة فيها خيرا من كثير من الكلام، ومن أمثلة ذلك ما ذكر بعض المشائخ أنه سافر إلى الهند في طلب العلم، وهناك وجد شيخا كبيرا مرهوب الجانب مسموع الكلمة ذائع الصيت يؤم مجلس درسه طلاب كثيرون وكان هذا الشيخ الهندي إذا أبتدأ درسه بدأه بسب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ والتحذير من مذهبه، فلما سمع ذلك الشيخ النجدي لم يسارع في الانكار عليه بل أخذ يدرس الطريقة التي يعرف فيها الشيخ الهندي بحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ دون إزعاج أو إثارة وأخيرا عرف أن الشيخ الهندي يجلس في بعض الأوقات عند بعض المكاتب وأن من عادته إذا جلس أخذ يطالع ما قرب منه من كتب، فاتصل الشيخ النجدي بصاحب المكتبة وصاحبه مدة ثم جاء بكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ثم خلع غلافه وما عليه من عنوان ثم وضع الكتاب قرب مجلس الشيخ فلما جلس الشيخ الهندي أخذ كعادته يقلب الكتب ووقع على هذه الرسالة التي لاتحمل عنوانا فلما أخذ يطالعها دهش لصغر حجمها وما أحتوته من قواعد في العقائد، ثم أخذ يسأل صاحب المكتبة عن اسم هذا الكتاب فقرب منه النجدي وقال له: "هل أعجبك يا شيخ؟ "قال: "إن فيه نفس محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وكأنه من تأليفه". فقال له الطالب: "هذا هو كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀"فقال الشيخ مندهشا: "النجدي؟ النجدي؟ "قال: "نعم"فأخذ يترحم عليه ثم صار لا يجلس مجلسا ألا أثنى فيه على الشيخ كفارة لما كان منه قبل ذلك.

стр. 122

ومن الحكمة في الدعوة كذلك مراعاة بيئة كل مدعو وضرب الأمثال النافعة له من واقع بيئته ولفت نظر المدعوين إلى نعم الله عليهم وإحسانه إليهم دون قسوة أو غلظة، بل يزن الكلام وزنا ويقدره تقديرا قبل أن يتكلم به، ثم يستشعر الداعية في نفسه موقف المدعو وكأنه هو وأن مراده من دعوته إنما هو سعادته في الدنيا والآخرة. ومن الحكمة كذلك تلوينها فالسرية حين يغلب على الظن أن تنفع السرية والجهرية والليلية حين تواتي الليلية والنهارية حين تواتي النهارية وفي ذلك كله يذكر الله ﵎ حكمة نوح ﵇ في دعوته إذ يقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ . ومن الحكمة في الدعوة أن يبدأ بالترغيب في الدنيا والتذكير بنعم الله على المطيعين وفي ذلك يقول ﵎ في قصة نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ .

стр. 123

ولذلك كله رأينا مؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه يقول لآل فرعون لما هددوا موسى ﵇ بالقتل قال هذا الداعية الصالح مع كتمانه إيمانه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم﴾ ثم يقول زيادة في التكتم: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُم..﴾ فقد قدم الكلام على احتمال كذبة على الكلام على احتمال صدقة زيادة في أمر كتمانه أمره، ثم كان من أروع طرق جداله أن يستدل على صدقة بسلامة سلوكه وحسن هديه ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ..﴾ وكأنه يقول: موسى صادق لأنه مهتد ولو كان كاذبا لم يكن مهتديا، فاستدل باهتدائه على صدقة ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . ولما رأى أن قومه مصرون على عداوة رسول الله والمحاربة لدين الله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَات فأ َطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ .

стр. 124

لما قال فرعون هذه المقالة لم يجد هذا المؤمن حيلة من إعلان إيمانه وليكن ما يكون وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ . ثم يقول: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ . أما القاعدة الثانية من قواعد الدعوة إلى الله فهي سلوك الموعظة الحسنة، والأقوال الرقيقة، والعبارات المؤثرة، وقد اشتملت الأمثلة التي ذكرت الكثير منها.

стр. 125

أما القاعدة الثالثة: فهي الجدال بالتي هي أحسن فيبتعد الداعية عن الأقوال الشنيعة والألفاظ البشعة، بل يستدل بالفعل عندما ينفع الاستدلال بالفعل وبالنقل عندما يرى الاستدلال بالنقل، ويلفت نظر المدعوين إلى آيات الله الكونية ويحرص أشد الحرص على الخصم بإقراره، وإلى ذلك كله يشير الله ﵎ إذ يقول: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ومن أعظم قواعد الدعوة الشاملة للقواعد الثلاث المتقدمة أن يكون الداعي على بصيرة، وبصيرة الداعية تسلك به أحسن السبل وتهديه أقوم الطرق. ولقد كان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في حسن الدعوة إلى الله قولا وعملا وسلوكا، وكذلك كان رسول الله ﷺ إذا بعث داعيا أمره بأحسن طرقها. فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: "بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا"كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا"

стр. 126

كما روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي بردة قال بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال: "يسرا ولا تعسروا وبشرا ولا تنفروا وتطاوعا ولا تختلفا" وكان من أمثلة ذلك عمليا من رسول الله ﷺ ما روى مسلم في صحيحة من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه. ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني.. قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ . وأبرز من ذلك ما روى البخاري وغيره "أن أعرابيا دخل المسجد ورسول الله جالس فصلى ركعتين ثم قال: اللهم أرحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي ﷺ "لقد تحجرت واسعا"ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد فأسرع إليه الناس فنهاهم رسول الله ﷺ وقال:" إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ثم أمرهم أن يصبوا على محل بوله ذنوبا من ماء.. ولما فرغ من بوله دعاه رسول الله ﷺ فقال له:"إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من البول والقذر أنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن.." ومن أعظم أسباب نجاح الدعاة أن يتحلوا بالصبر ولذلك قال لقمان لأبنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ .

стр. 127

كما أن من أعظم أسباب نجاح الدعاة كذلك أن يكونوا عاملين بما يدعون الناس إليه، منتهين عما ينهون الناس عنه، وقد وصف الله الذي يخالف قوله فعله بأنه ممقوت وفي ذلك يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ..﴾ ولله در الشاعر إذ يقول: هلا لنفسك كان ذا التعليم يا أيها الرجل المعلم غيره كيما يصح به وأنت سقيم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى فإذا انتهت عنه فأنت حكيم أبدا بنفسك فانهها عن غيها بالقول منك وينفع التعليم فهناك يسمع ما تقول ويهتدى عار عليك إذا فعلت عظيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ولذلك قال العبد الصالح شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب﴾ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كحنين مغترب إلى الأوطان أشواقنا نحو الحجاز تطلعت تسمو بفطرتها إلى الطيران إن الطيور وإن قصصت جناحها عن رقة الماء ولين الحرير يبتسم المسلم في سلمه إذا دعا الحرب ونادى النفير وتبصر الفولاذ في عزمه

стр. 128

قبسات من نور النبوة في الدعوة والتعليم للشيخ صالح رضا المدرس في الجامعة أمرنا الله - جلا وعلا - أن ندعو الناس إلى سبيله القويم، وطريقه المستقيم بالحكمة، والحكمة تعني أن يحاول الإنسان - ما استطاع - ليضع الشيء في محله الملائم له، وهذه الحكمة تقتضي الداعي أو المعلم أن يعلم - قبل الدعوة - كيف يخاطب النفوس، وما هي الوسائل التي تؤثر في النفوس الإنسانية فتجعلها تقبل ما يلقى إليها باهتمام وشغف، وبذلك يكون عمله مجديا ودعوته مؤثرة، وتعليمه مثمرا. والناظر في السنة النبوية يلمح صورا واضحة للطرق القويمة في مخاطبة النفوس، وتبين له السبل التي سلكها رسول الله ﷺ للتأثير في نفوس المخاطبين من الصحابة - رضوان الله عليهم - مما يدل على المعرفة التامة وتربيتها. وإني أحب أن أعرض شيئا من هذه الأمثلة الرائعة لتكون لنا نورا نستضئ به في الطريق الطويل الذي نسير به. من ذلك ما يعرف الآن في طرق التعليم بإثارة مشكله لإيجاد حل لها، ويكون ذلك بإلقاء سؤال يطلب من المخاطبين الجواب عليه، وإلقاء السؤال يجعل المسئولين في المشكلة ذاتها، فيبحثون عن حل مناسب، وجواب ملائم لما يعرض عليهم، فهم إذن ليسوا بعيدين يتكلمون عن شيء نظري، فها هي المشكلة أمامهم، والسؤال يحتاج إلى جواب، والجواب سيكون من واقع حياتهم، ومن تجاربهم التي يعرفونها، ثم سينتظرون الحكم النهائي والجواب القاطع من النبي ﷺ فبهذه الطريقة يضمن الداعية شيئين: ١- وضع السامعين في المشكلة ذاتها. ٢- لفت انتباههم، وإثارة أذهانهم لمعرفة الوجه الحق.

стр. 129

وهذا مما يجعل الجواب المتلقي يتلهف عليه، ويدخل إلى النفس مباشرة، فيمكث فيها دافعا إلى العمل الجاد، ومن هذه الصورة الرائعة في السيرة النبوية الحديث الوارد في السؤال عن (المفلس) ويبدو هذا السؤال سهلا ليس في الجواب عليه شدة وعناء، ولهذا سيكون جوابهم بما يعرفون ويعاينون في واقع حياتهم "المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع". هذه هي الصورة الشائعة المعروفة عندهم، قالوها بكل هدوء وتؤده، ولكن يا ترى: أليس هناك صورة أخرى للمفلس؟ لا شك في هذا الجواب إذ لو كان النبي ﷺ يريد هذا الجواب لما سأل لأنه يعرفه قطعا، ولذا كانت هذه النفوس متعطشة لمعرفة هذا المفلس، أو هذا المعنى الجديد للإفلاس، وسيقترن هذا المعنى الجديد بالمعنى العادي المعروف، فكلما مر المعنى الدارج فستنطلق النفس إلى المعنى الجديد، وتعلو بروحها وفكرها عن كل المعاني القديمة للإفلاس، ويثبت فيها أن المفلس هو "من يأتي بصلاة وصيام وزكاة -أي يأتي بعمل صالح - ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار" وإذا علمنا أن رسول الله ﷺ عندما كان يتكلم لم يكن يسرد الحديث سردا، بل لو شاء أن يعده العاد لاستطاع، عرفنا مدى تأثير هذا في نفوس السامعين، فالسامع للسؤال جالت في نفسه صورة الإفلاس الدنيوي، وربما خطر في فكره صور متعددة لأناس قد أفلسوا ولم يبق معهم درهم، ولم يملكوا متاعا، ثم سما بهم رسول الله ﷺ من هذا التصور إلى صورة جديدة فيقول: "المفلس من جاء بصلاة وصيام وزكاة". وهذا مما يدعوا إلى العجب فينبه العقول تنبيها قويا شديدا إذ كيف يكون من عمل عملا صالحا مفلسا؟ وأصبحت النفوس مستوفزة لتمام معرفة المفلس، وعند ذلك تأتي الصورة الكاملة وأنه قد أساء إلى المجتمع

стр. 130

بأعمال آخر ... وهنا تتساءل النفوس وكيف يعد من خلط في عمله مفلسا؟ هل يا ترى أي الأعمال السيئة تبطل الأعمال الصالحة؟! فيأتي الجواب بأن الأعمال الصالحة والأعمال السيئة إنما يجري يوم القيامة بينهما القصاص، فأيهما غلب حكم به على صاحبه، وتستكمل الصورة في نفوس السامعين ويعرفون أن المفلس: (هو الذي غلبت أعماله السيئة أعماله الصالحة مما أدى إلى معاقبته بجهنم) ، فإذاً تنتهي الصورة – صورة المفلس – بالألم، ألم النار، مما يدفع السامع عن كل ما يجعله من المفلسين، وسيحاول أن يكون دائما من الغانمين الرابحين. بهذا الأسلوب الرائع البديع وصل النبي الكريم ﷺ إلى هذه النتيجة التي يريد، وذا رأينا أعمال الصحابة توضح لنا صدق هذه النتيجة وأنهم كانوا أبعد ما يكون عن أعمال المفلس. فياليتنا نسلك هذه السبيل ونتبعها في الدعوة إلى كل ما نبغيه. وليس هذا هو المثل الوحيد في حياة المصطفى ﷺ في دعوته، وإنما هناك أمثلة كثيرة أذكر منها على سبيل التعيين لا الحصر: - حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا". يعيد السؤال ثلاث مرات، لتكون الإثارة أتم وأكمل، وتتنبه النفوس عن كل ما يشغلها، وتتهيأ لتلقى معرفة أكبر الكبائر فيقول: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"هاتان الكبيرتان اللتان يعرفهما كل مسلم لإشارة القرآن إليهما، وبعدئذ يغير أسلوب الكلام فيقول: "ألا وشهادة الزور"ولم يكتف بذلك فيكررها "وقول الزور"ثم يشرك في التنبيه السمع مع البصر "وكان متكئا فجلس". كل ذلك لتكون النفوس متقبلة آخذه بنهم وإقبال لما تسمع فتكون النتيجة التأثير العمل المطلوب، إذ كلما كان الكلام مؤثرا في النفس كان أكثر دفعا للتطبيق. وكذا الحديث الوارد في حجة الوداع حين سألهم: "أي شهر هذا؟! "

стр. 131

سؤال عجيب! رسول الله ﷺ يسأل عن شهر ذي الحجة؟ وما عرف الصحابة ما يقولون، أيقولون (ذو الحجة) ؟ وهو يعرف ذلك! ولذا ما كان جوابهم إلا أن قالوا: "الله ورسوله أعلم". وانتظروا جميعا الاسم الجديد الذي سيطلق على هذا الشهر، وعبر الراوي عن ذلك بقوله: "فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه". ثم قال: "أليس ذا الحجة؟ "قلنا: "بلى". ويكرر هذه السبيل في السؤال "أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ " وهم ينتظرون بعد كل سؤال الاسم الجديد للبلد الحرام وليوم النحر، وليس هناك اسم جديد. وإنما كان ذلك ليجعلهم متهيئين ليسمعوا أحكاما عامة، أحكام المودع، أحكام تشمل حياتهم كلها، ويحرم عليهم ويحل لهم فيقول: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". وهنا يبدو الهدف المقصود من السؤال عن الشهر والبلد واليوم، وذلك لأن حرمتها متقررة في النفوس، ثابتة عندهم لاشك فيها ولا ريب، فيعيد إلى الذاكرة حرمتها ليبني عليها حرمة الدماء والأموال والأعراض.. فستقترن هذه الثلاث بتلك، وتكون ثابتة كثبوت الأولى، متقررة كتقررها. فرسول الله ﷺ يعطينا مفتاح القلوب، وصمام النفوس بالسؤال، فإذا فتح القلب وتحفزت النفس للسماع، أعطى الجواب، ومنح المراد، ليستقر فيندفع صاحبها إلى العمل. فصلوات الله عليك وسلامه يا رسول الله! ماذا أقول؟ ألا أنك نبي الله بعثت للعالمين رحمة، وكنت بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فيا ليتنا نتأسى بك، ونهتدي بهديك في الدعوة والتعليمِِِِِِِِِِِِِِِِ من مثل محمد؟ لم يتفرد محمد ﷺ بأنه يمثل الكمال الإنساني المطلق من جميع نواحيه فحسب، بل هو يمثل النجاح المعجز في تربية النماذج الإنسانية الكاملة من الأفراد، والأمة الإنسانية الكاملة من بين الشعوب، فمن مثل محمد صلوات الله وسلامه عليه؟ من مثل محمد؟ ((الدكتور مصطفى السباعي))

стр. 132

ماليزيا.. بقلم: محمد أحمد ملاك كلية الشريعة تقع ماليزيا في منطقة جنوب شرقي آسيا ما بين خطي الطول ١٠٠و ١١٠إلى الشرق وخطي العرض ١ إلى ٢/ ٦١ إلى الشمال، يحدها شمالا بحر الصين الجنوبي ومملكة تايلاند وجزر الفلبين، وجنوبا الجمهورية الإندونيسية، وشرقا المحيط الباسيفيكي، وغربا مضيق ملاكا. وتبلغ مساحتها حوالي ٧٠٠ر٣٣٧ كيلومترا مربعا، وتنقسم ماليزيا جغرافيا إلى جزئين: ماليزيا الشرقية وهي الجزء الشمالي من جزيرة بورنيو وفيه ولايتا صباح وسرواك، وماليزيا الغربية وهي شبه جزيرة الملايو وفيها إحدى عشرة ولاية من ولايات الاتحاد الفدرالي الماليزي. وكان اتحاد الملايو قد نال استقلاله وأصبح دولة مستقلة في ٣١أغسطس ١٩٥٧م ثم تكونت بعد ذلك دولة ماليزيا بانضمام ثلاث ولايات أخرى كانت تحت الاستعمار البريطاني وهي سنغافورة وصباح وسرواك إلى اتحاد الملايو المستقل وذلك في ١٦ سبتمبر ١٩٦٣م بعد استفتاء كامل شامل دقيق أجراه مندوبو الأمم المتحدة وبعد التحقق من أن رغبات أهالي تلك الولايات الثلاث كانت في صالح الانضمام إلى الملايو في اتحاد فيدرالي واحد، محققا بذلك مشروع ماليزيا غير أن سنغافورة قد خرجت من عضويتها في اتحاد ماليزيا حيث أصبحت دولة مستقلة كاملة السيادة باسم جمهورية سنغافورة في ١٩ أغسطس ١٩٦٥م أي بعد حوالي سنتين من عضويتها في الاتحاد. والولايات المتحدة التي تكون منها اتحاد ماليزيا الآن هي ولايات جوهرر ملاكا، نجري سمبيلان، سلاغور، فاهنج، نيران، كلنتن، نرنفانو، قدح، فرليس، ونولومينغ. وهي الولايات الإحدى عشر في شبه جزيرة الملايو ثم الولايتان في جزيرة بورنيو وهما صباح وسرواك، ويفضل بين ماليزيا الشرقية وماليزيا الغربية فاصل مائي من بحر الصين الجنوبي يبلغ حوالي ٤٠٠ميلا.

стр. 133

وعاصمة ماليزيا الفيدرالية هي مدينة كوالالمبور التي تقع في ولاية سلا غور في ماليزيا الغربية وفيها جميع المرافق ومجمع الإدارات الحكومية الفيدرالية. وتجمع بين تلك الولايات وأهليها خصائص ومقومات الأمة الواحدة، وهي اللغة الرسمية الواحدة التي تسود على كل اللغات واللهجات الأخرى، ثم الأرض الواحدة والتاريخ المشترك، إلى جانب المثل العليا والأهداف الواحدة المشتركة في الحياة. وماليزيا تمثل الموقع الإستراتيجي الهام الممتاز في منطقة جنوب شرقي آسيا، ويعتبر موقعها بمثابة حلقة الاتصال بين الشرق الأقصى واستراليا والشرق الأوسط أو آسيا الغربية وأوربا. ويعتبر مضيق ملاكا الذي يفصل بين شبه جزيرة الملايو أو ماليزيا الغربية وجزيرة سومطرة الإندونيسية مضيقا إقليميا بمثابة البحر الأحمر بالنسبة للدول العربية. ثم إن الأراضي التي اتحدت في دولة ماليزيا النامية الناهضة الجديدة تشارك بعضها البعض في المميزات والخصائص الجغرافيه الطبيعية، فهي تتمتع بمناخ استوائي حار رطب وتدر الخيرات الكثيرة مقابل جهد قليل، بأرض غنية بالثروات المعدنية والزراعية، وبمساحات شاسعة تغطيها الأحراش العذراء التي لم تصلها يد الإنسان، وقد شاءت إرادة الله أن يكون وضع ماليزيا الجغرافي الممتاز يجعلها غنية بثرواتها المعدنية والزراعية التي تغطي حاجة البلاد. (مساحات أرض ماليزيا) تغطي أراضي ماليزيا مساحات قدرها ٢٨٢/١٢٧ ميلا مربعا مؤلفة بذلك وحدة أقوى وأكثر حيوية وقابلية للتقدم والنهوض من أن لو انفردت كل واحدة من الولايات على حدة. وهذه المساحات تتألف من مساحة أراضي اتحاد الملايو وهي ٥٩٩/٥٠ ميلا مربعا ومساحة أراضي سرواك ٧١/٤٧ ميلا مربعا ومساحة أراضي صباح ٣٨٨/٢٩ ميلا مربعا. ويبلغ تعداد سكانها حوالي ١٠ملايين نسمة تقريبا. ولننتقل الآن إلى (التكوين البشري لماليزيا) :

стр. 134

يتألف سكان ماليزيا الآن من عدة عناصر وأجناس مختلفة، ولكن السكان الأصليين قد انحدروا أصلا من منبع واحد إلا وهو الجنس الملانيزي الذي يرجع إلى الفرع المغولي من الأجناس البشرية. ففي سرواك نجد أن الداياك هم الأكثرية التي يتألف منهم السكان كما نجد أيضا الملايويين والصينيين فيها، وعنصر الدوسون هو أكثرية السكان في صباح وهم الذين يعيشون في المدن والمناطق الغربية من الغابات، ويتألف سكان شبه جزيرة الملايو أو ماليزيا الغربية من ثلاثة عناصر رئيسية وهي عنصر الملايو وهم السكان الأصليون، والصينيون والهنود والباكستانيون وغيرهم من الجنسيات الأخرى.

стр. 135

ويبلغ عدد سكان جزيرة الملايو (ماليزيا الغربية) حوالي ٧٠ مليون نسمة. ويكون المهاجرون الصينيون والهنود والباكستانيون وغيرهم حوالي ٤٥% من سكان البلاد أي أن نسبة السكان الأصليين إلى السكان من أصل المهاجرين ٥٥% إلى ٤٥% ويبلغ تعداد الصينيين حوالي ٣١% و١٤% هنود وباكستانيون وسيلانيون وأجناس أخرى. وقد هاجر هؤلاء الناس إلى مختلف مناطق ماليزيا بصنع الاستعمار البريطاني والبحث عن الحياة والمعيشة الأفضل. والملاويويون هم السكان الأصليون لشبه جزيرة الملايو، ويرجعون إلى العنصر الملاينزي كما قلت آنفا ويشاركون جيرانهم الأندونيسين والبورنيويين في كثير من الخصائص اللغوية والدينية لأنهم يتكلمون اللغة الملايوية ويدينون بالإسلام. وللصينيين تاريخ حافل من الهجرة إلى مناطق ماليزيا يعود إلى مئات السنين ولكن هجرتهم الرئيسية حدثت خلال الأعوام الثمانين من القرن الماضي وفي عام ١٩٢٠م أيضا، وجاءت أكثريتهم من العنصر الصيني الجنوبي ويتكلمون بالكانتونية والهوكيانية والهولنيلانية وأكثرهم يدينون بالبوذية، وجاء معظم الهنود الذين قطنوا ماليزيا من المنطقة الجنوبية الهندية للعمل في صناعة المطاط المزدهرة وذلك خلال العقود الثلاث الأولى من القرن الحالي، ومعظمهم يتكلمون باللغة التاميلية ويدينون بالهندوكية. ويتكلم كل من عنصر الداياك في سرواك والدوسون والموروت في صباح لغاتهم الخاصة إلى جانب إجادتهم اللغة الملايوية وهي اللغة الرسمية الآن في ماليزيا. (نظام الحكم في ماليزيا) :

стр. 136

تنص مقدمة إعلان استقلال ماليزيا على أنها دولة ملكية دستورية شرعية، مؤسسة على الديموقراطية البرلمانية إن هذه الدولة تعمل على حماية حقوق وامتيازات أصحاب الجلالة السلاطين، وحقوق وحريات الشعب الأساسية، وأن يكون الاتحاد دائما دولة ديموقراطية مستقلة مبنية على مبدأ الحرية والعدالة، ويعمل دوما لتحسين حالة الشعب والحفاظ على السلام الحقيقي بين كافة الدول وخاصة الدول الإسلامية، وعلى سبيل المثال: أوجز الرسالة التي بعث بها السيد تنكو عبد الرحمن فترا الحاج رئيس وزراء ماليزيا إلى الأمين العام للجامعة العربية بمناسبة انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب ومؤتمر القمة العربي الأول في لقاهرة إذ جاء فيها: موقف ماليزيا من القضايا العربية "إن الوحدة التي أظهرتها الدول العربية قد عززت اعتقادي الراسخ بأنه من الضروري أن تقف البلدان الإسلامية في العالم أجمع موقفا موحدا، وأنه إذا توفرت الأناة والنية الحسنة لدى الجميع كان في الإمكان إحراز هذا الهدف بسرعة. وكونوا على يقين من أن ماليزيا تؤيد تأييدا حازما قضية الوحدة العربية، وحقوق الدول العربية المشروعة في فلسطين، ومن أن ماليزيا لن تأتي بعمل يضر بهذه القضية، هذا بالإضافة إلى أن من سياسة ماليزيا نصرة كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق الغاية المقدسة التي تصبوا إليها شعوب العالم وهي الحصول على الحرية والاستقلال عن الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره وأنه من أهم سياسة ماليزيا الخارجية) .

стр. 137

والجدير بالذكر أن من أمتيازات أصحاب الجلالة السلاطين الحفاظ على دين الإسلام وتعاليمه ومقوماته الأساسية ونشرها بين أفراد الشعب المسلم، وأنه مما نص به دستور الدولة الماليزية الإسلام هو دين دولة ماليزيا الرسمي، وعليه أنفقت الحكومة المركزية وحكومات الولايات مبالغ طائلة كل عام من إيراداتها على بناء المساجد وصيانتها/ وإنشاء المدارس الدينية الابتدائية والمتوسطة في الأرياف والكلية الإسلامية في كلانغ بولاية سلاغور بأقسامها الثلاثة الإعدادي والعالي والدبلوم، وإرسال خريجيها إلى جامعات أخرى مثل جامع الأزهر ليواصلوا دراستهم في قسم الدراسات العليا فيها. وفي عام ١٣٨٢هـ ١٩٦٢ قرر مجلس أصحاب الجلالة السلاطين الاعتراف بوجود الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كمؤسسة علمية دينية ويوجد الآن ٣٢طالبا ماليزيا بها. ومن أعظم المساجد التي بنتها الحكومة (مسجد نقارا) أي المسجد الوطني. يقع في وسط عاصمة ماليزيا كوالالمبور ويعتبر أكبر مسجد في الشرق الأقصى، وقد حضر افتتاحه وفود من الدولة العربية والإسلامية وذلك في عام ١٣٨٥هـ- ١٩٦٥م وتجري في شهر رمضان من كل عام مسابقة بين المقرئين المحليين لتلاوة القرآن الكريم داخل بناية المسجد الوطني، وكذلك مسابقة أخرى بين الدول التي فيها المسلمون مثل اندونيسيا باكستان، وسيلان، والهند، وكوريا الجنوبية، وكامبوجا وغيرها. ويعطى المشتركون في المسابقة هدايا تذكارية وللفائزين جوائز قيمة، وقد دأبت حكومة المملكة العربية السعودية، والسودان، والجمهورية العربية المتحدة، خلال السنوات الماضية على إرسال وفد من الحكام لهذه المسابقة. وفي مجال الدعوة أسست في ماليزيا جمعية الدعوة وتسمى (دار الأرقم) تحت إشراف الحكومة، ومهمتها دعوة سكان ماليزيا غير المسلمين إلى الإسلام، وقد أسلم خلال السنوات الماضية الكثير من أجناس مختلفة من الصينيين والهنود والأوروبيين وغيرهم.

стр. 138

وقد أرسلت حكومة ماليزيا وفدا إلى الرابطة الإسلامية برئاسة داتؤ دكتور عبد الجليل حسن، وذلك تلبية لدعوة صاحب الجلالة الملك فيصل، وكان ذلك عند تأسيس رابطة العالم الإسلامي في أول مجلس عقد بمكة المكرمة، وانتخب داتؤ دكتور عبد الجليل عضوا دائما للمجلس التأسيسي للرابطة الذي يعقد في شعبان من كل عام. وهذا كله دليل على تقدم الإسلام والمسلمين في ذلك القطر الإسلامي (ماليزيا) بجانب وجود التيارات المختلفة المناوئة للإسلام مع توفر إمكانياتها ومقوماتها إلا أن إرادة الله حالت بينها وبين تحقيق أهدافها الشريرة. وهو الهادي إلى سواء السبيل. ثواب الجهاد لا تنتظر جزاءك من أمتك على ما قدمت لها من خدمات، فهي مهما كافأتك، فإنما تكافئك كفرد، وأنت أحسنت إليها كأمة، وانتظر الجزاء بما لا يفنى ممن لا يفنى. ((هكذا علمتني الحياة))

стр. 139

مشاكل الطلاب الجامعيين وحلها على ضوء الإسلام للشيخ عطية سالم المدرس في الجامعة إن مشاكل الطلاب الجامعيين جزء من مشاكل الأمة التي أقامت تلك الجامعة، ولهذا فإن لكل مجتمع جامعي مشاكله الخاصة المنبعثة من مجتمعه المحيط به. فمن أراد دراسة مشاكل الطلبة الجامعية لزمه دراسة مشاكل الأمة وتتبع الحياة الدراسية من مبدئها حيث أنها تمتد وتندرج من البيت إلى المدرسة ثم إلى الجامعة في عقلية الطالب وتفكيره وظروفه. يستلزم شمول النظر لمنهاج الدراسة في الأمة كلها والتنسيق بينها حتى تصبح وحده متكاملة يكمل بعضها البعض كحلقات عمر الإنسان في نشأته من طفولته إلى شبابه إلى رجولته خلقا سويا ثم إنتاجه في الحياة. وألزم ما يكون ذلك النظر على الجامعة نفسها حيث أنها تتلقى الطلاب من المدارس فتعمل على صبغتهم بالصبغة الجامعية المتميزة، وحيث أنها هي التي تمد المدارس برجال التربية والتعليم منها وإليها يكون أمر الطالب. وتتبع ذلك يستلزم مجهودا في الدراسة، وإمكانيات في العمل، وفسخه من الزمن كعمل إيجابي كلي. وإلى ذلك الوقت تنبغي العناية بأهم المشاكل الحاضرة وتطلب حلها حلا سليما. والعناية بمشاكل الطلبة عناية بالجامعة كلها، والعناية بالجامعة هي بلا شك عناية بالأمة. وكما قلنا أن على الجامعة نفسها العمل لإيجاد حلول لمشاكلها فالجامعات في الأمم كالقلب في الجسم ينبض حيوية بالدم لتغذية الجسم كله فيفيض حيوية ونشاطا وهو بدوره يستنفذ قدرا مضاعفا من التغذية ليقاوم عمله الدائم وجهاده المتواصل في سيبل حيوية هذا الجسم، وكالطبيب يسهر لمعالجة الأمة يجب عليه أن يعنى بنفسه.

стр. 140

وكذلك الجامعة في عنايتها بمشاكل الأمة وتوجيه أبنائها وتهيئتهم على النحو الذي يتحملون به أعباء الحياة، والسير قدما إلى الغاية المرجوة، وإصابة الهدف المقصود، إن عليها أن تعنى بمشاكلها الذاتية وتوليها كل اهتمامها لتصبح من القوة والسلامة بحيث تمكنها من الاضطلاع بأعباء القدوة والتوجيه والرسم والتخطيط والدعوة والإرشاد وتوفير أسباب السعادة والسمو. تحديد المشاكل غير أن المشاكل الجامعية تختلف في نظر الجامعيين اختلاف البيئات التي تقوم بها، وقد تكون موضع اتفاق أو موضع خلاف من ذلك الآتي على سبيل المثال: ١- الاختلاط المزدوج بين الجنسين كما في بعض البلاد الإسلامية. ٢- التعليم الثنائي: أ- الديني ب- المدني كلاهما على انفراد وعزله، الذي أوجده الاستعمار وبقيت آثاره من بعده. ٣- التوجيه الخارجي الذي تمليه الدولة أو فكرة ما. ٤- التعليم المهني الذي دعت إليه الحاجة يوما ما. ٥- النفقات الدراسية كما في بعض البلدان التي لا تخصص مكافآت للطلاب. ٦-إشغال الفراغ الذي يتجاذب الطالب بين المذاكرة أو اللهو والأشغال. فبعض هذه المشاكل قد تكون موجودة في بلد غير موجودة في أخرى وقد تكون مشكلة في بلد آخر. أما في نظر الإسلام فإنها إن وجدت مشكلة في أي بلد كانت مشكلة عنده في جميع البلدان وعلى مر الزمان حتى تعالج. أما كون تلك المسائل مشاكل في ذاتها فكالأتي: أولا – الاختلاط المزدوج – ما من شك في أن هذا النوع من الاختلاط دخيل على الجامعات العربية انتقل إليها مع بعض النظم التعليمية الغربية. والباحثون إزاء هذا الاختلاط على قسمين: أ – قسم يراه ضروريا للحياة الجديدة، ويعلل لذلك بأنه يكسب كلا من الطرفين الصقل للسفور والوداعة في الأخلاق واللطف في المعاملة. ولا مانع عندهم أن تدفع الأمة الثمن إزاء ذلك ما يثبت في سجل الحوادث لدى الجامعات.

стр. 141

ب- بينما القسم الآخر يراه معولا يهدم البيت العربي، والخلق الإسلامي، والقيم الإنسانية، والقوى الشخصية، حيث تنهار قوة كل من الطرفين أمام سلطان الآخر. وهاتان النظرتان جزء من الاختلاط العام سواء في الجامعة أو المجتمعات الأخرى. إلا أنها في الجامعة أخطر لطول المكث ودوام الصلة وقوة المعرفة. وأخطر من هذا كله بالنسبة للجامعة ما يتعلق بالمنهج والدراسة، حيث ساوت بين مختلفين في أصل الخلقة والفطرة والنزعة والاستعداد العقلي والفكري والجسمي. ولنأخذ لذلك مثلا: كليتي الحربية والهندسة كيف تساير الفتاة أخاها في الكلية الحربية في الآتي: ١- التدريب العسكري المفروض يوميا بحركات عنيفة. وهبها سايرته بجهد، كيف تتخلى عن عواطفها ورقتها وشعورها كأنثى إلى شدة وقوة وغلظة فتملأ قلبها غيظا وحماسة ورغبة للقاء العدو. إن في تكليفها ذلك إخراج لها عن فطرتها وتحميل لها فوق طاقتها: وعلى الغانيات جر الذيول خلق الله للحرب رجالا ٢- وكذلك الحال في الهندسة: إنها إن أحسنت صنع الخرائط لذوقها ولطف إحساسها، لن تستطيع أن تشد السقالة وتصعيد إلى أعلاها لتشرف على تنفيذ رسمها، كما أنها لا تقوى على شق الصحراء وتسلق الجبال أو هبوط الوديان لوضع مخطط على الطبيعة لأي مشروع ما. فكيف نكلفها دراسة كل ذلك عمليا بجوار الشاب الكامل الاستعداد الخلقي والفطري. وكيف تستطيع الجامعة أن توفق بين الجنسين المختلفين في دراسة منهج موحد وإعدادهما معا لمستقبل واحد. أما علاج هذه المشكلة على ضوء الإسلام في حل المشاكل منهج جذري يتتبع أصل الداء فيستأصله وباستئصال الداء يحصل الشفاء. ومن هنا كان علاج هذه المشكلة بالذات كالأتي:

стр. 142

أولا من الناحية الخلقية وأن عدها البعض شكلية. فهو يمنع هذا الاختلاط لا في الجامعة فحسب بل في كل الاجتماعات ﴿وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وفي وقار وحشمة بعيدا عن مظان الفتنة وفي سياج من العفة. وإذا لزمت خلطة ضرورية فبوقاية وتحفظ: في القول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ والنظرة بالعين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ . ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِن﴾ . ثانيا من الناحية المنهجية إن صحت هذه التسمية: فقد خص الإسلام كل جنس بما يليق به وبتكوينه الذاتي واستعداده الخلقي وذلك من جانبين: ١- جانب تعليمي: وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾ فجعلهن في بيوتهن معلمات للكتاب والحكمة. ٢- وجانب عملي: وذلك من قول عائشة ﵂ لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله غلبنا الرجال على الجهاد فلا نجاهد. فقال: "ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة".

стр. 143

فقد تطلعت عائشة ﵂ إلى عظمة الجهاد وعظيم الأجر فتاقت نفسها إليه فأرشدها الرسول ﷺ إلى ما يليق بها من الحج والعمرة وهما عملان يجمعان بين المصالح الاجتماعية والعبادات البدنية والمالية لما فيها من معرفة أحوال الناس والإنفاق على المحتاجين وشهود المنافع المبنية عليها بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم﴾ . وبجانب ذلك أيضا السماح لبعض النسوة لمصاحبة الجيوش لا لحمل السلاح ولكن لسقى الماء وتضميد الجرحى كما في حديث أم عطية. وكما في عمل فاطمة ﵂ لتضميد جراح رسول الله ﷺ يوم أحد. وكذلك تجنب المرأة مواقف الزحام والاختلاط كما في طلب عائشة ﵂ من رسول الله ﷺ أن تصلي بالبيت (الكعبة) كما صلى رسول الله ﷺ ويصلي الرجال فأخذ بيدها إلى حجر إسماعيل وقال لها: "صلي ههنا فإنه من البيت". وما من شك أن علاج المشكلة باستئصال جذورها خير من الإبقاء على تلك الجذور وتطلب حلول لنتائجها وفروعها. وما قاله الفريق الداعي إلى الاختلاط من صقل الشعور واعتداد بالشخصية وتلطف في المعاملة والسلوك الخ. مع بقاء العفة وسلامة الكرامة مقاومة للقوى الطبيعية ومغالطة للفطرة الأصلية. ولهذا كان الثمن غاليا وأكثر مما زعموا من بعض حوادث ثبتت في سجل العقوبات، لأنها قطرة من بحر بالنسبة إلى ما يسجله المجتمع نفسه مما لا يصل إلى المسئولين ولا يوضع في سجلات المراقبين ولا تحويه ملفات الطلاب. وتصديقا لنظرية الإسلام في هذا الحل فقد وجد بعض الجامعات الغربية (جامعة كمبردج) بإنجلترا لا تسمح للبنات أن يصبحن أعضاء فيها (ص ٣١ الجامعي) . كما لمس المشرفون على التعليم في بعض البلاد الإسلامية نتيجة تلك التجربة ورأوا ثمرة هذا التقليد فأنشأوا كليات للبنات في بعض الجامعات كجامعة (عين شمس) . فقد بدأت المشكلة من الجامعة وبدأت الجامعة بالتخلص منها.

стр. 144

والجامعة الإسلامية تهيب بالجامعات المدنية أن تعمل بحرية على توسيع نطاق العلاج لهذه المشكلة فيشمل خارج الجامعة كالحفلات والصالونات وحلبة السباق والبلاجات مما لا تدعو إليه عندنا حاجة أو تلجئ إليه ظرورة. وتكون الجامعة بذاك قد حملت لواء الإصلاح في المجتمع كله. فتحقق هدفا من أهدافها الأصلية. ولا يفهم من ذلك أن الجامعة لا ترى تعميم التعليم للجنسين فتاريخ المسلمين حافل بالمتعلمات من النساء. أولاهن عائشة أم المؤمنين ﵂ تروي سنة رسول الله ﷺ وتفتي فيما تسأل فيه. وإذا جئنا إلى الأواخر نجد لأخت صلاح الدين الأيوبي إجازة على نسخة لسنن أبي داود بخطها وتوقيعها عليه. كما نجد بنت شيخ الإسلام تقي الدين السبكي من شيوخ جلال الدين السيوطي. ولكن في صيانة وعفة ونزاهة وحشمة وتعليم في ميادين صالحة لها، لا تخرجها عن نطاقها وتبعد بها عن فطرتها، فنكلفها عنتا ونجهدها عملا. ولا سيما بعد تقرير ديوان الموظفين بمصر عام ١٣٦١ إزاء عمل المرأة في مختلف الوظائف. ثانيا: التعليم الثنائي: ذلك التعليم الذي عزل الدين عن الدولة وأوجد منهجين متنافسين وقام بجانب أحدهما يسانده بالمال والجاه ويفتح أمامه أبواب المناصب العالية. وقد بدأ هذا النوع بعد الحملة الفرنسية على مصر وحاجة محمد علي إلى إعداد موظفين للحكومة، وجاء بعد ذلك الاحتلال الغربي فضيق حدود التعليم واقتصر على طبقة معينة من الشعب فأنتجت تفرقة بغضيه وأوجدت هوة سحيقة بين الطبقات: ١. طائفة قليلة أتيح لها التعليم المدني. ٢. أكثرية لم تستطع الدراسة. ٣. طلبة العلم المدني مفتحة أمامهم أبواب العمل وتغدق عليهم الأموال. ٤. طلبة العلم الديني توصد دونهم الأبواب ويحرمون المساعدات.

стр. 145

٥. وأخطر من هذا كله تضارب بعض المواد في البلد الواحد. فبينما طالب الجامعة الأزهرية مثلا يدرس تحريم الربا يدرس زميلة في كلية التجارة جوازه ضمن أعمال البنوك. فكان لا بد من إيجاد تفكك في الأمة، وقلق وعدم استقرار في التعليم واضطراب. وقد ظلت تلك الطريقة سارية، وهذه السياسية ماضية، وبالتالي كانت النتيجة تزداد سوءا، والهوة بين أبناء الأمة تزداد بعدا، حتى أنه لو اجتمع أخوان أحدهما متعلم تعليما مدنيا والآخر متعلم تعليما دينيا لخلته اجتماعا بين رجلين أحدهما غربي والأخر شرقي، لبعد مابين الصبغتين اللتين أصبغ بها كل منهما، وعليه فإن أحدهما سيهدم ما يبنيه الآخر وستكون الحكومة بجانب أحدهما. ولقد تنبه لذلك كثير من رجال الفكر ومشايخ الأزهر منذ أواسط القرن الثالث عشر هجري كالشيخ حسن العطار الذي شهد أواخر العهد التركي وثلاثين سنة حكم محمد على وتولي مشيخة الأزهر سنة ١٢٤٦وتوفي سنة ١٢٥٠. والشيخ مصطفى العروسي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة ١٢٨١إلى ١٢٨٧ وقد تقدم للخديوي إسماعيل في السادس عشر من ربيع الثاني ١٢٨٢ بلائحة لتنظيم الأزهر ومما جاء فيها: البند الرابع والعشرون – ما نصه: "بما أن الجامع الأزهر من أشهر مدارس الدنيا وأجلها قدرا وارفعها في جميع الأقطار ذكرا، والمقرر في أذهان العالم أنه مشحون بالعلماء المحققين والفضلاء الراسخين مملوء بالأفاضل الحائزين من كل فن طرفا ومن كل علم من العلوم الشرعية والعقلية طرفا، والحال بخلاف ذلك. وإن كان....."الخ (عبد الواحد وافي)
следующие страницы →