← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ب- بينما القسم الآخر يراه معولا يهدم البيت العربي، والخلق الإسلامي، والقيم الإنسانية، والقوى الشخصية، حيث تنهار قوة كل من الطرفين أمام سلطان الآخر. وهاتان النظرتان جزء من الاختلاط العام سواء في الجامعة أو المجتمعات الأخرى. إلا أنها في الجامعة أخطر لطول المكث ودوام الصلة وقوة المعرفة. وأخطر من هذا كله بالنسبة للجامعة ما يتعلق بالمنهج والدراسة، حيث ساوت بين مختلفين في أصل الخلقة والفطرة والنزعة والاستعداد العقلي والفكري والجسمي. ولنأخذ لذلك مثلا: كليتي الحربية والهندسة كيف تساير الفتاة أخاها في الكلية الحربية في الآتي: ١- التدريب العسكري المفروض يوميا بحركات عنيفة. وهبها سايرته بجهد، كيف تتخلى عن عواطفها ورقتها وشعورها كأنثى إلى شدة وقوة وغلظة فتملأ قلبها غيظا وحماسة ورغبة للقاء العدو. إن في تكليفها ذلك إخراج لها عن فطرتها وتحميل لها فوق طاقتها: وعلى الغانيات جر الذيول خلق الله للحرب رجالا ٢- وكذلك الحال في الهندسة: إنها إن أحسنت صنع الخرائط لذوقها ولطف إحساسها، لن تستطيع أن تشد السقالة وتصعيد إلى أعلاها لتشرف على تنفيذ رسمها، كما أنها لا تقوى على شق الصحراء وتسلق الجبال أو هبوط الوديان لوضع مخطط على الطبيعة لأي مشروع ما. فكيف نكلفها دراسة كل ذلك عمليا بجوار الشاب الكامل الاستعداد الخلقي والفطري. وكيف تستطيع الجامعة أن توفق بين الجنسين المختلفين في دراسة منهج موحد وإعدادهما معا لمستقبل واحد. أما علاج هذه المشكلة على ضوء الإسلام في حل المشاكل منهج جذري يتتبع أصل الداء فيستأصله وباستئصال الداء يحصل الشفاء. ومن هنا كان علاج هذه المشكلة بالذات كالأتي:

стр. 142

أولا من الناحية الخلقية وأن عدها البعض شكلية. فهو يمنع هذا الاختلاط لا في الجامعة فحسب بل في كل الاجتماعات ﴿وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وفي وقار وحشمة بعيدا عن مظان الفتنة وفي سياج من العفة. وإذا لزمت خلطة ضرورية فبوقاية وتحفظ: في القول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ والنظرة بالعين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ . ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِن﴾ . ثانيا من الناحية المنهجية إن صحت هذه التسمية: فقد خص الإسلام كل جنس بما يليق به وبتكوينه الذاتي واستعداده الخلقي وذلك من جانبين: ١- جانب تعليمي: وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾ فجعلهن في بيوتهن معلمات للكتاب والحكمة. ٢- وجانب عملي: وذلك من قول عائشة ﵂ لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله غلبنا الرجال على الجهاد فلا نجاهد. فقال: "ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة".

стр. 143

فقد تطلعت عائشة ﵂ إلى عظمة الجهاد وعظيم الأجر فتاقت نفسها إليه فأرشدها الرسول ﷺ إلى ما يليق بها من الحج والعمرة وهما عملان يجمعان بين المصالح الاجتماعية والعبادات البدنية والمالية لما فيها من معرفة أحوال الناس والإنفاق على المحتاجين وشهود المنافع المبنية عليها بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم﴾ . وبجانب ذلك أيضا السماح لبعض النسوة لمصاحبة الجيوش لا لحمل السلاح ولكن لسقى الماء وتضميد الجرحى كما في حديث أم عطية. وكما في عمل فاطمة ﵂ لتضميد جراح رسول الله ﷺ يوم أحد. وكذلك تجنب المرأة مواقف الزحام والاختلاط كما في طلب عائشة ﵂ من رسول الله ﷺ أن تصلي بالبيت (الكعبة) كما صلى رسول الله ﷺ ويصلي الرجال فأخذ بيدها إلى حجر إسماعيل وقال لها: "صلي ههنا فإنه من البيت". وما من شك أن علاج المشكلة باستئصال جذورها خير من الإبقاء على تلك الجذور وتطلب حلول لنتائجها وفروعها. وما قاله الفريق الداعي إلى الاختلاط من صقل الشعور واعتداد بالشخصية وتلطف في المعاملة والسلوك الخ. مع بقاء العفة وسلامة الكرامة مقاومة للقوى الطبيعية ومغالطة للفطرة الأصلية. ولهذا كان الثمن غاليا وأكثر مما زعموا من بعض حوادث ثبتت في سجل العقوبات، لأنها قطرة من بحر بالنسبة إلى ما يسجله المجتمع نفسه مما لا يصل إلى المسئولين ولا يوضع في سجلات المراقبين ولا تحويه ملفات الطلاب. وتصديقا لنظرية الإسلام في هذا الحل فقد وجد بعض الجامعات الغربية (جامعة كمبردج) بإنجلترا لا تسمح للبنات أن يصبحن أعضاء فيها (ص ٣١ الجامعي) . كما لمس المشرفون على التعليم في بعض البلاد الإسلامية نتيجة تلك التجربة ورأوا ثمرة هذا التقليد فأنشأوا كليات للبنات في بعض الجامعات كجامعة (عين شمس) . فقد بدأت المشكلة من الجامعة وبدأت الجامعة بالتخلص منها.

стр. 144

والجامعة الإسلامية تهيب بالجامعات المدنية أن تعمل بحرية على توسيع نطاق العلاج لهذه المشكلة فيشمل خارج الجامعة كالحفلات والصالونات وحلبة السباق والبلاجات مما لا تدعو إليه عندنا حاجة أو تلجئ إليه ظرورة. وتكون الجامعة بذاك قد حملت لواء الإصلاح في المجتمع كله. فتحقق هدفا من أهدافها الأصلية. ولا يفهم من ذلك أن الجامعة لا ترى تعميم التعليم للجنسين فتاريخ المسلمين حافل بالمتعلمات من النساء. أولاهن عائشة أم المؤمنين ﵂ تروي سنة رسول الله ﷺ وتفتي فيما تسأل فيه. وإذا جئنا إلى الأواخر نجد لأخت صلاح الدين الأيوبي إجازة على نسخة لسنن أبي داود بخطها وتوقيعها عليه. كما نجد بنت شيخ الإسلام تقي الدين السبكي من شيوخ جلال الدين السيوطي. ولكن في صيانة وعفة ونزاهة وحشمة وتعليم في ميادين صالحة لها، لا تخرجها عن نطاقها وتبعد بها عن فطرتها، فنكلفها عنتا ونجهدها عملا. ولا سيما بعد تقرير ديوان الموظفين بمصر عام ١٣٦١ إزاء عمل المرأة في مختلف الوظائف. ثانيا: التعليم الثنائي: ذلك التعليم الذي عزل الدين عن الدولة وأوجد منهجين متنافسين وقام بجانب أحدهما يسانده بالمال والجاه ويفتح أمامه أبواب المناصب العالية. وقد بدأ هذا النوع بعد الحملة الفرنسية على مصر وحاجة محمد علي إلى إعداد موظفين للحكومة، وجاء بعد ذلك الاحتلال الغربي فضيق حدود التعليم واقتصر على طبقة معينة من الشعب فأنتجت تفرقة بغضيه وأوجدت هوة سحيقة بين الطبقات: ١. طائفة قليلة أتيح لها التعليم المدني. ٢. أكثرية لم تستطع الدراسة. ٣. طلبة العلم المدني مفتحة أمامهم أبواب العمل وتغدق عليهم الأموال. ٤. طلبة العلم الديني توصد دونهم الأبواب ويحرمون المساعدات.

стр. 145

٥. وأخطر من هذا كله تضارب بعض المواد في البلد الواحد. فبينما طالب الجامعة الأزهرية مثلا يدرس تحريم الربا يدرس زميلة في كلية التجارة جوازه ضمن أعمال البنوك. فكان لا بد من إيجاد تفكك في الأمة، وقلق وعدم استقرار في التعليم واضطراب. وقد ظلت تلك الطريقة سارية، وهذه السياسية ماضية، وبالتالي كانت النتيجة تزداد سوءا، والهوة بين أبناء الأمة تزداد بعدا، حتى أنه لو اجتمع أخوان أحدهما متعلم تعليما مدنيا والآخر متعلم تعليما دينيا لخلته اجتماعا بين رجلين أحدهما غربي والأخر شرقي، لبعد مابين الصبغتين اللتين أصبغ بها كل منهما، وعليه فإن أحدهما سيهدم ما يبنيه الآخر وستكون الحكومة بجانب أحدهما. ولقد تنبه لذلك كثير من رجال الفكر ومشايخ الأزهر منذ أواسط القرن الثالث عشر هجري كالشيخ حسن العطار الذي شهد أواخر العهد التركي وثلاثين سنة حكم محمد على وتولي مشيخة الأزهر سنة ١٢٤٦وتوفي سنة ١٢٥٠. والشيخ مصطفى العروسي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة ١٢٨١إلى ١٢٨٧ وقد تقدم للخديوي إسماعيل في السادس عشر من ربيع الثاني ١٢٨٢ بلائحة لتنظيم الأزهر ومما جاء فيها: البند الرابع والعشرون – ما نصه: "بما أن الجامع الأزهر من أشهر مدارس الدنيا وأجلها قدرا وارفعها في جميع الأقطار ذكرا، والمقرر في أذهان العالم أنه مشحون بالعلماء المحققين والفضلاء الراسخين مملوء بالأفاضل الحائزين من كل فن طرفا ومن كل علم من العلوم الشرعية والعقلية طرفا، والحال بخلاف ذلك. وإن كان....."الخ (عبد الواحد وافي)

стр. 146

ثم مضت المذكرة تعدد الفنون التي ترغب إدخالها في الدراسة ولكن كلها مساع لم يتم فيها شيء إلى أن جاء جمال الدين الأفغاني وتلميذه النبيل الشيخ محمد عبده فأنشأ في عهده مجلس إدارة الأزهر بأمر من الخديوي عباس حلمي الثاني سنة ١٣١٢ وتكون المجلس من كبار علماء الأزهر من اختصاصه الأشراف على سير الدراسة في الأزهر فادخل بعض الدروس كأدب البحث والمصطلح ومتن اللغة ورسم الحروف والعروض..الخ. ثم قسم المنهج إلى مراحل ثلاث: مرحلة أولية ومرحلة ثانوية ومرحلة عالية بقانون واستبدل به ثلاث كليات عالية بقانون ١٣٢٦ وهكذا إلى سنة ١٣٥٢ في عهد الشيخ محمد الأحمدي الظواهري فألغى القسم العالي واستبدل به ثلاث كليات: أ- كلية أصول الدين. ب– كلية الشريعة. ج- كلية اللغة العربية. وكانت نهاية هذه الإجراءات قانون ١٩٣٠ ميلادية الذي حدد وظائف المتخرجين مابين أعمال كتابية وتدريس ووعظ وقضاء بالمحاكم الشرعية. ثم جاء التعديل الأخير بعد الثورة. والذي يظهر من كل هذه التعديلات أنها كانت تتجه بالأزهر نحو وجهة التعليم المدني من حيث الشكل والنتيجة وإن اختلفت من حيث الموضوع وكلها باسم الإصلاح والتقريب بين المناهج المختلفة في البلد الواحد حتى لا يبقى للفوارق بين متعلمي الأمة مكان، وتيسير سبل العمل بعد التخرج لتكسر حدة الحقد ويقصر أمد التطلع. إذن فالتعليم الثنائي من مشاكل التعليم الجامعي حيثما كان، والقائمون على التعليم يعملون على إصلاحه منذ كان، غير أنها كلها حلول مؤقتة ومجهودات فردية لم تصل إلى الغاية المنشودة. أما حل هذه المشكلة على ضوء الإسلام: فإنه كما سبق يكون بالعمل على استئصال سبب الإشكال واقتلاع جذور المشكلة من أول ظهورها، والحل هنا بالذات من جهتين: الأولى: النظر في المنهج الإسلامي للتعليم. الثانية: تكييف مناهجنا العلمية الحديثة على ضوئه.

стр. 147

أما منهج الإسلام في التعليم فواضح بين. ومن المعلوم أن أهم أسس المناهج الحديثة التي ينبني عليها الميراث الثقافي للأمة، وإن كان لكل أمة ميراثها الذي تعتز به وتحافظ عليه فإن من أهم عناصره الدين واللغة العربية والعادات والتاريخ وعليها يتوقف كيان الأمة، لأنه إذا ضاع دينها فقد وجودها، وإذا اندرست لغتها إنماعت في غيرها، وإذا تركت عاداتها ضاعت صبغتها، وإذا نسي تاريخها انقطعت صلتها بماضيها فتاهت في مجاهل الزمن لا تدري أين تسير ولا تعرف نقطة الانطلاق فضلا عن حرمانها نتائج التجارب والقدوة بالأبطال والتأسي بالعظماء ممن شادوا التاريخ وسجلوه. والمنهج الإسلامي وفي طليعته كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كالشمس في رابعة النهار وكالكنز مفتح الأبواب، يبدأ مع الصبيان في الكتاب وينتهي مع الرجال في المساجد كما هو الحال في المدينة المنورة في صدر الإسلام. وتخرج على ذلك أئمة الأمة وقادتها من علماء الصحابة والتابعين كما قال مسروق: "سامعت أصحاب الرسول ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: إلى عمر وعلي وعبد الله (ابن مسعود) ومعاذ وآبي الدر داء وزيد بن ثابت". وقد انتشروا في الأمصار ونشروا العلوم حيثما كانوا؛ أرسل رسول الله ﷺ أبي موسى ومعاذ إلى اليمن. وأرسل عمر ابن مسعود إلى الكوفة. الخ. وهل كان ابن عباس حبر الأمة ومجاهد وعطاء وغيرهم إلا تلاميذ المسجد؟ وقد اتسعت حلق المسجد للموالي مع الأشراف فانتشر العلم وكثر العلماء من جميع الطبقات. وكذالك الحال في مصر بعد سقوط بغداد، يبدأ التعليم من المكتب وينتهي بالأزهر، وقد قام الأزهر وما أقيم بجوراه من مدارس إسلامية كالمدرسة الناصرية للشافعية والقمحية للمالكية والسيوفية للحنفية وكلها بالقاهرة. والمدرسة البيهقية بنيسابور والنظامية ببغداد، وقد قام الجميع بنقل تراث الأمة والحفاظ على كيانها إلى اليوم الحاضر.

стр. 148

وكان لزاما على الجامعات الشرقية في البلاد الإسلامية أن تبقى على هذا الأساس للمنهج الدراسي وتضيف عليه ما شاءت من العلوم والفنون. غير أن الجامعات الشرقية كانت في يوم ما تسير وفق خطة مرسومة خارج نطاقها ولم تكن تملك الخروج عنها، بل ربما حوربت عند قيامها كجامعة القاهرة عند إنشائها. أما اليوم وقد أصبحت الجامعات ولله الحمد في أيدي أبنائها ولا نظارة لأجنبي عليها فقد تطلعت إلى إصلاح ذاتها وتطوير مناهجها إلى أن تحقق الغرض من إنشائها. ومما يؤيد تطلع الجامعات إلى إصلاح وتطور ما أعلن في أوائل يناير من هذه السنة ١٩٦٣عن المجلس الأعلى للعلوم بالقاهرة أن دعا ستة علماء بارزين في بريطانيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الغربية للحضور إلى القاهرة للمساهمة مع العلماء العرب في تنفيذ بحوث الخطة العلمية للجمهورية العربية المتحدة (مجلة دعوة الحق العدد الرابع السنة السادسة يناير ١٩٦٣) فأصبح لهذه البلاد الحق في أن ترسم لنفسها خطة دراستها والعمل على تطويرها. وألزم ما يكون إنما هو الحفاظ على تراث الأمة من دين ولغة وتاريخ. ومن هنا يتضح الجواب على السؤال الآتي: هل الأولى في الإصلاح إدخال العلوم الدينية في مناهج الجامعات المدنية أم إدخال العلوم المدنية في مناهج الجامعات الدينية بغية التقرب بينهما؟.ومهما يكن من شيء فإن لكل جهة دعاتها وأنصارها. غير أن الواقع العملي والشعور الديني يؤيدان الرأي الأول، حيث أن حاجة الطالب المدني إلى العلوم الدينية أشد من حاجة الطالب الديني إلى العلوم المدنية.

стр. 149

وما دمنا نؤمن بضرورة التخصص في العلوم فيكون الحل الوسط لهذه الحالة أن نوسع نطاق الإصلاح ونضع في عين الاعتبار المرحلتين السابقتين اللتين هما كجزء تحضيري للجامعة، فنعطي الطالب القسط الأوفى من المنهج الديني وإذا وصل إلى الجامعة جعلنا منه ما ينمي له ما تأصل عنده من قبل عملا بفحوى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فقد جعلت الآية الكريمة السعي إلى الصلاة عند النداء واجبا يترك من أجله البيع والشراء، وأنه خير لمن يعلم، وهذا بمثابة المرحلة الأولى وجعلت قضاء الصلاة مؤذنا بالانتشار في الأرض ابتغاء من فضل الله وهذا بمثابة المرحلة الثانية، دين ودنيا، لأن الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله يشمل جميع ميادين العمل، غير أنها لم تدع هذا الشخص في انطلاقه غافلا منقطعها عن ربه بل ربطته بما لا يعوق عمله ولا يعطل إنتاجه، بل فيه عون له وفلاح ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ومن قوله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ". حيث جعل الفترة الأولى من سني الدراسة للدين الماثل في الصلاة التي هي عماده، وجعل الفترة الثانية للشؤون الاجتماعية الماثلة في الاستقلال الذاتي والعمل الفردي المشعر بتميز حق كل فرد فيما يأتي وما يدع، فيعرف ما له فلا يتعداه وما عليه فلا يأباه وصدق الله العظيم ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ .

стр. 150

مع الصحافة إعداد: أحمد علي الإمام الطريق إلى مجتمع عصري تحت هذا العنوان نشرت مجلة (الوعي الإسلامي) الكويتية مقالا في عددها الرابع والثلاثين لشهر ذي القعدة ١٣٨٧: للأستاذ محمد جلال كشك جاء فيه ما يلي: كانت روما سيدة البحار بلا منازع، وكان البحر الأبيض بحيرة رومانية حقا وصدقا.. من سيطرة كاملة على الشواطئ جميعا إلى التفرد بامتلاك الأسطول الوحيد العامل في هذه المياه.. وعمر ابن الخطاب.. قاهر البحر، لم ير البحر، والبحر، ولا ركب سفينة في حياته.. بل يطلب من فصيح أن يصف له البحر، فيصفه بعبارات بليغة تفزع عمر ﵁، شفقة على رعيته.. فيقسم ألا يحمل المسلمين عليه أبدا. .. ومع ذلك طردت رومانيا من شواطئ البحر الأبيض.. وما تكاد تمضي سنوات حتى ينزلوا بروما هزيمة بحرية ساحقة في موقعة ذات الصواري التي لا تقل أهمية عن موقعة ألا رمادا. ماذا كان يملك العرب.. لاشيء سوى العقيدة. التفوق الروحي.. .. الإحساس بأنهم يقاتلون من أجل قيم أفضل ونظرة للوجود.. للإنسان.. للحياة ... أفضل من نظرة خصمهم وأحق بأن تنتصر.. أنظر إلى قيصر يرسل جاسوساً إلى معسكر المسلمين يتجسس له ليعرف سر انتصار هؤلاء الحفاة الذين صبروا عليهم في حصار حمص وقالوا هؤلاء الحفاة إذا جاء الشتاء..تجمدت أقدامهم وانهزموا.. فما راعهم إلا أنهم أكثر ثباتا على الصقيع منهم في نعالهم الثقيلة وملابسهم الغليظة!..

стр. 151

يروي الطبري نقلا عن شيوخه.. أن قيصر بعث جاسوسه فعاد إليه بصفة المسلمين قال: ".. بالليل رهبان.. وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن أحد ملوكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، فإنه الحق فيهم". لا أريد أن أناقش الجانب التاريخي من الواقعة فربما بعث قيصر، وربما لم يبعث، ولكن القصة تعكس فهم المسلمين لسر انتصارهم.. إنه أبدا ليس التفوق التكنولوجي ... بل التفوق الروحي.. بالعقيدة.. بها انتصروا.. وتعلموا.. وصنعوا..واخترعوا ... العقيدة.. وأثروا التاريخ البشري..نقطة البدء في كل حضارة هي العقيدة.. هي القيم الموجهة للجماهي، ر هي الأفكار التي توجه سلوك قيادتها.. والذين تسمموا بالغزو الفكري، يظنون أنه مما يتنافى مع التقدم الآلي أن يتمسك المرء بدينه ناسين أن الباب المفضي إلى المخابرات الأمريكية منقوش عليه آية من الإنجيل (١) .. وأن أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء كانت تحمل نصا من التوراة.. يستخلصون لنا من أحداث الخامس من يونيه.. عبرة التكنولوجيا ثم لا يتساءلون ما الذي جعل المجتمع الذي يضم أخلاط الشعوب أكثر وحدة وأكثر تماسكا وأكثر إصرارا على الباطل، وأكثر قدرة على إنجاز التكنولوجيا والتفوق الآلي.. لأن شازار وبن جوريون يرفضان ركوب سيارة في لندن يوم السبت لأنه محرم في الديانة اليهودية. وعندما اقترح أحدهم يوم الثامن من يونية أن يلغى الاحتفال بالمولد النبوي حتى لا يتعطل المجهود الحربي..! صحيح أن اقتراحه قد رفض، ولكن مجرد الاقتراح يكشف طبيعة التفكير العصري الذي قادنا إلى ما صرنا إليه.. ونحن تركنا من يتطاول على قرأننا وأمكن أن يطبع في بلد عربي مقال فيه سب الله قبيل النكسة بأيام!.. اليهود الذين عبدوا عجل الذهب.. عندما أرادوا أن يبنوا دولة ويقاتلوا.. عرفوا قيمة القيم الروحية..

стр. 152

فلا سبيل أمام مجتمع متخلف ينشد الانقلاب الصناعي إلا اعتناق فلسفة خاصة وعقيدة خاصة مستقلة.. فابدأوا بالعقيدة قبل أن تتحدثوا عن العصرية.. وإذا كان الجميع يعترفون اليوم بأن ما طرح بيننا من وسائل إيقاظ القوى المعنوية لم يثمر ثمرته المرجوة، فإن من حق الأمة العربية أن تطالب اليوم وتقول التفتوا هنا.. فأين هذه الأمة.. لا يصلح أخرها إلا بما صلح به أولها.. عودوا إلى الإسلام وامنحوا الجماهير عقيدة تقاتل تحتها.. وتنتصر من أجلها وبها.. تخوف من بعث إسلامي جديد في تركيا نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في عددها الصادر بتاريخ ٢٧-٤-١٩٦٨المقال التالي عن استنبول. بعد أربعين سنة من قبول مبدأ العلمانية في تركيا بدأ التيار الرجعي الإسلامي ينتشر من جديد ويزحف متقدما في مختلف أنحاء البلاد، وقد أخذت الدوائر التقدمية التركية تشعر بقلق كبير وعميق من هذا التيار الذي يضطرد نموه، فهم يعتبرونه خطرا يتهدد الأسس العصرية التي يقوم عليها المجتمع التركي الذي أسسه كمال أتاتورك منذ أربعين سنة. ولكن حكومة السيدسليمان ديميريل المحافظة وحزب العدالة الحاكم ينفيان وجود مثل هذا الخطر. ووجهه الرسمية تقوم على أساس أن الحوادث المتفرقة من الهجوم على أتاتورك تنظر فيها المحاكم الرسمية، وأما فيما عدا ذلك فيجب أن لا يكون ثمة قيود على حرية العبادة. ظلت مسألة الحرية الدينية موضع خلاف شديد في تركيا منذ انتهاء الحكم الثيوقراطي (الديني) فيها. فلم يكن للعصبية الدينية الإسلامية أية وسيلة للتعبير في عهد أتاتورك ونظام الحزب الواحد، وإنما ظهر التيار الرجعي وبرز بعد أن تم إدخال نظام الديمقراطية البرلمانية عام ١٩٥٠.

стр. 153

ففي ذلك الحين خفف الحزب الديمقراطي الحاكم الضغط عن العصبية الدينية، وسمح بها من أجل كسب وتأييد أصوات الجماهير في المناطق الريفية الكبيرة والمحافظة (قام انقلاب عسكري في تركيا عام ١٩٦٠ وأطاح بحكم الحزب الديمقراطي الذي كان يرأسه عدنان مندريس، وأعدم مندريس بعد ذلك بسنة) واليوم يوجه اللوم إلى حزب العدالة الحاكم لاتباعه سياسة الحزب الديمقراطي، ومن الجدير بالذكر أن حزب العدالة يعتبر الوريث الطبيعي للحزب الديمقراطي. تساهلات والواقع أن دعاة البعث الإسلامي الجديد في تركيا يستمدون شجاعتهم - فيما يبدو- من الموقف المتساهل الذي تتخذه الحكومة الحالية. ففي كثير من المساجد بدأ الخطباء والأئمة يهاجمون إصلاحات أتاتورك، بل إن بعضهم دعا علنا إلى العودة للعمل بالشريعة الإسلامية. وحث بعضهم -وهم في فورة الغضب من الرداء القصيص (المينى جوب) - النساء على الاحتشام وتغطية أجسادهن ورؤوسهن. كذلك فقد وقعت عدة حوادث ضد تماثيل وصور أتاتورك وهي توجد في كل مكان في البلاد. وبدأت الصحف والمجلات الرجعية تظهر فجأة - وبكثرة - في الشهور الأخيرة، بل لقد دعت بعض هذه الصحف والمجلات صراحة إلى العودة إلى نظام الحكم الديني (التيوقراطية) . ومن جهة أخرى فإن ثمة عددا من المنظمات المغرقة في التدين قد بدأت تعمل وتنشط، وهي تقوم بتوزيع رسائل ونشرات تدعو فيها إلى تغيير الدستور القائم وإعادة نظام الخلافة، وأشياء أخرى كذلك. ومن المعروف أن هذه المنظمات تتلقى التوجيه والتشجيع من جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات الإسلامية الموجود في البلاد العربية المجاورة. وفي القرى تجد المعلمين المسلمين (الخوجا) ينشطون وينافسون المدارس العلمانية، والمشكلة الأساسية هي عدم وجود عدد كاف من المدارس العلمانية الرسمية في جميع القرى والمجتمعات الصغيرة ومن ثم يبقى المجال مفتوحا للمتدينين المتعصبين. عدو

стр. 154

وفي أنقرة، أضرب طلاب كلية الشريعة احتجاجا على طرد زميلة لهم أصرت على ارتداء الخمار في قاعة الدرس. وقد طالب الطلاب باستقالة عميد الكلية ووصفوه بأنه - عدو الطلاب -ولقد تداولت الصحف بحث هذه القضية مطولا وهي الآن معروضة أمام البرلمان بعد أن تقدم بعض نواب حزب العدالة بطلب بحثها، وذلك دفاعا عن الفتاة. هذا وقد قامت بعض المنظمات التي تطلق على نفسها أسماء - الوطنية – و المحافظة - بتنظيم مظاهرات عامة بحجة التنديد بالشيوعية وبالتنشيط اليساري المتزايد في البلاد. ولقد سار المتظاهرون في أنقرة واستانبول مؤخرا وهم يحملون أعلام خضراء - تمثل اللون الإسلامي - ورددوا هتافات تدعوا إلى - إعلاء كلمة الإسلام في تركيا – ولقد كانت هذه المظاهرات تناهض العلمانية والدعوة العصرية أكثر مما تناهض الشيوعية. ومن جهة ثانية فإن مؤتمرا كبيرا للمنظمات اليمنية المختلفة عقد في أوائل شهر ابريل في مدية بورصة، ندد بإصلاحات أتاتورك وبثورة ١٩٦٠.. وقد دعا الخطباء في المؤتمر إلى (إسلامية) المدارس والفنون والأدب - بما فيها المسارح ودور السينما كذلك! -.. كذلك فقد أعلنوا معارضتهم لتجديد اللغة التركية وألحوا في المطالبة بإلغاء المجلس العلمي للغة التركية - الذي يحاول تنقية اللغة التركية من الكلمات العربية - كما دعوا إلى جعل يوم الجمعة يوم العطلة الرسمية بدلا من يوم الأحد. عداء وتدخل السياسة كذلك في الحملة الجديدة، فيما يسمى بالمنظمات الوطنية والمحافظة، وأئمة وخطباء المساجد كذلك لا يقتصرون في موقفهم العدائي على مناهضة اليساريين فحسب، بل هم يعادون كذلك أكبر أحزاب المعارضة وهو حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك والذي لا يعتبر يساريا بل هو من اليسار المعتدل.

стр. 155

وتشتد هذه الحملة مع اقتراب الانتخابات المحلية الفرعية لمجلس الشيوخ, والمحدد لها يوم ٢ يونيو.. وقد صرح عصمت اينانو زعيم حزب الشعب الجمهوري بأن هذه الحملة قد تؤدي إلى عداء حاد بين المواطنين، ولقد أصبحت حماية الأسس العلمانية التي تقوم عليها الجمهورية التركية ضرورة حتمية على جميع العناصر التقدمية في البلاد. إن كثيرا من الأتراك مهتمون وقلقون مما يمكن أن يؤدي إليه التيار الجديد، وهم يتخوفون من أن هذا التيار قد يؤدي إلى انقسام عميق الجذور في صفوف الأمة، ويتهدد الاستقرار البرلماني في البلاد وقد علقت صحيفة (المدينة) السعودية على هذا المقال بما يلي: الكاتب اليهودي الغيور على مصلحة تركيا يحرض على ضرب المسلمين فيها. تركيا كانت قلعة الإسلام في الماضي، وفي عودتها إلى حظيرته خطر كبير على أعدائه ... ثمة عدد من الملاحظات تثار في الذهن لدى قراءة هذا المقال. وأولى هذه الملاحظات هي تخوف الكاتب وقلقه البالغ على ضياع العلمانية في تركيا. ذلك الحرص الذي يشبه في كلاحته حرص البخيل على جوهرة غالية ثمينة كلفته جهدا ومشقة كبيرتين حتى امتلكها. فالمقال يصور التيار الإسلامي الجديد في تركيا وكأنه غول رهيب يتجمع لينقض على الحمل الوديع الجميل الذي هو العلمانية، ويفترسه معملا فيه أنيابه تمزيقا وتقطيعا. ولا شك أن لهذا الخوف أسبابه الكثيرة. ظلت تركيا فترة طويلة تقف عملاقا ضخما في وجه تيارات الصليبية والإلحاد التي حاولت غزو العالم الإسلامي. وكان وقوف تركيا هذه الوقفة السبب المباشر في فشل كل المخططات التي أعدت لإخضاع الشرق الأوسط لسيطرة أوروبا. ويشهد التاريخ أن الاستعمار الأوروبي لم يستطع أن يغزوا العالم الإسلامي إلا بعد ضعف تركيا. ومن ذلك كان المخطط الاستعماري المجرم سلخ تركيا عن صبغتها الإسلامية..

стр. 156

وواضح من المقال خوف الكاتب وذعره من الحقيقة الهائلة من حقائق دين الإسلام وهي أنه برغم مرور أربعين عاما على تأسيس المجتمع العلماني في تركيا التي كانت قلعة الإسلام فإن شبابا ناشئين قد بدأوا يركزون على الدعوة إلى العودة إلى الله. إن هؤلاء الشباب الذين نشأوا في ظلال وتحت سيطرة العلمانية نفسها التي يخشى عليها الكاتب.. قد عرفوا خواءها وهزالها, ودعوا بدعوة الحق. وأن الكاتب وأمثاله يعرفون أن معنى عودة الإسلام إلى تركيا وسيادته فيها عقيدة ونظام حياة سيعنى أن تعود للإسلام قلعته الكبرى، ومن ثم ينطلق انطلاقه جديدة تقضي على محاولات ومخططات أعدائه. ومن هنا كانت دعوة الكاتب إلى أخذ الحذر من التيار الجديد. والكاتب معذور - لا شك - في تخوفه، فهو يهودي عريق وعتيق، وهو يعلم أن انطلاقة إسلامية جديدة ستعني - من بين ما تعني - إعادة الحق إلى نصابه في فلسطين، واقتلاع الوجود اليهودي فيها من جذوره، وهذا تفسير علامات الهلع في مقالته. ولكن دعوة الإسلام ستنطلق إن شاء الله، وتحطم العلمانية وأسسها، وتزيل ذلك الذل الذي جلبته على تركيا المسلمة، والذي من مظاهره أن يهوديا مثل سام كوهين هذا، يكتب مقالا يحذر فيه من الإسلام بحجة التخوف على (مكاسب) العلمانية. ألست ترى حقده الأسود، ومكتنفات نفسه الكالحة تلمح بين سطور مقاله، ودليل على ذلك تلك الشواهد التي استشهد بها. فهو ينكر على أئمة المساجد إنكارهم للبس المرآة الرداء القصيص (الميني جوب) ويتشفى من الفتاة المسلمة التي أصرت على ارتداء خمارها في قاعة الدرس. لماذا يرى كوهين أن بحث القضية في البرلمان أمرا ذا مغزى خطير؟..

стр. 157

والكاتب اليهودي يحرض تحريضا واضحا يضمنه سطور كلماته بأنه لا بد من اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لوقف التيار الإسلامي الذي يصفه بالرجعية (تماما مثل أدعياء التقدمية في بلادنا) قبل أن يلتهم هذا التيار العلمانية المحببة إلى كوهين وأمثاله من الحاقدين. والإجراءات التي يلمح إليها كوهين هي: ١- إقصاء حزب العدالة الحاكم في تركيا عن الحكم لأنه (محافظ) (ومتساهل) ما يمكن لهذا التيار الإسلامي سبيل الانتشار والمد. وسواء كان هذا الإقصاء بانتخابات مزيفة أو بانقلاب عسكري جديد فالمهم عنده هو فرض حزب الشعب الجمهوري على حكم البلاد لأنه حزب أتاتورك، ولأنه سيقمع بشدة كل من ينتقد أتاتورك. ٢- توجيه ضربة قاضية إلى المنظمات الوطنية والمحافظة التي انتقدت ما اسماه - إصلاحات -أتاتورك، حتى لا تقوم لها قائمة, ولا مانع بعد ذلك إن جاءت الشيوعية إلى تركيا، نظرا لانعدام مقاومة اليمين بعد ضرب تلك المنظمات. أو ليست ستشجع البنات على لبس الرداء القصير (الميني جوب) وستغلق كلية الشريعة فلا يضرب طلابها من أجل زميلة؟ ٣- حظر كافة الصحف والمجلات التي تدعو إلى التمسك بتعاليم الإسلام، نظرا لما يكتنفه وجود مثل هذه الوسائل الإعلامية من خطر، إذ تذكر الناس بماضيهم الإسلامي المجيد، فيسعون إليه بعد أن (حررتهم) منه العلمانية. ٤- تنظيم ضربة ماحقة تنزل بكل الحركات الإسلامية في البلاد العربية المجاورة لتركيا، حتى لا يتسرب نشاطها لتركيا

стр. 158

ولا بد لنا هنا من وقفة صغيرة لنمحص قول الكاتب اليهودي بأن الحركات التي تصطبغ بالصبغة الإسلامية تتلقى التوجيه والتشجيع من الحركات الإسلامية القائمة في البلاد العربية المجاورة. ترى كيف سبيل هذا التوجيه وما هي طبيعة ذلك التشجيع؟. إن الدولتين العربيتين الوحيدتين المجاورتين لتركيا هما سوريا والعراق، ولقد كانت العلاقات بين سوريا وتركيا طوال السنين الماضية علاقات غير طبيعية أو ودية. والحكم القائم في سوريا منذ خمس سنوات حكم يدخل في نطاق الأنظمة التي يصفها كوهين بأنها (تقدمية) وهو يعمل على سلخ سوريا من صبغتها الإسلامية، وهو لا يترك سبيلا للضرب على يد الحركة الإسلامية في سوريا إلا ويتبعه. والحركات الإسلامية هناك ليس لديها وقت يكفيها لأداء واجبها في مقاومة الزحف الإلحادي الذي يدعمه الحاكمون، وإيقافه عند حده. وأما في العراق فقد بدأت العلاقات بين تركيا والعراق مؤخرا تتجه إلى العودة إلى سابق عهدها بعد توتر طويل. وأين الحركة الإسلامية في العراق؟، وأين جماعة الإخوان المسلمين الذين يشير إليهم كوهين وإلى نشاطهم ودعمهم للمد (الرجعي) في تركيا؟. إن كوهين إنما يحرض على ضرورة توجيه ضربة قاصمة لكل الحركات الإسلامية في بلاد العالم الإسلامي حتى لا يتردد صوت الإسلام فيزعج حسه المرهف، وحس أمثاله من اليهود الحاقدين. ففي ظهور الإسلام نهايته ونهاية إسرائيل واليهودية العالمية. ترى هل نتنبه إلى خطر اليهود كما يتنبهون إلى أخطارنا؟ وهل نعي كلمة هذا اليهودي أم ستمر كما مر غيرها كثيرا؟. لا حرية في الهدم من أراد أن يحمل المعول ليهدم بيتي لا أتركه يتم عمله باسم الحرية، ولكن آخذ على يده باسم الحق، ولا أدعه يتلذذ بمناظر الخراب باسم الفن، ولكن أجرعه مرارة العقاب باسم القانون. ((هكذا علمتني الحياة)) --- (١) من كتاب الحكومة الخفية.

стр. 159

معركة الإسلام على مدى التاريخ للشهيد سيد قطب إن المعركة الطويلة الأمد لم تكن بين الإسلام والشرك بقدر ما كانت بين الإسلام وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولكن هذا لا ينفي أن موقف المشركين من المسلمين كان دائما هو الذي بصورة هذه الآيات: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ . لقد كان هذا هو الموقف الدائم للمشركين وأهل الكتاب من المسلمين، وسنتكلم أولا عن المشركين ثم عن أهل الكتاب: وإذا نحن اعتبرنا أن الإسلام لم يبدأ برسالة محمد ﷺ إنما ختم بهذه الرسالة، وأن موقف المشركين من كل رسول ومن كل رسالة من قبل إنما يمثل موقف الشرك من دين الله على الإطلاق، فإن أبعاد المعركة تترامى، ويتجلى الموقف على حقيقته، كما تصوره تلك النصوص القرآنية الخالدة، على مدار التاريخ البشري كله بلا استثناء!. ماذا صنع المشركون مع نوح، وهود, وصالح، وإبراهيم، وشعيب، وموسى، عليهم صلوات الله وسلامة والمؤمنين بهم في زمانهم؟ ثم ماذا صنع المشركون مع محمد ﷺ والمؤمنين به كذلك؟ .. إنهم لم يرقبوا فيهم إلاٍ ولا ذمة متى ظهروا عليهم وتمكنوا منهم.. وماذا صنع المشركون بالمسلمين أيام الغزو الثاني للشرك على أيدي التتار؟ ثم ماذا يصنع المشركون والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرنا بالمسلمين في كل مكان؟ .. إنهم لا يرقبون فيهم إلاٍ ولا ذمة، كما يقرر النص القرآني الخالد..

стр. 160

عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ أبي الفداء (ابن كثير) المسمى (البداية والنهاية) فيما رواه من أحداث عام ٦٥٦هـ: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان. ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشو ش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أيام لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسلحة حتى ترى الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا له راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط. ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم (١) وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار اخذوا أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.

стр. 161

وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة.. وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الموقعة. فقيل ثمانمائة ألف. وقيل ألف ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس - فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما.. وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر، وعفي قبره وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام.. وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة. ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم.. وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبدا لله وعبد الرحمن وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحد بعد واحد. منهم الدويدار الصغير مجاهد الدين ايبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.. وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.. وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي ابن النيار. وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن. وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد.."

стр. 162

"ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها, ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون.." "ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا، فلا يعرف الوالد ولده، والأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى..". هذه صورة من الواقع التاريخي، حينما ظهر المشركون على المسلمين فلم يرقبوا فيهم إلاٍ ولا ذمة. فهل كانت صورة تاريخية من الماضي البعيد الموغل في الظلمات، اختص بها التتار في ذلك الزمان؟

стр. 163

كلا! إن الواقع التاريخي الحديث لا تختلف صورة عن هذه الصور!.. إن ما وقع من الوثنين الهنود عند انفصال باكستان لا يقل شناعة ولا بشاعة عما وقع من التتار في ذلك الزمان البعيد.. إن ثمانية ملايين من المهاجرين المسلمين من الهند -ممن أفزعتهم الهجمات البربرية المتوحشة على المسلمين الباقين في الهند فأثروا الهجرة على البقاء - قد وصل منهم إلى أطراف باكستان ثلاثة ملايين فقط! أما الملايين الخمسة الباقية فقد قضوا في الطريق.. طلعت عليهم العصابات الهندية المنظمة المعروفة للدولة الهندية جيدا والتي يهيمن عليها ناس من الكبار في الحكومة الهندية، فذبحتهم كالخراف على طول الطريق، وتركت جثثهم نهبا للطير والوحش بعد التمثيل بها ببشاعة منكرة لا تقل - إن لم تزد - على ما صنعه التتار بالمسلمين من أهل بغداد!.. أما المأساة البشعة المروعة المنظمة فكانت في ركاب القطار الذي نقل الموظفين المسلمين في أنحاء الهند إلى باكستان، حيث تم الإنفاق على هجرة من يريد الهجرة من الموظفين المسلمين في دوائر الهند إلى باكستان، واجتمع في هذا القطار خمسون ألف موظف.. ودخل القطار بالخمسين ألف موظف في نفق بين الحدود الهندية الباكستانية.. وخرج من الناحية الأخرى وليس به إلا أشلاء ممزقة متناثرة في القطار!. لقد أوقفت العصابات الهندية الوثنية المدربة الموجهة القطار في النفق، ولم تسمح له بالمضيء في طريقة إلا بعد أن تحول الخمسون ألف موظف إلى أشلاء ودماء!. وصدق قول الله سبحانه: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّة﴾ .. وما تزال هذه المذابح تتكرر في صور شتى حتى الآن..

стр. 164

ثم ماذا فعل خلفاء التتار في الصين الشيوعية وروسيا الشيوعية بالمسلمين هناك؟.. لقد أبادوا من المسلمين في خلال ربع قرن ستة وعشرين مليونا.. بمعدل مليون في السنة.. وما تزال عمليات الإبادة ماضية في الطريق.. ذلك غير وسائل التعذيب الجهنمية التي تقشعر لهولها الأبدان. لقد جيء بأحد الزعماء المسلمين، فحفرت له حفرة في الطريق العام، وكلف المسلمون تحت وطأة التعذيب والإرهاب، أن يأتوا بفضلاتهم الآدمية - التي تتسلمها الدولة من الأهالي جميعا لتستخدمها في السماد مقابل ما تصرفه لهم من الطعام!! - فيلقوها على الزعيم المسلم في حفرته.. وظلت العملية ثلاثة أيام والرجل يختنق في الحفرة على هذا النحو حتى مات!. كذلك فعلت يوغوسلافيا بالمسلمين فيها. حتى أبادت منهم مليونا منذ الفترة التي صارت فيها شيوعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وما تزال عمليات الإبادة والتعذيب الوحشي - التي من أمثلتها البشعة إلقاء المسلمين في (مفارم) اللحوم التي تصنع لحوم (البولوبيف) ليخرجوا من الناحية الأخرى عجيبة من اللحم والعظام والدماء - ماضية إلى الآن!!. وما يجري في يوغوسلافيا يجري في جميع الدول الشيوعية والوثنية.. الآن.. في هذا الزمان.. ويصدق قول الله سبحانه: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ ، ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ .. هذا ما كان من شأن الوثنين حينما ظهروا على المسلمين، فماذا كان من شأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ فأما اليهود فقد تحدثت شتى سور القرآن عن مواقفهم وأفاعيلهم وكيدهم وحربهم، وقد وعى التاريخ من ذلك كله مالم ينقطع لحظة واحدة منذ اليوم الأول الذي واجههم الإسلام في المدينة حتى اللحظة الحاضرة!.

стр. 165

ولسنا هنا في مجال عرض هذا التاريخ الطويل، ولكننا سنشير فقط إلى قليل من كثير من تلك الحرب المسعورة التي شنها اليهود على الإسلام وأهله على مدار التاريخ.. لقد استقبل اليهود رسول الله ﷺ ودينه في المدينة شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولا يعرفون صدقه، ودينا يعرفون أنه الحق.. استقبلوه بالدسائس والأكاذيب والشبهات والفتن يلقونها في الصف المسلم في المدينة بكافة الطرق الملتوية الماكرة التي يتقنها اليهود.. شككوا في رسالة رسول الله ﷺ وهم يعرفونه، واحتضنوا المنافقين وأمدوهم بالشبهات التي ينشرونها في الجو، وبالتهم والأكاذيب. وما فعلوه في حادث تحويل الكعبة، وما فعلوه في حادث الإفك، وما فعلوه في كل مناسبة ليس إلا نماذج من هذا الكيد اللئيم.. وفي مثل هذه الأفاعيل كان يتنزل القرآن الكريم، وسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر والأحزاب والتوبة وغيرها تضمنت من هذا الكثير.. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .. [البقرة ٨٩- ٩٠] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .. (البقرة ١٠١) .

стр. 166

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .. (البقرة ١٤٢) . ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟﴾ . (آل عمران ٧٠-٧١) . ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . (آل عمران ٧٢) ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . (آل عمران ٧٨) ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . (آل عمران ٨٩-٩٩) . ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَات..﴾ . (النساء ١٥٣) . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .. (التوبة ٣٢) .

стр. 167

كذلك شهد التاريخ نقض اليهود لعهودهم مرة بعد مرة وتحرشهم بالمسلمين، مما أدى إلى وقائع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر. كما شهد تأليب اليهود للمشركين في الأحزاب مما هو معروف مشهور. ثم تابع اليهود كيدهم للإسلام وأهله منذ ذلك التاريخ.. كانوا عناصر أساسية في إثارة الفتنة الكبرى التي قتل فيها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ وانتثر بعدها شمل التجمع الإسلامي إلى حد كبير.. وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بين علي ﵁ ومعاوية.. وقادوا حملة الوضع في الحديث والسيرة وروايات التفسير.. وكانوا من الممهدين لحملة التتار على بغداد وتقويض الخلافة الإسلامية.. فأما في التاريخ الحديث فهم وراء كل كارثة حلت بالمسلمين في كل مكان على وجه الأرض، وهم وراء كل محاولة لسحق طلائع البعث الإسلامي، وهم حماة كل وضع من الأوضاع التي تتولى هذه المحاولة في كل أرجاء العالم الإسلامي!. ذلك شأن اليهود، فأما شأن الفريق الآخر من أهل الكتاب فهو لا يقل إصرارا على العداوة والحرب من شأن اليهود!. لقد كانت بين الرومان والفرس عداوات عمرها قرون.. ولكن ما إن ظهر الإسلام في الجزيرة، وأحست الكنيسة بخطورة هذا الدين الحق على ما صنعته هي بأيديها وسمته.. (المسيحية) وهو ركام من الوثنيات القديمة، والأضاليل الكنسية، متلبسا ببقايا من كلمات المسيح- ﵇ وتاريخه.. حتى رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم من نزاعات تاريخية قديمة، وعداوات وثارات عميقة ليواجهوا هذا الدين الجديد.

стр. 168

ولقد أخذ الروم يتجمعون في الشمال هم وعمالهم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين، وذلك بعد أن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله ﷺ إلى عامل بصري من قبل الروم، وكان المسلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا برسول النبي ﷺ وقتلوه مما جعل رسول الله يبعث بجيش الأمراء الشهداء الثلاثة زيد بن حارثة, وجعفر بن أبي طالب، وعبدا لله بن رواحه، في غزوة (مؤتة) فوجدوا تجمعا للروم تقول الروايات عنه: إنه مائة ألف من الروم ومعهم من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى، وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل. وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة. ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم سورة التوبة. ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول الله ﷺ قبيل وفاته، ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر ﵁ إلى أطراف الشام، لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين! ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال افريقية وجزر البحر الأبيض، ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية.

стр. 169

إن (الحروب الصليبية) المعروفة بهذا الاسم في التاريخ لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام.. لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير.. لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد.. منذ أن نسي الرومان عداوتهم مع الفرس، وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة. ثم بعد ذلك في (مؤتة) ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة.. ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربا، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيرا من قبل.. وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم، ولا تراعي في المسلمين إلا ولا ذمة.. ومما جاء في كتاب (حضارة العرب) لجوستاف لوبون وهو فرنسي مسيحي "كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب، مما بكرة أبيهم فقتل منهم اثنا عشر ألفا وألقى الأربعة الآلاف الباقون في البحر منفيين من الجزيرة! ويكفي أن نذكر ماذا وقع في قبرص، حين منع الطعام والماء عن الجهات التي يقطنها بقايا المسلمين هناك ليموتوا. أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل الذي رحم نصارى القدس، فلم يمسهم بأذى، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد أثناء مرضهما" (١) . كذلك كتب كاتب مسيحي آخر اسمه (يورجا) ٢ يقول:

стр. 170

"ابتدأ الصليبون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها. وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون، ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء! أما صلاح الدين فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبين، ووفى لهم بجميع عهوده، وجاد المسلمون على أعدائهم ووطؤوهم مهاد رأفتهم، حتى أن الملك العادل شقيق السلطان، أطلق ألف من الأسرى ومنّ على جميع الأرمن، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن". ولا يتسع المجال هنا لاستعراض ذلك الخط الطويل للحروب الصليبية - على مدى التاريخ - ولكن يكفى أن نقول: إن هذه الحروب لم تضع أوزارها قط من جانب الصليبية. ويكفي أن نذكر ماذا حدث في زنجبار حديثا حيث أبيد المسلمون فيها عن جوعا وعطش، فوق ما سلط عليهم من التقتيل والتذبيح والتشريد!. ويكفي أن نذكر ما تزاوله الحبشة في أريترية وفي قلب الحبشة، وما تزاوله كينيا مع المائة ألف مسلم الذين ينتمون إلى أصل صومالي ويريدون أن ينضموا إلى قومهم المسلمين في الصومال!. ويكفي أن نعلم ماذا تحاوله الصليبية في السودان الجنوبي!. ويكفي لتصوير نظرة الصليبيين إلى الإسلام أن ننقل فقرة من كتاب لمؤلف أوربي صدر سنة ١٩٤٤ يقول فيه: "لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة ولكنا بعد اختبار لم نجد مبررا لمثل هذا الخوف.. لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر، والخطر البلشفي. إلا أن هذا التخويف كله لم يتفق كما تخيلناه! إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد!. ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا. أما الشعوب الصفراء فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها. ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وفي قوته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته.. إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي" (١) ---

стр. 171

[١] ذلك أن اليهود والنصارى (من أهل الذمة) كانوا ممن كاتب التتار لغزو عاصمة الخلافة والقضاء على الإسلام والمسلمين فيها، وممن دلوا على عورات المدينة وشاركوا مشاركة فعلية في هذه الكارثة، واستقبلوا التتار الوثنيين بالترحاب، ليقظوا لهم على المسلمين الذين أعطوهم ذمتهم ووفروا لهم الأمن والحياة. [٢] نقلا عن كتاب، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام للأستاذ علي منصور. [٣] من كتاب جورج براون نقلا عن كتاب: التبشير والاستعمار في البلاد العربية للدكتور مصطفى خالدي، والدكتور عمر فروخ.

стр. 172

مكتبات المدينة ومخطوطاتها للشيخ محمود ميره المدرس في الجامعة كانت المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، منها انطلقت رسالته تحمل إلى العالم أروع حضارة عرفها الإنسان أو سيعرفها، وقد كان العلم في مقدمة الأسس التي شيد عليها صرح هذه الحضارة الشامخ، وكلنا يعلم كم حض الإسلام على طلب العلم، وكم رفع من شأن العلماء، وكم أقبل المسلمون على الدرس والتحصيل حتى ملؤوا العالم الإسلامي من قرطبة إلى القاهرة، ومن دمشق إلى بغداد.. إلى بخارى وسمرقند كتبا ومكتبات، بحيث عاش العالم كله تحت سيطرة المسلمين الفكرية قرابة خمسة قرون!! ولولا الحروب الداخلية، والخصومات المحلية، التي أوهت العالم الإسلامي، وفتتت قواه، وعاقت مسيرته العلمية الحقيقية، لبقي لواء زعامة المعرفة معقودا للمسلمين حتى يوم الناس هذا.. وحسبنا أن نعلم أن جامعات الغرب كانت إلى عهد ليس ببعيد تعتمد على المؤلفات التي جادت بها قرائح المسلمين، وأضاءت من آفاق المكتبات الإسلامية، فكتاب (القانون في الطب) لابن سينا لبث من القرن الثاني عشر حتى القرن السابع عشر الكتاب الأول الذي تعول عليه جامعات فرنسا وإيطاليا كلها في دراسة الطب، بل كانت المحاضرات تلقى حوله حتى بداية القرن التاسع عشر!! وقد أتى على باريز حين من الزمن كان كتاب (الحاوي) للرازي أحد تسعة مراجع تتألف منها مكتبة الهيئة الطبية فيها!!

стр. 173

فليس من المستغرب – إذن- أن نرى المدينة المنورة، عاصمة الإسلام الأولى، تملأ المكتبات جنباتها، فالحرم المدني - مثلا - يضم مكتبتين عظيمتين هما المكتبة المحمودية، ومكتبة الحرم، وتقع إلى جانبه من الجهة الجنوبية مكتبتان أخريان هامتان هما مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، ومكتبة المدينة المنورة، وقد ضمت هذه المكتبات كثيرا من المخطوطات التي تعتبر من عيون التراث الذي خلفه لنا أجدادنا الأفذاذ.. وبودنا أن نعرف بأهم هذه المخطوطات خدمة للعلم وإنقاذا من الإهمال وربما الضياع، ومخطوطتنا التي سنتكلم عنها اليوم هي لعالم علامة، وحافظ فذ واع، هو الإمام أحمد بن الحسين البيهقي. وصف المخطوطة عدد أوراقها ٢٨٥ ورقة قياسها ٢١×١٤سم في كل صفحة ٢٣سطرا، في كل سطر ١١كلمة خطها جيد وصفحاتها مذهبة الإطار. لم تبين سنة كتابتها، ويظهر أنها من خطوط المتأخرين، ولا يوجد عليها سماعات ولا بلاغات ولا مقابلات من أولها إلى أخرها وهي بحالة سليمة. مجموعة للبيهقي عدد أوراقها: ٢٨٥ورقة رقم ٧٨مجاميع حديث. تضم الكتب التالية: ١- مجموع كلام الإمام الشافعي ﵀ في أحكام القرآن العظيم. عدد أوراقها ٢-٨٢ ٢- كتب الانتقاد على أبي عبد الله الشافعي ﵀. عدد الأوراق: ٨٢- ١١٦. ٣- كتاب حياة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. عدد الأوراق ١١٦- ١٣٢. ٤- الكلام على حديث الجد يباري عدد الأوراق: ١٣٢-٢٢١. ٥- إثبات عذاب القبر. عدد الأوراق: ٢٢١-٢٢٥. ٦- كتاب بيان خطأ من أخطأ على الشافعي ﵀. عدد الأوراق ٢٢٥-٢٣٠ ٧- جماع أبواب قراءة القرآن في الصلاة على الإمام والمأموم. عدد الأوراق: ٢٣٠-٢٣٥. ٨- فصل في الخاتم من كتاب الجامع له رحمة الله تعالى. عدد الأوراق: ٢٣٥-٢٤٣. ٩- رسالة إلى أبي محمد الجو يني ﵁. عدد الأوراق: ٢٤٣-٢٨٥. التعريف بالكتاب الأول

стр. 174

وصف جزء من مجموع كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أحكام القرآن قال البيهقي في الصفحة الأولى: "وقد صنف غير واحد من المتقدمين والمتأخرين في تفسير القرآن ومعانيه وإعرابه ومبانيه، وذكر كل واحد منهم في أحكامه ما بلغه علمه وربما يوافق قوله قولنا وربما يخالفه، ولقد رأيت من دلت الدلالة لنا على صحة قوله أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ابن عم رسول الله ﷺ وعلى آله قد أتى على بيان ما يجب علينا معرفته من أحكام القرآن، وكان ذلك مفرقا في كتبه المصنفة في الأصول والأحكام فميزته وجمعته في هذه الأجزاء على ترتيب المختصر ليكون ذلك منه على من أراده أيسر ... " ثم قال: "فصل ذكره الشافعي في التحريض على تعلم أحكام القرآن". ثم ثنى "فصل في معرفة العموم والخصوص". ثم ثلث "في فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ ". ثم "فصل في تثبيت خبر الواحد من الكتاب". حيث كتب في آخر النسخة ما يلي: "نقل من أصل نسخة مسموعة على الشيخ الإمام أبي محمد عبد الجبار محمد الجواري البيهقي بروايته عن المصنف سماعا أو بالإجازة التي لا شك فيها بقراءة أحمد بن إسماعيل القزويني، وسمع المرادي وابن فادوا ولعالي الطبري، وعورض بها والحمد لله أولا وآخرا. وعلق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في آخر هذا الجزء بأنه الجزء الأول فقط. كتاب بيان خطأ من اخطأ على الشافعي ﵀ قال البيهقي في ص ٢: "ثم حين صنفت كتاب معرفة السنن والآثار عن الشافعي تبينت فيه ما عثرت عليه من خطأ من اخطأ عليه في الأخبار، فسألني بعض إخواني من أهل العلم بالحديث إفراده بالذكر عن كتاب المعرفة لما فيه من زيادة المنفعة لمن تتبع السند أو المختصر في الوقوف عليه ولم يهتد من كتاب المعرفة إليه فأجبته ... " حديث في العقول حديث في السواك حديث في فضل الوضوء وثوابه لم يذكر في آخرة أي شيء. عدد الأوراق: ٨١-١١٤.

стр. 175

الأول والثاني من الانتقاد على أبي عبدا لله بن إدريس الشافعي. رحمه الله تعالى أما بعد فقد انتقد على الإمام الشافعي بعض المخالفين حروفا من العربية زعموا أنه خالف فيها أهل اللغة، وقد ذكرنا في كتاب المناقب في الجزء العاشر منه شهادة جماعة من أئمة أهل اللغة للشافعي ﵀ بأنه إمام في اللغة، وأن قوله فيها حجة. فأول ما نتقد عليه قوله:١١٥- ١٣٠ جماع أبواب وجوب قراءة القرآن في الصلاة على الإمام والمأموم والتفرقة في كل ركعة منها وبيان تعيينها بفاتحة الكتاب أوله: الدليل على أن قراءة القرآن ركن في الصلاة وأنها واجبة في كل ركعة منها. ١٣١-٢١٩ ص (٢٢٠) كتاب: فيه ما ورد في حياة الأنبياء صلوات الله عليهم بعد وفاتهم، وفصل في كتاب الجامع في الخاتمة، والكلام على الحديث الذي رواه أحمد بن عبد الله الجويباري بإسناده عن عبد الله ابن سلام وفيه ألف مسألة سئلها رسول الله ﷺ . جمع الشيخ أبي بكر أحمد بن الحسي البيهقي ﵀. رواية ابنه أبي علي إسماعيل بن أحمد أنبأ به عنه الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر محمد ابن عبد الله بن أحمد بن جيبة العامري البغدادي أيده الله، وأخبرنا بكتاب الأنبياء وبالفصل في كتابه إلينا من نيسابور الشيخ الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوا زن القشيري عن البيهقي. كتاب حياة الأنبياء ٢٢٠-٢٢٤ فصل من كتاب الجامع في الخاتم ٢٢٥-٢٢٩ الكلام على حديث الجويبباري ٢٣٠- ٢٣٣ رسالة نفذها الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجو يني مستدركا فيها عليه في أول تصنيف شرع فيه سماه المحيط استدراكا فيما يتعلق بعلم الحديث وغيره. ٢٣٤- ٢٤٢ وهي رسالة مهمة. قال في أخرها: "فلما وصلت إليه هذه الرسالة وقرئت عليه قال هكذا بركة العلم وترك تمام التصنيف".

стр. 176

كتاب إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين على ما وردت به الشريعة بالآيات المتلوة والأخبار المروية، وأتى قبل سلف هذه الأمة مع جواز ذلك بالفعل في قدرة الله . ٢٤٣- ٢٨٥ ختم ب أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس ابن محمد حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبو عقيل عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: "بينما رجل يسير في أرض إذ انتهى إلى قبر فسمع صاحبه يقول: آه آه فقام على قبره قال: فضحك عملك وافتضحت". تم بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً كثيرا. اتفق الفراغ منه يوم الاثنين خامس عشر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وستمائة بدمشق على أصله ما صورته رأيت في نسخة الإمام أبي مسعد السمعاني الذي نسخ هذه النسخة وهو كتاب الزهد في خمسة أجزاء منه هذه النسخة ما صورته هذه: قرأ كتاب الزهد الكبير الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسين بن هبة الله الدمشقي على أبي القاسم السماعي وسمع ... زاهر والإمام الأمير أبو المعالي طفر لشاه بن محمد بن الحسين الكاشفري في رجب سنة ثلاثين وخمسمائة بنيسابور نقله ابن الوزير الدمشقي من خط الإمام الحافظ زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي حرس الله جماله وغفر له. في جمادى الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بمرو والحمد لله وحده. نقله كما شاهده عبد الجليل بن عبد الجبار.. قوبل بأصل الحافظ أبي القاسم الذي بخطه والحمد الله وحده. هذا وللبحث بقية ستأتي إن شاء الله نوضح كل رسالة وكتاب من الرسائل والكتب المتقدمة، ونذكر إن كان مطبوعا أو لازال في عالم الغيب مخطوطا، ونذكر النسخ الموجودة منه في المكتبات العالمية، ونشير إلى أهمية هذه المخطوطات ونعرف بالتفصيل بكل منها.

стр. 177

ملحمة قرآنية للشيخ محمد المجذوب المدرس في الجامعة قصة موسى للقلوب ذكر لا تنتهي، وللعقول عبر اليتم وافاه إلى بطن أمه واستقبل الفقر بزوغ نجمه وصب فرعون على الأطفال من قوم موسى حمم الِنكا مجزرة رهيبة عصيبة قد نال منها جلهم نصيبه وذاك أن الكاهنين أخبروا أن هؤلا كاسحا سيظهر يكون في حلوله النهاية لعرشه، وفي رداه آية وكل ذا على يدي وليد من آل يعقوب على التحديد فلم يجد جسرا إلى النجاة إلا على الأشلاء والهامات فأترع الغاشم بالدم الثرى وأتخم السياط من لحم الورى من كل مولود بعمر البرعم لم يقترف نكرا ولما يأثم حتى رأى الجزار أن الخطرا قد زال عن حياته وانحسرا -٢- وذات يوم حمل الماء إلى حدائق الطاغي وعاء مقفلا فأقبلوا يستطلعون أمره ليحملوا إلى الظلوم سره ففوجئوا بطلعة كالقمر يزوي سناها برفيف الزهر طفة تسبي القلوب والنه بما تسربلت به من النهى ..وهم فرعون بأن يسلبه حق الحياة يتحدى ربه لكن أمر الله كان الغالبا فكف عنه لطفه المعاطبا وهكذا احتواه قصر القاتل فكان فيه بهجة المحافل كل يود لو يراه راضيا عنه ليحظى بالثناء غاليا وهكذا صين من الإيذاء وهو بكف شارب الدماء في غمرة اللظى ولا يحترق لا بدع فالله هو الموفق أن يرد الأمر يسهل سبله حتى ترى أعداءه يسعون له فهم برغم أنفهم في خدمته ليعلن الله خفي حكمته .. وأمسك الطفل عن الأثداء وعاف كل لبن وماء فانطلقوا يلتمسون مرضعة تسعد ذا الطفل ولا تشقى معه وكانت أخته تقص أثره عن كثب وتستبين خبره فابتدرت ترشدهم إلى اللتي لما تزل ترقبه في لهفة ورد للأم فطارت جذلا بعد فراق كاد يمحوا الأملا - ٣- وراح موسى في ظلام الكفر يشب كالواحة وسط القفر ما أن تزيده خطى الليالي إلا نفارا من أولي الضلا .. وهاله البغي الذي رآه يصبه الطاغي على أسراه فبات يغلي صدره بالحنق على أولئك العتاة النزق لكنه لم يدر ماذا يصنع وهو الذي ليس له من يسمع وذات يوم بينما يسير

стр. 178

بين الجموع وهو لا يحير أتاه صوت خائف مظلوم يلتمس العون على ظلوم فلم يطق صبرا على ما وجدا ووكز العادي فوافاه الردى فبات موسى خائفا يرتقب حصاد ما جر عليه الغضب ولم يطل مقامه حتى مضى مسلما زمامه إلى القضا -٤- وبعد لأي ساقه التيار إلى شعيب، ولنعم الجار وقص فحوى أمره عليه ثم أصاخ مطرقا إليه فقال: أنت آمن في كنفي ومن يعذ بربه لم يخف ولبث الفتى بظل مدينا ثمانيا كن له فوق المنى حتى إذا وفى صداق أهله فارقه في لهفة لأهله وفي الظلام أدرك المخاض أم بنية، وخلا الوفاض ولاح عن بعد له لألاء.. فقال: دفء ذاك أو ضياء لكنه ما أن دنا حتى سرى في سمعه مالم يكن منتظرا ..ورقت النجوى وطاب الكلم ونال موسى علم مالا يعلم ومن هنا مضى نبيا مرسلا يحمل أمر الله والآي العلى -٥- وما سوى إيمانه من عون واقتحم القصر على فرعون محاولا بث الهدى في قلبه وبلغ الطاغي وحي ربه ولم يزده اللين إلا عسرا لكنه لم يبد إلا كبرا ذاك الغشوم المستبد العاتي وظل رغم رؤية الآيات لقهر موسى كل من به اشتهر قد ظنها سحرا فنادى فحشر عند ازدحام القوم في المدينة وجعل الموعد يوم الزينة واظطرم البغي، وجن الغي وصفت الأحبل والعصي فخيلوا الساق إليهم رأسا واسترهب المشعوذون الناسا لولا نتداء من وراء الحجب: وكاد يعرو الخوف أعصاب النبي إذن ترى الباطل كيف يزهق لا تخش واقذف بالعصا ما اختلقوا إذا أبصروا خلف عصا موسى الهدى هنا خر الساحرون سجدا فطاش حتى لم يطق من صبر وكان فرعون يرى ما يجري كادت تشل فجأة سريرة ويالها فضيحة كبيرة يكبح عنه يقظة الألباب لذاك لم يلف سوى الإرهاب مقطعي الأوصال والأعضاد فعلق القوم على الأعواد إلا الذي تشاهدونه هنا يقول: ليس للعصاة عندنا عن أمرنا.. والويل للمخالف! ذاك المصير حظ كل صادف -٦- وامتحنت مصر بالآفات الكبر من شؤم فرعون ورهطه الأشر فالدم والقمل والضفادع بعض الذي جاءت به الفجائع فلم يروا منجي من الدواهي

стр. 179

إلا بإطلاق عباد الله فقاد موسى تلكم الأساري إلى عرين الأسد في الصحاري لينفضوا عن طبعهم ما علقا من دنس الذلة في عهد الشقا لكن فرعون ومن قد صانعه رأوا خلاص القوم خسرا وضعه لذا عدا وراءهم بقوته يريد ردهم لصون هيبته فصاح: كلا.. لا مكان للوهن إن معي ربي سيدفع المحن -٧- وجاءه الوحي: أن أضرب بالعصا في البحر يفسح للحيارى مخلصا وشد فرعون وراء القوم فكان للباغين شر يوم إذ أطبق الموج عليهم أجمعا فلم يدع لراج مطمعا وهاهنا أقر فرعون بما أنكر من قبل عنادا وعمى يهتف آمنت برب موسى والموت ماض يخطف النفوسا! وأبهج المستضعفين أن يروا معذبيهم يصطلون ما جنوا .. ويقذف البحر أخيرا بدنه لينشق المضللون تتنه فيعلموا أن الذي قد عبدوا لم يك إلا جيفة وتفسد! -٨- لكن موسى لم يجز ذا الخطرا حتى تلقى من يهود الأخطرا فكم عليه فتنه أثاروا وفرية ليس لها قرار حتى لقد رموه بالفجور وهو الذي في الطهر صنوا النور وكان ذا على يدي قارون ويل أمه من آفك مأفون أثقله الله بأعباء النعم فقابل الفضل بأصناف النقم وراح يستعدي على الرسول كل دني النفس والميول حتى لقد أغرى به، وما أرعوى، ذات سفاه من حظيات الهوى زودها بالتهم الحقيرة ومدها بالمنح الكبيرة فأقبلت تقذفه بالمنكر في قحة الوغد، وكيد الفجر ويا لهول المأزق المضعضع أي حجي في مثله لم يضع لكنها النبوة العلية موصولة بضابط البرية سر من الله الذي لا يغلب وليس عن عينية شيء يعزب فثق إذا بنصره يا موسى ألست في عصمته محروسا؟ -٩- وفي وقار الرسل الهداة واجه موسى خطط الغواة فقام يستنطقها مستحلفا بمن لهم شق الخضم واصطفى (إلا كشفت عن دفين الصدر حتى يبين الحق دون ستر) ولم تطق صبرا على الكتمان أمام ذاك الوازع الرباني فاندفعت تصرخ في غير هدى: قارون قد أضلني وأفسدا,, واتضحت قواعد المؤامرة لكل ذي بصيرة وباصره فلم يعد خيرا بقاء الظالم يشيع روح الإثم والمظالم فأمر الله الثرى فامتثلا

стр. 180

لأمر موسى وغدا مذللا فصاح: يا أرض خذيه وابلعي قصوره وما حوت من متع وغاص قارون.. وغاص الذهب وعقد الألسن ثم الرهب وقال كل راغب في ما ملك الحمد لله نجونا وهلك لو لم يمن ربنا علينا لساق مثل خزيه إلينا! -١٠- وهكذا يرتفع اليتيم ويسقط الظلوم والعظيم وكم بذاك وبذا من عبر يتحفنا لها لسان القدر ليعلم المستيئسون الغفل بأن نصر الله حتما مقبل وليس فرعون وقارون إذن.. سوى مثال البغي في كل زمن يكرر التاريخ فيه نفسه فيومه يكاد ينسي أمسه فانظر هنا، ثم تأمل ثما تر الأباة يجرعون السم حتى العذاري يقتحمن الحمما مهتكات يجتررن العلقما وليس من ذنب سوى الإيمان أن لا حياة بسوي القرآن وكل ما يدعونه عدالة في غيره ليس سوى ضلالة ..فقل لجلادي الهداة الشرفا والقاذفي بالإفك جند المصطفى: الله أعلى منكم وأقدر ومكره من كل مكر أكبر لكنه يمهل أهل الباطل حتى تموت حجة المجادل وعند ذاك يبدأ الحساب والويل حين يهجم العذاب وقد لمستم – لو عقلتم – نذره بالنكبات السابقات غيره فالنمل والسيول والحرائق والجدب والإفلاس والبوائق حتى حقولكم، وكانت مصدرا للرزق غاض خيرها فما يرى فأنتم لولا هبات الغربا ما وجدت بطونكم غير الهبا وليتكم تنتفعون بالنوب إذن دفعتم عن حماكم العطب لكنكم ألفتم الظلاما فلا ترون في الجنون داما وهو لعمري الخلق القديم يعيد ما قد لقي الكليم فارتقبوا عواقب الجناة واستيئسوا من أمل النجاة .. ويا جنود الحق: صبرا إنها هنيهة.. ثم يكون المنتهى.
следующие страницы →