Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.
стр. 11096
وإنَّما كان على أفعل؛ لأنه بمعنى أوثقت وأحكمت وأوصدت وارتجت، أي جعلت عليه الغلق أو القفل، ومعناها راجع إلى قولهم: غلق الشيء يغلق غلقا وأغلقه غيره إغلاقا يالي قولهم: قفل الشيء يقفل قفولا وأقفله غيره إن شئت من الرجوع إلى القافلة، إن شئت من اليبس الذي ينال المسافر في جلده يقالا قد قفل جلده أي يبس [١٤] .
عتق وأعتق [١٥]
هذان من باب فعل وأفعل بمعنى فعتق الشيء أي صار حرا أي كريما.
ويقال لكل كريم من الخيل وغيره عتيق، ولذلك سميت الجارية المخدرة عاتقا، والخمر عتيق، وسميَ الماء العتيق، والتمر العتيق، وثوب عتيق ووجه عتيق أي كريم أو جميل وكل شيء قديم يسمى عتيقا أيضا، وذلك قيل للبيت الحرام العتيق قال الله :
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، وقال أيضا: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، وامرأة عتيقة أي جميلة أو كريمة أو نجيبة.
وقال عنترة:
كذب العتيق وماء شن بارد
إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
وأما أعتق فاسم فاعله معتقا ومفعوله معتق (بفتح التاء) ، ومصدره الإعتاق....
والعامة تقول: عتقت الغلام بغير ألف وهو خطأ.
منى وأمنى
أمنى الرجل فهو يمني من المني، فمعناه أنزل فهو ينزل: وذلك إذا خرج منه الماء الدافق قال الله : ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ والمنيّ مشدد الياء اسم على فعيل، وقد أمنى الرجل يمني إمناء، وبعض أهل اللغة يجيز منى بغير ألف كأنه على لغتين، وانظر اللسان فمعنى منى سالَ ومعنى أمنى أسال، وقد روى أن منى التي بعرفات إنما سميت منى لأن الدماء تمنى بها أي تسال إذا ذبحت النسك.
أيديت ويديتَ
стр. 11097
قولك: أيديت عند الرجل، يدًا، فمعناه أسديت إليه معروفا [١٦] ، وأنعمت عليه وهو فعل مشتق من اليد، وهي جارحة من الجوارح، فهو اشتقاق من الأعيان، فليس اسمها بمصدر تتصرف منه الأفعال، ولكن صرف منه ذلك على الاستعارة والتشبيه بالمصادر؛ لأنه لما جعل اسما للإسداء والإنعام على الاستعارة؛ لأنهما لا يكونان إلا بهذه الجارحة، فمعنى أيديت أي اتخذت عنده يدا.
والنعمة تسمى يدا، وتجمع على الأيدي كما جمعت اليد نفسها، وربما جمعوا الجمع فقالوا: الأيادي ليفرقوا بين جمع الجارحة والنعمة.... وقد روى عن بعضهم: يديت إليه معروفا، بغير ألف، وحكى الخليل أنهم يقولون: "إن [١٧] فلانًا لذو مال ييدي به ويبوع".
وهو عند الزجاج كأفعلت، وهو عند جماعة لغة ... وهو كما قال الخليل فهو يبسط به يديه وباعه، فكان قولهم: يديت إنما هو من هذا لا من النعمة؛ لأن اليد هي التي تبسط بالخير والشر، وتصرف بها الأمور وكذا الباع.
غلى وأغلى
أغليت الماء فهو مغلى، فمعناه كمعنى سخنت وطبخت وأحميت وتقول: قد غلى الماء نفسه بغير ألف فهو يغلي غليانا وغليا كما قال الله ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ، وقد أغلاه غيره وهو يغليه إغلاء فهو مغلي، كما تقول: حمي يحمي وأحماه غيره يحميه إحماء فهو محمى فتنقله بالألف، والعامة تقول: غليت الماء بغير ألف وهو مغلي على مفعول، وهو خطأ.... ويقولون: غليت القدر تغلي بكسر الثاني من الماضي والمستقبل، وهو أيضا خطأ وفيه قال الشاعر أبو الأسود:
ولا أقول لقدر القوم قد غليت
ولا أقول لباب الدار مغلوق
ولم يجيء فعل يفعل (بكسر العين في الماضي والمضارع) في الكلام إلا كلمات قليلة شاذة عن القياس، مثل حسب يحسب وورم يرم كأنهم حملوا أغليت على حميت لما كان في معناه وهو غلط منهم.
غفيت وأغفيت
стр. 11098
فإنَّ العامة تقول: غفيت بغير ألف وبالياء، وتقول في المستقبل أغفو غفوة، ومعناه: الدخول فيما قل من النوم، وهو اليسير الذي لا يكتفي به، ولا ينتفع وهو مأخوذ من الغفا، وهو رديء التمر،وهو داء يقع في البسر فيفسده، وكأن العامة لم تدخل فيه الألف؛ لأنها شبهته بقولهم: نعست ونمت، وجاءوا بالمستقبل بالواو، والماضي بالياء جهلا، وبالمصدر على فعلة واحدة والمصدر الإغفاء. والذي في اللسان: أن غفيت لغة، وقال الأزهري: وكلام العرب: أغفى وقلما يقال غفا وفي الحديث"فغفوت غفوة"انظر النهاية جـ ٣ ص ٣٨٦، وهو لغة رديئة عند ابن القطاع [١٨] ، فهو مما جاء فيه فعلت وأفعلت، واختير فيه أفعلت لأنه الفصيح وقل فعلت لأنه رديء.
أولعت بالشيء
قال ابن درستويه في تصحيح الفصيح [١٩] : قولهم: أولعت بالشيء؛ لأنه من باب أفعلت وليس من باب فعلت، وقد حكي عن بعض العرب ولعت بغير ألف مكسورة العين من الفعل على معنى الانفعال والمطاوعة كأنه قال أو لعني الله فولعت وليس فعل متعد إلا وله فعل مطاوعة، غير متعد إما على انفعل وإما على افتعل أو تفعلّ أو فعّل، وهو القياس وإن قل استعمال بعض ذلك أو لم يسمع، وليس كل مستعمل مسموعا مرويا، وإنما قال أهل العربية لا يقال: ولعت وإنما يقال: أولعت به من جهة الاستعمال، وقد استعمل كثيرا غير قليل مصدر ولعت وهو: الولع، كأنهم قد أولعوا بمخالفة الفصحاء، إما استثقالاً لكلامهم وإما عجزا عن النطق به وجهلا بتصريفه. وعامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا: إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم، وهذا غلط منهم؛ لأن الأفعال كلها مفتوحة الأوائل فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمونه الأوائل ولم يخص بذلك بعضها دون بعض، وقد بينا ذلك بعلله وقياسه ليستغنى بمعرفة القياس عن تقليد ثعلب وغيره.
أدِير بي:
стр. 11099
قال ابن درستويه في المرجع السالف الذكر، وكذلك أدير بي وهو بمنزلة أولعت بالشيء، وهو من باب أفعلت رباعي وليس من الثلاثي، وإنما ذكره (أي ثعلب) لأنه مما لم يسم فاعله أيضا، فماضيه بكسر العين، من الفعل الثلاثي والرباعي. وأهل اللغة أو عاميتهم يزعمون أن فعل وأفعل بهمزة وبغير همزة قد يجيئان بمعنى واحد، وأن قولهم دير بي وأدير بي من ذلك، وهو قول فاسد في القياس والعقل، مخالف للحكمة والصواب، ولا يجوز أن يكون لفظان مختلفان لمعنى واحد، إلا أن يجيء أحدهما في لغة قوم والآخر في لغة غيرهم، كما يجيء في لغة العرب والعجم، أو في لغة رومية أو هندية.
وقد ذكر ثعلب أن أدير بي لغة، فأصاب بذلك، وخالف من يزعم أن فعلت وأفعلت بمعنى واحد. والأصل في هذا قد درت ودار رأسي، وهو الفعل اللازم، ثم ينقل إما بالياء وإما بالألف؛ فيقال: قد دير بي، وأدرت فهذا القياس.
ثم جيء بالباء مع الألف، فقيل: قد أدير بي كما قيل: قد أسري بي، على لغة من قال: أسري في معنى سرى، لأن إدخال الألف في أول الفعل والباء في آخره للنقل خطأ، إلا أن يكون قد نقل مرتين إحداهما بالألف والأخرى بالباء، انتهى. ومن الملحوظ أن أسري لغة أهل الحجاز وجاء بهما القرآن الكريم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ .... فهذا من الرباعي وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ لما فهذا من الثلاثي سرى.
غاظ وأغاظ [٢٠]
تقول غاظني بشيء يغيظني، وقد غظتني يا هذا، فهو من الغيظ الذي يجده الإنسان في قلبه من غضب أو موجدة أو نحو ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وفعله المستقبل يغيظ بفتح أوله، واسم فاعله غائظ، واسم مفعوله مُغيظ، قال الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وقال طرفه بن العبد:
стр. 11100
يداك يدٌ خيرها مرتجى
وأخرى لأعدائها غائظة
والعامة تقوله: أغاظني بألف وهو خطأ، ولكني وجدت أغاظ في القاموس والمصباح.
صرف وأصرف [٢١]
تقول: صرفت الصبيان معناه سرحتهم من الكتاب، كذلك صرفت الرسول والشيخ: إذا رددته إلى موضعه الذي جاء منه، وكذلك قولك: صرف الله عنك الأذى. والعامة تقول: أصرفت الصبيان، وأصرف الله عنك الأذى بالألف وهو خطأ، ويدل على ذلك أن فاعله صارف، ومفعوله مصروف، ومصدره الصرف، ومستقبله يَصرف (بفتح الياء) ، وقال السيوطي في المزهر: "ليس في كلامهم أصرفت إلا حرف واحد: أصرفت القافية إذا أقويتها (وهو أن يخالف الشاعر بين القافيتين) وأنشد (لجرير) :
قصائد غير مصرفه القوافي
فلا عيا بهن ولا اجتلابا
فأما سائر الكلام فصرفت: صرف الله عنك الأذى، وصرفت القوم، صرف الله قلوبهم، وصرف ناب البعير"انتهى.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص ١٦٣، ١٦٤ تحقيق عبد الله الجبوري طبع بغداد.
[٢] انظر كتاب ليس في كلام العرب ص ٤٦ ص ١٨٩، واللسان هرق وشرح المفصل جـ١ ص٥
[٣] انظر شرح الشافية للجابردي ص١٥٢ وسر الصناعة الورقة ص١٢٢ ب وتفسير غريب القرآن.
[٤] وراقني الشيء يروقني اللسان وورق وحكى الكسائي راق الماء يريق إذا نصب ص١٢.
[٥] الهاء قوله، هياك على البدل مثل أراق وهراق. وعن الفراء إنما يقولون، هياك في موضع زجر، انظر إبدال أبي الطيب جـ٢ ص٥٦٩. والمقتضب جـ١ ص١٥٤. وليس ص١٨٩ والتصريف الملوكي ص٤٤ وتفسير غريب القرآن ص١٢ والكتاب جـ٢ ص٤٧٤ وشرح الرضي على الكافية جـ٢ ص٥٦٩. والأشباه والنظائر جـ١ ص٦٩.
[٦] انظر ليس لابن خالوية ص ٤٦.
[٧] انظر اللسان، وإبدال ابن السكيت ص ٢٥.
[٨] انظر اللسان، وابن يعيش جـ١٠ ص٥.
стр. 11101
[٩] انظر الجمهرة جـ٣ ص٤٣٨، والممتع لابن عصفور جـ ١ ص٣٩٩، وما اختلفت ألفاظه واتحدت معانيه ص٣٢، والتصريف الملوكي ص٤٤.
[١٠] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص ١٦٦ تحقيق عبد الله الحبوري طبعة بغداد.
[١١] حكاية عن الكسائي انظر، إصلاح المنطق ص ٢٢٦. وأفعال ابن القطاع ٣ ص ٢٨٩ واللسان وقف لغة رديئة.
[١٢] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص١٨٢ تحقيق عبد الله الجبوري.
[١٣] انظر جـ٢ ص٤١١، الجمهرة جـ٣ ص٤٣٩، وما تلحن فيه العامة ص٤٠.
[١٤] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص٣١٨ لطبعة بغداد.
[١٥] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص٣١٨. وأفعال ابن القطاع جـ٢ ص٣٧٧ وتثقيف اللسان ص٢٦٥.
[١٦] انظر ابن القوطية/١٦٩. وابن القطاع جـ٣ ص٣٧٤ والتصريف الملوكي ص٦٦ وتصحيح الفصيح جـ١ ص٣٢٥ طبعة بغداد
[١٧] انظر التهذيب. جـ١٤ ص ٢٤١ والمقتضب جـ١ ص١٥٠.
[١٨] انظر ابن القطاع جـ٢ ص٤٤٣.
[١٩] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص٢٠٦.٢٠٧.٢٠٨ تحقيق عبد الله الجبوري طبعة بغداد الباب الرابع فعلت بضم الفاء.
[٢٠] انظر الأفعال لابن القطاع جـ٢ ص ٤٤٢. وتثقيف اللسان ص١٥٢ وتصحيح الفصيح جـ١ ص هـ ١٩
[٢١] انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص١٨٠ وأفعال ابن القطاع جـ٢ ص٢٣٨.
стр. 11102
حداثة الشعر العربي
الدكتور عبد الباسط بدر
الأستاذ المساعد في كلية اللغة العربية بالجامعة
(الحلقة الثانية)
لابد أن نجاوز القرون التي تفصل بين العصر العباسي والعصر الحديث؛ لنرتفع من جذور قضية الحداثة إلى ساقها. ذلك أننا لا نجد في تلك القرون جديداً في القضية، وكأن النقاد قنعوا بالأحكام النظرية العادلة التي وضعها ابن قتيبة، وأخذوا بها من بعده، واستراحوا من الجدل في القديم والحديث. ولا ننسى أن انشغالهم بالأبحاث البلاغية الصرفة، وعدم ظهور سمات تجديدية في الشعر تشدهم إليها، زاد من قناعتهم وصرفهم عن القضية.
فإذا عبرنا إلى شاطئ العصر الحديث، فإن أول ما يستوقفنا هو أن العصر بأكمله قد وسم بالحداثة، وأن النقاد ومؤرخي الأدب مجمعون على تسميته بالعصر الحديث في الأدب أيضا. وأنه يبدأ- في عرفهم- بمطلع القرن التاسع عشر الميلادي. ولا بد- والأمر كذلك- من وقفة مستأنية، ولتكن وقفة في أرض مصر.
стр. 11103
ففي بداية هذا العصر بدت بوادر التغير في الحياة الراكدة، ورحل جنود الحملة الفرنسية وعلماؤها من مصر، بعد أن هزوا المجتمع المصري من أعماقه. واستطاع محمد على باشا بعد سنوات قليلة أن يبدأ نهضة واسعة، ظهرت آثارها في توسعه العسكري، والحركة العمرانية، والبعثات الدراسية، وتشجيع الترجمة والطباعة، ثم تابع النهضة ابنه إسماعيل- الذي خلف عباساَ وسعيداً-. وكان هذا الحاكم مفتوناً بمظاهر الحياة الأوربية، فعمل على نقلها إلى مصر، وصرف في سبيل ذلك أموالاً طائلة، وفي الوقت نفسه، أخرجت المطابع عدداً من دواوين الشعراء الجاهليين والأمويين والعباسيين، وأصبح في مقدور المثقفين أن يقفوا على عيون الشعر العربي، كما نشرت أمهات كتب التراث ككتب الجاحظ وابن المقفع وابن العميد وابن خلدون غيرهم. وبدأ النثر يتخلص من قيود السجع والتكلف، في كتابات رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم من كتاب العصر، فكان أسبق من الشعر إلى التحرر.
وأما الشعر فكان في حالة من السقم تقارب الموت. وكانت تمثله نماذج هزيلة، ليس فيها إحساس صادق، ولا تعبير فني ناضج، وتغطى ركاكتها،في كثير من الأحيان، بألوان من البديع المصطنع تبدو مثل زركشة على كفن، وتعبر بصدق عن الحياة الراكدة في أواخر العهد العثماني.
وقد حاول بعض الشعراء- أمثال: محمود صفوت الساعاتي، وعلي أبي النصر، وعبد الله فكري، وعائشة التيمورية، أن يتحرروا من الأسلوب المتخلف، ولكنهم لم يبتعدوا عنه كثيرا، وكان مقدورا للشعر أن ينتظر ظهور الشاعر العبقري، الذي يتمثل ما تنتجه المطابع من الموروث الشعري الأصيل، ويرتقي إلى درجة تقترب من فحوله. وكان الشاعر هو محمود سامي البارودي.
ويعدّ النقاد ومؤرخو الأدب شعر البارودي بداية الشعر الحديث ويخصونه باصطلاح: شعر الإحياء؛ لأنه باكورة الحداثة.
فما الحداثة في هذا الشعر؟ وما موقف النقاد من حداثته؟
стр. 11104
يذكر الذين كتبوا عن البارود أنه انكب على دراسة التراث الشرقي، وأن شاعريته تفتحت بعيداً عن الشعر السقيم الذي كان يعاصره، وأن قصائده الأولى كانت معارضات لقصائد أبي تمام والبحتري- والمتنبي وأبي فراس والشريف الرضي. فيكون بذلك أول شاعر في العصر الحديث يدخل ساحة الشعر بديباجة عربية أصيلة.
ولو نظرنا في ديوان البارودي، لوجدنا أنه لم يأت بجديد، لا في موضوعات الشعر، ولا في شكله. بل إنه لم يخرج عن موضوعات عصره التقليدية. وشعره موزع بين المديح والهجاء والفخر والغزل ورياضة القافية، إضافة إلى لون، وجداني ساقته أحداث حياته.
ولكنه جاء بجديد إذا قسنا شعره بشعر معاصريه، جديده في الديباجة والأسلوبن وترك التكلف والبهرجة، فهو بهذا المقياس- ((حديث)) بين، شعراء يعيشون على القيم الفنية التي سادت في عصور الضعف والانحدار، وشعراء يحاولون التخلص منها، ولكنهم لا يحلقون، وهو بذلك رائد الحداثة، ريادته في العودة إلى التراث الشعري الأصيل، ومخالفة الذوق الأدبي الشائع في عصره. وهي مخالفة تجاوز السقيم إلى السليم.
إن الحداثة في شعر البارودي لا تحمل أي جديد بالمعنى اللغوي للجديد (أي الذي لم يكن موجوداً من قبل) ، ولكنها تحمل جديداً بالنسبة للعصر الذي كان فيه، للبيئة الشعرية المحيطة به، وجديده أسلوب عربي كان مدفونا في الكتب، بعيداً عن الواقع الشعري، وليس فيه أي لقاء مع أية ثقافة غير عربية، ولا ردة فعل لثقافة أجنبية وافدة، فالثقافة الوافدة آنئذ قليلة الشأن. وقد كانت حداثته- أو عودته إلى التراث الشعري الناصع- أنقع للشعر العربي من أية صورة أخرى يمكن أن يأتي بها.
стр. 11105
ومن المفيد أن نذكر أن النقاد المعاصرين للبارودي لم يهتموا بجديده، ولم يستخدموا اصطلاح ((الحداثة)) في وصف شعره، ولكن بعضهم- وفي مقدمتهم الشيخ حسين المرصفي -[١] أعجبوا بقوة شعره، وقارنوه بالشعر العباسي، واستخدموا المقاييس البلاغية القديمة في إظهار حسنه. وكان أفضل نقد لشعره يقوم على الموازنة بين إحدى قصائده وإحدى قصائد أعلام الشعر العباسي. وطبيعي ألا نتوقع من هذا النقد أن يقدم أي مفهوم أو تطوير لمفهوم الحداثة.
تحديث خلفاء البارودي ((المحافظين))
لم يكن لاتجاه البارودي صدى واسع في عصره، غير أنه آتى أكله في الجيل التالي، عندما نهض به شوقي ومطران وحافظ إبراهيم وإسماعيل صبري وغيرهم. وقد عكف هؤلاء على قراءة شعره، إضافة إلى الشعر العباسي الذي أصبح في متناول أيديهم، وتأثروا بنماذجه المثلى، ويدل على ذلك معارضتهم الشعرية الكثيرة- وما زالوا يتزودون من عيون الشعر حتى استقامت لهم أساليبهم المتأثرة بها، فاستطاعوا أن يقيموا نهضة شعرية حقيقية، بعيدة كل البعد عن شعر التكلف والانحطاط، واستطاعت نهضتهم أن تؤثر في شعراء الوطن العربي، وأن تنهي آثار التخلف والانحطاط. وقد سماهم الجيل الذي خلفهم ((المحافظين)) ؛ لأنهم ترسموا خطا البارودي في المحافظة على جزالة الأسلوب العربي القديم ورصانته. وهم بلا شك محافظون في حدود هذا المعنى، ومحافظون أيضا؛ لأنهم لم يتخطوا حدود الثقافة العربية والقيم الشعرية الأصيلة إلا خطوات قليلة، وقد كانت الفترة التي عاشوها تتطلب ذلك.
стр. 11106
وقد ناقش الدكتور شوقي ضيف محافظتهم، وحررها من شبهة الجمود والتخلف فقال: ولكنهم ليسوا محافظين بالمعنى السيئ للمحافظة، حيث يكون الشاعر نسخة مكررة لمن سبقه، أو يكون طبق الأصول التي يطلع عليها دون حذف أو تغيير، فتلك مرتبة عقيمة زهد فيها هؤلاء الشعراء وانصرفوا بقدر ما وسعتهم جهودهم، وسعوا لتكوين شخصياتهم الشعرية المستقلة، وفرضوا ثقافتهم وقضايا عصرهم على شعرهم، ولاءموا ملائمة جيدة بين القديم والجديد، بين الأسلوب العربي في جزالته ورصانته وروح العصر، ووجهوا الأذواق الأدبية إلى الوضع الذي يمكن أن نتدرج إليه بعد البارودي [٢] .
لقد كان شوقي وحافظ وصبري.. مجددين، بالمعنى الضيق للتجديد، وذلك في أول عهدهم، وبالتحديد في العقد الأول من القرن العشرين؛ إذ جاءوا بصوت جديد في الشعر العربي موضوعاً وأسلوباً، ولم تكن أصواتهم مجرد أصداء لصوت البارودي، فإن أي قارئ لشعرهم يحس أثر البارودي فيه، ويحس أيضاً أنهم أصوات متميزة تختلف عن البارودي في يسر الأسلوب، وتخلصه من الاستعمالات القاموسية البعيدة عن العصر، وتختلف في الموضوعات الحية التي تتصل بالحياة العامة في عصرهم، وقد كانت لديهم طاقات شعرية ضخمة، تملك ناصية اللغة وخصوبة البيان، وأسرار النغم الموسيقي، وعذوبة الأداء، فترددت أنغامهم في أرجاء الوطن العربي كله.
على أن شوطهم في التجديد كان قصيرا، إذ وقفوا عند الخطوات القليلة التي خطوها بعد البارودي، وأخذ شعرهم يكرر نفسه ولا يأت بجديد إلا في عناوين القصائد بينما الأفكار متقاربة، ولا أكاد أستثني بهذا الحكم أحدا من المحافظين، اللهم إلا نبضات التجديد في مسرحيات شوقي الشعرية، وبعض جوانب الحداثة في شعر مطران. وهذا الأخير يطبّل له بعض الدارسين، ويعده مظهرا للحداثة يهب القرن العشرين، وإمام الحركات المجددة التالية ولا بأس من التريث عنده للتحقق من هذه الدعوى.
стр. 11107
فالدكتور محمد مندور يرى أنه رائد الحداثة والتجديد في الشعر العربي، ويقول عنه: ((إن الإجماع يكاد ينعقد على أن خليل مطران، يعتبر رائدا للمدرسة الجديدة في الشعر العربي المعاصر، حتى ليكاد يختط طريقاً يشبه الطريق الذي أخطته في العصر العباسي بمدرسة البديع- وعلى رأسها أبو تمام- في مواجهة مدرسة عمود الشعر- وعلى رأسها أبو عبادة البحتري-؛ وذلك عندما يقارن النقاد بين مدرسة البارودي وأحمد شوقي وحافظ وغيرهم ممن ساروا على عمود الشعر العربي والمدرسة الحديثة التي تنتسب إلى مطران، وتمتد في جماعة أبولو خلال أحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي ومن ساروا على دربهما من الشعراء الناشئين في مصر وغيرها من البلاد العربية [٣] .
ويذهب أبعد من ذلك فيشبهه بالشاعر الفرنسي أندريه شينيه، الذي قاد الحركة الكلاسيكية الجديدة قبل الثورة الفرنسية، وهي الحركة التي جمعت بين الصياغة اللغوية الفصيحة والأفكار الجديدة المعاصرة.
وفي ظني أن مطران كان واحدا من المجددين: وليس ((رائدا للمدرسة الجديدة في الشعر العربي المعاصر)) وأنه دون مرتبة الريادة، سواء في شعره، أو في تأثيره فيمن بعده.
стр. 11108
وعندما نرجع إلى ديوانه نحسّ أنه أكثر شعراء جيله تأثرا بالثقافة الفرنسية، فقد ترجم قصائد كثيرة من شعرها، وناقشها، وعارضها وتأثر بها، وتنبه إلى بعض القيم الفنية في الشعر الفرنسي، ودعا الشعراء العرب إلى الأخذ بها، واهتم بوحدة القصيدة ودعا إليها، وإلى عدد من القيم الشعرية التي لم تكن سائدة بين معاصريه، فقال في مقدمة ديوانه: ((هذا شعر ناظمه لا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الصحيح، ولا ينظر قائله إلى جمالا البيت المفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف الختام، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، إلى جمال القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعور الحرّ وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر)) [٤] .
ويبدو في تقويمه هذا أن الشعر في مفهومه تعبير نفسي تتجلى فيه الوحدة الفنية الموضوعية، وأن قواعد الحزن والقافية إنما هي لخدمة معاني الشاعر. وإشارته هذه إلى وحدة القصيدة هي- فيما أعرف- أول إشارة إلى قضية وحدة القصيدة في العصر الحديث، وقد طبقها في بعض قصائده الشعرية، ولا سيما في القصائد القصصية.
على أنه لم يستطع أن يحقق- في معظم شعره- ما نادى به في مقدمة ديوانه فصياغته تكاد تداني الصياغة التقليدية- ولعل مقدمته النثرية للديوان كما يرى القارئ توحي بذلك أيضاً- وهي متأثرة بالأساليب العربية القديمة إلى حد بعيد، مع تفاوت ملحوظ في الجزالة، كما أن موضوعات شعره تترواح بين بعض الموضوعات الوجدانية- كالتأمل والغزل والشكوى ... وبين الموضوعات التقليدية العتيقة، كالمدائح والمراثي وشعر المناسبات.
стр. 11109
وأما تأثيره فيمن بعده، وخصوصاً شعراء أبولو الذين ذكرهم مندور- فهو ضئيل لا يرقى به إلى الريادة والإمامة، ذلك أنه لم ينجح في إشاعة ما دعا إليه بين الشعراء، ولم تتكون له مدرسة شعرية على نحو ما تكون للبارودي ولشوقي من بعده، وشعراء أبولو كانوا في معظمهم على قدر وافر من الثقافة الإنجليزية، وقد تأثروا بمدارسها الشعرية مباشرة، وتأثر بعضهم بالديوانيين الثلاثة- العقاد وشكري والمازني-. ولعل الديوانيين هم أقرب من قرأ شعر خليل مطران، والتقوا معه في عدد من مفهومات الشعر. والمعروف أن مصادر مطران الفرنسية تلتقي مع الرومانسية الإنجليزية التي تأثر بها الديوانييون- وتوجه الشاعر نحو ذاتية التعبير والاهتمام بالخيال والتخلص من القيم الفنية الكلاسيكية.
تحديث الديوانين:
يطلق الدارسون اصطلاح الديوانيين على الشعراء النقاد الثلاثة: عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني، وهؤلاء الثلاثة هم الذين تركوا بصمات عميقة في تطوير عدد من عناصر الشعر العربي الحديث، وجاءوا بخيوط كثيرة من الحداثة تنظيراً وتطبيقاً.
وكان أسبقهم إلى التحديث عبد الرحمن شكري، الذي نشر دواوينه الشعرية قبل زميليه، وضمنها عددا من آرائه الجديدة، ثم شاركها في إصدار بعض المقالات النقدية التي تدعو إلى التحديث وتنتقد معظم القيم الشعرية في شعر المحافظين، ثم انفصل عنهما، واقتصر على كتابة الشعر وعدد قليل من المقالات، على حين أصدر العقاد والمازني كتاب ((الديوان)) الذي ضم خلاصة القيم الحديثة التي يدعون إليها، وأحدث ضجة كبيرة. وبعد أقل من عقد من الزمن خفت قوة الاتجاه، إذ هدأت حدة المازني في النقد، وسكت صوته في الشعر، وغاب عبد الرحمن شكري عن الأنظار، لا يظهر من شعره إلا قصائد قليلة تنشر على فترات متباعدة، وظل العقاد وحده يصدر دواوينه ويتابع حملاته النقدية العنيفة.
стр. 11110
وقد كان الأعلام الثلاثة على قدر كبير من الثقافة الغربية، ولاسيما الإنكليزية تعمقوا في دراسة آدابها، وأخذوا من شعرها ونقدها شيئا كثيراً، فكانوا بحق مدرسة جديدة في الشعر العربي ونقده، وصفها العقاد نفسه بقوله:
مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنكليزية، ولم تقتصر قراءاتها على أطراف من الأدب الفرنسي- كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر- وهي على إيغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنكليز، لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنكليزي الحديث فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت إن (هازلت) هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون، وأغراض الكتابة، ومواضع المقارنة والاستشهاد.
وقد استفاد الأعلام الثلاثة من ثقافاتهم الواسعة، وثاروا بتأثيرها- على عدد من القيم السائدة، في الشعر الذي يكتبه المحافظون، وحاولوا زحزحة الأصول التقليدية التي يتبعونها، ودعوا إلى مفهومات جديدة للشعر وعناصره، وجعلوا دعوتهم معلم الحدأة، والأخذ بها تحديثاً للشعر. ويمكن إجمال أهم معالم الحداثة التي دعوا إليها فيما يلي:
стр. 11111
أولاً تطوير مفهوم الشعر: كان الشعر في مفهوم المحافظين صناعة متقنة، تقوم على مجموعة من القواعد والقوانين، يحذقها أصحاب التراث الموضوعيون من نقاد ولغويين وبلاغيين، والشاعر هو القائل الفصيح أولاً. وقد رفض الديوانيون هذا المفهوم وقدموا مفهوماً جديداً، يكون الشعر فيه إبداعا يعبر عن ذات الشاعر، ويصور عالمه الداخلي بكافة مناحيه، وطاقاته النفسية وملكاته الإنسانية، ويصدر عن الشعور، ويضطرب بالعاطفة؛ يقول عبد الرحمن شكري عن الشعر: ((هو كلمات العواطف والخيال والذوق السليم، فأصوله ثلاثة متزوجة، فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره قليل الشأن، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميتاً لا حياة فيه؛ فإن حياة الشعر في الإبانة عن حركات تلك العواطف، وقوته مستخرجة من قوتها، وجلاله من جلالها، ومن كان سقيم الذوق أتى شعره كالجنين ناقص الخلقة)) [٥] .
وهناك تعريفات مشابهة لتعريف عبد الرحمن شكري أوردها العقاد والمازني في ثناب انقدهم، تؤكد التفاف الأعلام الثلاثة حوله المفهوم ذاته.
ثانياً: تطوير مضمون الشعر: اهتم الشعراء المحافظون بالقضايا العامة أكثر من اهتمامهم بالوجدان الفردي، فلما جاء الديوانيون عملوا- بتأثير قوي من الرومانسية الإنكليزية التي تأثروا بها- على توجيه الشعر نحو الذات، وطلبوا من الشاعر أن يهتم باستبطان وجدانه قبل كل شيء، وأن يعبر عن إحساساته بحرية تامة.
стр. 11112
وعلى الرغم من أن العقاد لم يمانع في أن يطرق الشاعر موضوعات الحياة اليومية في البيت أو الطريق أو الدكان، فإنه اهتم اهتمام عظيماً بالعالم الداخلي للشاعر، وجعل التعبير الصادق عن هذا العالم الخاص مقياس الجودة المثلى للشعر فقال: ((إن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورا حيا ووجداناً تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدم ونفحات الزهر إلى عنصر العطر، فذلك شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية)) .
وقرر المازني أن الشعر مرآة لنفس الشاعر، فيه روحه وإحساسه وخواطره ومظاهر نفسه، سواء أكانت جليلة أم دقيقة، شريفة أم وضيعة.
وذهب عبد الرحمن شكري المذهب نفسه، فجعل الشعر لغة العاطفة ومحركها، وهكذا وجّه الديوانيون الشعر وجهة وجدانية، تهتم بالعاطفة قبل كل شيء وكان توجيههم هذا جديدا على الشعر العربي ونقده.
ثالثاً: تطوير في الشكل:
أ- الدعوة إلى وحدة عضوية للقصيدة، بحيث تصبح- كما يقول العقاد- عملا فنياً تاماً يكمل فيه تصور خاطر أو خواطر متجانسة. بحيث إذا اختلف الوضع أو تخيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها، فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه)) .
غير أن النقاد أخذوا على العقاد أنه لم يجاوز- في دعوته للوحدة العضوية- وحدة الموضوع، وأنه لم يحقق في شعره أكثر من ذلك.
стр. 11113
ب- الدعوة إلى تطوير الصورة الشعرية: استفاد الديوانيون من التطوير الكبير الذي أحدثه الرومانسيون الغربيون، في مفهوم الصورة الشعرية واستعمالاتها؛ فاهتموا بها اهتماما كبيرا، وعدوها عنصرا أصيلا في البناء الشعري، تنقل الأحاسيس وتهتم باللباب والجوهر ... في العلاقة بين الأشياء، لا بالتشابه الخارجي، وهاجموا الصورة التقليدية التي يعتمد عليها الشعراء المحافظون واتهموها بالافتعال والمبالغة، والنمطية والتصميم، والحسية الحرفية الشكلية. يقول العقاد في هجومه العنيف على شوقي وأسلوبه في التصوير: إذا كان كذلك من التشبيه أن تذكر شيئاً أحمر، ثم تذكر شيئين أو أشياء مثله في الإحمرار فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء حمراء، بدل شيء واحد، ولكن التشبيه أن تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس)) [٦] .
جـ - الدعوة إلى التحرر من القافية: كان عبد الرحمن شكري من أوائل الشعراء الذين حاولوا التخلص من القافية الموحدة، وقد كتب عدة قصائد لم يراع فيها وحدة الروي، كما أن العقاد تبنى الدعوة لترك القافية، وعدها إحدى معوقات الشعر العربي عن التطور؛ قال: ليس بين الشعر العربي وبين التفرد والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى المعاني والمقاصد، وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها، ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل، ولا تطول نقرة الأذن من هذه القوافي، ولاسيما في الشعر الذي يناجي الروح والخيال أكثر مما يخاطب الحس والآذان)) [٧] .
стр. 11114
ولكن العقاد تراجع عن رأيه هذا بعد ثلاثين سنة، وقرر أن انتظام القافية متعة موسيقية تخف لها الآذان، وانقطاع القافية بين بيت وبيت شذوذ يحيد بالسمع عن طريقه الذي اطرد عليه. ودعا إلى حلٍّ وسط يسمح بتنويع القافية في القصيدة دون أن يلغيها [٨] .
تلك هي أهم معالم الحداثة في حركة الديوانيين، وقد عزا النقاد هذه المعالم إلى القيم الرومانسية الغربية، والإنجليزية بالذات- التي أثرت في الديوانيين، فيرى الدكتور محمد مندور (أن المنهج الشعري الذي اختارته هذه المدرسة ودعت إليه هو نفس المنهج الذي صدر عنه جامع ((الكنز الذهبي)) في اختيار ما اختار من الشعر الغنائي الإنكليزي) [٩] . ويذهب الدكتور محمود الربيعي إلى أنهم نقلوا المبادئ التي دعوا إليها بدقة عن النقد الإنكليزي، في حين قام دارس آخر بالبحث عن مصادر آراء العقاد في كتابات الشعراء والنقاد الرومانسيين في أوربا وأمريكا، وعقد مقارنات طريفة وقيمة تؤكد هذا النقل [١٠] .
ولم ينكر الديوانيون تأثرهم بالرومانسيين الغربيين شعراء ونقادا- بل أعلنوا على الأشهاد، أنهم تأثروا بهم واستفادوا منهم، وأخذوا أفضل ما عندهم، دون أن يحصروا أنفسهم في آثارهم. وقد مر بنا قبل قليل تصريح العقاد عن تأثره وزميليه بالشعر الإنجليزي وغيره، ولكنه دفع بقوة شبهة التقليد، وقرر أنهم كانوا في موقع الاختيار لا التبعية.
стр. 11115
ولا شك أن الديوانيين جاؤوا الشعر العربي بعدد من القيم الفنية الأصيلة، استمدوا معظمها من الشعر والنقد العربي بعامة، والإنكليزي بل والرومانسي الإنكليزي بخاصة، وأفادوه في عدة جوانب، منها: إعادته إلى التعبير عن الوجدان الفردي في إخلاص وصدق، وقد عاش الشعر العربي من قبل فترات على هذه الشاكلة، في شعر بعض الشعراء الجاهليين وفي قصائد الغزليين والصوفيين وعدد من الشعراء أصحاب الاتجاهات الفردية؛ كابن الرومي وأبي العلاء وأبي فراس والمتنبي في غير مدائحه، ولا يكاد عصر من العصور يخلو من هذا الشعر. لذلك فإن دعوة الديوانيين إلى هذا اللون من الشعر ليست جديدة على الشعر العربي في تاريخه الطويل، ولكنها ليست دعوة نابعة من صور الشعر الوجداني في تاريخ الشعر العربي ... ولا يمكن إلا أن تكون متأثرة إلى حد كبير بالاتجاه الرومانسي الغربي، كما أنها تحمل عناصر مغايرة لما كان سائدا ً بين شعر المحافظين....
ولعلنا بهذا التفسير نجد إجابة مقنعة للتساؤل الذي يثور في ذهن من يقرأ آثار الديوانيين: لماذا تفوقت دعوتهم النظرية على تطبيقهم العملي؟.
ولا يخفى على القارئ أن شعر الديوانيين- ولاسيما العقاد ثم المازني- لا يحقق أحياناً المبادئ التي دعوا إليها، ولا يخلو من المعاني والموضوعات والمشكلات التي هاجموها بشدة. والطريف أن العقاد نفسه وقع مرة في الفخ الذي أوقع فيه أمير الشعراء أحمد شوقي من قبل، وأن الدكتور محمد مندور كان له بالمكيال نفسه الذي استخدمه في نقد شوقي، فأخذه بجريرة تفكك القصيدة وضياع وحدتها العضوية.
ولعل عبد الرحمن شكري أكثر زملائه تطبيقا للمبادئ الجديدة.
стр. 11116
لقد سعى الديوانيون إلى تحديث الشعر العربي بالدعوة إلى التعبير عن الوجدان الفردي بقوة، وبالسعي إلى تأصيل مفهوم جديد للشعر العربي متأثرًا بالمفهوم الرومانسي الغربي، وبتطوير عدد من الأدوات الشعرية تطويراً محدودًا، وبإثارة مناقشات نقدية مثمرة في وقت لم يكن فيه الشعراء والنقاد الآخرون يهتمون بشيء من هذا القبيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر حسين المرصفي الوسيلة الأدبية ٢، ٤٧٥ وما بعد. مطبعة المدارس الملكية القاهرة ١٢٩٢هـ
[٢] الدكتور شوقي ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر ٤٦ دار المعارف بمصر ١٩٦٦.
[٣] الدكتور محمد مندور. محاضرات عن خليل مطران ١١ مطبعة دار االهناء بمصر ١٩٥٤.
[٤] خليل مطران. ديوان الخليل ٩ مطبعة الهلال بمصر ١٩٤٩.
[٥] ديوان عبد الرحمن شكري ٤، ٢٨٨.دار المعارف بالإسكندرية ١٩٦٠ جمع وتحقيق نقولا يوسف.
[٦] الديوان ١، ٢٠.
[٧] مطالعات في الكتب والحياة ٢٨٠ القاهرة١٩٢٤.
[٨] انظر فصول من النقد عند العقاد ٣٠٦.
[٩] الشعر المصري بعد شوقي ١/٥٤مكتبة الأنجلو بلا تاريخ.
[١٠] انظر محمد عبد الهادي محمود مقدمة لدراسة العقادْ القاهرة ١٩٧٥. والكتاب بأكمله يبحث في مصادر آراء- العقاد في الكتابات الرومانسية الإنكليزية.
стр. 11117
برهان الحق في الخلق (١)
د/ عز الدين علي السيد
كلية اللغة العربية
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قرآن
شهدْتُ أنك يا الله ديانُ
والعجزُ عن كنْهِ ما أبدعْتَ برهان
خليفةَ الله يا إنسان، هل نظَرَت
عيناك للْكَوْن لم يصْرفْك شيطانُ؟
انظر إلى الكون بالعينين ملْؤُهما
صُنْع الحكيم ولا يغررْك بهتان
في كل شيء تجلَّى صوْت مبْدِعِهِ
له على العقل بالإحكام سلطانُ
ما سدَّ عنه لسوء الجد مسْمعهم
إلا عكوف على الأهواء مُجَّانُ
فناج بالفكر في الأكوان مبدعَها
فإنها لأولى الألباب قرآنُ
تلك السموات سقْف فوق أرؤسنا
يحيط بالأرض لم تحمله أركان
فيه المجرَّات والأفلاك.. تذْرعها
فوق الرءوس لبذل الخير أعوان
فاسأل بها البدْرَ في وُسّطى منازله
بين الهلالين يسعى وهو سهرانُ
ما زاد في طرَفٍ خلاه في طرفٍ
كأنه في طباق العمر إنسان!
واسأل خُطَى الشمس في الأعوام واحدة
كأنها من رشيق الشعر أوزانُ
لمستقر لها تجري بلا ضجرٍ
وما تناءتْ بها في الغيب شطآن
كالفلك في البحر رَهْوًا.. لا تعوِّقها
ريحٌ. . ولا يترك السكان رُبَّانُ
أم رءوم.. بضوء الفجر توقظنا
ليقنص الرزق في الأرجاء يقظان
فإن أحسَّتْ بما نلناه من لغَبٍ
خلَّتْ عن الليل يأتي وهو جذلان
يُرْخى علينا سكونا في ستائره
للنفس من لذة الأحلام إحسان
من كان يأتي بليل غير خالقها
به لما انهدَّ بالإجهاد بنيان؟
مَن كان يُبْدِى نهار الكون يعمرُهُ
منا الكفاحُ ويصحو فيه وسنان؟
بين الجديدين والشمس ارتقى سبب
للحقِ والفهمُ للأسباب عرفان!
стр. 11118
واسأل بها الغرْسَ مِنْ زهر ومن ثمرٍ
تُزْهَى به في الروابي الغرّ أفنانُ
أكان لولا السَّنَى والدفءُ تحملهُ
يهتز من حسنه الخلاب وجدان؟
لله في الشمس آياتٌ مبينةٌ
لا يجتليها كليلُ الطرْف كسلان
لها البروجُ قصورٌ عبر رحلتها
بها الفصولُ لأهل الأرض وديان
لكل وادٍ رداءٌ مِنْ خصائصه
فلا يُرَى الكونُ يوما وهو عريان
بينا تراه عروساً ليلَ جلْوتها
لها من الحسْن هالات وندمان
وكل ما حولها في عطرها أرج
وكل ما مسَّها بالسحر هيمان
إذا به أيِّم قد لفها شجَن
عنها تولى الصباِ فالجسْم وهنان
إصْفَرَّ منها المحيا واختفى وهَج
للحسن عشاقه عن دربه بانوا
هذا ربيعٌ على الأرجاء منتشر
ضافي الذيول. . نشيط الخطو فينان
وذا خريفٌ.. فما في الزهر باسمة
ولا على الغصن غنَّى الأذْنَ حُسّانُ
الروضُ ذاو.. وأوراقُ المنى انتثرتْ
مبعثراتٍ ومؤْتىِ اللحن جرْذان
والصيفُ فيهَ لمن شاء الهدى نذُرٌ
من اللهيبِ رماها وهو غضبان!
وفي الشتاء على الآفاق تُفْزِعنا
فوق الرءوٍس بحيراتٌ وغدران
يزمجر الرعدُ. يحْدوها لمنزلها
والكون في برْده المثلوج لهْفانُ
لعل للشمس دفئا في أشعتها
يفيضُ منه على كشحيه أردانُ!
стр. 11119
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
للشيخ يوسف الهمزاني الشافعي
المدرس بالمعهد الثانوي
نور على الأفق إيذانا بمَقْدَمِه
أهَلَّ يعلن عن نور وعرفان
نور تلألأ آفاق السماء له
ويغمر الأرض من قاص ومن دان
وَتَعْكِسُ النورَ أنى سرت كوكبةٌ
من القناديل زُهْرٌ ذاتُ ألوان
فالأرض تشرق والأكوان قاطبةً
فقد أهل عليها شهر فرقان
النور موعده والنور مولده
والنور اُنْزل فيه آي قرآن
هَشَّت إليه نفوس الناس صادقةً
ما لم تَهَشَّ لأهل أو لأوطان
كأنها غربة طالت وقد وجدت
بعد افتقاد حياة الفضل والشان
أيامُه الغُرُّ أعياد يُضِيءُ لها
مثل القناديل بشرا كل إنسان
هذى القلوب تلاقت بهجةً ورضى
كما تلاقت على جوع وحرمان
الصدقُ في السعي للرحمن جَمَّعَهم
هم رُفْقَةٌ في جهاد خير إخوان
كم بين صومهم والصبر من رحم
فما يبالون من ضيق ونقصان
زال التحاسد والشحناء بينهمو
فلم يبيتوا على غل وأضغان
وأصبحوا بقلوب الودِّ عامرةً
حل الصفاء وعاشوا أيَّ خلان
فكم تَنَافَرَ في الدنيا أحِبَّتُها
لكنْ من التقيا في الله إلفان
الحق في كل قلب واحدٌ ولنا
فيما لدى الله ما يغنى عن الفاني
قد ألَّفَ الله ما بين القلوب به
فلا ترى غير إيثار وإحسان
إذا انقضى في جهاد الصوم يومهمو
فالليل ليل تراويح وقرآن
وإن أهاب بهم داع وجدتهمو
إلى الجهاد سراعا خير فرسان
حتى ترى القوم قد صاروا ملائكة
فلا مكان لِلَغْوِ أو لبُطلان
هذى هي الغاية الكبرى نُعَدُ لها
وليس من دونها همّ لإنسان
стр. 11120
عبر وعبرات
للشيخ محمد مجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين
ألا مَن لِقلبٍ واهنِ الخفقات
تلاشى سوى رَجْعٌ من النفثاتِ
عييت به حتى وددت فراقه
ومِن قبلُ قد أعيا ضناه اُساتي
وما فيه من سُقم.. بلى إن داءه
صروف ملأنَ الأرضَ بالنكبات
طلاسمُ لا أدري لها من حقيقة
سوى أنها من معضلاتِ حياتي
يَضِل أولو الألباب في حلكاتها
ويَحسبُها الجهالُ في الهفوات
فمن لي بمعوان على أحْجِياتها
فقد فُلَّ عزمي دونَها وأناتي
أرى الناس مخدوعاً وراء مدلِّسٍ
يَسير به عمداً إلى الهلكات
وتُجّارَ أقلام أباحوا وجوهَهم
لكل دعيٍّ في الرجال وعاني
تعبدَهم وهم المنافع فارتموا
سجوداَ على الأعتاب والحضرات
فكم خائنٍ باع البلاد سَمَوا به
إلى الأوج فهو الفارج الكُربُات!
وكم ملحدٍ مسْتهتر الِعرضِ قد غدا
بسحرهمِ يدعى أبا البركات!
وكم سارقِ قُوتَ المساكين صوَّروا
على الطرسِ منه مبدعَ الحسنات!
أراقوا على أقدامه المَدح خشَّعاً
كما عكف الغاوون حولَ ((مَناة))
وكم ((باقر)) صدر الحنيفةِ باسمها
أباح حمى الإسلام للشُبُهات
أخو عِمةٍ كالقبرِ أرخى سدولَها
على جِيَف من صدره نَتنات
تَعَرَّى من الإيمان والخُلق مؤثراً
زيوف ((معال)) في ظلالِ بغاة
يحوك الفتاوى للطواغيت مهدرا
بهن دمَ الإخوِان والأخوات..
أضاليل أَملاها النفاقُ وحطمتْ
بقية ما لِلدينِ من حُرمُات
وفي كل قُطرٍ من بلادي ((باقر))
شرى بكتابِ اللهِ بعض فُتات
فما ذنب ((إلياسٍ)) ومن لفَّ لفَّه
بما اختلفوا من كاذب ((النظرات))
وفي ((الأنور)) المرموِقِ، والشرقِ كلِّهِ
معاول شقت هذه الثغُرات
ومَنْ لا يَصُنْ في زحمةِ الغيىِّ عِرضَه
فويلٍّ له من أَذْؤُب الشهوات!
стр. 11121
فواهاً على الإسلام تَهوي صروحُه
بأيدي جناةٍ من بنيه عُماة
ويا لهفةَ الدنيا لدينِ محمدٍ
وقد بات مكشوفاً لكل أَذاة
تخطفت الأزراءُ أنصارَهُ الألى
أَضاء بهم مُحْلَولكَ الظلمات
مَضَوا في شعابِ الأرض ما بينَ مشرد
تَقاذفه الأقدارُ دونَ رَجاة
ومستشهَدٍ أودى به البغي شاكيا
إلى أعدلِ القاضين شَرَّ قضاة
ومحتجَزٍ في غيهبِ السجنِ شَوَّهتْ
معالمَه المثلى يدُ المَثُلات
تفنن جلادوه في العسف والأذى
ولم يَحنِ رأسا أَو يَفُهْ بِشَكاة
تراه على الأغلال شِلواً ممزَّعاً
يُخيَّلُ للرائينَ بعضَ رفُات
بنفسي وجوهُ أطفأ الجورُ بِشرَها
وإن هي لم تَبرحْ وجوهَ هُدأة
تنازعَها لفحُ العذابِ فأصبحت
وليس بها إلا ذَماءُ حياة
لئن سُلِبَتْ نورَ الحياة فلم تزل
تنير سواد الليل بالصلوات
فيا عِبَرَ الأيامِ جُرتِ على النُّهى
وفَجَّرتِ من آماقنا العبراتِ
((بناتُ زياذٍ في القصورِ مصونةٌ
وآلُ رسولِ اللهِ في الفلوات))
وفي زفرات القلبِ عذرٌ لِواجدٍ
إذا هو لم يملك سوى الزفراتِ
فواجعُ لولا حرمةُ الحق لم تَذَر
بنا أثرًا من عِزة وثبات
رضينا بها زادًا إلى الله يومَ لا
سبيلَ إلى رُحماه بعد فوات
ويوم يعض الظالمون أكفهم
وقد وجدوا أعمالهم حسرات
ويوم يَوَدُّ المجرمون لَوَنّهم
على دَرْبنا ضرْبٌ من الحشرات
ترى فترات الذلِ فوق وجوههم
وقد طبِعتْ من عارها بِسمات
كوالح من هولِ القوارع خُشّعاً
نواظرُها تستقبلُ اللعنات
على حينَ ترنو هانئاتٍ وجوهُنا
إلى ربها في مَشرِقِ النفحات
ترفّ من الفردوس في ظل نَضرة
وتسبح في فيضِ من الرحمات
وما انفكّ رضوان المهيمن غايةً
يخوض إليها المؤمنُ الغمرات
وهيهات يَثني عزمَنا الروعُ بعدما
جرت لذةُ التوحيدِ في اللَّهَوات
стр. 11122
ليَغْلُ طغاةُ الأرض في الكيد ما غَلَوا
فلابد دونَ الحقِ من عقبات
ولا ضير أن يُغروا بنا كلَّ فاجرٍ
فَيَمْطُرنا سيلا من الوَصَمات
تمرَّسَ في شتم الكرام فما يَني
يُسَوِّدُ في تجريحِنا الصفحات
ونَعْذُره أَنْ لم يجدْ غيرَ سبنا
سبيلا لما يرجو من الصفقات
وفي الإفك أسرارٌ، وفيها فضائح
تلوح مخازيها على الكلمات
صبرنا على لذع الحراب نفوسَنا
فليس بمؤذينا نباحُ غواة
وأهونُ ما يلقى الكريم من الأذى
سفاهةُ مأجور ولَغْوُ شَمات
وما نحنُ إِلا عصبةُ الرسلِ حُمّلتْ
كواهلُنا مستثقلَ التَّبِعات
تخيرنَا الباري لبثِّ هداية
وبعثِ إخاء، وافتاكِ عُناة
فَمَن لِبناِء الحقِ يرفع سَمْكَه
إذا لم نكن في أسِّهِ لَبِنات!
ومَن يَلفت الدنيا إلى نورِ ربها
إذا لم نكن في ليلِها جَمرات!
ومن يقفُ آثار النبيين لم يَسَلْ
على الشوكِ يمشي أم على الشفرات
ولن تستقرَّ الأرض يوماً بمؤمنِ
وفوق ثراها موطئ لطغاة
لنستسهلنَّ الصعبَ حتى نردها
إلى كَنَفِ الرحمنِ بعد شَتات
ونبعثُها في مَعْقلِ الظلم ثورةً
تسد عليه وجهَ كل نجاةِ
وقد يتأبى النصرُ حينا على المُنى
ولكنه رغم التأخر آتي
ومهما يطل ضغط الظلام فخلفَه
بوارقُ فجرٍ مشرقِ القسمات
ومَن يعتصمْ بالله لم يُغضِ جفنُه
على الذل أو يُلقِ القيادَ لعاتي
يا خليلي.. خليُّاني وأشجا
ني أناجي ِ أطيافَهُنَّ وحيداً
قد عصتني الدموعّ لكن قلبي
في جحيم الأسى يذوب وئيدا
وجراح الإسلام من كل صوب
قاتلاتي وإن بدوتُ جَليدا
«أبو بوغسان»
стр. 11123
المشارق والمغارب
فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
مقابة صحفية:
وكان في انتظارنا أحد الصحفيين الباكستانيين لإجراء مقابلة معنا حول رحلتنا في بريطانيا وأمريكا واليابان وهنغ كنغ، وذكر الأخ خليل الحامدي أن عددا من الصحفيين تسابقوا للقائنا ولكن صاحب هذه الصحيفة (وأظن أن اسمها: الحياة) هو الذي أعطي حق المقابلة من قبل الجماعة، والظاهر أن ذلك بسبب التزام الجريدة بالخط الإسلامي أكثر من غيرها.
كانت الأسئلة تدور حول أمرين: الأمر الأول- عن انطباعاتنا بالنسبة للمسلمين في الدول التي زرناها. والأمر الثاني- حول ما تقوم به كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية في الأدب العربي وأدب الدعوة الإسلامية، وموقفها من الاتجاهات الأدبية المعاصرة.
ثم واصلنا الحديث مع الأخ خليل الحامدي فذكر أنه لابد من التعاون بين الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والجماعة الإسلامية في باكستان، وضرب لذلك مثالا: قال: لقد كان للجماعة الإسلامية مدارس منتشرة في كل أنحاء باكستان، ولكن الحكومات المعادية لحركة الجماعة أممت تلك المدارس، والآن يوجد للجماعة طلاب في كل المناطق وفي كل المراحل، والجماعة تود لو أن الجامعة الإسلامية تنشئ لها فرعا تحت اسم كلية العلوم الإسلامية أو الدراسات الإسلامية التي ربما تتطور إلى جامعة في المستقبل حتى تضم طلبة الجماعة المؤهلين.
وذكر مجالا آخر، هو تخصيص منح دراسية في الجامعة الإسلامية في كل كلية من كليات الجامعة حتى يكون عند الجماعة علماء- متخصصون في فروع الشريعة الإسلامية المختلفة.
كما أنه يمكن أن تبعث الجامعة عددا من طلبتها للقيام بالدعوة في الباكستان؛ ليتدربوا على الدعوة وأساليبها، ويمكن أن يستفيدوا من تجارب الجماعة في ذلك.
стр. 11124
وقد سبقت إلى ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ حيث بعثت أربعين طالبا من طلابها فقاموا في المدينة المنورة، ووضعت لهم برامج كان فيها فائدة لمدة أسبوعين كما أن جامعة الرياض قد حذت حذو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
جولة في مدينة لاهور:
وبعد صلاة العصر من يوم الخميس، قمنا بجولة في مدينة لاهور، وفي طريقنا رأينا حالة البؤس، وعلامة الفقر المدقع، ورأينا حالة وسائل النقل السيئَة، إذ يتراكم الناس في عربة خشبية تجرها الخيل أو الحمير يختلط فيها الرجال والنساء.
كان يرافقنا في هذه الجولة الأخ فيض الرحمن الذي لم يفارقنا مدة بقائنا في لاهور، إلا في أوقات الراحة أو النوم، وهناك أرانا المكان الذي اعتدى فيه على المودودي، وهو يخطب في جماهير المسلمين في أول قيامه بالدعوة في باكستان، حيث أطلق عليه الرصاص، وقد طلبا منه أن يجلس خشية تكرر ذلك فرفض وبقي واقفا، وقال لهم: إذا لم أثبت أنا فكيف تثبتون أنتم؟
كما أن أعداء الدعوة قطعوا التيار الكهربائي، فكان يقول الأستاذ المودودي الجملة فينقلها القريب منه إلى من يليه، ثم يبلغها هذا إلى الآخرين حتى انتهى من خطابه.
شاهي مسجد الذي يرقد بجانبه محمد إقبال:
стр. 11125
ثم ذهبنا إلى قصور بعض الحكام السابقين، وهي أثرية، ذات بناء قوي، لازالت أسوارها قائمة، وكان وقت السماح بدخولها قد انتهى، فذهبنا لمسجد قريب منها يقع بقربه قبر الشاعر المسلم محمد إقبال، الذي يقف في كل ركن من أركان ساحته جندي مسلح، وعندما سألنا فيض الرحمن عن السبب، قال: لم يكن هذا موجودا من قبل، والظاهر أن الجنرال ضياء الحق أراد منع الناس من التبرك به، لأنهم كانوا يأتون إلى قبره، ويتبركون به. ويسمى الجامع الذي بجانبه: شاهي مسجد، ويقدر أساس المسجد بأربعة عشر قدما، وله منارة عالية تشرف على مدينة لاهور كلها، فقال الأخ فيض الرحمن، هل تريدون أن نصعد إلى أعلى هذه المنارة والناس يصعدون فعلافقلت له: نحن في هذه الليلة سوف لا نرتاح فإنا سنسافر إلى كراتشي، ثم نبقى في المطار إلى أن نسافر إلى المملكة في الصباح، فإذا صعدنا فإن ذلك سيزيدنا إرهاقا. فألح علينا، فوافقت، وأخذنا نصعد وكان فيض الرحمن أمامي وأردت أن أكافئه إلحاحه بإتعابه، فكنت أقول له أصعد، كلما أراد أن يقف وهكذا صعدنا إلى أعلى المنارة دون أن نقف، وعندما وصلنا هناك كان الأمر بالعكس، ففيض الرحمن تعب ولكنه لم يصب بما أصبت به أنا فقد أصبت بدوار شديد، وهبوط في الجسم، وتصبب العرق حتى كنت أظن أنني سأطلب الإسعاف في ذلك الوقت، قلت لقد أدبني ربي فأحسن تأدبي، أردت أن أوقع صاحبي في شيء وقعت فيه أنا، لذلك قعدت قليلا حتى عاد إلي نفسي وارتحت.
стр. 11126
أما زميلي الدكتور فقد نفعته هنا أناته السودانية، التي يحبها الله ورسوله الله ﷺ ، فقد كان كلّما قطع مجموعة من الدراجات، وقف على شرفة المقابلة لها في المنارة يشم الهواء، ويستجم، ثم يصعد هكذا فوصل إلى قمة دون أن يتعب. وإذا ذاك تذكرت قول الرسول الله صلى الله عليه سلم، "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهر أبقى" ولكنها دروس لعلي أستفد منها، وعندما نزلنا عددنا الدرجات، فكان عددها مائتين وعشرة درجات.
تقليد الأعمى:
وفي طريق رأينا المرور يوقفون سائقي الدراجات النارية، ويلزمنهم بدفع غرامة، فظننت ذلك بسبب عدم حمل الرخصة أو الاستمارة، ولكن رأينا من يلبس المغفر على رأسه لا يوقف؛ فسألت الأخ فيض الرحمن، فقال: إنهم يلزمون السائقين بوضع المغفر على رأسهم، وهو في الغرب كذلك-قلت: مع حالة الباكستانيين هذه، وحاجتهم إلى المال، ينفقون على أنفسهم، يلزمونهم بشراء المغفر البريطاني؟ ثم قلت: الظاهر أن الشركة التي تصنع المغافر لها يد في هذا الإلزام، فقال زميلي بيلو: لعل بعض ضباط المرور زار بعض البلدان الأوروبية فرجع بالفكرة. ولكن أخانا فيض الرحمن أراد أن يسلينا بقصة، وقعت لبعض أعضاء الجماعة الإسلامية؛ فقد أوقفه جندي المرور وطلب منه دفع الغرامة، فقال له: أتريد أن تأخذ مني مالا وأنا من الجماعة الإسلامية؟ أن مال الذي تأخذه الجماعة أحق به فكيف تطيب نفسك بأخذه؟ فتركه الجندي فذهب دون أن يدفع شيئا.
عدنا بعد ذلك إلى المنصورة؛ لنأخذ حقائبنا اليدوية ونذهب إلى مطار لاهور، هناك وجدنا الأخ خليل الحامدي الذي دعنا، وهو وبعض أعضاء جماعة، ونحن ودعناهم وشكرناهم على كرم الضيافة، وشكوت فيض الرحمن الذي أتعبني بصعود درج منارة المسجد إلى الأخ خليل، فابتسم وقال لعلك تعود وقد ركب في المنارة مصعد كهربائي، فلا تتعب مرة أخرى إن شاء الله.
نبذة عن الجماعة الإسلامية:
стр. 11127
وفي ختام الكلام عن الجماعة الإسلامية أحب أن أعطي القارئ بعض المعلومات عن الجماعة من الرسالة المنشورة باسم: الجماعة الإسلامية.
- تأسست الجماعة عام ١٩٤١ م ومرت بالمراحل الآتية:-
١- مرحلة النقد والتبليغ.
٢- مرحلة التربية والإعداد.
٣- مرحلة الكفاح والنضال.
ولكل مرحلة وسائلها ومنهاجها وكتبها التي ألفها الأستاذ المودودي.
* غاية الجماعة:
إن الغاية الوحيدة التي لأجلها قامت الجماعة الإسلامية، إنما هي: إقامة النظام الإسلامي؛ ابتغاء وجه الله تعالى وحده.
*الوسيلة:
ولتحقيق هذه الغاية اتخذت الجماعة برنامجا شاملا يتضمن أربعة أجزاء
الجزء الأول: هو تطهير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية.
الجزء الثاني: هو استخلاص الأفراد الصالحين وجمعهم في نظام واحد وتربيتهم.
الجزء الثالث: هو السعي في الإصلاح الاجتماعي، وهو يشمل إصلاح كل طبقة في المجتمع حسب أحوالها.
الجزء الرابع: هو إصلاح الحكم والإدارة.
ويكفي أن أنقل تفصيلا لهذا الجزء الأخير، قال:
стр. 11128
"ذلك بأنه من عقيدتنا، أنه لا يمكن أن ينجح تدبير من التدابير، في إصلاح مفاسد الحياة الحاضرة، مادامت لا تبذل المساعي لإصلاح نظام الحكم والإدارة، مع المساعي الإصلاحية الأخرى على قوة الثقافة والقانون والإدارة وتوزيع الرزق، لا يمكن أن تجدي شيئا في درئه تلك المساعي التي تبذل للإصلاح والبناء بوسائل الوعظ والتلقين والدعوة والإرشاد فقط، فان كنا نريد اليوم أن نصرف نظام الحياة في بلادنا عن طريق الضلال والفساد والفسق والعصيان إلى طريق الإسلام المستقيم، فلا مندوحة لنا من أن نبذل سعينا بطريق مباشر في إزاحة الفساد عن منصة القيادة والسلطة وإحلال الصلاح مكانه. والظاهر أنه إذا كان زمام الأمر والسلطة بأيدي الصالحين المؤمنين، فإنهم يحدثون في أعوام قلائل من التغييرات الهامة في نظم التعليم، والقانون والإدارة، مالا يمكن أن تأتي به الجهود غير السياسية في مدة قرن كامل فإن الله ليزع بالسلطان مالا يخص بالقرآن.
أما كيف يتأتى هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام ديمقراطي، إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد وننشر الوعي السياسي الصحيح فيها، ونغير مقياس الناس في انتخابهم لممثليهم في المجالس النيابية، ونصلح طرق الانتخاب، ونطهرها من اللصوصية والغش والتزوير، ثم نسلم مقاليد الحكم والسلطة إلى رجال صالحين يحبون ويقدرون أن ينهضوا بصرح نظام البلاد على أسس الإسلام وهدي الكتاب والسنة ... "١ هـ.
شعب الجماعة التي يقومون بنشاطهم من خلالها:
- شعبة التنظيم والإدارة، للإشراف على فروع الجماعة وتنظيمها في باكستان كلها.
- شعبة بيت المال، لتنظيم ميزانية الجماعة، والإشراف على بيوت المال الفرعية في أنحاء البلاد ومحاسبتها.
- شعبة الخدمات الاجتماعية، لجمع أموال الصدقات والتبرعات من الأغنياء ومساعدة الفقراء.
стр. 11129
- شعبة النشر والإعلام، لنشر أخبار الجماعة وإعلاناتها في مختلف الصحف والمجلات في داخل البلاد وخارجها، والإشراف على مجلات الجماعة وجرائدها.
- شعبة الشئون العمالية، لتنظيم العمال والفلاحين والموظفين القليلي الدخل في مصالح الحكومة.... ومساعدتهم في مشاكلهم
- شعبة التربية، لتربية أعضاء الجماعة وأنصارها تربية علمية وعملية. وإعداد رجال صالحين للقيام بمهمة الدعوة الإسلامية حسب مقتضى العصر الحاضر.
- شعبة المدارس والمعاهد ومكافحة الأمية.
- دار الترجمة الإنجليزية لنقل كتب الجماعة، والمؤلفات الإسلامية الأخرى إلى الإنجليزية.
- دار الترجمة البنغالية لنقل كتب الجماعة إلى اللغة البنغالية....
- المجتمع الإسلامي، الذي أنشئ تحت إشراف الأستاذ المودودي- لمجابهة تحدي الحضارة الغربية المادية....
- شعبة الشئون البرلمانية، الاتصال بنواب المجالس البرلمانية- والبرلمانات عامة، ونواب الجماعة في هذه المجالس خاصة لإشعارهم بوجهة نظر الشريعة الإسلامية في كل تشريع يناقش في المجالس.
- شعبة الانتخابات (وللجماعة نظام خاص ومنها يختلف عن منهاج الأخرى) .
- قسم الأخوات المسلمات لنشر الدعوة في المحيط النسائي.
هذا وقد سمعت نقدا شديدا يوجهه بعض علماء الباكستان إلى الأستاذ المودودي، وسمعت نقدا منهم ومن غيرهم يوجه إلى الجماعة نفسها، والنقد لا يسلم منه أحد، لاسيما إذا كان من يوجه إليه النقد عاملا متحركا؛ فان الإنسان ليس بمعصوم، قد يحصل منه الخطأ كما يحصل منه الصواب الذي يكون خطؤه أكثر من صوابه يعتبر ناجحا في عمله، وإذا كان مجتهدا فله أجران فيما أصحاب أجر فيما أخطأ.
стр. 11130
وقد يسلم من النقد الشخص الخامل الذي لا يعمل ولا يدرى عنه الناس أين يقع؟ وهذا ذكرني ببعض طلبة الجامعة الإسلامية عندما كنت مسئولا عن شئون الطلاب، وكنا نقوم برحلات يخدم فيها الطلب أنفسهم، بل ويتحملون هم نفقاتها. فكان، بعضهم نشيطًا في العمل، فانتقد النشطون. وفي مرحلة أخرى تواطأ هؤلاء النشطون ألا يعملوا، فلم يوجه إليهم نقد، وإنما وجه إلى غيرهم ممن قام بالعمل. والمثل يقول: وويل للشجي من الخلي.
* من لاهور إلى كراتشي:
أقلعت بنا الطائرة من مطار لاهور الحادية عشرة وخمسة عشرة دقيقة، من مساء يوم الخميس الموافق ٢٩/٨/١٣٩٨هـ.
هبطت في مطار كراتشي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخمسين، وفور نزولنا وجدنا الأخ خليق أحمد ومعه صديق له ينتظراننا، ومعهما حقائبنا التي كنا تركنها عند الأخ خليق عندما سافرنا إلى لاهور. فشكرنهما على ذلك، وكنا نفكر فيما نفعل، أنذهب إلى أحد الفنادق لننام إلى وقت المقرر في حضوره في آخر الليل أم نبقى في المطار إلى الصباح؟
وكان الأخ خليق يفضل الأولى، أما زميلي الدكتور فإنه فضل الثانية، وعلل ذلك بأن الوقت ضيقة وأعصابنا مشدودة للسفر فإما أن نبقى في الفندق بدون نوم، أو ننام ويخشى أن تفوتنا الرحلة ونحن متعبون، فوافقت الزميل حتى لا نختلف، وللقناعة بتعليله وطلبنا من الأخ خليق أن يعود إلى بيته لينام، لأنه مقيم، ونحن مسافرون، ففعل بعد تردد؛ لأنه يريد أن يبقى معنا إلى أن نغادر المطار.
ويسر الله لنا مقعدين فارغين في لحظة من اللحظات، وهذه اللحظة أنذر من الكبريت الأحمر، لقلة المقاعد وكثرة من يريد القعود وجاء الزميل بعربة نقل الأثاث، فرصصنا حقائبنا عليها، وقربناها منا وقعدنا متلذذين بالقعود؛ لأن الناس واقفون، ومنهم القاعد في الأرض، بل ومنهم النائم.
стр. 11131
وكان بعض النائمين على المقاعد المجاورة لنا ينام فيشخر حتى يكاد يقفز، فيقع رأسه علي، ثم يقوم قليل ثم يعود، وكان زميلي يقوم ليستفسر عن وقت وزن العفش والإجراءات اللازمة ثم يعود.
* الكرتون أم الحقائب:
ورأيت أربعة من الشباب يقف كل منهم وراء الآخر، والخامس جلس بجانبي وأخذ يكلمني بلغته، وكنت قد سمعت من الهنود والباكستانيين كلمة نفعتني مع هذا الشباب، قلت له معلوم ني، أي لا أفهم ما تقول، ولكنه كان مصمما على مخاطبتي، وكأنه عين للجلوس معي لكونه يتكلف النطق ببعض الكلمات العربية يلهيني بها، وجماعته يفعلون ما يريدون فقال: أنا شويه كلام عربي: قلت له كيف تعلمت ذلك؟ وأنا أنظر إلى زملائه وهم يقتربون الواحد تلو الآخر، فإذا رأوني التفت نحوهم وقفوا.
قال: أنا في الرياض كنت هناك.
قلت: ماذا تعمل؟ قال: كنت بقالة هناك، أحمل كرتون، ثم سكت عنه، ولم أتكلم معه، ولم التفت إليه، لأني خشيت أن يحمل زملاؤه حقائب بدل الكرتون، وعندما يئسوا مني قام هو إليهم، وأخذوا يتهامسون وهم منصرفون عني، وجاء الزميل وأخبرته بالأمر، وكان هناك أيضا غير هؤلاء يحاول الاقتراب بحجة أنه يريد العربة ولكني صرفته بقوة.
وهكذا بتنا في مطار كراتشي إلى الساعة الخامسة والنصف صباحا وبدأ الناس يتحركون لإجراء اللازم، وزن العفش، وختم الجواز. فدخلنا إلى القاعة التي فيها إجراء تلك المعاملات، ووزن العفش ولأول مرة في رحلتنا يوزن العفش، لأن الشركات الأخرى تقرر للراكب ثلاث حقائب، فإذا زادت عن الثلاث بعد ذلك تزن عفشه. وقال الموظف لزميلي زاد عن الوزن المقرر خمسة كيلو فقال الزميل مشيها فمشاها، وكانت مخالفة للنظام ولكنها مشت.
موظف ثقيل:
стр. 11132
وبدأ طابور المسافرين يتزاحم، كل واحد يريد أن يسبق من قبله، والعدد كبير، والإجراءات يقوم بها اثنان فقط، وكان أحدهما ثقيلا في إجراءاته فوضويا في تنظيمه، فكان من مدّ له جوازه أخذه ويتأمل الجواز ثم البطاقة المرفقة سطرا سطرا، وإذا ختم الجواز، سمعت صوت الختم كأنه مطرقة نجار يدق بها وتدا، فتزاحم الناس عندها، وكان زميلي في الصف المتجه إليه، فنصحته أن يخرج من هذا الصف القصير الذي سيكون أقصر منه الصف الطويل الآخر، فخرج الزميل ودخل في الصف الآخر، وكان فعلا هذا الصف أسرع من ذاك على رغم طوله.
يوم الجمعة ٣٠/ ٨ وبعد انتهاء الإجراءات دخلنا إلى قاعة الانتظار وهناك صلينا الفجر، وفي الساعة السابعة والدقيقة الثلاثين أقلعت بنا الطائرة من مطار كراتشي إلى مطار الظهران فوق المحيط الهندي ثم الخليج العربي وكانت مدة الطيران ساعتين.
* في مطار الظهران:
ونزلنا في مطار الظهران، ودخلنا إلى قاعة الإجراءات، وكنت متعبا أكاد أسقط من شدة التعب والإعياء، وتزاحم الناس فلم نزاحمهم فكنا في آخر الناس، وعند الدخول كان مندوب الصحة واقفا يفتش البطاقات الصحية، وكانت بطاقتي معي وبطاقة زميلي نسيها في الحقيبة التي في الطائرة. وكان قبلي، قال له المندوب: أين البطاقة؟ فأجابه: نسيتها في الحقيبة التي في الطائرة، فقال له أدخل فدخل، أما أنا فكانت بطاقتي واضحة مع الجواز، ولكنه نظر إلي فوجدني أنفخ من شدة التعب فقال: كأنك مريض، قلت: متعب ولست مريضا خشيت أن يؤخرنا للكشف على اشتباها في حالتي.
واختلط الناس وصار المتأخر يتقدم والمتقدم يتأخر والموظف واحد فقط، فجلست أنا وزميلي ننتظر انتهاء الناس، ولكن بعد فترة جاء ركاب رحلة أخرى واختلطوا بركابنا حتى لم يجد الواقف مكانا لرجليه في الأرض إلا أن يدوس على أقدام غيره ويدوس غيره على أقدامه.
стр. 11133
وهنا وثب زميلي وأخذ جوازي وجوازه وأراد أن يفعل ما يفعل الناس وإلا فسوف تقلع الطائرة قبل أن ننتهي، وفعلا كان بعض أمواج الناس تقدمه وبعضها تؤخره، حتى يسر الله له الأمر فانطلقنا إلى الطائرة التي لم تقلع إلا بعد ساعتين من هبوطها.
إن النظام في الغرب يجبر صاحب الفوضى أن يحترمه، والفوضى في بلاد الشرق تجبر المتمسك بالنظام أن يتلبس بالفوضى اضطرارا؛ كأكل الميتة، ومن أولى بالنظام المسلم الذي نظم له الإسلام كل حياته أم الكافر الذي كفره كله فوضى.
وفي تمام الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة، نزلنا في مطار جدة ودخلنا في قاعة الجمرك فانتظرنا أثاثنا الذي تأخر ما يقارب ساعتين أو أكثر واتصلنا بالخطوط السعودية، إن كان قد تم الحجز لنا عن طريق مكتب السعودية في كراتشي، الذي وعدنا موظفوه بالحجز على الرحلة ٩١٣ التي غير موعدها في جدة إلى ٩١٤ فلم نجد أسماءنا عندهم. واتصلنا ببعض إخواننا في جدة فجاء إلينا ونقلنا إلي بيته لنستريح قليلا، ثم ذهبنا إلى المطار ويسر الله لنا السفر وقد كدنا نيأس.
وكان موعد إقلاع الطائرة الساعة الثالثة والنصف مساء، ولكنه غير كما غير رقمها أقلعت في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين.
وكان هبوطها في الساعة السادسة والدقيقة العشرين، وكانت آخر محطة لسفرنا، كما كانت أول محطة لسفرنا قبل أربعين يوما والحمد لله رب العالمين.
* نتائج الرحلة:
لقد استغرقت رحلتنا أربعين يوما زرنا خلالها، لندن ونيويورك، وأندينا، وديترويت وشيكاغو، وطوكيو، وهنغ كنغ، وكراتشي، ولاهور وخرجنا بالنتائج الآتية:-
أ- عامة العالم الغربي لا يعرف عن الإسلام شيئا، اللهم إلا تشويهه من قبل أعدائه من اليهود وأتباعهم من أهل المذاهب الهدامة، وسوء سلوك المنتسبين إليه الذين يرى فيهم أهل الغرب أحط الأخلاق، ويفسرون الإسلام بسلوكهم؛ وذلك دون شك ينفر الناس منه.
стр. 11134
٣- المسلمون في الغرب أصناف: صنف يفهم الإسلام فهما جيدا، ويحاول تطبيقه في نفسه، والدعوة إليه، ولكنهم قليلو الإمكانات. وهؤلاء يجب دعمهم بكل ما هو متاح من مال ومرشدين وأساتذة ومدارس ومساجد وفي وغير ذلك.
صنف متحمس للإسلام، ويود تطبيقه بكل ما أوتى من قوة، ولكنه يجهل الإسلام جهلا فاحشا،ويطبقه تطبيقا مبنيا على هذا الجهل، وهذا الصنف يجب أن يمد بالدعاة العلماء الحكماء والكتاب السليم والمنح الدراسية.
صنف يظهر تحمسا للإسلام والدعوة إليه في نطاق خاص من البشر، ويظهر قبول تصحيح مفاهيمه ولكنه لازالت أفكاره الخاطئة تنشر في كتب ومجلات، ولهم اتصال ببعض أعداء الإسلام، كاليهود والقاديانية. وهذا الصنف كسابقه ينبغي أن يمد بالدعاة والمنح الدراسية والكتاب.
صنف واضح الخطورة، وهم الذين ينضمون إلى الماسونية، أو غيرها من الأحزاب الهدامة. وهذا الصنف الأخير يجب التحذير منه، وعدم مدّ يد العون له مطلقا.
٣- جامعات الغرب مفتوحة للنشاط الإسلامي، وكثير منها بها أقسام عربية، وأديان مقارنة، بما فيها الدين الإسلامي وفيها من الحرية ما يسمى بالنقاش والمناظرة، حتى من قبل الطلبة المسلمين. فلو كان طلبتها على مستوى جيد من الثقافة الإسلامية لكان لهم تأثير عظيم في شباب الجامعات الغربية، بل وأساتذتها الذين يعطون الطالب الحرية الكاملة في النقاش والأخذ والرد. ولكن المؤسف أن أغلب الطلبة على العكس من ذلك يقبلون ما يقال عن دينهم من تشويه؛ لعدم ثبات عقيدتهم وقلة ثقافتهم الإسلامية إن لم يكن انعدامها وبعض الجامعات يودّ لو كان بها أساتذة مسلمون حقا في الشريعة الإسلامية يبثون حقائق الدين الإسلامي، بأساليب علمية وإن كان في نفس تلك الجامعات من لا يرضى بذلك ولا يطيقه.
стр. 11135
وقد أخبرنا بعض أعضاء المركز الإسلامي في طوكيو أنه قد تمت الموافقة في جامعة تشوا على إنشاء كرسي للدراسات الإسلامية، وأنهم طلبوا-لعله من الرابطة ومن بعض الجامعات العربية- أساتذة مسلمين ينتدبون لتدريس أساتذة الجامعة المذكورة الشريعة الإسلامية في السنة الأولى، وفي السنة الثانية يشترك الأساتذة المسلمون واليابانيون في تدريس الطلبة، وفي السنة الثالثة يفتح قسم لتدريس الشريعة الإسلامية. والجامعة المذكورة مختصة لتدريس القانون المقارن وأهلها راغبون في دراسة الشريعة الإسلامية فأين المؤسسات الإسلامية التي تغزو هذه الجامعة وأمثالها؟
٤- أحسن عمل نافع للدعوة الإسلامية: هي المنح الدراسية، وفتح المدارس والكليات في العالم على أن تكون مدارس عملية، يلحق بها مسجد وقاعة محاضرات، وقسم داخلي ومستوصف صغير، وهذا تفعله الكنائس في العالم ولا نجاح لها إلا بذلك. أما الكنائس التي تخصص للعبادة فقط بدون خدمات فإنها أخفقت. والناس يريدون عملا قبل الكلام، والمدارس أثبت وأنجح من مرشدين يمرون كسحابة صيف تنقشع بسرعة، وإن كان هذا أمرا لابد منه لإقامة الحجة.
وفتح المدارس في العالم ليس متعذرا، فبعض الدول فيها من الحرية ما يسمح بذلك مثل أمريكا، ومنها ما يمكن فيه مساعدة الأهالي المسلمين، وهم الذين يفتحون المدارس ويعانون بالمال والمدرس والكتاب.
٥- نرى أن من أنفع الأمور للدعوة ونشرها أن يكون للجامعة إدارة مختصة بترجمة الكتب القديمة والحديثة باللغات المختلفة لنشرها في البلدان الأجنبية.
следующие страницы →