← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

وكان بعض النائمين على المقاعد المجاورة لنا ينام فيشخر حتى يكاد يقفز، فيقع رأسه علي، ثم يقوم قليل ثم يعود، وكان زميلي يقوم ليستفسر عن وقت وزن العفش والإجراءات اللازمة ثم يعود. * الكرتون أم الحقائب: ورأيت أربعة من الشباب يقف كل منهم وراء الآخر، والخامس جلس بجانبي وأخذ يكلمني بلغته، وكنت قد سمعت من الهنود والباكستانيين كلمة نفعتني مع هذا الشباب، قلت له معلوم ني، أي لا أفهم ما تقول، ولكنه كان مصمما على مخاطبتي، وكأنه عين للجلوس معي لكونه يتكلف النطق ببعض الكلمات العربية يلهيني بها، وجماعته يفعلون ما يريدون فقال: أنا شويه كلام عربي: قلت له كيف تعلمت ذلك؟ وأنا أنظر إلى زملائه وهم يقتربون الواحد تلو الآخر، فإذا رأوني التفت نحوهم وقفوا. قال: أنا في الرياض كنت هناك. قلت: ماذا تعمل؟ قال: كنت بقالة هناك، أحمل كرتون، ثم سكت عنه، ولم أتكلم معه، ولم التفت إليه، لأني خشيت أن يحمل زملاؤه حقائب بدل الكرتون، وعندما يئسوا مني قام هو إليهم، وأخذوا يتهامسون وهم منصرفون عني، وجاء الزميل وأخبرته بالأمر، وكان هناك أيضا غير هؤلاء يحاول الاقتراب بحجة أنه يريد العربة ولكني صرفته بقوة. وهكذا بتنا في مطار كراتشي إلى الساعة الخامسة والنصف صباحا وبدأ الناس يتحركون لإجراء اللازم، وزن العفش، وختم الجواز. فدخلنا إلى القاعة التي فيها إجراء تلك المعاملات، ووزن العفش ولأول مرة في رحلتنا يوزن العفش، لأن الشركات الأخرى تقرر للراكب ثلاث حقائب، فإذا زادت عن الثلاث بعد ذلك تزن عفشه. وقال الموظف لزميلي زاد عن الوزن المقرر خمسة كيلو فقال الزميل مشيها فمشاها، وكانت مخالفة للنظام ولكنها مشت. موظف ثقيل:

стр. 11132

وبدأ طابور المسافرين يتزاحم، كل واحد يريد أن يسبق من قبله، والعدد كبير، والإجراءات يقوم بها اثنان فقط، وكان أحدهما ثقيلا في إجراءاته فوضويا في تنظيمه، فكان من مدّ له جوازه أخذه ويتأمل الجواز ثم البطاقة المرفقة سطرا سطرا، وإذا ختم الجواز، سمعت صوت الختم كأنه مطرقة نجار يدق بها وتدا، فتزاحم الناس عندها، وكان زميلي في الصف المتجه إليه، فنصحته أن يخرج من هذا الصف القصير الذي سيكون أقصر منه الصف الطويل الآخر، فخرج الزميل ودخل في الصف الآخر، وكان فعلا هذا الصف أسرع من ذاك على رغم طوله. يوم الجمعة ٣٠/ ٨ وبعد انتهاء الإجراءات دخلنا إلى قاعة الانتظار وهناك صلينا الفجر، وفي الساعة السابعة والدقيقة الثلاثين أقلعت بنا الطائرة من مطار كراتشي إلى مطار الظهران فوق المحيط الهندي ثم الخليج العربي وكانت مدة الطيران ساعتين. * في مطار الظهران: ونزلنا في مطار الظهران، ودخلنا إلى قاعة الإجراءات، وكنت متعبا أكاد أسقط من شدة التعب والإعياء، وتزاحم الناس فلم نزاحمهم فكنا في آخر الناس، وعند الدخول كان مندوب الصحة واقفا يفتش البطاقات الصحية، وكانت بطاقتي معي وبطاقة زميلي نسيها في الحقيبة التي في الطائرة. وكان قبلي، قال له المندوب: أين البطاقة؟ فأجابه: نسيتها في الحقيبة التي في الطائرة، فقال له أدخل فدخل، أما أنا فكانت بطاقتي واضحة مع الجواز، ولكنه نظر إلي فوجدني أنفخ من شدة التعب فقال: كأنك مريض، قلت: متعب ولست مريضا خشيت أن يؤخرنا للكشف على اشتباها في حالتي. واختلط الناس وصار المتأخر يتقدم والمتقدم يتأخر والموظف واحد فقط، فجلست أنا وزميلي ننتظر انتهاء الناس، ولكن بعد فترة جاء ركاب رحلة أخرى واختلطوا بركابنا حتى لم يجد الواقف مكانا لرجليه في الأرض إلا أن يدوس على أقدام غيره ويدوس غيره على أقدامه.

стр. 11133

وهنا وثب زميلي وأخذ جوازي وجوازه وأراد أن يفعل ما يفعل الناس وإلا فسوف تقلع الطائرة قبل أن ننتهي، وفعلا كان بعض أمواج الناس تقدمه وبعضها تؤخره، حتى يسر الله له الأمر فانطلقنا إلى الطائرة التي لم تقلع إلا بعد ساعتين من هبوطها. إن النظام في الغرب يجبر صاحب الفوضى أن يحترمه، والفوضى في بلاد الشرق تجبر المتمسك بالنظام أن يتلبس بالفوضى اضطرارا؛ كأكل الميتة، ومن أولى بالنظام المسلم الذي نظم له الإسلام كل حياته أم الكافر الذي كفره كله فوضى. وفي تمام الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة، نزلنا في مطار جدة ودخلنا في قاعة الجمرك فانتظرنا أثاثنا الذي تأخر ما يقارب ساعتين أو أكثر واتصلنا بالخطوط السعودية، إن كان قد تم الحجز لنا عن طريق مكتب السعودية في كراتشي، الذي وعدنا موظفوه بالحجز على الرحلة ٩١٣ التي غير موعدها في جدة إلى ٩١٤ فلم نجد أسماءنا عندهم. واتصلنا ببعض إخواننا في جدة فجاء إلينا ونقلنا إلي بيته لنستريح قليلا، ثم ذهبنا إلى المطار ويسر الله لنا السفر وقد كدنا نيأس. وكان موعد إقلاع الطائرة الساعة الثالثة والنصف مساء، ولكنه غير كما غير رقمها أقلعت في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين. وكان هبوطها في الساعة السادسة والدقيقة العشرين، وكانت آخر محطة لسفرنا، كما كانت أول محطة لسفرنا قبل أربعين يوما والحمد لله رب العالمين. * نتائج الرحلة: لقد استغرقت رحلتنا أربعين يوما زرنا خلالها، لندن ونيويورك، وأندينا، وديترويت وشيكاغو، وطوكيو، وهنغ كنغ، وكراتشي، ولاهور وخرجنا بالنتائج الآتية:- أ- عامة العالم الغربي لا يعرف عن الإسلام شيئا، اللهم إلا تشويهه من قبل أعدائه من اليهود وأتباعهم من أهل المذاهب الهدامة، وسوء سلوك المنتسبين إليه الذين يرى فيهم أهل الغرب أحط الأخلاق، ويفسرون الإسلام بسلوكهم؛ وذلك دون شك ينفر الناس منه.

стр. 11134

٣- المسلمون في الغرب أصناف: صنف يفهم الإسلام فهما جيدا، ويحاول تطبيقه في نفسه، والدعوة إليه، ولكنهم قليلو الإمكانات. وهؤلاء يجب دعمهم بكل ما هو متاح من مال ومرشدين وأساتذة ومدارس ومساجد وفي وغير ذلك. صنف متحمس للإسلام، ويود تطبيقه بكل ما أوتى من قوة، ولكنه يجهل الإسلام جهلا فاحشا،ويطبقه تطبيقا مبنيا على هذا الجهل، وهذا الصنف يجب أن يمد بالدعاة العلماء الحكماء والكتاب السليم والمنح الدراسية. صنف يظهر تحمسا للإسلام والدعوة إليه في نطاق خاص من البشر، ويظهر قبول تصحيح مفاهيمه ولكنه لازالت أفكاره الخاطئة تنشر في كتب ومجلات، ولهم اتصال ببعض أعداء الإسلام، كاليهود والقاديانية. وهذا الصنف كسابقه ينبغي أن يمد بالدعاة والمنح الدراسية والكتاب. صنف واضح الخطورة، وهم الذين ينضمون إلى الماسونية، أو غيرها من الأحزاب الهدامة. وهذا الصنف الأخير يجب التحذير منه، وعدم مدّ يد العون له مطلقا. ٣- جامعات الغرب مفتوحة للنشاط الإسلامي، وكثير منها بها أقسام عربية، وأديان مقارنة، بما فيها الدين الإسلامي وفيها من الحرية ما يسمى بالنقاش والمناظرة، حتى من قبل الطلبة المسلمين. فلو كان طلبتها على مستوى جيد من الثقافة الإسلامية لكان لهم تأثير عظيم في شباب الجامعات الغربية، بل وأساتذتها الذين يعطون الطالب الحرية الكاملة في النقاش والأخذ والرد. ولكن المؤسف أن أغلب الطلبة على العكس من ذلك يقبلون ما يقال عن دينهم من تشويه؛ لعدم ثبات عقيدتهم وقلة ثقافتهم الإسلامية إن لم يكن انعدامها وبعض الجامعات يودّ لو كان بها أساتذة مسلمون حقا في الشريعة الإسلامية يبثون حقائق الدين الإسلامي، بأساليب علمية وإن كان في نفس تلك الجامعات من لا يرضى بذلك ولا يطيقه.

стр. 11135

وقد أخبرنا بعض أعضاء المركز الإسلامي في طوكيو أنه قد تمت الموافقة في جامعة تشوا على إنشاء كرسي للدراسات الإسلامية، وأنهم طلبوا-لعله من الرابطة ومن بعض الجامعات العربية- أساتذة مسلمين ينتدبون لتدريس أساتذة الجامعة المذكورة الشريعة الإسلامية في السنة الأولى، وفي السنة الثانية يشترك الأساتذة المسلمون واليابانيون في تدريس الطلبة، وفي السنة الثالثة يفتح قسم لتدريس الشريعة الإسلامية. والجامعة المذكورة مختصة لتدريس القانون المقارن وأهلها راغبون في دراسة الشريعة الإسلامية فأين المؤسسات الإسلامية التي تغزو هذه الجامعة وأمثالها؟ ٤- أحسن عمل نافع للدعوة الإسلامية: هي المنح الدراسية، وفتح المدارس والكليات في العالم على أن تكون مدارس عملية، يلحق بها مسجد وقاعة محاضرات، وقسم داخلي ومستوصف صغير، وهذا تفعله الكنائس في العالم ولا نجاح لها إلا بذلك. أما الكنائس التي تخصص للعبادة فقط بدون خدمات فإنها أخفقت. والناس يريدون عملا قبل الكلام، والمدارس أثبت وأنجح من مرشدين يمرون كسحابة صيف تنقشع بسرعة، وإن كان هذا أمرا لابد منه لإقامة الحجة. وفتح المدارس في العالم ليس متعذرا، فبعض الدول فيها من الحرية ما يسمح بذلك مثل أمريكا، ومنها ما يمكن فيه مساعدة الأهالي المسلمين، وهم الذين يفتحون المدارس ويعانون بالمال والمدرس والكتاب. ٥- نرى أن من أنفع الأمور للدعوة ونشرها أن يكون للجامعة إدارة مختصة بترجمة الكتب القديمة والحديثة باللغات المختلفة لنشرها في البلدان الأجنبية.

стр. 11136

وفي إمكان الجامعة أن تختار من طلبتها المتخرجين من يجيدون تلك اللغات مثل الإنجليزية والفرنسية والسواحلية والأردية واليابانية والتركية والصينية. وإذا لم يوجد بعض الطلبة في بعض اللغات فيمكن التماس من يجيدون ذلك من خارج الجامعة. فكتاب صحيح البخاري المترجم نفع نفعا عظيما في الغرب، والناس يطلبونه بإلحاح، ويشترونه بأموالهم. وبالمناسبة فإن أحد الباكستانيين طبع الكتاب المذكور بإذن من مترجمه، وحقوق الطبع أصبحت له، والناس مما يشكون منه بأنه استغله استغلالا فاحشا؛ فيجب تنبيه المترجم. كما أن الناس في الغرب يعتمدون على أي كتاب تقع عليه أيديهم يترجم معاني القرآن الكريم وأكثر الترجمات غير سليمة؛ لذلك نوصي بطبع كميات ضخمة من ترجمة الدكتور محمد محسن خان لتوزيعها في العالم. ٦- لقد لمسنا نفع المتخرجين من الجامعة الإسلامية أينما حللنا لما يتمتعون به من فهم مباشر لكتاب الله وسنة رسوله عن طريق اللغة الأصلية لهما، ولكونهم أحسن سلوكا من غيرهم في الغالب. ولكن وجدنا أنهم في حاجة ماسة إلى التدريب العملي على أساليب الدعوة وعلى الانفتاح على الثقافات العالمية، والشبهات التي تثار سواء كانت في العقيدة أم في العبادة أم في الشريعة. وقد سبق أن قدمت بعض الاقتراحات لمجلس شئون الدعوة، وصورة لفضيلة نائب رئيس الجامعة تتضمن ما قد يساعد في هذا الباب. فإن طلبة الجامعة يبقون عندنا على الأقل أربع سنوات، وتنفق على تعليمهم الأموال الطائلة؛ فيجب أن نكمل المشوار بتدريبهم عمليا على الدعوة. وإن حرص الجامعة على السلوك الحسن لطالب الجامعة من أعظم ما يميز طالب الجامعة عن غيرها. ولكن يجب أن يكون ذلك عن طريق الإقناع، والتربية العملية أولا ومن لم ينفع معه الإقناع والتربية، فليجبر على السلوك الحسن تنفيذا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقد رأينا فرقا واضحا بين النوعين في بلاد المغريات.

стр. 11137

المتخرجون الذين يعملون مع الرابطة أو إدارة الدعوة لا تكفيهم رواتبهم في الغرب؛ لأن الراتب ثمانمائة دولار تقريبا والأسعار، هناك مرتفعة جدا وأجور المنازل كذلك وما من أحد منهم وجدناه إلا وهو يشكو من الدين، وقلة ذات اليد. والمفروض أن الداعية يزود بما يكفيه؛ فإنفاق المال على الدعاة إلى الله وكفايتهم أمر لابد منه، ولا يليق بالمسلمين أن يسبقهم إلى البذل أعداء الإسلام- كالمسيحيين وأشباههم؛ لذلك نرى ضرورة تنبيه الجهات المختصة إلى ذلك. ٧- العالم الغربي لا يعرف عن العالم الإسلامي -ومنه العالم العربي ومشاكله- إلا ما ينشره أعداء الإسلام في الغرب، لأن أجهزة الإعلام كلها في أيدي شركات وأغلب الشركات يسيطر عليها اليهود. ومن السهل على المسلمين أن تكون لهم هناك أجهزة إعلام: محطات إذاعية قنوات تليفزيونية جرائد ومجلات تبين فيها للغربيين محاسن الإسلام، وترد على خصومه، وتشرح كذلك للناس مشاكل المسلمين السياسية والاجتماعية. فان شركات صغيرة لها ذلك في الغرب، بل أفراد، فكيف بمؤسسات إسلامية ودول، ألا ليت قومي يعلمون فيعملون. ويمكن أن تساعد الجمعيات والاتحادات الإسلامية الصالحة لتقوم بالمهمة هناك. وإذا كان الإسلام دين البشرية كلها ولها حق على المسلمين أن يبلغوها ذلك الدين وطرق التبليغ ميسرة والإمكانات المادية موجودة والمتعاونون من المسلمين في تلك البلاد موجودون ويمكن أن يتعاقد مع الصالحين من المسلمين من جميع البلدان الإسلامية باللغات المختلفة للقيام بنشر الدعوة عن طريق أجهزة الإعلام والمدارس فهل بقي عذر للمسلمين القادرين؟.

стр. 11138

ولقد تجسمت لي عاطفة الأستاذ الندوي وكل في عنوان كتابه المشهور (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) في هذه الرحلة أكثر من أي وقت مضى -على الرغم من أنّي قرأت الكتاب مرات- ولكني تخيلت الأستاذ الندوي تدمع عيناه مع قلمه وهو يكتب العنوان. وحقا لقد كانت خسارة العالم فادحة: فإن الغرب قطع أشواطا بعيدة في الصناعة والتجارة والإدارة وغيرها من النظام التي تحقق له الرفاهية المادية في ظاهر الأمر، ولكنه يلهث لما يحقق له الراحة الحقيقية راحة القلب وطمأنينته. وهذه لا توجد إلا عند المسلمين: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ والمسلمون يأكلون ويشربون وينامون متناسين أن لهم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة والله تعالى قد قال لنبيه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، ومتناسين أنهم خير أمة أخرجت للناس. يجب عليهم أن يقودا البشرية الضائعة إلى الله مع وجود الإمكانات الهائلة في جميع المجالات. وعلى الجامعة الإسلامية بالذات أن تحمل عبئها وأن تنفذ كل ما تقدر عليه من توصيات مؤتمر الدعوة، وتوجيه الدعاة الذي دعت إليه وعلى مجلس شئون الدعوة أن يصل ليله بنهاره لدراسة شئون الدعوة فعلا والتخطيط لمستقبلها في الدنيا دون نظر لشيء غير الواجب الملقى على عاتقه ولا يكون كبقية المجالس التي تجتمع وتنفض بالتألم والتأوه دون نتائج تذكر. ولقد بدا لي أن كثيرا من المراكز الإسلامية الرسمية في العالم ماهي إلا فقاقيع تحب أن تحمد بما لا تفعل. فلا يجوز الركون إليها ولا الثقة بتقاريرها.

стр. 11139

وأين نحن من مراكز الصليبية التي غزت كل العالم بكل ما عندها من قوة مادية ومعنوية. والله لو كان دين الصليبية المحرف فيه شيء يوافق الفطرة ويقربه إلى العقل لكان الناس قد دخلوا في الدين المذكور. ولكنه يخالف الفطرة والعقل؛ ولذلك تذهب جهودهم سدى إذا استثنينا إخراج المسلمين الجهال بدينهم من إسلامهم. ولقد رأيت بأم عيني في لندن مجموعة من البشر، أرخت شعورها وأطلقت لحاها وشواربها ومعها أدوات الموسيقى ومعهم بعض النساء وهم يضربون الدفوف ويرقصون ويغنون فسألت ماذا يقول هؤلاء: فقالوا يقولون أين الطريق أو كيف السبيل إلى البيت من جديد وذكروا أن هؤلاء من أغنياء الناس خرجوا من منازلهم المترفة وتركوا أموال آبائهم الطائلة وسياراتهم الفخمة يبحثون عن راحة القلب وطمأنينته فلم يجدوها، ويريدون أن يعودوا إلى البيت فعلا ولكنهم لا يطيقون أيضا؛ لأنهم قد جربوه فقلت لزميلي يطلب منهم أن يتفاهموا معي فإن عندي ما يريحهم وحقا كنت في غاية الحسرة عليهم ولقد دمعت عيناي وإن كان الحاضرون يضحكون منهم فقال أحد المرافقين لنا إنهم لا يثقون في أحد يدلهم على سبيل الراحة ولا يتفاهمون بل ربما يضربون الذي يقول لهم إن عنده سبيلا إلى راحة قلوبهم؛ لأنهم قد يئسوا من المجتمع. وقد كنت أظن أن ما يسمونه بالهيبز أمثال هؤلاء فقراء لم يحصلوا على من يعنهم أو على أعمال تدر عليهم الرزق ففعلوا ما فعلوا. ولكن الأمر انعكس فأين المسلمون الذين يدلون، هؤلاء على راحة قلب واستقرار الضمير و (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ....

стр. 11140

٨- هذا. وقد حاولت جهدي أن يكون وصفي لأخلاق الغربيين وعاداتهم عادلاً غير جائز، وقد يغضب غاضبون ما لذكري بعض أوصافهم المحمودة، كالتقيد ببعض الأنظمة المفيدة، والنظافة والجدّ في الأعمال المادية النافعة، غير أني أنطق في تحليلي لتلك الأخلاق الإيجابية، وغيرها من أخلاقهم الذميمة السلبية من منطلقي العقدي الذي أدين الله تعالى به، وهو الإسلام فأزنها كلها بميزانه، وأشير إلى أن أخلاقهم المحمودة مبنية على غير أساس، ولذلك شبهت حضارتهم المادية ببالون الأطفال الذي يعجبهم منظره ولكنه سرعان ما ينفجر فيصبح مزقا ترمى في القمامة، وقد يغضب أيضا لهذا غاضبون، وليس غضب هؤلاء ولا أولئك بضائر؛ لأن الله قد أمرنا بالعدل في كتابه ولو كان الذي يستحقه مبغوضا عندنا شرعا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . إذا وجدت في الإنسان صفتان: إحداهما محمودة، والأخرى مذمومة، فالحق أن يحمد على ما يحسن ويذم على ما يقبح ولا يجوز الثناء عليه مطلقا، ولا ذمه مطلقا ولقد أحسن، الشاعر إذ قال: الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محمود وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا ونبينا ورسولنا محمد وعلى آله وأصحابه

стр. 11141

ردود ومناقشات يوم عاشوراء بقلم: الدكتور نايف الدعيس نشر في جريدة ((عكاظ)) مقال بعنوان: (اليهودية وصوم عاشوراء) للأستاذ أحمد عبد الغفور عطار، يشكك في تحديد يوم عاشوراء. فتصدى للرد عليه الدكتور نايف الدعيس بما يجلي الحق بأدلته. وفيما يلي نص المقال المذكور والرد عليه. نص المقال: كانت ديانة موسى ﵇ تحوي أركانها الصوم؛ لأنه ركن في ديانات التوحيد، وديانة موسى توحيد خالص. فلما حرفها اليهود وقلبوها ديانة وثنية غيروا صيام التوحيد. وإن كانت أسفار اليهود المقدسة خالية من نص على الصوم في وقت معين إلا صيام الكفارة الذي لم ينص عليه بلفظ الصوم أو الصيام وإنما فسره الشراح به. والنص الذي ورد هو ما جاء في سفر اللاويين- وهو أحد خمسة الأسفار التي، تعرف بالتوراة- ٦/ ١٩: (ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع عاشر الشهر تذللون نفوسكم.. لأن في هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم. الخ) . وتكرر هذا المعنى في سفر العدد- دهر من أسفار التوراة- ٢٩/٧: ((وفي عاشر هذا الشهر السابع يكون لكم محفل مقدس وتذللون أنفسكم)) . ولا يصرح السفران المقدسان لدى اليهود بلفظ الصوم، وإنما فسر الشراح تذليل النفوس بالصوم، فصام اليهود هذا اليوم الذي هو اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة الهجرية. ويعرف هذا اليوم الذي يصومه اليهود بيوم الكفارة وهو- حسب تعريفهم- يوم صوم وتكفير عن خطايا شعب إسرائيل ويقوم رئيس الكهنة في هذا اليوم بتقديم ذبائح التكفير. ويمتنع اليهود في هذا اليوم عن العمل، ويجتمعون في احتفال مقدس يصومون في أثنائه تكفيراً من الشعب كله عن خطاياه. وهذا هو الصوم الوحيد المطلوب منهم حسب الناموس [١]

стр. 11142

ويصف ((قاموس الكتاب المقدس)) ذلك الاحتفال بقوله: ((كان رئيس الكهنة ينزع في ذلك اليوم زينته الرسمية، وبعد أن يستحم ويرتدى ثيابا بسيطة مقدسة مصنوعة من كتان أبيض.. الخ)) . ثم يصف تقدمة الذبائح، ومراسيم الاحتفال الذي ينتهي بخلع رئيس الكهنة ثيابه الكتان ويعود إلى زينته الرسمية. ويبدأ الصوم من غروب الشمس إلى غروبها من اليوم التالي، وكانوا خلال هذه الفترة يمتنعون عن الطعام فإذا انتهت أفطروا. ويعرف هذا اليوم عند المسلمين بيوم عاشوراء؛ وفي صحيح البخاري [٢] ، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ((ما هذا)) ؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه" وفي صحيح الإمام مسلم، عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون؛ فنحن نصومه تعظيما له. فقال النبي ﷺ : نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه". وفي مسلم أيضا: عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله صلى ولله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه". وفي ((النهاية)) لابن الأثير مادة عشرة (عاشوراء) ، هو اليوم العاشر من المحرم وهو اسم إسلامي وليس في كلامهم فاعولاء بالمد [٣] .

стр. 11143

ومعروف على التحقيق أن هجرة النبي ﷺ كانت في شهر ربيع الأول وفي ((فتع الباري)) : ((ولاشك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أوّل السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان؛ فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلاّ سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع)) . ويظن كثير من الناس أن صيام اليهود يوافق يوم العاشر من المحرم وهو وَهْم. فما كان اليهود يصومون عاشوراء: العاشر من المحرم، بل هو يوم عاشوراء آخر. ولا يسمونه عاشوراء. ولكنه يقع في اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية، ولذلك التبس الأمر على شراح الحديث؛ فظنوا أن صيام اليهود وقع يوم العاشوراء ولم يقع ذلك. ومعروف أن الرسول ﷺ وصل المدينة ودخلها يوم الاثنين المصادف يوم صيام اليهود، وهذا اليوم العاشر من شهر تشرين الذي قابل- في تلك السنة- يوم العشرين من سبتمبر سنة ٦٢٢ م وهو اليوم العاشر من شهر تشرين سنة ٤٣٨٣ عبرية [٤] وقد جاء في مؤلفنا ((حجة النبي ﷺ ) [٥] صفحة ٤٥٢ أن العلامة الكبير محمود حمدي باشا الفلكي، قد حقق يوم مغادرة الرسول ﷺ مكة مهاجرا إلى المدينة، وبصحبته أبو بكر الصديق؛ وقال: إنه يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول الموافق ١٣ سبتمبر سنة ٦٢٣ م. ودخل قباء يوم الاثنين الثامن من شهر ربيع الأول الموافق ٣٠ سبتمبر سنة ٦٣٣ ميلادية. وإذا كان شراح الحديث وقعوا في وهم، حملهم على اضطراب أقوالهم في تحديد يوم عاشوراء، يوم صيام اليهود؛ فإن محمود باشا الفلكي قد انتهى إلا وضع حد لما كان قد نجم من الوهم والاضطراب، وقد أزالهما بتحقيقه الذي ذكرناه، وكان قوله فيصل الأقوال فيما شجر من خلاف في هذا السبيل.

стр. 11144

وإذا كان موسى قد صام يوم عاشوراء حسب تقويمهم؛ شكرا لله لإنجائه، فقد جاء في الآثار أن نوحاً ﵇ قد سَبَقَ إلى صيامه؛ لأنه كان يوم رسو سفينته على الجودي، فصامه محمد ﷺ شكرا؛ لأنه أحق وأولا بنوح وموسى. الرد على المقال المذكور: كان بعنوان (عاشوراء صحيحة صريحة وصيام اليوم العاشر مشروع) وكان نص هذا الرد ما يأتي: تحدث الأستاذ (أحمد عبد الغفور عطار) في أحد أعداد عكاظ عن صيام يوم عاشوراء، وكان له رأي في تحديد ذلك اليوم، ولم يوفق للصواب فيما ذهب إليه، وانتظرت طويلا لأرى من ينبهه على مسلكه من العلماء أو المفتين في هذه البلاد أو غيرها، فلم أر، فأردت أن أدلي بما أراه الحق والصواب، لاسيما وأن ما ذهب إليه الأستاذ فيه مخالفة واضحة وجرأة عظيمة على ما كان عليه السلف والخلف أجمع في معتقدهم حول صيام هذا اليوم الذي لم يختلف اثنان في تحديده وأنه العاشر من شهر المحرم. وإنما وقع الخلاف في صيامه أو صيام اليوم التاسع من الشهر المذكور. والذي عليه جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء هو صيام اليوم العاشر، وهو اليوم الذي صامه النبي ﷺ ، وعزم إن عاش إلى عامه المقبل أن يصوم اليوم التاسع قبل صيام اليوم العاشر إمعانا في مخالفة اليهود، عليهم لعنة الله. وعاشوراء عربية فصحى على وزن فاعولاء نطق بها النبي العربي ﵊ فقال: (هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه) . وكانوا في الجاهلية يصومون هذا اليوم دون منازع، بل صامه الرسول محمد ﵊ في الجاهلية قبل البعثة. وكلمة عاشوراء اشتقاقها يدل على فصاحتها كما يدل على معناها، وتحديد اليوم الذي رغب في صيامه. ومثالها في الوزن. خابوراء، ساوراء، ضاروراء، دالولاء.

стр. 11145

وليعلم الأستاذ (العطار) أن أحدا من السلف، أو الخلف من العلماء، أو العامة لم يقل بمشروعية صيام اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة أصلا، حتى يقول بأن النبي ﵊ قد صامه وأمر بصيامه. ولا أعرف كيف راق له أن يخالف جماعة المسلمين بإبداء رأيه حول تحديد ذلك اليوم، زاعما أن المحدثين اختلفوا في تحديده، وليس كذلك، بل يجزم خلافهم على النحو الذي ذكره، وإنما الخلاف وقع بينهم في صيامه أو صيام اليوم التاسع من شهر محرم. واللغة لا تساعد على ما ذهب إليه الأستاذ الباحث، ولا العقل؛ لمخالفة ذلك ما عليه المسلمون جميعا دون استثناء. وأحسب أن ما وقع فيه كان بسبب الفاء في حديث "قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء.. فصامه وأمر بصيامه" وأمثاله من الأحاديث. وباعتماده على ما حققه الفلكي المصري، بتحديد اليوم الذي نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ﵇. فالأمر في ذلك واضح، فإما أن يكون الصحابي راوي الحديث حكى حال اليهود وفعلهم في ذلك اليوم، عند مقدمه ﵊، وإمّا أن يحمل التعقيب الذي أفادته الفاء على التعقيب النسبي؛ كقولهم بعث الله موسى فعيسى فمحمد ﵈، وشتان ما بينهم من الزمن. ولعل صيام اليهود تلك السنة وافق يوم عاشوراء من أوّل السنة التي تلت مقدم النبي ﵊ المدينة، وهو ما يؤيد الاحتمال الأول، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ﵀ (فحينئذ كان الأمر بذلك- يعنى صيام عاشوراء- في أوّل السنة الثانية) يعني من الهجرة، ولا يخفى على الأستاذ أن الله تعالى قد تعبدنا- معشر المسلمين- بالأشهر القمرية، وليس لحساب الأيام أي اعتبار عندنا، اللهم إلا إذا خفي الهلال فعدة الشهر ثلاثون يوما.

стр. 11146

وعلى هذا فإننا نصوم ونفطر ونقوم بمناسك الحج في الأيام التي كتب الله علينا فعل تلك المناسك فيها، وكذلك الأمر في صيام يوم عاشوراء الذي هو العاشر من شهر الله المحرم، فإن من أراد صيامه فليصمه في هذا اليوم الذي أطبق المسلمون على تحديده جملة وليتبعه بصيام يوم أو يسبقه به. وليعلم الأستاذ العطار وغيره أن الرسول ﵊ لم يصم هذا اليوم مجاراة لليهود بل إنه قال: "أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه" متابعة لصيامه له في الجاهلية، وصيامه له قبل فرض صوم رمضان. ومعروف أن الرسول ﵊ كان في آخر حياته يتعمد مخالفة اليهود والنصارى، ويأمر المسلمين بذلك وشواهده كثيرة. والله الهادي إلى سواء الصراط.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] قاموس الكتاب المقدس. [٢] طبعة بولاق الجزء الثالث صفحة ٤٤. [٣] يقصد أنه ليس في كلام العرب كلمة على هذا الوزن عاشوراء وعن ابن دريد أنه اسم لا يعرف إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية ورد ذلك عليه ابن ماجة بأن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، ويقول ابن حجر وهذا الأخير لا دلالة قيه على رد ما قال ابن دريد وذكر الجوالقي، ضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال (فتح الباري ٤/٢٤٥ المطبعة السلفية) [٤] هذا حساب العلامة المصري الكبير محمود باشا الفلكي (راجع من الإسلام دعوة علمية للأستاذ العقاد في البحث لذي عنوانه ((ألوان الصيام)) [٥] الطبعة الثانية سنة ١٣٩٦هـ (١٩٧٦ م) .

стр. 11147

من فتاوى الجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أولاً: حكم الإسهام في الشركات التجارية الحمد لله وبعد: قد اطلعت لجنة البحوث العلمية والإفتاء على ما ورد من المستفتى (هيف بن مبارك) وقد سأل مسألتين نذكرهما ونذكر جواب كل واحدة بعدها: الأولى: أنا من سكان الكويت، وعندنا شركات مساهمة خاصة بالأعمال التجارية والزراعية والبنوك وشركات التأمين والبترول، ويحق للمواطن المساهمة هو وأفراد عائلته فيها، فنرجو إفادتنا عن حكم الشرع في مثل هذه الشركات.. الجواب: يجوز للإنسان أن يساهم في هذه الشركات إذا كانت لا تتعامل بالربا، فإن كان تعاملها بالربا فلا يجوز، وذلك لثبوت تحريم التعامل بالربا في الكتاب والسنة والإجماع، وكذلك لا يجوز للإنسان أن يساهم في شركات التأمين التجاري، لأن عقود التأمين مشتملة على الغرر والجهالة والربا، والعقود المشتملة على الغرر والجهالة والربا: محرمة في الشريعة الإسلامية. الثانية: بالنسبة للشركات المذكورة أعلاه عندنا بالكويت، إذا أحببت أن تساهم بالشركات المذكورة تبيع شهادات الميلاد الخاصة بأفراد عائلتك بالإضافة إلى شهادة الجنسية بمبالغ كبيرة، فما حكم الشرع في حللها وحرمها.

стр. 11148

الجواب: لا يجوز للإنسان أن يبيع شهادات الميلاد الخاصة بعائلته على شخص آخر من أجل أن يساهم في هذه الشركات بأسماء أصحاب هذه الشهادات، بناء على أنهم أولاده وهم في الواقع ليسوا بأولاده، وكذلك شهادة الجنسية فإن منح الجنسية من الدولة للشخص، وصفة تمتع الشخص بهذه الجنسية له أنظمة، وقد تختلف هذه الأنظمة باختلاف الدول، فعلى من يتعامل بما ذكر أن يتقيد بأنظمة الدولة بالنسبة لشهادات الميلاد وبالنسبة للجنسية إذا كانت هذه الأنظمة لا تتعارض مع الشرع الإسلامي، فإن هذا من التعاون على البر والتقوى، وقد أمر الله به في قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، والخروج من أنظمتها، بما يعود على أفرد والمجتمع والدولة بالفساد، من التعاون على الإثم والعدوان، وقد حرمه الله لقوله ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ولأن هذا كذب حرام، ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل من الجانبين، لأن كل واحد منهما أخذ المال بطريق محرم، وهو الكذب والغش والخيانة للدولة، وبالله التوفيق،،، ثانيا: ما حكم اللحم المذبوح في الخارج؟

стр. 11149

إن كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي (ككفار روسيا وبلغاريا وما شابههما) في الإلحاد ونبذ الديانات، فلا تؤكل ذبيحته سواء ذكر اسم الله عليها أم لا؛ لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط (استثنيت ذبائح أهل الكتاب بالنص) ، وإن كان من ذكاها من أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإن كانت تذكيته إياها بذبح رقبتها أو نحر في لبتها وهي حية وذكر اسم الله عليها أكلت اتفاقا، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ وإن لم يذكر اسم الله عليها عمدا ولا اسم غيره ففي جواز أكلها خلاف وان ذكر اسم غير الله عليها لم تؤكل، وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ، وإن ضربها في رأسها بمسدس، أو سلط عليها تيارا كهربائيا مثلا فماتت من ذلك فهي موقوذة، ولو قطع رقبتها بعد ذلك، وقد حرمها الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ إلا إذا أدركت حية بعد ضرب رأسها قبلا، وذكيت فتؤكل لقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فاستثنى سبحانه من المحرمات ما ذكر منها إذا أدرك حيا؛ لأن التذكية لا تأثير لها في الميتة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 11150

القلب سعد ندا انفد من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكاً عظيماً، جالس على سرير مملكته، يأمر، وينهى، ويولى، ويعزل، وقد حف به الأمراء والوزراء والجند، كلهم في خدمته، إن استقام استقاموا، يكن زاغ زاغوا، وإن صح صرحوا، وإن فسد فسدوا. فعليه المعول، وهو محل نظر الرب تعالى: ومحل معرفته، ومحبته، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضى به وعنه، والعبودية عليه أولا، وعلى رعايته وجنده تبعاً. فأشرف ما في الإنسان قلبه، فهو العالم بالله، الساعي إليه، المحبّ له، وهو محل الإيمان والعرفان، وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل، المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل. وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعية، والذي يسرى إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي أثاره، فإن أظلم أظلمت الجوارح، إن استنار استنارت، ومع هذا فهو بين أصبعين من أصابع الرحمن . فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه، مصرف القلوب كيف أراد وحيث أراد. أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إليّ فبادرت، وقامت بين يدي رب العالمين، وكره انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ : "لا ومقلب القلوب"، وكان من دعائه: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك". قال بعض السلف: (القلب أشد تقلبا من القِدْر إذا استجمعت غليانها) . وقال آخر: (القلب أشد تقلبا من الريشة بأرض فلاة يوم ريح عاصف) . ويطلق القلب على معنيين: أحدهما: أمر حسيّ، وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع يهب الجانب الأيسر من الصدر، وفي باطنه تجويف، وفي التجويف دم أسود، وهو منبع الروح.

стр. 11151

والثاني: أمر معنوي: وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان. وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان، رأيت أعجب العجائب، فهذا يلمّ به مرة، وهذا يلم به مرة، فإذا ألمّ به الملك، حدثت من لمّته الانفساح، والانشراح، والنور، والرحمة، والإخلاص، والإنابة، ومحبة الله، وإيثار محبته على ما سواه، وقصر الأمل، والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور، فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه، ولكن تأتيه لمة الشيطان، فتحدث له من الضيق، والظلمة، والهم، والغم، والخوف، والسخط على المقدور، والشك في الحق، والحرص على الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله، ما هو من أعظم عذاب القلب. ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله، فمنهم من تكون لَمَّة الملك أغلب من لمَّة الشيطان وأقوى، فإذا ألمَّ به الشيطان وجد من الألم، والضيق. والحصر، وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب، فيبادر إلى طرد تلك اللمَّة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها، فهو دائما في حرب بين اللَّمتين، يُدَالُ له مرةً، ويدالُ عليه مرة أخرى، والعاقبة للتقوى. ومنهم من تكون لمَّة الشيطان أغلب عليه وأقوى، فلا تزال تغلب لمَّة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها، فيموت القلب، ولا يحس ما ناله الشيطان به، مع أنه في غاية العذاب، والضيق، والحصر، ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم. فإن كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه، وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان، حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا، فتظهر حينئذ تلك الآلام، والهموم، والغموم، والأحزان، وهي لم تتجدد له، وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل، فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنًا وتجدد له أضعافه.

стр. 11152

هذا بعض ما كتبه الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر (المعروف بابن قيم الجوزية) غفر الله له، عن قلب الإنسان في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) وهو إن دل على شيء فإنما يدل على علم، وفقه خلفه، ودقة تحليل، وغوص إلى معانٍ دقيقة لا يبلغ التعرف عليها كل أحد، إلا من أتاه الله البصيرة، والحكمة، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا. والإمام ابن القيم إمام جليل له من الكتب النفيسة- غير كتاب التبيان الآنف ذكره- كتب كثيرة، لا ينبغي أن تخلو مكتبة المسلم منها جميعا إن لم يكن أغلبها. ومن هذه الكتب: أعلام الموقعين، والطرق الحكيمة في السياسة الشرعية، ومدرج السالكين، وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، زاد المعاد، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.... وغير ذلك من الكتب الرائعة. ﵀ رحمة واسعة، وأفسح له الدرجات العالية في جنات النعيم،،،،،

стр. 11153

حاسة السمع للدكتور فكري السيد عوض طبيب العيون بالجامعة خلق الله العباد ومنحهم من رعايته وفضله وأفاض عليهم من رحمته، واستخلفهم في الأرض يزودهم بكل أدوات الخلافة من تركيب خاص وتكوين لائق بذلك وتسخير للطاقات الكونية- ولذلك كان على البشرية جميعها أن تتفكر في آيات الله وبدائع خلقه، آثار صنعه، وتدركه بآثار قدرته وتستشعر عظمته برؤية حقيقة إبداعه، ومن ثم يخشاه الناس حقا ويعبدونه حقا بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر؛ حتى لا يركبهم الغرور، ويعرفوا أنهم هم الفقراء إلى الله وأن الله هو الغنى الحميد.... ومن بين هذه النعم التي تفضل الله بها على عباده نعمة السمع.... وسنحاول أن نبين بعض أسرارها، ونقف على جزء بسيط من هذه النعمة الغالية لنصل في النهاية إلى أن العلم الحديث ما زال يجهل الكثير عنها، ولم يعرف بعد من أسررها إلا القليل وصدق الله العليم إذ يقول ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ... ظاهرة انتقال الصوت: ينتقل الصوت نتيجة اهتزازات جزيئات المادة... وكلما تكاثفت جزيئات المادة كلما كان الصوت أكثر سرعة، فمثلا نجد أن سرعة انتقالا الصوت في الهواء (٣٤٠ متر في الثانية) ، وهي أقل سرعة عنها في الماء (حيث يصل إلى ١٤٣٥ متر في الثانية) بينما تزداد السرعة أكثر من ذلك في المعادن بحيث يصبح في الإمكان أن تضع الأذن على شريط القطار وتسمع صوت مجيئه من بعد عدة كيلومترات ... !!. هل في مقدار الإنسان أن يسمع كل الأصوات التي من حوله؟ إن قوة سمع الإنسان لها طاقة محدودة، فهو يسمع الأصوات التي تتراوح ذبذباتها بين ١٦ إلى ٢٠ ألف هزة في الثانية الواحدة ... وإذا زاد الصوت عن هذا المقدار فإنه لا يسمع شيئا، ولكن يحدث له شعور مزعج غير واضح قد يصل إلى درجة إيذاء الأذن....

стр. 11154

وهناك حيوانات تكون قوة سمعها أكثر حدة من الإنسان، فمثلا القطط تسمع الأصوات التي تصل ذبذباتها إلى ٥٠ ألف هزة في الثانية..... بينما نجد أن أعجب الحيوانات في هذا المجال هو الخفاش، وهو حيوان ليلي يعيش في الكهوف، وينشط أثناء الظلام؛ ولذلك فإن الرؤيا عنده لا قيمة لها، فحاسة السمع عنده عالية جدا، حيث يسمع التوترات العالية التي تصل إلى ١٣٠ ألف هزة في الثانية، فيقوم الخفاش بإرسال صرخات ما فوق الصوت، ثم تنعكس إليه ثانية فيسمعها بأذنيه الكبيرتين، ويقرر بكل دقة بُعد الأشياء والفريسة تماما. وكذلك يحدد بشكل رائع اتجاهها..... وقد قلده البشر.... وقلده العلماء ودرسوا هذه الظاهرة، وكانت هي القاعدة الأساسية التي قاما عليها فكرة الرادار في اكتشاف الطائرات..... فسبحان ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى...... ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ....﴾ الأنعام ٣٨. مصير الأصوات التي نسمعها: في بساطة شديدة يصل الصوت إلى الأذن الخارجية التي تجمعه، لكي يصل إلى غشاء الطبلة، حيث يحدث اهتزازات على عظيمات السمع الموجودة في الأذن الوسطى التي تقوم بنقله إلى الأذن الداخلية، التي تتولى تفسيره ونقله بشكل سيالة عصبية إلى العصب السمعي ثم إلى المركز السمعي العام في الدماغ أي في الفص الصدغي. تكوين الأذن: يقول العلم الحديث: إن الجهاز السمعي يبدأ تخلقه منذ بداية الأسبوع الثاني للجنين، وهو في رحم أمه، ويكون ذلك على هيئة حفرة على جانبي الرأس، ثم تصبح حويصلة ثم تستطيل، ثم تتكون الأذن الداخلية، وبعد ذلك يتكون الدهليز السمعي، ثم تتصل بالعصب السمعي.... وبتقدم وسائل العلم ثبت أنه في إمكان الجنين أن يسمع الأصوات منذ الشهر الرابع، إنه عالم آخر تكفل به العليم الخبير. وتتركب الأذن من ثلاثة أجزاء:

стр. 11155

أولا: الأذن الخارجية: هي صيوان الأذن الذي يؤدي إلى قناة سمعية خارجية، تنتهي بطبلة الأذن، وتقوم الأذن الخارجية بعملية تجميع الأصوات. - والقناة السمعية الخارجية يبلغ طولها ٢.٥ سم تقريبا، وتحتوى على الشعر في القسم الأمامي، وتحتوى أيضا على غدد صملاخية تفرز مادة الصملاخ لاصطياد (الغبار) وهي منحنية للأسفل حتى تخفف من وقوع الإصابة الخارجية بعكس ما لو كانت مستقيمة حتى لا يكون الأذى مباشرة على طبلة الأذن. ثانيا: الأذن الوسطى: وهي قناة عظمية غضروفية بها غشاء الطبل، وتحتوى على ثلاث عظيمات: واحدة تتصل بغشاء الطبلة (تسمى المطرقة) ، وأخرى تتصل بالأذن الداخلية (تسمى الركابة) ، وثالثة بينهما (تسمى السندان) . وكل واحدة متعلقة بالأخرى ومتمفصلة معها. وعندما تصل ذبذبات الصوت من الخارج، يهتز غشاء الطبل، وبالتالي تهتز هذه العظيمات فتقوم بتسريح وتوصيل الصوت إلى الأذن الداخلية.... وهنا تحس بأن يدًا خفية تتحكم في كل هذه الأعمال، وتخضع لسنن معينة محكمة دقيقة إلى أبعد حدود الدقة. فلو كان الصوت القادم شديدا، فإنه يحدث تكييف غريب، ذلك أن هذه العظيمات تغير اتجاه تمفصلها بحيث يبقى الأذن الداخلية من الأذى إلى حد ما بمساعدة تقلص العضلتين الموجودتين في الأذن الداخلية.... فمن الذي ألهم هذه العظيمات الصماء- التي لا يزيد وزنها عن ٥٥ ملجم أن تقوم بذلك؟ .... إنه الخبير العليم. - وهناك نوع آخر تتجلى فيه عظمة الله وهو الجزء الصغير من الأذن الذي يربط مابين الأذن الوسطى وما بين البلعوم وذلك عن طريق قناة تسمى قناة ((أوستاش)) فلماذا وجدت هذه القناة؟

стр. 11156

تحدث ظروف طارئة، ولولا وجود تلك القناة لتمزق غشاء الطبلة.... وهذا ما نلاحظه في حالات الرشح والتعرض للنزلات البردية، أو قيادة السيارة لفترة طويلة أو ركوب الطائرة، حيث نشعر بأن السمع يتناقص تدريجيا مع شيء من الألم الخفيف ولكن عندما نقوم بعملية البلع أو التثاؤب نشعر في الحال كأن الأذن قد فتحت وبدأنا نسمع بشكل طبيعي.... فما الذي حدث؟ إن عملية البلع هذه تؤدى إلى تقلص عضلة خاصة، تفتح فوهة هذه القناة فيدخل منها الهواء فيتعادل الضغط داخل الأذن وخارجها؛ وبذلك يرجع كل شيء إلى حالته الأصلية، ولعل هذا هو السر في أن الذين يرمون بالمدافع يبقون أفواههم مفتوحة أثناء انطلاق القذيفة وحدوث الصوت المرتفع حيث يتم تأمين اتزان الضغط إلى حد ما بين خارج الأذن وداخلها. - كذلك تقوم تلك القناة بفوائد أخرى، منها تصريف المخاط والسوائل التي قد تتجمع في الأذن الوسطى إلى البلعوم، فضلا عن أنها تمثل فتحة جيدة لإتقان السمع فيجود الصوت ويصفى بواسطتها ... فقناة أوستاش تقوم بوقاية وحماية غشاء الطبلة، وتنظيف الأذن الوسطى، وتحسين وتجميل وإتقان جهاز السمع..... ثالثا: الأذن الداخلية: - وهي التي يوجد بها الجهاز الخاص باستقبال الأصوات. - وتركيبها معقد فهي تحتوى على دهاليز وممرات معقدة حتى أن العلماء لم يجدوا لها اسم يطلق عليها إلا كلمة ((التيه)) - كذلك يوجد بها ما يثير دهشة الإنسان وتعجبه، ذلك أن بها جهازا خاصا ذا تركيب معين، فائدته القيام بدور هام جدا في حفظ توازن الإنسان ...

стр. 11157

- أما الجهاز الخاص باستقبال كافة أنواع الأصوات فهو يسمى ((عضو كورتي)) ، حيث يحتوى على أكثر من ثلاثين ألف خلية سمعية وتعتبر كل خلية سمعية محطة كاملة لاستقبال جميع أنواع الاهتزازات الصوتية.... ومن هذا العضو تتصل الخلايا وتتكون الألياف العصبية في منتهى الدقة وتجتمع تشكل العصب السمعي، الذي يصعد إلى المخ لينتقل كل ما حدث في سيولة عصبية إلى المركز السمعي العام في الدماغ.... ولنا أن نتسائل؟ - أين تقع مراكز وخزائن الذاكرة للمسموعات؟ - كيف تدرك الخلية العصبية الأمر وتفهمه؟ - كيف يحدث تمييز الأصوات العديدة جدا عن بعضها البعض حيث تبلغ حساسية الأذن لسمع الأصوات درجة كبيرة فيمكن للأذن أن تميز ما بين ٣٤ ألف لحن مختلف في. الشدة والتواتر..... - كيف ... ؟ وكيف ... ؟. لا نجد جواباً كل الذي توصلوا إليه هو كيفية انتقال الصوت إلى مركزه في الدماغ. وصدق الله العليم إذ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أيهما أفضل السمع أم اأبصر؟

стр. 11158

- قال الأكثرون: إن السمع أشرف من البصر وكانت حجتهم: أن الله تعالى ذكر السمع في القرآن قبل البصر.. وأن السعادة كلها تكون باتباع الرسل والإيمان بما جاءوا به وهذا لا يدرك إلا بالسمع. وأن العلوم الحاصلة بالسمع أضعاف أضعاف العلوم الحاصلة من البصر كذلك فإن فقد السمع يوجب، ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب ... وأما فقد البصر فربما كان مفيدا من ناحية قوة إدراك البصيرة، وشدة ذكائها، لهذا نجد كثيرا من العميان عندهم من الذكاء والفطنة مالا تجده عند البصير حيث أن تقلب البصر في الجهات ومباشرته للمبصرات على اختلافها يؤدي إلى تفريق القلب وتشتيته ولذلك كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة ... ولهذا كان كثير من العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام مكفوف البصر لكن لا أعرف أن فيهم الأطرش.... - واحتج عليهم فريقا آخر بأن أفضل نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة وهذا لا يدرك إلا بالبصر، ولا توجد حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها ... ثم قالوا إن كل ما ينال بواسطة السمع إنما هو وسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضل السمع على البصر كفضيلة الغايات على وسائلها.. وهنا يحسم المشكلة شيخ الإسلام ابن القيم بقوله (إن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص به) ... ثم استطرد قائلا (إن تقديم السمع على البصر له سببان: أولا: أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد أي أني أسمع ما يردون له عليك وما يقابلون به رسالتي وأبصر ما يفعلون.

стр. 11159

ثانيا: أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده ... وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيا وقرشي أو قرشيان وثقفي فقالت أحدهم أترون الله يسمع ما نقول فقال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفين، فقال الثالث إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. ولم يقولوا أتروننا الله يرانا. فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمسّ. كذلك فإن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثير في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى. وبهذا يعلم تقديم السميع على العليم فقال تعالى: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . وإن الأذن خير شاهد على عمل الإنسان: يقول تعالى في سورة فصلت ١٩- ٣٤: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِين فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾

стр. 11160

نسأل الله العليم المنان أن يعيننا على أداء ما وهبنا من نعم ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً..﴾ وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا وأجعله الوارث منا. آمين وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات آية ٢١.٢٠)

стр. 11161

من مظاهر البلاغة القرآنية قوة الحجة ووضوحها الدكتور علي محمد حسن العمّاري الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة عرض القرآن الكريم لكثير من قضايا الدين والدنيا، وسلك في عرضها أساليب مختلفة متنوعة، وما عرض لقضية في صورة من الصور إلا أتى فيها بما يثلج الصدور، ويروى الظماء، وبما يقنع من يريد أن يقتنع، ويهدى من يبحث عن جادة الطريق. ولم يجنح بالضالين منذ عهد البعثة إلى يومنا هذا عن سواء السبيل إلا الجهل أو العناد، أو هما معا. وأخطر أدواء الجهل هو الجمود على دين الآباء والأجداد، وأخطر أدواء العناد هو الحقد على الدعوة، وصاحبها، ثم على الإسلام والمسلمين. وقد عالج القرآن الكريم هذين الداءين بما يحسمهما، لو اعتصم المارقون بالعقل، وخلدوا إلى الإنصاف، وصنعوا لأنفسهم، وبغوا لها الخير والصلاح في الدين والدنيا، وربأوا بها عن الارتكاس في ظلمات الجهل، والتردي في نيران الحقد. عالج الجهل بالدعوة إلى النظر في ملكوت السموات والأرض وإلى الاستماع لآيات الله وإمعان النظر فيها، وبالأمر بسؤال أهل الذكر حين تستبهم المعالم وتضل الطريق، وتطبق الظلمات، ثم بالزراية على التقليد الأعمى، وبالتهوين من شأن من يقولون: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف/٢٢) . وعالج العناد بالحجة الحاسمة، والبرهان الدامغ، الذي لا يجد المعاند معه -إن أحسن إلى نفسه وعقله- طريقا إلى التنكر للحق، والإصرار على الباطل.

стр. 11162

ولكن كفار قريش، ومعهم مشركو العرب، والمنافقون من أهل المدينة، والضالون من أهل الكتاب رضوا بالجهل حيناً، وبالعناد في أحيان كثيرة، حتى وصل العناد، والتمادي في الباطل بمشركي مكة أن يقولوا -كما حكى عنهم القرآن الكريم- ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ (الأنفال/٣٢) . وصاروا- كما أخبر عنهم القرآن: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الأنعام/٧) وكما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [١] (الحجز/١٤، ١٥) . وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام/١١١) . بل اشترطوا لإيمانهم وخضوعهم شروطاً: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (الأنعام/١٢٤) . وقد سبقهم بنو إسرائيل بمثل هذا العناد، فخالفوا على نبيهم موسى، وردوا دعوته: وقالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة﴾ (البقرة/٥٥) . ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف/١٣٢) .

стр. 11163

وكان فعل اليهود هذا تسلية للنبي محمد ﷺ فقد قصّ عليه القرآن نبأهم حين ضاق النبي بتعنت قومه، وطلبهم الآيات: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (النساء/١٥٣) . وقد كان أهل الكتاب يعرفون محمدا- ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون- كما يعرف كفار مكة- أن القرآن حق، وأنه من عند الله، ولكنها الكبرياء والعناد والجهل، عوائق تصدهم عن ذوق حلاوته، وفيهم يصدق قول أبى الطيب المتنبي:- ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرًّ مَريض يجد مُرًّا به الماء الزُّلالا. وقد عرض القرآن الكريم مختلف الأدلة والبراهين في كل قضية عرض لها، وكان يسلك أسلوب البسط أحيانا، وأسلوب الإيجاز أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين كان يصل إلى نهاية المدى في إبلاغ الحجة، وإقامة الدليل، مع القوة والوضوح. كان يتناول القضية فيَلمّ بجميع أطرافها حتى لا يترك فيها مقالا لقائل، أو يتناولها فيكتفي بموضع الحجة، ولكنها الحجة الحاسمة الدامغة. ومن أروع ما في المحاجات القرآنية أنها لم تقتصر على خطاب العقل وحده كما هو الشأن في البراهين المنطقية، ولا على مخاطبة الوجدان وحده، كما هو الشأن في الخطابات، والأخيلة الشعرية. إنما كان يشرك مع العقل الوجدان فيخاطبهما معاً، وبذلك تبلغ الحجة من العقول والقلوب ما تريد، من تثبيت الحق، وإزهاق الباطل، وإقناع ذوى الفطر السليمة.

стр. 11164

ولم تكن حجج القرآن وبراهينه مغرقة في الفلسفة، ولا موغلة في المنطق، ولا بعيدة عن الفطرة، بل اعتمد أكثرها على لفت النظر إلى المشاهد الحسية، والبديهيات التي لا خلاف عليها، وربما نظر بعضها إلى الإقناع المنطقي، ولكنه لا يستدعي التفكير الطويل، ولا يشوبه شيء من الغموض الذي يشوك طريق السالك إلى الحق: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء من الآية ٢٢) ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم من الآية ٢٧) ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ (يس الآيتان ٧٨- ٧٩) . وقد وجه القرآن الأنظار إلى كثير من آيات الله في خلق السموات والأرض، وفي خلق الأنفس، وسائر الكائنات، وضَرَبَ الأمثالَ وصرفها على وجوه كثيرة، وألزم المعرضين في كل ذلك الحجة على صحة ما وجههم أليه. وربما استغرقت القضية -كما أشرت- العدد الكثير من الآيات، بل ربما جاءت السورة بأكملها -مع طولها- لتشرح قضية من القضايا، وتحتج لها، وربما اكتُفي بالآية الواحدة، بل بالجملة من الآية، بل بالكلمة فتقام بذلك الحجة، ويقنع به البرهان. وسأكتفي في هذا البحث الموجز بالحجج القصيرة التي أغنت- مع إيجازها- عن كلام كثير. - لقد سيطر الجهل على عقول المشركين فزعموا- فيما زعموا من ترهاتهم وأباطيلهم- أن لله ولدا، وقد حكى القرآن الكريم عنهم هذا الزعم في أكثر من آية: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾ (مريم الآية ٨٨) زعموا أن هذا الولد ليس من الذكور بل هو من الإناث: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (النحل من الآية ٦٢) . ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً﴾ (الإسراء الآية.٤) . وهذه هي الفرية الثالثة أنهم جعلوا الملائكة بنات الله.

стр. 11165

ثلاثة أباطيل أذاعوها، وآمنوا بها: أن لله ولدا، وأن هؤلاء الولد هم الملائكة، وأن هؤلاء الملائكة إناث. فماذا كان رد القرآن عليهم؟ لقد جاء في بعض الآيات ردود قصيرة على مجرد اتخاذ الولد، فهم يزعمون أن لله ولدا ولكنهم لا يقولون أن له زوجا ولدت الولد، فحجهم القرآن: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام ١٠١) . ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ . حجتان مقنعتان لمن يريد أن يقتنع فدعواهم صادرة عن جهل لا عن علم، فكيف تكون موضع يقين عندهم؟ بل كيف تكون موضع شك، أو وهم؟ وهى دعوى لا تستند على أساس صحيح، فكل من ولد كانت له زوج، وأنتم مؤمنون بأنه لا زوج له، فأين تذهب بكم أوهامكم؟!. ثم بين سبحانه في آية أخرى مصدر العلم الصحيح، ونفاه عنهم في أوجز عبارة. وأقوى حجة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (الزخرف من الآية ١٩) . هكذا في إيجاز وحسم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ مع هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي الذي أدى ما يعجز الخبر التقريري عن أدائه. وقد جاء هذا الرد الحاسم في آية أخرى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ (الصافات الآيتان ١٤٩- ١٥٠) .

стр. 11166

فالملائكة خلق من خلق الله، لم يطلع أحد من البشر على حقيقة خلقهم، فلا سبيل للحكم بنوع هؤلاء العباد: لأن الحكم على شيء ما لابد أن يكون عن طريق مشاهدته، أو عن طريق خبر صادق عنه، وهم- قطعا- لم يشهدوا خلقهم، ولا ينكرون أنهم لم يشهدوا، ولم يأت به خبر صادق، لا من القرآن الكريم، ولا من خبر الصادق الرسول الأمين، فكما أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة كما صرحت الآية الكريمة، وكما هو أمر لا جدال فيه، كذلك ليس عندهم علم عن طريق الأخبار الصادقة، وبذلك تحداهم القرآن: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أفلا تذكرون أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الصافات الآيات ١٥١- ١٥٧) . وأين هو الكتاب؟ فقد انتفت عنهم المشاهدة، وانتفى عنهم الخبر الصادق. فمن أين جاء لهؤلاء المفترين أن الملائكة إناث، وأنهم بناتُ الله؟ وكيف سمحت لهم عقولهم أن يدَّعوا دعوى لا يمكنهم إقامة الدليل عليها من مشاهدة عيان، أو من خبر صادق؟.

стр. 11167

- ومشركو مكة اتّهموا رسول الله محمدا- عليه أفضل الصلاة والسلام- بالجنون، ويبدو أن هذه كانت أول تهمة اتهموه بها، فقد جاء ذكرها في سورة القلم، وهى من السور الخمس الأوائل نزولا. ثم جاء ذكرها في آيات أخرى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (القلم الآيتان ١- ٢) . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ (سبأ الآيتان ٧- ٨) . ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (المؤمنون الآية ٧٠) . ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ . (الدخان ١٣- ١٤) إلى غير ذلك من الآيات. فماذا كان ردُّ القرآن عليهم في نفي هذه التهمة عن رسوله المبين؟ بأوجز كلمة وأقواها دلالة ردَّ عليهم القرآن الكريم في ثاني آية نزلت بعد: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وهي آية القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ . قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: "نفى الجنون عنه، ثم إنه تعالى قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، وذلك لأن قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ ، يدل على أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراءة عن كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون، فالله تعالى نبَّه على هذه الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم إنه مجنون.

стр. 11168

ونلاحظ أن الكلمة جاءت في سياق الكلام، ولم توضع موضع الرَّد، ولا سيقت مساق الحجة على نفي التهمة، وإنما قرنت بالآية ليتنبه لها الفطين، ويدرك- كما أنهم ولا شك أدركوا أنها من أقوى الأدلة، وقد جاءت الكلمة نفسها في آية أخرى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ . (الطور- ٢٩) [٢] . ومثل ذلك يقال في كلمة: ((مبين)) التي وردت في آية (الدخان) فهم لا يجهلون أنه مبين بل لا يجهلون أنه من أبين أبينائهم، فلا شك أن الكلمة لفتتهم لفتًا قويًا إلى مدىً ما يرتكسون فيه من باطل حين يتهمون هذا الرسول المبين بما هو أبعد شيء عن الإبانة، ذلك أن من أول، بل من أقوى آلاتها العقل، بل العقل الحصيف الواعي. وكذلك حجَّهم القرآن بكلمة واحدة في نفى ما بهتوا به الرسول من الجنون: وفي أول الدعوة- أيضا-، فقد جاء في سورة (التكوير) ، وهى خامس سورة نزلت قوله تعالى: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ (التكوير الآية ٢٢) . والمراد بصاحبهم في الآية رسول الله محمد- ﷺ ، وقد كرَّر القرآنُ هذا الوصف فجاء في سورة (الأعراف) : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الأعراف الآية ١٨٤) ، وجاء في سورة (سبأ) : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ الآية ٤٦) . والذي يَلْفِتْ النظر في هذه الآيات هو تكرار كلمة (صاحب) ، وإضافتها إلى كفار مكة، وربطها بالفِرية العظمى التي افتروها على الرسول، وهى اتهامه بالجنون. فكيف وهو (صاحبهم) مرة بضمير الغيبة، ومرة بضمير الخطاب، وهو (صاحبكم) أيها المتهمون له بالجنون،؟!!.

стр. 11169

نشأ بينكم، وقضى طفولته وشبابه وكهولته بين ظهْرانيكم، وأنتم تعرفونه حق المعرفة، فهو صاحبكم، تعرفونه، ويؤكد بعضكم أنه لم يكذب قط، بل تعرفون أنه لم ينحرف لحظة واحدة عما يقتضيه العقل والحكمة، وحسن الروية، وبعد النظر. أبعد أربعين سنة عاشها بينكم، وهو من أوسطكم دارا، وأشرفكم نسبا، وأكرمكم أباً وأما، يصدق في القول، ويحفظ الأمانة، ويحكم- حين تحكمونه- بأعدل حكم، وأنتم في كل ذلك تصحبونه في غدوه ورواحه، ومَنْشطه ومكرهه. وتلقبونه بالصادق الأمين دون أن يطلب منكم أن تثنوا عليه، أو ترفعوه قدره، وإنما أنطقكم بذلك واقعه. أبعد كل هذا تتهمونه بما تعتقدون أنه منه براء، وأنه إذا كانت هناك صفة أبعد ما تكون عن إنسان فهي صفة الجنون يوصف بها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟!!. وليس بعجيب أن يتخبط الكافرون المعاندون، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (الذاريات: آية ٥٢) . فهي سنة الله تعالى مع أنبيائه، ومع أقوامهم. ولكن كان على كفار مكة أن يتفكروا، وأن يطيلوا التفكير قبل أن يلقوا هذه التهمة على أعقل العقلاء، وأحكم الحكماء: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . (المؤمنون: آية ٦٨، ٦٩) . بلى: هم يعرفون رسولهم، وإنما أنكروا وجحدوا وادَّعوا عِنادا وطغيانا، وتكبروا، وتجبروا، كما أخبر سبحانه بآية كريمة واضحة بعد آيات (الذاريات) السابقة: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ليس التواصي هو سبب هذه الادعاءات الباطلة، وإنما هو الطغيان بدليل (بل) الإضرابية.

стр. 11170

قال العلامة أبو السعود في تفسير هذه الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ١. قال: "إضراب عن كون مدار اتفاقهم على الشرِّ تواصيهم بذلك، وإثبات لكونه أمرا أقبح من التواصي، وأشنع منه، من الطغيان الشامل للكل الدال على صدور تلك الكلمة الشنيعة عن كل واحد منهم بمقتضى جبلّته الخبيثة لا بموجب وصية من قبلهم بذلك من غير أن يكون ذلك مقتضى طباعهم". فلولا هذه النفوس الخبيثة، وهذه الطباع السيئة لكان أدنى تفكير في هذه الكلمة القرآنية الحاسمة: (صاحبكم) كفيلا بأن يردهم إلى الصواب، وينطقهم بما هو أجدر بعقولهم، ومكانتهم في قولهم وفي العرب فيرجعوا عن بهتانٍ هم أول من يعلم أنه بهتان. لو أن محمدا- ﷺ كان من شعب آخر غير الشعب العربي، أو لو أنه رُبِّى في بيئة أخرى غير بيئة مكة، أو بين ظهراني قومٍ غير قريش، لو كان شيء من ذلك لكان لقولهم وجه ما. وقد زعم مشركو مكة أن محمدا ﷺ تعلم القرآن من بشر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ (النحل آية ١٠٣) . واختلفت نقول المفسرين في تعيين هذا البشر، ولكن اتفقت كلمتهم- كما أكد القرآن الكريم- على أنه رجل ليس بعربي.
следующие страницы →