← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

وقد أقيم للوفد حفلات تكريم متعددة منها على سبيل المثال حفل أقيم في المركز الإسلامي وآخر في الجامعة القرآنية، ومن جمعية أهل الحديث، ومن اتحاد الطلاب بجامعة دكا. وفي حفل توزيع الشهادات أقام الاتحاد العالمي للمدارس العربية حفلا كبيرا لتوزيع الشهادات دعي إليه رئيس الوزراء الذي أناب عنه وزير المواصلات، ووزير التعليم وكبار الشخصيات رؤساء الجماعات والجامعة الإسلامية. وقد حققت هذه الدورات أثارها الحسنة والحمد لله- وذلك كما ذكر أحد مرافقي الدورة تمثل في التحسن الذي طرأ على نطق معلمي اللغة العربية وكتاباتهم وفي فهمهم لطريقه الأسئلة والإجابة، كما أسهمت الدورة في توعية المسلمين من أهل البلاد عن طريق المحاضرات والندوات في المساجد ودور العلم وتم ذلك بالتنسيق مع رجال سفارة المملكة العربية السعودية. (٣) المعسكر الصيفي للطلاب المقيمين في المملكة خلال عطلة الصيف تمنح الجامعة طلابها من مختلف أنحاء العالم تذكرة سفر جوية ذهابا إلى أوطانهم في نهاية العام الدراسي وإيابا في بداية العام الجديد. وبالرغم من هذه التسهيلات التي تمنحها الجامعة لطلابها فإن بعضهم يرغب في قضاء العطلة الصيفية في المملكة لأسباب مختلفة، منهم من تحول الظروف السياسية في أوطانهم دون العودة إليها، ومنهم من يرغب في التزود بزاد روحي في قربه من بيت الله الحرام في مكة، ومن المسجد النبوي في المدينة. وفي صيف هذا العام أقامت الجامعة الإسلامية مركزا صيفيا في مكة المكرمة ليتحقق الهدف الروحي المنشود عند هؤلاء الطلاب الذين يفضلون البقاء بجوار بيت الله الحرام يتزودون بزاد من الإيمان والتقوى.. وقد اختيرت دار الحديث بمكة مقرا لهذا المركز ومقرا لإسكان هؤلاء الطلاب واستمر هذا المعسكر أغلب أيام شهر رمضان.

стр. 11202

وقد وضع لهؤلاء الطلاب برنامج تربوي فيه العديد من الأنشطة الدينية والفكرية والرياضية وكان الطلاب يحرصون على أداء الصلوات الخمس يوميا في المسجد الحرام ويصلون صلاة التراويح وقد قسم الطلاب إلى أربع أسر: أسرة أحمد بن حنبل وأسرة ابن تيمية وأسرة ابن القيم، وأسرة محمد بن عبد الوهاب ويشرف على كل منها أحد المدرسين ورائد من الطلاب، وقد تنافست الأسر في مجالات النشاط المختلفة من صحافة ولافتات وملصقات وإلقاء كلمات وأناشيد وتمثيليات- وقد حفل المعسكر بالمحاضرات الدينية القيمة التي كان لها تأثيرها في الطلاب، وقد قضى طلاب المركز الصيفي يوم عيد الفطر في زيارة الطائف والتقوا بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الذي ألقى فيهم كلمة إرشادية حثهم فيها على طاعة الله والإقبال على طلب العلم. (٤) وفد نيجيري في زيارة الجامعة حضر إلى الجامعة الإسلامية وفد من جامعة عبد الله بايرو بمدينة ((كانو)) بنيجيريا يتكون من ٢٠ طالبا بالسنة النهائية بقسم الدراسات الإسلامية والعربية. وكانت جامعة بايرو قد طلبت من فضيلة الدكتور عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة الإسلامية اشتراك هؤلاء الطلاب في المعسكرات التي تقيمها الجامعة، ولتعذر الحجز في شركات الطيران وصلوا متأخرين بعد انتهاء المعسكر الصيفي الذي أقامته الجامعة لطلابها في مكة، ولكن نائب رئيس الجامعة أمر بأن تعد لهم عمادة شئون الطلاب برنامجا تربويا حافلا بألوان النشاط الثقافي والرياضي. وقسم هذا الوفد الطلابي النيجيري إلى أسر أسند أمر الإشراف عليها إلى طالب من الدراسات العليا، وقد أقام هذا الوفد على ضيافة الجامعة حتى أدوا فريضة الحج. (٥) الجامعة الإسلامية ومخيم جامعات الخليج في الحج

стр. 11203

اشتركت الجامعة الإسلامية وجامعات المملكة مع جميع جامعات دول الخليج في إقامة مخيم يبلغ عدد طلابه من مختلف الجامعات المشتركة فيه ١٥٠٠ ألف وخمسمائة طالب منهم ١٠٠٠ طالب من الجامعة الإسلامية اختيروا من أحسن الطلاب خلقا وسلوكا ونشاطا ومن طلبة الدراسات العليا والسنوات النهائية في كليات الجامعة. وقد التزمت الجامعة الإسلامية بتقديم كثير من الخدمات لهذا المخيم الإسلامي الكبير ومن ذلك تأمين وسائل الانتقال من مكة والمدينة لضيوف الرحمن في هذا المخيم من خارج المملكة بعدد ١٥ حافلة كبيرة (أتوبيس) وتأمين وايت ماء وسيارة جيمس وأربع سيارات وانيت واستضافة عدد ٥٠٠ طالب و.٢ مشرفا أثناء زيارتهم المدينة المنورة بعد الحج وتحمل نفقات ١٠٠ طالب من خارج المملكة تبلغ نفقاتهم خمسين ألف ريال. (٦) مساهمة الجامعة مع الأمانة العامة للتوعية في الحج تمّ ترشيح ٢٠ طالبا للقيام بواجب الترجمة لدى الأمانة العامة للتوعية الإسلامية في الحج بمكة المكرمة من ١٥/ ١١ إلى ٢٠/ ١٢/ ١٤٠١ هـ وروعي في اختيارهم تمثيلهم لكافة لغات العالم الإسلامي مثل الأردية والفارسية والهوسا واليورا والسواحلية إلى جانب اللغات الأوربية. (٧) الإعداد لمؤتمر الدعوة والدعاة في الجامعة الإسلامية وافق صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأعلى للجامعة على إقامة مؤتمر الدعوة وإعداد الدعاة في مقر الجامعة في طيبة الطيبة. وقد صرح فضيلة الدكتور عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة بأن الجامعة الآن تتخذ الإجراءات لإقامة هذا المؤتمر إذا توفرت البحوث العلمية الكافية إن شاء الله ولذا تكونت لجنة لمتابعة البحوث التي ترد من علماء المسلمين في كل مكان وكذا لوضع الخطط اللازمة علميا لإنجاح هذا المؤتمر حتى يؤتي ثماره المرجوة خدمة للإسلام ونفعا للمسلمين.

стр. 11204

إزالة الشبهة عن حديث التربة فضيلة الشيخ عبد القادر السّندي المحاضر بكلية الحديث الشريف بالجامعة معنى الحديث وأما معنى هذا الحديث فهو معنى واضح كما يظهر ذلك من ترجمة الباب التي عقدها الإمام النووي رحمه الله تعالى إذ قال: (باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇ أي أنه قصد رحمه الله تعالى من هذه الترجمة أن ابتداء الخلق كان يوم السبت كما في هذا الحديث لا في يوم الأحد كما زعمه من زعمه من بعض أهل التفسير والتاريخ وقد تكلم على هذا الموضوع الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه (تاريخ الأمم والملوك) وذهب إلى إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد بناء على سياقه تلك الأسانيد الضعيفة الواهية الآتية ثم رد عليه الإمام الفقيه المحدث والمؤرخ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبى الحسن الخثعمي السهيلي المولود بمدينة مالقة سنة ٥٠٨ هـ والمتوفى بمصر سنة ٥٨١ هـ في كتابه البارع النفيس الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه أحاديث السيرة النبوية للإمام عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨هـ. وأنا أسوق تلك الأسانيد والمتون التي ساقها الإمام أبو جعفر ثم اعتمد عليها ولا يجوز الاعتماد عليها كما سوف يظهر لك جليا واضحا إن شاء الله تعالى إذ قال رحمه الله تعالى في تاريخه [١] : واختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق السموات والأرض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد ثم قال: ذكر من قال ذلك ثم ساق إسناده بقوله: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال عبد الله بن سلام: أن الله ﵎ ابتدأ الخلق، فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين.

стр. 11205

قلت: رجال هذا الإسناد كلهم ثقات ولكنه موقوف على عبد لله بن سلام رضي الله تعالى عنه وهو معروف ﵁ بروايته عن أهل الكتاب وليس في قوله هذا حجة وقد ثبت أنه روى هذا القول عن أهل الكتاب وليس هو بمرفوع كما سوف يأتي تفصيله قريبا إن شاء الله تعالى، ثم ساق أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الثاني عن طريق أبا معشر السندي عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه بنحو ما تقدم آنفا وهذا الإسناد لا يحتج به لكونه ضعيفا ولكن المعنى قد ثبت عن طريق الإسناد المتقدم، ثم ساق إسناده الثالث عن طريق شيخه محمد بن حميد الرازي أبي حيان- وهو متهم بالكذب عن كعب الأحبار، وفيه: إن الله بدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد والاثنين وهذا الإسناد لو كان صحيحا لما كان فيه حجة لما قلت بمثله في عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار رحمه الله تعالى، أكثر رواية عن أهل الكتاب. وقد أجمع علماء التفسير على ذلك ولكن الإسناد ضعيف جدا لا يحتج بمثله. ثم ساق الإمام أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الرابع في هذا الموضع بقوله: حدثني محمد بن أبي منصور الآملي، حدثنا على بن الهيثم.- هكذا في المطبوعة- والصحيح على بن الميثم بالميم- عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام﴾ قال من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة ابتدأ الخلق يوم الأحد اهـ. قلت: هذا إسناد موضوع مكذوب مختلق على الإمام الضحاك بن المزاحم الهلالي أبى القاسم الخراساني وهو من الطبقة الخامسة، وكانت وفاته بعد المائة بمدة وفي إسناد هذا المتن المقطوع على بن الميثم العوفي أحد الرافضة، قال الحافظ في لسان الميزان [٢] حكى عنه النظام قال: كنا نكلمه فيذكر ما يذهب إليه ثم ذكر الحافظ بقية الكلام وفيه أثبت أنه كان كذابا.

стр. 11206

وفي هذا الإسناد رجل يسمى المسيب بن شريك قال الإمام الذهبي في الميزان: هو أبو سعيد التميمى الشقرى الكوفي، عن الأعمش، قال يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري سكتوا عنه، وقال مسلم وجماعة: متروك، وقال الدارقطني: ضعيف ثم ذكر بقية الجرح. قلت: لا يصلح للاعتبار والشواهد، والمتابعات فضلا أن يكون حجة والله تعالى أعلم. ثم ساق أبو جعفر رحمه الله تعالى إسناده الخامس بقوله: حدثنى المثنى، حدثنا الحجاج. حدثنا أبو عوانة. عن أبي بشر، عن مجاهد قال: بدأ الخلق يوم الأحد. قلت: المثنى فما هذا الإسناد هو المثنى بن إبراهيم الآملى ولم أجد له ترجمة في المراجع التي بين يدي والغالب على الظن أنه مجهول ولو كان الإسناد صحيحا لما كان فيه حجة لأنه كلام مقطوع من قول مجاهد بن جبر المكي رحمه الله تعالى وقد خالف قوله هذا نص صحيح مرفوع عن رسول الله ﷺ كما سوف يأتي قريبا. وأثر مجاهد السابق أخرجه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره [٣] وهو برقم ١٤٧٧٣ وقال في تفسيره بعد سياق الإسناد عن مجاهد رحمه الله تعالى بدأ خلق العرش والماء، والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدأ الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وجميع الخلق في يوم الجمعة وتهودت اليهود يوم السبت ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون ثم استوى على العرش اهـ. هكذا ساق الإسناد والمتن في التفسير عن مجاهد بن جبر المكي يرحمه الله تعالى وكان من الواجب عليه رحمه الله تعالى أن يسوق الإسناد والمتن المرفوع الصحيح الذي ساقه في تاريخه وهو إسناد صحيح ومتن مرفوع عن طريق شيخيه القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصدائي كما سوف يأتي قريبا وقد مضى في تخريج الحديث سابقا.

стр. 11207

والجواب عن هذا الإسناد الأخير مع صحة إسناده إلى مجاهد بن جبر المكي رحمه الله تعالى بأنه متن مقطوع ولو كان موقوفا صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم تكن فيه حجة البتة لثبوت حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والبيهقي في الأسماء والصفات والنسائي في السنن الكبرى وابن مردويه في تفسيره وابن جرير الطبري في تاريخه وهو ينص على أن ابتداء الخلق كان في يوم السبت كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون كان ابتدأ الخلق يوم الأحد فما حدثنا به هناد بن السري، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال عن عكرمة، عن ابن عباس، قال هناد: وقرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين أه. قلت: الإسناد الأول الذي ساقه عن محمد بن إسحاق عن طريق محمد بن حميد الرازي أبى حيان وهو متهم بالكذب وقد مضى الكلام فيه ولا يثبت بمثل هذا الإسناد شيء الا إنما اسند إلى ابن إسحاق من قوله من ابتداء الخلق عند أهل التوراة وأهل الإنجيل، وأهل الإسلام فهو ثابت عنه رحمه الله تعالى وقد حذفه الإمام العلامة ابن هشام المعافري عند اختصاره سيرة ابن إسحاق وقد أثبته الإمام المحدث الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف وهو شرحه لأحاديث سيرة ابن هشام المختصرة كما يأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في موضعه.

стр. 11208

وأما سياق الإسناد الذي ساقه الإمام أبو جعفر الطبري عن طريق شيخه هناد بن السري التميمي، والذي فيه إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد والاثنين فهو إسناد ضعيف جدا ولا يحتج بمثله- ولا يصلح للاعتبار فضلا أن يكون حجة لأن في إسناده راويين ضعيفين وهما أبو بكر بن عياش الكوفي المقرئ قال الإمام الذهبي في الميزان [٤] قال أبو نعيم: لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطا منه، وكان يحيى بن سعيد لا يعبأ به إذا ذكر عنده كلح وجهه، وقال الإمام أحمد: كثير الغلط جدا وفي إسناد هذا الخبر أبو سعد البقال وهو سعيد ابن مرزبان العبسي مولاهم أبو سعد البقال الكوفي الأعور ضعيف مدلس، قال الإمام الذهبي في الميزان [٥] : كوفي مشهور تركه الفلاس، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس، وقال البخاري منكر الحديث.

стр. 11209

قلت: هذا الإسناد الذي ساقه الإمام محمد بن جرير الطبري في تاريخه لا يحتج به لو كان منفردا فكيف إذا عارضه حديث صحيح أخرجه مسلم والإمام أحمد في مسنده وابن جرير الطبري في تاريخه بإسناد صحيح. ثم قال أبو جعفر: وأما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت فما حدثني به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن على الصدائي قالا: حدثنا حجاح قال: ابن جريج أخبرنا إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبى هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم ذكر الحديث الذي أنا بصدد الكلام حوله، ثم قال أبو جعفر رحمه الله تعالى -في نهاية هذا الحديث الصحيح إسنادا ومتنا-: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السماوات والأرض يوم الأحد لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك، فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك فإنه إنما استدل بزعمه على أن ذلك كذلك؛ لأن الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة وذلك يوم السابع وفيه استوى على العرش وجعل ذلك اليوم عيدا للمسلمين، ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة قوله، فيما حكينا عنه من ذلك، هو الدليل على خطئه فيه؛ وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من تنزيله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم ذكر الإمام أبو جعفر هذه الآيات القرآنية التي نصت على أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام اه.

стр. 11210

قلت: وكان من الواجب على الإمام أبى جعفر رحمه الله تعالى أن يقارن بين هذه الأسانيد التي ساقها في ترجيح أحد القولين في ضوء صحة هذه الأسانيد، وإلا لم يكن لسياقه هذا لتلك الأسانيد الكثيرة كبير فائدة، مادام ذهب أخيرا إلى تركها كليا؛ لأن القرآن يعارضها وكان يكفي له رحمه الله تعالى في أول القول أنها معارضة بآيات القرآن الكريم كما فصل أخيرا دون أن ينظر نظرته العلمية في ترجيح هذه الأسانيد صحة وضعفا، ومن هنا قد تصدى له في الرد عليه الإمام العلامة الحافظة عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف [٦] إذ قال رحمه الله تعالى (قال المؤلف) أي ابن إسحاق: وكان اليهود إنما اختاروا السبت لأنهم اعتقدوه اليوم السابع ثم زادوا في كفرهم، أن الله استراح فيه -تعالى الله عن قولهم-، لأن بدأ الخلق عندهم الأحد، وآخر الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق الجمعة وهو أيضا مذهب النصارى، فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام في زعمهم وقد شهد الرسول ﷺ للفريقين بإضلال اليوم وقال في صحيح مسلم: أن الله خلق التربة يوم السبت، فبين- الرسول ﷺ في هذا الحديث- أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق السبت، وآخر الأيام الستة الخميس وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري اه.

стр. 11211

قلت: هكذا رد العلامة السهيلي على القائلين بأن الأحد هو الأول من الأيام التي وقع فيه الخلق مستدلا من هذا الحديث الذي أنا بصدد الكلام حوله، وعليه اعتمد ابن إسحاق في قوله وغيره من أصحاب الحديث والتاريخ والسير. ثم قال العلامة السهيلي في الروض [٧] : في تسمية هذه الأيام بالاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال أن أول الأسبوع الأحد وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب، ليس الأمر كذلك؛ لأنها تسمية طارئة وإنما كانت أسماءها في اللغة القديمة شيار، داول، واهون، ذجبار، ددبار، ومونس، والعروبة، وأسماءها بالسريانية قبل هذا أبو جاد، هو، زحطى، إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هي تسمية صادقة على المسمى به، ولكنه لم يذكر فيها إلا الجمعة والسبت وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا لتسميتها، ولعل قومه إن يكونوا قد أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فالفوا عليها هذه الأسماء أتباعا لهم، وإلا فقد قدمنا ما ورد في الصحيح من قوله ﵊ إن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد الحديث. والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث، واعنف في الرد على ابن إسحاق وغيره، ومال إلى قول اليهود في أن الأحد هو الأول ويوم الجمعة السادس لا وتر، وإنما الوتر في قولهم يوم السبت مع ما ثبت من قوله ﵊ أضلته اليهود والنصارى وهداكم الله إليه وما احتج به الطبري من حديث آخر فليس في الصحة كالذي قدمناه اهـ.

стр. 11212

قلت: هكذا رد العلامة السهيلي على الإمام أبى جعفر الطبري مع تبحره في العلم على ترجيحه بلا مرجح، وذهابه إلى قول اليهود والنصارى وتركه هذه السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي ساق إسنادها عن طريق شيخيه القاسم بن بشر بن المعروف والحسين بن على بن يزيد الصدائي وكلاهما معروف بالعدالة والضبط. وأما تعارض هذا الحديث أعني حديث أبى هريرة رضي الله تعالى عنه بنص القرآن الكريم الوارد في سبع مواضع في كتاب الله تعالى فسوف يأتي الكلام حوله عند الكلام على معنى خلق آدم ﵊ الذي ورد ذكره في هذا الحديث الشريف وأن خلقه قد تأخر عن خلق السماوات والأرض وما بينهما بآلاف السنين وليس هناك تعارض البتة كما يأتي مفصلاً. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى في الأنوار الكاشفة [٨] في الرد على أبي رية: أما الوجه الثالث فالآثار القائلة إن ابتداء الخلق يوم الأحد ما كان منها مرفوعا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير- أي حديث أبى هريرة الذي أنا بصدد الكلام حوله والذي أخرجه مسلم وغيره- وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام، وكعب ووهب ومن يأخذ عن الاسرائيليات اهـ. قلت: وقد بحثت هذه الأسانيد التي أشار إليها العلامة المعلمي رحمه الله تعالى، فإن الأمر كما ذكر رحمه الله تعالى بل أشد وأعظم مما ذكر ثم قال رحمه الله تعالى: وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليدا لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت، وانتشرت فلم ير ضرورة إلى تغييرها، لأن إقرار الأسماء التي قد عرفت واشتهرت، وانتشرت لا يعد اعترافا بمناسبتها لما أخذت فيه أو بينت عليه، إذ قد أصبحت لا تدل على ذلك، وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام اهـ.

стр. 11213

ثم قال رحمه الله تعالى: إن هذا ذكره السهيلي في الحوض الأنف وهو كما قال رحمه الله تعالى، وكلامه كما ترى وجيه سديد. وهنا اكتفى بالكلام حول الجزء الأول على معنى الحديث وقد ثبت بهذا أن ابتداء الخلق كان يوم السبت كما في هذا الحديث الصحيح. وأما الكلام حول الجزء الثاني من معنى هذا الحديث فهو خلق آدم ﵇ ثم عدم ورود ذكر خلق السماوات في الحديث لفظا فإني أفرد الكلام حوله مبتدءً على خلق آدم ﵊ وأنه خلق متأخر عن خلق السموات والأرض بآلاف السنين ثم جمع في هذا الحديث بين الخلقين المتقدم والمتأخر، ومن هنا ظهر التعارض الظاهري بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف الذي تكلم عليه تخريجا وإسنادا. وإلى هذا المعنى الواضح البين أشار الإمام أبو عبد الله الحاكم في مستدركه. متى كان خلق آدم

стр. 11214

أخرج الحاكم أبو عبد الله في مستدركه [٩] حديثا بإسناده الصحيح، إذ قال رحمه الله تعالى: أخبرني عبد الله بن موسى الصيدلاني، ثنا إسماعيل بن قتيبه، ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن بكر، بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد كان فيها قبل أن يخلق- آدم- بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يعنون الجن بني الجان، فلما افسدوا في الأرض بعث عليهم جنودا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، قال: فقالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها كما فعل أولئك الجن بنو الجان؟ قال: فقال الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال الحاكم -مبينا درجة إسناد هذا الحديث-: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الإمام الذهبي في التلخيص: صحيح وعزاه السيوطي في الدر المنثور [١٠] إلى الحاكم في المستدرك وصححه ثم ذكر الحديث بطوله.

стр. 11215

والشاهد في هذا الحديث هو أن آدم ﵊ لم يكن خلقه داخلا في الأيام الستة المذكورة في القرآن الكريم وإن خلقه قد تأخر عن خلق السماوات والأرض مدة طويلة، كما في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وابن أبى حاتم في تفسيره ونقله ابن كثير في تفسيره [١١] بإسناد ابن أبى حاتم، وفيه خطأ في إسناده في النسخة المطبوعة، وهو بعد ذكر الإسناد يقول عن مجاهد عن عبد الله بن عمر وهذا خطأ مطبعي وقع في جميع نسخ ابن كثير المطبوعة والصحيح عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن كان قد ثبت سماع مجاهد عن العبادلة الأربعة إلا أن هذا الإسناد الذي ساقه ابن كثير عن تفسير ابن أبى حاتم وهو مخطوط لا يصح السماع عن طريقه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما والله أعلم بالصواب. ولهذا يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في "الأنوار الكاشفة" [١٢] : ويجاب عن الوجه الثاني بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل أن خلق آدم كان في الأيام الستة ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أن خالقية الله وقفت بعد الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق أدم في أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم عاشوا فيها دهرا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السماوات والأرض. فتدّبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضح لك إن شاء الله تعالى أن دعوة مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد اهـ.

стр. 11216

قلت: وقد نص القرآن الكريم على تأخير خلق آدم ﵊ كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ والشاهد في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى أخر خلق آدم ﵊ عن خلق الملائكة كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتقدم والذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وابن أبى حاتم في تفسيره كما نقله الإمام ابن كثير وإلى هذا المعنى يشير قوله جل وعلا في سورة الرحمن ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . قال العلامة الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره [١٣] حدثنا أبو كريب قال ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبى حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة يخلق بكل نطرة، ويحيا ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء. وقد أورده الإمام ابن كثير في تفسيره [١٤] وسكت عن بيان درجة إسناده.

стр. 11217

قلت: وفي إسناده أبو حمزة الثمالي واسمه ثابت بن أبى صفية الثمالي بضم المثلثة، قال الحافظ في التقريب [١٥] : كوفي ضعيف رافضي من الخامسة، مات في خلافة أبي جعفر ورمز له بأنه من رجال أبى داود في السنن وابن ماجة، والشاهد في هذه الرواية الضعيفة التي هي تصلح للاستشهاد هو معنى كل يوم هو في شأن أي: يخلق، ولهذه الهواية الموقوفة التي لها حكم الرفع لو صح إسنادها شاهد قوي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره وذلك من مرسل قتادة بن دعامة السدوسي إذ قال ابن جرير الطبري حدثنا ابن بشار قال: ثنا مروان، قال ثنا أبو العوام، عن قتادة ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ قال: يخلق خلقا، ويميت ميتا، ويحدث أمرا.. هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات يحتج بهم وقد ثبت بذلك هذا المعنى أي أنه يخلق كل يوم ويميت ويحدث الأمر، ويوم السبت داخل في الأيام التي يخلق فيها الرب خلقه فلو كان الأحد هو أول الأيام التي ابتدأ الله فيها الخلق لكان قول اليهود والنصارى صادقا كما سبق الرد عليه من قبل العلامة السهيلي على الطبري. ومع أن تلك الأسانيد التي ساقها الإمام أبو جعفر وفيها أن الأحد هو أول الأيام الستة هي موضوعة ومنكرة كما مضى تحقيقه وبيانه في الكلام على إسناد حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأما قول الشيخ عبد القادر القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية [١٦] وقد روى مسلم أيضا خلق الله التربة يوم السبت، واتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق وأن ابتداء الخلق يوم الأحد.

стр. 11218

فقلت: لم أقف على هذا الاتفاق الذي أشار إليه العلامة القرشي رحمه الله تعالى وإنما هو قول للعلامة أبي جعفر الطبري في تاريخه ولم ينقل الاتفاق وكان يرد بذلك على الإمام محمد بن إسحاق صاحب السيرة القائل بأن ابتداء الخلق كان في يوم السبت وقد أيده العلامة السهيلي في الروض الأنف كما مضى، ورد على ابن جرير الطبري ردا علميا ونقله العلامة المعلمي في الأنوار الكاشفة وأيده بالأدلة العقلية والنقلية كما مضى أنفا. وخالفهم الإمام العلامة الحافظ ابن القيم في المنار المنيف [١٧] إذ قال رحمه الله تعالى: ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة، ثم ذكر الحديث، ثم قال وهو في صحيح مسلم ولكن وقع الغلطة في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير. وقال غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام والله تعالى أعلم. اهـ. وهكذا نقل الإمام ابن كثير في تفسيره ثم ذهب إلى تضعيف الحديث، وأمانة العلم تقتضي نقل كلام أهل العلم هنا في هذا الموضع، وإني مع ضعف إدراكي وقلة بصيرتي وحيلتي أطمئن إلى ما قاله الإمام البيهقي في الأسماء والصفات والعلامة ابن إسحاق صاحب السيرة والسهيلي في الحوض الأنف وأخيرا العلامة عبد الرحيم بن يحي المعلمي في الأنوار الكاشفة، وأزال التعارض الظاهري الواقع بين الحديث ونص القرآن الكريم. وما ذكره الشيخ عبد القادر القرشي من الاتفاق فغير موجود، بل نصُّ القرآن الكريم يخالف هذا الاتفاق إن وجد ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كما سبق تفسيره عن ابن عباس وقتادة رضي الله تعالى عنهما. وأما ما نقله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى- عن أبو هريرة عن كعب وهو أصح.

стр. 11219

قلت: وقد ثبت عن كعب الأحبار أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد كما سبق بيانه وفي هذا الحديث الذي أخرجه مسلم لو كان ما ذكره الإمام البخاري في تاريخه صحيحا لكان التعارض واقعا بين قولي كعب الأحبار كما لا يخفى فما هو الراجح. وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي في الفتح الرباني [١٨] بعد إيراده حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: وقوله يوم السبت فيه رد زعم اليهود أنه ابتدأ في خلق العالم يوم الأحد وفرغ يوم الجمعة، واستراح السبت، قالوا: ونحن نستريح فيه كما استراح الرب. وهذا من جملة غباوتهم، وجهلهم، إذ التعب لا يتصور إلا على حادث. قال تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ثم ذكر تخريج الحديث. وأورد في الحديث الساعاتي في نفس المجلد [١٩] وأحال على الصفحة الثامنة من هذا المجلد. والمقصود من هذا النقل هو بيان ما وقعت فيه شبهة التعارض بين نص القرآن الكريم وبين حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي صححه الحفاظ والنقاد، كمسلم، ويحيى ابن معين، والدولابي، والبيهقي، والثقفي وابن مندة، كما نقل هذا التصحيح فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير [٢٠] ويقول أنه تكلم على هذا الحديث في الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٣٣ وهذا الجزء لم يطبع حتى الآن، ولما جمع حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في متنه التخليقين في وقتين متغايرين ظهر التعارض الظاهر وإلاّ فليس هناك تعارض البتة كما قيل ونقل أنفا. لماذا لم يرد ذكر خلق السماوات في الحديث؟

стр. 11220

ولما لم يرد ذكر خلق السماوات في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أثار الإشكال في بعض الأذهان مع بقية التعارض الظاهري. قال الإمام المناوي في فيض القدير [٢١] وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، ثم ذكر بقية الكلام، وهكذا نقل عنه الشيخ أَحمد الساعاتي في الفتح الرباني [٢٢] أجاب عن هذا الإشكال العلامة المعلمي في الأنوار الكاشفة [٢٣] ، إذ قال رحمه الله تعالى أما الوجه الأول فيجاب عنه بأن الحديث وإن لم ينص على خلق السماء فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس النور، وفي السادس الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الإجرام السماوية. والذي فيه أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في الخطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله لا يشغله شأن عن شأن اهـ. قلت: هذا الذي ذكره لم يعزه إلى النقل الصحيح من الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو إلى مصادر أخرى ينبغي الاعتماد عليها. وأنا قد سألت عن هذا الموضوع بعض من يدرس العلوم الكيماوية والجيولوجية فقال: أن الأمر لصحيح مائة في المائة وقد تكلم على هذا الموضوع كلاما طويلا، ولكن البحث في حاجة إلى التدقيق والتحقيق العلمي والله تعالى أعلم بالصواب. خلق آدم في يوم الجمعة

стр. 11221

ثم تعرض حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في آخر ألفاظه لخلق آدم ﵊، كما قال الإمام النووي عند عقده الباب على هذا الحديث في شرحه على مسلم إذ قال رحمه الله تعالى: "باب ابتداء الخلق"، وخلق آدم ﵇، وجاء في هذا الحديث أن آدم خلقه الله تعالى يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل. وفي هذا اللفظ إشارة واضحة إلى تأخير خلق آدم ﵊ عن خلق السماوات والأرض- في أخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره وأشار إلى هذا المعنى الواضح، نص القرآن الكريم في سورة البقرة كما مضى بيانه وإيضاحه وتحقيقه، ولهذا المعنى الوارد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه شواهد كثيرة وهي صحيحة. وإني أحب إيرادها في هذا المقام لكي يتضح المعنى ويرفع الغبار وينجلي الشك.

стр. 11222

فقد أخرج مسلم في الصحيح وأبو داود في السنن، وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما وكذا بن المنذر -كلهم- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط عنها، وفيه مات، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة" وقد تعرض لهذا الموضوع الحافظ في الفتح [٢٤] : واثبت خلق آدم ﵊ يوم الجمعة بروايات عديدة، وآثار كثيرة وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه [٢٥] بإسناد صحيح، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده هذا المعنى بإسناد صحيح في مواضع عديدة [٢٦] ؛ وذلك في مسند أبي ريبة رضي الله تعالى عنه، وقد أخرج هذا المعنى أيضا الإمام أحمد في مسنده [٢٧] بإسناد حسن، وذلك في مسند أبي لبابة بن المنذر البدري رضي الله تعالى عنه إذ قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا زهير يعني ابن محمد، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن أبى لبابة البدري بن المنذر، إن رسول الله ﷺ قال: "سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عنده، وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال، خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض ... "، ثم ذكر الحديث بطوله، وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه من هذا الوجه [٢٨] ، وأخرج أيضا هذا المعنى بإسناد صحيح [٢٩] وذلك في مسند أوس ابن أبي أوس الثقفي وهو أوس بن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وفيه: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا علّي من الصلاة"، وقد عزا الإمام السيوطي في الدر المنثور [٣٠] هذا الحديث إلى ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في المستدرك.

стр. 11223

قلت: وأخرجه أيضا القاضي الإمام إسماعيل بن إسحاق المتوفى سنة ٢٨٢ هـ في رسالته فضل الصلاة على النبي ﷺ [٣١] حديث رقم ٢٢ وهذه هي الشواهد الكثيرة التي فيها أن الله خلق آدم ﵊ يوم الجمعة، وهي تؤيد معنى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أنا بصدد الكلام حوله، والدفاع عن صحة إسناده، والرد على الشيخ أبي رية وغيره من أهل العصر الذين يتكلمون في مثل هذه المواضيع بدون علم ولا فقه، ثم يطعنون في السنة النبوية كلها، مع بعدهم عن حقائق هذه الدراسة الإسنادية والتخريجية؛ ومن هنا كان كلامه واتهامه لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه في وضع هذا الحديث من تلقاء نفسه دون أن يكون هناك صدق مما أخبر به الله تعالى عنه في زعم أبي هريرة، ولذا يقول العلامة المعلمي رادًّا عليه في هذا الاتهام: أقول: لم يقع شيخنا رضي الله تعالى عنه في هوة ولا قال أحد من أهل العلم أنه وقع فيها، أما إذا بنينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وهو الحق -إن شاء الله تعالى- فواضح. وأما على ما زعمه ابن المديني فلم يصح عن أبي هريرة ولا عمن روي عنه ولا عن الثالث شيء من هذا، قوله أخذ رسول الله بيدي فقال: "خلق الله التربة"، وأما على حدس البخاري، فحاصله أن أيوب غلط، وقع له عن أبي هريرة خبران أحدهما أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: فذكر حديثا صحيحا غير هذا والثاني قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت فالتبس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع مقول رسول الله ﷺ وقد تقدم اهـ.

стр. 11224

قلت: هكذا العلم والتحقيق، وأما اتهامكم أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بالكذب قبل دراسة أحوال الرواة وظروفهم فهذا الشيء ينبئ عن عداوة شنيعة قبيحة في القلب، والله تعالى أعلم بها، وأما الجهل بحقيقة الحال أو وجود كلا الأمرين في الرجل، فالله تعالى أعلم به، وإني مع هذه النقول الكثيرة وقلة الإطلاع على ما قاله السلف في هذا الموضوع لا ادعي الصواب فيما نقلته واعتقدته من صحة هذا الحديث إسنادا ومتنا، وواقعة ولي حق أن أطمئن إلى أحد الطرفين في ضوء الحجة، فإني أدين الله تعالى بما ذهب إليه جملة كبيرة من أهل التحقيق والعلم من صحة هذا الإسناد والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى أله وصحبه أجمعين. العلم.. والمثل العليا إن الفصل بين الواقع الإنساني والمثل العليا، مهد للعلم المنشق عن الدين أن يزعم أنه يتعامل مع الموجود المادي الملموس، أي أنه لا يتعامل مع غايات الحياة وأهدافها ومقاصدها الرفيعة، وهكذا نجد أن كلّ نقد يوجه للدين الجزئي يمكن أن يوجه للعلم الجزئي كذلك، فالدين الذي يتجاهل الواقع البشري ويتعامى عن مشكلاته يتطابق مع العلم الذي يتعامى عن العقائد والمثل العليا ويفصلها عن الحياة. فإذا كان الأول يتجاهل الحياة الواقعية القائمة ويتجاهل خبرات الإنسان نفسها، فإن العلم القاصر عن المثل العليا يهبط إلى المادي الملموس والمسموع والمنظور، مجرداً من القيم الإنسانية، ويصبح سلعة تكنولوجيا يمكن لأي شخص أن يشتريها لأي غرض، ويصبح العلماء مرتزقة يتكسبون بالعلم في أي مكان، كما حدث لعلماء الإيمان الذي عملوا للأهداف النازية والشيوعية والأمريكية.

стр. 11225

لقد علمتنا العقود الأخيرة القليلة بأن العلم قد يصبح خطراً يهدد مقاصد الإنسان العليا، وأن العلماء قد يصبحون وحوشا طالما أن العلم أصبح كلعبة الشطرنج، متعسفاً لا هدف له، غايته الوحيدة اكتشاف الوجود المحسوس. وبذلك ارتكب العلم الخطأ الفادح المصيري الذي يقصي أسمىَ الخبرات الذاتية من ميدان الوجود القابل للاكتشاف. المجلة الإسلامية المغربية -------------------------------------------------------------------------------- [١] تاريخ الطبري ١/٢٢-٢٤ [٢] لسان الميزان ١/٢٦٥ [٣] تفسير الطبري: ١٢/٤٨٢ [٤] الميزان،٤/ ٤٩٩-٥٠٣ [٥] الميزان، ٢/١٥٧-١٥٨. [٦] الروض الأنف، ٢/٢٧٠. [٧] الروض الأنف، ٢/٢٧١. [٨] الأنوار الكاشفة، ص١٩١ [٩] المستدرك، ٢/٢٦١. [١٠] الدر المنثور،١/٤٤-٤٥. [١١] تفسير ابن كثير، ١/١٢٣. [١٢] الأنوار الكاشفة،١٩٠. [١٣] تفسير الطبري، ٢٧/ ١٣٥. [١٤] تفسير ابن كثير،٦/ ٤٩١. [١٥] التقريب،١/١١٦. [١٦] جواهر المنية في طبقات الحنفية، ٢/٤٢٩. [١٧] المنار المنيف، ص٨٤.فصل١٩. [١٨] الفتح الرباني،٨/٢٠. [١٩] الفتح الرباني،٢٨/٢٠. [٢٠] صحيح الجامع الصغير،٣/ ١١٣. [٢١] فيض القدير، ٣/٤٤٨. [٢٢] الفتح الرباني،٨/٣٠. [٢٣] الأنوار الكاشفة، ١٩٠. [٢٤] فتح الباري، ٣/٣٥٦. [٢٥] تاريخ الطبري، ١/٥٨. [٢٦] مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٢/٤١٨. ٢/٤٨٦. ٢/٥٠٤. ٢/٥١٢. ٢/٥٤٠. [٢٧] مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٣/٤٣٠. [٢٨] تاريخ الطبري، ١/٥٦. [٢٩] تاريخ الطبري، ٤/٨٥. [٣٠] الدر المنثور، ٦/٢٢٦. [٣١] فضل الصلاة على النبي، ص ١١.

стр. 11226

مسلك القرآن الكريم في إثبَات البعث د. علي بن محمد بن جبر الفقيهي تمهيد: خلق الله العباد لطاعته، وكلفهم بعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات آية ٥٦) ، وقد رسم لهم سبيل الخير، كما بين لهم طرق الشر، ولما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد لقبول الخير والشر، كما قال تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس آية ٧- ٨) فقد يطغى جانب الشر أحيانا على جانب الخير، استجابة لداعي الشهوة الموجودة في الطبيعة البشرية، فهي غالبا ما تجنح بصاحبها إلى تعدي الحدود التي يتحتم على المرء ألا يتجاوزها، فيوقع الظلم على الآخرين. وواقع الحال يبين لنا أن كثيرا ممن ارتكبوا تلك الجرائم في حق غيرهم، وأوقعوا الظلم بالآخرين قد غادروا هذه الحياة الدنيا، ولم ينل المظلوم حقه منهم، مع العلم بأن كل ذلك واقع بعلم الله القوي القادر السميع البصير، الذي يمهل ولا يهمل، والذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما.

стр. 11227

ولما كان الظالم والمظلوم قد غادرا هذه الحياة الدنيا، ولم يأخذ المظلوم حقه من ظالمه ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص، وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم كان لا بد من حياة أخرى، غير هذه الحياة، يتم فيها تقاضي الحقوق بين العباد ويقتص فيها للمظلوم من الظالم. هذه الحياة هي التي تكون في الآخرة، حين يبعث الله الناس من قبورهم، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (المعارج آية ٤٣) ولذا كان من المحتم على المرء الاعتقاد، بوقوعه وتحققه. وهذا أمر يرشد إليه العقل، ويحتمه المنطق، وتدل عليه النصوص الدينية، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون آية ١١٥) . وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثم كان ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة الآيات من ٣٦- ٤٠) . لكن كثيرا من الناس قد ضلوا في هذا الباب، فقصرت عقولهم عن إدراك هذا المعنى فأنكروا البعث بعد الموت، بلا دليل، سوى أنه استبعدوا وقوعه بعد تفتت الأجساد وتمزقها. قضية البعث:

стр. 11228

ولما كانت قضية البعث والحساب، وإعادة الحياة إلى الموتى بعد تفتت تلك الأجساد واختلاطها بأجزاء الأرض، من معضلات العقيدة، شأنها في ذلك شأن قضية الوحدانية، في الغرابة والاستبعاد، وقد اقتضى هذا الاستبعاد تعجب المنكرين للبعث ووقوعه، ممن يقولون به، ويؤمنون بوقوعه؛ قال تعالى -مبينا وموضحا تعجب هؤلاء المنكرين-: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ (ق آية ١- ٣) . لذلك فقد سلك القرآن الكريم لإثباتها مسالك مختلفة في طريقة العرض والاستدلال، فتارة يذكر الشبهة ثم يرد عليها، وأخرى يذكر الدليل أولا وبعد استقامته يورد القضية، وحيناً يخبر عن وقوع ذلك البعث والحساب خبرا قاطعا، مع طي الدليل لوضوحه. وقد تجلى مسلك القرآن الكريم في عرضه للقضية بأسلوبه الفطري السهل الواضح؛ لأنه خطاب للفطرة البشرية بما هو في متناول إدراكها وقد عنى القرآن الكريم بقضية البعث عنايته بقضية الوحدانية، فكما تعددت الآيات الدالة على إثبات الوجود الإلهي ووحدانيته فقد كثرت الآيات التي تقرر البعث. وتؤكد وقوعه. وأعظم حجة لدى المنكرين للبعث، والأحرى أن نسميها أعظم شبهة لديهم هي: استبعاد إعادة الأجسام بعد تمزقها، وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض، إذ تصبح متصورة بصورة التراب، فكيف يمكن إعادتها إلى حالتها التي كانت عليها من قبل!؟ هذا أمر غريب على عقول المنكرين، وعجيب في نفس الوقت عندهم، والحديث عنه خرافة، والمتحدث به، إما مفتر على الله الكذب، وإما مجنون سلب عقله، فخيل له جنونه ذلك الحديث وأجراه على لسانه. وقد عبر شاعرهم عن ذلك الإنكار، مبينا أن الحديث عنه خرافة بقوله: حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو أيوعدني ابن كبشه أن سنحيا

стр. 11229

وكيف حياة أصداء وهام [١] ويقول الحق جلّ شأنه، مخبرا عن ذلك الجحود العنيد والإنكار الشديد، ونسبتهم إلى قائله الجنون، أو الكذب والافتراء على الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (سبأ آية ٧- ٩) . فقد عجب كفار قريش من هذا الحديث الذي لم تستوعبه عقولهم، فظنوا أن هذا الإيجاد عبث لأن الحديث عن بعث هذه الأجسام لمجازاتها على أعمالها في حياتها الدنيا حديث خرافة، أو حديث كذب وافتراء على الله، أو مس من جنون أصاب قائله، فأجرى على لسانه هذا الحديث العجيب الغريب، ولذا فقد انطلقوا يخاطب بعضهم بعضا، بهذا القول الذي حكاه الله عنهم، قائلين ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي يحدثكم أو يخبركم بما تتعجبون منه لغرابته، وهو: إنكم إذا مزقتم كل ممزق، فتفرقت أجسامكم، واختلطت بأجزاء الأرض، فأصبحتم ترابا. ﴿إِنَّكُمْ﴾ بعد ذلك كله ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ أي ستخلقون خلقا جديدا فتعودون كما كنتم. ثم قالوا بعد ذلك التعجب والاستغراب: إن هذا الحديث الصادر من هذا الرجل، ما هو إلا افتراء على الله وكذب عليه، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ أو أن قائله مسلوب العقل فجنونه يوهمه ذلك الأمر ويلقيه على لسانه ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ .

стр. 11230

وقد بين الله . أن الأمر ليس كما ذكروا، فليس الرسول ﷺ مفتريا على الله، كما أنه لم يمسه جنون، وإنما الأمر راجع إليهم هم، فعدم إيمانهم بالآخرة المترتب على عدم الإيمان بقدرة الله، هو اختلال في العقل، وغاية الضلال عن الفهم الإدراك، لقدرة الخالق وجلال حكمته لا سيما وأدلة القدرة على ذلك مشهودة ومعاينة، ثم ذكرهم بتلك الأدلة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً﴾ الآية: أي دلالة واضحة على قدرة الله، فكيف يستبعد عليه إعادة تلك الأجسام الضعيفة بعد تفرقها، وهو القادر على خلق هذه الآيات العظيمة، من السماء والأرض، ذلك هو دليل البعث؛ لأنه يدل على كمال القدرة، ومن المقدور عليه إعادة خلق الإنسان وإيجاده مرة أخرى، وقد قرن هذا الدليل بالتهديد حيث قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، ثم بين تعالى أن المنتفع بتلك الآيات كل من يرجع إلى ربه، ويتوب إليه، لا من يتمادى في عناده وتعصبه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . مسالك القرآن الكريم: ذكرنا في التمهيد أن القرآن الكريم في معالجته لقضية البعث والجزاء، تارة يعرض شبهة المنكرين ثم يرد عليها، وأخرى يذكر الدليل على البعث أولا، وبعد أن يتقرر ويتضح يورد القضية، وحينا يخبر عن وقوع البعث والجزاء خبرا قاطعا مع طي الدليل لوضوحه. ولما كان القرآن الكريم قد أستوعب عددا كثيرا من الآيات التي تعالج هذا الموضوع فسنعرض نماذج منها تحت المسالك المشار إليها، إذ لا سبيل إلى استيعاب تلك الآيات كلها في هذا البحث. المسلك الأول: عرض الشبهة ثم الرد عليها:

стр. 11231

أشرنا في التمهيد إلى أن أعظم شبهة عند المنكرين للبعث، هي شبهة الاستبعاد، فقد قالوا: كيف يمكن إعادة الأجسام إلى حالتها الطبيعية التي كانت عليها، بعد أن صارت ترابا؟؟ ذلك أمر غير معقول عندهم. وفي النموذج التالي عرض لهذه الشبهة، وبيان لإنكارهم وتعجبهم ممن يؤمنون بالبعث، ثم دحض لتلك الشبهة، وبيان لزيفها بالأدلة الواضحة البينة المشهودة. يقول الله تعالى حاكيا عن المشركين استبعادهم وقوع البعث بعد الموت، وعدم إمكانه، وتعجبهم من شأنه وشأن القائل به: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ . ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ . ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ (ق. آية ا- ٣) . يقسم ﵎ بالقرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو تنزيل من حكيم حميد، وجواب القسم هو مضمون الكلام الآتي بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه [٢] ، ثم يحكي تعجب المشركين من أن يأتيهم منذر منهم، أي بشر من جنسهم، ولم يكون من جنس آخر كالملائكة مثلا؟ ثم يتبع ذلك بما هو أعجب عندهم من دعوى النبوة، وهو إخبار الرسول لهم، بأن بعد هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، وهي بعثهم من قبورهم أحياء، مرة ثانية، للحساب والجزاء على الأعمال الكائنة منهم في تلك الحياة الماضية، إذ كيف يمكن وقوع ذلك الحساب بعد ما تمزقت الأجسام وتفرقت بحيث أصبحت ترابا؟؟. إن القول برجعة تلك الأجسام مرة أخرى أمر مستبعد، ومستحيل في اعتقادهم، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ . لكن هذه الاستحالة وذلك الاستبعاد الذي يعبرون عنه بالنسبة لمن؟؟

стр. 11232

هل يكون بالنسبة للقدرة الإلهية التي إذا أرادت الشيء قالت له كن فيكون في نفس اللحظة من غير توقف على شيء آخر أصلاً؟؟. أو يكون بالنسبة لقُدَرهم العاجزة؟؟ الواقع أنهم يعبرون بذلك عن أنفسهم، ويستبعدون البعث ووقوعه ظنا منهم أن قدرة الله تشبه قدرتهم، فقاسوا قدرة الله على قدرتهم، وقياس الغائب على الشاهد باطل في نظر العقلاء، ولذلك صور الله هذا الظن الخاطئ في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس آية- ٧٨) ، ولذا فقد استعظمت عقولهم هذا الأمر، وجعلته في حكم المستحيل، وإلا فلو نظروا بغير هذه النظرة القاصرة، وتأملوا في أنفسهم في مبدأ خلقهم، وفيما بين أيديهم من الآيات الدالة على القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء متى ما أرادته لما صدر منهم هذا القول المنكر. وبعد ذكره تعالى للشبهة التي يتكئون عليها يبدأ في الرد عليهم فيقول: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ . ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ . ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ . ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ . ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ . ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (ق الآيات من ٤- ١١) .

стр. 11233

فنراه ﵎ يحشد في هذه الآيات عددا من الأدلة، المعنوية منها والحسية المشاهدة، التي تخاطب العقل وتستثير الوجدان. أ- الأدلة المعنوية (العقلية) : بين في الآية الأولى، أنه لا مكان لهذا الجحد، ولا وجه لذلك الاستبعاد، فإعادة الأجسام إلى ما كانت عليه أولا، بعد تمزقها واختلاطها بأجزاء الأرض من الأمور اليسيرة على القدرة الإلهية، ذلك أن إعادة الشيء المتفرق أجزاء، أو المستحيل عن صورته إلى صورة أخرى، كتحول الجسم البشري إلى صورة التراب مثلا، يتوقف على أمرين: أحدهما: العلم بتلك الأجزاء المتفرقة، أو بتلك الصورة المستحيلة عن صورتها الأصلية. ثانيهما: القدرة على إعادة تلك الأجزاء- أو تلك الصورة إلى حالتها السابقة وقد أوضحت الآية الكريمة أن علم الله شامل ومحيط، فهو تعالى يعلم أين ذهبت تلك الأجزاء وكيف تفرقت فقد عم علمه جميع الكائنات، صغيرها وكبيرها، حتى انتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكل من لحومهم وعظامهم، فإذا كان ذلك معلوما لله تعالى، ومكتوبا ومحفوظا، كما قال تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ فكيف يستبعد عليه إعادتهم –بعد حالتهم تلك- أحياء كما كانوا؟!. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ما بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما، قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق [٣] .

стр. 11234

فدل الحديث على نقص جسم الإنسان وتحلله، وذهابه في الأرض، إلا ذلك الجزء وهو عجب الذنب، الذي قيل أنه كحبة الخردل [٤] ، وفيه يركب الإنسان، فيبقى بعينه، والحديث على ظاهره عند جمهور العلماء. وقد خالف المزني فقال: إنّ ((إلا)) بمعنى الواو، أي وعجب الذنب أيضا يبلى. ورد قوله هذا بما جاء مصرحا به في رواية مسلم من أن الأرض لا تأكله أبدا. ونص الرواية في صحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنّ في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة" قالوا: أي عظم هو؟ يا رسول الله قال: "عجب الذنب" [٥] ذاك دليل العلم. أما دليل القدرة على الإعادة، فقد بينته الآيات التالية لهذه الآية، وهى الآيات المشتملة على الأدلة الحسية المشاهدة، كخلق السماء، والأرض، فالقادر على خلقهما مع عظمهما، قادر على إعادة الإنسان الضعيف من باب أولى، ثم إن الإعادة للمعدوم الممكن، من الأمور الممكنة عقلا. فالعقل لا يمنع من أن مَن قدر على إيجاد الشيء أولاً، قادر على إعادته بعد عدمه ثانيا فإن ذلك من الأمور الممكنة التي لا يستطيع العقل السليم إنكارها. وبعد أن بين الله لهم شمول علمه، وإحاطته بالجزئيات والكليات –إذ أن العالم بجزئيات الأشياء لا تخفى عليه كلياتها- بين لهم سبب اضطرابهم في أمر البعث وأنه تكذيبهم للحق الذي جاءهم من خلقهم، إذ الأخبار عنه حق، والمخبر به صادق قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي مضطرب غير مستقر.

стр. 11235

ب- الأدلة الحسية: وبعد ذكره تعالى لشمول علمه واحاطته، ثم بيانه لسبب اضطرا بهم في أمر البعث، اتجه إلى نوع آخر من الأدلة، وهي الأدلة الحسية المشاهدة، الدالة على كمال قدرته ، فقال تعالى منكرا عليهم عدم اعتبارهم بهذه الأدلة المشهودة على القدرة الإلهية: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ فهذه السماء التي يدرجون تحتها أفلا ينظرون إلى إبداعها وحسنها، وأحكام بنائها، وما زينت به من كواكب ثابتة وسيارة، ألم يأخذوا منها دليلا على القدرة المبدعة التي لا يعجزها شيء. وهذه الأرض التي يسعون عليها، أفلا ينظرون إليها، كيف مدت لهم وأرسيت بالجبال لئلا تضطرب بهم، وما أنبتنا فيها من الأنواع المختلفة الطعوم والأشكال رزقا للعباد قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ، ثم بين تعالى أن هذه الآيات الكونية جميعها أوجدها ﵎ ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ أي تبصيرا وتذكيرا ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه. ثم تابع الأدلة الحسية على البعث، فضرب لهم مثلا بإحياء الأرض بعد موتها فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ . فهذا مثل ضربه الله لمنكري البعث بما يشاهدونه من حال الأرض قبل نزول المطر عليها وهى جدباء مقفرة، فحين ينزل عليها الماء تهتز وتربو فتنبت من كل زوج بهيج، أي: حسن المنظر، وذلك بعد ما كانت يابسة لإنبات فيها، فأصبحت تهتز خضراء [٦] .

стр. 11236

فهذا مثال للبعث والإحياء بعد الموت والهلاك، ولذلك يقول جل شأنه ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ يقول جل شأنه أي مثل ذلك الإخراج للنبات من الأرض يحيي الله الموتى فيخرجهم من قبورهم أحياء للحساب والثواب والعقاب. فهذا المشاهد بالإحساس من آثار قدرته تعالى أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث؛ كخلق السماء والأرض قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف آية ٣٣) وإحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (فصلت آية ٣٩) . وكما رأينا في هذا العرض لبراهين القرآن الكريم على إثبات البعث، تلك البراهين التي لا تدع مجالا للشك عند العقل الفطري السليم في إمكان وقوعه وعدم استبعاده. فبالمقابل، ليست لدى المنكرين لوقوعه حجة يستندون إليها في إنكارهم إلا الاستبعاد المستند إلى الوهم والظن، كما قال تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً﴾ (الجن آية ٧) إذ ليس هناك علم يقيني بامتناع البعث بعد الموت وعدم إمكانه، وإنما هناك ظن ووهم ناتج عن تكذيبهم بالحق الذي جاءهم من الله ﵎، فالله هو الحق وقوله الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال المبين، ولذلك فإن المكذب بالحق مضطرب ليس لديه أساس متين يستند إليه قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي مضطرب غير مستقر. النموذج الثاني- من المسلك الأول:

стр. 11237

وقد أوضحت الآيات التالية من سورة يس، ذلك الإنكار الشديد المستند إلى شبهة استبعاد إعادة الأجساد إلى حالتها الأولى بعد أن أصبحت عظاما رميماً تذروها الرياح يقول تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ . ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ . ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس الآيات ٧٧-٨٣) سبب نزول الآيات: ذكر المفسرون لهذه الآيات، أن أبي بن خلف أتى إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم يفته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أنه الله يبعث هذا؟؟ فقال رسول الله: "نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار". فنزلت الآيات من آخر سورة يس. وفي رواية أن العاص بن وائل السهيمي، أتى إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففته بين يديه، فقال: يا محمد أيبعث الله هذا حيا بعد ما أرم؟؟

стр. 11238

قال: "نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم" فنزلت الآيات [٧] فقد تبين لنا من أسباب النزول اعتراض بعض المشركين على الرسول ﷺ في تقريره البعث، وقد أكدوا إنكارهم ذلك بما ضربوه من المثل لله تعالى، فكان ضروريا أن يرد عليهم إنكارهم، وأن يبطل لهم مثلهم، والآيات وإن كان سبب نزولها خاصا، فهي عامة في كل منكر للبعث، لما هو مقرر في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، والألف واللام في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَان﴾ للجنس فيعم كل منكر.

стр. 11239

بينت الآيات أن استبعاد الإعادة للأجسام بعد الموت آت من إنسان لم ينظر في مبدأ خلقه أولا، إذ لو نظر في نشأته الأولى نظر تبصر واعتبار، لكفاه خلقه من نطفة، ضعيفة حقيرة، دليلا على إعادته بعد موته، فنِسيانه لمبدأ خلقه من تلك النطفة هو الذي دعاه لهذا الإنكار، ثم ضربه المثل لله القادر، بقدرة الإنسان العاجز ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَان﴾ نشأته، أي ألم يعلم ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ أي ابتدأنا خلقه وإيجاده ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ من مني يمنى وما أضعف النطفة وأعجزها ﴿فَإِذَا هُوَ﴾ بعد العجز والضعف إنسان قوي ناطق ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ؛ أي: بعد تلك الأطوار الضعيفة أصبح يخاصم ويجادل أبيَن جدال وأبلغ خصام، ومن ذلك خصامه وجداله في أمر البعث والجزاء، ينكر قدرة خالقه الذي أنشأه أول مرة، ويدعى عدم قدرته على إعادته ثانيا، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي صفة غريبة عجيبة يعارض بها قدرتنا الثابتة بالدليل القاطع على إعادته، فجعل لنا مثلا ونظيرا من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم، ثم بين تعالى أن سبب ذلك هو ذهوله وعدم التفاته إلى خلقه الأول فقال: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وكان من حقه ألا ينسى فيستدل به على إمكان عودته كما بدأه، ولو تأمل في ذلك لعلم أن القدرة التي سوته أولا لا يعجزها بأي حال إعادته ثانيا بعد أن صار كما يرى عظما رميما مفتتاً، وأن تلك الرجعة ليست بعيدة على القوى القادر، وقد قدم قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ على ضرب مثله تنبيهاً على جهله وغبائه وغفلته، عما في نفسه وبين يديه من الأدلة، وماذا قال في مثله الذي يعتمد عليه في تأييد دعواه؟؟ (قال: من يحيى العظام وهى رميم) بالية متفتتة. فقد أتى ذلك المنكر للبعث المستبعد لوقوعه إلى النبي ﷺ آخذا بيده عظما رميما يفته ويذروه في الهواء، قائلا للنبي ﷺ : أترى يحيى الله هذا العظم بعد ما أرم؟؟ فقال النبي ﷺ : "نعم ويدخلك النار". وقد دفع

стр. 11240

سبحانه وتعالى هذه الشبهة بقوله ﴿قُلْ﴾ أمر للنبي ﷺ أي ذكّر هذا الناسي لفطرته الدالة على حقيقة الأمر وكمال القدرة ﴿يُحْيِيهَا﴾ أي يخلق الحياة فيها ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ أوجدها من العدم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في بدء الخلق والنشأة، فهو الذي أنشأ هذا العظم الذي تفته بيدك من نطفة ماء- لا عظم فيه، فالقادر على إنشائه أولا، ثم إحلال الحياة فيه لا يعجزه إعادته مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه..﴾ يقول الفخر الرازي: (ومنهم- أي المنكرين- من ذكر شبهة، وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد، وهي على وجهين: أحدهما أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟ وثانيها أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع؟ بل لو أكل إنسان إنسانا آخر فكيف الإعادة؟ وقد رد على الشبهة الأولى بقوله ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا. أما الشبهة الثانية فقد أبطلها بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ثم ذكر الأجزاء الأصلية في الإنسان، والأجزاء الفضيلة، والله عالم بكل ذلك فهو يعيد كل جزء إلى صاحبه ثم يعيد فيه الحياة) [٨] . فعلم الله شامل بتفاصيل كيفيات الخلق والإيجاد- إنشاء وإعادة محيط بجميع الأجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الأشخاص أصولها وفروعها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قادر على إعادتها على النمط السابق الذي كانت عليه كما قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَه﴾ والبنان أدق شيء في الإنسان وأصغره.
следующие страницы →