Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.
стр. 11481
من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند
السيخ زين العابدين بن علي المعبري المليباري
للدكتور محيي الدين الألوائي
أستاذ مساعد بالجامعة
كان الشيخ زين الدين بن علي من جلة العلماء الهنود في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي) وصاحب مؤلفات عديدة باللغة العربية في العلوم الإسلامية والدعوة والإرشاد والفقه والتاريخ والنحو والصرف والعروض وغيرها. ولعائلة الشيخ زين الدين يد طولى في نشر العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها في الهند. ولا تزال عائلته معروفة في بلدة (بوناني) في (مليبار) بولاية (كيرالا) الهندية، عائلة علم وأدب ودعوة، ويطلق عليها أهالي مليبار (عائلة المخدومين) ويدعى كل فرد منها بلقب (مخدوم) .
موطنه ومولده:
ولد زين الدين بن علي عام ٨٧٣هـ _١٤٦٨م في منطقة (معبر) الواقعة في الجنوب الشرقي لساحل مليبار بشبه القارة الهندية. ومنطقة (كورا مندال) في أقصى جنوب الهند كان يسميها العرب المؤرخون (معبر) لأن الموانئ المنتشرة في هذه المنطقة الممتدة بين مدينة (كويلون) في جنوب كيرالا وبين مدينة (نلّور) بمقاطعة مدراس، وكانت مركزا لارتياد السفن التجارية للعرب في السواحل الهندية، كما كانتا بمثابة معبر رئيسي للسفن القادمة من سواحل جزيرة العرب والخليج العربي في طريقها إلى سيلان والصين وجاوا وغيرها من بلاد الشرق الأقصى. وكذلك استوطنت في شواطئها جاليات عربية منذ عصور قديمة.
معبر (مفتاح الهند)
стр. 11482
ونظرا لمركز (معبر) الجغرافي والاقتصادي، عرف ملكها باسم (ديور) أي الغني، وكانت لها علاقات تجارية وثقافية مع جهات الهند والبلدان المجاورة، حتى اشتهرت معبر بين التجار العرب وغيرهم باسم (مفتاح الهند) . وكان ملكها (سوندرا بانديا) يحب التجار العرب كثيرا لما لهم من دور كبير في تنمية اقتصاد البلاد ورخائها، فقد اختار الملك مسلما عربيا وهو (تقي الدين بن عبد الرحمن بن محمد الطيب) المولود في المدينة المنورة ليكون مستشارا له في الشئون التجارية والاقتصادية، ثم عينه واليا على مقاطعة- كايل باتنام- إحدى الموانئ الرئيسية في (معبر) .
ارتحاله إلى مليبار:
وفي بداية القرن العاشر الهجري ارتحل الشيح زين الدين بن علي وأسرته من مسقط رأسه بمعبر إلى مليبار (كيرالا) التي نزلت في مدينة (كوتشين) ، ثم انتقلت إلى مدينة (بوناني) إحدى المراكز الأولى للمستوطنين العرب في شواطئ جنوب غربي الهند على بحر العرب. ثم بنى الشيخ مسجدا جامعا كبيرا في بوناني ليكون مركزا لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية بين أهالي مليبار.
مركز (بوناني) العلمي:
стр. 11483
وبعد وصول الشيخ زين الدين بن علي إلى بوناني وبناء مسجده المدرسي فيها، أصبحت هذه المدينة منار النور والعرفان ومحط رجال العلم والأدب القادمين من أرجاء الهند ومن مصر وسوريا، فكان من بين المدرسين في هذا الجامع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي (المتوفى سنة ٩٠٩ هـ) . ووضع الشيخ تصميم هذا المسجد الجامع، بحيث يصلح لأن تعقد فيه حلقات الدروس، ويقيم في زواياه وأروقته طلبة العلم الذين يفدون إليه من خارج المدينة. وقام بالتدريس فيه كبار أساتذة العلوم الإسلامية والعربية مثل الشيخ (ابن حجر الهيتمي) المذكور. وتخرج من هذا المركز العلمي عدد كثير من العلماء الأعلام في علوم الإسلام واللغة العربية، منهم نجل الشيخ زين الدين وحفيده، الشيخان عبد العزيز بن زين الدين، وزين الدين بن عبد العزيز المعروف بزين الدين الثاني، فكانوا من جلّة العلماء الهنود في الفقه والتوحيد والتاريخ الإسلامي في الهند، وأصحاب مؤلفات عديدة باللغة العربية في هذه المواضيع.
وكان من العلماء الدعاة الذين درسوا العلوم الإسلامية في هذا الجامع المدرسيّ الشهير والدي المرحوم الشيخ مقار المولوي- المتوفى سنة ١٩٦٩م- الذي قضى سنوات عمره كله في الدعوة إلى الله بالوعظ والإرشاد. وبتوجيه من والدي، قضيت فترة من الزمن, في الثلاثينات من هذا القرن، في مدينة (بوناني) أتلقى العلوم الإسلامية والعربية في جامع الشيخ زين الدين، حسب النظام القديم المتبع فيه جيلا بعد جيل.
مؤلفاته العربية:
стр. 11484
من مؤلفات الشيخ زين الدين بن علي في اللغة العربية، (مرشد الطلاب) في الوعظ والإرشاد، و (تحفة الأحباء) في السيرة النبوية، و (إرشاد القاصدين) وهو مختصر لكتاب (منهاج العابدين) للإمام الغزالي، و (شعب الإيمان) وهو ترجمة عربية لكتاب فارسي بهذا الاسم للسيد (نور الدين أيجى) و (كفاية الفرائض) في علم الميراث، وكتب أيضا هي شروح قيمة باللغة العربية لبعض كتب العروض والنحو، ومنها كتاب (القافية) لابن حاجب، و (الألفية) لابن مالك، و (تحفة) لا بن الوردي، و (الإرشاد) لابن المقري.
مؤلفاته المنظومة:
وصنف الشيخ زين الدين بن علي بعض الكتب منظومة باللغد العربية منها (أرجوزة) بالعربية باسم: (تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان) . وهو في بيان قصد احتلال البرتغاليين لسواحل مليبار ومظالمهم للمسلمين، وفيها يحث الهنود على الجهاد لطرد المستعمرين.
وفيما يلي مقتطفات من شعره:
حمدا يوافي برّه المتكاملا
الحمد لله المفوق للعلا
وتباع أهوا رأس شرّ حائلا
تقوى الإله مدار كل سعادة
وقال مشجعا الناس على التمسك بالورع والعزيمة للوصول إلى السعادة الأبدية:
ويغوص بحرا ثم درا حصلا
من رام دراً للسفينة يركب
ثم يقول في التوبة:
وبعزم ترك الذنب فيما استقبلا
أطلب متابا بالندامة مقلعا
ولهذه الأركان فَارْع وكملا
وبراءة من كل حق الآدمي
تنهاك تقصيرا جرى وتساهلا
وأقم دواما بالمحاسبة التي
الأ عضا جميعا فأجهدن ولا تكسلا
وبحفظ عين واللسان وسائر
ويقول في التوكل:
عن مكسب لعياله متوكلا
أما المعيل فلا يجوز قعوده.
في ما لهم أو جاههم متذللا
لا تبذلن للناس عرضك طامعا
وفي الإخلاص:
الدنا
стр. 11485
لماذا أسلم هؤلاء..؟
عرفت الإسلام بالمراسلة ثم هربت إلى بلد إسلامي لتعلن إسلامها
مازال بعض المغرضين الكارهين للدين الإسلامي يحاولون بكل جهودهم أن يلصقوا بالإسلام تهمة الانتشار بحد السيف.
والإسلام من هذا الاتهام بريء تماما.
والدليل على ذلك، أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا نجد إلا ازدياد الداخلين بالأفواج في دين الله.
ولا سبيل لحصر الجنسيات التي تجد نفسها وملاذها الحقيقي، في اعتناق الدين الحنيف، والعمل بتعاليمه، وشريعته التي لا تقهر.
والداخلون في دين الله، يوميا، يعدون بعشرات المئات، في مشارق الأرض ومغاربها وهنا تقع على الكارهين الكوارث حيث أن كل داخل إلى الدين بلا سيف أو عصا يشكل أمامهم قوة حقيقية في أن الإسلام قوي وأن الإسلام باق رغم كراهتهم العمياء له.
وتجيء الردود على كارهي الإسلام، من ذويهم الذين يعملون على قمعه والتشهير به، منذ أوحاه الله تعالى على محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه. وقد قدمنا في عدد ماض قصة اثنين اعتنقا الإسلام وكان أحدهما من النمسا والآخر من ألمانيا.
ونزف في هذا العدد هذه الصورة المشرفة لفتاة عرفت الإسلام وآمنت به، بعد دراسة عميقة متأنية، بعدها لم تستطع أن تخفي إسلامها، فأشهرته، وأعلنته رغم كراهية أبويها اللذين يعملان في بعثات تبشيرية تحرض على الإسلام وتعمل بكل قوتها على استكراه الناس فيه، واعتناقهم الدين الذي يدعون إليه، ويبشرون به.
ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الإسلام قوي في حجته وبراهينه فهو بلا وسيط إلى الخالق يدعو، وبلا وساوس يؤكد وجود الإنسان الذي هو امتداد حقيقي لكرامة الإنسان حرا في هذا العالم رغم التيارات المناوئة التي قتلت في الإنسان حياته.
стр. 11486
والفتاة التي نعرض لها قصة تعرفها على الإسلام هي جاكلين هيربرت ماكينزي التي نشأت بين أسرة متدينة تواظب على الذهاب إلى الكنيسة وبصفة مستمرة فأبوها له قراءات دينية ويعمل علاوة على ذلك مدرسا للتربية الدينية والأم واحدة من الأخصائيات الاجتماعيات التي تأثرت بتدين زوجها في عملها فأرخت لتعليماته كل السبل لتنجح في عملها.
الأسرة أمريكية تعيش في ولاية ميتشيجان.
وترى الفتاة أبويها يؤَديان يومهما بروتينية بعثت في نفسها الضجر، الذي انفجر بتساؤلات السن الخطيرة- السادسة عشر- التي كانت تجد لها دائما الإجابة عند أمها وأبيها.
الفتاة غير مقتنعة بكل الإجابات التي تأتيها على أسئلتها من أمها وأبيها وهي تحب القراءة وميالة للانفراد بنفسها، وتأمل الحياة من حولها.
تقول جاكلين:-
حاول أبواي أن يدفعاني إلى الصدقات التي يعترف بها المجتمع الأمريكي لكني كنت استبعد كل خواطر هذه الصداقات من عقلي وقلبي ولم يستطع أبي رغم تدينه أن يجعلني امتدادا له.
لم آبه بكل تصرفاته التي كان يتعمد أن يفعلها أمامي لاستقي منها شيئا ربما يجذبني إلى حظيرته الدينية التي كنت أنظر إليه فيها بشيء من عدم الاستقرار الذي كنت أعتقد أنه يعانيه تمثيلا أمامي.
ولم تستطع أمي رغم ذكائها الشديد أن تأخذني إليها، فكانت ترضخ لتأملاتي وانفرادي بنفسي كثيرا لكني سمعتهما في حديث هامس عني ذات يوم أن هذه الانفرادية التي أقوم بها متأملة الكون من حولي ما هي إلا الطريق إلى تدين عميق ويجب أن نتركها بعض الشيء حتى تعود إلينا فنعرف كل شيء ولم أضع لحديثهما أي اعتبار في حياتي فأنا ابنة السادسة عشر لم أمارس أي شيء يمكن لرفيقات عمري ممارسته في جو عادي يكفل ذلك لكل البشر فيه.
وتقول جاكلين:
стр. 11487
وكنت أدرس في إحدى المدارس العادية، حتى وقعت في يدي إحدى المجلات التي تهتم بالمراسلة وأخذت المجلة من زميلتي أتصفحها في هدوء، ووقع اختياري على هذا الاسم لفتاة في مثل سني هي: خديجة محمد عمر الشويحى، من المملكة المغربية، وأخذت أنقل عنوان الفتاة التي وقع اختياري عليها لأكتب لها.
وبالفعل كتبت لها رسالة أطلب فيها معلومات عن المغرب، وجاءني رد صديقتي هادئا.
وتوالت مراسلتي مع صديقتي المغربية وتعرفت من خلالها على تاريخ المغرب والآثار الإسلامية فيه.
وسألت صديقتي عن الإسلام، فراحت تكتب لي بحب شديد عن الإسلام، وكأنه عاشق استهواه قلبها، وجلست أقرأ ما كتبته لي عن الإسلام بأسلوب السهل البسيط، فوجدت أنها تكتب لي من قلبها عن دين يحمل في تعاليمه الخير للبشرية جميعا، ويحمل للإنسان الروح الخالية من التعصب والتعقيد، ولما سألتها عن المعجزات التي قدمها محمد ﷺ باعتباره نبي الإسلام قالت أكثر من مرة في رسالتها أنه القرآن الكريم.
ووقفت أمام رسالة صديقتي المغربية متسائلة عن المعجزة (القرآن الكريم) وسألت أبي، باعتباره رجل دين، يجب أن يكون ملما وعارفا ببقية ما نزل من أديان، لكنه استشاط غضبا حينما وجدني أسأله عن القرآن الكريم، معجزة الإسلام.
وأصبحت معاملة أبي لي جافة بعيدة عن الأبوة وقلدته أمي تماما حتى أيقنت أني لست ابنتهما، وإنما وجداني في الطريق ولامتني أمي برفق ذات مرة لمراسلتي خديجة المغربية التي قلبت أحوالي وغيرت كل شيء في حياتي حتى أني رحت أقلدها في ارتدائها الزي المغربي الذي أرسلته لي ذات مرة بعد إعجابي بصورتها وهي ترتدي هذا الزي الجميل.
стр. 11488
وإزاء ارتدائي الزي المغربي في إجازتي الأسبوعية راح أبي في همجية يمزق رسائل صديقتي المغربية خديجة، وحزنت حزنا شديدا على ذلك وفي اليوم التالي أمسك أبي بالزي المغربي وأحرقه أمامي وكأنه يريد أن يقطع صلتي بالصديقة التي أحببتها دون أن أراها.
وأمام هذا الإصرار على عدم موافقتي لميولهم طرداني من المنزل ذات ليل قارس البرد، وجلست مع نفسي في مكان قريب من منزلنا، وعدت إليه في الصباح، واستقبلني أبي بصرامة شديدة وكذلك أمي ولما سمعا أني عدت إلى حظيرتهما سعدا سعادة لا حدود لها. وجلست هذا اليوم معهما ولم يذهبا إلى عملهما، ولم أذهب إلى مدرستي، احتفالا بعودتي إليهما وإلى الدين الذي أراداني أن أعرفه عنهم، وأنا غير مقتنعة بما يفعلان.
وتقول جاكلين:-
ورحت أراسل صديقتي المغربية في سرية تامة، حتى كانت إجازة الدراسة وكنت قد جمعت مبلغا من المال هو ثمن تذكرة ذهابي إلى الرباط حيث تعيش صديقتي المغربية خديجة.
وحملت حقيبتي الصغيرة وذهبت إلى المغرب تاركة رسالة لأبي وأمي أقول لهما فيها:
"أنا ذاهبة إلى صديقتي التي كرهتموها لأنها حدثتني عن القرآن الكريم معجزة الإسلام، لأعرف منها حقيقة هذه المعجزة التي سببت لكما هذا الإزعاج, أرجو ألا تغضبا مني".
واستقبلتني صديقتي خديجة المغربية كأنها تعرفني من سنوات طويلة وأحسست، براحة شديدة في لقائي بها وجلست مع أسرتها المغربية المسلمة التي رحبت بي تماما ووجدت في نفسي لاستعداد الفطري للإسلام، حيث رحت أسأل وأجد الإجابات الهادئة مليئة بالحب والتقدير للإسلام ونبي الإسلام والقرآن الكريم.
стр. 11489
ولم أتردد لحظة واحدة في اعتناقي الدين الإسلامي، فقد وجدت نفسي من بداية خلقي مسلمة، ولهذا تفهمت التعاليم الإسلامية في سرعة شديدة وأصبحت مسلمة مؤمنة بالله وبرسوله، وبمعجزة الإسلام، القرآن الكريم التي عرفت فيه حياة الإنسان الصحيحة التي سار عليها لعاش حياة آمنة سعيدة مطمئنة دون رياء ودون خجل من شيء فالقرآن أتى بكل شيء وفصله تفصيلا.
وكان لا بد لي أن أختار اسما إسلاميا فوجدت أن اسم خديجة صديقتي المغربية خير اسم يمكن أن أسمي نفسي به واشتهرت في المغرب باسم: خديجة الأمريكية وواصلت دراستي هناك وعشت حياتا بعيدا عن رياء التدين غير الطبيعي الذي حاول أبي أن يزج بي إليه ولم يستطع.
الإسلام.. حقيقة أعطت للوجود طعما، فرضته تلك التعاليم البسيطة السهلة التي جاء بها إلى العالم.
ولم يفرض الإسلام تعاليمه العظيمة بحد السيف، كما يدعي الكارهون والمغرضون، لكنه بالحب والسلام، والتعاليم التي لم تخل من كل ما يكرم الإنسان، استطاع أن يفرض نفسه.
ومع افتراء الكثيرين على طريقة انتشار الإسلام، نجد أن الداخلين إليه يوميا، يؤكدون أنه الحق الذي لا يجارى وأنه الحب الحقيقي، والسلام القائم على التكامل الاجتماعي، دون ما زيف لكل ما يحاولون تقديمه في أطر خالية من أي جوانب إنسانية.
.. وأسرة أخرى فرنسية:
وهذه أسرة فرنسية، لها مع الإسلام قصة لا يمكن إلا أن تكون شهادة جديدة تضيف لسوء القلوب، أن الإسلام، ما فرض تعاليمه، إلا بالخلق الكريم الذي بعث الله به نبي الإسلام.
ونترك الدكتور جورج بالو، ليقدم لنا قصد إسلام أسرته منذ البداية:-
стр. 11490
يقول دكتور جورج: ولدت لأب فرنسي وأم ألمانية عشنا في باريس غالبية حياتنا، تتكون أسرتي من أخ وأخت كان والدنا يعمل يومه كي يوفر لنا حياة هانئة هادئة فقد كان حبه لنا لا يجارى وكانت أمي تحرص دائما على توفير جو السعادة لأسرتنا وقد سمعت أبي ذات يوم يتحدث لأمي بصوت عال، وبطريقة لم أعهدها في أحاديثهما، وخرجت أمي بعدها متجهمة الوجه عابسة، فحزنت وأنا الطفل الصغير الذي ما زال يدرس في مراحل التعليم الأولى.
ويقول د. جورج:
حاولت أن أسألها عن سبب غضب أبي وعبوسها بعد ذلك، فصمتت بعد سؤالي، وكررت على صمتها الحزين السؤال مرة ومرات، خاصة بعد أن تكررت حادثة غضب أبي منها بعد ذلك مرات كثيرة.
وتحت إلحاحي المستمر، لمعرفة سبب ثوراته الدائمة عليها، قالت هادئة النبرات، دامعة العينين: إنه لا يريدني أن أقرأ هذا الكتاب وكان الكتاب (الشرق كما يراه الغرب) لمؤلفه (ألينزيه دينيه) ، ونظرت إليها في تساؤل، فقالت: إن هذا الكتاب يتحدث عن الدين الإسلامي، وأخلاق نبي الإسلام، ورؤية الغرب السطحية لهذا النبي، وهو لا يريدني أن أتعرف على الشرق والدين الإسلامي، ونبي الإسلام، رغم ما يحمل هذا الكتاب من افتراءات أحسستها في لهجة مؤلفه.
ويضيف دكتور جورج:
وحقيقة الأمر، أذهلني حبها الشديد لنبي الإسلام ولما قلت لها ذلك قالت: إنه نبي أرسله الله ، برسالة هي الدين الإسلامي.
وكان لوقع كلمة- الله- على عقلي وقلبي وقعا كبيرا، وتساؤلات راحت أمي تشرحها لي شرحا وافيا، وعرفت أن الله واحد، لا شريك له، ولا يجب أن يعبد سواه، هو الذي رفع السماء، وبسط الأرض، وهو الذي اختار كل الأنبياء والرسل، وختمهم بمحمد، الذي أدبه فأحسن تأديبه، حتى أنزل عليه القرآن الكريم الذي لو اتبعه البشر، لساد الحب الحقيقي العالم.
стр. 11491
ولنبي الإسلام صفات عظيمة، في خلقه وأخلاقه ومن أجل هذا أحببته، وأحببت دينه وتعاليمه البسيطة، وخلقه الكريم.
ويستطرد قائلا: حاولت أن أنهى أمي عن قراءة هذا الكتاب حتى لا يشب شجار بينها وبين أبي في كل وقت وحين، لكنها بلطف نهرتني وأحسست وراء تمسكها بالكتاب وغيره، من الكتب الإسلامية التي أخفتها عن أبي قوة خفية تجذبها إلى هذه القراءات.
وذات يوم.. ذهبت أمي إلى مكان كتبها، فلم تجد أي كتاب منها، وثارت وهاجت وعرفت من سخرية أبي أنه أخذ الكتب وتصرف فيها وعلا صوتها، وأقسمت بالله الواحد، أن تشري غيرها بأي طريقة.
وجلست مع أبي أتحدث معه عن ترك أمي تقرأ ما تشاء، لكنه أصر على أن الذي تفعله مضيعة للوقت وأن عليها أن تنصرف لقراءة أي كتب أخرى، وصرح لي أبي أنه أحرق الكتب. وغضبت في نفسي، وأحسست أنه أحرق أمي بحرق كتبها العزيزة على نفسها، والتي حدثتني عنها في حب شديد ورحت ألوم أبي على فعلته، وأحدثه عن نبي الإسلام حديث الحب الذي روته لي أمي بطريقة هادئة، فثار أبي ووعد أن يحرق أي كتاب في هذا البيت يتحدث عن الإسلام وتعاليمه.
وأحسست أن الإسلام في ذاته يشكل خطورة على أبي، ولهذا جلست أعطي أخي وأختي ما طلبا معرفته عن الإسلام الذي قهر أبي دون أن يتعرف عليه.. ووجدت أنهما يريدان معرفة المزيد، فطلبت من أمي أن تقص علينا ما عرفته وتعرفه عن الإسلام، وابتسمت أمي في سعادة اطمأن لها قلبي وقلب أخوتي.
стр. 11492
وكثيرا ما جلسنا معها تقول لنا ولا شيء غير السعادة والحب يملآن قلبها وهي تحكي لنا، وذات يوم دخل علينا والدنا، فوجدها تتحدث معنا عن الإسلام فثار وكاد أن يفتك بها أمامنا، وهاج.. يبحث عن كتب جديدة عن الإسلام أتت بها أمي دون أن يراها فوجد كتبا أخرى غير التي أحرقها، فثار وهاج، وراح يمزقها في عصبية شديدة، وتحدثنا إليه أن يستمع معنا إليها وهي تحدثنا عن الإسلام وتعاليمه، وعن نبي الإسلام وأخلاقه الكريمة.
وغضب لأننا أصبحنا نسمع منها وأننا تأثرنا بها، وأقسم أن يخرج من البيت وألا يعود إليه مرة أخرى.
ويقول دكتور جورج:
وبالفعل خرج أبي، وانتظرنا عودته كثيرا، لكنه لم يعد، واضطرت أمي أن تعمل، وعملت أنا الآخر بجانب دراستي وازدادت مع الأيام والسنين ثقافتنا الإسلامية وقررنا أن نقف على أحوال المسلمين في باريس فذهبنا إلى إحدى الجمعيات الإسلامية المنتشرة هناك وتعرفنا كثيرا على الإسلام وترددنا على الجمعية الإسلامية التي رحب العاملون فيها بالأسرة الفرنسية التي خرج عائلها ولم يعد.
وتدرجت- الحديث للدكتور جورج- في تعليمي حتى أصبحت في سنوات الجامعة النهائية، وكنا قد تشبعنا بالإسلام دينا، وقررت مع أمي أن أعلن إسلامي، وذهبت إلى الشيخ مع أسرتي، وأعلنت الأسرة جميعا إسلامها وأصبح اسمي محمد عبد الله، وأمي أصبحت فاطمة، وأخي أصبح أحمد، وأختي أصبحت خديجة، وأصبحنا نؤدي شعائر ديننا الإسلامي الحنيف، علانية دون خوف من أحد.
ورحت أدعو إلى الإسلام وأنا مازلت طالبا بالجامعة والتف حولي كثيرون من زملائي، كنت أحدثهم عن الإسلام إلا أني كنت أسرح وأنا معهم في أبي الذي تركنا صغاراً نواجه الحياة.
ويقول دكتور جورج- أقصد دكتور عبد الله- وكذلك كان حال أمي وإخوتي إذا ما ران الصمت علينا في أي وقت.
وكانت أمي تقول لنا إنه سيعود، وسيكون مسلما إن شاء الله مهما مرت السنون، ومهما طال غيابه.
стр. 11493
ويقول الفرنسي المسلم محمد عبد الله:
وكثيرا ما دعونا الله في صلاتنا أن يعيد إلينا والدنا الذي خرج غاضبا ثائرا، ليرى تلك الأسرة التي تركها، وقد أصبحت دكتورا وتخرج إخوتي من الجامعة ورحنا نمارس حياتنا مسلمين بلغة القرآن الكريم التي تعلمناها في مركز باريس الإسلامي أثناء دراستنا وكانت أمي هذه السيدة العظيمة هي صاحبة الفضل في كل ذلك.
ويقول: ومرت الأيام، ودخل علينا ذات يوم والدنا الذي انتظرناه طويلا، فاستقبلناه بحفاوة بالغة، وكان الشيب قد خط في شعره كثيرا ولحفاوتنا به ولقائه بنا، اغرورقت عيناه بالدموع، فأمسك بيدي أمي، وراح يعتذر لها، ويعتذر لنا..
وجلس والدنا بيننا نملأ عيوننا وقلوبنا به، فقد غاب عنا سنوات طوال.
وحدثتنا أمنا بالعربية أن نقوم إلى الصلاة لنشكر الله على عودة أبينا إلينا، ونظرنا إليه في حب عظيم، وراح أبي يبتسم في هدوء وفاجأنا بأنه يتحدث العربية إذ قال: سأصلي معكم صلاة الشكر على أنني رأيتكم جميعا مسلمين، فأنا الآن مسلم واسمي عبد الله، دعوني أصلي معكم.
(جريدة المدينة)
стр. 11494
رسائل لم يحملها البريد
الشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
صديقي مرض السكر،
ومن عجب أن أنادِيَك صديقا وأنت الداء الذي أعيا على الدواء، والمرض الذي عزّ فيه الشفاء، ففي كل يوم تقنص آلاف الفرائس من بني آدم، وفي كل عام تقتات مئات الآلاف من الناس.
لا أذكر ذلك اليوم الذي زرتني فيه على غير موعد، ولا أدري في أي يوم من أيام حياتي نزلت علّي ضيفا دائم الإقامة، ربما كان ذلك منذ ثلاثين عاما، غير أني لم أتبين صورتك واضحة إلا منذ عشرين.
لم أحفل بك بادئ الأمر وما كرثني قدومك، غير أنك استطعت فيما بعد أن تشد وثاقي وأن تسلك بي الطريق الذي تريد.
لم أوجه إليك أيّ دعوة، لم أدعك بلساني، وما دعوتك بقلمي، ولم تك لتخطر لي على بال، غير أن الأطباء يقولون إنك لا تزور الناس تطفلا، ولا تنزل بساحتهم دونما استئذان.
لقد عدت إلى ما غبر من حياتي أستعيده وأستذكره، وأحاول أن أرى- على بعد الشقة وطول الزمن- ما اصطبغت به تلك الحياة من ألوان العيش، وما أصابها في هذه الدنيا من مصائب، أحاول ذلك لعلي أبلغ الأسباب أسباب قدومك إليّ بلا رحيل وصحبتك إياي بلا فراق.
عشت أول حياتي التعليمية في منزل داخلي لإحدى المدارس الثانوية أقوم مع جماعة من زملائي المدرسين على تدبير شؤون الطلاب الداخلية بعد انتهاء في دوامهم المدرسي، وكان المنزل يقدم إلينا- معشر المدرسين الموكلين بالإشراف على أولئك الطلاب- طعاما فيه سخاء وفيه تنوع وفيه طيب مذاق، ولقد عشت من قبل سنينا تسعا عجافا في تقشف وكفاف أطلب العلم بعيدا عن أهلي والوطن، فكان أن أقبلت على هذا الطعام الجديد إقبالا لا يخلو من إسراف ونهم، ناسيا قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ، وغافلا عن قول الرسول ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه".
стр. 11495
وفي خلال عامين دراسيين ارتفع وزن جسمي من اثنين وسبعين (كيلو) - وهو الوزن الصحّي لمن كان في مثل طولي- إلى خمسة وتسعين.
كان العقاب سريعا على ما فرطت في نهى الله وفي نصح رسول الله، فصرت بليد الذهن كثير النسيان، لا أستطيع القراءة الواعية أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم، وإذا ما ارتقيت درجا عاليا أو سرت على درب صاعد سقطت من الإعياء, صرت آكل ولا أشبع، وأشرب ولا أرتوي، وأنام ولا أجد الراحة.
مضى على ذلك حين من الدهر وأنا لا أدري أني مصاب بك يا مرض السكر، حتى إذا تمكنت من جسمي وأقمت فيه (القواعد) وأصبحت ذا أمر ونهي وسلطان وجهت إليّ إنذارا غليظ القول شديد النبر: إما الموت وإما الحمية والحرمان، في بضعة أشهر وعلى منهجْ "حسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه" استطعت أن أسقط عن جسمي ما اكتسبه من طعام ذلك المنزل، وعدت إنسانا آخر: نشاط جسم، ونشاط عقل، وقدرة على العيش طويلا بين الكتب.
لكنك لم ترحل يا مرض السكر!!
لِمَ تؤثرُ أن تبقى ضيفا،
ضيف ضِرارٍ وخصام لا ضيف وِداد ومحبة؟!
لِمَ تؤثر أن تبقى مستترا،
تنتظر الغفلة مني والعثرة،
لتكشّرَ عن نابٍ ولترميني بحرابٍ ولتسقيَني مرّ عذاب؟!
من أجلك هجرت أطعمة شتى!
من أجلك هُجرتْ أطعمة حلوة!
من أجلك كان طعاميَ قُلاًّ كان شرابيَ ماء!
علامَ تقيمُ وفيمَ تقيمُ وأيان تكون الرحلة؟!
ما أكثر ما ثارت نفسي يا سكر!!
ثارت لتحطّم أغلالك ولتكسر قيدَك،
لكني عدت كسيرا وحسيرا،
أسمع نصحك لي ووعيدك:
أسمع نصحك لي يا مرض السكر:
إنك في أمن وسلام ما دمت قليل طعام،
إن عدتم عدنا والبادئ أظلم.
وصرتُ قليل طعام يا مرضي،
أحيا معك حياة وئام.
لكنك لم ترحل يا مرض السكر!
ما زلت تقيم خفيّا مستترا،
مستترا من خلف حجاب،
تنتظر الغفلة منا والعثرة،
стр. 11496
لتكشر عن ناب ولترميني بحراب ولتسقيني مرّ عذاب!!
قال الطبّ المهزوم أمام حِرابك:
ما أكثر ما تعتاد الجسم لأسباب أخرى غير السمنة:
فهناك القلق الدائم والأزمات النفسية،
وهناك الإحساس المكبوت على أرض الحرية،
وهناك الخوف المجنون،
وهناك السجن الدائم في غير سجون.
وعدت أفتش أيامي،
أيام حياتي ومقامي في أرض الله المدحوّة،
وتذكرتُ ولا أنسى أني كنت أخاف (الحاكم) ،
أخاف الحاكم أن يطردني من عملي فأعيش فقيرا.
ما كان الرؤساء ذوي دين،
ما كان الزملاء جميعا يَخشَوْنَ الله،
ما كان العدل له ظل يغشى الناس.
فأنا في قلق دائم.
كنت أرى المنكر مختالا يتحداني،
يتبختر يصرخ ملء العين وآذاني،
فأهِمّ بتغيير المنكر بيدي،
لكني لا أفعل فأنا خائف،
وأهم بتغيير المنكر بلساني،
لكني لا أقدر فأنا خائف،
لا أملك إلا الحسرة مكبوتة،
لا أملك إلا الغضبة مخنوقة،
لا أملك إلا قلبا يتميز من غيظ مسعور.
ما أكثر ما اشتاقت نفسي أن تبدي رأيا،
حين ترى الأصحاب تخلّوا عن واجب،
حادوا عن درب لاحب،
لكني لا أجرؤ أن أُبديَ شيئا،
فأنا أخشى غضبتهم،
آسى لضياع مودتهم،
قد يَزْوَرُّون وينتقمون،
فالعيش بدونهم غربة،
وأنا من بعدهمُ مسجون.
ألهذا القلق الدائم أنت تقيم؟!
ألهذا الخوف الجاثم أنت جثوم؟!
أَلإِحساساتي المخنوقة لا ترحل؟!
ماذا تطلب مني يا سكر؟!
هل تطلب جسما خِفا؟!
ها هو ذا جسمي قد ذاب وأصبح مثل سراب!
هل تطلب من نفسيَ أَمناَ وطمأنينة؟
أن يحيا قلبي بسلام وأمان وسكينة؟!
أن يتبلّد إحساسي فأعيش دفينا؟!
في معظم بلدان الإسلام عذاب وحراب ودماء مطلولة!!
في معظم بلدان الإسلام يتامى عُدم وأرامل مهزولة!!
стр. 11497
في معظم بلدان الإسلام عداوات تغلي وضغائن مغلولة!!
فكيف أعيش سلاما وأمانا وطمأنينة؟!!
ستظل رفيق حياة وهموم يا سكر!
لن ترحل عن داري في ذي الدنيا حتى أرحل!
لكني أشكر ربي أن كنت وما كان بلاءٌ أكبر!
الأمل الأخير
وليس إلا عندك الدواء
إليكَ يا مولاي أشكو علتي
منك وقد ضاق به الفضاء
فارحمْ عبَيداً يعصِف الخوف به
فيعتريه اليأس والحياء
يذكر ما أسلفَ مِن آثامهِ
في قلبه فيورقُ الرجاء
ويرسل الإيمانَ من إشعاعِه
لم يبق لفي في غيره شفاء
فلا تخيّب يا إلهي مأملا
(المجذوب)
стр. 11498
لا خيرة للمؤمن إذا قضى الله ورسوله
الش يخ أبو بكر الجزائري
الأستاذ بالدراسات العليا بالجامعة
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب الآية: ٣٦)
ببين يدي الآية
الحمد لله. وبعد: فإن هذه الآية الكريمة تعتبر لدى المتأمل فيها دليل الإيمان الذي به يعرف وجوده مِن عَدَمِه. وإلى القارئ الكريم بيان وجه ذلك:
لقد شاع بين العرب - في الجاهلية وفى صدر الإسلام أيضا- شاع بينهم عادة التبنّي وهي أن ينسب المرء ولد غيره إليه, فيكون ابنه بالتبني ويترتب على ذلك أحكام البنوَّة تامة من إرث ودية وعقل وحرمة نكاح. ولما كانت هذه العادة قائمة على أساس الباطل من الكذب والزور، إذ ابن الرجل لا يكون ابن غيره بمجرد الدعوى والانتساب، كما قال تعالى في المظاهر منهن من الزوجات: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ولما كانت هذه العادة الباطلة مظهراً من مظاهر الخلخلة والضعف في المجتمع نزل القرآن الكريم بإبطالها نهائياً وإلقائها خارج المجتمع الإيماني كغيرها مما هو باطل وشر مما كان سائداً في المجتمع الجاهلي.
стр. 11499
قال تعالى من سورة آيتنا هذه التي نريد تفسيرها للقراء الكرام: ﴿مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ ، أي بأن يُقَالَ لمن كان مُتَبَنّيً: أخي، أو مولاي.
وكان النبي ﷺ قد تبنّى في الجاهلية قبل أن يوحى إليه زيد بن حارثة الكلبي, وسبب ذلك أن زيداً جاء به حكيم بن حزام بن خويلد مع رقيق من الشام فدخلت عليه عمته خديجة وهى يومئذ زوجة لرسول الله ﷺ , فقال لها حكيم: اختاري يا عمتي من هؤلاء الغلمان ما شئت فاختارت زيداً، ثم استوهبها إياه رسول الله ﷺ فوهبته إياه فاعتقه رسول الله ﷺ وتبناه, فكان يعرف بزيد بن محمد ﷺ , وجاء الإسلام فأسلم زيد أول من أسلم من الموالي ولما نزلت الآية المذكورة آنفاً وفيها: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ قال زيد: أنا زيد بن حارثة راغباً عن نسبة التبني إلى نسبة البنوة الحقة.
وكونه يتخلى عن النسبة الكلامية هذا أمر سهل، ولكن الصعب التخلي عن أحكام التبني كنكاح امرأة المتبني مثلا، فهذا لا يقدر عليه إلا شجعان العقول والقلوب. وأراد الله تعالى القضاء على هذه العادة نهائياً وبكل تبعاتها، فأمر رسوله ﷺ أن يزوج مولاه زيداً، وأعلمه أنه سيطلقها بإرادته واختياره، وأنه سيزوجه بها بعد طلاق زيد لها.
стр. 11500
فتقدم رسول الله ﷺ يخطب لمولاه زيدا ووقع اختياره على ابنة عمته: زينب بنت جحش ﵂ فخطبها, فظنت أنها مخطوبة لرسول الله ﷺ فهشت لذلك وأسرت فرحها, غير أنه بعد قليل تبينت أنها مخطوبة على زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ , وهنا آثرت لشرفها وكرامتها على خطبة رسول الله ﷺ : وقالت: مثل هذا لا يكون: شريفة تتزوج مولى من موالى العرب ماذا يقول الناس إذا سمعوا؟؟ ووقف إلى جنبها أخوها القائد البطل عبد الله بن جحش وأعلنا التأبي الكامل والامتناع التام- وإذا أراد الله أمراً لا بد أن يكون، فأنزل الله تعالى آيتنا هذه التي نعتزم شرحها: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ الخ
وفهم عبد الله وأخته ﵄ أنهما مقصودان بالذات، وأن الآية وضعت حداً بين الكفر والإيمان ولم يبق لهما مجال للاختيار، إذ هو الكفر أو الإيمان فقط، وآثرا الإيمان على الكفر وأسلما أمرهما لله، ونفذا حكم الله وحكم رسوله فيهما وتزوجت زينب زيد بن حارثة وهى طائعة مختارة, وضحت بالكرامة الاجتماعية والصرف القبلي.
وتزوج زيد ولم يطق الحياة مع امرأة ليس هو كفؤاً لها في شرف النسب, والمكانة الاجتماعية إذ زيد مولى وزينب شريفة قرشية, فما كان منه إ لا أن طلقها بعد أن بذل رسوله الله ﷺ جهداً فى حمله على الصبر معها والإبقاء على رابطة الزوجية بينهما ولم يفلح في ذلك؛ لأن قدر الله كان مقدوراً, وفي هذا المعنى يقول الله تعال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله﴾ , وطلقها زيد وزوجها الله تعالى رسوله، فأصبحت بعد ذلك أم المؤمنين ﵂.
стр. 11501
والشاهد أيها القارئ من هذه المقدمة أن تعلم أن هذه االآية الكريمة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ هي معيار الإيمان ودليل وجوده أو عدمه؛ فمن جاءه أمر الله أو أمر رسوله الجازم ورده بوصفه أنه حر ومختار في تصرفاته الشخصية إن شاء قبل الأمر أو رفضه، وإن شاء نفذ حكم الله تعالى وحكم رسوله أو نبذه وأهمله، فهذا العبد ما هو بمؤمن ولا يعد فرداً من أفراد المؤمنين إذ الآية تنفي وجود إيمان صحيح مع اختيار حر بالرفض والقبول لأحكام الله ورسوله ﷺ وأعد قراءة الآية وتأمل فإنك ترى ذلك واضحاً بحمد الله تعالى.
تفسير الآية الكريمة
سبب نزولها:
قال القرطبي ﵀ فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن عند شرحه لهذه الآية:
"روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته, فظنت أن الخطبة لنفسه, فلما تبين أنه يريدها لزيد مولاه كرهت وأبت وامتنعت وأمتنع معها أخوها عبد الله بن جحش لنسبها من قريش، وأن زيدا كان بالأمس عبداً, إلى أن نزلت هذه الآية فقال له أخوها مرنا بما شئت, فزوجها من زيد".
مباحث بعض ألفاظ الآية
(ما كان لمؤمن) : هذه الصيغة من التعبير يؤتى بها لنفي الشأن والحال لأنها أبلغ من نفي الفعل فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً﴾ أبلغ مما لو قال لا يقتل مؤمن مؤمنا لأن الأولى لنفى الشأن أي أن هذا الفعل لا يتأتى لصاحبه مع الإيمان بحال من الأحوال. وأما الثانية فهي لنفي الفعل فقط.
كما أن هذا التعبير في الآية أبلغ مما لو قال: لا يختر مؤمن على قضاء الله ورسوله قضاء غيرهما ولا على حكمهما حكم سواهما.
القضاء: الحكم بالشيء والأمر به على وجه الإلزام فعلا كان أو تركا.
стр. 11502
الأمر: يكون بمعنى الطلب وجمعه أوامر، وصيغته افعل, ويكون بمعنى الشأن والحال، وهو المقصود في هذه الآية.
الخِيرَة: مصدر بمعنى الاختيار. وهو بكسر الخاء وفتح الياء على وزن طِيرة وفعل الأول تخير والثاني تطير وزنتهما هذه غريبة ولا نظير لها في المصادر ويقال بشذوذ الخِيْرة والطِيرة بسكون الياء فيهما مع كسر الأول منهما.
المعصية: مخالفة الأمر أو النهي مع القدرة على عدم المخالفة, وتكون المعصيّة كفراً وتكون دون ذلك, وأخوف آية في القرآن في باب المعصيّة قوله تعالى من سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ إذ حكمت على العصاة بالنار والخلود الأبدي فيها وهذا لا يكون إلا مع الكفر والعياذ بالله تعالى.
الضّلال: مجانبة الطريق الموصل إلى القصد, وتنكبه والبعد عنه بقصد أو بغير قصد، وكل عاص لله ورسوله فى أحكامهما فهو ضال، لأن المعصيّة توجب له الشقاء والخسران، وهو يريد الربح والسعادة، فلما عصى سلك للربح والسعادة غير طريقهما فهو لذلك ضال.
معنى الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ... ﴾ .
أي ليس من شأن المؤمن ولا مما يتأتى له أو يصح منه بحال: أن يحكم الله تعالى في شيء أو يأمر به أمر إيجاب, وكذا حكم رسول الله ﷺ وأمره المقتضي للوجوب, ويكون المؤمن مختاراً معه إن شاء نفّذ الحكم وإن شاء تركه، إن شاء امتثل الأمر وإن شاء أهمله، فمثل هذا الاختيار مع حكم الله ورسوله وقضائهما لا يجامع الإيمان ولا يخالطه أبداً فمتى كان الاختيار ذهب الإيمان، ومتى انتفى الاختيار ثبت الإيمان وهذا الذي فهمه عبد الله بن جحش وأخته زينب ﵄ حين نزلت الآية ومن ثَم عدلاَ عن رأيهما واختيارهما وقبلا حكم الله تعالى ورسوله ونفذاه فوراً وقال عبد الله لرسول الله ﷺ : مرني بما شئت.
стр. 11503
فَمنْ أراد التخيّر في قضاء الله ورسوله فقد آثر الكفر على الإيمان والمعصيّة على الطاعة، ومن يعص الله ورسوله فيما يأمران به وينهيان عنه مما هو عقائد وشرائع وأحكام فقد ضلّ طريق الفلاح والنجاح وسلك سبيل الخيبة والخسران والعياذ بالله.
هداية الآية:
إن من هداية هذه الآية وضعَها الحد الفاصل بين الكفر والإيمان كما قال الرسول ﷺ : "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" فجعل إقام الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان.
فكذلك هذه الآية، فإنها أفهمت أن من يزعم أن له حق الرفض والقبول في شرائع الله تعالى والتخيّر بينها فما وافق مصالحه وناسب هواه وشهواته، اعتقده أو قال به أو عمله وما تنافى مع مصالحه أو هواه أو شهواته رفضه معتذراً أو غير معتذر، فإنه كافر غير مؤمن ولا مسلم, فإما أن يراجع دين الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح، وإلا فليس هو بمؤمن؛ وذلك لأن الإيمان يثمر الإسلام وهو الإذعان والانقياد لأحكام الله وأحكام رسوله ﷺ . ودلالة الإسلام على الإيمان كدلالة الثمر على الشجر، فلا يتصور وجود ثمر بلا شجر, كما لا يتصور وجود إيمان بلا إسلام, هذه حقيقة قررتها هذه الآية، وبالرجوع إلى سبب نزول الآية والتأمل فيه -وقد تقدم- تتجلى هذه الحقيقة واضحة أكثر، والله المستعان.
ثمرة الإسلام لله تعالى:
стр. 11504
إذا كان الإيمان يثمر الإسلام فإن الإسلام يثمر الرفعة وعلو الشأن, إن زيداً لما أسلم لله، وتخلى عن أحب شيء إليه وأعزه عنده وهو نسبته إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان يدعى زيد بن محمد فأصبح يدعى زيد بن حارثة الكلبي, أثمر له إسلامه لله تعالى وانقياده له عزّاً ورفعة لم يظفر بهما سواه فخلد الله ذكره. فاسم زيد الذي هو علم عليه يقرأ في كتاب الله الليل والنهار من ملايين المسلمين وذلك الدهر كله, ولم يكن ذلك لأحد من المسلمين إلا لزيد بن حارثة ﵁ وأرضاه ...
وإن زينب بنت جحش ﵂ قد أثمر لها إسلامها رفعة لا تسامى وشرفا لا يرام، فقد تنازلت عن كرامتها وشرفها لله تعالى فعوضها الله أعظم منهما فأصبحت بعد زواجها من زيد المولى زوجاً لرسول الله ﷺ وأُماً لكل المؤمنين وزاد في شرفها وعلو قدرها ورفعة مكانتها أن تولى لله تعالى عقد نكاحها, فكانت تفخر بهذا الشرف على نساء الرسول ﷺ وتقول:"ما منكن امرأة إلا وتولى وليها عقد نكاحها، إلا أنا فقد تولى الله تعالى عقد نكاحي من فوق سبع سماوات". وتقريراً لهذه الحقيقة نورد حديث أبي هريرة عند مسلم وفيه يقول الرسول ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوِ إلا عزاً, وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ".
ما في الآية من مسائل:
(١) المسألة الأصولية المعروفة وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ سبب نزول الآية كان امتناع زينب من الزواج بزيد، ولكن حكمها عام في كل مؤمن ومؤمنة كما دلت عليه الصيغة الكلامية.
(٢) وجوب الستر على المؤمن وعدم التصريح باسمه عند وعظه أو نصحه؛ إذ المقصود في الآية زينب وأخوها عبد الله ﵄, ولكن التعبير كان بلفظ مؤمن ومؤمنة.
стр. 11505
(٣) ما بين الكفر والإيمان إلا الإسلام، فمن لم يسلم بالإعلان عن استعداده التام لطاعة الله ورسوله فليس بمؤمن؛ إذ الآية نفت الإيمان عمن لا يرى ذلك ولا يباشره بفعل الواجبات وترك المحرمات.
(٤) طاعة الله ورسوله ﷺ عبارة عن نهج يفضي بسالكه إلى دار السعادة وهي الجنة فمن ترك طاعة الله ورسوله فقد خرج عن ذلك النهج، وسار في نهج آخر يفضي بسالكه إلى دار الشقاوة والخسران، وهي النار، والعياذ بالله تعالى.
стр. 11506
حول الشعر التعليمي (١)
للدكتور صالح آدم بيلو
الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة
تعريفه:
هو هذا اللون من الشعر الذي يهدف به الشعراء إلى تعليم الناس شئون دنياهم وأخراهم، وتزويدهم بالحقائق والمعلومات المتعلقة بحياة الفرد والجماعة، وأسرار الطبيعة وما وراء الطبيعة..
١- فهو يعالج الأخلاق والعقيدة والعبادة، ويتناول الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، وما ينبغي الإنسان أن يكون عليه، وما يجب أن يتحاشاه ويتباعد عنه ... يسلك الشاعر في ذلك أساليب الترهيب والترغيب والنصح والعظة..
٢- ويتناول التاريخ والسير: فيقرر ويبين الأنساب والأصول والفروع، وتسلسل الحوادث وترتيبها، ويبحث العلل والأسباب، ويربط النتائج بمقدماتها ...
٣- ويعرض للعلوم والفنون والصناعات، فيقرر الحقائق المتعلقة بشأنها، ويضع لها القواعد ويستنبط لها القوانين.
يقوم الشاعر بكل أولئك ليقدمها لقمة سائغة لمن يريد تعليمه، فتعيها ذاكرته، وتسجلها حافظته، فيسهل عليه استدعاؤها واستحضارها في الوقت المناسب.
وبهذا ترى أن الميادين التي يعمل فيها هذا اللون من الأدب، أو الشعر الذي نسميه (تعليميا) ثلاثة ميادين:
(١) أصول الأخلاق والعقائد.
(٢) السير والتاريخ.
(٣) الحقائق والمعارف المتعلقة بالعلوم والفنون والصناعات.
عند اليونان:
стр. 11507
عرفت اليونان هذا اللون من الأدب عند جماعة من شعرائها القدامى، ومن أشهرهم (هزيود) في القرن الثامن قبل الميلاد، وكان من أهم الأعمال المنسوبة إليه قصيدتان: أولاهما التي تتناول موضوعي الأخلاق والعقائد، والمعارف والحقائق المتعلقة بالفنون والصناعات. فهي تتحدث عن الجانب الخلقي وتوجه مجموعة نصائح وعظات بصدد العدالة، والظلم والقناعة والجشع، وعناصر كلٍّ منها، وأصوله ونتائجه بضرب الأمثال والحقائق التاريخية والسماوية والأرضية ... كما تعرض أعمال الحقل وما يتصل بها، فيبين فصول السنة وما يلائمها من ضروب الزراعة، وما تحتاج إليه من أداة وفن ...
والقصيدة الثانية هي: (التيوجونيا) .. أو أنساب الآلهة، وتعرض للآلهة، فتبين نشأتهم وأنسابهم وأصولهم وشعبهم، وتترجم لكل منهم، فتفصل وظائفه وأعماله وتاريخ حياته [١] .
وعند الهنود:
وعرف الهنود أيضا هذا الضرب من الشعر، فراحوا ينظمون به جملة من المعارف والعلوم التطبيقية، مما دفع (البيروني) إلى الشكوى من أنهم كانوا يعمدون إلى نظم قواعد الرياضيات والفلك، لأن ذلك يخرجهم أحياناً عن ضبط القواعد وما يستلزمه من دقة في التعبير لا تتسنى في النظم [٢] .
لدى العرب:
أما بالنسبة للأدب العربي؛ فيذهب الذاهبون إلى أن العرب لم يعرفوا هذا اللوّن من الأدب إلاّ في وقت متأخر نتيجة اتصالهم بالفكر الوافدِ فهناك من يرى أن هذا التأثير ناشئ عن الثقافة الهندية التي اتصل بها العرب في العصر العباسي، ومن هؤلاء الأستاذ أحمد أمين [٣] وشكري فيصل [٤] ، ويرى آخرون أن ذلك من مكتسبات الثقافة اليونانية [٥] .
стр. 11508
على أن الدكتور طه حسين يرى أن أبان بن عبد الحميد اللاحقي هو مبتكر هذا الفن في الأدب العربي، إذ يقول: " ... يظهر أن أبان هو أول من عني بهذا الفن [٦] ... ". ويقول عنه في موضع آخر" ... فهو إمام طائفة عظيمة من الناظمين، نعني أنه ابتكر في الأدب العربي فنّاً لم يتعاطه أحد من قبله، وهو فن الشعر التعليمي" [٧] .
ويذهب شوقي ضيف إلى رأيين متناقضين كلّ التناقض، متعارضين التعارض كلّه، ولا ندري على أيهما استقر رأيه النهائي بإزاء المسألة!.. ففي كتابه: العصر العباسي الأول، يرى أنه "فن استحدثه الشعراء العباسيون، ولم تكن له أصول قديمة، ونقصد فن الشعر التعليمي الذي دفع إليه رقى الحياة العقلية في العصر، فإذا نفر من الشعراء ينظمون بعض المعارف أو بعض السير والأخبار" [٨] ... بينما يذهب الدكتور شوقي ضيف في كتابه الآخر (التطور والتجديد في الشعر الأموي) مذهباً آخر يوشك- في رأينا- أن يكون صائباً، ولكنه لم يسر فيه إلى آخر الشوط، كما سنرى بعد ...
فهو يذهب ههنا إلى أن الشعر التعليمي ذو نشأة عربية خالصة في آخر القرن الأول الهجري وأول الثاني، أو قل في أواخر دولة الأمويين.. إذ أن أراجيز الرُّجاز وبخاصة رؤبة والعجاج قد كانت متوناً لغوية، وبالتالي فهو النواة والبذرة التي انبنى عليها الشعر التعليمي في جانب الكلام المنظوم، وتطور في جانب النثر فكانت المقامات ... ويقول الكاتب: "ونحن نؤمن بأن هؤلاء الرّجاز-وفي مقدمتهم رؤبة- هم الذين أعدوا شعراء العصر العباسي لا للشعر التعليمي فحسب، بل لاقتباسهم للغريب في أشعارهم، فالغريب أصبح جزءا هاما في مادة الشعر عند الشعراء الممتازين من أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام ... " [٩]
стр. 11509
ويقول عن رؤبة وعن أبيه العجاج: "والإنسان لا يلم بديوانيهما حتى يقطع بأنهما كانا يؤلفان أراجيزهما قبل كل شيء من أجل الرواة، ومن اجل أن يمداهم بكل غريب، وكل أسلوب شاذ، ومن هنا كنا نسمي هذه الأراجيز متونا لغوية، وقد بلغت هذه المتون صورها المثالية عند رؤبة، فهو النمو الأخير لهذا العمل التعليمي الذي أرادته المدرسة اللغوية من جهة، والذي استجاب له الرجّاز من جهة أخرى. ولعل هذا ما جعل اللغويين يوقرونه أعظم التوقير، فأبو الفرج يقدمه في ترجمته بقوله: "أخذ عنه وجوه أهل اللغة: وكانوا يقتدون به ويحتجون بشعره ويجعلونه إماماً.." [١٠] ويقول الدكتور ضيف: "والأرجوزة الأموية من هذه الناحية تعد أول شعر تعليمي ظهر في اللغة العربية.. [١١] " ويقول: " ... ومهما يكن فقد ألهمت الأرجوزة الأموية الشعراء في العصر العباسي أن يقوموا بنظم شعرهم التعليمي، كما ألهمت أصحاب النثر وضع المقامة" [١٢] .
وهذا الذي ذهب إليه الكاتب يوشك أن يكون صواباً لولا أنه قصر به قليلا ... ذلك أننا نرى أن هذا اللون من الأدب لم تكن بذرته قد بذرت في هذه المرحلة من العصر الأموي، ولكن البذرة قد نبتت واستوت على سوقها منذ زمن بعيد بعيد!!.
من أين أتت الخدعة؟
ونحن نرجح تخطئة الذين ذهبوا إلى أن الشعر التعليمي إنما عرفه الأدب العربي مع ما عرفه من الثقافة الدخيلة، والفكر الوافد- شرقيّة وغربيّة، هنديّة ويونانيّة- أو ابتكر في هذا العصر العباسي ابتكاراً بسبب امتزاج الأفكار والثقافات وتوالدها، أو أن الأرجوزة الأموية هي التي وجهت إليه الشعراء العباسيين!..ِ
стр. 11510
إن الخطأ قد أتى هؤلاء الكاتبين من جهة (التطبيق) .. فهم يُعَرِّفون الشعر التعليمي تعريفاً نظرياً جيداً، واضح الحدود والمعالم، بيّن القسمات والسمات، وحين تأتي مرحلة التطبيق العملي يجانبهم التوفيق، ولا يجدون إلا بعض الجزئيات أو الأقسام في فترة معينة من الزمان تنطبق عليها هذه النظريات، ومن هنا ينطلقون إلى القول بأن هذا الفن كان عدما فيما مضى ثم أصبح له وجود منذ هذه الفترة التي اسُموها بالعصر العباسي، أو على أحسن الفروض العصر الأموي!..
إن هؤلاء الكتّاب يعرفون الشعر التعليمي بمثل ذلك التعريف الذي صدّرنا به هذا الحديث، ثم يقسمونه ثلاثة أقسام كما رأينا.
كل ذلك في أسلوب يخلو في الغالب من المقومات الفنية كالخيال والأسلوب الطلي الجميل بقصد تسهيل الحفظ والتذكر [١٣] .
ثم هم حين يأتون إلى مرحلة النظر في الأدب العربي منذ جاهليته، وهل حوى نماذج من الشعر التعليمي، يذهبون تلك المذاهب التي أشرنا إليها فيما تقدم!.
رأينا:
ومع أن ما في الشعر التعليمي- في عمومه- من مآخذ وعيوب أكثر مما فيه من حسنات وفضائل (وأن ما فيه من مثالب ونقائص لا يدعو إلى الدفاع عنه، والتحمس للقول بأن العرب قد عرفوه في أدبهم، نقرر أن الأدب العربي منذ جاهليته قد شارك في هذا اللون من الفن بكل أقسامه التي قدمناها:
(١) فبالنسبة للتاريخ وذكر القرون الخالية والأمم البائدة، قد امتلأ الأدب العربي بشعر الشعراء في ذلك، وقد كان ذلك أحد المنطلقات التي انطلق منها جماعة من الشعراء خصوصاً أولئك الذين كانوا على شيء من الثقافة الدينية والعلمية كأمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد ... [١٤] الخ من ذلك قصيدة عدي في منشأ الخلق وقصته خلق آدم وحواء وهبوطهما من الجنة التي يقول فيها:
عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
اسمع حديثاً كما يوماً تُّحدثه
فينا، وعرّفنا آياته الأُولا
أن كيف أبدى إله الخلق نعمته
стр. 11511
وظلمة لم تدع فتقاً ولا خللا
كانت رياح وماءٌ ذو عرانية
وعزل الماء عما كان قد سفلا
فأمر الظلمة السوداء فانكشفت
تحت السماء سواء مثل ما فعلا
وبسط الأرض بسطاً ثمّ قدّرها
بين النهار وبين الليل قد فصلا
وجعل الشمس مصراً لا خفاء به
وكان أخرها أن صوّر الرجلا
قضى لستة أيام خليقته
بنفحة الروح في الجسم الذي جبلا
وعاه آدم صوتاً فاستجاب له
ثم استمر الشاعر يتحدث عن خلق حواء وإسكانها مع زوجها الجنة، ونهيهما عن أكل الشجرة، إلى أن أخذ يتحدث عن العقاب الذي أنزل بالحية جزاء ما أغوت آدم وزوجه، فيقولن:
طول الليالي ولم يجعل لها أجلا
فلاطها الله إذ أغوت خليفته.
والترب تأكله حزناً وأن سهلا [١٥]
تمشي على بطنها في الدهر ما عمرت
وينظم عدي قصة الزّباء وجذيمة وقصير، تلك القصة التاريخية المشهورة: [١٦]
ألم تسمع بخطب الأولينا
ألا يا أيها المثرى المرجّى
جذيمةُ حين ينجوهم ثبينا
دعا بالبقة الأمراء يوماً.
وكان يقول- لو تبع- اليقينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيراً
ليملك بضعها ولأن تدينا
ودست في صحيفته إليه
ويبدي للفتى الحَين المبينا
فأردته ورغب النفس يرد
ولم أرمثل فارسها هجينا
وخبّرت العصا الأنباء عنه
وألفى قولها كذباً ومنينا
وقدمت الأديم لراهشيه.
وهن المنديات لمن منينا
ومن خدر الملاوم والمخازي
ليجدعه، وكان به ضنينا
أَطفّ لأنفه الموسي قصير
طلاب الوتر مجدوعاً مشينا
فأهواه لمارنه فأضحى
غوائله وما أمنت أمينا [١٧]
وصادفت امرءاً لم تخش منه
وهكذا تسير القصيدة في تصوير الحادثة وقصها ... الخ.
стр. 11512
(٢) فإذا انتقلنا إلى لون آخر من الشعر التعليمي في الجاهلية، وهو ذلك الذي أسموه (حقائق الفنون والعلوم والصناعات) وجدنا له مثالاً صارخاً للشاعر الجاهلي (الأخنس بن شهاب) ... وهذه القصيدة يذكر فيها سكنى قبائل نجد قبيلة قبيلة، فهي من هذه الناحية تدخل في علم تقويم البلدان- أو ما يسمى بالجغرافية- فمما جاء في هذه القصيدة:-
يسائل أطلالا بها لا تجاوب
فمن يكُ أمسى في بلاد مقامه
كما نمّق العنوان في الرّق كاتب
فلا بنة حطّان بن قيس منازل
عروض إليها يلجؤون وجانب
لكل أناس من معدِ عمارة
وإن يأتهم ناس من الهند هارب
لكيز لها البحران والسِّيف دونه.
جهام أراق ماءه فهو آيب
تطاير من أعجاز حوش كأنها
يحل دونها من اليمامة حاجب
وبكر لها برُّ العراق وإن تخف
لها من جبال منتأى ومذاهب
وصارت تميم بين قفٍ ورملة
إلى الحرة الرجلاء حيث تحارب
وكلب لها خبّ، فرملة عالج
يجالد عنهم خسّر وكتائب
وغسّان حيّ عزّهم في سواهم
لهم شرك حول الرصافة لاحب
وبهراء حيّ قد علمنا مكانهم
برازيق عجم تبتغي من تحارب
وغارت إياد في السّواد ودونها
مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا
كمعزى الحجاز أعوزتها الزّرائب [١٨]
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا
فالقصيدة- كما ترى- من الشعر التعليمي دون ريب؛ ذلك لأن المقصود منها هو بيان مساكن هذه القبائل في جزيرة العرب والعراق وما إليهما.
стр. 11513
(٣) أما القسم الثالث من الشعر التعليمي، وهو الذي يتناول العقائد والأخلاق, فهو في الشعر الجاهلي أكثر من أن يحصى عدداً، خصوصاً عند هؤلاء الشعراء من أمثال أمية بن أبي الصلت وعدي، وزهير ... فإذا جئنا إلى العصر الأموي، وجدنا هذا الضرب من الشعر قد تمثل بوضوح في عدة موضوعات، أولها: أنه نظمت به الكيمياء- أو الصنعة كما كانوا يسمونها..-ِ فلقد روى المسعودي أن حكيم آل مروان- خالد بن يزيد بن معاوية الذي اشتهر باهتمامه بالكيمياء قد وضع منظومة في هذه الصناعة، ذكر فيها طريقة تحويل المعدن الخسيس إلى جوهر نفيس، يقول فيها:
وما يوجد في الطرق
خذ الطّلْق مع الأشْقِ
فدبِّره بلا حرق
وشيئاً يشبه البرقا
فقد سوِّدت في الخلق [١٩]
فإن أحببت مولاكا
كما استخدم هذا الشعر في تعليم غريب اللغة كما قدمنا في صدر هذا الحديث عند الكلام عن الأرجوزة الأموية، التي أسهمت في إبراز صورة الشعر التعليمي العباسي، وفي المقامة في جانب النثر فيما بعد.. ولقد وقعت محاولة لاستخدام هذا اللون في شرح فروع الدين - في رأي عبد الملك بن مروان - من أحد شعراء العصر، فوقف عبد الملك في سبيلهِ..وذلك فيما يروى من أن الشاعر الأموي (الراعي النميري) قد أنشد عبد الملك بن مروان قصيدته التي يشكو فيها السعادة وهم يأخذون الزكاة، حتى إذا بلغ قوله:
حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
أخليفة الرحمن إنّا معشر
حق الزكاة منزلا تنزيلا
عرب نرى لله في أموالنا
قال عبد الملك: ليس هذا شعراً، هذا شرح إسلام وقراءة آية [٢٠] ! ...
стр. 11514
وهكذا استمر الأمر، نرى شيئا من الشعر التعليمي في هذا الموضع أو ذاك، حتى إذا جاء العصر العباسي، رأينا الشعراء ينظمون به في جملة موضوعات ومسائل علمية وتاريخية وقصصية إظهاراً للبراعة، ودلالة على قدرتهم على التجديد والابتكار، وتدليلاً على أنهم قد ألموا بمعارف العصر، وثقافات الأمم الأخرى التي نقلت إلى العربية.. وأنهم قد صاروا على شيء من هضم هذا الذي ترجم، فهم يسهمون بدورهم في نقله وإيصاله إلى الآخرين عن طريق هذا اللون من الشعر!.. ومن أوائل هؤلاء الشعراء الذين أخذوا من هذا الفن بطرف السيد الحميري (١٠٥- ١٧٣ هـ) الذي كان مفتوناً مغرماً بنظم القصص والمناقب والأخبار التي تروي عن علي وأبنائه. من ذلك ما يروى من أنه سمع محدثاً يذكر أن النبي ﷺ كان ساجداً، فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "نعم المطيّ مطيكما!.."فقال النبي ﷺ : "ولنعم الراكبان هما"!.. فانصرف السيد الحميري من فوره، فقال في ذلك:
وقد جلسا حجره يلعبان
أتى حسن والحسين النبي
وكانا لديه بذاك المكان
فغدّاهما، ثم حيّاهما
فنعم المطية والراكبان
فراحا وتحتهما عاتقاه
حَصان مطهّرة للحصان
وليدان أمّهما بَرَّة
فنعم الوليدان والوالدان [٢١]
وشيخهما ابن أبى طالب
ومن ذلك ما يروى من أن علياً كرم الله وجهه. عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لبس خفيه فلبس أحدهما، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه، فانقض عقاب من السماء فأخذ الخف وحلّق به ثم ألقاه، فسقط منه أسود- ثعبان- وانساب فدخل جحراً، فلبس الخف، وحين سمع السيد ذلك قال في سرعة:
لخف أبي الحسين وللحباب
ألا يا قوم للعجب العجاب
لينهش رجله منه بناب
أتى خفاً له وانساب فيه
من العقبان أو شبه العقاب
فخرّ من السماء له عقاب
стр. 11515
به للأرض من دون السحاب
فطار به، فحلق ثم أهوى
بعيد القعر لم يرتج بباب
إلى جحر له فانساب فيه
حديد النّاب أزرق ذو لعاب
كريه الوجه أسود ذو بصيص
نقيع سمامه بعد السياب [٢٢] .
ودفع عن أبي حسن على
وسيد هذا الميدان غير مدافع هو أبان بن الحميد اللاحقي المتوفى سنة ٢٠٠ هـ الذي برع فيه حتى ذهب كثير من الكاتبين إلى أنه مبتدع هذا الفن ومبتكره في الأدب العربي على غير مثال سابق، فنظم في السير والتاريخ الفارسي، إذ نظم سيرة أردشير وسيرة أنو شروان [٢٣] وكتاب بلوهر, وكتاب حكم الهند [٢٤] ، كما نظم القصيدة المسماة (ذات الحلل) في نشأة الخلق وأمر الدنيا وضمنها شيئاً من المنطق. ومن الناس من ينسبها إلى أبي العتاهية، والصحيح أنها لأبان [٢٥] . وليس بين أيدي الناس من كلّ أولئك الآن شيء- ونظم كذلك في فرائض الصوم والزكاة أرجوزة مزدوجة، ونظم كليلة ودمنة في خمسة آلاف بيت [٢٦] ، أو في أربعة عشر ألف بيت [٢٧] ... لم يبق منها إلاّ جزء يسير أورده الصولي في الأوراق, كما أثبت شيئاً من مزدوجة الفرائض.
يقول أبان في مزدوجة الفرائض شارحاً أحكام الصوم والزكاة:
لكل ما قامت به الشرائع
هذا كتاب الصوم وهو جامع
فضلاً على من كان ذا بيان
من ذلك المنزل في القرآن
من عهده المتبع المرضيِّ
ومنه ما جاء عن النيِّ
كما هدى الله به وعلّما
صلى الإله وعليه سلّما
من أثر ماضٍ ومن قياس
وبعضه على اختلاف الناس
رأي أبي يوسف مما اختاروا
والجامع الذي إليه صاروا
فرمضان صومه إذا عرض
قال أبو يوسف: أمّا المفترض
من حنث ما يجري على اللسان.
والصوم في كفارة الأيمان
الصوم لا يدفع بالإنكار
ومعه الحج وفي الظهار
لرأسه فيه الصيام فافهم
وخطأ القتل وحلق المحرم
стр. 11516
وصومه مفترض موصوف
فرمضان شهره معروف
مظاهر يوماً على محرر
والصوم في الظهار إن لم يقدر
فإن ذاك في الصيام مثله
والقتل إن لم يك عمداً قتله
متصلان لا مفرّقان
شهران في العدة كاملانِ
ثلاثه أيامها موصوله
والحنث في رواية مقبولهْ
للمحرم الحالق في الإحرام
ومثلها في عدة الأيام
لا بأس إن تابعها أو فرّقا [٢٨]
ثلاثة يصومها إن طلقا
وهذا أنموذج من نظمه لكليلة ودمنة، يقول في المقدمة:
وهو الذي يدعى كليل دمنه
هذا كتاب أدب ومحنه
وهو كتاب وضعته الهند
فيه دلالات وفيه رشد
حكاية عن ألسَن البهائم
فوصفوا آداب كل عالم
والسخفاء يشتهون هزله
فالحكماء يعرفون فضله
لذّ على اللسان عند اللفظ
وهو على ذاك يسير الحففا
في حب مذموم كّان قد زالا
يا نفس لا تشاركي الجهّالا
في طلب الدنيا ولا تمنيِّ
يا نفس لا تشقي ولا تُعَنيّ
إذا تولىّ ذاك عنه وسدم
ما لم ينله أحد إلا ندِمْ
كثيرة الآلام والأحزان
دنياك بالأحباب والإخوان
آفاتها وغمها كثير
وهي وإن نيل بها السرور
ويقول في باب الأسد والثور:
يرضى من الأرفع بالأخس
وإنّ من كان دنيءَ النّفس
يفرح بالعظم العتيق اليابس
كمثل الكلب الشقي البائس
شيء إذا ما كان لا يغنيهم
وإن أهل الفضل لا يرضيهم
ثم يرى العير المجد هربا
كالأسد الذي يصيد الأرنبا
ويتبع العير على أدباره
فيرسل الأرنب من أظفاره
بلقمةٍ تقذفها في فيه.
والكلب من رقته ترضيه
ويقول في الباب ذاته:
стр. 11517
كطارح في سبغ ما يبذره.
وباذل النّصح لمن لا يشكره
إن هو لم يحمده عند المخبر
لا خير للعاقل في ذي المنظر
خير إذا لم يك ذا وفاء
وليس في الصديق ذكر الصفاء
كأس سمو واقتدار يبطره
الرجل العاقل من لا يسكره
لا تقدر الريح على تحويله
فالجبل الثابت في أصوله
يطغى إذا ما نال أدنى منزله
والناقص العقل الذي لا رأي له
مالت به فأقبلت وأدبرت [٢٩]
مثل الحشيش أيّما ريح جرت
وبنظم أبان لهذا الكتاب، ولقيانه المكافأة الجزيلة من البرامكة، وبإقبال الناس عليه، أقبل غيره من الشعراء على نظم هذا الكتاب كذلك، والنّسج على منواله.
ومن هنا تدافع الشعراء ينظمون الشعر التعليمي في عدة أبواب من المعارف والعلوم والفنون، فاستخدموه في الصراع العقدي والمذهبي، وفي الحكمة والموعظة، وفي الفلك والنجوم، والسيرة والتاريخ، وفي اللهو والمجون والحب وأصوله وقوانينه! ...
ففي ميدان الصراع العقدي والمذهبي:
كان بشر بن المعتمر يفيد من هذا اللون الشعري في الصراع المذهبي، وتأييد وجهة نظر الاعتزال، وتابعه جماعة من الشعراء الذين أثارهم بشار بن برد بما ذهب إليه من تفضيل النار على الأرض، وإبليس على آدم في أبياته التي يقول فيها:
فتبينوا يا معشر الأشرار [٣٠]
إبليس أفضل من أبيكم آدم
فتصدوا له يردون عليه مبينين أن للأرض الفضل على النار، ذلك لأنها أصل النار، وأنّ النار موجودة فيها (بالقوة) ، وأنّ في الأرض أعاجيب لا تحصى ولا تعد من المعادن والنبات والعناصر الأخرى ...
стр. 11518
فلبشر قصيدتان طويلتان رواهما الجاحظ في الحيوان، أولاهما في ذمّ فرق الإباضية والرافضة والحشوية، وذكر فيها أصنافاً من الحيوان، وتحدث عن أعاجيبها وطبائعها، وما تقتات به، مستدلاً بذلك على قدرة الخالق، وقد بدأها بالحكمة، فقال:
وكلهم من شأنه الختر
الناس دأباً في طلاب الغنى
لها عواء ولها زفر
كأذؤب تنهشها أذؤب
كل له في نفسه سحر
تراهم فوضى وأيدي سبا.
بين يديه النفع والضر
تبارك الله وسبحانه
الذيخ والتيتل والعفر
من خلقه في رزقه كلهم
ويعدد أصناف الحيوان، وكيف تعيش وتقتات، حتى ينتهي من ذلك إلى قوله:
فالله يقضي وله الأجر
إني وإن كنت ضعيف القوى
كرافضي غرّه الجفر
لست إباضياً غبيّاًولا
سَفْراً، فأودى عنده السفْر
كما يغرّ الآل في سبب
فعاله عندهما كفر
كلاهما وسّع في جهل ما
عابوا الذي عابوا ولم يدروا [٣١]
لسًنا من الحشو الجفاة الألى
والقصيدة الثانية تتحدث عن العالم وما فيه من المخلوقات المختلفة الأجناس، ويعدد الشاعر الحيوان وأوضاعه مستدلاً بذلك على حكمة الله، مستخلصاً من ذلك أن العقل وحده هو الذي ينبغي أن يهتدي به الناس، وألاّ يتخذوا غيره رائداً مرشداً كما يفعل من ضلوا واحتكموا إلى التقليد:
يقصر عنها عدد القطر
أما ترى العالم ذا حشوة
وكل سبع وافر الظفر
أوابد الوحش وأجناسها
وبعد أن يعدد أجناساً من الحيوان، يقول:
خفية الحسبان في قعر
فكم ترى في الخلق من آية
يحار فيها واضح الفجر
أبرزها الفكر على فكرة
وصاحب في العسر واليسر
لله در العقل من رائد
قضية الشاهد للأمر
стр. 11519
وحاكم يقضي على غائب
ثم يعود الشاعر فيعدد الحيوان ويذكر طبائعه، وأنه في طلب رزقه يقلد بعضه بعضا، وعلى مثالهم في هذا أبناء آدم، إلاّ أنهم مختلفون في الدين، ومتفاوتون في الرأي والقدر، وقد تحكمت فيه واستولت عادة الاتباع والتقليد:
وعنصر أعراقه تسري
وكل جنس فله قالب
مثل صنيع الأرض والبذر
وتصنع السرفة فيهم على
يحتال الأكبر بالفكر
والأضعف الأصغر أحرى بأن
أحوجه ذاك إلى المكر.
متى يرى عدوه قاهرا
صاح فجاءت رسلاً تجري.
كما ترى الذئب إذا لم يطق
يحجم أو يقدم أو يجري
وكل شيء فعلى قدره
والفيل كالأعلم كالوبر
والخلد كالذئب على خبثه
والأبغث الأعثر كالوبر
والعبد كالحرّ وإن ساءه
تفاوتوا في الرأي والقدر
لكنهم في الدّين أيدي سبا
فناصبوا القياس ذا السَّبر
قد غمر التقليد أحلامهم
فإنما النجح مع الصبر
فافهم كلامي واصطبر ساعة
يكره أن يجري ولا يدري [٣٢]
وانظر إلى الدنيا بعين امرئ
وحين أنشأ بشار قصيدته المتقدم ذكرها في تفضيل النار وإبليس على الأرض وآدم أنشأ صفوان الأنصاري قصيدته المضادة في تفضيل الأرض وآدم، فقال:
وفي الأرض تحيا بالحجارة الزند
زعمت بانّ النار أكرم عنصراً
أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد
وتخلق في أرحامها وأرومها
من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد
وفي القعر من لج البحار منافع
زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد
وفي قلل الأجبال خلف مقطم
لهن مغارات تبجس بالنقد
وفي الحرّة الرجلاء تلقي معادن
تروق وتصبي ذا القناعة والزهد
من الذهب الإبريز والفضة التي
стр. 11520
ومن زئبق حي ونوشادر يسدي
وكلّ فلزّ من نحاس وآنك
من الأرض والأحجار فاخرة المجد
وكلّ يواقيت الأنام وحليها
ومستلم الحجاج من جنة الخلد [٣٣]
. وفيها مقام الحل والركن والصفا
كما شارك في الرد على بشار أيضاً سليمان الأعمى_ أخو مسلم بن الوليد قائلاً:
من أن تحيل إليها كلّ مغروس
لابدّ للأرض إن طابت وان خبثت
فحملها أبداً في إثر منغوس
وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطت
لكل جوهرة في الأرض مرموس
وبطنها بفلزّ الأرض ذو خبر
وكل منتقد فيها وملبوس
وكلّ آنية عمت مرافقها
وكلها مضحك من قول إبليس [٣٤]
وكل ما عونها كالملح مرفقة
في ميدان الموعظة والحكمة:
ومن أبرز الشعراء الذين استخدموا الشعر التعليمي في الموعظة والحكمة أبو العتاهية الذي كانت له عدة قصائد تعليمية أسهم بها في ميدان نقل العلم والمعرفة للآخرين، و " ... أخذت مكانها في تربية الذوق الإسلامي وتهذيب الناشئين ٠٠٠" [٣٥] ... ومن أبرز قصائده هذه أرجوزته المعروفة بذات الأمثال التي يقف فيها موقف المعلم من تلاميذه، أو الحكيم الواعظ الذي يوجه الناس ويريهم سبيل الرشاد من منبره ... وهي أرجوزة مزدوجة ينفرد كل بيت فيها بقافية يشترك فيها شطران، ويذكر أبو الفرج أنها طويلة جداً [٣٦] . وفيها أربعة آلاف مثل [٣٧] ولكنه لم يثبت منها في أغانيه إلاّ ثلاثة وعشرين بيتاً [٣٨] إلاّ أن جمع ديوانه قد أورد منها ما يقرب من الخمسين بيتاً [٣٩] .
следующие страницы →