← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

وصومه مفترض موصوف فرمضان شهره معروف مظاهر يوماً على محرر والصوم في الظهار إن لم يقدر فإن ذاك في الصيام مثله والقتل إن لم يك عمداً قتله متصلان لا مفرّقان شهران في العدة كاملانِ ثلاثه أيامها موصوله والحنث في رواية مقبولهْ للمحرم الحالق في الإحرام ومثلها في عدة الأيام لا بأس إن تابعها أو فرّقا [٢٨] ثلاثة يصومها إن طلقا وهذا أنموذج من نظمه لكليلة ودمنة، يقول في المقدمة: وهو الذي يدعى كليل دمنه هذا كتاب أدب ومحنه وهو كتاب وضعته الهند فيه دلالات وفيه رشد حكاية عن ألسَن البهائم فوصفوا آداب كل عالم والسخفاء يشتهون هزله فالحكماء يعرفون فضله لذّ على اللسان عند اللفظ وهو على ذاك يسير الحففا في حب مذموم كّان قد زالا يا نفس لا تشاركي الجهّالا في طلب الدنيا ولا تمنيِّ يا نفس لا تشقي ولا تُعَنيّ إذا تولىّ ذاك عنه وسدم ما لم ينله أحد إلا ندِمْ كثيرة الآلام والأحزان دنياك بالأحباب والإخوان آفاتها وغمها كثير وهي وإن نيل بها السرور ويقول في باب الأسد والثور: يرضى من الأرفع بالأخس وإنّ من كان دنيءَ النّفس يفرح بالعظم العتيق اليابس كمثل الكلب الشقي البائس شيء إذا ما كان لا يغنيهم وإن أهل الفضل لا يرضيهم ثم يرى العير المجد هربا كالأسد الذي يصيد الأرنبا ويتبع العير على أدباره فيرسل الأرنب من أظفاره بلقمةٍ تقذفها في فيه. والكلب من رقته ترضيه ويقول في الباب ذاته:

стр. 11517

كطارح في سبغ ما يبذره. وباذل النّصح لمن لا يشكره إن هو لم يحمده عند المخبر لا خير للعاقل في ذي المنظر خير إذا لم يك ذا وفاء وليس في الصديق ذكر الصفاء كأس سمو واقتدار يبطره الرجل العاقل من لا يسكره لا تقدر الريح على تحويله فالجبل الثابت في أصوله يطغى إذا ما نال أدنى منزله والناقص العقل الذي لا رأي له مالت به فأقبلت وأدبرت [٢٩] مثل الحشيش أيّما ريح جرت وبنظم أبان لهذا الكتاب، ولقيانه المكافأة الجزيلة من البرامكة، وبإقبال الناس عليه، أقبل غيره من الشعراء على نظم هذا الكتاب كذلك، والنّسج على منواله. ومن هنا تدافع الشعراء ينظمون الشعر التعليمي في عدة أبواب من المعارف والعلوم والفنون، فاستخدموه في الصراع العقدي والمذهبي، وفي الحكمة والموعظة، وفي الفلك والنجوم، والسيرة والتاريخ، وفي اللهو والمجون والحب وأصوله وقوانينه! ... ففي ميدان الصراع العقدي والمذهبي: كان بشر بن المعتمر يفيد من هذا اللون الشعري في الصراع المذهبي، وتأييد وجهة نظر الاعتزال، وتابعه جماعة من الشعراء الذين أثارهم بشار بن برد بما ذهب إليه من تفضيل النار على الأرض، وإبليس على آدم في أبياته التي يقول فيها: فتبينوا يا معشر الأشرار [٣٠] إبليس أفضل من أبيكم آدم فتصدوا له يردون عليه مبينين أن للأرض الفضل على النار، ذلك لأنها أصل النار، وأنّ النار موجودة فيها (بالقوة) ، وأنّ في الأرض أعاجيب لا تحصى ولا تعد من المعادن والنبات والعناصر الأخرى ...

стр. 11518

فلبشر قصيدتان طويلتان رواهما الجاحظ في الحيوان، أولاهما في ذمّ فرق الإباضية والرافضة والحشوية، وذكر فيها أصنافاً من الحيوان، وتحدث عن أعاجيبها وطبائعها، وما تقتات به، مستدلاً بذلك على قدرة الخالق، وقد بدأها بالحكمة، فقال: وكلهم من شأنه الختر الناس دأباً في طلاب الغنى لها عواء ولها زفر كأذؤب تنهشها أذؤب كل له في نفسه سحر تراهم فوضى وأيدي سبا. بين يديه النفع والضر تبارك الله وسبحانه الذيخ والتيتل والعفر من خلقه في رزقه كلهم ويعدد أصناف الحيوان، وكيف تعيش وتقتات، حتى ينتهي من ذلك إلى قوله: فالله يقضي وله الأجر إني وإن كنت ضعيف القوى كرافضي غرّه الجفر لست إباضياً غبيّاًولا سَفْراً، فأودى عنده السفْر كما يغرّ الآل في سبب فعاله عندهما كفر كلاهما وسّع في جهل ما عابوا الذي عابوا ولم يدروا [٣١] لسًنا من الحشو الجفاة الألى والقصيدة الثانية تتحدث عن العالم وما فيه من المخلوقات المختلفة الأجناس، ويعدد الشاعر الحيوان وأوضاعه مستدلاً بذلك على حكمة الله، مستخلصاً من ذلك أن العقل وحده هو الذي ينبغي أن يهتدي به الناس، وألاّ يتخذوا غيره رائداً مرشداً كما يفعل من ضلوا واحتكموا إلى التقليد: يقصر عنها عدد القطر أما ترى العالم ذا حشوة وكل سبع وافر الظفر أوابد الوحش وأجناسها وبعد أن يعدد أجناساً من الحيوان، يقول: خفية الحسبان في قعر فكم ترى في الخلق من آية يحار فيها واضح الفجر أبرزها الفكر على فكرة وصاحب في العسر واليسر لله در العقل من رائد قضية الشاهد للأمر

стр. 11519

وحاكم يقضي على غائب ثم يعود الشاعر فيعدد الحيوان ويذكر طبائعه، وأنه في طلب رزقه يقلد بعضه بعضا، وعلى مثالهم في هذا أبناء آدم، إلاّ أنهم مختلفون في الدين، ومتفاوتون في الرأي والقدر، وقد تحكمت فيه واستولت عادة الاتباع والتقليد: وعنصر أعراقه تسري وكل جنس فله قالب مثل صنيع الأرض والبذر وتصنع السرفة فيهم على يحتال الأكبر بالفكر والأضعف الأصغر أحرى بأن أحوجه ذاك إلى المكر. متى يرى عدوه قاهرا صاح فجاءت رسلاً تجري. كما ترى الذئب إذا لم يطق يحجم أو يقدم أو يجري وكل شيء فعلى قدره والفيل كالأعلم كالوبر والخلد كالذئب على خبثه والأبغث الأعثر كالوبر والعبد كالحرّ وإن ساءه تفاوتوا في الرأي والقدر لكنهم في الدّين أيدي سبا فناصبوا القياس ذا السَّبر قد غمر التقليد أحلامهم فإنما النجح مع الصبر فافهم كلامي واصطبر ساعة يكره أن يجري ولا يدري [٣٢] وانظر إلى الدنيا بعين امرئ وحين أنشأ بشار قصيدته المتقدم ذكرها في تفضيل النار وإبليس على الأرض وآدم أنشأ صفوان الأنصاري قصيدته المضادة في تفضيل الأرض وآدم، فقال: وفي الأرض تحيا بالحجارة الزند زعمت بانّ النار أكرم عنصراً أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد وتخلق في أرحامها وأرومها من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد وفي القعر من لج البحار منافع زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد وفي قلل الأجبال خلف مقطم لهن مغارات تبجس بالنقد وفي الحرّة الرجلاء تلقي معادن تروق وتصبي ذا القناعة والزهد من الذهب الإبريز والفضة التي

стр. 11520

ومن زئبق حي ونوشادر يسدي وكلّ فلزّ من نحاس وآنك من الأرض والأحجار فاخرة المجد وكلّ يواقيت الأنام وحليها ومستلم الحجاج من جنة الخلد [٣٣] . وفيها مقام الحل والركن والصفا كما شارك في الرد على بشار أيضاً سليمان الأعمى_ أخو مسلم بن الوليد قائلاً: من أن تحيل إليها كلّ مغروس لابدّ للأرض إن طابت وان خبثت فحملها أبداً في إثر منغوس وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطت لكل جوهرة في الأرض مرموس وبطنها بفلزّ الأرض ذو خبر وكل منتقد فيها وملبوس وكلّ آنية عمت مرافقها وكلها مضحك من قول إبليس [٣٤] وكل ما عونها كالملح مرفقة في ميدان الموعظة والحكمة: ومن أبرز الشعراء الذين استخدموا الشعر التعليمي في الموعظة والحكمة أبو العتاهية الذي كانت له عدة قصائد تعليمية أسهم بها في ميدان نقل العلم والمعرفة للآخرين، و " ... أخذت مكانها في تربية الذوق الإسلامي وتهذيب الناشئين ٠٠٠" [٣٥] ... ومن أبرز قصائده هذه أرجوزته المعروفة بذات الأمثال التي يقف فيها موقف المعلم من تلاميذه، أو الحكيم الواعظ الذي يوجه الناس ويريهم سبيل الرشاد من منبره ... وهي أرجوزة مزدوجة ينفرد كل بيت فيها بقافية يشترك فيها شطران، ويذكر أبو الفرج أنها طويلة جداً [٣٦] . وفيها أربعة آلاف مثل [٣٧] ولكنه لم يثبت منها في أغانيه إلاّ ثلاثة وعشرين بيتاً [٣٨] إلاّ أن جمع ديوانه قد أورد منها ما يقرب من الخمسين بيتاً [٣٩] .

стр. 11521

وأبو العتاهية في ذات الأمثال هذه يأتينا بحكم أخلاقية وأمثال سائرة سجّل فيها خلاصة تجاربه وآرائه في الحياة مصوغة صياغة مضغوطة مركزة في أخصر عبارة بحيث تبدو في صورة الأمثال السائرة- كما هو واضح من اسمها- فتخف على الألسنة، وتعلق بالذاكرة، فيسهل تداولها، ويسرع في الذهن استدعاؤها واستحضارها، ومن هنا يحتسبها من يحتسبها في الشعر التعليمي [٤٠] ، ويضعها من يضعها في أدب الحكمة!.. والقصيدة لا تعرض لموضوع واحد، أو لفكرة واحدة، ولكنها تعرض لعدة موضوعات، ولأفكار شتى، فكلّ بيت يعرض فكرة مستقلة، وقد تشترك عدة أبيات في عرض فكرة، ولكن يظل كل بيت وحدة قائمة بذاتها، ترض جانبا مستقلا من جوانب الفكرة العامة [٤١] . يقول أبو العتاهية: ما أكثر القوت لمن يموت ... حسبك ما تبتغيه القوت من اتّقى الله رجا وخافا الفقر فيما جاوز الكفافا فكل ما في الأرض لا يغنيكا إن كان لا يغنيك ما يكفيكا إن الصفاء بالقذى يكدّر إن القليل بالقليل يكثر ومنها: وأوسط وأصغر وأكبر لكل شيء معدن وجوهر أصغره متصل بأكبره وكل شيء لاحق بجوهره ممزوجة الصفو بألوان القذى مازالت الدنيا لنا دار أذى لذا نتاج، ولذا نتاج الخير والشر بها أزواج يخبث بعض ويطيب بعض من لك بالمحصن وليس محصن خير وشر وهما ضدان لكل إنسان طبيعتان بينهما بؤن بعيد جدا والخير والشر إذا ماعدّا وهكذا تمضي الأرجوزة التي يتضح فيها تعدد الموضوعات وتشتت الأفكار الذي رّبما كان السبب فيه أنها لم تنظم في وقت واحد، وإنما نظمت في أوقات متباينة متباعدة، كلما خطر للشاعر خاطر، وعنت له فكرة جديرة بالتسجيل أسرع إلى تسجيلها رجزاً وألحقها بدفتره [٤٢] .

стр. 11522

ومن شعره هذا مذكراً بالموت وسكراته، لائماً على نسيانه والسهو عنه: أحسبت أن الموت في اسمك يغلط حتى متى تصبو ورأسك أشمط ويلي، وربك إنه لمسّلط أو لست تحسبه عليك مسلّطا جثث الملوك وتارة يتخبط ولقد رأيت الموت يفرس تارة ستشط عمن تألفن وتشمط فتألف الخلان مفتقداً لهم نضواً تقلص بينهم وتبسط وكأنني بك بينهم واهي القوى بالموت في غمراته يتشحظ وكأنني بك بينهم خفق الحشا في ريطتين ملفف ومخيط وكأنني بك في قميص مدرجاً روح الحياء ولا القميص مخيط [٤٣] لا ريطتين كريطتي متنسم. ويمكن النظر في هذه النصوص التي أوردناها من قبل لبشر بن المعتمر، وصفوان الأنصاري، وسليمان الأعمى- باعتبارها نماذج للحكمة والموعظة، بل هي من صميم ذلك دون ريب، كما يمكن اعتبار آداب وأشعار الوعاظ والزهاد من الأدب التعليمي في الصميم!.. الاستعمار.. ودوره في تخريب التعليم في البلاد الإسلامية يقول المستشرق الإنكليزي (هاملتون جب) : "لقد استطاع نشاطنا التعليمي والثقافي عن طريق المدرسة العصرية والصحافة أن يترك في المسلمين- ولو من غير وعي منهم- أثرا يجعلهم في مظهرهم العام (لا دينيين) إلى حد بعيد، ولا ريب أن ذلك هو اللب المثمر في كل ما تركت محاولات الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار) . ويقول الدكتور عبد الحليم محمود- شيخ الجامع الأزهر السابق ﵀:

стр. 11523

(إن الأمر قد وصل بالاستعمار أن صاغ خريجي كليات الحقوق، بحيث لا يفهمون بعد (الليسانس) كتابا عربيا في المواد التشريعية، وليس الأمر بغريب، إن جدول التدريس في كليات الحقوق يخصص عشرين محاضرة في الأسبوع للقوانين الأوروبية، ومحاضرتين فقط للشريعة الإسلامية) . -------------------------------------------------------------------------------- [١] الأدب اليوناني القديم للدكتور علي عبد الواحد وافي-دار المعارف ص٩٩. [٢] تحقيق ما للهند من مقولة ص٧١ وضحى الإسلام ج١/٢٤٦. [٣] ضحى الإسلام ج١/ ٢٤٦. [٤] ناهج الدراسة الأدبية ط دار العلم للملايين ص ١٠٨ وانظر اتجاهات الشعر في القرن الثاني للدكتور هدارة ص٣٥٥. [٥] الشعر في بغداد في القرن الثالث الهجري للدكتور أحمد عبد الستار الجواري –دار الكشاف بيروت ص٢٥٠. [٦] من حديث الشعر والنثر ص٢٨٦. [٧] حديث الأربعاء ج٢/٢٢٠. [٨] العصر العباسي الأول ص١٩٠. [٩] التطور والتجديد في الشعر الأموي ص٣٥٢. [١٠] المرجع نفسه ص٣٤٥. [١١] المرجع نفسه ص٣٤٨. [١٢] المرجع نفسه ص٣٥٣. [١٣] انظر حديث الأربعاء ج٢/٢٢٠ ومن حديث الشعر والنثر ص٣٨٥ والعصر العباسي الأول ص٢٩٠ واتجاهات الشعر لهداره ص٣٥٥ والأدب اليوناني القديم ص٨٨ والشعر في بغداد ص ١٨٢. [١٤] انظر عدي بن زيد للدكتور محمد علي الهاسمي ص ١٣٣-١٧٧. [١٥] الحيوان للجاحظ بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون ج٤ ص١٩٧-١٩٩. [١٦] انظر القصة في تاريخ الطبري ج٢/٣١_٣٦ ومروج الذهب للمسعودي طبعة دار التحرير ج٢/٢٩٠ ومجمع الأمثال للميداني، ودائرة المعارف الإسلامية مادة (تدمر) . [١٧] انظر بقية القصيدة في الشعر والشعراء لابن قتيبة بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ص ٢٢٧.

стр. 11524

[١٨] المفضليات للضبي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر والأستاذ عبد السلام هارون ص ٢٠٣ وحماسة أبي تمام طبع سعيد الرافعي ج١/٢٩٩ ببعض اختلاف. [١٩] مروج الذهب للمسعودي طبع دار التحرير بالقاهرة ج٢/٥١٤. [٢٠] الموشح للمرزباني بتحقيق الأستاذ البجاوي-لجنة البيان العربي ص٢٤٩ وانظر خزانة الأدب للبغدادي الطبعة السلفية بالقاهرة ج٢/١٣٤ وجمهرة أشعار العرب ص١٧٢. [٢١] الأغاني (دار الكتب) ج١/٢٥٩. [٢٢] الأغاني ج٧/٢٥٧. [٢٣] انظر ترجمته في الأوراق للصولي، قسم أخبار الشعراء،والأغاني طبعة الساسي.ج٢٠/٧٠ وطبقات ابن المعتز ص٢٤٠ والوزراء والكتاب للجهشياري ص٢١١. [٢٤] الفهرست لابن النديم ص١١٩. [٢٥] الأغاني – الساسي ج٢٠/٧٣. [٢٦] طبقات ابن المعتز ص٢٤١. [٢٧] الوزراء والكتاب للجهشياري ص٢١١. [٢٨] الأوراق للصولي –قسم أخبار الشعراء ص٥١. [٢٩] الأوراق ص٤٦ وما بعدها. [٣٠] رسالة الغفران بتحقيق بنت الشاطئ ص٣١٠. [٣١] الحيوان للجاحظ ج٦/٨٤-٩١. [٣٢] الحيوان ج٦/٢٩١-٢٩٧. [٣٣] البيان والتبيين ج١/٩١. [٣٤] المرجع السابق ج١/٤١-٤٣. [٣٥] دراسات في الأدب الإسلامي للأستاذ محمد خلف الله أحمد ص ١٠٩ مع ملاحظة أننا نتحفظ تجاه سلبيته وانعزاليته المبالغ في الدعوة إليهما. [٣٦] الأغاني طبعة دار الشعب ص ١٢٥١. [٣٧] المرجع السابق ص ١٢٥٠. [٣٨] المرجع نفسه ص ١٢٥٠- ١٢٥١. [٣٩] ديوانه نشر لويس شيخو ص٤٩٣- ٤٩٦. [٤٠] دراسات في الأدب الإسلامي لمحمد خلف الله أحمد ص ١٠٩. [٤١] حياة الشعر في الكوفة للدكتور يوسف خليف ص٥٦٩. [٤٢] المرجع السابق ص٥٦١. [٤٣] ديوان أبي العتاهية ص٢٤٤.

стр. 11525

الرّاغب الأصفهاني وجهوده في اللّغة للدكتور عمر عبد الرحمن السّاريسي كلية اللغة العربية بالجامعة مقدمة إن من يبحث في حياة أبي القاسم، الحسين بن مفضل، المعروف بالراغب الأصفهاني [١] ، وفي جهوده المختلفة في اللغة والأدب وغيرها يجد عنتاً شديداً. فبينا هو يرى أن كتابه (محاضرات الأدباء) لا يجهله أديب، ويلحظ أن معجمه في (مفردات ألفاظ القرآن) لم يستغن عنه مفسِر أو معجمي جاء بعده، وبينا هو يطالع قول الإمام فخر الدين الرازي (٦٥٦) ، من أن أبا حامد الغزالي (٥٠٥) كان يعجب بكتابه (الذريعة إلى مكارم الشريعة) ويستحسنه لنفاسته [٢] ؛ إذا هو لا يكاد يجد له ترجمة في كتب الطبقات والتراجم [٣] !!!. وربما نتج عن هذا أن الرجل لم ينل حظه من الدراسة والبحث في الأبحاث المعاصرة أيضاً، فلم تفرد له دراسة مستقلة بل لم تعن به الدراسات التي تناولت أدباء العصر العباسي وفنونهم النثرية [٤] . أما المشكلة الثانية التي تجابه المتصدي للكشف عن آثار هذا الرجل وأثره فهي تحديد عصره وذكر تاريخ وفاته وشيء عن نشأته. فكل ما قيل عنه لا يعدو ذكر ميلاده في أصفهان واختلافه إلى بغداد وأنه إمام في اللغة والأدب والتفسير، وأنه قد توفى عام٥٠٢ هـ. ولقد كان الفارق الكبير بين ما يحق له من شهرة علمية مناسبة وبين هذا التنكر والتجاهل حافزاً قويا على العكوف على دراسته وتقصي أخباره مهما بعدت مظان أخباره وآثاره. وكان مما انتهى إليه الباحث، في هذا البحث، أن خيل إليه أنه قد جَمع ما يمكن أن يكوّن صورة أولية عن حياة الراغب وعصره وعن جهوده الفكرية واللغوية. أما في الأولى فأهم ما يزعم أنه قد توصل إليه أن صاحبه لم يتوف عام ٥٠٢، كما زعم أكثر الذين ذكروه، بل إنه على المرجح أن يكون قد توفي قبل هذا التاريخ بقرن كامل من الزمان!! وهو فرق ليس باليسير في معرفة رجال التراث.

стр. 11526

وأما في الثانية فقد وقف على جهود للراغب في كل من اللغة والأدب والتفسير والفرق الإسلامية والتربية والأخلاق مما يستحق أن يفرد له مقالة برأسها، وهانحن هنا نحاول أن نَرصد جهوده اللغوية، والله من وراء القصد. جهوده في اللغة: آثاره اللغوية: وفي بداية تعرفنا على جهود الراغب الاصفهاني في الأدب واللغة نحاول أن نتعرف أولاً على آثاره الأدبية واللغوية ولعلها تنحصر في (محاضرات الأدباء) وفي (مجمع البلاغة) وفي (المفردات في ألفاظ القرآن) ، ولم تخل سائر آثاره من الخبرة العميقة باللغة ومن استخدامها في الوصول إلى الحقائق المبتغاة. أما (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) فلعله أشهر مصنفات الراغب على وجه الإجمال، "فهو خزانة أدب وشعر وحكم وأمثال"كما يذكر أحد الباحثين [٥] , "وخير ممثل لثقافة العصر الذي عاشه الراغب"كما يقول باحث أخر [٦] , يقع في خمسة وعشرين باباً، يسمي كل باب حدا، ويتضمن كل باب موضوعات تتفرع عن العنوان الأساسي للباب. ففي الباب الأول وعنوانه (العقل والعلم والجهل وما يتعلق بهما) يبحث في الموضوعات التالية (العقل والحمق وذم اتباع الهوى، ما يحد به العقل وبنوه والحمق وذووه، الحزم والعزم والظن والشك ٠٠٠) [٧] يقول في المقدمة: "وقد ضمنت ذلك طرفاً من الأبيات الرائقة والأخبار الشائقة ٠٠٠" [٨] ، وكان يحرص أن يجمع هذه الأخبار وهذه الأبيات من جيد المنثور والمنظوم مما سبق من عهود التراث، في موضوعات متنوعة من الثقافة والأدب والاجتماع، جرياً على عادة الكتاب في القرن الثالث والرابع الهجريين من (أن الأدب هو الأخذ من كل علم بطرف) . ويبدو أنه كان يرمي إلى أن يجعل من كتابه مادة تعليمية ينهل منها الشادون في الأدب والمتعلمون.

стр. 11527

وكان فيه إلى جانب الجد والأخبار لون من الهزل والغزل والمجون، فمن شاء وجد منه ناسكا يعظه ويبكيه ومن شاء صادف منه فاتكاً يضحكه ويلهيه [٩] ، كما يقول. وطريقته في التأليف فيه هي أن يجمع تحت الموضوع الذي عقده ما يناسبه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم مأثورة وأشعار مروية وأخبار سائرة وأمثال نادرة. ويبدو أن كلمة (محاضرات) الأدباء كانت تعني مجالسهم وما يطرح فيها من أدب وأخبار. وقد لقي هذا الكتاب عناية كبيرة فقد ترجم إلى اللغات الأوربية [١٠] , وهذب وشذب [١١] , ونشر عدة مرات في القاهرة وفي بيروت [١٢] . أما (مجمع البلاغة) فهي المخطوطة التي قمت بتحقيقها من أعمال الراغب، وقد وجدت من التحقيق أنها في أغلبها مأخوذة من كتاب المحاضرات, لذلك فهي تأخذ منهاجه ومادته إلى حد ما, ولكنها تتميز عنه بغزارة المادة اللغوية في صيغ الأفعال وصيغ الأسماء والتراكيب الأدبية، وما بين متشابهاتها من فروق دقيقة. وقد وقعت المخطوطة في نحو من مائتي ورقة تنتظم خمسة عشر فصلا, ذكرها السيوطي فيما وقف عليه من آثار الراغب باسم (أفانين البلاغة) . وذكرها غيره من بين مخطوطاته. ويبدو أن مصنفها أراد من كلمة (البلاغة) المعنى الأدبي الذي يعني ببليغ القول وفصيحه من شعر ومن نثر، ولم يرد المعنى الاصطلاحي منها. أما كلمة (مجمع) فإنه يريد منها أنها تجمع فيها كل أركان الفصاحة والكلام البليغ. أما كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) فسيأتي الحديث عنه في تبيين أثر الراغب اللغوي- إن شاء الله-. خطة بحث:

стр. 11528

فإذا ما حاولنا بعد ذلك التعرف على جهوده في ميدان اللغة فإننا سنجدها مبثوثة في مصنفاته الأدبية أو في مفردات ألفاظ القرآن بوجه خاص أو في سائر مصنفاته. وقد برزت له معها جهود لغوية أخرى يمكن أن نجمعها في شكل قضايا لغوية متفرقة، سنعرض لها- إن شاء الله- بعد أن نقف على ما حوت مصنفاته أولاً من هذه الجهود. أما في مصنفاته الأدبية فقد عني باللغة عناية خاصة تمثلت في تجميع مفرداتها المتلاقية المعاني المختلفة الأشكال في أسر لغوية، تجد ذلك في الأفعال وفي الأسماء وفي التراكيب التي يقترب بعضها من بعض في الدلالة وتختلف عنها في الصياغة. ففي معنى (الكبر والضعف) يقول: "احقوقف ودنف وتأطَّر وانحنى، وخانته القوى، وخذلته الأركان، وتقوس من الكبر، وبلِي كما يبلى الشجر، غيض بصره وأجلاده، ولان أجياده، صار كعظم الرمة البالي" [١٣] فالأفعال الأربعة الأولى أفادت المعنى بنفسها، أما سائر أفعال هذا المعنى فلم تتضح إلا بإكمال التركيب الذي ترد فيه. وفي جميع المفردات الاسمية التي تنتظم تحت معنى واحد وفي توضيحها ننظر إلى المثال التالي: "القَرْم أكل الصبيِ والخضْد للعقل والخَضْم للرطب والقَضْم لليابس، والقطم بأطراف الأسنان كالرمان، والكَشْم والكَشْذ كنحو القثاء، والَمسْغ والمسع كالبطيخ والكَشْب للحم، والعَلْك لكل معقود والكشّ لذوات الحافر" [١٤] . أليس يذكرنا الراغب في مثل هذه المجموعات، وما أكثرها في مجمع البلاغة بوجه خاص وفي المحاضرات، بما عرف في فقه اللغة بالفروق والذي ظهر بشكل واضح في كتاب أبي منصور الثعالبي (فقه اللغة وسر العربية) ؟. إن الباحث حينما يتعمق في هذه المجموعات اللغوية أو الأسر اللغوية في أعمال الراغب، يجد أنه لا يبعد كثيراً عن المراحل المتتالية التي قطعتها معاجم المعاني حتى ارتقت في كتاب الثعالبي في الشرق وفي مخصص ابن سيده في الغرب [١٥] .

стр. 11529

ففي (القِرى) يقول الراغب: "المأدُبة والوليمة والعُرْس والخُرْس والإعذار والنقيعة والوكيرة والعقيقة والوضيمة للدعوات" [١٦] ولدى البحث نجد لهذه الأسرة اللغوية أصلاً في كتاب (تهذيب الألفاظ) لابن السكيت [١٧] ، حيث يقول: " ... ِ والوليمة طعام العرس.. والوكرة والوكيرة الطعام الذي يصنعه الرجل عند فراغه من بناء داره فيدعو عليه، والإعذار والعذره طعام الختان.... والنقيعة طعام الأملاك.... ويقال لطعام الولادة الخُرس والذي تطعمه النفساء الخُرْسة ... " [١٨] . إن مقابلة هذه المجموعة اللغوية في الكتابين تدل على أن الراغب قد اطلع على ما في تهذيب الألفاظ ولم ينهج منهاجه في التفصيل فيما بين المفردات المتشابهة من فروق. ولنتأمل المجموعة اللغوية التالية في أثار الراغب: "تقول في إصلاح الفاسد: أصلح فاسدَه وحصد معانده وقَوَّم مائده ولمَّ شَعْثَه ورَمَّ رَثّه ومنتكثه وآسى كَلْمَه، حسم الأدواء بكيّه وإنضاجه وِادمل الجروح بطبه وعلاجه، رتق الفتوف بعد تفاقمها واستفحالها ... نهض إلى فَتْق فرتَقَه وخرْق فرقعه وشَعْثٍ فلّمه ونشرٍ فضّمه.... تألف النافَر، سد مختله واصلح معتلّه ... " [١٩] . ولنتأمل معها المجموعة اللغوية الأخرى من الألفاظ الكتابية للهمذاني (٣٢٠ هـ) : "في باب معنى أصلح الفاسد تقول: لم فلان الشعث وضم النشر ورَمَّ الرث وسد الثغر ورقع الخرق ورتق الفتق وأصلح الفاسد وأصلح الخلل وجمع الشتات وجبر الوهن" [٢٠] . إننا نجد أن لا بد من وجود علاقة تَأثّرٍ بين المجموعتين، أو المجموعة الواحدة في الكتابين، على الأصح. فكما أن الراغب أفاد من ترتيب سابقه كذلك شقق التعابير ووسّع فيها، في إطار المعنى العام الواحد لمختلف التعابير.

стр. 11530

وقد صنَّف في مثل هذه المجموعات اللفظية قدامة بن جعفر، أيضا، كتابا في (جواهر الألفاظ) [٢١] وكان الفصل الأول فيه باب إصلاح الفاسد. وقدامة من كتاب القرن الرابع الذي أظل الراغب، فيما نرجح، وأظل أبا منصور الثعالبي. ويبدو أنهم لم يكتفوا بمرحلة السمع والتأنقات اللفظية بل تخطوها إلى التأليف في الألفاظ، كما يلاحظ باحث حديث [٢٢] ، وهو يعني أنهم جعلوا ينظرون إلى الألفاظ نظرة تفوق ما بينها من محسنات إلى مستوى تجميعها في أسر ومجموعات. وقد نجد أن الراغب كان يغتنم فرصة التعبير الغامض فيبادر إلى شرحه من خبرته اللغوية، شرحا معجميا، دقيقا، مثل قوله: "اللَّفَفُ أن يدخل بعض حروف في بعض، والعُقْله أن يعتقل لسانه، واللّكْنَه إذا دخل حروف العجم منه والحُكْلة نقص في آلة الكلام " [٢٣] . وكثيرا ما يرد الكلمات إلى معانيها اللغوية الأولى التي اشتقت منها، كقوله: "كَعَمه الخوف من الكِعام الذي يوضع على أنف البعير" [٢٤] وقوله: "المخضرم الذي لحق الجاهلية والإسلام, وقيل مخضرم الدولتين لمن لحق بني أمية وبني العباس وأصله من لحم مخضرم أو من المخضرمة وهى القطعة التي تقطع من أذن الناقة " [٢٥] . أما ما في المفردات ثم ألفاظ القرآن من جهود لغوية فإننا نحاول أن نتعرف عليها الآن، بعد ما حاولنا الإشارة إلى ما في هذا المصنف الكبير من أثر في التفسير القرآني ولنتعرف على منهجه في هذا المصنف وعلى غايته من تصنيفه من مقدمته، يقول فيها: " وقد استخرت الله في إملاء كتاب مستوفي فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي، فتقدم ما أوله الألف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم، معتبرا فيه حروفه الأصلية دون الزائدة، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب" [٢٦] .

стр. 11531

إنه، أولاً، يريد أن يقيم مؤلفه على ألفاظ القرآن لا على معانيها وبذلك يقترب من عمل المعاجم التي تعنى بشروح الألفاظ. وهو، ثانياً، ينوي أن يرتب هذه الألفاظ باعتبار أوائلها وفقا لترتيب حروف الهجاء: الألف مع الباء والألف. ثم الألف مع الباء والباء، ثم الألف مع الباء والتاء ثم الألف مع الباء إلى ... الياء، وهكذا يفعل بسائر الحروف. وهو، ثالثا، يبدأ بالحروف المجردة للكلمة قبل أن يأخذ في مزيداتها، وهي طريقة المعاجم. وهو، رابعا، يشرح تحت المادة المجردة كل ما اشتق منها وناسبها، أي اقترب من لفظها، من الألفاظ القرآني. ولنختر مادة من مواد هذا المصنف، لنرى إلى أي مدى حقق الراغب عملياً هذا المنهاج، ولنبحث عما يميز كتابه هذا عن أعمال سائر اللغويين، ولتكن مادة حَسُنَ: حَسُنَ: الحُسْن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه. وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحسّ. والحَسَنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله. والسيئة تضادها، وهما من الألفاظ المشتركة، كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة، كالفرس والإنسان وغيرهما. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي خصب وسعة وظفر، وإن تصبهم سيئة أي جدب وضيق وخيبة. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ، أي من ثواب، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي من عقاب.

стр. 11532

والفرق بين الحُسْن والحَسَنة والحُسْنى أن الحسن يقال في الأعيان والأحداث، وكذلك الحسنة إذا كانت وصفا، وإذا كانت اسماً فمتعارف في الأحداث، والحسنى لا يقال إلا في أحداث دون الأعيان، والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر؛ يقال: رجل حسن وحُسّان وامرأة حسناء وحسانه. وأكثر ما جاء في القران من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي الأبعد عن الشبهة، كما قال ﷺ : "إذا شككت في شيء، فدع"، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ أي كلمة حسنة وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ . وقال : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ . وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ , إن قيل: حكُمه حَسَنُ لمن يوقن ولمن لا يوقن فلم خص؟ قيل: المقصد إلى ظهور حسنه والاطلاع عليه وذلك يظهر لمن تزكى واطلع إلى حكمة الله تعالى دون الجهلة. والإحسان: يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير؛ يقال: أحسن إلى فلان، والثاني: إحسان في فعله؛ وذلك إذا علم علماً حسناً أو عَمل عملاً حسناً, وعلى هذا قول أمير المؤمنين ﵁: "الناس أبناء ما يحسنون"أي منسوبون إلى ما يعملون. وما يعملون من الأفعال الحسنة قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ .

стр. 11533

والإحسان أعم من الإنعام؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ فالإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له، فالإحسان زائد عن العدل. فتحري العدل وأجب، وتحري الإحسان ندب وتطوع. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ . وقوله : ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . ولذلك عظم الله ثواب المحسنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ , وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ , ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ . ولدى التأمل في هذا النص قد نلاحظ الملاحظات التالية: أولاً- إن كتاب المفردات معجم خاص , وقد توفر على الشرطين الأساسيين اللذين توفرت عليهما سائر المعاجم اللغوية وهما الترتيب والشمول [٢٧] . فها هو ذا قد رتب مفردات القرآن الكريم جميعها تقريبا [٢٨] حسب حروف الهجاء باعتبار أوائلها، فمادة (حَسب) تسبق (حسد) وهما تسبقان مادة خرج وهلم جرا. ونقول: هو معجم خاص؛ لأنه يختص بما ورد في القران الكريم فقط من مواد لغوية. وبهذا قد يكون تفرد من بين أصحاب المعاجم الذين سبقوه. ولعل المعاجم الخاصة لم تظهر إلا متأخرة في اللغات الأجنبية وفي لغتنا العربية [٢٩] . ثانياً- ترتيب معجم المفردات على أساس حروف الهجاء مع مراعاة أوائل الأصول.

стр. 11534

لقد وردت مادة (حسن) في هذا المعجم في نهاية قائمة الحاء والسين وما يثلثهما: حَسّ، حسب، حَسد، حسر، حسم، حسن. ثم وردت بعد مادتها (حشر) وما يشتق منها. وهكذا يكون قد نظر إلى حرف الحاء- مثلاً- في الترتيب، وهو بذلك يخالف ما عرف قبله من معاجم ترتب المواد حسب مخارج الأصوات, أو اعتبار الحرف الأخير من المادة، كما عرف في معجم العين للخليل (١٧٠ هـ) , وتاج اللغة العربية, وصحاح العربية للجوهري (٣٩٣) , ويوافق في طريقته طريقة ابن دريد الأزدي (٣٣١ هـ) في الجمهرة في اللغة, وابن فارس (٣٩٥) الذي نرجح أن الراغب كان معاصراً له، في معجميه (المجمل) , (ومقاييس اللغة) . ثالثاً- ثنائية اللغة- ويبدوا أن الراغب قد تأثر بابن دريد أكثر من غيره؛ وذلك أننا لو نظرنا إلى قائمة الحاء والسين وما يثلثهما لوجدناه يبدأ فيها بالفعل حَسَّ ثم يأتي بعده الحاء والسين والباء. وكذلك في مادة (حَضَّ) ومادة (مَزَّ) . أليس يدل هذا على أن الراغب كان يرى ثنائية اللغة وأنها أولاً ذات أصول ثنائية؟ وقد كان ابن دريد يقسم اللغة إلى ثنائي وثلاثي ورباعي وقد لاحظ هذا في الراغب العالم اللغوي الأب انستاس الكرملي, وقال: "إنه تشبث بالثنائية" [٣٠] ، وذكر باحث آخر ذلك بإعجاب قائلاً: "إن الثنائية سمة اللغات السامية" [٣١] . ومما قد يساعد على هذا أن الراغب قد أفرد للمواد الرباعية أبواباً خاصة ولم يلحقها بالثلاثي مثل: عبقر، وعسعس، وشرذم، وسرمد، وِما ذاك إلا أنه يوافق رأيه في القول مع القائلين إن الرباعي ثنائي مضعف، فزلزل مثلاً من زلّ وعسعس من عَسَّ. رابعاً- الخبرة اللغوية - يبدو أن الراغب يدل بثقافة لغوية عريضة، يناقش فيها ما يورد اللغويون قبله بثقة اللغوي واقتدار المفكر، ففي مادة (بعض) نراه يقول:

стр. 11535

"بعض الشيء جزء منه..... ويقال ذلك بمراعاة كل، ولذلك يقابل به كل, فيقال: بعضه وكله.... قال أبو عبيدة: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي كل الذي تختلفون فيه كقول الشاعر: أو يعتبط بعض النفوس حمامها وفي قوله هذا قصور منه؛ وذلك أن الأشياء على أربعة أضرب: ١- ضرب في بيانه مفسدة فلا يجوز لصاحب الشريعة أن يبينه كوقت القيامة ووقت الموت. ٢- وضرب معقول يمكن للناس إدراكه من غير نبي كمعرفة الله ومعرفته في خلق السموات والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يبينه, ألا تَرى أنه كيف أحال معرفته على القول في نحو قوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ , وقوله: "وتفكروا"وغير ذلك من الآيات. ٣- وضرب يجب عليه بيانه كأصول الشرعيات المختصة بشرعه. ٤- وضرب يمكن الوقوف عليه بما يبينه صاحب الشرع كفروع الأحكام. وإذا اختلف الناس في أمر غير الذي يختص بالنبي بيانه فهو مخير بين أن يبين وبين أن لا يبين حسب ما يقتضي اجتهاده وحكمته. فإذاً قوله تعالى: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ لم يرد به (كل ذلك) وهذا ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه. وأما قول الشاعر: أو يعتبط بعض النفوس حمامها فإنه يعني به نفسه، والمعنى ألا أن يتداركني الموت، لكن عَرّض ولم يصرح حسبما بنيت عليه جملة الإنسان في الابتعاد من ذكر موته.

стр. 11536

بهذه القدرة اللغوية في فهم النصوص القرآنية والأشعار يناقش الراغب أبا عبيدة معمر بن المثنى أحد شيوخ اللغة والنحو في بداية القرن الثالث الهجري، ويظهر خطأه في أن معنى كلمة (بعض) في الآية ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ هو (كل) وذلك بفقه شرعي متميز يوضح ما يجوز لصاحب الشرع أو للنبي ﵇ أن يبينه وما لا يجوز له أن يبينه، وبالتحاكم إلى فهم سليم لنصوص الشعر، في شطر بيت الشعر المنسوب إلى لبيد، حيث يعني نفسه ولم يعن كل الناس، وننظر إلى قوله: "وهذا ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه"، إنه يريد أن يقول هذا ظاهر في كل نظر متجرد عن الهوى وبالنظر الموضوعي، كما نقول في هذه الأيام. ولننظر إلى قوله: "حسبما بنيت عليه جملة الإنسان في الابتعاد من ذكر موته"أليست نظرة واقعية إلى طبائع الناس في استبعاد ذكر موتهم، في هذه الحياة؟ خامساً- تطور اللغة- ويبدو أن أبا القاسم الراغب لا يتوفر على خبرة لغوية واسعة وعلى فهم دقيق لأسرار هذه اللغة وحسب؛ بل إن خبرته اللغوية قد مكنته من إدراك التطور الذي أصاب اللغة العربية منذ مرحلة النشأة الأولى التي تبدو في مفرداتها المطلقة على الأمور المادية المحسوسة إلى مرحلة التطور والتقدم الذي أخذت فيه هذه المفردات دلالات اصطلاحية ومعنوية جديدة, ولننظر لذلك فيما قال في كلمة (الفارض) : " (والفارض) : المسنَّ من البقر، قال: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ ، وقيل: إنما سمي فارضا لكونه فارضا للأرض أي قاطعا، أو فارضا لما يعمل من الأعمال الشاقة، وقيل: بل لأن فريضة البقر اثنان: تبيع ومسنة، فالتبيع يجوز في حال دون حال، والمسنّة يصح بذلها في كل حال. فسميت المسنّة فارضة لذلك. فعلى هذا يكون الفارض اسماً إسلامياً".

стр. 11537

يريد أن كلمة (فارض) بمعنى المسنة من البقر معنى ظهر في اللغة بمجيء الإسلام، فهي لم تعرف هذا المعنى من قبل، وقد عرفت بدلالتها المادية في فرض الأرض أي قطعها وتشقيقها في الحراثة أو بما يماثله من الأعمال الزراعية الشاقة. وبهذا يدل الراغب على تنبهه لمعاني المفردات في المعنى المادي وفي المعنى الاصطلاحي المعنوي الذي يواكب التطور الحضاري. وهو سبق أرَى أنه يدل على عقلية متفتحة وسبر للغة العربية نادريَن، فكثيراً ما شغل الباحثون في عصورنا الحاضرة عن الألفاظ الإسلامية التي أضفاها الإسلام على العربية [٣٢] . سادساً- الراغب والمعاجم اللغوية - رأينا أن مفردات الراغب في ألفاظ القرآن معجم خاص بكل ما في المعاجم من شمول وترتيب وخبرة لغوية دقيقة. ولذا فإننا لا نستغرب إذا وجدنا أنه ما من مفسر لكتاب الله العزيز أو متفرغ لمعاجم اللغة يأتي بعد عصر الراغب، الذي رجحنا أنه عاش إلى أوائل المائة الخامسة للهجرة، إلا يحتاج من هذا المعجم الفريد، بصريح الإشارة إلى المصنف أو صاحبه أو دونما إشارة. أما القول بأن معجم (أساس البلاغة) الذي صنعه جار الله بن محمود الزمخشري (٥٣٨) في اللغة، وإنه مقتفٍ لأثر الراغب في ترتيب مواده اللغوية فهو قول قد يصح ويجوز، وقد يدفعه رأي آخر بأنه تطور طبيعي بدأه ابن دريد الأزدي وسار الآخرون على سنته. أما في سائر مصنفاته فإننا نجد الخبرة اللغوية أيضا تتضح في تناول الراغب كثيراً من مفردات اللغة بالشرح والتوضيح بين المعاني المتقاربة للألفاظ المتباعدة. فلننظر في تناوله لكلمة (الإبداع) في أحد هذه المصنفات [٣٣] : "فالإبداع هو إيجاد الشيء دفعة لا عن موجود ولا ترتيب ولا عن نقص إلى كمال، وليس ذلك إلا للباري تعالى، وإن كانت العرب تستعمل الإبداع فيمن يحفر بئراً في مكان لم يحفر فيه قبل".

стр. 11538

إنه يعيد المادة إلى معناها اللغوي المادي، وفي مصنف آخر [٣٤] يقفنا على مراحل الكلام بدقة الخبير: "إعلم أن المعنى إذا كان في النفس فعلْم، وإذا انتهى إلى الفكر فروية، وإذا جرى به اللسان فكلام، وإذا كتب باليد فكتابة، فهو بالذات شيء، وتختلف عليه الأسامي بحسب اختلاف الأحوال به، وذلك كما أن القطن مادام بحالته قطن، فإذا غزل فهو غزل، فإذا نسج فثوب، فإذا خيط فقميص أو جُبّة" إنه يبين لنا (حدود) هذه الكلمات التي عندما تنتهي تبدأ حدود كلمة أخرى. وقد سوغ هذا التقسيم بأن الأسماء تختلف باختلاف الأحوال، ووضحه بمثال القطن الذي يشبه حالات المادة الواحدة الثلاث بين الصلابة والسيولة والغازية. وفي أثر ثالث للراغب نجد الكثير مما يدل على تسخير اللغة لفهم المتشابه من آي القرآن الكريم وما بينها من الفروق الدقيقة التي تغمض لدى الكثيرين، ونعني مخطوطة (درة التأويل في متشابه التنزيل) التي يتحدث عنها في جهود الراغب في التفسير. قضايا لغوية: ويمكن للباحث أن يستخرج رأي الراغب في مجموعة من القضايا اللغوية التي تهم الباحثين اليوم. الترادف: لقد أكثر الراغب من حشد أسر الألفاظ اللغوية من أفعال وأسماء وتراكيب، كما رأينا في محاضرات الأدباء ومجمع البلاغة، بدوافع تعليمية كانت تحفزه إلى جمعها بعضها إلى جانب بعض ليفيد منها المتعلمون من أبناء عصره. وكان يجمع في الأسرة الواحدة المفردات التي تتقارب معانيها وتتباين موادها اللغوية. وهذا يحملنا على التساؤل عن موقف هذا اللغوي من الترادف في اللغة هل كان ممن يراه ويثبته أم من الذين يرون فيه رأيا آخر؟

стр. 11539

للإجابة عن هذا السؤال نستذكر المثال الذي ساقه لنا قبل قليل عن مراحل الكلام، حيث قال: "إذا كان المعنى في النفس فهو علم، فإذا خرج إلى الفكر فهو روية، وإذا جرى به اللسان فهو كلام، وإن كتب باليد فكتابة"؛ فإن بين العلم والروية, وبين الكلام والكتابة ما قد وضحه من فرق وحدده، وهو فرق في الدرجة أو الحالة، كما بين القطن في حالاته المختلفة من فروق. ولنتأمل قوله: "تختلف عليه الأسامي بحسب اختلاف الأحوال به"أي أن بينها من الفرق الدقيق الذي لا يوجده إلا اختلاف الحالات. كذلك نستذكر سخريته ممن يظنون أنهم إذا فسروا قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ : بالشكر لله, فقد فسروا القرآن، حيث قال في المكان نفسه إنه يريد أن يبين أن قوله تعالى ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ , وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ , وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ مختلف بعضه عن بعض اختلاف ما بين أولي الأبصار وأولي الألباب وأولي النهى [٣٥] . أليس يدل هذا على أنه يصر على أن فروقا لا بد قائمة بين هذه المفردات التي يحسب المتسرع أنها واحدة في معانيها؟ ومع ذلك فإننا نبحث عن أمثلة مما طرحه من المجموعات اللغوية. إنه مثلاً يفرق بين مقامات الكلام على النحو التالي، فيقول: "منابر الخطباء، ومقامات الشعراء، ومجالس الفقهاء ومقرأة القرآن ومدرسة العلماء ومجمع الأشهار ومجامع القصاص وحلق أهل الذكر ومهبط الوحي ومعدن التلاوة" [٣٦] ، إنه هنا وضح لنا الفرق في هذه المقامات العلمية عن طريق إضافتها لما هي مشهورة به، ولولا هذا التوضيح بهذه الإضافة لانبهم علينا الفرق بين المجالس والمدارس والمجامع.

стр. 11540

ويقول في مثال ثان عن (الدَرْس) : "القراءة للتحفظ، ونحوه التلقين والمطارحة، والإلقاء للتعليم، والتقطيع للعروض، والتلاوة للقرآن، والإنشاد للأشعار وكذلك الرواية، والرواية للحديث، وكذلك السرد، والهذّ إجادة القراءة، والإملاء فيما يكتب، والتفسير والتأويل للغريب، والتعبير للرؤيا، والحل للمشكل" [٣٧] . إنه يقفنا بدقة الخبير اللغوي على مدى ما بين هذه المفردات المتقاربة المعاني المتباينة المباني من فروق دلالية لئلا يظن الظانون أن الواحدة منها تجوز في مكان الأخرى. إنه يلتقي في ذلك مع قول القائلين بنفي الترادف؛ "لأن في كل واحدة من الألفاظ المتجانسة معنى ليس في الأخرى" [٣٨] . وإذا قلبنا في مصنفاته الأدبية صفحات أكثر وجدنا أنه يسرد بعض مفردات الأسرة الواحدة دون إضافة كقوله: "ودَّه، وصافاه، وخالصه، وخادنه، وقارنه، وعاشره، وسامره، وألفه، وحالفه، وصاحبه، وواكبه.... وهي أفعال في المحبة ومعاني المعاشرة" [٣٩] ولكنه في مجموعات أخرى يوضح الأصل والفرع كقوله: "الإثم والفجور، كنايات عن الكذب" [٤٠] , وقوله (في أسرع) : "أسرع وألهب وأهذب، أما هب وعصف ومطر وطار وانقض واضطرم والتهب وترامى فكنايات عن العدو" [٤١] . وليس عبثاً قوله: "تقول في وصف سيف: ماض وحسام وصمصام ومهند ومخذم ... " [٤٢] ، فإنه يذكرنا بالحكاية التالية التي يسوقها من لا يقبل بالترادف "قال أبو علي الفارسي: كنت بمجلس سيف الدولة بحلب, وبالحضرة جماعة من أهل اللغة, ومنهم ابن خالويه, فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسما، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ له إلا اسما واحداً هو السيف، قال ابن خالويه: فأين المهند والصارم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي: هذه صفات" [٤٣] . دفاع عن القوالب الأدبية:

стр. 11541

لقد كثر في محاضرات الراغب ومجمع بلاغته التراكيب الأدبية التي جمعها من مأثوِر المنثور من تراث الأدب العربي حتى عصره، وذلك كقوله في الكنايات عن الموت: "قَرَض رباطه، ولعق إصبعه، استوفى أكله أي استوفى رزقه كناية عن الموت، جَرِضَ بريقه واصفرت أنامله، واستأثر الله به، ونقله إلى جواره، وتوفاه، خصه الدهر، ونقبت عنه المنية، ولاقى الذي يشعب الفتيان فانشعبا، اخترمته المخارم، وَجَبَتْ نفسه، ونضب عمره، اعلق أسباب المنية، ودع الدنيا، خلّى مكانه، وتهدم عرشه، وسالت مقامته، وشرق بدم الوتين أخنى عليه الذي أخنى على لبد، قامت عليه النوائح، هوت أمه، ضمت عليه المقابر.... طارت عقاب المنايا في سقائفه.... الخ" [٤٤] . وفي العصر الحديث برز على ألسنة بعض نقاد الأدب ما يقف من هذه القوالب الأدبية في الكتابة الفنية، موقفا مغايرا. فهي عندهم دلائل صنعة لفظية ظلت تخنق الإبداع في النثر قرونا من الزمان، بما فيها من أشكال أدبية تشبه (الكليشهات) القديمة التي تفرض نفسها على الأسلوب الحديث. فإن بعض هذه التراكيب قد أصبحت مبتذلة لكثرة ترديد الأجيال لها, حتى صارت تفقد معناها من كثرة الاستعمال، فهل يعرف الناس المعنى الحقيقي لقولهم: "رفع عقيرته", وقولهم: "نسج على منواله", وقولهم: "الشمس في كبد السماء كدرهم"؟ [٤٥] .

стр. 11542

وقد لاحظ أحد الباحثين أن بعض هذه التعبيرات قد أصبح مبتذلاً إما لكثرة الاستعمال كقولهم: "شط المزار"مثلاً، وإما لتغير العصور كوصف العاشق لفتاته بأنها واضحة الأنياب, وإما لعدم الوقوف على المناسبات الأولى لإطلاقها كقولهم: "رفع عقيرته" [٤٦] . ولاحظ أيضا أن ثمة تعبيرات لا يمكن الاستغناء عنها وعن ترديدها من مثل الكلمات الواضحة الدلالة التي اكتسبت عراقة الدوام مثل أسر الصبا وصروف الدهر ومثل الصفات الغالبة الباقية العقاب الكاسر، والبرج الشاهق ومن مثل تشبيهات الشعراء المتصلة بالعواطف الإنسانية الباقية مع الإنسان [٤٧] .

стр. 11543

إن الباحث حينما ينظر في هذه الدعاوى يجد أن الدافع إلى هجر هذه التراكيب هو سيطرة الصنعة اللفظية على الكتابة منذ عهود القاضي الفاضل والحريري، بما فيها من إيثار للشكل وغرام بتزويق الألفاظ دونما احتفال بما تحتها من معانٍ. ولكن ما يمكن أن يكون متبعا للقديم، في عصر من العصور، لا ينبغي أن يكون سببا في الإزراء بكل ما خلفته جميع العصور من هذا اللون الأدبي. فليست العصور النثر الفني متصفة بأسرها بهذه الصفة. فلنبحث عن نثر فني ظهر في جيل وكان كبير التأثير في الناس، في عصره ولم يزل ذا تأثير مماثل إلى أيامنا هذه. وأول ما يخطر في البال في هذا الصدد الأسلوب القرآني المعجز الذي تكفل الله -جل وعلا- بحفظه مادامت السموات والأرض. ثم أتت من بعد ذلك عهود على النثر الفني كان رفيع القدر عالي التأثير في آثار كتاب العصر العباسي الأول الكثيرين. أفهل كان نثر الجاحظ والتوحيدي وابن العميد مطلقا من القوالب اللفظية؟ ولماذا جهد ابن السكيت والهمذاني وقدامة بن جعفر في التأليف في هذه القوالب وتدوينها وجمعها في أسر ومجموعات؟ ألم يقدم هؤلاء للغة والأمة والتراث خدمات جليلة فيما كانوا يرمون إليه من أهداف تعليمية يتمنون أن ينشأ عليها شداة الأدب في عصر تشعبت فيه آثار الشعوبية وفشا فيه أثر اللحن. ثم إن كان هذا يصدق في العصر العباسي الأول أفلا يصدق على أبناء العربية اليوم؟ في زمن أصبحت اللغة العربية تزاحمها اللهجات المحلية والعامية والركاكة والأساليب المستهجنة؟. إن الحفاظ على اللغة بما فيها من تراكيب ودلالات يقع على عاتق أبنائها. فهي من مسئوليتهم القومية والدينية والحضارية قبل أن تكون تراكيب وقوالب، فإذا شاءوا أن يقفوا وراء هذه اللغة أبقوا فيها الحياة. أليس المعوّل عليه في هذه التعابير هو أن تعيش في أنفس قائليها كما قال أحد الباحثين؟ [٤٨] . الاشتقاق:

стр. 11544

عندما أراد الراغب أن يشرح في (مفردات ألفاظ القران) ، مادة (حسن) ومشتقاتها عرّف الحسن بالبهجة المرغوبة. وبعد هذا التعريف العام (للحسن) شرع في توضيح المعنى الخاص لكل المواد المشتقة من الحسن مثل الحسنة والحسَن والحسنى وأحسن والحسنيين والإحسان. وبهذا ترى أن الراغب قد تأثر بابن دريد في (جمهرة اللغة) في الأخذ بنظرية الاشتقاق، وحينما توقف عند المعنى العام لأصل المشتقات، حيث تلتقي جميعها. وبعد أن شرح المعنى العام مضى يوضح ما تختص سائر مفرداته. يقول ابن جني في تعريف هذا اللون من الاشتقاق، ويسميه الاشتقاق الصغير: "فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم، كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتقرأه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب (سَلِمَ) فإنك تأخذ من معنى السلامة في تعريفه نحو سلم ويسلم ويسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم: اللديغ أطلق عليه تفاؤلاً بالسلامة" [٤٩] . ومثله قد انطلق الراغب من معنى (الحسن) الذي هو الابتهاج والرغبة, ليحدد بعد هذا المعنى العام المعاني الخاصة في الحسنة والحَسَن والحسنى..... الخ تبعاً لما تضيفه أوزانها الصرفية على المعنى الأساسي. ويبدو أن أبا القاسم الراغب قد عرف أيضا لونا آخر من ألوان الاشتقاق: ولتوضيح ما نقول نوضح أولاً هذه الألوان المختلفة في الاشتقاق. فالاشتقاق "هو أخذ كلمة من كلمة أو أكثر مع تناسب بينهما فاللفظ والمعنى" [٥٠] ، وأشمل تقسيم لأنواع الاشتقاق ما قسمه أحد الباحثين وهو: ١-الاشتقاق الصغير، ومنه المشتقات السبع المشهورة: كاسم الفاعل، اسم المفعول واسم المرة، والهيئة، والزمان، والمكان، واسم التفضيل. ٢- الاشتقاق الكبير، وهو انتزاع كلمة من أخرى بتغيير في بعض أحرفها مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق الأحرف الثابتة وفي مخارج الحروف المتغيرة، وذلك نحو جثا وحذا، وبعثر وبحثر.

стр. 11545

٣- الاشتقاق الكُبار، وهو ما أسماه ابن جني الكبير أو الأكبر مثل ملك وتقلباتها. ٤- الاشتقاق الكبّار، بتشديد الباء، وهو المعروف عند اللغويين بالنحت كالدَمْعَزة من دام عزّك [٥١] . وعن الاشتقاق الكُبار يقول ابن جني: "وأما الاشتقاق الأكبر: فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، فإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد (مثل أصل كلم الذي يؤخذ منه كمل وملك وكلم ولمك) " [٥٢] . ويمثل هذا اللغوي الكبير على ما يقول بمادة (جَبَر) التي تعني أصلاً القوة والشدة وما يظل قريباً من معناها هذا من تقاليبها الستة: الجبر والبرج والجراب والمجرّب. وهذا اللون من الاشتقاق الذي شهر به ابن جني وأستاذه أبو علي الفارسي، والذي يقول أحد الباحثين إنه يدل على تطور لغوي جيد، هو الذي قلنا إن الراغب قد عرفه. ففي مادة (فكر) في المفردات يقول: "رجل فكّير كثير الفكرة: قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو ترك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها". وفي مادة (وجه) يقول الراغب: "وقال بعضهم: الجاه مقلوب عن الوجه". وفي مادة فسر يقول الراغب: "الفَسْر والسَفْر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ومنه قيل لما ينبئ عن البول تفسره وسمي بها قارورة الماء، وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار. فقيل سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح". نلاحظ في هذا النص قوله عن (الفسر والسفر يتقارب معناهما لتقارب لفظيهما) وهو ما يريده الاشتقاقيون بالاشتقاق الكبير.

стр. 11546

وننظر في مثال آخر وهو يعرض لأنواع الأكل، وقد عرضنا له من قبل أيضاً، يقول: "القرم أكل الصبي، والخضد للبقل، والخضم للرطب، والقضم لليابس، والقطم بأطراف الأسنان كالرمان، والكشم والكشذ لنحو القثاء، والمسغ والمسع كالبطيخ". ألا نلاحظ علاقة لفظية ومعنوية بين الخضد والخضم، وبين الخضم والقضم والقطم، وبين الكشذ والكشم، وبين المسغ والمسع؟ إنني أحسب أن الراغب لم يرتب هذه الأزواج اللفظية وهذه المفردات المتقاربة الألفاظ والمباني عبثاً، وما أحسبه حينما قال (أحد الأدباء) ألا يعني في العلاقة بين فكر وفرك، إلا أحد اثنين هما ابن جني وأبي علي الفارسي. ولا حاجة بنا إلى أن نمثل على أثر الاشتقاق في تنمية ألفاظ اللغة على مر العصور، وعلى أثر الراغب الأصفهاني في هذه التنمية. -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع بروكلمان ١/ ٢٦٩ والأعلام ٢/٢٧٩ ومعجم المؤلفين٤/٥٩. [٢] راجع بغية الوعاة ٣٩٦ وكشف الظنون١/٥٣٠. [٣] فلم يترجم له معجم الأدباء ووفيات الأعيان وسير أعلام النبلاء وتاريخ بغداد مثلاً. [٤] مثل أبحاث أحمد أمين وزكي مبارك وآدم متميز وكتب تاريخ الأدب العربي. [٥] جورجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، دار الهلال ج٣. [٦] د. عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي ٣/٢١٤. [٧] طبعة دار مكتبة الحياة، ١٩٦٠، في مجلدين. [٨] ترجمة فلوجل-دائرة المعارف الإسلامية المجلد٩ عدد١ ص ٤٠٧. [٩] طبعة دار مكتبة الحياة ١٩٦٠ في مجلدين. [١٠] نشره إبراهيم زيدان عام ١٩٠٢ مختصرا، ونشره أنور الجندي عام ١٩٦٠ مختصراً، وزارة الثقافة المصرية. [١١] طبع عام ١٢٨٤ بمطبعة بولاق وعام ١٢٨٧ بالمطبعة العثمانية و١٣٠٥ بمطبعة جمعية المعارف، ١٣١٠ بالمطبعة الشرفية، ١٣٢٢ مطبعة السعادة، ١٣٢٦ المطبعة العامرة.

стр. 11547

[١٢] طبعة دار مكتبة الحياة ١٩٦٠ في مجلدين. [١٣] جمع البلاغة ص ٢٤١. [١٤] مجمع البلاغة ٣٥٨ ولعله يريد بالكش صوت ذوات الحافر وهي تأكل. [١٥] راجع لذلك المعجم العربي، نشأته وتطوره، د. حسين نصار. وحركة التأليف عند العرب د. أمجد الطرابلسي. [١٦] مجمع البلاغة ٣٩٢. [١٧] يعقوب بن اسحق (٢٤٤هـ) حققه وفهرسله٩ لويس شيخو بيروت ١٨٩٥. [١٨] المصدر السابق ص٦١٤. [١٩] مجمع البلاغة ص ١٧٥. [٢٠] من فصل من فصول الباب الأول من الألفاظ الكتابة لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، حققه ونشره لويس شيخو بيروت الوضيمة: طعام المآتم. النقيعة: ما يذبح للضيافة أو طعام الرجل ليلة عرسه. [٢١] تحقيق محيى الدين عبد الحميد،القاهرة،١٩٣٤. [٢٢] د. زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع.١/٨٦. [٢٣] مجمع البلاغة ص٥٧. [٢٤] مجمع البلاغة ص١٩٣. [٢٥] مجمع البلاغة ص٥٣. [٢٦] طبع بعناية محمد سيد كيلاني. [٢٧] راجع لذلك حركة التأليف عند العرب وأمجد الطرابلسي، والمعجم العربي، نشأته وتطوره د. حسين نصار. [٢٨] أقول تقريبا لأنني اطلعت على استدراك مخطوط عليه عدد مواد قرآنية لم يتعرض لها، رقم ض٤٤٨ مكتبة راغب باشا باستانبول. [٢٩] لم تعرف في لغتنا إلا حديثا معجم المصطلحات الزراعية، والمعاجم الطبيعية والفلسفية والاجتماعية مهلاً. [٣٠] راجع لذلك دراسات في فقه اللغة د. صبحي الصالح ص١٦٢، وهذا يوافق رأي الكرملي. [٣١] المرجع السابق، ص١٦٤. [٣٢] ولنلاحظ استخدامه لكلمة الفريضة في قوله (فريضة البقر اثنان) وهو تركيز على المعنى اللغوي لها، جاء في القاموس المحيط (أن الفريضة ما فرض في السائمة من الصدقة) . ولا ننس المعنى الاصطلاحي لها فيما فرض الله على الناس مت أحكام. [٣٣] الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص٢١٩.

стр. 11548

[٣٤] مخطوطة تحقيق البيان، الورقة رقم٩. [٣٥] مقدمة مفردات ألفاظ القرآن، للراغب. [٣٦] مجمع البلاغة ص٧١. [٣٧] مجمع البلاغة ص٧٧. [٣٨] دراسات في فقه اللغة د. صبحي الصالح: ٣٤٣. [٣٩] مجمع البلاغة ص٣٠٧. [٤٠] مجمع البلاغة ص٨٣. [٤١] مجمع البلاغة. [٤٢] مجمع البلاغة ٣٠٠. [٤٣] المزهر للسيوطي ٣م٤٠٢ دراسات في فقه اللغة د. صبحي الصالح ٣٤٦/ ٣٤٧. [٤٤] مجمع البلاغة ص٤٩٩. [٤٥] على النجدي ناصف في كتاب له عن اللغة والأدب، وزكي مبارك، النثر الفني ١/١٨٠. [٤٦] د. زكي مبارك، النقر الفني في القرن الرابع، دار الجيل،١/١٨٠ أيضاً. [٤٧] المرجع السابق ١/١٨١. [٤٨] د. زكي مبارك، النثر الفني في القرن الرابع الجزء الأول ص ١١٠. [٤٩] عن كتاب (فقه اللغة) د. طه عبد الحمد طه، مطبعة دار التأليف، مصر، ١٩٧٠، ٢/١٥٢. [٥٠] المرجع السابق والصفحة. [٥١] المرجع السابق والصفحة وهو يعني (بأحد الباحثين) الدكتور عبد الله أمين. [٥٢] المرجع السابق.

стр. 11549

صفحة لغة قل..ولا تقل للشيخ ضياء الدين الصابوني الموجه التربوي للغة العربية بالجامعة الإسلامية ١- تَلعَة - تِلعة التَلْعة: بوزن القَلْعة: ما ارتفع وانخفض من الأرض فهو من الأضداد جمع تِلاع. قال طرفة: ولكن متى يسترفد القوم أرفد ولستُ بحلاّل التلاع مخافةً وهناك من يجمعها على (متالع) وهو خطأ. ونزلتُ بتَلْعة كذا. وأعشبت الِتلاع. ٢- سَنام - سِنام السَنام: بالفتح أعلى الجمل واحد أسنمة الإبل ومنه سَنام الإسلام، وفي الحديث "وذروة سَنامه الجهاد" وهو سَنَام قومه، ورجل سَنِم: عالي القدر. وجمل سَنم وناقد سَنمة: عظيمة السَنام. ٣- نَضرة - نُضرة النَضْرة: بالفتح بوزن البَصرة: الحسن والرونق وقد نضُر وجهه ينضُر بالضم. (نَضْرةً) بالفتح أي حَسُنَ، ونضُر نَضْرةً ونضَارةً وفي التنزيل ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي بريقه وروْنقه. ٤- رَعبه - أرعبه الرُعب: الخوف, رَعبَه يرعبُه كقطعه يقطعه. رُعبا بالضم: أفزعه. ولا تقل: أرعبه. ٥- معدِن - معدَن بكسر الدال بوزن مجلِس. تقول: فلان في معدِن الخير والكرم، وهو من مراكز الخير ومعادِنه. ومركز كلّ شيء معدِنه. ويقال للمعادن كالحديد وغيره وللأصل معدِن أيضاً وكلّه بكسر الدال. يا أهلَ طيبة حيّا الله معدِنكم.. ٦- خلَق - خلِق أو خلْق ثوب خلق: بفتح اللام أي بالٍ. وخلَق: بالفتح يستوي فيه المذكَر والمؤنث فتقول: ثوب خلَق وملاءة خلَق. قال الشاعر: إنما الأحمق كالثوب الخلَق اتّقِ الأحمقَ أن تصحَبه ٧- الهناءة - الهَناء الهناءة بالتاء: المسرّة. والهناء: القطران. ٨- رُخاء: بالضم - رَخاء

стр. 11550

ريح رُخاء: لينة الهبوب، جاء في المختار: ورُخاء بضم الراء الريح اللينة. وفي التنزيل ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ ٩- قلْ: الحيْرة: بفتح وسكون - ولا تقل: حِيرة: بالكسر تقول: أنا في حَيْرة من أمري. حار الرجل في أمره فهو حائر وحَيْران. وامرأة حَيْرى. وهم وهنّ حَيارى. والحِيرة: بالكسر مدينة في العراق بقرب الكوفة. ١٠- ميْدان - مِيدان بفتح الميم. قال الشاعر: سُمُّ الخياطِ مع الأحباب مَيدان رُحبُ الفلاة مع الأعداء ضيّقة ١١- نضْج - نضوج نضج نَضجاً ونُضجاً: بضم النون وفتحها. وكثير من الكتّاب يخطئون فيها فيقولون: نضوج فكري ... والصواب نُضج فكري، نُضج اجتماعي ... ١٢- حماسة - حماس الحماسة: بالفتح الشجاعة، وهم أهل السماحة والحماسة ومنه ديوان الحماسة لأبي تمام، وشعر الحماسة، وحماسة البحتري. والحماس: ضرب من الشجر. ١٢- حدَب - حدْب بفتح الدال. الحدَب: ما ارتفع من الأرض و (الحدَبة) بفتح الدال أيضاً التي في الظهر. تقول: جاء القوم من كلّ حدَبٍ وصوْب. ولا تقل: حدْب: بسكوت الدال. قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ آي من كل أكمة ومن كل موضع مرتفع. ١٤- أجبْ عن - أجبْ على تقول: أجابه عن سؤاله, وأجبْ عن الأسئلة.... واستعمال بعض الأساتذة في الامتحان (أجب على الأسئلة) لحن. ١٥- حلْقة - حلَقة بسكون اللام. تقول: حلْقة الباب، وحلْقة القوم، وهم كالحلْقة المفرغة. قال طرفة: وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد فإن تبغني في حلْقة القوم تلقني قال أبو عمرو الشيباني: "ليس في الكلام حلَقة بالتحريك إلاّ الذين يحلقون الشعر". ١٦- هُرِع: بالضم - هَرع

стр. 11551

الإهراع: الإسراع، ويقال: أقبل الشيخ يُهرَع. وفي التنزيل ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ . وفلان يُهرع من الغضب والبرد والحمى. كلمات لها معنى قال عمر بن عبد العزيز: "إذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى يأتي خصمه فلعله قد فقئت عيناه معاً".

стр. 11552

برهان الحق في الخلق (٢) د. عز الدين علي السيد كلية اللغة العربية مَنْ أخطَأوا سِرًها في حكمهم مانوا! لله في الكون آياتٌ وبرهان. عن الطعومِ..بها راوٍ وغَصانُ. انظر ذَوَاتِ الجهنى والشِّرْبُ مستمد. ريحاً ولوناً.. فنسرينٌ وريحان. حلوٌ ومرّ وفي الأزهار مختلفٌ. لها من الجنس في البستان ذكرانُ. وانظر إناثا من الأشجار حانيةً. إن لم تَلاَقه لبعد الدار أغصان. لواقح الريح رُسْلُ الوصل بينهما. له من الخلق بالإتقان إذعان. لله في كونه المنظور برهانُ. واسألْ بِه البحْرَ في جنبيه ركبانُ. فاسألْ بِه النهْرَ عذْبَ الماء يُمْتعُنا. -لُطْفاً بنا- برْزخ يعّدوه عدوان. ملحاً أجَاجاً.. يلاقي النهر.. بينهما. مسخرٌ.. بصنوف الخير ملآن. لا يبغيان.. وكل في وظيفته. ما مسًهُ الوهنُ منها وهى أطنان. فاعجبْ له تحْملُ الأثقالَ صفحتُهُ. فيه العجائب منها العقلُ حيران!. في جوفه عالمٌ حيّ كعالمنا. فكيف تحيا الماء حيتان؟. يموتُ منا غريقُ الماء مختنقا. من الحياة لها بالأرض حرمان!. فإنْ عدَتهْ إلى أرجائنا اختنقَتْ. وكيف يولد بين الرمل مرجان؟. وكيف تحْمى بأصدافٍ لآلئُهُ. ما غاض في الرمل أو أعياه نقصان؟. وكيف مرَّتْ دهور وهْو ممتلئ. بالعدل ما منهما بالخلف عصيان!. والمدُّ والجزْرُ ينتابان شاطئه. وكم توَلَّتْ حضاراتٌ وعمران!. وكم أقيمتْ على أبعاده مُدُنٌ.. وكيف عنه اعتَلَتْ فلأفق ملآن. واسألْ به السُّحْبَ مَنْ في الجو أنشأها يسوقها قادِر.. بالخلق رحمان!. مثل الحوامل فوق الأرض جارية. ناءتْ بجَدُبٍ عراها فهي كثبانُ .

стр. 11553

ليَفصِلَ الحمْلُ في أرضٍ لنا جُرُزٍ. إذْ جاس في العمق منها وهو هتان. تهتز أضلاعها من مُزْنه طرَبًا. ما مسَّها غير كفِّ الغيث فنان!. فتصبح الأرضُ أبهى صورةٍ خلبتْ. وحكمةٌ لو صغَت للكون آذان!. لله في كونه المنظور برهانُ. فما لها عنك إن أخلصتَ كتمان. فاسألْ به الأرضَ واسمعْ ما تُرَِّنمُهُ. للأرض منها على الأرجاء صوّانُ. هذى جبالٌ على الأرجاء شامخةٌ. فتأخذَ الكون ويلاتٌ وأحزان. تُرْسِ الجوانبَ أنْ تهتزّ مائدةً. بيضٌ.. وحُمْرٌ.. وتلك السود غربان. فيها عجيبٌ من الألوان.. ذي جُدَدٌ. كأنه خالِدٌ والموتُ غفلانُ!. وكم بها نحت الجبارُ منزله. منها وحوشٌ.. وفُتّاكٌ.. وغزلانُ. وكم بها استعصمتْ بين الذرى أممٌ. يلتذُّها في الرياض الزهرُ نشوانُ!. لم تَعْدم الرزقَ.. تلتذُّ الحياةَ كما. فيها من الهول أسدانٌ وغيلان. وفي السهول فيافٍ غيْر منْبته. حلوٌ تردده للسمع قطعان. وفي السهول مراعِ ملؤُها نغَم. شتى المشارب أعداءٌ وأحزان. وفي السهولٍ طيور كلُّها عجب. نجواه للإلْف أسجاعٌ وألحان. منها مُغَنٍّ بديعُ الوشى يفْتننا. وصائدٌ ماهرٌ للصيد يقظان. وكاسِرٌ خاطفٌ تُخشَى بوادرُه. عادِ علينا بيوت الرعب طنانُ. هذا ذبابٌ بعدْوَى الداء يزعجنا. من الرحيق المصفّى وهي ذِبان!. وتلك نحْلٌ لنا من بطنها عسلٌ. لها العروس العلَى دورٌ وأكنان. تَسْعى لكسب الجهني في سُبْلها ذللا. لهَالَنْا كائدٌ للشر نهمان!. لو لم تُسخَّرْ بوحي الله مبدعها. في كل جنس بها للقلب إيقان. سبحان من جنّس الأجناسَ مقتدراً. لو ناله مِنْ ذوي الألْباب إمعان. لله في كونهِ المنظور برهانُ .

стр. 11554

وذي عيون بها نورٌ ونيرانُ. هذى عيونٌ بعذب الماء دافقة. مثل الجنين له في الخلق إبًانُ. كم فجْرتْ ضربة في الأرض مِن ذهبٍ. فيها لمن ناله حقْد وأضغان. هاجتْ به حسداً بين الورى أممٌ. يرْقى به شاكر لله نعْمانُ. هذا يفيضُ على الأرجاء في كرم. يشقى بها كافرٌ بالرزق خوان. وذا يفيض سخيَّ البذل في نقم. وكيف خُصت به في الأرض أوطان. لم يدْر ذاك ولا هذا مصادرهُ. أم سوف يبقى له في البذل إدمان. وكم يعيش من الأعوام منطلقا. كأنهم بعد طول العمر ما كانوا. وباطنُ الأرض يَطْوى كلّ من سبقوا. كأنه عالم غشاه نسيان. وباطنُ الأرض يحويِ ألفَ معجبةٍ. كما به لطغاةِ الكفر بركان. من العقاقير والأفلاذ قد حُجَبَتْ. لا يدفع القدَرَ الغلابَ طغيان. فالله يملي فإن حقت مشيئتهُ. آياته فيه عن ما غَابَ إعلانُ. لله في كونه المنظور برهان. مِن حولنا هو للأسرار ميدان. هذا الفضاء الذي بالعين نشهده. بل عالمٌ سفّ تستجليه أذهانُ. فلا فضاءَ كما تَقْضي سذاجتُنا. ومِنْ خلايا لها روحٌ وجثمان. فيه البلايينُ مِنْ صوتِ ومن صورٍ. لك الخيالُ لهما زخم وإرنان. تدورُ أسرَعَ مما قَد يصورُهُ. ما كان قبْلُ لها في العقل إمكان. قد جسَّمتها لنا بالعلم أجهزة. حدَّانِ كالسيف: إيمان وكفران. والعلْمُ آية علام الغيوب لهُ. لها من الإنس في الآفاق عُقبان. شالت به للنجوم الغرِّ أجنحة. عَلّ الحياة به تُزهَى وتزدانُ. أرْسَتْ على البدْرِ والمريخ تذرعهُ. فرعونُ ما اسطاعها بالأمس هامان. أمنيَّةٌ كان قبل اليوم يسألها. فينشْدَه الصرح مِنْ فرعون بهتان. وربُّ موسى عن الأبصار محتجب .

стр. 11555

لكنهم عن صراط الحق عميانُ!. اليوم بالعلم للآفاق قد صعدوا. وأنت فوق سطور الكون عنوان. لله في كونه المنظور برهانُ. ماء مَهينٌ يراعى منه خجلانُ. فانظر حياتَكَ (مِكروباً) تَعَلّقَهُ. زاد يُقاف وهذا السجنُ دَجْيان. كيف استقرَ سجيناً في المضيق على. فمضغةٍ وجهُها بالسحب عيمان. يسعى به الغيْبُ من ماء إلى عَلَق. يَدُ المهيمن مخلوقا له شان. تغدو عظاما.. فتُكسَى اللحَم.. تخرجها. للقلب حبُّ وإيثارٌ وتحنانُ!. يشاهد النورَ إنساناً بطلعته. من العناصر ذات الدفع مَنّانُ. مركباً بدقيق السرِّ.. ركّبه. على الفصول.. وقد ضمتْك أحضانُ. دون الحرارة.. فوْق البرد.. مُحتمَلٌ. وقد بَدَا لك في الفكين أسنانُ. حتى انتعشْتَ به عامين في حَدَبٍ. منها عن الثدْي للعينين سلوان. لتتْرُكَ الثدْيَ لِلّذاتِ في اُكُلٍ. تُطْوَى به من كتاب العمر أزمانُ. فانقلْ خُطاكَ معي نسعَى على عجلٍ. مضى به الطيّ يُهذِي وهو أسيان كم فاجأ المرْءَ بين الأهل مِن مرضٍ وقد أُعِدَّتْ ليفْش الصبرَ أكفانُ. لم يُجْدِهِ العلم محتالاً ليشْفيه. وعاد في الأرض يجرِي وهو عجلان. هذا بجرعة ماء زال قاتِلُه. فراح.. ما ردًهُ أهلٌ وخلان! . . وفارهُ الجسم عاق الِموتُ خطوتَهُ. قد كان! قد كان! والمفجوع ولهان! تقول: قد كان مِنْ تَوِّي يحدثني!. بَدْءُ الحياة وإن نالتك أشجان!. تلك المنايا التي تخشى نوازلها. فالْقبرُ في جوْفِهِ نار وبستان. مَنْ مات قامَتْ وما نَدْرِي قيامَتُه. مِنْ دونها مالكٌ يرنُو ورضوان. يطُّلُّ فيه على مثواك نافذةٌ. .يُسعِدُكَ في ظله رَوْحٌ وريحان. فاعملْ لمثواك في ظل التقى ورعاً .
следующие страницы →