Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.
стр. 11551
الإهراع: الإسراع، ويقال: أقبل الشيخ يُهرَع.
وفي التنزيل ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ .
وفلان يُهرع من الغضب والبرد والحمى.
كلمات لها معنى
قال عمر بن عبد العزيز: "إذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى يأتي خصمه فلعله قد فقئت عيناه معاً".
стр. 11552
برهان الحق في الخلق (٢)
د. عز الدين علي السيد
كلية اللغة العربية
مَنْ أخطَأوا سِرًها في حكمهم مانوا!
لله في الكون آياتٌ وبرهان.
عن الطعومِ..بها راوٍ وغَصانُ.
انظر ذَوَاتِ الجهنى والشِّرْبُ مستمد.
ريحاً ولوناً.. فنسرينٌ وريحان.
حلوٌ ومرّ وفي الأزهار مختلفٌ.
لها من الجنس في البستان ذكرانُ.
وانظر إناثا من الأشجار حانيةً.
إن لم تَلاَقه لبعد الدار أغصان.
لواقح الريح رُسْلُ الوصل بينهما.
له من الخلق بالإتقان إذعان.
لله في كونه المنظور برهانُ.
واسألْ بِه البحْرَ في جنبيه ركبانُ.
فاسألْ بِه النهْرَ عذْبَ الماء يُمْتعُنا.
-لُطْفاً بنا- برْزخ يعّدوه عدوان.
ملحاً أجَاجاً.. يلاقي النهر.. بينهما.
مسخرٌ.. بصنوف الخير ملآن.
لا يبغيان.. وكل في وظيفته.
ما مسًهُ الوهنُ منها وهى أطنان.
فاعجبْ له تحْملُ الأثقالَ صفحتُهُ.
فيه العجائب منها العقلُ حيران!.
في جوفه عالمٌ حيّ كعالمنا.
فكيف تحيا الماء حيتان؟.
يموتُ منا غريقُ الماء مختنقا.
من الحياة لها بالأرض حرمان!.
فإنْ عدَتهْ إلى أرجائنا اختنقَتْ.
وكيف يولد بين الرمل مرجان؟.
وكيف تحْمى بأصدافٍ لآلئُهُ.
ما غاض في الرمل أو أعياه نقصان؟.
وكيف مرَّتْ دهور وهْو ممتلئ.
بالعدل ما منهما بالخلف عصيان!.
والمدُّ والجزْرُ ينتابان شاطئه.
وكم توَلَّتْ حضاراتٌ وعمران!.
وكم أقيمتْ على أبعاده مُدُنٌ..
وكيف عنه اعتَلَتْ فلأفق ملآن.
واسألْ به السُّحْبَ مَنْ في الجو أنشأها
يسوقها قادِر.. بالخلق رحمان!.
مثل الحوامل فوق الأرض جارية.
ناءتْ بجَدُبٍ عراها فهي كثبانُ
.
стр. 11553
ليَفصِلَ الحمْلُ في أرضٍ لنا جُرُزٍ.
إذْ جاس في العمق منها وهو هتان.
تهتز أضلاعها من مُزْنه طرَبًا.
ما مسَّها غير كفِّ الغيث فنان!.
فتصبح الأرضُ أبهى صورةٍ خلبتْ.
وحكمةٌ لو صغَت للكون آذان!.
لله في كونه المنظور برهانُ.
فما لها عنك إن أخلصتَ كتمان.
فاسألْ به الأرضَ واسمعْ ما تُرَِّنمُهُ.
للأرض منها على الأرجاء صوّانُ.
هذى جبالٌ على الأرجاء شامخةٌ.
فتأخذَ الكون ويلاتٌ وأحزان.
تُرْسِ الجوانبَ أنْ تهتزّ مائدةً.
بيضٌ.. وحُمْرٌ.. وتلك السود غربان.
فيها عجيبٌ من الألوان.. ذي جُدَدٌ.
كأنه خالِدٌ والموتُ غفلانُ!.
وكم بها نحت الجبارُ منزله.
منها وحوشٌ.. وفُتّاكٌ.. وغزلانُ.
وكم بها استعصمتْ بين الذرى أممٌ.
يلتذُّها في الرياض الزهرُ نشوانُ!.
لم تَعْدم الرزقَ.. تلتذُّ الحياةَ كما.
فيها من الهول أسدانٌ وغيلان.
وفي السهول فيافٍ غيْر منْبته.
حلوٌ تردده للسمع قطعان.
وفي السهول مراعِ ملؤُها نغَم.
شتى المشارب أعداءٌ وأحزان.
وفي السهولٍ طيور كلُّها عجب.
نجواه للإلْف أسجاعٌ وألحان.
منها مُغَنٍّ بديعُ الوشى يفْتننا.
وصائدٌ ماهرٌ للصيد يقظان.
وكاسِرٌ خاطفٌ تُخشَى بوادرُه.
عادِ علينا بيوت الرعب طنانُ.
هذا ذبابٌ بعدْوَى الداء يزعجنا.
من الرحيق المصفّى وهي ذِبان!.
وتلك نحْلٌ لنا من بطنها عسلٌ.
لها العروس العلَى دورٌ وأكنان.
تَسْعى لكسب الجهني في سُبْلها ذللا.
لهَالَنْا كائدٌ للشر نهمان!.
لو لم تُسخَّرْ بوحي الله مبدعها.
في كل جنس بها للقلب إيقان.
سبحان من جنّس الأجناسَ مقتدراً.
لو ناله مِنْ ذوي الألْباب إمعان.
لله في كونهِ المنظور برهانُ
.
стр. 11554
وذي عيون بها نورٌ ونيرانُ.
هذى عيونٌ بعذب الماء دافقة.
مثل الجنين له في الخلق إبًانُ.
كم فجْرتْ ضربة في الأرض مِن ذهبٍ.
فيها لمن ناله حقْد وأضغان.
هاجتْ به حسداً بين الورى أممٌ.
يرْقى به شاكر لله نعْمانُ.
هذا يفيضُ على الأرجاء في كرم.
يشقى بها كافرٌ بالرزق خوان.
وذا يفيض سخيَّ البذل في نقم.
وكيف خُصت به في الأرض أوطان.
لم يدْر ذاك ولا هذا مصادرهُ.
أم سوف يبقى له في البذل إدمان.
وكم يعيش من الأعوام منطلقا.
كأنهم بعد طول العمر ما كانوا.
وباطنُ الأرض يَطْوى كلّ من سبقوا.
كأنه عالم غشاه نسيان.
وباطنُ الأرض يحويِ ألفَ معجبةٍ.
كما به لطغاةِ الكفر بركان.
من العقاقير والأفلاذ قد حُجَبَتْ.
لا يدفع القدَرَ الغلابَ طغيان.
فالله يملي فإن حقت مشيئتهُ.
آياته فيه عن ما غَابَ إعلانُ.
لله في كونه المنظور برهان.
مِن حولنا هو للأسرار ميدان.
هذا الفضاء الذي بالعين نشهده.
بل عالمٌ سفّ تستجليه أذهانُ.
فلا فضاءَ كما تَقْضي سذاجتُنا.
ومِنْ خلايا لها روحٌ وجثمان.
فيه البلايينُ مِنْ صوتِ ومن صورٍ.
لك الخيالُ لهما زخم وإرنان.
تدورُ أسرَعَ مما قَد يصورُهُ.
ما كان قبْلُ لها في العقل إمكان.
قد جسَّمتها لنا بالعلم أجهزة.
حدَّانِ كالسيف: إيمان وكفران.
والعلْمُ آية علام الغيوب لهُ.
لها من الإنس في الآفاق عُقبان.
شالت به للنجوم الغرِّ أجنحة.
عَلّ الحياة به تُزهَى وتزدانُ.
أرْسَتْ على البدْرِ والمريخ تذرعهُ.
فرعونُ ما اسطاعها بالأمس هامان.
أمنيَّةٌ كان قبل اليوم يسألها.
فينشْدَه الصرح مِنْ فرعون بهتان.
وربُّ موسى عن الأبصار محتجب
.
стр. 11555
لكنهم عن صراط الحق عميانُ!.
اليوم بالعلم للآفاق قد صعدوا.
وأنت فوق سطور الكون عنوان.
لله في كونه المنظور برهانُ.
ماء مَهينٌ يراعى منه خجلانُ.
فانظر حياتَكَ (مِكروباً) تَعَلّقَهُ.
زاد يُقاف وهذا السجنُ دَجْيان.
كيف استقرَ سجيناً في المضيق على.
فمضغةٍ وجهُها بالسحب عيمان.
يسعى به الغيْبُ من ماء إلى عَلَق.
يَدُ المهيمن مخلوقا له شان.
تغدو عظاما.. فتُكسَى اللحَم.. تخرجها.
للقلب حبُّ وإيثارٌ وتحنانُ!.
يشاهد النورَ إنساناً بطلعته.
من العناصر ذات الدفع مَنّانُ.
مركباً بدقيق السرِّ.. ركّبه.
على الفصول.. وقد ضمتْك أحضانُ.
دون الحرارة.. فوْق البرد.. مُحتمَلٌ.
وقد بَدَا لك في الفكين أسنانُ.
حتى انتعشْتَ به عامين في حَدَبٍ.
منها عن الثدْي للعينين سلوان.
لتتْرُكَ الثدْيَ لِلّذاتِ في اُكُلٍ.
تُطْوَى به من كتاب العمر أزمانُ.
فانقلْ خُطاكَ معي نسعَى على عجلٍ.
مضى به الطيّ يُهذِي وهو أسيان
كم فاجأ المرْءَ بين الأهل مِن مرضٍ
وقد أُعِدَّتْ ليفْش الصبرَ أكفانُ.
لم يُجْدِهِ العلم محتالاً ليشْفيه.
وعاد في الأرض يجرِي وهو عجلان.
هذا بجرعة ماء زال قاتِلُه.
فراح.. ما ردًهُ أهلٌ وخلان!
. .
وفارهُ الجسم عاق الِموتُ خطوتَهُ.
قد كان! قد كان! والمفجوع ولهان!
تقول: قد كان مِنْ تَوِّي يحدثني!.
بَدْءُ الحياة وإن نالتك أشجان!.
تلك المنايا التي تخشى نوازلها.
فالْقبرُ في جوْفِهِ نار وبستان.
مَنْ مات قامَتْ وما نَدْرِي قيامَتُه.
مِنْ دونها مالكٌ يرنُو ورضوان.
يطُّلُّ فيه على مثواك نافذةٌ.
.يُسعِدُكَ في ظله رَوْحٌ وريحان.
فاعملْ لمثواك في ظل التقى ورعاً
.
стр. 11556
فكل ما في الورى للفِكر بَيان.
وامْشِ الهونَي بفكر للورى يقظٍ.
إذا انْجَلَى بالهدى عن قلبك الرانُ!.
وإصْبَعٌ منك فيها ألْفُ واعظةٍ.
سبحانَ مَنْ صنعهُ في الخلق فرقانٍ!.
واهتفْ إذا راعك الإعجازُ من عجبٍ.
فالنفسُ أمارة والشر فتان.
واسألْهُ للملتَقى مِن عصمةٍ قبسًا.
والعجْزُ عن كُنهِ ما أبدَعْتَ برهان!.
شهدْتُ أنك يا ألله ديانُ
.
стр. 11557
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (٢)
للشيخ يوسف الهمذاني الشافعي
المدرس بالمعهد الثانوي
فما يبالون من ضيق ونقصان.
كم بين صومهمو والصبرِ من رحم.
الصبر بالله لا صبر بحسبان.
فشأنه الصبر: معناه وغايته.
قد أيقنوا بمصير حق إيقان.
صبر احتساب وتسليم لقدرته.
والحكم في كل حال حكم رحمن.
الله مالكهم لله مرجعهم.
أو ما يقوتهمو من باطل فان.
فما يَضيرُهُمو مما يُصيبهمو.
من الإساءة في سر وإعلان.
نعم الصيام زكاة النفس جُنّتها.
فالصوم والذكر في التطهير خِدْنان.
يخفف الصوم أوزارا تنوء بها.
والصوم سد منيع دون شيطان.
الذكر يوقظها من غفلة حجبت.
فيه تجدد غرم بعد إيهان.
فيه صفاء وإطفاء لسورتها.
فلا تذل لإغراء وطغيان.
هو الجهاد جهاد النفس يعصمها.
حتى تتسم به عن كل سلطان.
تصوم عن شهوات البطن طائعة.
وعن ديار وعن أهل وخلان.
تصوم لله عن مال وعن ولد.
يعده لجليل القدر والشان.
تَجَرُّدٌ العبد للرحمن يرفعه.
بردَ الشراب وكم فيه لظمآن.
يأبى على نفسه والقيظ يلهبها.
من متعة العين أو من حظ أبدان.
يأبى عليها لحق الله ما رغبت.
ودون سِرِّ ثوى في طيِّ وِجدان.
ولا رقيب له من دون خالقه.
سرَّ الصيام فلم يعلَق بأدران.
تَعَففٌ وحياء صان طهُرهما.
مغلولة تتهاوى دون صَوَّان.
الجوع والوجد والإغراء أسلحة.
عن الدنايا عفيفا غير خَوَّان.
من عَفّ عن سَوْرَة الحاجات تحسبه.
أحق أن يستحي من كلِ عدوان.
من استحى لا يراه غير خالقه.
عن التعلق بالُمسْترْجَع الفاني.
نعم الصيام فطام النفس يصرفها
..
والعين ما استمرأتْ يغري بنسيان
.
стр. 11558
إن التعلق بالرحمن غايتها.
حتى تبوء بطغواها لخسران.
هذا التكاثر يلهيها ويطمعها.
للصائم الحق عند الله عيدان.
من يصدق الله يصدقه مثوبته.
وحصل الخير من آت ومن دان.
قد نال ما نال من قرب وتزكية.
بالبذل والسعي في صدق وإتقان.
ولا يزال به يرقى مراقية.
في ليلة التِّمِّ في فضل وفي شان.
حتى يجوز التي يرنو الجميع لها.
ما لا ينال بأعمار وأزمان.
في ليلة جمعت في الخير ما جمعت.
بشارتهُ فيها المؤمل من خط ورضوان.
(من فاز فيها) من بَشّرن فقد صحَّت.
مواسمٌ لعظيم الفضل هتان.
إن الكريم له من فيض رحمته.
وللمقصر دهرا جبر نقصان.
فمن سعى لمزيد فهي فرصته.
يُقيضُ ما لم يَطُلّهُ وهم إنسان.
مهما يضاعف فمازالت خزائنه.
يأتيه هرولة منه بغفران.
من يأته بخطى ساع يؤمله.
تلك المنازل لا تُزْرِي بسكان.
خير المنازل عند الله تطلبها.
ولا تحد بعمر أو بعمران.
ولا يحول بها حال ولا دول.
فعدتمو بِقِراب منه ملآن.
نَهْبٌ لكم إن قصدتم وجه خالقكم.
وكل ساع وما أبلى بميزان.
فلا تزاحم لاستئثار يمنعها.
لمن تطهر من رجس وأوثان.
مراتب ومقامات مطهرة.
في هذه الأرض عند الناس من شان.
ما ضر من نالها ألا يكون له
.
стр. 11559
أنا الكنز والمجد
لشاعر العربية في إندونيسيا الشيخ عبد الله نوح
وَمَالي سِوَى الزُهرِ النُّجومِ أساتِي
لقَد طَالَ لَيلِي وَالْفِرَاقُ شَكاتِي.
تَمُوتُ حَيَاةُ الخلع قَبلَ مَمَاتِي
يَقولونَ مَاتَتْ قُلْتُ مهلاً فَإِنمَا.
تَلِينُ قَنَاة الدًهرِ دونَ قَنَاتِي
وَقَالوا عَجوزٌ قُلْتُ كَلاّ فَإِنّني.
وَروح كِتَاب الله سر حَيَاتِي
وكَيفَ يمَنِي نفسَه الشّر حَاسد.
وَأرعى مَعَانِي الحَقِ وَهْيَ رُعَاتِي
سَأحْفَظ عَهدَ اللهِ حِفظ وثائقِ.
أنا الحافظ الجماع شملَ شَتاتِ
إذاَ فَرَّق الخطب الخَؤُون فإنّنِي ...
وَلودٌ وَهذا الْحسن بَعضُ بَنَاتِي
وَقَالوا جَمَال الفَنِ قُلْت فَإننِي
يُؤَكّدْنَ مَالِي مِن بدِيْع صِفاتِ كَأنّ السمَاءَ الطّرْسُ والزهْرُ أحْرف
يُخَبّرْكَ عَنيّ وَهْوَ بَعْض بَنَاتِي
سَلِ الْكَوْكَبَ الدُّرِيّ في أُفُقِ الدّجى
بَدِيعَ الْمَعَانِي حَالِمَ النّظَرَاتِ
أنا الفن كمْ ألْهمتُ حُسْنا مُغيّباً
وَلاَ أبْحُر يَبهرْن بِالصدَفَات
أنَا الكَنْزُ لاَ تُغنِيكَ عَنِي مَعادِنٌ
أثِيل فَسِيح الرَحْبِ والجَنَبَاتِ
أنا الْمَجْدُ كَم مِن شَامِخ قَد بَنَيْتُه
(عبد الله بن نوح) بوقور- إندونيسيا
стр. 11560
ذكريات من المدينة
للشيخ عبد الحميد عباس
أني مقيم على (العلياء) [١] أرعاها.
أيا نسيم الصّبا بلّغ أحبتنا.
وفي مرابعها ذكرى حفظناها
..
ففي نسيماتها آثار نشركمُ.
تروي النخيل ويشفى الناس ريّاها.
حيث العقيقُ وبطحانٌ وأقنية.
بردَ الربيع وعادات ألفناها.
وحيث وادي قبا والماء يلبسُه.
يا حبذا هي مرتاداً وسكناها.
وفي العوالي وفي قربانَ أوديةٌ.
وكم به من ليال طاب مثواها.
ما أنس لا أنس وادي السُّدّ يجمعنا.
سقيا لأَيامها ما كان أحلاها!.
وبالأحبة شمس الوصل مشرقة.
في القلب ماثلةٌ تحيا ونحياها.
مرَت كحُلم ولم تبرح معالمها.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] العلياء: مزرعة من ضواحي المدينة.
стр. 11561
في المشارق والمغارب
جنوب شرقي آسيا (١)
الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
عميد كلية اللغة العربية
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله خير خلق الله محمد وآله وصحبه.. وبعد:
فقد عرض علي فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية سابقا (فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد) السفر إلى إندونيسيا في آخر السنة الدراسية قبل الماضية (١٣٩٨/ ١٣٩٩ هـ) للاطلاع على أحوال المسلمين هناك- ولا سيما المؤسسات الإسلامية المهتمة بالدعوة إلى الله والقيام بما يستطاع من الدعوة والتوجيه) فاعتذرت آنذاك مضطرا لا مختارا، لأن رغبتي في زيارة العالم- ولا سيما البلدان الإسلامية- شديدة، لما في ذلك من العبر والاطلاع على الجديد المفيد في سلبه وايجابه، يستفيد المسلم من الأحوال الطيبة التي يراها في العالم فيعمل بمقتضاها، وهى ايجابية، ويستفيد من الأحوال السيئة التي يشاهدها فيزداد بصيرة بها وابتعادا عنها ونهيا عنها، وان كانت سلبية- وقبل حينذاك فضيلته عذري ...
.. وفي هذه السنة ١٣٩٩/١٤٠٠ هـ. عندما علمت أن السفر مقرر بادرت بنفسي فطلبت من فضيلة نائب رئيس الجامعة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد أن تكون أندنوسيا هي التي أتوجه إليها إن كان ثمة سفر فحبذ ذلك فضيلته وكنت راغبا كذلك في زيارة بعض البلدان ... في الطريق إلى أندنوسيا وهي الهند، وسيرالانكا، وتايلند وماليزيا، وسنغافورة ثم في العودة هونغ كونغ، وحددت تلك البلدان لفضيلة النائب فوافق أيضا عليها ولكن موعد السفر الذي تقرر في ٢٩/ ٧/١٤٠٠هـ أجل إلى ١٥/ ٨/١٤٠٠هـ. لمصالح تتعلق بالجامعة فكان ذلك سببا في حذف الهند وسيرالانكا وتايلند وسنغافورة، وإن كان هذان البلدان الأخيران قد مررنا بهما مرورا عاجلا.
واخترت للسفر معي فضيلة الشيخ عبد القوي عبد المجيد لثلاثة أمور:
стр. 11562
الأمر الأول: تجربتي السفر معه قبل ذلك إلى بنغلادش، إذ وجدته يجمع صفات يستفيد منها رفيقه عبادة وترويحا.
الأمر الثاني: أنه يحفظ كتاب الله ويتلوه تلاوة ممتعة ونحن قد تقرر أن نكون في رمضان في إندونيسيا ويناسب أن يصلي بالمسلمين هناك صلاة التراويح.
الأمر الثالث: إن عنده ما يفيدنا في المطارات والفنادق والأسواق والمطاعم في التفاهم مع الناس باللغة الإنجليزية.
وعندما قدمت لفضيلة نائب رئيس الجامعة اقتراح انتدابه وافق فضيلته وعرضت الأمر على فضيلة الشيخ عبد القوي فوافق أيضا وأخذنا نتشاور ونجمع شيئا من المعلومات عن هذا البلد للاستفادة منها.
وسافر هو قبلي إلى باكستان لقضاء بعض حاجاته هناك.
وفي يوم ١٤ /٨/١٤٠٠ هـ، ذهبنا إلى المسجد النبوي أنا والابن عبد البر الذي قررت سفره معي لتتوسع مداركه ويطلع معي على أحوال إخوانه المسلمين ولاسيما الشباب الذي في مثل سنه ليحفزه ذلك على الاهتمام بدينه علما وعملا ودعوة فحص فصلينا في المسجد العصر وزرنا قبر الحبيب المصطفى ﷺ وقبري صاحبيه وخليفتيه الراشدين: أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ وعن بقية خلفاء الرسول ﷺ وأصحابه. تاريخ طويل يمر بالخاطر في وقت قصير.
стр. 11563
وفي هذا الوقت- وقت أداء صلاة العصر وزيارة الحبيب وصاحبيه أخذت أجول بخاطري في نشوء الدعوة إلى الله في مكة وما ناله الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ من أذى في سبيلها، كما تذكرت تلك القوافل المؤمنة التي تركت البلد والأهل والمال وهاجرت بدينها راضية إلى هذا البلد الحبيب- المدينة المنورة- بعد أن هدى الله طليعة الأنصار لمبايعة الرسول ﷺ على الإسلام والجهاد في سبيل الله وتذكرت تلك الليلة التي خرج فيها رسول الله ﷺ وصاحبه إلى الغار للاختفاء من جند الشيطان ثم الهجرة الشريفة إلى طيبة الطيبة التي كون بها ﷺ من قاعدته الصلبة التي رباها في مكة على التوحيد والطاعة الكاملة لله ولرسوله وعلى الصبر والتحمل ومن أنصار الله ورسوله بالمدينة، كون ﷺ ذلك الإخاء الفريد في حياة البشرية. وأخذت أسرح الطرف في هذا المسجد العظيم فتصورت مشهد رسول الله ﷺ وهو ينقل الطين والحجارة وجريد النخل مع أصحابه ويبني بيده الشريفة مهوى لأفئدة أصحابه يعبدون الله فيه ويتعلمون دين الله من وحيه الذي كان ينزل به جبريل طريا صباح مساء، ويطبقون ما تعلموه عملا ودعوة.. وأخذت الأسر تتتابع في ذهني لتأسيس أول دولة إسلامية عالمية على وجه الأرض في هذه البقعة وكأني أشاهد تلك السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثها للاستطلاع والاحتكاك بجند الشيطان تمهيدا لعقد الألوية وبعث الكتائب الجهادية في أنحاء الجزيرة العربية، وتلك الغزوات التي شارك فيها رسوله الله ﷺ بنفسه فانتصر فيها على أعدائه، وابتلي وأصيب بما أصيب به بسبب بعض المعاصي الدائرة من بعض أصحابه. وعرضت لي تلك الشعور الرائعة: وفود الناس الداخلين في دين الله أفواجا، واليهود الذين حدث لهم الأخاديد وقتلوا ودفنوا فيها جزاء غدرهم وكيدهم, وزملاؤهم الذين حزموا
стр. 11564
حقائبهم وخرجوا إلى غير رجعة بعد أن تمكنوا مدة طويلة من السيطرة الاقتصادية والثقافية ومن العيث في الأرض فسادا في هذه المدينة وتسلسلت حوادث التاريخ الإسلامي في ذهني إلى أن فتحت فارس والروم ثم امتدت فتوح الإسلام إلى شرق الدنيا وغربها ...... ثم انتقل ذهني إلى تجار المسلمين وهم يفتحون البلدان بالقدوة الحسنة والمعاملات النظيفة الشريفة، ومن تلك البلدان أندنوسيا التي أزمعت السفر إليها.
.. وقلت في نفسي: ما الذي سأعمله في هذه الرحلة القصيرة، وما المنهج الذي أسير عليه ويفيد من سألتقي بهم في هذه المدة..
ثم خرجنا من المسجد النبوي بعد أداء الصلاة وزيارة الحبيب ﷺ وصاحبيه ﵄، ورجعنا إلى المنزل فودعنا الأسرة وأخذنا أثاثنا وانطلقنا إلى مطار المدينة المنورة، وما كنت أفكر في قضاء رمضان خارج الحرمين الشريفين بما فيهما من روحانية إيمانية قلما توجد في غيرهما- ولكن ما أزمعت السفر من أجله كان يسليني ويذكرني بخروج أصحاب الرسول ﷺ من هذا البلد إلى غيره للدعوة إلى الله..
وفي قاعة المطار سرح خيالي إلى وسائل المواصلات في عهد الرسول ﷺ وأصحابه ومن تبعهم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وكيف استطاعوا أن يصلوا إلى كل بقعة في الأرض أمكنهم الوصول إليها فنشروا فيها هدى الله وراية الحق. وقارنت ذلك بما يسره الله لنا من الوسائل في هذا العصر من وسائل المواصلات وغيرها مما لو حصل أن استغله المسلمون في الدعوة إلى الله لما بقي شبر في الأرض لم تبلغه الدعوة إلى الله وأن المسلمين الآن كلهم آثمون لما يسره الله لهم من ذلك ومن عدم قيامهم بواجبهم من التخطيط العلمي الكامل والتنظيم الدقيق والسعي الجاد بكل قوة لإيصال دين الله إلى الناس كافة مسلمهم الجاهل وكافرهم الجاحد.
стр. 11565
وكنت قبل يوم السفر هذا بيوم واحد اجتمعت بالابن عبد البر الذي قررت سفره معي ونصحته وضربت له مثلا للمسافر الصالح وآخر للمسافر الفاسد، قلت له: المسافر الصالح يجعل قدوته النحلة التي تقطف الأزهار النظيفة ذات الرائحة الطيبة والرحيق الشافي فتخرجه عسلا مصفّى يشفي الناس من الآلام والأمراض، وهكذا المسافر الصالح ينظر إلى الأمور الطيبة والصفات الحميدة التي يجدها في الناس فيتحلى بها ويعود إلى أهله وجيرانه بأخلاق زكية يهديها لهم قبل أن يهدي شيئا من الأمور المادية.
أما المسافر الفاسد- فانه مثل الجعل الذي أعتاد أن يلقي بنفسه في وسط القاذورات المنتنة فيأخذ في تقليب أجزائها هنا وهناك إذا رآه أحد نفر منه فعليك يا ابني أن تكون نحلة لا جعلا..
وذكرت الابن مرة أخرى بهذا المثل في مطار المدينة وقلت له لا أريد أن أكرر عليك النصيحة فعليك أن تعض على نصيحتي بالنواجذ.
١٥ /٨/١٤٠٠ هـ في مطار جدة:
وفي صباح هذا اليوم أخلدنا إلى الراحة وغرقنا في بحر النوم العميق تعويضا عن فقده في الليلة السابقة.
وفي الساعة الثامنة مساء تحركنا إلى مطار جدة الدولي وتم وزن العفش في الساعة الثامنة والنصف فودعنا أصدقاءنا في جدة ودخلنا قاعة الانتظار. (ألا أيها الليل الطويل ألا انجل) .
وفي الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين صعدنا إلى الطائرة على أن يكون الإقلاع حسب الموعد في الساعد العاشرة والنصف ولكن الطائرة تأخرت إلى الحادية عشرة وذلك أمر طبيعي كثيرا ما يحصل، إلا أن المضيفة أعلنت عن وجود خلل في الطائرة يقتضي نزولنا إلى قاعة الانتظار مرة أخرى فنزلنا وانتظرنا إلى الساعة الثانية عشرة فأعلن المذيع أسفه لتأخر الطائرة مرة أخرى وأنها ستقلع في الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة فانتظرنا وتخلل هذا الانتظار التسلية المعتادة: توزيع شراب العصير ثم طبق العشاء الخفيف وتمنى الابن عبد البر لو استطعنا أن ننام.
стр. 11566
فوضى المسلمين أزعجت بعض الكفار:
وفي الساعة الثانية عشرة والنصف أعلن عن موعد إقلاع طائرة مصرية إلى القاهرة فأخذ الركاب يتزاحمون ويتدافعون ويتصايحون والأوربيون ينظرون إليهم نظر استغراب ويتعجبون من هذه الحالة السيئة ومن هذا المنظر الفوضوي. وكان أحدهم قريبا منا يقف فينظر متعجبا ثم يقعد ثم يذهب بنفسه إلى المسافرين لينظر إليهم من قريب ويسمع أصواتهم ثم يعود فيجلس فقلت للأخ الأندنوسي سل هذا الأوروبي من أين هو؟ فسأله فقال له: من إيطاليا، قلت له: هل يجيد اللغة الإنجليزية؟ فقال: لا ولكنه يتفاهم بها قليلا.
انظر إلى صفوف المسلمين في الصلاة:
قلت: فلنجعله في موقف الدفاع بعد أن نعتذر له من هذا المنظر ونبرئ منه الإسلام فقلت: أخبره بأن هذا المنظر لا يقره الإسلام وأن المسلمين الأصل فيهم الإيثار والصبر والنظام وسبب هذا هو جهل المسلمين بدينهم وبعدهم عنه فقال: لي ثلاث سنوات في المملكة العربية السعودية وقد تكرر هذا المنظر أمامي فقلت له: قل له: هل رأى المسلمين عندما يقفون في صفوف الصلاة في المسجد وراء الإمام؟ قال: نعم: قلت: هذا نظام الإسلام في المسجد وفي الحرب وفي الحج وفي كل مكان ولكن جهل المسلمين هو السبب.
دعوة إلى الإسلام:
سألناه هل يعرف شيئا عن الإسلام؟ فأجاب قليلا عن طريق بعض الكتابات الصحفية. وهل ترغب في دراسة الإسلام والدخول فيه؟ فأجاب أنا- مثل المسلمين- أعتقد أن إله الكون واحد، وإن كنت مسيحيا.
فطلبنا منه أن يدرس الإسلام وأن يدخل فيه لأن القرآن آخر ما نزل من الكتب السماوية وهو محفوظ والرسول آخر الرسل وخاتمهم والدين الإسلامي هو الدين الذي لا يرضى الله دينا سواه واتفقنا على أن نراسله ونبعث له بعض الكتب عن مبادئ الإسلام.
وكان باستمرار يشرب الدخان، فأشرنا إلى أضرار التدخين فاعترف بذلك ولكنه قال: (بروبلم) أي مشكلة- يعني تركه صعب.
стр. 11567
وفي الساعة الواحدة والثلث أعلن عن استعداد الطائرة فصعدنا إليها وتحركت الطائرة في الساعة الثانية إلا عشر دقائق وفي الثانية والدقيقة الثانية عشرة كرر الأسف وعادت الطائرة إلى مكانها بعد جولة في الأرض لا بأس بها ووعد المذيع بإعطاء معلومات جديدة وفي الساعة الثالثة نزلنا إلى القاعة مرة أخرى وأعلن أن الإقلاع سيكون في الرابعة.
ويسر الله تعالى أن أقلعت الطائرة فعلا في الساعة الرابعة والنصف صباحا بدلا من العاشرة والنصف مساء، فكانت تلك الليلة طويلة علينا كطولها على امرئ القيس إلا أن السبب مختلف والهدف الذي كان يود هو أن يصبح من أجله- والإصباح عنده غير مفيد- غير الهدف عندنا ونحن على يقين أن ما اختاره الله كان خيرا ولكنا بشر نستعجل والحمد لله على كل حال.
كان الابن عبد البر والأخ عبد الله بن سعيد باهرمز- أحد الطلبة الأندنوسيين في كلية اللغة العربية- في الدرجة السياحية، وأنا في الدرجة الأولى لأن تذكرة سفري الرسمية كانت كذلك، وما كنت أظن أني أجد صعوبة في طائرة سعودية في التخاطب. عندما أقلعت الطائرة جاءت المضيفة فخاطبتني باللغة الإنجليزية فقلت: (نو اسبيك إنجلش) قالت: (نو اسبيك أربيك) فأشرت إليها أن تأتي بمن يكلمني باللغة العربية والظاهر أنها لم تفهم فواصلت المحاولة فقالت: (يو وونت تي) قلت: (يس) ، فجاءت بالشاي ثم قدمت طعام الإفطار، واستغرقت بعد ذلك في النوم ونزلت الطائرة في مطار الظهران في الساعة السادسة والدقيقة الثامنة وواصلت أنا في المطار على مقعدي النوم. والظاهر أن المضيفة غيرت فجاءت مضيفة أخرى فأيقظتني قبل إقلاع الطائرة وكانت هذه المرة عربية فقالت لي أتريد أن تستمر في النوم أم أصحيك بعد إقلاع الطائرة قلت: عجيب أمرك توقظيني من نومي لتسأليني هذا السؤال قالت: نعم لأجل الفطور فقلت دعيني فقد أفطرت.
стр. 11568
وفي الساعة السابعة والنصف أقلعت الطائرة من مطار الظهران وواصلت بعد ذلك نومي حتى سمعت المضيفة تعلن اقترابنا من مطار كراتشي. وهبطت الطائرة في مطار كراتشي في الساعة العاشرة إلا عشر دقائق بتوقيت المملكة.
من كراتشي إلى فيصل آباد:
وعندما انتهينا من الإجراءات اللازمة في الجوازات وتسلمنا أثاثنا قابلنا الأخ سهيل بن الشيخ عبد الغفار حسن الطالب بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وأخبرنا بأنه قد تم الحجز لنا في الطائرة التي تقلع إلى لاهور في الساعة الثانية وخمسين دقيقة حسب رغبة الشيخ عبد الرحيم أشرف رئيس جامعة تعليمات الإسلامية الذي كان الابن الحسن عنده حيث تم الاتفاق معه على الإشراف عليه ليحفظ القرآن الكريم عند بعض حفاظ القرآن وكان قد سافر قبلنا مع الشيخ عبد القوي في ٥/٨/ ١٤٠٠/ هـ. ويقيم الشيخ عبد الرحيم أشرف في مدينة فيصل آباد.
وقد سميت باسم جلالة الملك فيصل ﵀ بعد استشهاده.
وبقينا في مطار كرتشي إلى أن أقلعت بنا الطائرة إلى لاهور في الثالثة إلا عشر دقائق وهبطت بنا في مطار لاهور في الساعة الرابعة والربع.
استقبلنا أحد موظفي المطار بإيعاز من الشيخ عبد القوي الذي كان في مدينة فيصل آباد، ونزلنا بفندق أمباسدور فنمنا نومة طويلة عوضنا عما فاتنا في الليلة الماضية.
وفي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الاثنين ١٧ / ٨ جاءنا الشيخ عبد القوي الذي كان قد وصل إلى مدينة لاهور من مدينة فيصل آباد ليلا في القطار واصطحبنا إلى موقف السيارات فسافرنا إلى فيصل آباد في إحدى حافلات النقل الجماعي وكان خروجنا في الساعة السابعة.
وفي الطريق كنت ألتفت يمنة ويسرة فأرى العمل الجاد من الشعب الباكستاني هذا يحرث، وهذا يزرع، وهذا يحصد، وهذا يشق الأخاديد للمياه المتفرعة عن الأنهار.
стр. 11569
ورأيت استغلالا كاملا لكل الإمكانات الموجودة- الثور يحرث، والخيل ينقل، والأخشاب تمد جسورا وهكذا....
والبشر يسيطر على ذلك كله وكان وصولنا إلى مدينة فيصل آباد في الساعة العاشرة إلا ربعا.
ونزلنا في أحد الفنادق وزارنا الشيخ عبد الرحيم أشرف وتحدث معنا في شئون الدعوة والصعاب التي نواجهها وأن تلك الصعاب- أصلا- قد خطط لها الاستعمار. وقال: إن الاستعمار يحلل الشعوب بعد دراستها وممارسة نشاطه فيها مدة طويلة ثم يخطط للجيل الحاضر ليكون معبرا للجيل الجديد ثم يخطط كذلك لأجيال المستقبل وان هذا الاستعمار قد نجح في بذر أفكاره وإيجاد خدم له يقومون بتنفيذ مخططاته. وبذر الشقاق والنزاع بين الجماعات بل بين الجماعة الواحدة وإن على المصلحين أن يقوموا بواجبهم لربط الناس بلا إله إلى الله.
ودعانا لتناول طعام الغداء في منزله فقابلنا الشيخ عبد الفتاح العشماوي الذي كان قد انتدب ومعه الشيخ الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي والشيخ صالح الهلابي وقد كانوا أوشكوا على اختتام نشاطهم هناك إذ قد ألقوا محاضرات مدة إقامتهم وكان الشيخ العشماوي يشكو كثرة الفلفل في الطعام حتى أصبح يشك في وجود طعام بدون فلفل ولو كان مربى.
وفي ١٨/٨:
دعينا لزيارة الجامعة وطلب مني إلقاء كلمة فكانت تدور حول وجوب اجتماع المسلمين ونبذ التفرق والخلاف وأن الجماعة المتفقة في الهدف والوسيلة إذا تفرقت كلمتها فذاك دليل على نفاق في بعض أفرادها.
وحصلت مذاكرة مع الشيخ عبد الرحيم في شأن الأستاذ المودودي فقال الشيخ كان المودودي يمتاز بأمور مهمة رفعت شأنه: وهي كثرة التفكر في أمور المسلمين وأمور الجماعة ووضع الأشخاص في مواضعهم. والأمر الثالث أنه كان يمسك زمام عواطفه بيده.
ومن أهم الكتب التي رفعت من شأن المودودي كتاب الجهاد الذي طبع باللغة الأردية.
стр. 11570
وكان في المساء اجتماع في فرع جامعة تعليمات الإسلامية اختتم به الموسم الثقافي للجامعة لخص فيه الشيخ عبد الرحيم أشرف فوائد المحاضرات والندوات باللغة الأردية وتحدث كل من الدكتور الأعظمي والشيخ العشماوي.
من الركشة إلى الطائرة:
١٩/٨:
بعد أن تناولنا طعام الإفطار جاء الأخ أحمد خان وقال لنا: انتظرونا سأذهب أنا والأخ الشيخ صالح الهلابي للبنك وأمر بكم لنذهب إلى المطار، وكنا فهمنا أن موعد الإقلاع من فيصل آباد الساعة الحادية عشرة، وتأخر الأخ أحمد خان فخرجنا نلتمس سيارة أجرة توصلنا إلى المطار فلم نجد إلا ما يسمونها بالركشة وهى دراجة نارية ركبت لها ثلاث عجلات ثنتان في الوراء وواحدة في الأمام وجهزت بمقعد يتسع لثلاثة أشخاص عند الضرورة من وراء السائق وذهبنا إلى المطار في هذه الركشة وتعطلت في أثناء الطريق فنزل السائق وأخذ آلة من حقيبة عدته وركبها وأخذ في قيادتها كأن شيئا لم يكن وعندما اقتربنا من المطار في الساعة الحادية عشرة رأينا طائرة قد أقلعت من المطار فظننا أنها طائرتنا ولكن عند وصولنا المطار أخبرنا بأن الساعة الحادية عشرة هي موعد لوصول الطائرة وأعلن أن إقلاعها سيكون في الثانية عشرة غير أنها تأخرت لخلل فني- وما أكثر ذلك في طائرات بعض الدولة فلم نقلع إلا بعد الساعة الثانية والدقيقة العاشرة. وبعد خمس وعشرين دقيقة هبطت في مطار ملتان، وبعد ساعة أقلعت إلى مطار كراتشي حيث وصلنا الساعة الخامسة وأخذنا نبحث عن غرفة مكيفة في كثير من الفنادق فلم نجد لزحمة النزلاء، وبعد المغرب وجد فندق شاطئ البحر الفاخر على الساحل وهو غال الأجرة قذر المعنى، لأنه لا يرتاده إلا القذرون أو المضطرون وقد علمنا ذلك بعد نزولنا وكان الشيخ عبد الرحيم أشرف نازلا هو والشيخ العشماوي في حجرة واحدة بجوارنا.
стр. 11571
وعندما طلبنا العشاء أكدنا على المضيف بأن لا يوضع في الطعام شيء من الفلفل ولكن القاعدة عندهم- في هذا الباب أن يسمعوا ويقولوا: سمعنا وعصينا وهكذا كانت مطاعم أندونيسيا.
من كراتشي إلى بانكوك (٢٠/ ١٨) :
غادرنا هذا الفندق إلى آخر يسمى فندق الخليج، وبقينا فيه إلى الساعة الواحدة والنصف صباحا حيث ذهبنا إلى مطار كراتشي وبعد أن وزن العفش وختمت الجوازات انتظرنا في القاعة ثم صعدنا إلى الطائرة التي أقلعت في الساعة الرابعة وخمس دقائق صباحا.
وبعد الإقلاع أخبرنا المضيفين أننا نريد أن نصلي الفجر، وكان المكان الذي نريد الصلاة فيه مجالا لخدماتهم، فبسطنا السجادة وصلينا وعندما رأونا انكفوا عن هذا المكان حتى فرغنا من الصلاة ثم عادوا لتقديم خدماتهم، وكان المضيف قد اقترب منا وبيده الزجاجة عارضا بضاعته الملعونة، وعندما رفضنا قال: وماذا قلنا: ببسي وكان أحد ال ركاب أمامنا قد شرب حتى احمرت عيناه، وذاك يسكب له في الكأس حتى أعادها مملوءة لعدم استطاعته المواصلة وبعد أن صلينا أخذت أنظر من النافذة إلى حيث شروق الشمس فكانت حمرة الأفق قانية والأفق يرتدي السحاب الذي يرى كأن نارا شديدة الاحمرار شبت فيه وأخذت تنهبه نهبا وما ذلك إلا حمرة ضوء الشمس، ولكن السحاب القريب منا يرى داكنا وكأنه مازال يغط في نومه والحمرة تمتد إليه شيئا فشيئا والظل يتقلص ولو شاء الله لجعله ساكنا.
ثم استسلمنا للنوم إلى الساعة الثامنة إلا عشرين دقيقة حيث أيقظنا المضيفون للإفطار فتمطى الشيخ عبد القوى وقال: نمنا شوية- أي قليلا- قلت: نعم ثلاث ساعات ونصف الساعة وكانت كلمة شوية نكتة تقال كلما حصلت مناسبة مماثلة.
стр. 11572
وعندما حلقت الطائرة على الأرض التايلندية أطللت من النافذة لأرى تلك الأرض التي غطاها خالقها ببساط أخضر من الغابات والمزارع تتخللها الأنهار والجداول المتفرعة عنها التي تبدو مثل الشرايين الدافئة، وقد وشيت تلك الغابات والمزارع بالمنازل المسنمة التي تظهر كأنها مغروزة غرزا في ذلك البساط وقد صف على سطوحها الآجر الأحمر كقطع الصابون، وهبطت بنا الطائرة في مطار بانكوك في الساعة التاسعة إلا عشرين دقيقة بتوقيت كراتشي.. ونقلتنا السيارة- على حساب شركة الخطوط الجوية إلى الفندق، وهو من الفنادق الفخمة النظيفة المظهر والقذرة المخبر، وكان النزول فيه على حساب الخطوط كذلك لأن الحجز قد تم عن طريقها إلى كوالالمبور، وكانت مدة الاستراحة في الفندق أربع ساعات تقريبا.
وفي الطريق إلى الفندق كان الابن عبد البر راكبا بجوار السائق وأنا بجوار عبد البر فأخذ السائق يتحدث مع عبد البر باللغة الإنجليزية بكلام لا يفهمه هو ولا أنا، ولكن شعرت من حركاته أنه يذكر شيئا غير لائق، فزجرته بصوت عال قائلا له: اسكت وأشرت به بإصبعي إٍلى فمي- والإشارة لغة عالمية- وقطبت له وجهي ففهم وأخذ يعتذر آي آم سوري- أسف- ولم يتكلم بعدها معنا.
وبعد فراقه سألت الأخوين الشيخ عبد القوى والأخ عبد الله باهرمز أكنت محقا في زجر الرجل قالا نعم فقد كان يعرض بضاعة فاسدة فكان زجرك إياه في مكانه.
نحن في كوالالمبور وأثاثنا في مانيلا:
стр. 11573
وفي الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة غادرنا الفندق إلى مطار بانكوك وتجولنا قليلا في دكاكين المطار ثم صعدنا إلى الطائرة التايلندية التي أقلعت إلى كوالالمبور في الساعة السابعة وكان ذلك عند غروب الشمس وكنت إذا نظرت إلى اليمين: جهة الغروب أرى السحاب محمرا مشربا بصفرة كأن نارا تلهبه، وإذا نظرت إلى اليسار أرى ظلمة الليل قد اختلطت ببياض السحاب واسوداد الغابات وهي تلاحق النهار لتغطيه، ولفت هذا نظري إلى آية تكوير الله النهار على الليل في النجاح كما مضى وتكوير الليل على النهار في المساء وقلت: سبحان الخالق.
عرض المضيفون الضيافة فطلبنا منهم أن يقدموا لنا خضارا وسمكا بدلا من اللحم خشية من لحوم الخنزير أو ذبح الوثنيين فأعطونا ما أردنا، وهبطت بنا الطائرة في مطار كوالالمبور عاصمة ماليزيا في الساعة التاسعة إلا ربعا. وذهبنا إلى قاعة تسلم الأثاث الذي فارقناه- في كراتشي لنتسلمه هنا، وكان الشيخ عبد القوي يستعرض الساحب بشغف ليرى علامة تدل على وجود أثاثنا إلى أن توقف الساحب منهيا الطمع في وجود أثاث آخر على هذه الرحلة فذهب الشيخ ومعه الأخ عبد الله باهرمز لإبلاغ المسئولين عن فقد أثاثنا ففتشوا الأثاث الموجود فلم يجدوا شيئا ثم أخذوا بطاقة رسمية أعدت لمثل هذه الحالة وسجلوا بها المعلومات اللازمة من تذاكر السفر والجوازات ووعدوا ببعث تلكس إلى بانكوك وطلبوا منا تحديد مكان إقامتنا في كوالالمبور ليشعرونا بوصول العفش، قلت للشيخ عبد القوي: لعل عفشنا ذهب مع الطائرة الفرنسية إلى مانيلا ليزور أساتذة كلية اللغة العربية، ومنهم وكيل الكلية- الذين كانوا يعملون في دورة تعليم المدرسين المسلمين اللغة العربية في الفلبين- وكان هذا فعلا هو الواقع. أي أن العفش حلق فوق المحيط الهادي وألقى عصا ترحاله في مطار مانيلا.
стр. 11574
ونزلنا في فندف: (قرين سنترال) واتصلنا بالأخ أنور إبراهيم وهو شاب نشط في بلاده فلم نجده، وكان الشيخ عبد القوي بين آونة وأخرى يتصل بهاتف أنور فيجد بعض أقربائه- الذي لا يتكلم اللغة العربية ولا يجيد اللغة الإنجليزية- فيحاول كل منهما تفهم صاحبه بصعوبة بالغة فشكا الشيخ عبد القوي من هذه الحالة فقلت له: ينطبق عليكما المثل اليمني القائل: (عمياء تخضب مجنونة) .
إن الطيور على أشباهها تقع (وهكذا الفنادق) :
٢٢/ ٨/ ١٤٠٠ هـ:
وفي الصباح اتصلنا بالأخ أنور فوجدناه في الساعة الثامنة وقال لنا: بعد قليل يأتيكم من ينقلكم إلينا لنعمل لكم برنامج زيارة بعض الولايات- وما كنا قادرين على تلبية هذا الطلب وإن كان من أمانينا لضيق وقتنا لأن برنامجنا أصلا كان في أندونيسيا.
وفتحت نافذة الفندق وأطللت منها فإذا الأرض كلها خضراء بأشجار فارعة الطول مثل النارجيل ومتوسطة كالببايا وقصيرة وما كنا رأينا ذلك قبل لأنا نزلنا ليلا.
стр. 11575
وبعد قليل جاء إلينا مندوب الأخ أنور وهو الغزالي نواوي الذي أخذ الماجستير من الأزهر والدكتوراه من لندن عام (١٩٧١ م) وقال لنا فور وصوله: إن في هذا الفندق دعارة وخمورا لأن مالكيه والعمال فيه صينيون فلابد من خروجكم منه- ولنا مع الفنادق مشكلات ومشكلات- ولكن نحمد الله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان: فكم فندف نزلنا به في بلاد الشرق والغرب وهو يعج بالمعاصي والفساد وخرجنا منه غير مأسوف علينا من قبل أهله وهذا من فضل الله علينا وقد سبق الكلام على فندق شاطئ البحر الفاخر في كراتشي الذي نصحنا بالخروج منه الشيخ عبد الرحيم أشرف معللا بنفس العلة، وذهبنا إلى فندق شيراز ويسمى بالفندق الإسلامي عند المسلمين وقد كنا حاولنا النزول به أول وصولنا فلم نجد فيه مكانا ونقلنا صاحبه بسيارته إلى هذا الفندق ولم نجد أيضا في الفندق غرفا فارغة ولكنا جمعنا في مطعم هذا الفندق الفطور والغداء معا- جمع تأخير- ثم زرنا المركز المعروف اختصاراً بـ (أبيم) أي مركز حركة الشباب الإسلامي الذي يقع قرب مبنى الإذاعة، وهو يشتمل على مدرسة ثانوية ومتوسطة ومكتبة بها مراجع ومطبوعات إسلامية ومكاتب إدارية وأهل المركز كلهم في حركة دائبة ونشاط مستمر في الدعوة إلى الله والتعليم ونشر مبادئ الإسلام بالوسائل المتاحة لهم.
ويحاولون محاولة جادة الحفاظ على أبناء المسلمين في عقيدتهم وأخلاقهم- لا في ماليزيا وحدها، بل في كثير من مناطق جنوب شرق أسيا وقد لمسنا ثمرة جهودهم حتى في هونغ كونغ.
وقد يجمع الله الشتيتين:
وبعد أن صلينا الظهر في المركز تم الاتصال بالمسئولين عن العفش في المطار فبشرونا أن العفش قد وصل من مانيلا، فذهب الأخ عبد الله با هرمز والابن عبد البر وأحد شباب المركز فتسلموه وجاءوا به فحمدنا الله الذي جمع بين الشتيتين بعد أن ظنا ألا تلاقيا.
متع الدنيا والآخرة:
стр. 11576
وقام الأخ دحلان يشرح لنا نشاط المركز الذي يقوم به أعضاؤه من تدريس وتوعية وطبع كتب وتوزيعها، وإقامة مخيمات شبابية وغير ذلك مما هيأه الله لهم وهيأهم له في جنوب شرق أسيا.
طلب منا الاخوة أن نذهب إلى منطقة تسمى: (برطك) لهم فيها مقر أعارتهم الحكومة يقيمون فيه بعض نشاطهم لشبابهم من مؤتمرات ومحاضرات وندوات وغير ذلك فلبينا رغبتهم وكان قائد السيارة الذي نقلنا الشاب محمد أمين الذي كان مدرسا في المدارس الحكومية ثم انتقل يدرس في مدرسة المركز ولكنه عازم أن يعود إلى المدارس الحكومية ليقوم بواجب توعية أبناء المسلمين فيها ويفهمهم دينهم ويحميهم من التيارات الفكرية المضادة للإسلام.
وكان الشيخ عبد القوي يتمنى أن يحصل كل على فاكهة تسمى: (ليتشي) فمر بنا قائد السيارة فبحثنا عنها ولم نجدها ولكننا وجدنا فاكهة أخرى- وما أكثر الفواكه هناك- تسمى: (رامبوطن) وهي بيضاوية الشكل عليها غلاف غرز الخالق فيه ما يشبه الشوك إلا أنه ناعم، عندما يزال هذا الغلاف- وإزالته سهلة وآلتها الظفر- يظهر ما بداخله مثل البيضة في اللون والنعومة وفي داخل هذا اللب بذرة صلبة يأكل الآكل اللب ويرمي تلك البذرة وكنا نأكل ونحفظ القشرة والبذرة في السيارة ولا نرميها في الشارع التزاما بالنظام الذي يحظر رمي أي شيء في الشوارع التي ظهرت نظيفة غير محتاجة إلى جيش من المنظفين صباحا ومساء.
وقيمة الكيلو من هذه الفاكهة ريال وربع سعودي، قال الشيخ عبد القوي: "إن الكيلو من هذه الفاكهة إذا جاء به التجار إلى المملكة يباع بأربعين ريالا".
стр. 11577
وكانت شوارع المدينة مع نظافتها وجمالها تزداد جمالا بتلك الحلية الربانية التي منحها الخالق: الأشجار التي تحفها من الجانبين, وعندما خرجنا من المدينة زادت الدهشة من تلك الغابات التي تشبه السحب المتراكمة كالجبال بعضها فوق بعض, ولا يرى الإنسان شيئا من اليابسة في الجبال والوديان اللهم إلا ذلك الطريق الملتوي مثل الثعبان بين تلك الجبال والغابات وبعض البيوت التي تكاد تكون محتجبة ما عدا اليسير فيها، وكان في تلك الغابات الأشجار الطويلة الفارعة الطول كأشجار النارجيل التي تشبه أشجار النخيل, ومنها المتوسط, ومنها القصير, ولذلك يرى الإنسان الغابة على هيئة طبقات مثل البحر الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ومنها ذو الثمرة كالمانجو والنارجيل والباباي والموز.... ومنه ذو القيمة التجارية والاقتصادية كالمطاط, وإنها لتأخذ بالألباب إلى الخالق سبحانه.
قلت للشيخ عبد القوي: هل رأيت مثل هذا من قبل؟ فقال: لا وإن كان يوجد في الباكستان ما يشبهه في بعض المناطق. قلت: إسمع هذا الحديث عن الجنة "فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر", فازدادت القلوب شوقا إلى الجنة.
قال الأخ عبد الله باهرمز: لقد مررنا بجبل ونحن في طريقنا إلى المطار صباحا فاندهش عبد البر عندما رآه مكسوا بتلك الطبقات من الخضرة فقال: إنني أَشعر كأنني في حلم ليت عندنا مثل هذا الجبل فقلت: سبحان الذي قسم أَرزاقه بين خلقه, كم من أَمة تتمنى وجود المطر والغابات مثلنا, وكم من أمة تتمنى وجود البترول الذي يوجد عندنا, وقد خصها الله دوننا بكثرة الأمطار والغابات والفواكه.
стр. 11578
ولكن عندنا فوق ذلك مالا يوجد عند غيرنا: إنها الكعبة، المسجد النبوي الشريف, وإنا لأساتذة العالم بهما وبهذا الدين لو تمسكنا به, وستكون الأرض كلها شرقها وغربها شمالها وجنوبها في أيدينا لو طلبنا العزة من الخالق سبحانه وتمسكنا بدينه وجاهدنا في الله حق جهاده.
وفي أَثناء السير سأل الأخ محمد أَمين سؤالا مهما جدا هو: كيف يقدر الداعي إلى الله أن يقوي الإيمان في قلوب المسلمين ويلهب عواطفهم.؟.
قلت له: الجواب عليه هو الإجابة عن السؤال الآتي كيف يبدأ الداعي إلى الله بنفسه فيقوي إيمانه ويلهب عاطفة نفسه؟ وأخذنا نناقش هذا الموضوع, ولكنا وصلنا إلى المنطقة قبل إتمام الإجابة عنه وطلب الأخ أن نستمر في مذاكرة هذا الموضوع غدا, واستأذن ليعود إلى كوالالمبور لارتباطه ببعض الأعمال هناك وتبعد المنطقة عن العاصمة أربعين ميلا تقريبا.
وسأل الشيخ عبد القوي عن الطائف وغامد وأَبها وعن نصيبها من الأشجار والغابات, وكان عبد البر قد زار الجنوب في إحدى رحلاتنا مع طلبة الجامعة الإسلامية قبل ثلاث سنوات فقال: أين تلك من هذه يا شيخ عبد القوي؟ مستبعدا المقارنة.
واستقبلنا الإخوة المشتركون في النشاط مستبشرين بقدومنا، وكانوا هم المسئولين عن الشعبة الاقتصادية للمركز وكان نشاطهم حول هذا الموضوع مع استغلال أوقاتهم كلها في طاعة الله من قراءة القرآن والذكر وقيام الليل وغير ذلك.
стр. 11579
وقدموا لنا شيئا من الطعام تناولنا منه ما نريد- وهو مفلفل أيضا-, ثم ذهبوا بنا إلى غرفة كبيرة بها أسرة, كل سرير مكون من طابقين تتسع هذه الحجرة لإثني عشر شخصا، والمباني كلها من الأخشاب والزنك وهي متسعة جدا، لأنها أسست لاستيعاب أكبر عدد ممكن ممن تريد الحكومة تدريبهم من الشباب، أو إقامة مؤتمرات أو غيرها, وقال لنا الإخوة: خذوا راحتكم من الآن إلى ما بعد صلاة العشاء, ثم نأتي لكم لتلقوا محاضرة في القاعة الكبيرة, وبعد أن استحم كل منا وغيرنا ملابسنا التي بقيت علينا ثلاثة أيام لغياب عفشنا, وصلينا المغرب والعشاء جاءنا الاخوة فانتقلنا إلى القاعة حيث بدأ فضيلة الشيخ عبد القوي بتلاوة آي من القرآن الكريم ثم ألقيت المحاضرة وكانت متضمنة الإجابة عن سؤال الأخ محمد أمين الذي مضى قريبا لأنني رأيت أنه هو موضوع الساعة.
وبعد الفراغ من إلقاء هذه المحاضرة ألقى بعض الحاضرين بعض الأسئلة وأجبنا عنها كان المترجم الأخ عبد الله باهرمز لأن لغة الأندونيسيين والماليزيين مشتركة.
وطلبوا منا أن نلقي محاضرة بعد صلاة الفجر, موضوعها وسائل الانكفاف عن الربا, وإذا اتسع الوقت نجيب عن بعض الأسئلة, واستغرق وقت المحاضرة والإجابة عن الأسئلة في الليل ساعتين إلا قليلا.
كيف نقضي على الربا؟
٢٣/٨/١٤٠٠هـ:
جاءنا بعض الشباب قبل صلاة الفجر بنصف ساعة فأيقظنا لنستعد للصلاة فتوضأنا وذهبنا إلى المسجد, ووجدنا الإخوة منهم من يقرأ, ومنهم من يذكر الله, ومنهم من يتوضأ, وبعد أن أذن وصلى بنا صلاة الفجر قرأ الشيخ عبد القوي ما تيسر من القرآن الكريم ثم بدأت المحاضرة وكانت مناقشة لقضايا عامة وأصول يمكن الانطلاق منها إلى المطلوب وهي:
١- هل يقبل أغلب المسلمين تنفيذ المعاملات الإسلامية عامة ومنها المعاملات الاقتصادية؟.
стр. 11580
٢- هل يسهل تطبيق الأحكام الإسلامية كاملة في مجتمع يدين في تصرفاته بقوانين الجاهلية وأعرافها؟.
٣- هل توجد فئة صالحة قادرة على السباحة ضد التيار الجاهلي في بلدان العالم الإسلامي- فضلا عن بلدان الكفر-؟.
٤- كيف توجد الثقة في نفوس المسلمين بعضهم ببعض حتى يتعاونوا في تعامل بعضهم مع بعض بدلا من التعامل مع الكفار والإيداع في بنوكهم الذي يغريهم بالربا والفائدة الحرام؟.
٥- بيان أن كثيرا من المسلمين لا يسلمون أمرهم في أنفسهم وفي أموالهم وفي تصرفاتهم كلها لخالقهم اقتداء منهم بأعداء الله الكافرين الذين غرسوا في نفوسهم فصل الدين عن الدولة فأصبحوا يقولون بلسان حالهم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ .
٦- امتناع كثير من أغنياء المسلمين عن أداء الزكاة وإقراض المحتاج مما يؤدي إلى اضطرار كثير من المسلمين إلى أخذ المال بالربا.
٧- وجوب إقناع الناس بشمول منهج الله لحياتهم كلها ومنها المعاملات المالية.
٨- إقامة شركات إقتصادية بين المسلمين مبنية على أسس الشركات والمعارف الإسلامية.
٩- إقناع تجار المسلمين وأغنيائهم بوجوب تقديمهم ما أوجب الله في أموالهم وفقراء المسلمين.
١٠- وجوب السعي الجاد للتخلص من الربا بصفة فردية وجماعية حسب الاستطاعة.
стр. 11581
وكانت هذه الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة الآيات: ٢٧٨- ٢٨٠) . هي محور المحاضرة.
واستغرقت هذه المحاضرة ساعتين تقريبا وكان المترجم الأخ عبد الله با هرمز وكانت أصوات الطيور الكثيرة المختلفة تتخلل المحاضرة.
ذهبنا بعد ذلك لتناول طعام الإفطار الذي كان مشبعا بالفلافل, قال الأخ عبد الله با هرمز: هذا الطعام حار؟ قلت: لا حاجة إلى هذا السؤال فقد أصبحنا من أهل الفلفل على رغم أنوفنا ونخشى أن نعود إلى المدينة ونحن نحمل الدعوة إلى الإكثار من الفلفل في الطعام إقتداء بالباكستانيين والماليزيين- وكذلك الأندونيسيين كما ظهر لنا بعد ذلك- الذين ربما سمعوا المثل اليمني القديم: "من دخل بلادنا حمر" فحرفوه بلسان حالهم قائلين: "من دخل بلادنا فلفل"فقد فلفلنا. ثم خرجنا نجول في الأماكن القريبة نتمتع بتلك المناظر العجيبة لنرى ألوانا من الزهور وطبقات من الأعشاب والأشجار، ونسمع خرير النهر الجاري في وسط الغابة وأصواتا موسيقية مباحة من أنواع كثيرة من الطيور، والجبال تحيط بنا مختالة بتلك الملابس الخضراء الموشاة بأنواع الزهور وقد ارتفع فوق قممها السحاب المتنوع منه الأسود الداكن الذي يكاد يعصر منه المطر الغزير، ومنه الأبيض الذي يشبه زبد الحليب الذي ارتفع عند الزناد، والجو بذلك يشبه وقت طلوع الفجر ونحن في وقت الضحى والشمس قد ارتفعت في السماء.
стр. 11582
وذهبنا إلى النهر الذي يجري بين صفين من أشجار الغابة يحيطان به كما يحيط الغلاف بالكتاب وفي وسطه صخور منها ما يغطيه الماء ومنها العالي الذي لا يغطيه إلا عندما تغزر الأمطار وترتفع نسبة الماء, واشتقت عندما رأيت الماء الجاري الشديد الصفا أن أبلل رجلي فيه فأخذت أقفز، كافّا ثوبي، من صخرة إلى أخرى، وكان الشيخ عبد القوي ينظر إليّ عازما على الاقتداء بي، ووقعت رجلي على صخرة تطفو عليها الماء قد كساها الطحلب فسقطت في وسط النهر بملابسي فكان ذلك إنذاراً للشيخ عبد القوي الذي قفز إلى خارج النهر بعد أن كان قد استعد للقفز من على الصخرة إلى وسطه.
وبعد أن تمتعنا بتلك المناظر الطيبة والأصوات المطربة نقلنا أحد الأعضاء بسيارته إلى قرية مجاورة حيث استأجر لنا سيارة أخرى توصلنا إلى كوالالمبور ورجع هو إلى المكان لارتباطه.
وفي طريقنا إلى تلك القرية سألت عن شجر المطاط الموجود بكثرة لِمَ لم يقطعوه؟ وكنت أظن أن الشجر يقطع ويصنع منه المطاط, فأخبرت أن المطاط لا يصنع من نفس الأخشاب وإنما يصنع من سائل يخرج منه أبيض يشبه الحليب فوقفنا لنرى تلك المادة وكيف تستخلص، فرأينا أنه ينحت الخشب بقلع شيء من قشرة الخشبة ثم يعلق إناء في أسفل هذا النحت وفيه تنزل قطرات هذا السائل الأبيض تعلو هذا السائل قشطة مثل قشطة الحليب. قلت للشيخ عبد القوي: ألاَ تذوق شيئا من هذا الحليب؟ قال: أنت أولى به.
ولقد كانت هذه الجولة إلى هذه المنطقة (برطق) متعا مادية بمباهج الحياة الدنيا, ومعنوية بالمذاكرة العلمية واللقاء الأخوي الإيماني. وعندما ركبنا في سيارة الأجرة كان السائق يحاول الإسراع بصفة مخيفة ولكنه وافق أن اليوم يوم إجازة- يوم الأحد- وكان الشارع مزحوما فلم يجد بدا من التريث الإجباري.
стр. 11583
ونزلنا في فندق شيراز الذي كنا حاولنا النزول فيه من قبل فلم نجد مكانا فارغا وكان يوجد به الطعام الحلال، أما الشراب فكان يوجد فيه الحلال كما يوجد الحرام. وهذا أمر يؤسف له, يقال عن بعض الفنادق إنها إسلامية ويفرح المسلم المسافر بهذا الوصف ثم يجد أنه يجاهر ببيع ما حرم الله ورسوله ﷺ وكنا متفقين مع الأخ محمد أمين أن يأتي إلينا قبيل صلاة العصر يرافقنا إلى شاطئ البحر لنجمع بين التمتع بمناظر الجبال والشعاب الخضراء وبين التمتع بمنظر البحر, ولكن الأخ محمد أمين جاءنا بعد صلاة العصر معتذرا لأن سيارته أصيبت بخلل فعرضنا عليه أن نستأجر سيارة ونذهب فاستحسن أن نتأخر إلى ما بعد صلاة الفجر ليأتي هو بسيارته أو غيرها من سيارات إخوانه فوافقنا على ذلك وبخاصة عندما علمنا أنه يبعد ستين ميلا أو أكثر عن كوالالمبور والوقت بعد العصر قصير, وعرض علينا إن كنا نحب أن نتمشى في المدينة, فرأينا ألا داعي لذلك لأنه يوم إجازة يكون الزحام فيه شديدا وفيه مالا نحمد مشاهدته- وإن كان ذلك في شعب إسلاميا- ففضلنا الراحة.
المسلمون أكبر أقلية في بريطانيا
حلّ الإسلام محل اليهودية كأكبر دين بعد المسيحية في بريطانيا، وبلغ الآن عدد المسلمين في بريطانيا، وهم ينحدرون من أصل باكستاني، وهندي وبنجلاديشي حوالي مليون ونصف مسلم، وقد كان عدد اليهود قبل سنوات، أكثر من أربع مائة ألف، فكانوا يعتبرون أكبر أقلية في بريطانيا.
ينتمي نصف عدد المسلمين في بريطانيا إلى باكستان، وبنجلاديش ويبلغ عدد المسلمين القادمين من الهند حوالي مائة ألف ومعظمهم من ولاية كجرات.
وكان أول فوج من المسلمين الذي دخل إلى بريطانيا من اليمنيين الذين دخلوا بريطانيا في عام ١٨٩٩ وبمساعيهم انتشر الإسلام في البريطانيين.
الرائد الهندية
стр. 11584
إلى الذين يبثون الألغام في طريق الإسلام
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين
المؤامرات على دين الله الحق بدأت منذ أعلن إبليس الحرب على آدم وذريته قبل هبوط الفريقين إلى الأرض، إذ قال لربه- تصريحا بما يكنه لذرية آدم من الشر-: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف١٥-١٦) , وقد فهم أولو العلم من هذا الوعيد أن عدو الله مصمم على صرف الإنسان عن شريعة الله بقعوده وذريته على منافذها لمنعهم من الوصول إليها ....
ومنذئذ جعل هذا العدو يعبيء قواه بكل ما يملك من وسائل التزوير والإغراء والإفساد لإنفاذ وعيده، فاستحوذ على الكثير من أهل الجهل والغفلة، واتخذ منهم جنودا يدعون إلى النار، ويزينون لأمثالهم طريق قائدهم، وهكذا استحالت البسيطة حلبة صراع لا ينطفيء أوارها بين الأشرار والأخيار، والأحرار والأغرار، حتى تقف مسيرة الحياة.. ويحشر المصلحون والمفسدون لأداء الحساب ...
ولقد اتخذ أعداء الحق في كل واحدة من مراحل المعركة أنواعا من الأسلحة، كان أهمها الانحراف عن منهج الله، الذي زود به الإنسان لحماية نفسه وجنسه من كمائن الشيطان، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وألفوا الانسياق في مواكب الضلال، فكانت البدع، وكانت آلاف النظم التي عمقت الهوة بين الإنسان وخالقه الرحمن.
стр. 11585
تذكرت هذا كله وأنا أقرأ زاوية الأستاذ أحمد بهاء الدين (مسلم.. ثم لماذا؟) في عدد الأحد ٨/ ١١ / ١٩٨١ من (الشرق الأوسط) ، إذ وجدت فيها واحدة مصغرة من صور المعركة الأبدية، التي عانوا ولا يزال يعاني منها تاريخ الإسلام، تارة على أيدي منافقي المدينة، وأخرى من دسائس أهل الكتاب، وثالثة من مؤامرات الباطنية، التي بسطت سلطانها على الجاهلين والغافلين، الذين لم يكن لديهم من الوعي ما يعصمهم من الاستجابة لكل ناعق.. وليس هجوم علي عبد الرازق- في النصف الأول من العصر الحديث- على حمى الخلافة، ودعوتُه المضللة إلى تبني طريقة الغرب الصليبي اليهودي في فصل الإسلام عن ساحة الحكم، سوى خطوة جديدة في طريق الهدم لأهم قواعد هذا الدين، متمثلة في شهادة التوحيد، التي تربط المؤمنين بعهد مع الله ألا يشركوا معه أحدا، وأن يتخذوا من رسوله الأمين إماما، يتبعون سبيله في أسس الحكم، كما يتبعونه في عبادته وفي تصرفاته العامة جميعا، حتى تصبح كل حركة وسكنة من وجودهم عبادة خالصة لله..
لقد كانت دعوة هذا الشيخ الضال في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) خرقا خطيرا في جدار الإسلام، فتح الباب على مصراعيه للجهلة من حكام الشعوب الإسلامية، فاتخذوه منطلقا لتخريب مجتمعاتهم، وحجتهم في ذلك أن القائل بهذه التخرُّصات واحد من خريجي الأزهر، وأحد رجال القضاء في بلد الأزهر فرأيه في قضايا الحكم هو دون ريب رأي الإسلام!.
ومن هنا اتخذت الفتنة الحديثة طريقها الجريء إلى تقويض دعائم النظام الإسلامي في نطاق السياسة، التي أصبحت منذ ذلك اليوم ألعوبة الطواغيت، يعبثون عن طريقها في كيان المسلمين، كما تشاء لهم أهواؤهم، وكما يوحي إليهم سادتهم من شياطين الشرق والغرب..
стр. 11586
وخلال النصف الثاني من القرن الجاري بلغ انقضاض الطواغيت على حرمات الإسلام أشده، وأسلم معظمهم أزمته إلى ألد أعداء الإسلام، حتى لم يعودوا يتحرجون من إعلان انصرافهم عن دين الله، باعتباره قد استنفد أغراضه، ولم يعد صالحا لأي عطاء ... ولم يكتف هؤلاء بمظلة الاستبداد والاحتماء بسلاح الأعداء، فسخروا لخدمة أفكارهم الضالة عددا غير قليل من حملة الأقلام، الذين أتقنوا فن الكلام، مع الجهل التام لحقائق الإسلام، وتوزعوا مهماتهم، ففريق يعلن الحرب على هذا الدين منكرا عليه كل خير، وناسبا إليه كل شر، وآخر يتزلف إلى جماهير المسلمين بارتداء مسوح الغيرة على الدين، فيهيب بالحكام أن يبعدوا الإسلام عن جراثيم السياسة، ويقصروه على مهمته الأساسية من تهذيب النفوس، وتنمية الأخلاق الفاضلة، وتطويع الجماهير لسلطان الحكام في كل أمر أو نهي يصدرونه، حتى ولو كان من ذلك أمرهم برفع الحجاب، وإلغاء الفوارق الطبيعية بين الجنسين، وتعطيل شريعة الله في الإرث، ومصادرة الأوقاف المحبوسة لبيوت الله، وحظرهم لتعدد الزوجات، ولو أدى ذلك الحظر إلى تكديس العوانس وشيوع الفحشاء، التي تصبح تحت سلطانهم عملا مباحا بحماية القانون..
وقد نسي هؤلاء- (الغُير) على كرامة الإسلام من لوثات السياسة- أن في رأس مهام الحكومة الإسلامية تطهير السياسة من جراثيم الفساد والكذب والخداع، وذلك برد الحكم إلى وضعه الصحيح حتى يكون أمير المسلمين خادما للأمة، وحارسا لأمنها وعزتها، وحتى يكون عماله بمثابة الآباء لمن هم تحت ولايتهم من المسلمين، يعلمونهم ويسددونهم إلى كل ما هو مصلحة لهم- كما أعلن ذلك ثاني الراشدين على ملأ من جماهير الحجيج.
стр. 11587
ويشاء الله لبعض الطغاة، وهم في أوج قوتهم، أن يسلط عليهم بعض شركائهم فيخلعوهم، ويلقوا بهم في غيابات السجون، التي طالما شحنوها بالأبرياء ... فتكون فرصة لمراجعتهم ماضيهم، فلا يلبثون أن ينقلبوا عليه، إذ يجدون في خلوتهم القاهرة فسحةً للاتصال بكتاب ربهم يتلونه صباح مساء، فيشهدوا من آثاره وأسراره ما يردهم إلى الكثير من الخير، حتى إذا فرج الله كربهم فأفرج عنهم، غادروا سجونهم بنظر جديد وتصور ما كان ليخطر على بالهم، لولا هذه المحن المطهّرة، وإذا هم دعاة للإسلام، رافضون لكل ما سواه من أنظمة. وفي عبد السلام عارف من قبل، وفي ابن بلاّ هذه الأيام، خير مثال لهذه الحقيقة، التي تجلت في الكثيرين من الممارسين لتلك التجربة. ولكن المؤسف أن ردَّ الفعل هذا لم يقدَّر بعد لخطباء الفتنة من أصحاب الأقلام التي سخرها الشيطان لخدمة الطواغيت، ذلك لأنهم سرعان ما ينتقلون من موكب أحدهم إلى موكب خاصمه، فيستأنفون كفاحهم من جديد.. معتذرين عن ذبذبتهم بما يسميه أحدهم (عودة الوعي) !. ومن يدري فلعلهم لو جربوا محنة السجن لاستردوا في ظلماته وعيهم، ولعادوا إلى النتيجة نفسها التي انتهى إليها سادتهم التائبون وعلى هذا لا ندري ما الذي يجب علينا بالنسبة لهؤلاء الذين وقفوا أقلامهم على خدمة أنواع الطواغيت، سواء من الأفكار الهدامة، أو من المتسلطين الهدامين.. أندعو لهم بخلوة طويلة في سجون الظالمين تفتح لهم السبيل إلى توبة نصوح تكفر عنهم سيئاتهم؟، أم ندعو عليهم بدعوة نبي الله موسى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ على أنا بدافع من الشفقة عليهم نؤثر لهم الحسنى، فنسأل الله لفهمي هويدى، وعبد العظيم رمضان، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، وأحمد بهاء الدين، والباقوري، وسائر إخوانهم، من تلاميذ مدرسة علي عبد الرزاق، أن يرزقهم المحنة التي تطهرهم
стр. 11588
وتزكيهم وتردهم إلى ساحة النور، حتى يتولوا إصلاح ما أفسدوه من فطرة الجيل، الذي طالما أحسن بهم الظن، فدفعوه إلى حافة الهاوية الموصلة إلى ذلة الدنيا والآخرة..
ونعود إلى زاوية الأستاذ أحمد بهاء الدين لنحاوره في بعض أفكاره، التي فقدت طرافتها لكثرة الاستعمال حتى الابتذال.
لقد برع هذا الكاتب حقا في تمرير مقلبه إلى القارئ البسيط بما قدم له وما خالط كلامه من معسول الألفاظ، التي يريد بها إقناعه بأنه على غاية من الاحترام لكتاب الله، ولصحابة رسول الله، الذين لا يضن على (بعضهم) بالترضي عنه، ومن ثَم يعرض ما يريده من تشكيك لذلك القارئ البسيط في صلاحية القرآن لإقامة الحكم الصالح في بلاده..
فالقرآن باعترافه نزل لكل زمان ومكان، وتحكيمه في حياة الناس أمنية مفضلة لديه، تستحق أن يعبر عنها بـ (ياليت) إلا أنه مع ذلك لا يرى سبيلا لتحقيق هذه الأمنية في واقع الناس، لسبب واحد هو فقدان العالِم الثقة الذي يصلح لتفسير أحكامه على الوجه الصحيح ولعله يريد بالصحيح الذي يرضي مدرسته-.
ثم يمضي الكاتب في سرد الأدلة المؤكدة لما يذهب إليه من هذا الرأي، وفي رأسها الخلاف الذي نشب بين كبار الصحابة إثر وفاة رسول الله- ﷺ وما أفرزه من مذاهب (سنة, وشيعة, وأموية [١] , وخوارج, ومعتزلة, إلى آخره) إلى أن يقول بأن هذا الخلاف هو الذي دعا أمير المؤمنين عليا- ﵁ إلى القول: "بأن القرآن حمال أوجه"ويفسر الكاتب هذه العبارة بقوله: "أي يمكن تفسيره ألف تفسير ... "
ثم يعقب على ذلك بسرد أسماء كبار المصلحين الإسلاميين من المتأخرين، ليرينا أنهم جميعا قد عجزوا عن حل الخلاف.. ومن هنا يأخذ بالالتفاف حول الجماعات الإسلامية الذين يحملون راية الدعوة إلى تحكيم الشريعة، فيتهمها بالتآمر في ليل لغرض تفسير للقرآن لا تملكه..
стр. 11589
وقبل الدخول في تقويم هذه المزاعم أراني مضطرا للاعتذار عن تعرضي لمناقشتها، لأن مضمونها لا يرتفع إلى مستوى العلم الذي يستوجب النقاش، ومرد ذلك كونها مجموعة من ادّعاءات لا يفوت تهافتُها نظر لبيب، ولولا خشية المسئولية أمام الله عن السكوت على المنكر لما حركت قلما في تفنيدها والله..
ثم هناك سبب آخر يشدني بقوة إلى هذا التعقيب، ذلك أن ادعاءات هذا الكاتب ليست وقفا عليه، ولكنها شنشنة يرددها تلاميذ المدرسة (العرزقية) المنبثين في أرجاء العالم الإسلامي، وكأنهم ينطلقون عن مخطط مدروس غايته الخلفية تشكيك أشباه العامة في صلاحية الإسلام للحكم، كي يكونوا مستعدين لقبول كل دعوة ينعق بها المنحرفون، ومن هنا كان تعقيبي هذا بمثابة الرد العام على مزاعم هذه المدرسة جميعا.
فلننظر الآن في مستندات الأستاذ أحمد بهاء الدين التي يعتبرها حججا لا تقبل الرد، وأهمها هو ذلك الخلاف القديم الذي نشب بين الصحابة حول تفسير القرآن- بزعمه-
والحق أنه لزعم فيه الكثير من الطرافة، ولا مردود له سوى التوكيد على جهل مطبق في تاريخ ذلك الخلاف، إذ المتفق عليه بين أهل العلم أن أول خلاف حدث بين الصحابة كان حول قضية الخلافة، ومن أحق بها من الأنصار والمهاجرين، وقد حل الخلاف برد الأمر إلى نظام الشورى، الذي قرره القرآن الكريم، وأوضحه التطبيق النبوي، فما إن طرح الموضوع على الحوار حتى انتهى الجميع إلى الرضى بحكم الله ورسوله، وتمت البيعة للخليفة الأول دون أي خلاف. فأين ما زعمه هذا الكاتب من قصر الخلاف على تباين الآراء حول تفسير القرآن!.
стр. 11590
وعلى أساس ذلك التعليل المهزوز يعرض لكلمة أمير المؤمنين علي- ﵁ "القرآن حمال أوجه"ليؤكد بمنطقه المقلوب أن هذا القول من أمير المؤمنين اعتراف قاطع بأن لا سبيل إلى الإجماع على تفسير موحد للقرآن، وإذا كان هذا رأي ذلك الصحابي الجليل، وهو من هو علما وفقها وسعة آفاق وقربا من ظلال النبوة، فلا أمل إذن بالاتفاق على وحدة الاتجاه في فهم كتاب الله..
وأنا لا أستطيع القول بعجز الكاتب عن الإحاطة بمدلول هذه العبارة لو كلف نفسه النظر في موردها، والظروف التي قارنتها. والذي أذكر من ذلك أن عليا قد وجه هذه الكلمة إلى عبد الله بن عباس حين هم بإرساله لمحاورة الخارجين عليه، فنبهه إلى أنهم قوم محدودو المدارك يشتبه عليهم مفهوم الآي، فيدخلون في جدال لا محصول له، وإنما عليه أن يكيف أسلوبه معهم وفق مستواهم عملا بقول رسول الله- ﷺ : "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ... " [٢] .
ومعلوم أن الشرارة الأولى في خروج هؤلاء على عَلِيّ كانت إنكارهم قبوله التحكيم في موضع الخلاف بينه وبين معاوية، أخذا منهم بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّه﴾ ومن ثَمّ رفعوا شعارهم القائل: "لا حكم إلا لله".. واعتبروا كل خارج عليه من الكافرين. ومن أجل ذلك كان توجيه علي لابن عمه أن يأخذهم بمنطق السنة المفصلة لمجمل القرآن، لعلمه أن حجتهم الوحيدة في رفض التحكيم هي تقيُّدهم بحرفية النص، وعجزهم عن الإحاطة بمضمونه الفقهي العام..
следующие страницы →