← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

القول الأول: أنه ميزان البصري أبو صالح، وبهذا جزم ابن حبان في الصحيح في النوع السادس من الثاني وفى التاسع والمائة من الثاني أيضا بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة، وأقره ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وقوّى هذا القول بأنه (ميزان) ولكن صحف في طبعة مختصر سنن أبي داود بلفظ: (مهران) والصحيح أنه (ميزان) كما في تهذيب التهذيب لابن حجر. وميزان هذا قال فيه يحيى بن معين- وهو من أشد الناس مقالة في الرجال-: "إنه ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحاكم في الصحيح: "هو ثقة". ولم يذكره المزي ولا الخلاصة ولا الميزان ولا لسانه. وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: "إن أبا صالح ميزان روى الترمذي عن طريقه في كتاب الجنائز من طريق عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن أيى صالح عن ابن عباس"يشير إلى هذا الحديث. القول الثاني: أن أبا صالح هذا هو (باذام مولى أم هانئ) ويقال بالنون (باذان) وجزم بهذا الحاكم وعبد الحق الإشبيلي في الأحكام وابن القطان وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم قاله في التهذيب.

стр. 11622

فعلى كلا القولين فإن الحديث برواية "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" حديث صحيح سواء كان من رواية (ميزان) أو من رواية (باذام مولى أُم هانئ) فقد قال أبو حاتم في الجرح والتعديل: "لم أر أحداً من أَصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه سعيد ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان", وقال يحيى بن معين: "أبو صالح مولى أُم هانئ ليس به بَأس فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه ومرة عن أبي صالح"اهـ. وهذا والله أعلم هو أعدل الأقوال في أمر أبي صالح مولى أُم هانئ كما أشار إلى ذلك العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر, قال في حاشيته على مسند الإمام أحمد: "والحق أن أبا صالح مولى أم هانئ ثقة ليس لمن ضعفه حجة وإنما تكلموا فيه من أجل التفسير الكثير المروي عنه والحمل في ذلك على تلميذه محمد بن السائب الكلبي ودعوى ابن حبان أنه لم يسمع من ابن عبا س غلط عجيب، فإن أبا صالح تابعي قديم روى عمن هو أقدم من ابن عباس كأبي هريرة وعلى بن أبي طالب وأم هانئ والله أعلم". ٢- الطريق الثاني: عن أبى هريرة ﵁ قال ابن حبان: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة فذكر الحديث. وعمر هذا هو: عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف أخو مسلم مديني الأصل، قال أبو حاتم: "هو عندي صالح صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به يخالف في بعض الشيء". وقال الذهبي: صحح له الترمذي حديث "لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور"، فناقشه عبد الحق وقال: "عمر ضعيف عندهم"- فأسرف عبد الحق. وقال ابن معين في رواية أحمد بن أبى خيثمة عنه:"ليس به بأس"وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في التقريب:"صدوق يخطئ مات سنة ١٣٢ هـ".

стр. 11623

وبكلام الحافظ ابن حجر هذا عرفنا أن عمر المذكور وإن كان يخطئ إذا انفرد كما يشير إليه كلام الحافظ، ولكن مع وجود طريق آخر لهذا الحديث عن (ميزان البصري) على الصحيح وعن مولى أم هانئ على قول يتبين أن عمر في هذا الحديث لم يخطئ فصح على هذا تصحيح الترمذي لهذا الحديث كما صرح بتصحيح الترمذي له الذهبي وبإسراف الإشبيلي في تضعيفه. فتبين من هذا صحة هذا الحديث من غير مدافعة والله أعلم. ٦- ضبط زاي زوارات: هذا مع أن رواية "لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور" هي بمعنى زائرات لأن زوَّارات بضم الزاي المعجمة كما قاله الجلال المحلي في شرح المنهاج والسيوطي وأقره السندي والمناوي وصاحب تنقيب الرواة شرح المشكاة قال هؤلاء: "الدائر على الألسنة ضم الزاي من زوارات، جمع زوار جمع زائرة سماعا وزائر قياساً. وقيل زوّارات للمبالغة فلا يقتضي وقوع اللعن على وقوع الزيارة إلا نادراً. ونوزع بأنه إنما قابل المقابلة بجميع القبور، ومن ثم جاء في رواية أبي داود زائرات بلا مبالغة"انتهى. فعلى هذا الضبط فهي بمعنى زائرات لا للمبالغة كما ظنه كثير من طلبة العلم فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أن الصيغة الدالة على النسب بالفتح أيضا كقوله : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وذلك معلوم عند أهل التصريف قال ابن مالك في ألفيته: بكثرة عن فاعل بديل فعّال أو مِفعَال أو فعُول وقال في النسب: في نسب أَغنى عن اليا فقبل ومع فاعل وفعَّال فعل

стр. 11624

فيكون معنى زوّارات القبور: ذوات زيارة القبور على أن الصيغة للنسب. فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقاً. فعلى هذا فليس في هذه الرواية دليل على جواز زيارة النساء للقبور إن لم تتكرر، كما يقول به بعض الناس، مع أن صحة رواية "زائرات" كما تقدم نص صريح في أن زوّارات ليست للمبالغة. بل إما أن تكون هذه الصيغة على ما تقدم من أنها بالضم وإما أن تكون للنسب توفيقاً بين الدليلين فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما، قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀: "وإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع"إلى آخر ما سيأتي من كلامه إن شاء الله تعالى. فإذا استقر وضوح دلالة هذا الحديث على المنع مطلقا وأن اختلاف اللفظين لفظي ليس بينهما فارق على ما ذكرنا فاعلم أن هناك نصوصاً صحيحة تؤيد ما أسلفناه دافعة لتأويل سنة رسول الله ﷺ إلى مالا يحتمله النص إلا بتكلف ظاهر، مقررة لذلك المعنى العظيم وتلك القاعدة الشرعية الكبرى التي أجمعت عليها الأمة، وذلك أن سد الذرائع مطلوب ومقدم على جلب المنافع قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ , وفي الحديث الصحيح "ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم" مع العلم أنه ليس هناك مصلحة راجحة في زيارتها للقبور كما هو الحال بالنسبة للرجال والله أعلم. ٧- تفصيل أدلة المنع:

стр. 11625

أولاً: ما تقدم عن ثلاثة من سادات أصحاب رسول الله ﷺ مخبرين عنه بلعنه زائرات القبور، وهو إما خبر عن الله فهو خبر صدق, وإما دعاء من رسول الله ﷺ ، فيا ويل من دعا عليه رسول الله ﷺ وهذا اللعن مفيد لحكمين هما: التحريم والوعيد فهذا الوعيد الشديد دليل على أن زيارة النساء للقبور محرمة بل وكبيرة من الكبائر، لأن معنى اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) - ما نصه: "إن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم، وإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها في الوعيد خاصة، فأما بالتحريم فليس فيه خلاف معتد به"إلى أن قال: "بل إذا كان في الحديث وعيد كان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب". ثانيا: روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي في سننهما، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك من حديث ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبُلى عن عبد الله بن عمرو قال: "قبرنا مع رسول الله ﷺ يوماً، فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذينا به وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله ﷺ : ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: يا رسول الله رحمت على أهل هذا الميت ميتهم، فقال لها رسول الله ﷺ : فلعلك بلغت الكُدَى - يعني: المقابر، بضم الكاف وفتح الدال المهملة مقصورا- قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال: لو بلغت معهم الكُدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. فسألت ربيعة عن الكُدى فقال: القبور".

стр. 11626

ثالثا: روى ابن ماجه والبيهقي عن علي ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة. قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تدلين فيمن يدلى؟ قلن: لا، قال فارجعن مأزورات غير مأجورات". وهذا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى "يدل على أن اتباعهن الجنائز وزر لا أجر لهن فيه إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعهن لها، بل فيه مفسدة للحي والميت"اهـ. رابعاً: روى البخاري ومسلم وأحمد وابن جرير وأبو يعلى الموصلي والطبراني عن أم عطية قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت وفيه ونهانا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا". والدلالة من الأحاديث الثلاثة المتأخرة- على منع النساء من زيارة القبور- ظاهرة، إذ في منعهن من اتباع الجنائز دليل على منعهن من زيارة المقابر، والعلة بين الحكمين مشتركة وسيأتي ما يشد المنع ويؤيده. وفى حديثي عبد الله بن عمر وعلي ﵃ دليل على أن نهي النساء عن اتباع الجنائز في حديث أم عطية نهي تحريم لا نهي تنزيه كما قال به بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى. وقد رأى عبد الله بن مسعود ﵁ نساءً في جنازة فطردهن وقال: "والله لأرجع إن لم ترجعن وحصبهن بالحجارة"، ذكره ابن الحاج في المدخل والله أعلم. ٨- أدلة المجيزين والجواب عنها: استدل المجيزون لزيارة النساء للقبور بما يلي: أولاً: بحديث أم عطية المتفق عليه قال البخاري في صحيحه: حدتنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن خالد عن أم الهذيل عن أم عطية ﵂ قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا".

стр. 11627

ثانياً: حديث أنس عند البخاري قال في صحيحه: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتق الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي ﷺ فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى". ثالثاً: حديث بريدة عند مسلم أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور. فزوروها فإنها تذكر الموت". رابعاً: حديث عائشة عند مسلم والنسائي وفيه قالت: "كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" الحديث. خامساً: حديث عبد الله بن أبي مليكة عند الترمذي في زيارة عائشة ﵂ قبر أخيها عبد الرحمن بن أبى بكر قال ابن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشى، فحمل إلى مكة فدفن فيها فلما قدمت عائشة ﵂ أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فذكر الحديث وفيه أنها قالت: "لو شهدتك لما زرتك". سادساً: رواية البيهقي عن بسطام بن مسلم عن أَبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة "أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: كان نهى ثم أمر بزيارتها".

стр. 11628

سابعاً: ما رواه الحاكم في مستدركه قال: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران- حدثنا تميم بن محمد، حدثنا أبو مصعب الزهري، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أَبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت محمد ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قال الحاكم: "رواته عن آخرهم ثقات", وتعقبه الذهبي في تلخيصه فقال: "هذا منكر جداً وسليمان ضعيف". هذه جملة ما استدلوا به على الجواز وقد أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية وفصّل الجواب عنها في كثير من كتبه، كما استوفى ذكرها والجواب عنها شمس الدين بن القيم- رحمه الله تعالى- وذلك في تهذيبه لسنن أبي داود ونحن إن شاء الله نلخص ما ذكره هذان الإمامان وما ذكره غيرهما مع ما يفتح الله به علينا في هذا المقام والله المستعان. أما حديث أم عطية ﵂: فمحل استدلالهم من قولها "ولم يعزم علينا"، والجواب عنه كما قال الإمام أبو العباس بن تيمية ﵀ قال ما نصه: "وأما قول أم عطية: (ولم يعزم علينا) فقد يكون مرادها لم يؤكد النهي وهذا يقتضي التحريم وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأما قول أُم عطية فهو حجة للمنع وقولها ولم يعزم علينا إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كاف، ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله ﷺ فاستغنين عن العزيمة عليهن, وأم عطية لم تشهد في ذلك النهي وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها".

стр. 11629

قلت: وفي حديثي عبد الله بن عمرو وعلي ﵃ المتقدم ذكرهما ما يدل على أن نهيهن عن اتباع الجنائز نهي تحريم لا تنزيه، وفي ذلك دليل واضح على منعهن من زيارة القبور إذ العلة بين الحكمين مشتركة فصح أن الاستدلال به في جانب المنع أولى وأَرجح والله أعلم. وأما حديث أنس عند البخاري: "مر النبي ﷺ بامرأَة تبكي عند قبر على صبي لها، فقال: اتق الله واصبري" الحديث؛ فهو كذلك حجة للمنع لأن النبي ﷺ لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أَمر به وترك ما نهى عنه ومن جملتها النهي عن زيارة النساء للقبور وقال لها: "اصبري"ومعلوم أن مجيئها للقبر وبكاءها مناف للصبر، فلما أبت أن تقبل منه لأنها لم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه ﷺ هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا الحديث على جواز زيارة النساء للقبور؟ ومع هذا فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه ﷺ زائرات القبور، ونحن نقول إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالة على المنع لأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز، وعلى كلا التقديرين فلا تعارض هذه القضية أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم. وأَما حديث بريدة ﵁: فقد قال المجيزون: إن هذا الخطاب يتناول النساء بعمومه، بل هن المراد به فإنه إنما علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال وهذا صريح في النسخ لأنه قد صرح فيه بتقديم النهي ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها والنساء قد نهين عنها فيتناولهن الإذن.

стр. 11630

والجواب عن هذا: أَن الصيغة في هذا الحديث هي خطاب للذكور, والنساء وإن دخلن فيه تغليباً فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن, وأَما حديث التحريم فمن أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور، وقد كان النبي ﷺ في أول الإسلام قد نهي عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالأموات وسدا لذريعة الشرك، التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس ﵄: "فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذٍ فيها فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة. وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة". اهـ، من كلام ابن القيم ملخصاً. وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الخطاب في الإذن في قوله: فزوروها لم يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخا له عند الجمهور فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص، إذ قد يكون قوله: "لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور" بعد إذنه للرجال في الزيارة يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذها المنهي عنه محكم كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة والصحيح أَن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:

стр. 11631

الأول: أن قوله ﷺ "فزوروها" صيغة تذكير وصيغة التذكير إنما تناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضا على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان. الثاني: أَن النبي ﷺ علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر الموت ويرقق القلب ويدمع العين ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة وكما حرمت الخلوة بالأجنبية وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فانه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها", إلى أن قال ﵀: "إن قوله ﷺ "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان" معلوم أنه أدل على العموم من صيغة التذكير المتقدمة فإن لفظ (من) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباع الجنائز فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك لا يدخلن في العموم المتقدم بطريق الأولى ... فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت فأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى، وعلى هذا فيكون الإذن في زيارة القبور مخصوصاً بالرجال، وخص بلعنه ﷺ زائرات القبور فيكون من العام المخصوص"اهـ وبمثل هذا قال العلامة النووي في شرح مسلم: "هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأَجمع على أن زيارتها سنة لهم، أما

стр. 11632

النساء ففيهن خلاف لأصحابنا وقدمنا أن مَنْ منعهن قال: النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وهو الصحيح عند الأصوليين"اهـ. منه بلفظه. وأما حديث عائشة: عند مسلم والنسائي الذي فيه قالت: "كيف أقول لهم"الحديث فالجواب عنه من وجوه: أولها: حمل سؤالها للرسول ﷺ وتعليمه إياها على ما إذا اجتازت بقبر في طريقها بدون قصد للزيارة، ولفظ الحديث ليس فيه تصريح بالزيارة عند من خرّجه بل قالت: ماذا أقول لهم؟ ولذلك صرح العلماء- رحمهم الله تعالى- بأنه يجوز لها أن تدعو بهذا الدعاء في هذه الحال، بل ولا تسمى زائرة والحالة هذه، فكأنها ﵂ قالت ماذا أقول إذا جزت بقبر في الطريق فقال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" الحديث.. ولا أدل على ذلك من قولها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن "لو شهدتك لما زرتك"وإلا لما كان لقولها هذا كبير معنى، وإن في حمل الحديث على هذا جمعاً بينه وبين أدلة المنع ودفعاً للتعارض عن سنة رسول الله ﷺ فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما قال صاحب مراقي السعود في ذلك: إلا فللأخير نسخ بينا والجمع واجب متى ما أمكنا وثانيها: أن حديث عائشة هذا يحتمل احتمالاً قوياً أَنه كان على البراءة الأصلية ثم نقل عنها إلى التحريم العام فنسخ نهي الرجال عن الزيارة وبقي نهي النساء على عمومه كما أشار إلى ذلك المنذري ﵁ بقوله: قد كان النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور نهيا عاماً للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهي في حق النساء لورود ما يقتضي تخصيصهن في ذلك الحكم من أحاديث اللعن وغيرها".

стр. 11633

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد قرن الرسول ﷺ لعننة الزائرات بلعنة المتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أَن اتخاذ المساجد والسرج، لم يقل أحد من العلماء بجوازه فكذلك ما قرن به من لعنة الزائرات والله أعلم. والثالث: أن عائشة ﵂ ليست كغيرها من النساء لما تحلت به من الآداب اللائقة بزيارة القبور لقوة إيمانها وعظيم صبرها وكمال عقلها ووفور فضلها، قال الله تعالى في عموم نساء النبي ﷺ ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (الأحزاب / ٣٣) وقال ﵊: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية وأن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أما غيرها من النساء فإنه لا يؤمن ممن زارت القبر لجهالتها وضعف عزيمتها وقرب جزعها أن ترتكب شيئا من المحظورات كالنياحة والجزع والتعديد خصوصا في زماننا هذا الذي انضم إلى ما ذكر كثرة تبرج النساء وارتكابهن فتنة العري والتبرج والاختلاط، ومن له غيرة في الدين وبصيرة بقواعد الشريعة عرف وجاهة ما ذكر والله المستعان.

стр. 11634

الرابع: حمل سؤالها للرسول ﷺ وتعليمه إياها على أنها مبلغة عن رسول الله ﷺ ومثل هذا في السنة كثير في تعلمها وأخذها من رسول الله ﷺ ما تخبر به أصحاب رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم مع عدم شرعيته في حق النساء. قال الزركشي- في الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة- أخرج مسلم عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها نم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها تم رجع كان له من الأجر مثل أحد" فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت. وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة" اهـ. وقد لاح لك مما تقدم من الأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لورود النهي الخاص من النبي ﷺ عن اتباعهن الجنائز فكذلك ما هنا فاحفظ ذلك وكن به حفيا وتدبر بعين البصير بمرامي الشريعة وقواعدها فسيظهر لك بمعونة الله صحة ما ذكرناه ورجحان ما أبديناه ولا حوله ولا قوة إلا بالله. وخلاصة القول أن في حمل الحديث على أحد الوجوه المذكورة جمعاً بعين الأحاديث وتأليفاً لسنن كثيرة نذكر فيها ما يلي: أولاً: موافقته للنهي الخاص من النبي ﷺ عن زيارة القبور كما في أحاديث اللعن وما في معناها كحديثي عبد الله بن عمرو وعلي ﵃.

стр. 11635

ثانياً: أن في حمل الحديث على ذلك جمعاً بينه وبين قولها المتأخر قطعاً على ذلك - لو شهدتك لما زرتك- وإلا لما كان في قولها هذا كبير معنى. ثالثاً: موافقته لحال الصحابة رضوان الله عليهم حيث لم ينقل فيما نعلم أَن نساءهم كن يزرن المقابر، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا بالنهي وأقروه على ظاهره كما جاء من غير بحث ولا نظر، وهذا هو مذهب أهل الحديث وأئمة التحقيق كثر الله سوادهم، قال الإمام أبو العباس بن تيمية ﵀: "وما علمنا أن أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال"اهـ بلفظه. رابعاً: أن المحرم لا بد أن يشتمل على مفسدة محضة أو راجحة وزيارة النساء للقبور تشتمل على مفاسد كثيرة في الغالب فالتحريم إذاً ألصق بأصول الفرع ومقاصده. خامساً: أن أحاديث النهي تضمنت حكماً منطوقاً به، وحديث عائشة عند مسلم صحيح غير صريح فيما استدل به عليه، إذ لم تقل ماذا أقول إذا زرت القبور بل قالت ما أقول لهم، وهذا يحتمل الزيارة وغيرها. قال أبو بكر الحازمي في كتابه الاعتبار: "الوجه الثالث والثلاثون من وجوه الترجيح أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً"اهـ. أي فيجب تقديم ما هو منطوق به. سادساً: أن عامة العلماء قد رجحوا الدليل الحاظر كحديث اللعن في هذا المقام على دليل الإباحة كحديث عائشة عند مسلم على احتماله، فمن ادعى بعد ذلك أنه أبيح بعد المنع فعليه البيان لاسيما وقد ذكر هذا الوعيد الشديد في جانب المنع فالمسألة إذاً لا مسرح فيها للاجتهاد والله أعلم.

стр. 11636

سابعاً: أن مما يرجح به أحد الحديثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجانبين وهى مؤثرة في باب الرواية لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر كما حكى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي في اعتباره. قلت: وقد لاح لك مما تقدم أن عدد جانب المنع أكثر والاستدلال بها أظهر وبالله التوفيق. والجواب عن حديثها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن هو كما قال الحافظ بن القيم في تهذيب السنن: "إن المحفوظ في هذا الحديث حديث الترمذي مع ما فيه، وعائشة إنما قدمت مكة للحج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه وهذا لا بأس به، إنما الكلام في قصدها الخروج لزيارة القبور ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت: "لو شهدتك لما زرتك"وهذا يدل بالصراحة أن من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور وإلا لم يكن في قولها ذلك معنى"اهـ.

стр. 11637

وأما رواية الحاكم التي فيها أن عائشة قالت لمن سألها نهى عنها ثم أمر بزيارتها فقد قال الإمام تقي الدين بن تيمية: "لا حجة في حديث عائشة هذا، فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ وهو كما قالت رضى الله عنها ولم يذكر لها المحتج النهي المختص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة يبين ذلك قولها قد أمر بزيارتها فهذا يبين أنه أمر بها أمراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة ولكن عائشة بينت أن أمره الثاني نسخ نهيه الأول فلم يصلح أن يحتج به, وهو أن النساء على أصل الإباحة، ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجل ولم تقل لأخيها لما زرتك". وقال ابن القيم ﵀ في هذه الرواية: إنها من رواية بسطام بن مسلم، ولا صح فإن عائشة ﵂ تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء في الإذن، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويل الراوي إنما يكون مقبولاً حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه وهذا الحديث قد عارضه أحاديث منع زيارة النساء للقبور"اهـ. (تنبيه) : قول ابن القيم رحمه الله تعالى إن هذا الحديث من رواية بسطام ابن مسلم ولو صح قد يفهم منه أن هذا الحديث ضعيف من جهة بسطام هذا وليس الأمر كما يظن بل بسطام بن مسلم ثقة كما قال الحافظ في التقريب: "بسطام بن مسلم بن نمير العوذي بفتح المهملة وبسكون الواو، بصري ثقة من السابعة" اهـ. وقال أحمد: "صالح الحديث ليس به بأس", وقال ابن معين وأبو زرعة: "ثقة" والله أعلم. وأما ما رواه الحاكم أن فاطمة بنت محمد ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة الحديث. فهو حديث ضعيف منكر كما قاله الذهبي في تلخيصه وتضعيفه من سليمان بن داود وقال البيهقي في سننه الكبرى بعد سياقه لهذا الحديث: "إن حديث فاطمة ﵂ في زيارتها قبر عمها حمزة منقطع"اهـ.

стр. 11638

وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في سبل السلام بشرح بلوغ المرام- ما نصه: "وما أخرجه الحاكم من حديث علي بن الحسين أن فاطمة ﵂ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قلت: وهو حديث مرسل فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت محمد ﷺ ، وعموم ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً: "من زار قبر الوالدين أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب باراً" "اهـ. فهذا الحديث كما رأيت قد رمي بالضعف والنكارة والانقطاع والإرسال فلا يكون مثل هذا حجة في الدين والله أعلم. ٩- نقل جملة من كلام أئمة التحقيق في هذه المسألة: قال أبو العباس على بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه: "ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبى العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي ﷺ زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق على حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن"اهـ. وقال صاحب المهذب: "ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور".

стр. 11639

وقال السيوطي في كتابه زهر الربى على المجتبى للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: "وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن". قال السندي: "وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر"والله أعلم. وقال ابن حجر الهيثمي الشافعي في كتابه الزواجر ما نصه: "الكبيرة الحادية والثانية والثالثة والعشرون بعد المائة اتخاذ المساجد أو السرج على القبور وزيارة النساء لها، وتشييعهن الجنائز" فساق حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر ثم قال: "تنبيه: عد هذه الثلاثة هو صريح الحديث الأول في الأولين لما فيه من لعن فاعلها وصريح الحديث الثاني في الثانية وظاهر حديث فاطمة في الثالثة بل صريح رواية النسائي: ما رأيتن الجنة إلى آخره. ولم أر من عد شيئاً من ذلك بل كلام أصحابنا في الثلاثة مصرح بكراهتها دون حرمتها فضلاً عن كونها كبيرة فليحمل كون هذه كبائر على ما إذا عظمت مفاسدها كما يفعل كثير من النساء من الخروج إلى المقابر وخلف الجنائز بهيئة قبيحة جداً إما لاقترانها بالنياحة وغيرها أو بالزينة عند زيارة القبور بحيث يخشى منها الفتنة.." إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. قلت: وقد تقدم كلام النووي ﵀ -وهو من كبار الشافعية- مصرحا بالتحريم وأما حمل ابن حجر الهيثمي التحريم على ما إذا عظمت الفتنة فهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما نعلم وقد صرح بذلك غير واحد، وأما بدون اقتران ذلك فتبين لك مما تقدم ومما يأتي أن مقتضى نصوص الشريعة وقواعدها التحريم وما أحسن ما قاله العيني رحمه الله تعالى: "إن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان ولاسيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة وإنما رخص في الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهيد في الدنيا"قاله صاحب عون المعبود نقلاً عنه.

стр. 11640

وهذا قاله العيني في نساء مصر القرن التاسع فكيف لو رأى هو وأمثاله من الغيورين على الإسلام نساء القرن الرابع عشر وما يرتكبنه من التبرج والسفور وفتنة العري والاختلاط لما تردد هو وأمثاله في منعهن من الزيارة قولاً واحداً والله أعلم. وقال الساعاتي في الفتح الرباني: "قال صاحب المدخل المالكي: قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: أولاً المنع مطلقاً. ثانياً الجواز على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ عكس ما يفعل اليوم. ثالثاً: يفرق بين الشابة والمنجالة أي العجوز-. ثم قال: اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة في الدين بجوازه". وقال العلامة صديق بن حسان البخاري في كتابه حسن الأسوة: "الراجح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثر الله سوادهم". وقال صاحب المرعاة: "قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهى ورد خاصا بالنساء والإباحة لفظها عام والعام لا ينسخ الخاص بل الخاص حاكم عليه ومقيد له". وقد سئل سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف عن حكم وقوف النساء -عند دخولهن المسجد النبوي الشريف- على قبر نبينا محمد ﷺ فأجاب ﵀ بفتوى قال فيها بعد أن ذكر أحاديث اللعن: "إن التعبير برواية زائرات القبور يدل على عدم تخصيص النهى بالإكثار من الزيارة كما توهمه بعضهم من التعبير في الروايات الأخرى بلفظ "زوّارات القبور"ثم قال بعد أَن ذكر تحقيقاً جلياً في المسألة "والخلاصة: أنه لا يجوز للنساء قصد القبور بحالة ولا يدخلن في عموم الإذن بل الإذن خاص بالرجال والله أعلم".

стр. 11641

قلت: فالقول بالتحريم مطلقاً هو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه، إذ هو الموافق لأمر رسول الله ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته فأما موافقته لأمره فإنه ﷺ حكم على المرأة التي تبكي عند قبر على صبي لها بمنافاة ذلك للصبر والتقوى فأمرها بقوله لها: "اتق الله واصبري" فهذا موافق لأمره, وأما موافقته لنهيه فلقوله: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" فاجتمع في هذه المسألة أبلغ الطرق لإثبات هذا الحكم من أمره ونهيه ﷺ . وأما موافقته لقواعد شريعته ومصالح أُمته فمن وجوه عديدة نذكر منها ما يلي: أولاً: من المستقر المعلوم من قواعد الشريعة المطهرة: أن درء المفاسد مغلب على جلب المنافع لاسيما عند عظمة المفاسد كالحالة هذه إذ ليس في زيارة النساء للمقابر أي مصلحة راجحة كما هي في حق الرجال، والخروج في حقهن لا يكون إلا لحاجة فكيف يقدم ما ليس بواجب على الواجب بل كيف إذا لم يكن مشروعاً. ثانيا: إن النساء ناقصات عقل ودين مع ضعف صبرهن وكثرة جزعهن ومن جراء هذا نهى النبي ﷺ عن الجزع المؤدي إلى لطم الخدود وشق الجيوب وزيارتهن مجددة للحزن والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن الناتجة من نقصان الدين والعقل وقلة الصبر وكثرة الجزع فلو لم تحرم زيارة النساء للقبور إلا من هذا الباب لكفى فكيف إذا ترتب عليها من المخالفات الباطلة مالا يخفى على كل من شهد ما يقع منهن في زماننا هذا من تبرج بزينة واختلاط وغير ذلك مما أنكره الشرع.

стр. 11642

ثالثاً: إن حرمة التبرج والاختلاط- معلوم بالضرورة من الدين والعقل السليم. فخروج المرأة من بيتها لغير ضرورة يؤدي في الغالب إلى ارتكاب هذه الممنوعات شرعا بل والى ترك ما هو أهم من إحصانها وقرارها في بيتها والقيام بحقوق زوجها كما قال الله ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ بل يؤدي إلى أعظم مما تقدم من وقوع اللعنة عليها على لسان رسول الله ﷺ ، ومن شهد ما يقع في عصرنا هذا عند مزارات قبور الصالحين وغيرهم لاسيما عند قبر النبي ﷺ وصاحبيه علم غاية العلم أن ما ذكرناه من المفاسد المترتبة على فتح هذا الباب أمر واقع لا يحتمل الشك والارتياب وأن منعهن من زيارة القبور هو مقتضى شرعه وحكمه ومن محاسن شريعته. وكم من مسائل منعها الشارع لا لذاتها ولكن لما يتوصل إليه بأسبابها من ذلك نهيه عن تجصيص القبور وتشريفها والبناء عليها وعن الصلاة إليها وعندها وعن شد الرحال إليها- كل ذلك لئلا يكون ذريعة إلى اتخاذها أوثانا, ً وهذا التحريم عام في حق من قصد ومن لم يقصد، كل ذلك حماية لجناب التوحيد وسلامة الفطرة، والمحافظة على ذلك معروفة بطبيعة العقائد الإسلامية والله المستعان. خاتمة في أن هدي السلف في الاتباع ومجانبة الابتداع:

стр. 11643

لا يخفى على كل من كان هدفه التمسك بآداب شريعة الإسلام أن الخير كله في اتباع السلف وأن الشر في ابتداع الخالفين، فمن ثم لما لم ينقل عن القرون المشهود لها بالخير أن نساءهم يزرن المقابر تيقنا يقينا لا يساوره شك أنهم فهموا المنع من الشارع من غير قيد، ومن المعلوم أيضا لما هم عليه من قوة التمسك بالسنة والولوع بها ومن الورع وحب التسابق إلى الخير وتبليغ ما جاء عن المصطفى ﵊، أنه لو كانت زيارة النساء خيراً لسبقونا إليها ولنقل عنهم جوازها كما نقل عنهم منعها على لسان رسول الله ﷺ .وقد قال الأول: والحق يعرفه ذوو الألباب والحق أَبلج لا تزيغ سبيله فلنفعل كما فعلوا وليسعنا ما وسعهم من الاستغناء بما أحل الله عما حرمه فما أحسن الاقتصار على الطريقة المأثورة عن سلف هذه الأمة فإنهم كانوا أعلم بشريعة الله وأقوى تعظيما لأوامره وأوامر رسوله من سائر الأمم، ومن ظن أن في قدرته وإمكانه أن يفوقهم في تعظيم أوامره فقد خاب ظنه ورجع بخفي حنين فوالله لو أنفق أحدنا مثل أحدٍ ذهباً لما بلغ مد واحد منهم ولا نصيفه كما ورد عنه ذلك ﵊ ويذكر أن الإمام مالكاً ﵀ كثيراً ما ينشد: وشر الأمور المحدثات البدائع وخير أمور الدين ما كان سنة فما من بدعة تحدث في الإسلام إلا ويرفع في مقابلتها سنة من سنن الهدى، وحسبك في وجوب الاتباع والتحذير من الابتداع ما رواه المقدسي في المختارة أن النبي ﷺ قال: "إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته".

стр. 11644

وساق الشاطبي في الاعتصام من حديث: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلا" وهذا الحديث في سياق العموم فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث وهو وإن كان مختصاً بالمدينة فغيرها أيضا يدخل في المعنى ... ويروى عن أبي أويس الخولاني أنه قال: "لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها". وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعليكم بالأمر العتيق". وكان السلف يقولون: "احذروا من الناس صنفين: صاحب فتنة فتنهُ هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه". وقال أبو عمير عيسى بن محمد النحاس في صفة الإمام أحمد ﵀: "عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان أشبهه وبالصالحين ما كان ألحقه، أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها، وخصه الله بنصرة دينه والقيام بحفظ سنته ورضيه لإقامة حجته ونصر كلامه حين عجز عنه الناس". ويروى عن الإمام مالك ﵀: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليوم ديناً". وإلى هنا انتهى ما أردنا جمعه وكان ذلك في مدينة الرسول ﷺ جعلها الله آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين والحمد لله الذي بتوفيقه تتم الصالحات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 11645

فتاوى شرعية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد إطلاق حرِّية العقار مواقف للشرع والمصلحة العامة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فقد اطلعت على الكلمة المنشورة في الصفحة السادسة من جريدة الندوة الصادرة بتاريخ ٧/١١/١٤٠١هـ بعنوان (حرية العقار) فوجدتها تتضمن تحبيذ الكاتب تأجيل إطلاق حرية العقار عدة سنوات ... الخ. وأقول:-وبالله التوفيق- لا شك أن هذه المسألة من المسائل الشرعية العامة التي قضى فيها رسول الله ﷺ بحكم الله القاطع الذي ليس لأحد معه رأي ولا اجتهاد ولا استحسان. فالواجب على صاحب المقال وغيره تقوى الله والتعلم والامتثال لحكم الله ورسوله قال الله تعالى. ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء الآية ٦٥) , ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب الآية ٣٦) . وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكما هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا", فلا يحل أخذ مال امرئ مسلم بأي وجه من الوجوه إلا بحق شرعي, ومعلوم من قواعد الشرع المطهر لكل ذي علم وبصيرة أَن تقييد حرية العقار بأجرة معينة أو نسبة معينة يعتبر ظلما لمالكه وأخذاً لماله بغير حق ومصادمة للنصوص الشرعية ومخالفة لأمر الله ورسوله وحكما بغير ما أنزل الله واجتهادا في غير محله.

стр. 11646

فالله هو العليم بمصالح عباده وبعواقب الأمور كلها وهو أحكم الحاكمين وأرحم بالخلق من أنفسهم لذلك شرع لهم من الأحكام ما يصلحهم في كل زمان ومكان. أما ما ذكره صاحب المقال من المشاكل التي يتوقع حصولها بعد إطلاق حرية العقار فهذا استعجال للأمر قبل أوانها بل إن ذلك من إيحاء الشيطان وتوهيمه كما قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة الآية٢٦٨) . وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة الآية ١٦٨_١٦٩) . فالواجب على المسلم أن يكون قوي الثقة بربه سبحانه في جميع أحواله وأموره, حسن الظن به, بعيدا عن التوهمات والتوقعات التي تثبطه عن تنفيذ أمر الله والرضى بحكمه, وأن يعتقد اعتقادا جازما أن تطبيق أحكام الشرع المطهر لا ينتج عنه إلا كل خير في العاجل والآجل, بل إن الشر والضجر في عدم تطبيقها أو الإخلال بذلك.

стр. 11647

ولقد أحسن صاحب المقال المنشور في الصفحة السادسة من جريدة عكاظ الصادرة في ١١/١١/١٤٠١ هـ بعنوان (ما هي أبعاد إطلاق حرية العقار مع بداية عام ١٤٠٣هـ) فجزاه الله خيرا وأكثر من أمثاله فإن الدولة -وفقها الله- ساهمت في حل أزمة العقار مساهمة إيجابية ظهرت آثارها لكل منصف وذلك بالعطاءات السخية من القروض ومنح الأراضي وشجعت على توفير المباني السكنية وقد استفاد الكثير من المواطنين من صندوق التنمية العقارية وبنك التسليف كما استفاد أيضا الكثير من التجار والشركات والمؤسسات في بناء الفنادق والأسواق التجارية والمشاريع السكنية وبذلك انحلت الأزمة وتوفرت المساكن والمحلات التجارية وانخفضت الأجور بشكل ظاهر. بل إن كثيرا من المساكن والمحلات مقفل بسبب نزول أسعار البيع والإيجار ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر. أما ما قد يقع من المشاكل بين المؤجر والمستأجر فالمحاكم الشرعية كفيلة بحلها والحمد لله. وبذلك يعلم أن إطلاق حرية العقار هو الأمر المتعين شرعا وهو الموافق للمصلحة العامة والسياسة الحكيمة. فنسأل الله أن يوفق ولاة الأمور لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا ويرزقهم التمسك بشريعته والثبات عليها إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة الرئيس العام من المستفتي (عبد الله ناصر أحمد) ، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة والسؤال هو: لي أخ من أبي، وله أخت من الرضاع، ولها بنت، هل يجوز أن أتزوجها (أي بنت المرأة التي رضعت مع أخي من أبي) ؟ والجواب:

стр. 11648

إذا كانت المرأة التي تريد الزواج بابنتها رضعت خمس رضعات فأكثر وكان في الحولين فلا يجوز لك الزواج بابنتها، لأن الراضعة أختك أيضا من الرضاع، وتكون خالا لابنتها، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصاحبه. متى تكون الذبيحة حلالا لنا أو حراما علينا ...؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على السؤال المقدم من صالح بن أبي بكر عيسى العالي، إلى سماحة الرئيس العام، والمحال إليها من الأمانة العامة برقم ٧٣٥/ ٢ وتاريخ ٤/٥/١٢٩٦هـ. ومضمونه أن جماعة من طلبة العلم يزعمون حل ذبائح من يستغيث بغير الله، ويدعو غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، إذا ذكروا عليها اسم الله، مستدلين بعموم قوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (الأنعام الآية ١١٨) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام الآية ١١٩) ويرون أن من يحرم ذلك من المعتدين الذين يضلون بأهوائهم بغير عالم. ويقولون: إن الله فصل لنا ما حرم علينا في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ..﴾ (المائدة الآية ٣) وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (النحل الآية ١١٥) إلى أمثال ذلك من الآيات التي فصلت ما حرم من الذبائح ولم يذكر فيها تحريم شيء مما ذكر اسم الله عليه ولو كان الذابح وثنيا أو مجوسيا.

стр. 11649

ويزعمون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان يأكل من ذبائح الذين يدعون زيد بن الخطاب إذا ذكروا عليها اسم الله. فهل قولهم هذا صحيح؟ وبماذا نجيب عما استدلوا به إن كانوا مخطئين؟ ما هو الحل في ذلك مع الدليل؟ الجواب: يختلف حكم الذبائح حلا وحرمة باختلاف حال الذابحين، فإن كان الذابح مسلما ولم يعلم عنه أنه أتى بما ينقض أصل إسلامه وذكر اسم الله على ذبيحته، أو لم يعلم أذكر اسم الله عليها أم لا, فذبيحته حلال بإجماع المسلمين، لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام الآية ١١٨-١١٩) . - وإن كان الذابح كتابيا يهوديا أو نصرانيا، وذكر اسم الله على ذبيحته فهي حلال بإجماع لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (المائدة الآية ٥) . وإن لم يذكر اسم الله ولا اسم غيره عليها ففي حل ذبيحته خلاف، فمن أحلها استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ومن حرمها استدل بعموم أدلة وجوب التسمية على الذبيحة والصيد، وبالنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (الأنعام الآية ١٢١) وهذا هو الظاهر. - وإن ذكر الكتابي اسم غير الله عليها،! كأن يقول باسم العزير، أو باسم المسيح، أو الصليب، لم يحل الأكل منهما لدخولهما في عموم قوله تعالى آية ما حرم من الطعام: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . إذ هي مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ .

стр. 11650

وإن كان الذابح مجوسيا لم تؤكل، سواء ذكر اسم الله عليها أم لا، بلا خلاف فيما نعلم إلا ما نقل عن أبي ثور من إباحته صيده وذبيحته لما ورد عنه ﷺ أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" [١] ولأنهم يقرون على دينهم بالجزية كأهل الكتاب فيباح صيدهم وذبائحهم. وقد أنكر عليه العلماء ذلك واعتبروه خلافا لإجماع من سبقه من السلف, قال ابن قدامة في (المغني) : "قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون لذبائح المجوس بأساً، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبي ثور. ومما رويت عنه كراهية ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس وعلي وجابر وأبو برزة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومرة المهراني والزهري ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال أحمد: ولا أعلم أحدا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار ولأنهم لا كتاب لهم فلا تحل ذبائحهم كأهل الأوثان، ثم قال ابن قدامة: "وإنما أخذت منهم الجزية، لأن شبهة الكتاب تقتضي تحريم دمائهم فلما غلبت في تحريم دمائهم وجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم احتياطا للتحريم في الموضعين ولأنه إجماع، فإنه قول من سمينا، ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد روي عنه خلافا"انتهى من (المغنى) . وإن كان الذابح من المشركين عباد الأوثان ومن في حكمهم ممن سوى المجوس وأهل الكتاب، فقد أجمع المسلمون على تحريم ذبائحهم سواء ذكروا اسم الله عليها أم لا، ودل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ بمفهومه على تحريم ذبائح غيرهم من الكفار، وإلا لما كان لتخصيصهم بالذكر في سياق الحكم بالحل فائدة.

стр. 11651

وكذا من انتسب إلى الإسلام وهو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ويستغيث بغير الله فذبائحهم كذبائح الكفار الوثنيين والزنادقة فلا تحل ذبائحهم كما لا تحل ذبائح أولئك الكفار لشركهم وارتدادهم عن الإسلام. وعلى هذا فالإجماع على تحريم ذبائحهم ودلالة مفهوم الآية على ذلك كلاهما مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ , وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. فلا يصح الاستدلال بهاتين الآيتين وما في معناهما على حل ذبائح عباد الأوثان ومن في حكمهم ممن ارتد عن الإسلام بإصراره على استغاثته بغير الله ودعائه إياه من الأموات ونحوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله بعد البيان له وإقامة الدليل عليه فإن ذلك شرك كشرك الجاهلية الأولى. كما أنه لا يصح الاعتماد في حل ذبائح من استغاث بغير الله من الأموات ونحوهم واستنجد بغير الله فيما هو من اختصاص الله إذا ذكر اسم الله عليها بعدم ذكر ذبائحهم صراحة في آية إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله وما في معناها من الآيات التي ذكر الله فيها ما حرم على عباده من الأطعمة فان ذبائح هؤلاء وإن لم تذكر صراحة في نصوص الأطعمة المحرمة فهي داخلة في عموم الميتة، لارتدادهم عن الإسلام من أجل ارتكابهم ما ينقص أصل إيمانهم وإصرارهم علما ذلك بعد البيان.

стр. 11652

ومن زعم أن إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، كان يأكل من ذبائح أهل نجد وهم يدعون زيد بن الخطاب فزعمه خرص وتخمين ومجرد دعوى لا يشهد لها ما نقل عنه ﵀ بل هي مخالفة لما تشهد به كتبه ومؤلفاته من الحكم على من يدعو غير الله، من ملك مقرب أو نبي مرسل، أو عبد صالح، فيما لا يقدر عليه إلا الله، بأنه مشرك مرتد عن الإسلام، بل شركه أشد من شرك أهل الكتاب, وإن ذكروا عليها اسم الله؛ لأن التسمية على الذبيحة نوع من العبادة، فلا تصح إلا مع إخلاص العبادة لله سبحانه، لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام الآية ٨٨) . والله أعلم وأحكم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] رواه مالك في الموطأ في كتاب الزكاة ((باب جزية أهل الكتاب والمجوس)) ٢: ٣٧٤، ((عن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" قال ابن عبد البر: هذا الخبر منقطع إلا أن معناه متصل من وجوه حسان. ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) في كتاب أهل الكتاب ((باب أخذ الجزية من المجوس)) ٦:٦٩،وفي كتاب أهل الكتابين ((باب هل يقاتل أهل الشرك حتى يؤمنوا من غير أهل الكتاب، وتؤخذ منهم الجزية)) ١٠: ٣٢٥ وروى عبد الرزاق في البابين من طريق أخرى ((عن الحسن بن محمد بن علي)) نحو هذا الخبر عن رسول الله ﷺ ، وفي آخره: "ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة" قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٩: ١٩٢و٢٨٥)) هذا الخبر مرسل،وإجماع أكثر الأمة عليه يؤكده.

стр. 11653

نظرة إسلامية إلى البحث والكشف والابتكار (١) للدكتور أبو الوفاء عبد الآخر صيدلي بمستشفى الجامعة الحمد لله ... خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، وأنعم عليه بخصائص فاق بها سائر الخلق ... والصلاة والسلام على أكرم المرسلين، وعلى آله وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد فلقد تميز التفكير الإنساني بالقدرة على التعلم والحفظ والنمو، وهذه من أفضل وأعظم خصائص الجنس البشري، وبها أصبح الإنسان قادراً على النظر والتأمل، وعلى التعلم والبحث والاكتشاف والابتكار. ولقد كانت الأمة الإسلامية في عصور نهضتها الفكرية، أمة باحثة ومبتكرة، ثم تخلفت عن ركب الحضارة وأصبحت أمة مقلدة، تلتقط فتات الفكر الحضاري من موائد غيرها من الأمم ... ثم بدأت صحوة المسلمين من جديد، وظهرت في العالم الإسلامي بشائر البحث والكشف والابتكار، في ميادين الطب والصيدلة والعلوم الطبيعية، وفي ميادين الصناعة وغيرها من مطالب الحياة. ولهذا أصبح من الضروري زيادة الاهتمام (بإعداد الباحث المبتكر) ، وإيقاظ ملكات البحث والكشف والابتكار، بين أبناء الأمة الإسلامية، حتى تصير أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، في ركب الحضارة بقدرتين متلازمتين: قدرة العمل، وقدرة البحث والكشف والابتكار، وحتى تصبح أمة قائدة لا مقودة، ومبتكرة لا مقلدة. مفاهيم: البحث: هو الوسيلة التي بها يتوصل الإنسان إلى الاكتشاف والابتكار. الاكتشاف: هو التعرف على الموجودات بالكون من مواد وقوانين، والتي لم تكن معروفة من قبل.

стр. 11654

الابتكار: هو بمفهومه العام، كل ما أوجده الإنسان، مما لم يكن له سابق عهد به، سواء كان مادة في حالة معينة، أَم جهازاً وآلة، أم فائدة جديدة لشيء معروف، أم أسلوبا جديداً للعمل والأداء والكشوف والابتكارات، منها الهام الذي يكون بمثابة نقلة ثورية في العلم ومطالب الحياة، كالمضادات الحيوية في علاج الأمراض.. (والصفر) العربى في الحساب. وهناك التطوير والتحسين، وهما أقل درجة من الابتكار. مصادر البحث والكشف والابتكار:

стр. 11655

أولا: الكون، بأرضه وسمائه، فقد علم (الله آدم، أسماء المسميات ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، ثم استخلفه في الأرض، وقد جعلها- وما فيها مسخّرة لآدم وذريته ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ . وأودع- وهو اللطيف الخبير- في بني آدم الخصائص المناسبة التي تعينهم على التعلم والبحث والاكتشاف والابتكار ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل الآية ٧٨) , ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق- الآيات ٣، ٤، ٥) وأشار- في كتابه العزيز- إلى الأرض وما عليها، والسموات وما بينها، كموضوعات للنظر والتفكير والتأمل ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران- الآية ١٩١) , ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية (يونس الآية ١٠١) , ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت- الآية ٢٠) , ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ..﴾ الآية (فصلت- الآية ٥٣) , ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ (الرحمن- الآية ٣٣) .

стр. 11656

وما دام الله قد أودع في بني آدم القدرة على البحث والاكتشاف والابتكار، ومادام الكون بأرضه وسمائه وآفاقه هو المستهدف للنظر والتأمل والمعرفة، فإن أرجاء الكشف والابتكار فسيحة، وفسيحة جدا، وسوف يصل الإنسان في العلم والمعرفة والسيطرة آمالا بعيدة يظن بها أنه أَصبح قادرا على الأرض- وهذا يذكره الحق ﵎ في كتابه العزيز في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس- الآية ٣٤) . بل إنه قد يصل الحال بالإنسان إلى محاولة التغيير في خلق الله اتباعا لأمر الشيطان واستعلاء وكفراً وطغيانا، فيحكي القرآن على لسان الشيطان ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ (النساء- الآية ١١٩) ، ومن محاولات الإنسان في هذا المجال ما يقوم به من تحويل بعض خصائص الإناث إلى الذكور وبعض خصائص الذكور إلى الإناث، وما يقوم به من دراسات ومحاولات لتغيير بعض صفات الجنين، اعتمادا على التحكم في بعض عناصر التغيير، وبهذا يتدخل في فطرة المخلوقات ويعمد إلى تغيير حالتها الطبيعية دون أن يكون من وراء ذلك فائدة محققة، وإنما تماديا في اللهو، ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ..﴾ وتطرفا في العناد والخصام ﴿أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (يس- الآية ٧٧) .

стр. 11657

ثائيا: القرآن الكريم: وهو كلام الله، وكتابه الذي يخاطب به عباده، وهو المعجزة الخالدة التي تقوم شاهدا على أن (الإسلام) هو دين الله وخاتم الأديان، وهو حجة الله على عباده بإعجاز الخلق، إعجازا غير موقوف على فصحاء العرب ومن لف لفهم في الفصاحة والبيان؛ ولكنه إعجاز لا بد أن يتضح لكل إنسان ولو كان أعجمي اللسان، لتلزمه حجة الله إن أبى الإسلام، ابتداء من نزول القرآن وبعثة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وإلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها. هذا النوع من النظر والتفكير يؤدي إلى نتيجة لازمة: أن لإعجاز القرآن نواحي غير الناحية البلاغية، وغير ناحية التنبؤات التي كانت غيبا حين نزل القرآن، ثم حققها الله فعلا فيما استقبل الناس من زمان. الواقع أن موضوع إعجاز القرآن لا يزال بكراً برغم كل ما كتب فيه، لكني لست أريد أن أتناوله إلا من تلك الناحية التي لا يتوقف تقديرها والتسليم بها على معرفة لغة لا تتيسر معرفتها لكل أحد، هذه الناحية هي الناحية العلمية من الإعجاز. فضلا عن ذلك فإن الإعجاز يشمل الناحية النفسية، إذ قد اقتاد القرآن النفس لردها إلى فطرتها. كما يشمل الإعجاز الناحية التشريعية، والتاريخية التي كشف عنها التنقيب الأثري فيما بعد. وكذلك شمل الإعجاز الناحية الكونية، لما فطر الله عليه الكائنات في الكون. هذه النواحي هي التي ينبغي أن يشمر المسلمون للكشف عنها وإظهارها للناس في هذا العصر الحديث، ولن يستطيعوا ذلك على وجهه حتى يطلبوا العلوم كلها ليستعينوا بكل علم على تفهم ما اتصل به من آيات القرآن، واستظهار أسرار آياته التي اتصلت بالعلوم جميعا. ولا غرابة في أن يتصل القرآن بالعلوم كلها [١] .

стр. 11658

والعلماء من عباد الله المؤمنين الذين يقوله عنهم الحق في كتابه العزيز ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ، يغوصون في أعماق هذا القرآن الكريم، ويتتبعون تصريحاته وإشاراته، ليستخرجوا منها الحقائق العلمية ويستلهموا منها سر الآيات الكونية التي تفتح لهم أبواب البحث، وتقودهم إلى ينابيع المعرفة والابتكار والكشف. ولديهم أيضا السنة المشرفة، يبحثون فيها عن الحقائق العلمية التي تقودهم إلى أعظم الاكتشافات. وعلى ضوء هذا الإدراك السليم لكتاب الله سوف يزداد المسلم نفعا به، فيتلوه كتابا تعبديا، ويقرؤه حقائق علمية. وما ينطبق على كتاب الله الكريم، ينطبق على سنة رسوله الصادق الأمين. هدف الكشف والابتكار: إن الهدف الأسمى للكشف والابتكار هو التعرف على آيات الله، ليزداد المؤمن إيمانا, وليحققوا الحكمة من خلقهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ . أما الأغراض الدنيوية من الكشف والابتكار فهي تنظيم أمور الحياة وتيسيرها، وتوفير أسباب الأمن والصحة والراحة بما يتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها. لهذا يجب أن يراعى في تقييم الكشوف والابتكارات ما يلي: - مدى مواءمتها للطبيعة البشرية. - مدى تحقيقها للمصلحة الإنسانية على أساس النظرة الصائبة الشاملة، باعتبار كون الإنسان جسداً وروحاً، وكذلك على أساس النظرة المرتبطة بالأخلاقيات والقيم والغايات التي بينها في كتابه العزيز، ودعى إليها رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 11659

ولو أننا فرضنا أن ابتكارا يحقق راحة عضلية، أو لذة حسية، أو متعة نفسية، ولكنه يعطل العمليات التنسيقية للجسم أو يسبب إرهاقا للحواس، أو يتعارض مع مكارم الأخلاق، أو يصرف الإنسان عن طاعة الله، فيجب أَن نقيم الابتكار، واضعين في الاعتبار أن هذه الأمور من النقائص التي إذا استفحل خطرها، يجب التخلي عن هذا الابتكار. تحذير وذكرى: على المؤمن أن لاينبهر، ولا ينخدع بأية اكتشافات أو ابتكارات تزيد من قدرات الإنسان وتحكمه وسيطرته على هذه الأرض وما حولها، وعليه أن يصمد أمام كل مفاتن العلوم والاكتشافات والابتكارات، وفتنها؛ بجانب هذا التحذير، فإنني أذكرِّ بالحقائق التالية، وإن الذكرى تنفع المؤمنين: الإنسان مطالب من قبل المولى بالنظر والتأمل والبحث في آيات الله في الكون، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إذاً فالكون من سموات وأرضين، سخره الله وأمر الإنسان بالنظر فيه متدبراً متفكراً دارساً وباحثا. يعلم الحق بني أدم- على مر العصور، من خزائن علمه- كثيراً من أسرار الكون وسننه كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ....﴾ الآية, (فصلت الآية ٥٣) ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الأنبياء٨٠) , ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل الآية ٨) , ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر الآية ٣١) .

стр. 11660

إذاً فسيحصل الإنسان على معارف كثيرة عن الكون, وكل ما يتعرف عليه الإنسان من أسرار الكون، وما يصل إليه من اكتشافات وابتكارات، ليس تحدياً لقدرة الله.. بل هو عطاء من عند الله، وتعطف على الإنسان، الذي كرمه الله بالعقل والعلم ﴿عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . ومهما عرف الإنسان من أسرار الكون وأسرار الحياة، ومهما حقق من اكتشافات وابتكارات، فنهايته الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت الآية: ٥٧) , ومهما عرف الإنسان عن جسمه وعن الأمراض وعلاجها ومهما حاول وفعل لإطالة عمره، فهو إلى موت وفناء, ثم إلى بعث وجزاء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ (الرحمن آية ٢٦. ٢٧) , ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة الآية ٦) . سيصل الإنسان لبعض أسرار الكون، وسيصل باكتشافاته واختراعاته إلى درجة فائقة من التحكم والقوة، يخيل إليه أنه قادر ومسيطر على كل شيء في هذه الحياة الدنيا. وعندما يصل إلى هذه الحالة من التحكم والسيادة، ومن الغرور والطغيان، ستكون نهاية الأرض التي يعيش عليها ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس الآية ٢٤) .
следующие страницы →