Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.
стр. 11656
وما دام الله قد أودع في بني آدم القدرة على البحث والاكتشاف والابتكار، ومادام الكون بأرضه وسمائه وآفاقه هو المستهدف للنظر والتأمل والمعرفة، فإن أرجاء الكشف والابتكار فسيحة، وفسيحة جدا، وسوف يصل الإنسان في العلم والمعرفة والسيطرة آمالا بعيدة يظن بها أنه أَصبح قادرا على الأرض- وهذا يذكره الحق ﵎ في كتابه العزيز في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس- الآية ٣٤) .
بل إنه قد يصل الحال بالإنسان إلى محاولة التغيير في خلق الله اتباعا لأمر الشيطان واستعلاء وكفراً وطغيانا، فيحكي القرآن على لسان الشيطان ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ (النساء- الآية ١١٩) ، ومن محاولات الإنسان في هذا المجال ما يقوم به من تحويل بعض خصائص الإناث إلى الذكور وبعض خصائص الذكور إلى الإناث، وما يقوم به من دراسات ومحاولات لتغيير بعض صفات الجنين، اعتمادا على التحكم في بعض عناصر التغيير، وبهذا يتدخل في فطرة المخلوقات ويعمد إلى تغيير حالتها الطبيعية دون أن يكون من وراء ذلك فائدة محققة، وإنما تماديا في اللهو، ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ..﴾ وتطرفا في العناد والخصام ﴿أَوَلَمْ يَرَ الأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (يس- الآية ٧٧) .
стр. 11657
ثائيا: القرآن الكريم: وهو كلام الله، وكتابه الذي يخاطب به عباده، وهو المعجزة الخالدة التي تقوم شاهدا على أن (الإسلام) هو دين الله وخاتم الأديان، وهو حجة الله على عباده بإعجاز الخلق، إعجازا غير موقوف على فصحاء العرب ومن لف لفهم في الفصاحة والبيان؛ ولكنه إعجاز لا بد أن يتضح لكل إنسان ولو كان أعجمي اللسان، لتلزمه حجة الله إن أبى الإسلام، ابتداء من نزول القرآن وبعثة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وإلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها.
هذا النوع من النظر والتفكير يؤدي إلى نتيجة لازمة: أن لإعجاز القرآن نواحي غير الناحية البلاغية، وغير ناحية التنبؤات التي كانت غيبا حين نزل القرآن، ثم حققها الله فعلا فيما استقبل الناس من زمان.
الواقع أن موضوع إعجاز القرآن لا يزال بكراً برغم كل ما كتب فيه، لكني لست أريد أن أتناوله إلا من تلك الناحية التي لا يتوقف تقديرها والتسليم بها على معرفة لغة لا تتيسر معرفتها لكل أحد، هذه الناحية هي الناحية العلمية من الإعجاز.
فضلا عن ذلك فإن الإعجاز يشمل الناحية النفسية، إذ قد اقتاد القرآن النفس لردها إلى فطرتها. كما يشمل الإعجاز الناحية التشريعية، والتاريخية التي كشف عنها التنقيب الأثري فيما بعد. وكذلك شمل الإعجاز الناحية الكونية، لما فطر الله عليه الكائنات في الكون.
هذه النواحي هي التي ينبغي أن يشمر المسلمون للكشف عنها وإظهارها للناس في هذا العصر الحديث، ولن يستطيعوا ذلك على وجهه حتى يطلبوا العلوم كلها ليستعينوا بكل علم على تفهم ما اتصل به من آيات القرآن، واستظهار أسرار آياته التي اتصلت بالعلوم جميعا. ولا غرابة في أن يتصل القرآن بالعلوم كلها [١] .
стр. 11658
والعلماء من عباد الله المؤمنين الذين يقوله عنهم الحق في كتابه العزيز ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ، يغوصون في أعماق هذا القرآن الكريم، ويتتبعون تصريحاته وإشاراته، ليستخرجوا منها الحقائق العلمية ويستلهموا منها سر الآيات الكونية التي تفتح لهم أبواب البحث، وتقودهم إلى ينابيع المعرفة والابتكار والكشف.
ولديهم أيضا السنة المشرفة، يبحثون فيها عن الحقائق العلمية التي تقودهم إلى أعظم الاكتشافات. وعلى ضوء هذا الإدراك السليم لكتاب الله سوف يزداد المسلم نفعا به، فيتلوه كتابا تعبديا، ويقرؤه حقائق علمية. وما ينطبق على كتاب الله الكريم، ينطبق على سنة رسوله الصادق الأمين.
هدف الكشف والابتكار:
إن الهدف الأسمى للكشف والابتكار هو التعرف على آيات الله، ليزداد المؤمن إيمانا, وليحققوا الحكمة من خلقهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
أما الأغراض الدنيوية من الكشف والابتكار فهي تنظيم أمور الحياة وتيسيرها، وتوفير أسباب الأمن والصحة والراحة بما يتناسب وفطرة الإنسان التي فطره الله عليها.
لهذا يجب أن يراعى في تقييم الكشوف والابتكارات ما يلي:
- مدى مواءمتها للطبيعة البشرية.
- مدى تحقيقها للمصلحة الإنسانية على أساس النظرة الصائبة الشاملة، باعتبار كون الإنسان جسداً وروحاً، وكذلك على أساس النظرة المرتبطة بالأخلاقيات والقيم والغايات التي بينها في كتابه العزيز، ودعى إليها رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 11659
ولو أننا فرضنا أن ابتكارا يحقق راحة عضلية، أو لذة حسية، أو متعة نفسية، ولكنه يعطل العمليات التنسيقية للجسم أو يسبب إرهاقا للحواس، أو يتعارض مع مكارم الأخلاق، أو يصرف الإنسان عن طاعة الله، فيجب أَن نقيم الابتكار، واضعين في الاعتبار أن هذه الأمور من النقائص التي إذا استفحل خطرها، يجب التخلي عن هذا الابتكار.
تحذير وذكرى:
على المؤمن أن لاينبهر، ولا ينخدع بأية اكتشافات أو ابتكارات تزيد من قدرات الإنسان وتحكمه وسيطرته على هذه الأرض وما حولها، وعليه أن يصمد أمام كل مفاتن العلوم والاكتشافات والابتكارات، وفتنها؛ بجانب هذا التحذير، فإنني أذكرِّ بالحقائق التالية، وإن الذكرى تنفع المؤمنين:
الإنسان مطالب من قبل المولى بالنظر والتأمل والبحث في آيات الله في الكون، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إذاً فالكون من سموات وأرضين، سخره الله وأمر الإنسان بالنظر فيه متدبراً متفكراً دارساً وباحثا.
يعلم الحق بني أدم- على مر العصور، من خزائن علمه- كثيراً من أسرار الكون وسننه كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ....﴾ الآية, (فصلت الآية ٥٣) ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الأنبياء٨٠) , ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل الآية ٨) , ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر الآية ٣١) .
стр. 11660
إذاً فسيحصل الإنسان على معارف كثيرة عن الكون, وكل ما يتعرف عليه الإنسان من أسرار الكون، وما يصل إليه من اكتشافات وابتكارات، ليس تحدياً لقدرة الله.. بل هو عطاء من عند الله، وتعطف على الإنسان، الذي كرمه الله بالعقل والعلم ﴿عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
ومهما عرف الإنسان من أسرار الكون وأسرار الحياة، ومهما حقق من اكتشافات وابتكارات، فنهايته الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت الآية: ٥٧) , ومهما عرف الإنسان عن جسمه وعن الأمراض وعلاجها ومهما حاول وفعل لإطالة عمره، فهو إلى موت وفناء, ثم إلى بعث وجزاء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ (الرحمن آية ٢٦. ٢٧) , ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة الآية ٦) .
سيصل الإنسان لبعض أسرار الكون، وسيصل باكتشافاته واختراعاته إلى درجة فائقة من التحكم والقوة، يخيل إليه أنه قادر ومسيطر على كل شيء في هذه الحياة الدنيا. وعندما يصل إلى هذه الحالة من التحكم والسيادة، ومن الغرور والطغيان، ستكون نهاية الأرض التي يعيش عليها ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس الآية ٢٤) .
стр. 11661
إذاً فأمام الإنسان الكثير من الاكتشافات والابتكارات في كل ميادين الحياة على وجه الأرض التي يعيش عليها، يزداد بها سيطرة، ويزداد بها رخاء وتَرَفا غير أَنه في كل خطوة يخطوها نحو هذا الكسب الدنيوي، يزداد قربا من لحظة الفناء لهذه الأرض التي يعيش عليها.
الإعجاز العلمي للقرآن:
إن لكل رسول معجزة، ومعجزة نبينا (محمد) - صلوات الله وسلامه عليه- هي (القرآن الكريم) أساسا، وهو المعجزة الخالدة، الباقية في تحديها لكافة الإنس والجن، والمتجددة في تحديها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومعجزة هذا شأنها، لابد أن تكون متعددة الجوانب في إعجازها، حافلة بالأسرار في أعماقها، دائمة الخير في عطائها. ولمَّا كانت أمة الإسلام في صدر الإسلام، تتميز بالفصاحة والبيان، ولمَّا كانت اللغة العربية عند العرب- أول من دعوا إلى الإسلام- هي صناعتهم المفضلة التي برزوا فيها، وفَنَّهم الأصيل الذي تفاخروا به، وتحدوا بعضهم بعضا نظما ونثرا.... فقد ظهر الإعجاز البلاغي للقرآن أكثر الجوانب إشراقا، وبرز في وجه الكفرة والمنافقين سلاحا فتاكا للتحدي والإعجاز وقد ظل (هذا الإعجاز البلاغي) ، حتى يومنا هذا في الصَدَارة، وكاد أَن يحجب ماعداه من أوجه الإعجاز الأخرى. بشدة وَلَع علماء المسلمين به على مر العصور، ولانصراف المفسرين إليه دون غيره قرنا بعد قرن، حتى سيطر على عقول الكثيرين أن (الإعجاز البلاغي والبياني للقرآن الكريم) هو الوجه الأوحد لتلك المعجزة الكبرى.
стр. 11662
ولقد كان من الواجب والمناسب أن يهتم علماء الأمة الإسلامية، بذلك الإعجاز ويقتصروا على دراسته- دون باقي أوجه الإعجاز القرآنية- في وقت كان له بين العرب وفصحائهم: قوة الإقناع، وعلو الحجة وشدة التأثير، وكان موضوع التحدي للمعارضين الذين كانوا على قمة الفصاحة في اللغة العربية، هذا بالإضافة إلى عدم اتساع دائرة العلوم الطبيعية والدراسات الكونية، والاكتشافات، وعدم اهتمام الحضارات السابقة بهذا الجانب الفكري مما جعل البشرية قاصرة عن إدراك الإعجاز العلمي للقرآن. أما وقد وصلت الدراسات الإسلامية عن (الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن) شأنا عظيما، وتأصلت أهمية ذلك الإعجاز، هذا بالإضافة إلى سيادة العلوم الطبيعية على الحضارات المعاصرة وما حققته من إنجازات ضخمة في حياة الإنسان، فقد برزت أَهمية (الإعجاز العلمي للقرآن) كحجة على الإنسانية المعاصرة أعجميها وعربيها؛وما دام منطق العصر وأدلة الإقناع، صارت مستمدة من العلوم الطبيعية (التطور- المادية- العلوم التجريبية- الخ) فقد أصبح الإعجاز العلمي للقرآن، أكثر إقناعا من الإعجاز البياني والبلاغي، لهذا أَصبح من الواجب ومن الضروري على علماء المسلمين- في كل مجالات الفكر والمعرفة- أن يشمروا لدراسته وإظهاره للفكر الإنساني المعاصر، أَكثر اشراقا، وأعظم أثرا وأقوى حجة من ذي قبل.
стр. 11663
وبالرغم من كون (الإعجاز العلمي للقرآن) حقيقة يدركها كل من يتلو القرآن بفهم وتدبر، خاصة أولئك الذين لديهم معرفة أو إلمام بالعلوم الكونية، ومن يتابعون الثقافات المعاصرة المليئة بمعطيات العلوم الطبيعية ومعارفها، فإن هناك من يحملون حملة شعواء على من يحاول إظهار ما استكن في القرآن من آيات الله في الخلق وسنن في الفطرة، سبق إليها القرآن قبل أَن يكشف عنها علماء العصر الحديث. وهناك من يتخوفون ويشككون في الإقدام على دراسة هذا الجانب الإعجازي للقرآن، ويعترضون على أَهل التفسير العلمي لكونيات القرآن ويقولون بأن المعارف العلمية متغيرة، فلا يجوز أن نربط تفسير آيات القرآن الكريم بهذه المتغيرات العلمية، والتي تتمثل في الافتراضات والاكتشافات الأولية والنظريات.. الخ ويسوقون الحجج بنظرة موضوعية ضيقة، فيقولون بأن القرآن الكريم كتاب تعبدي وليس كتابا تعليميا، ولم يبعث به الرسول الخاتم -صلوات الله وسلامه عليه- ليعلم المسلمين دروسا في الفلك والرياضيات والطب والعلوم الطبيعية.. الخ.
وهؤلاء وأَولئك من المعترضين على أهل التفسير العلمي للقرآن، يرتكبون بمعارضتهم هذه خطأ فاحشا، وكأنهم يريدون أن لا يُفهم القرآن إلا كما كان يفهمه العرب الذين نزل القرآن بينهم، وغاب عنهم أن القرآن ليس مراداً به العرب وحدهم وقت نزوله،، بل أريد به البشرية كلها في كل مكان وزمان بحيث يفهم من آياته أهل كل عصر بقدر ما قدر الله لهم من العلم. والمعترضون باعتراضهم هذا يعطلون تجديد حجة الله سبحانه للناس بتجدد إعجاز القرآن العلمي من خلال فهمه على ضوء المعطيات الحديثة للعلوم.
стр. 11664
وهناك الرأي الآخر الذي يدعو إلى دراسة (الإعجاز العلمي للقرآن) ، وأنصار هذا الرأي يدركون أهمية هذا الجانب الإعجازي للقرأن، ويعملون جاهدين على إظهاره للناس, وتدعيما للدعوة إلى الإسلام، بين محصّلي العلم الحديث، وتحديا متفوقا ضدّ (الأيديولوجيات) المادية.
ويقول أستاذنا الأستاذ الدكتور [٢] محمد أحمد الغمراوي ﵀ : "هذا التدرج في إتمام المطابقة بين القرآن والفطرة أمر لا مفر منه في الواقع، ثم هو مطابقة لحكمة الله في جعل الإسلام آخر الأديان، وجعله للقرآن معجزة الدهر، أي معجزة خالدة متجددة، يتبين للناس منها على مر الدهور، ما لم يكن قد تبين، فيكون هذا التجدد في الإعجاز العلمي تجديد للرسالة الإسلامية، كأنما رسول الإسلام- صلوات الله وسلامه عليه- قائم في كل عصر يدعو الناس إلى دين الله ويريهم دليلا على صدقه آية جديدة من آيات تطابق ما بين الفطرة وبين القرآن" [٣] (انتهى) .
وكان أستاذنا- ﵀ من أبرز علماء المسلمين المتخصصين في العلوم الكونية في العصر الحديث، الذين اهتموا بالإعجاز العلمي للقرآن، وقاموا بتفسير الآيات الكونية على ضوء المعارف العلمية الحديثة. وكتابه (الإسلام في عصر العلم) ومحاضراته بكلية أصول الدين وكتاباته بمجلة الأزهر الشريف، تعد من أمتع الدراسات لهذا الجانب من الإعجاز القرآني وبها كثير من التفسيرات القرآنية التي تتمشى مع المكتشفات العلمية الحديثة، ومن أئمة علماء المسلمين الذين كان لهم السبق في هذا النمط من التفسير: الزمخشري والفخر الرازي، من قدامى المفسرين، والإمام الشيخ محمد عبده من المحدثين.
стр. 11665
بل إن هذا الإعجاز القرآني، قد شد انتباه بعض العلماء من غير المسلمين الذين قاموا بدراسة الكتب السماوية دراسة موضوعية، فلم يجدوا غير (القرآن الكريم) كتابا سماويا، يحوي الكثير من الحقائق العلمية- إشارة أو تفصيلا- وكان هذا دليل صدق وإعجاز لمن أَراد منهم الإيمان، وحجة بالغة على من كفر بالرحمن.
ولا يقول الفريق المناصر لدراسة (إعجاز القرآن العلمي) والمطالب بتفسير كونيات القرآن تفسيرا علميا مطابقا لأحدث المعارف والدراسات الكونية، بأن كتاب الله العظيم، جاء ليعطي دروسا في الرياضيات والفلك وعلوم الأرض والطب والنبات والهندسة ... الخ، بل ينظرون إلى هذا (الكتاب الإلهي) ، باعتبار أن كلماته وآياته، تشير إلى حقائق في شتى العلوم البشرية، وباعتبار أن كلماته: عبارات وإشارات تنبههم طبق ما تقتضيه حكمة الله في مخاطبة خلقه، وباعتبار أن الآيات الكونية من القرآن الكريم يجب أن تفهم على ضوء الحقيقة ولا يعدل من ترك الحقيقة إلى المجاز إلاّ إذا قامت القرينة الواضحة التي تمنع من حقيقة اللفظ وتحمله على مجازه.
كما يرى الفريق المناصر لقضية الإعجاز العلمي للقرآن أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالفيوض ولا بالنظريات التي لا تزال موضع بحث وتمحيص، فكلمات الله الكونية ينبغي أن تفسر بها نظائرها من كلمات الله القرآنية.
стр. 11666
وهم لا يرون أي مبرر للخوف أو الانزعاج إذا ما تغيرت نظرة علمية عن سنة كونية، فالخطأ يرد إلى المفسرين نتيجة حتمية لقصور الفكر الإنساني، ولا يردُ إلى ما طرأ من انفكاك في المقابلة بين السنة الكونية ونظيرتها القرآنية. ولا يغيب عن بالنا أن (المتعرضين لتفسير كتاب الله عرضة للخطأ، وإلاَّ لاشترطنا في المفسر أن يكون معصوما من الخطأ، وهو شرط مستحيل تحققه في غير نبي، وتكون النتيجة تحريم تفسير آيات القرآن على كل لسان بعد عهد النبي ﵊، يستوي في ذلك التفسير الكوني وغير الكوني من آيات القرآن [٤] .
كما أن ظاهرة اختلاف المفسرين في تفسيرهم لكتاب الله، لم يوقف المسلمين عن تفسيرهم لكتاب الله عصراً بعد عصر وجيلاً بعد جيل، ورغم ما قد يوحي به هذا الخلاف من وجود تناقض بين معاني آيات القرآن الكريم، ولم نر من يطالب بعدم التعرض لكتاب الله شرحاً أو تفسيراً أو إظهاراً لغريب كلماته، أو بيانا لإعجازه لغويا، وقد قام الخلاف المعروف ولا يزال بين مدارس اللغويين والنحويين بشأن تفسير القرآن الكريم.
بل إن علماء (الطبيعة) في بحثهم عن أسرار الكون، قد يصلون إلى نتائج قد تحتاج إلى تعديل فيما بعد لأنها- دائما- في حدود التجارب التي يقومون بها، ناظرين إلى تجاربهم كأنها مطلقة: فقالوا: -مثلا- إن الذرة لا تنقسم، وغفلوا عن أن ذلك في تجاربهم كان خاصا بالتفاعلات الكيميائية، ثم وفقهم الله إلى الكشف عن العناصر المشعة، وقاموا بأبحاثهم التي صححت معلوماتهم ونتائجهم عن الذرة.
стр. 11667
وقالوا: إن المادة لا تفنى ولا تتجدد، ونسوا أَن ذلك لا يصدق، إلاَّ على التفاعلات الكيميائية، فهداهم الله من تركيب الذرة وتحولها إلى ما استيقنوا معه أَن المادة تفنى بتحولها إلى طاقة منطلقة في كون الله بسرعة الضوء إلى غير ذلك من الحقائق التي يصل إليها الإنسان في إطار علمه المحدود الذي يتسع كلما اتسع هذا الإطار، فيطرأ التعديل والتبديل على بعض هذه الحقائق المعلومة للإنسان.
وعليه فإن علوم الكون وعلوم القرآن وتفسيره قد يقع فيها الخطأ، وقد تحتاج في سبيل التصويب- إلى التعديل والتبديل، حتى ولو كانت حقائق كما أشرنا من قبل. ويكون الخطأ مرده خطأ الإنسان وسوء فهمه، ولا يكون الخطأ- بأي حال من الأحوال- في حقائق القرآن المطلقة، المودعة في آياته، كما لا يكون في سنن الله في خلقهِ هذا ما يجب العلم به وما يجب التنبيه إليه؛ فلا تعارض ولا تناقض في القرآن الكريم، ولا تناقض في حقائق الكون، ولا خوف ولا انزعاج من ربط علوم الكون بعلوم القرآن.
مناهج التفسير للآيات الكونية في القرآن:
إن تفسير الآيات الكونية في القرآن والتي تزيد عن ثمانمائة آية، يمكن إدراجه في مناهج ثلاثة:
أولا: المنهج التقليدي:
وهو المنهج الذي درج عليه علماء التفسير- من قدامى ومحدثين- وهو يعتمد على المعلومات العلمية العامة لتفسير تلك الآيات. كما يكثر في هذا المنهج التقليدي صرف الحقيقة إلى المجاز.
أمثلة لتفسير الآيات الكونية حسب المنهج التقليدي:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الآية ٣٠ الأنبياء) - أي أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانتا الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق الله الأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات.
стр. 11668
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن ٢٢) يشير لفظ (منهما) إلى البحرين المذكورين في الآية ١٩ ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ أوَّلوهُ إلى ما يعرفون من وجود صدف اللؤلؤ في أحد البحرين في الخليج العربي فقالوا إن ما يصدق على أحدهما يصدق على مجموعهما، وأهملوا احتمال أن يوجد اللؤلؤ أَيضا في النهر عند ملتقى البحرين من بعض الأقطار فيكون إخباراً عن حقيقة اللؤلؤ النهري الذي تذكره بعض دوائر المعارف، والذي لم يكن يعرفه العرب حول الخليج.
﴿السَّمَاوَاتُ السَّبْع﴾ عند الرازي هي أفلاك السيارة السبعة التي قدرها اليونان.
ثانيا: المنهج العلمي:
وفيه يكون التفسير للآيات الكونية في القرآن على ضوء المعارف العلمية المتخصصة، ووفق الحقائق النهائية التي يصل إليها علماء الكونيات. وقد شاع هذا اللون من التفسير في العصور الحديثة التي أَصبحت فيها علوم الكون خاضعة لأساليب الدراسة التجريبية، وقائمة على وسائل البحث والمشاهدة المدعمة بالأجهزة والآلات ذات الكفاءة العالية في التقدير. وأكثر القائمين بهذا العمل الهام هم من المتخصصين في العلوم الكونية والمزودين بالدراسات الإسلامية، أو من المفسرين الذين يتابعون أحدث البحوث والاكتشافات العلمية، ويستعينون بها في فهم وتفسير الآيات الكونية بالقرآن الكريم.
والغرض من هذا المنهج العلمي في تفسير تلك الآيات القرآنية، هو إيضاح معانٍ جديدة للقرآن الكريم، وإثبات صدقه وإعجازه، وزيادة حجته وقوة إقناعه. وهذا القدر من الفائدة هام جداً في مجال الدعوة الإسلامية في العصر الحديث- عصر العلوم الكونية- بين قوم أصبح فكرهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه العلوم الكونية، وانعكس ذلك على إقناعهم والتأثير فيهم.
أمثلة لتفسير الآيات الكونية في القرآن حسب المنهج العلمي:
стр. 11669
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (يس الآية ٣٦) إن الحقائق العلمية الواردة في الآية القرآنية الكريمة عن الزوجية نموذج للقضايا الكلية التي تنضوي تحتها قضايا جزئية، ولقد ثبت بعضها فعلا وفي استجلاء المزيد عن هذه السنة الكونية الهامة (الزوجية) نجد إشارة إلى وجود هذه الزوجية بصورة أوسع من الذكورة والأنوثة في الإنسان وفي النباتات، التي لم يكن معروفا وقت نزول القرآن إلا (أزواج النخيل) وقد كشف العلم الحديث أن الزوجية يتسع مداها فهي تشمل أيضا الأزواج الموجبة والأزواج السالبة التي تتكون منها دقائق المادة، كما كشف العلم (الكهيرب الإلكتروني الموجب) نقيض (الكهيرب السالب) ، وكشف أيضا عن (البروتون- الأبيب- السالب) نقيض (الأبيب الموجب) - وهكذا تكشفت وتتكشف أنواع متعددة للزوجية لا تقف عند حصر، وذلك مصداقاً لقوله : ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 11670
وقوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس الآية ٣٨) . لقد توقف الفهم القديم لجريان الشمس من المشرق إلى المغرب، كما توقف فهم الآية القرآنية على ضوء هذه الحركة الظاهرية، والتي ثبت أنها نتيجة لحركة الأرض، وما زالت الآية الكريمة محتفظة بصدقها ودلالتها على أن الشمس تجري لمستقر لها ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ . وقد أثبت العلم الحديث حركة حقيقية ذاتية للشمس، مما أبرز وأوضح تلك المعجزة العلمية التي أتى بها القرآن الكريم في قوله (تجري) ولم يكن هذا الكشف يخطر على بال أحد إلى أن تهيأت للإنسان آلات الرصد وأدوات التحليل الضوئي التي سهلت له اكتشاف هذه السنة الكونية، وذلك في القرن التاسع عشر. وبذلك ظهر التطابق بين حقائق الله القرآنية وحقائق الله الكونية وقد قدر علم الفلك سرعة حركة الشمس بركنيها أي من حيث المقدار والاتجاه. فأما المقدار فهو اثنا عشر ميلاً في الثانية تقريبا، وأما الاتجاه فهو نحو النجم المسمى (فيجا) في الإنجليزية (والنسر الواقع) في العربية.
ثالثا: المنهج التطبيقي:
وهو المنهج الذي نسلط الأضواء عليه، وندعو علماء الأمة الإسلامية إلى الإهتمام به، حتى يأتي بالنفع العظيم- إن شاء الله- في مجال الدراسات العلمية.
وبهذا المنهج لا يقف المفسرون عند تفسير الآيات القرآنية الكونية على ضوء المعارف العلمية المتقدمة والحقائق الكونية التي يصل إليها علماء الكونيات، بل إنهم يقدمون لعلماء الكونيات- بفقههم وتفسيرهم لتلك الآيات- دراسات تصلح لأن تكون بداية لتأملات علمية في السنن الكونية، وتصلح لأن تكون منطلقا لأفكار وفروض علمية، تتلوها- عن طريق البحوث القائمة على التجريب- اكتشافات ونظريات، تعمق إيمان المؤمنين، وتهدي الحيارى المتشككين وتنفع البشرية في دنياها وآخرتها.
стр. 11671
ومما تقدم نرى أن الفرق بين (المنهج العلمي) و (المنهج التطبيقي) هو أنه في المنهج الأول يكون التفسير على ضوء المعارف العلمية المتخصصة، فالعلماء يكتشفون، والمفسرون يفقهون آيات الله الكونية على ضوء هذه الكشوف.
أما في المنهج الثاني، فإن المفسرين بفقههم لآيات القرآن الكونية، يقدمون تفسيرات تتضمن أفكاراً علمية عن الكون، قابلة للبحث والدراسة، والعلماء- انطلاقا من هذه الأفكار - يبحثون في الكون عن حقيقة ما أشار إليه القرآن وأوضحه المفسرون.
وبعبارة أخرى، يكون القرآن في (المنهج العلمي) تابعاً في فهمه وتفسيره لحقائق العلم، أما في (المنهج التطبيقي) ، فيكون العلم تابعاً في اكتشافاته وحقائقه لما جاءت الآيات به القرآنية وأوضحه المفسرون. وشتان ما بين أن يكون القرآن تابعاً في منهجه لمكتشفات وأن يكون متبوعا، تنطلق منه: الأفكار العلمية، فيصبح بذلك مصدراً هاما للبحوث عن الكونيات، ويقود المسلمين إلى هذا المجال الواجب من المعرفة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .سورة الحديد الآية (٢٥)
مؤتمر طبي إسلامي عالمي بالولايات المتحدة
من المقرر أن يجتمع خمسمائة طبيب وكيميائي، وحكيم هندي، كلهم مسلمون، يحضرون من كافة أرجاء الولايات المتحدة، وكندا، والهند، ليجتمعوا بمدينة (أورلاندو- فلوريدا) بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث يناقشون موضوعا مهما بالنسبة لأطباء القرن العشرين، ذلك الموضوع هو: (الطب الإسلامي في القرن الخامس عشر الهجري) .
стр. 11672
صرح بذلك الدكتور (بشير أَحمد زكريا) مؤسس ورئيس (الجمعية الإسلامية الطبية) في الولايات المتحدة، وقال: "أننا نهدف هنا في الولايات المتحدة: إلى تجميع الأطباء المسلمين ورفع مستواهم العلمي، ودفعهم إلى العمل في خدمة الإسلام والدعوة الإسلامية في أمريكا وكذلك تشجيعهم على إجراء البحوث العلمية والدراسات الميدانية في مجال الطب والبحوث الطبية، وكذلك توفير التجارب العلمية والمعملية لتكون في خدمة الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الإسلام في عصر العلم- تأليف الأستاذ محمد أحمد الغمراوي- الناشر دار الكتب الحديثة (ص ٢٥٧/٢٥٨) ببعض التصرف.
[٢] عالم الكيمياء المصري وأستاذ الكيمياء بكلية الصيدلة بالقاهرة، ومؤسس وعميد كلية الصيدلة بجامعة الرياض الأستاذ بكلية أصول الدين بالأَزهر الشريف لمادة التفسير والأستاذ بقسم الدراسات العليا بالكلية وهو من الرعيل الذي دافع عن الإسلام ضد أعداء الإسلام وتصدى بعلمه وقلمه لتيارات الإلحاد ولد عام ١٨٩٣ م وتوفي عام ١٩٧١، ﵀ وأثابه عن جهاده في سبيل الإسلام.
[٣] الإسلام في عصر العلم ص ٢٥٨، ٢٥٩.
[٤] الإسلام في عصر العلم (دكتور محمد أحمد الغمراوي) ص ٣٠٩.
стр. 11673
الكتاب: دور الدول الاشتراكية في تكوين إسرائيل
المؤلف: الدكتور إبراهيم الشرقي
هذا الكتاب خطير ومهم لأنه أحد الكتابات النادرة في موضوعه ولأنه يضم وثائق وحقائق عن الدور الكبير الذي قامت به الدول الاشتراكية في سبيل إقامة دولة إسرائيل وتدعيمها وهو الدور الذي تسكت عنه جميع أجهزة الإعلام في البلاد العربية ويتناساه دعاة الشيوعية عندما يتبجحون بالإمدادات العسكرية السوفيتية لبعض الدول العربية الموالية لها.
يعرض الكتاب دور الاتحاد السوفيتي بخاصة وبعض الدول الاشتراكية بعامة في خمسة مجالات تخدم إسرائيل ويخص كل مجال بفصل مستقل.
ففي مجال تأسيس دولة إسرائيل: يورد المؤلف الوثائق التي تبين اهتمام السوفيت بإقامة إسرائيل والوفود التي أرسلتها منذ عام ١٩١٩ إلى يهود فلسطين لإقامة الحزب الشيوعي اليهودي وتشكيل فرقة منهم لحماية اليهود والمبالغ التي خصصتها لشراء أراضٍ لليهود الروس في فلسطين ويظهر حقيقة تذكرها جميع مصادر اليهود في ذلك الوقت وهي أن الأموال الواردة من الاتحاد السوفيتي لشراء الأراضي تشكل ٤٠% من صندوق الأموال اليهودية العامة وهذه أعلى نسبة واردة من دولة واحدة.
وفي المجالس السياسية: يبين الدور السياسي الكبير الذي لعبه السوفيت في فرض التعويضات الألمانية لليهود وفي حملتهم الشديدة التي شنوها- هم وبقية دول الكتلة الشرقية- في الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف بشرعية الكيان اليهودي في فلسطين ودعمهم لمشروع التقسيم وإصرارهم عليه ومواقفهم الكثيرة المؤيدة لتأسيس دولة إسرائيل والمحفوظة في وثائق الأمم المتحدة. ويقدم المؤلف صورا لبعض هذه الوثائق.
стр. 11674
وفي مجال الهجرة اليهودية يبين إسهام الاتحاد السوفيتي في تدعيم الوجود الصهيوني بشريا حيث بلغ عدد اليهود الوافدين إلى فلسطين من روسيا خلال الأعوام ١٩٢١- ١٩٣٩ نحو ١٦٥ ألف يهودي بينهم مجموعة من الضباط وصف الضباط ويضاف إلى هذا العدد الضخم ٢٨٥ ألفا من أوروبا الشرقية.
وفي مجال التسليح العسكري يبين أن الأسلحة التي حصل عليها اليهود وحاربوا بها عام ٤٧- ٤٨ كانت من دولة أوروبا الشرقية وقد استولى عليها الشيوعيون في أعقاب الحرب الثانية, وبأمر من موسكو سمح للبعثة اليهودية أن تشحن ما يلزمها من معدات حربية على بواخر يوغسلافية ورومانية إلى ميناء حيفا، ولولا هذه الأسلحة وأسلحة ثقيلة أخرى، وطائرات زودتها بها روسيا ودول الكتلة الشرقية، لما استطاعت إسرائيل أن تثبت إقدامها بعد يوليو ١٩٤٨ م.
وفي المجال الاقتصادي: يتحدث عن علاقات روسيا وبقية دول الكتلة الشرقية بإسرائيل اقتصاديا، ويبين أن أول اتفاق وقعته إسرائيل كان مع روسيا في عهد ستالين، تلته عدة اتفاقات في عهد خروتشوف، إضافة إلى الاتفاقيات الثقافية والسياحية والملاحة التجارية.
ومازالت هذه الاتفاقيات متوالية ويعرض المؤلف مقتطفات منها تبين دعم دول هذه الكتلة الكبيرة لاقتصاد إسرائيل.
وبعد: فالكتاب وثيقة مهمة يتضمن مستندات من محاضر جلسات هيئة الأمم المتحدة وسجلاتها وبعض التقارير السرية الدولية ووثائق الاتفاقيات بين إسرائيل والدول الاشتراكية، وبعض الرسائل السرية بين رؤساء الدول الغربية، والنشرات التي أصدرها اليهود في أوروبا وأمريكا بالإضافة إلى مذكرات أقطاب الصهيونية وكتبهم أمثال وايزمن وزاندا وأراماند شنتر وجون سوريل وغيرهم. والكتاب يضيء جانبا يحرص المضللون والعملاء والشيوعيون على أن يبقى مظلما، ومن الضروري أن ينتشر ويميز الحق من الباطل وهو مناسب فكرةً وأسلوباً لجميع المستويات.
عرض وتحليل: د. عبد الباسط بدر
стр. 11675
مراكز تقدمية
إن الإسلام يخوض في هذا العصر أعظم معاركه طرا، معركة الدفاع عن البقاء, والدفاع عن المثل، والدفاع عن الأرض، والصمود في وجه التيارات السامة الوافدة من الغرب الصهيوني، ومن الشرق الملحد على السواء.. وفي كنف هذا الواقع الرهيب لا بد من استعمال الوسائل المشروعة كلها لإِفساد خطط الغزاة رجالا أو أفكارا وإقامة مراكز لهذه الغاية في قلب الغرب والشرق من أهم هذه الوسائل. ولا شك أننا قد سجلنا بعض النجاح حتى الآن في مضمار الشكل، فهناك مراكز فخمة في الولايات المتحدة وأوربا إلى حد معقول. ولكن نظرة فاحصة إلى المضمون تكشف لنا حقيقة مؤسفة، وهي أن في هذه المراكز كل شيء من ألوان الدعاية السياسية إلى ألوان الترفيه، إلى حسن استقبال الراغبين في الاطلاع على أشياء من حياة الشرق، ونحو ذلك.. أما عرض الإسلام، والدعوة إليه، وتعهد أبناء الجاليات الإسلامية بما يحفظ لهم دينهم في تلك الأوساط، التي لا تتصل بالمعاني الإسلامية من قريب أو بعيد، فذلك آخر ما يخطر في بال القائمين على معظمها.. وليس هذا بالأمر الغريب، ما دام هؤلاء إنما يمثلون (التيارات التقدمية) في بلادهم، فلا يهمهم من أمر الإسلام إلا ما كان ذا نفع مباشر لهذه الغاية الأولى..
ولقد حدثني بالأمس طبيب عربي كان عائداً لتوه من الغرب.. فقال: "قصدت إلى المركز الإسلامي في ... يحدوني شوق حار لسماع الأذان والانتظام في صفوف الجماعة، وما إن بلغته حتى فوجئت بأبوابه مغلقة وثلاثة من مستخدميه على مقربة منه، فسلمت وسألت: أليس هذا وقت صلاة العصر؟ .. قالوا: بلى. قلت: فعلام لا أسمع أذانا ولا أرى صلاة؟.. فقال كبيرهم: لأننا لا نفتح المسجد إلا أيام الجمعة والعيدين..
стр. 11676
وراح المستخدم يعلل ذلك بقوله: إن افتتاح المسجد في سائر اليوم يكلف جهودا ومصروفات.. هذا إلى قلة الراغبين في صلوات الجماعةِ قلت: الجماعة تنعقد باثنين فأكثر، وأنتم ثلاثة فلم لا تقيمونها بكم على الأقل؟؟ ثم قلت: ألا تفتحون المسجد لأحد خلال الأسبوع؟. فأجاب: بلى نفتحه للراغبين في مشاهدة داخلهِ قلت: فاسمحوا لي إذن بذلك.
وفتح المسجد ودخلت، ولم أتردد فأقمت الصلاة بنفسي وحيدا، وهم ينظرون ويستغربون لأني خالفت شرطهم".
قال الطبيب: "وأغرب من هذا ما لقيت في .... إذ كنت أقضي فترة تخصصي في بلد بعيد عن المركز الإسلامي فجئته ذات يوم لاستطلاع أحواله وللنظر في ما يمكن أن نفيده منه، فوجدته مفتوحا، وكان المسئول الكبير وهو من حملة الدكتوراه في الدراسات الشرعية غائبا، فانتظرت حتى عاد، وهناك قلت: لابد أنكم تقومون بجهد مشكور في ميدان الدعوة إلى الإسلام وتعريفه والدفاع عنه.. فارتبك الرجل ولم أَظفر منه بجواب شاف، فقلت: نحن في شهر رمضان، وهو موسم العبادة والقرآن، فلو أنكم خصصتم بعض الوقت من كل يوم لتفسير بعض الآيات أو الأحاديث لوجدتم إقبالا من الطلاب المسلمين، ولكان في ذلك خير كثير. فقال: ولكن أوقاتنا فيما قبل الظهر مشغولة كلها بعين حاجات البيت واستقبال الزوار وإعداد الشايِ وما بعد الظهر فهو وقت راحة لا مكان فيه لغيرها!.."
وما أراني بحاجة للتعليق على هذه الطرائف، فهي بنفسها ناطقة بواقع تلك المراكز، التي لا تختلف عن أية دائرة حكومية في الدولة التي تسيطر عليها عن طريق هؤلاء الممثلين الأفاضل!..
стр. 11677
ولقد حدثني هذا الطبيب النسيب أيضا بأن اتفاقا تم بين الحكومة الإنجليزية والحكومة المصرية ذات يوم على أن تمنح كل منهما الأخرى أرضا صالحة لإقامة معبد عليها، فأما الأرض المصرية فقد ارتفعت عليها الكنيسة المنشودة في أقصر وقت ممكن.. في حين بقيت الأرض الإنجليزية خاوية على عروشها.. تنتظر حجر الأساس للمسجد المتفق عليه.
وطبيعي أن لمثل هذا التصرف الرسمي إيحاءه العميق في نفوس الممثلين الرسميين، الذين لا يكلفهم أحد أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.
من كتاب (مشكلات الجيل في ضوء الإسلام)
стр. 11678
في ندوة الإسلام في كوريا:
سمو الأمير نايف ينجح في التوسط لدى الحكومة الكورية
بإنشاء جامعة إسلامية
جدة- في ندوة هامة استمرت زهاء ٣ ساعات من مساء أمس الأربعاء تحدث عدد من الأساتذة ورجالات الفكر عن الإسلام في كوريا وقد افتتحت الندوة بآي من الذكر الحكيم ألقى بعدها معالي الدكتور عبد الله محمد نصيف مدير جامعة الملك عيد العزيز بجدة كلمة ضافية هنأ فيها الكوريين بانتشار الإسلام في بلادهم وحمد الله على الصحوة الإسلامية التي تعيشها الأمة الإسلامية والشعوب والأقليات المسلمة تحدث بعد ذلك السيد بي جون تشانج سفير كوريا لدى المملكة فذكر أن عدد المسلمين في كوريا يبلغ ٢٠٠٠٠مسلم وهناك قرية كل سكانها مسلمون ويبلغ تعدادهم ٣٥٠٠ نسمة وقال إن مسجد باتجو الذي افتتح مؤخرا يقوم بدور كبير في توعية المسلمين وتنظيم المحاضرات الدينية التي يلقيها الأساتذة هناك والزائرون من البلاد الإسلامية.
стр. 11679
ثم بدأت الندوة فتحدث الأستاذ حامد تشوى يونج كيل من قسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية بجامعة بيونج جي بسؤال فاستعرض التاريخ الكوري القديم ووصول العرب إلى كوريا والإسلام بعد ذلك, وقال: "إن الإسلام وجد أرضا خصبة خضراء لنمو بذرة الإسلام بسهولة وامتدح دور المملكة العربية السعودية وجهودها لرفع راية الإسلام ودعم القضايا الإسلامية وما بذلته من جهود موفقة ساهمت في تشكيل جمعية تمثل مسلمي كوريا وبناء مركز إسلامي ومسجد جامع سنة ١٩٧٦ م ومركز إسلامي آخر سنة ١٩٨٠" وقال: "إنه حدث تطور ملموس في مسيرة الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية، حيث أنشئت جامعة إسلامية في سيئول لتحمل مسئولية التربية الإسلامية، وتنمية الروح الإسلامية في الشباب الكوري وإبعادهم عن الأجواء المسمومة بالعقائد الباطلة". وقال صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز قد توسط لدى الحكومة الكورية التي استجابت فتبرعت بأرض مساحتها ٤٣٠٠٠٠ مترا مربعا لاتحاد المسلمين لينشئوا هذه الجامعة عليها.
وقال السيد حامد: "إن مما ساعد على نشر الإسلام بسهولة في كوريا هو التقاليد الكورية التي تدعو إلى الاحتشام وعدم الاختلاط والالتزام بالآداب والأخلاق وهذه كلها يدعو إليها الإسلام". وذكر أَن مائة وخمسين ألف من الكوريين يعملون في المملكة يقتبسون العادات والتقاليد الإسلامية فينشرونها في بلادهم وقال إن عدد المسلمين في كوريا يتزايد يوما بعد آخر.
وتحدث البروفسور لي يونج بوم الحاصل على دكتوراه في الآداب وأستاذ التاريخ الشرقي بجامعة دونج كوك عن نفوذ العرب والفرس وأثر الثقافة الإسلامية على تاريخ كوريا وشعبها وضرب الأمثال واستشهد بالصور التاريخية القديمة التي كان لها ارتباط بتاريخ كوريا.
стр. 11680
ودارت مناقشات بعد ذلك حول كيفية انتشار الإسلام في كوريا وتسهيلات الحكومة الكورية للمسلمين ودعمها المادي الذي يشكل أهم المكاسب التي تفتقر إليها الأقليات الإسلامية في بلدان كثيرة هذا وقد عقدت الندوة في إطار الموسم الثقافي الذي تنظمه اللجنة الثقافية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وحضرها عدد كبير من رجال الفكر والآداب والصحافة وأساتذة وطلبة الجامعة كما حضرها ممثلو الشركات الكورية العاملة في المملكة وأبناء الجالية الكورية بجدة.
المدينة
стр. 11681
الأمي الذي أصبح دكتوراً
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
أعجبت كثيرا بكفاح هذا الرجل الذي يسر له الله أن يرتفع إلى مصاف الذين يعتد بهم بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وأهيب بالكسالى المتقاعسين أن ينهجوا نهجه وقد لخص هذا الرجل كفاحه فيما يلي:
"الجهل ما ألده من عدو.. إنه العدو اللدود الذي يفتك بالشعوب ويشتت خيراتها.. إنه آفة الشعوب ومخدر طاقاتها.. إنه الوحش الكاسر.. ولو كانت قوة الجسم وبروز العضلات تقضي عليه لكنت منذ سنين عديدة قد قضيت عليه.. ولكنني ما زلت ألبس رداءه الحالك السواد.. يطاردني في كل ثانية من ثواني حياتي في البيت.. في الشارع.. مع الأصدقاء في كل ناحية حتى عند وقت الهجيع إلى النوم.. لقد أذاقني العلقم وجعل حياتي ظلاما دامسا لا أتبين طريقي من خلاله.. انتقلت من مكان لآخر أتلمس طلب العمل لأعيش ويعيش من يضمني معهم بيت واحد ويظلنا سقف واحد ولكن محاولاتي باءت بالفشل في أيامها الأولى وذلك لجهلي التام الذي يطلقون عليه- تأدبا- (الأمية) وأخيرا بعد طول عناء ومشقة قبلت في إحدى الشركات كفراش براتب زهيد.. اعتقدت أن مشكلتي قد انتهت وأن الشبح الذي كان يلازمني قد انتصرت عليه.. لكنه ما زال يخيم على حياتي ويكدر صفوها.. فقد عانيت منه الكثير حتى وأنا أتفيأ ظلال عملي الجديد فكم من المرات جرحت كرامتي بكلمات لاذعات بسبب هذا الجهل..
стр. 11682
ولكن هل استسلمت ورضيت من الغنيمة بالإياب؟!! لا.. لقد بيت أمرا وعزمت على تنفيذه ولم تزدني تلك المعاملة وذلك الوضع (المزري) إلا إصرارا على تنفيذ ذلك الأمر إنه التعليم.. فقد التحقت بالمدارس الليلية لمواصلة تعليمي والالتحاق بركب العلمِ وهكذا كنت (كادا) كادحا بالنهار ساهرا مجدا بالليل.. وهذه هي خطوات حياتي الأولى.. وبدأت أشق طريقي عبر هذا الطريق الشاق الشائك.. أذكره لك كي تعلم كم عانيت في السنين الماضية من جراء أميتي وكم تحملت من لذع الكلام وسيء التصرف بسبب هذا الكابوس. إن الجهل - يا صديقي- ثوب أشد سوادا من الليل.. إنه الموت البطيء والحياة المسلوبة.. ولكن لكل عقدة حلا ولا بد لليل من نهار يجلي سواده..
أنت تراني الآن على خير حال فقد بلغت في المنصب علوا وفي الجاه منزلا كل ذلك بفضل الله تعالى ثم بقوة عزيمتي وصدق نيتي.
هذه بدايتي مع معترك الحياة.. فلم أرس على الشاطئ إلا بعد أن تقاذفتني الأمواج حتى كدت أن أغرق.. ولم تأت هذه الشهادة التي أنا أحملها (الدكتوراه) من فراغ.. وليست هذه البحوث والمؤلفات المنشورة باسمي إلا عصارة تلك الأيام..
إنه لشيء عجيب غريب أثار اندهاشي وحرك مكامن الفضول في نفسي لتسأل الكثير.. ولكن أكتفي بما سمعته ففيه الكفاية ولا يسعني وأنا أسمع ملحمتك هذه مع الحياة ونصرك المؤثر على نكبات الدهر إلا أن أهنئك وأشد على يدك وأدعو لك بالخير والسداد فنعم الرجل أنت..
نهض مسرعا وقال: أرجو أن تأذن لي بالانصراف..
مع السلامة..
стр. 11683
لقد تصدع رأسه بما سمع ونهض مسرعا موليا رغم كلمات الإعجاب التي قالها.. إنه لا يكاد يتصور هذا المشوار المفروش بالشوك فتجربته مع الحياة كانت وما زالت غير ذلك.. والاتكالية التي عاشها وجعلته لا يعرف من الحياة إلا هذه البحبوحة التي يعيش فيها أنكرت عليه صدق قولي عن الحياة ومشواري. ولكن الفرق كبير والبين وأضح بين من يبني مجده وحياته بيده وبين من يتكل على يد غيره لتبني له ربما الحنان أو العطف أرغماها على ذلك.. ولكن النتيجة ستكون كمثل هذا.. جهل.. ولكنه يرتدي ثوبا براقا يخفى خلفه معالم الجهل الحقيقي وهذا الجهل أشد وبالا وأعظم وطأة من ذلك الجهل.. لأن الواضح المرئي.. لا كالمتخفي خلف كواليس تبرق في عين الرائي فتقلب له الحقيقة خيالا.
(المدينة)
стр. 11684
تعليقات وتحليلات
للشيخ محمود محمد سالم
١- الناس يدخلون في دين الله أفواجاً
(الإيمان نور يقذفه الله في قلب من أحب من عباده) وإذا امتلأت به النفس صار فيها قوة بناءة تتضاءل أمامها كل قوى البشر وما تملكه من الترغيب والترهيب، لأنها يوم تمتلئ بالإيمان الحق يستوي عندها الذهب والحصى في هذه الدنيا إذ تنشد بأعمالها وأقوالها ما عند الله من نعيم خالد لا يزول.
نقول هذا بمناسبة ما تواترت به الأنباء في الآونة الأخيرة عن اعتناق ٤٠٠ أربعمائة هندوسي من المنبوذين للإسلام في مقاطعة ثاميل نادو فى جنوب الهند.
وقد كان لهذا الحادث أثره في إثارة سخط الحكام الهنود, فقد هرع وزير الداخلية الهندي إلى زيارة هذه المقاطعة للتحقيق في أَسباب هذا الإسلام الجماعي بين الهندوس, وقد حَرَّضتْ الحكومة ثلاثة آلاف من الطبقة العليا الهندوسية ليهجموا على قرى المنبوذين، وأحرقوا مائة وخمسة وثمانين بيتا. وسلبوا أَموالهم ودسوا لهم السم في مياه أبار القرية. وتظاهر هؤلاء العلية في تلك القرية ينددون بالجريمة الشنعاء التي ارتكبها هؤلاء الذين أسلموا. ويعلن رئيس المقاطعة عن قوله: "لن أتردد في التحرك لمنع أهل هذه البلاد من التحول من ديانة الهندوس إلى الإسلام".
وخرجت صحيفة (تايمز أف إنديا) تتهم الدول الإسلامية المجاورة بالتآمر ضدها, فهي تتهم دولة باكستان صراحة بأنها من وراء هذا الحادث وأنها تعمل ضد أمن الهند وتمارس دعايتها الشريرة. كما تتهم بلدانا إسلامية أخرى فتمنع دعاتها المسلمين من دخول الهند.
ومع أن الدستور الهندي يكفل لكل الهنود حرية كل فرد في اعتناق الدين الذي يرتضيه إلا أن ردود فعل الأوساط الرسمية من إسلام هؤلاء المنبوذين اتسمت بالغضب.
стр. 11685
لماذا يسلم هؤلاء المنبوذين ولم يقدم لهم أحد إغراء بالمال أو الجاه أو السلطان؟!. كما أنهم يرون المسلمين في الهند يلاقون أشد أنواع التعذيب والنكال على أيدي حكومات الهند المتعاقبة, لا شيء من متاع هذه الدنيا يجنيه هؤلاء فلماذا يسلمون؟ لقد قال أحد الهندوس الذين أسلموا: "إنني أكره الهندوسية لأنني في ظلها لا يسمح لي بدخول المعابد أما في الإسلام فهناك إله واحد هو الله. والأغنياء والفقراء يعاملون المعاملة نفسها في المسجد, والهندوس لا يسمحون لنا بمشاركتهم في المائدة أما المسلمون فإنني لا أشاركهم في المائدة نفسها فحسب بل أدخل بحرية إلى منازلهم".
ويقول أحد الذين أسلموا: "إنهم كانوا يشعرون بضيق الأرض والنفس قبل إسلامهم, وبرحابة الصدر والنفس بعد إسلامهم"وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ .
هذا وقد أعلنت السلطات الهندية مجموعة من الإجراءات التعسفية ضد سكان هذه المقاطعة, إذ ألغت كافة التسهيلات التي كان يحصل عليها هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام ومنها حرمانهم من الوظائف وتسهيلات الأراضي وبناء المساكن ودخول أبنائهم المدارس والجامعات. وكان رد فعل هؤلاء أن قابلوا تلك الإجراءات بالتحدي لذلك الإعلان الحكومي. ولسان حالهم يقول ما قاله السحرة لفرعون بعد إسلامهم وتهديد فرعون لهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ .
وقد حملت الأنباء أن أحد زعماء إفريقيا في داهومي (بنين) وهو (مانيو كير كير) قد اعتنق الإسلام، وتسمى باسم أحمد, وينتظر أن يسلم على يديه الكثير من أتباعه.
стр. 11686
كما أعلن اثنا عشر قسيسا في السودان إسلامهم أمام ملأ من الجماهير المحتشدة في قاعة المحاضرات بجامعة الخرطوم، عقب حوار ديني بين هؤلاء القساوسة وعدد من علماء المسلمين ومفكريهم في السودان.
وفي إحصائية نشرت في الولايات المتحدة، أن عدد الذين يعلنون إسلامهم في أمريكا الشمالية لا يقل عن مائة فرد يوميا. وتؤكد مصادر رابطة العالم الإسلامي واتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية أن الأمريكي لا يدخل الإسلام إلا عن اقتناع تام وعن عقيدة صحيحة
وفي إحصائية فرنسية ذكر أن عدد المسلمين في فرنسا بلغ أربعة ملايين مسلم فرنسي، من بينهم خمسة وعشرون ألف مسلم فرنسي جديد.
ومن الصين حملت الأنباء أَن عددا كبيرا من أَعضاء الحزب الشيوعي الصيني في إحدى المقاطعات النائية وبعض الزعماء المحليين قد أَعلنوا إسلامهم وأَصبحوا دعاة للإسلام، يعلمون الناس مبادئ الإسلام. وقد جاء ذلك في تقرير رسمي من شنغهاي في شمال غرب الصين نشرته إحدى الصحف الرسمية واتهمت هؤلاء الذين أَسلموا بالانحراف عن المبادئ الماركسية اللينينية باعتناقهم مبادئ دينية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن معظم سكان شنغهاي هم من الأقليات الإسلامية التي سحقتها الثورة الشيوعية في الصين. وتؤكد الأنباء مؤخرا أَن هذه الأقليات تسعى لاستعادة هويتها الإسلامية.
٢-سياسة التهويد والاستيطان الصهيوني في الأرض العربية.
إن مأساة المسلمين في قلب ديار العروبة والإسلام تتجدد مع الأيام. وفي كل يوم تحمل الأنباء مزيدا من المأساة التي لم تتم فصولها بعد (لأن دولة الكيان الصهيوني المزروعة في قلب بلاد الإسلام تفعل ما تريد لأنها تعرف ما تريد، ويؤيدها في عدوانها على أَرض الإسلام وتكريس اغتصابها كل القوى العالمية التي تلتقي مع الصهيونية في عدائها للإسلام والمسلمين) .
стр. 11687
إن الأنباء تتواتر بأن العدو الصهيوني يمضي في تنفيذ مخططاته التي ترمي إلى تكريس احتلاله لما استولى عليه من الأراضي العربية قبل وبعد عدوان سنة ١٩٦٧ م. ويسعى جاهدا في بناء المستوطنات وتوطين اليهود المهجرين من أَنحاء العالم في كل من هضبة الجولان السورية والضفة الغربية وغزة بعد أن اطمأن قادة الصهيونية على انسحاب مصر من قضية النزاع العربي الإسرائيلي، وخلا لهم الجو بتمزيق وحدة الصف العربي، وتصدع بنيانه المتين.
لقد أعلن الصهاينة بأن ضم الجولان واجب على الدولة اليهودية وعلى مستوطنيها، وأَن الجولان جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل وأن عدم الموافقة على ذلك يجعل الاستمرار هناك في شك، وفي إطار هذا القرار أقام العدو الصهيوني في هضبة الجولان السورية منذ ٦٧ حتى نهاية ١٩٧٨ م (٣٥) مستعمرة صهيونية، ومن مشاريعهم الاستيطانية في الجولان العمل على إقامة ١٤ أربع عشرة مستعمرة جديدة، ولتكريس هذا الاستيطان قامت السلطات الصهيونية بشق شبكة واسعة من الطرق، أهمها شبكة طرق في شمال هضبة الجولان لإحاطة جبل الشيخ وإغلاقه إغلاقا محكما وهناك شبكة أخرى على امتداد نهر اليرموك, حتى تحكم قبضتها على مصادر المياه في جنوب الهضبة كما شرع في إقامة مستوطنة جديدة في منطقة واسط في المرتفعات السورية.
وهم يهدفون بضم الجولان وبناء المستعمرات فيها إلى منع المواقع الإسرائيلية من الوقع تحت رحمة المدفعية السورية، تحسبا للمستقبل وقد زودوا سكان المستوطنات بالأسلحة للدفاع عن أنفسهم، هذا بالإضافة إلى أهداف أخرى اقتصادية وعمرانية.
стр. 11688
والجديد في هذا الخبر أن الصهاينة قد أغروا كثيرا من سكان هضبة الجولان- وكثير منهم من الدروز- بحمل الهوية الإسرائيلية. ومنتهم الأمانيّ، وفي الآونة الأخيرة حملت الأنباء أن كثيرا ممن يحملون الهوية الإسرائيلية من الدروز قد هرعوا بالمئات إلى مكتب الحاكم العسكري الإسرائيلي في الجولان ليعيدوا الهوية الإسرائيلية قائلين: إن إسرائيل لم تعطهم أية حقوق تزيد عن تلك التي تعطى للدروز الذين لا يحملون الهوية الإسرائيلية. أتراهم لو منحوا ما وعدتهم به إسرائيل كانوا يرضون عن تلك الهوية النجسة التي لا يحملها إلا من ليست له هوية من أرض ولا دين ولا خلق..؟
أما في الضفة الغربية وقطاع غزة فقد زاد عدد المستوطنات في الضفة، حتى بلغ أكثر من سبعين مستوطنة، وزاد استيلاء العدو على أراضى المواطنين لبناء المصانع والمنشآت الإسرائيلية تبلغ مساحتها مئات الآلاف من المتر المربع، ومع تزايد التجبر الصهيوني في معاملة سكان الضفة والقطاع تزداد المقاومة الوطنية لهذه الإجراءات التعسفية التي تحاول طمس معالم الأرض العربية، وقد أصدرت قوات الاحتلال العسكري قرارات بالإقامة الجبرية على عدد كبير من السكان سواء في ذلك رؤساء البلديات أو الشخصيات الأخرى منعا لهم من مزاولة أي نشاط سياسي أَو الاتصال بالبلاد العربية شعوبا أو حكومات.
стр. 11689
وتزداد المقاومة الفلسطينية من داخل الأرض المحتلة قبل عام ١٩٦٧ م وبعد ١٩٦٧ م. فتشهد الضفة الغربية والقطاع مظاهرات غاضبة في كل مدن الضفة والقطاع تردد الشعارات التي تتحدى ذلك الاستيطان الصهيوني، وترفض مشروع الحكم الذاتي الذي ترفضه كل فصائل المقاومة الفلسطينية، وقد رفض السكان (مشروع شارون) الذي عين (مناحم ميسلون) حاكما مدنيا بدلا من الحكم العسكري. وتسعى قيادة العدو إلى البحث عن خونة من سكان الضفة أو القطاع يقبلون التعاون معهم فى مهزلة المفاوضات التي تحاول فرضها على الشعب الفلسطيني لتنتهي بقرار الاستسلام الذي تسميه (السلام الشامل الدائم) ولكن لم يفلح العدو حتى الآن في شق الصف الفلسطيني الذي يعترف العالم كله بحقه. وإن لم يتحول هذا الاعتراف بعدُ إلى عمل إيجابي جاد يعيد الحق إلى أصحابه.
فهل تتحول الحرب بالكلمات على أعواد المنابر، وينتهي الضجيج والصراخ والهتاف بالحناجر إلى عمل علمي مدروس يتم في صمت المفكرين العقلاء؟ وهل ينتهي المتاجرون بالقضية الفلسطينية عن غيهم، ويتركوا الساحة لأهلها بعد أن اتضح للعالم أن غيبة أَصحاب القضية عن حلها وغيبوبة دول المواجهة التي لا تواجه إلا مشاكلها الداخلية هي السبب في عربدة الصهيونية من غير حساب، إن مصاير الأمم لا تقرره الأيدي المرتعشة، بل تقرره القيادات الأمينة التي ترى حكم الشعوب أمانة توجب عليهم الصدق في القول والجد في العمل.
٣- عدوان الكيان الصهيوني على المساجد في الأرض المحتلة.
حملت الأنباء أن دولة الكيان الصهيوني قررت هدم مسجد في مدينة (يافا) العربية في الأرض المحتلة قبل سنة ١٩٦٧ م وهو مسجد حسن بك وقررت تحويل هذا المسجد إلى مركز سياحي ترفيهي، وقد توجه آلاف المواطنين الفلسطينيين من كافة الأرض المحتلة لأداء صلاة الجمعة في مسجد حسن بك احتجاجا على قرار سلطات الاحتلال.
стр. 11690
والطريف في الأمر أَن سلطات الاحتلال قد حركت عملاءها من أمناء الوقف الإسلامي ليقترحوا تغيير اسم المسجد من مسجد حسن بك إلى مسجد السادات..!!
وما تزال تتوالى صيحات الاستنكار لهذا القرار فهل يسمع المعتدون أصوات الضعفاء الذين لا يستندون في حقهم إلى القوة؟
٤-شعب فطاني المسلم وحملات الإبادة الجماعية.
ما تزال الأنباء تتوالى عن حملات الإبادة الجماعية التي يتعرض لها المسلمون في إقليم فطاني من تايلاند الجنوبية على أيدي حكام تايلاند الوثنيين. وأن هذه الحملات تزداد عنفا وقسوة يوما بعد يوم. وتزداد معها أعداد اللاجئين من الأطفال والنساء والشيوخ. فرارا بدينهم من وجه قوى البغي والعدوان وقد وصل أكثرهم إلى حدود ماليزيا سيرا على الأقدام بعد أن جردتهم الحكومة من أموالهم وأمتعتهم أو أعجلهم العذاب عن حمل ما يحتاجون إليه، وقد أرسل السيد بدر حمدان رئيس جبهة التحرير الوطنية الفطانية برسالة إلى رابطة العالم الإسلامي، وبقصاصات من جريدة (أوتوش ملايو) كبرى الصحف الماليزية التي تناولت فيها أخبارا عن أَساليب الإبادة والتهجير التي يتعرض لها شعب فطاني المسلم. وقال في رسالته: "إن المسلمين الفطانيين اللاجئين إلى ماليزيا يواجهون ظروفا معيشية صعبة في المخيمات التي أقامتها لهم حكومة ماليزيا، وأن هذا المخطط الإجرامي الوحشي إلى محو الشعب الفطاني المسلم من خريطة الوجود".
٥- جبهة مورو الإسلامية في جنوب الفلبين وقوات ماركوس الصليبية.
стр. 11691
تجددت حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات حكومة الفلبين الصليبية برئاسة العميل الأمريكي الخائن ماركوس ضد مجاهدي جبهة مورو الإسلامية وضد جميع المسلمين الصامدين في جنوب الفلبين. وتشير الأخبار الصحفية الواردة عن تجدد هذه الحرب إلى أنها جاءت بعد الانتصارات الساحقة التي حققها المجاهدون المسلمون على قوات الحكومة الصليبية إذ كبدها المجاهدون ١١٩ جنديا في معركة واحدة وأن هذه الحرب تجددت بعد الزيارة غير المقدسة التي قام بها بابا روما للفلبين. وتفيد الأنباء الواردة عن جهات مسئولة في جبهة مورو أن المعارك مستمرة بين المجاهدين المسلمين والقوات المسلحة الفلبينية.
إن ملحمة البطولة والفداء من أجل الإسلام تلك التي يخوضها الشعب المسلم في جنوب الفلبين لهي من أروع الملاحم من أجل الإسلام. وإنها لتستحق الإعجاب والتقدير. كما توجب على العالم الإسلامي حكومات وشعوبا أن يقف إلى جانب هؤلاء المجاهدين الفلبينيين.
لقد كافح مسلمو الفلبين قوات الغزو الإسباني ثلاثة قرون من ١٥٦٥ م إلى ١٨٩٨ م.
كما قاوموا الاحتلال الأمريكي من ١٨٩٨ م إلى ١٩٤٦ م ولم تشأ أمريكا دولة الحرية أن تمنح الفلبين استقلالها إلا بعد بيع جنوب الفلبين للحكام المسيحيين الذين كانوا يحكمونها منذ الغزو الإسباني ولم تفلح صيحات الاحتجاج التي وجهها المسلمون في جنوب الفلبين إلى أمريكا بل ذهبت أدراج الرياح.
стр. 11692
إن أغنى مناطق الفلبين هي الجنوب الذي يتمركز فيه المسلمون منذ القديم بما فيه من الثروات المعدنية والطبيعية والأراضي الزراعية الخصبة. وقد اكتشفت فيها النفط أخيرا ولكن سكان هذه المنطقة الإسلامية أفقر مواطني الفلبين لسيطرة الإقطاعيين على تلك الثروة منذ تولى ماركوس السلطة ١٩٦٦ فأصبح هو وزوجته وعائلتهما وأصدقاؤهم هم الذين يسيطرون على هذه الثروة ويحرمون منها أهل هذه البلاد. وقد كون ماركوس عصابة من الإرهابيين المسيحيين للحكم الجنوب. وتؤكد الأنباء أن المنظمة المسيحية (إيلاجا) التي ينتمي إليها الحكام المسيحيون للجنوب على صلة لإسرائيل وبالحركة الصهيونية العالمية وأنها تتلقى منها الدعم المادي من المال والسلاح وتتخذ إزاء المسلمين سكان الجنوب نفس الخطة التي اتخذتها العصابات الصهيونية في تأسيس دولة إسرائيل بطرد السكان الأصليين. وقد بدأت هذه المنظمة نشاطها الإجرامي ضد المسلمين من عام ١٩٧٠ بتقتيل المسلمين وإحراق بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم. وقد تحولت الحركة الإسلامية المسالمة في الفلبين إلى حركة مجاهدة لتصد عن نفسها العدوان.
وقد نبهت حركة مورو إلى أن هناك شرذمة من الشيوعيين يلبسون لباس الإسلام وينتسبون إلى حركة الجهاد ويتحركون في أقطار العالم الإسلامي يطلبون منها المعونات المالية، ويشككون في القادة الحقيقيين لجبهة مورو, لتشويه الحقائق وتضليل الرأي العام الإسلامي والعالمي. وهذه الشرذمة تمارس نشاطها خارج الفلبين في البلدان الإسلامية إما لجهل هذه البلاد بأهداف هذه الشرذمة ومكرها وإما لأن بعض البلدان الإسلامية ذات تأثر بالتيار الشيوعي وتعمل لحسابه وتساعد هؤلاء المخادعين لحساب موسكو التي يهمها في المقام الأول ضرب كل الحركات الإسلامية في أي مكان وبكل الأساليب الإرهابية التي يجيدها الشيوعيون وأعوانهم وحلفاؤهم في شتى أنحاء العالم.
стр. 11693
هذا وتلقى جبهة مورو الإسلامية دعما من رابطة العالم الإسلامي وقد أوصت اللجنة الرباعية الخاصة بقضية مسلمي الفلبين بتأييد جبهة مورو وبمناشدة الدول الإسلامية أن تدين الأعمال الإرهابية التي تقوم بها حكومة ماركوس ضد الجبهة كما أوصت بتقديم كل ألوان الدعم لمسلمي الفلبين معنويا وماديا وبالتنديد بموقف حكومة الفلبين الذي يرفض تطبيق اتفاقية مانيلا.
هذا. ويرى بعض المفكرين أن أمثال ماركوس وبيجن وأشباههما من أعداء الحياة لا يصلح معهما أسلوب الديبلوماسية الرقيق، ولا أسلوب الشجب والتنديد, بل يجب أن يعاملا على المستوى الدولي من الحكام والشعوب معاملة مجرمي الحرب, أو قطاعي الطرق أو لا معاملة الحكام المسئولين. وفي جعبة الدول الإسلامية- لو أرادت- كثير من الإجراءات التي تردع أمثاله, وتجعله يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على ضرب المسلمين الآمنين..؟ فهل تريد هذه الدول الإسلامية؟ وهل تفعل ما تريد..؟.
٦- بطولات رائعة للمجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفيتي.
توالى قوات الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ارتكاب أبشع الجرائم وأفظع صور العدوان على شعب أفغانستان المسلم. تسانده حكومة (كابل) العميلة. وجماعات من الخونة المأجورين الذين يميعون دينهم وحرية أوطانهم بدنيا غيرهم:
وقد استخدم السوفيت في هجمتهم للاستيلاء على وادي بنجشير كل أنواع الأسلحة الحديثة من الدبابات والمدرعات والمدافع الثقيلة، وكل ما أنتجته ترسانة السلاح السوفيتي الرهيب من طائرات الهيلكوبتر وقاذفات القنابل، وشنوا هجوما وحشيا استمر سبعة عشر يوما قصفوا فيها المنازل جوا وأرضا وأطلقوا ملايين الرصاصات وآلاف القنابل على القرى ومواقع المجاهدين في غارات جوية وحشية لم يسبق لها مثيل. ولكن صمود المجاهدين المسلمين الأفغان كبد قوات الغزو خسائر فادحة في الأرواح والمهمات.
стр. 11694
لقد أعاد غزو السوفيت إلى الأذهان ما فعله ستالين وخلفاؤه من الشيوعيين الحمر حكام الكرملين بالمسلمين في الجمهوريات الإسلامية التي ضموها بعد إبادة الملايين من أبنائها ليكونوا منها ما يعرف الآن الاتحاد السوفيتي، إنهم قد ارتكبوا في أفغانستان من جرائم القتل والتنكيل والإبادة الجماعية وقتل الأعراض ودفن البشر أحياء ما يكفي لأن يلطخ جبينهم إلى الأبد بعار لا يزول.
إن من المشاهد المروعة في حرب السوفيت لأفغانستان المسلمة أن الأطفال الأيتام أبناء المجاهدين الشهداء خرجوا يطوفون بشوارع كابل وهم يصرخون: "اقتلونا اقتلونا كما قتلتم آباءنا ولكن لن نستسلم". الله أكبر والعزة للمجاهدين المسلمين، وما إن وصلت صرخات هؤلاء الأطفال الأبرياء إلى أسماع القيادة السوفيتية حتى دارت معركة رهيية، بين هذه الوجوه الملائكية وبين قوات الغزو السوفيتي استخدمت فيها أحدث الدبابات والطائرات التي ضربت هؤلاء الثوار الصغار بكل (العنف الثوري) الذي تشتهر به القيادات الشيوعية. وقتل مئات الأطفال الأبرياء ليرووا بدمائهم شجرة الحرية، وليكتبوا صفحات من نور في سجل الجهاد الإسلامي من أجل هذا الدين.
ومع استمرار الهجمات الوحشية على القرى الآمنة تدفق مليون مهاجر إلى مغاور الجبال والكهوف والبلاد المجاورة, ولم تشأ قيادات المجاهدين أن تترك هؤلاء إلى مشاكل الانحراف والبطالة بل أخذت على عاتقها تدريب هؤلاء على السلاح وتعليمهم وإعدادهم للجهاد ضد أعداء الإسلام.
٧-امتداد يقظة المسلمين في الجمهوريات الإسلامية وراء الستار الحديدي.
стр. 11695
تواترت الأنباء في الآونة الأخيرة مؤكدة أن هناك يقظة إسلامية تسري في خفاء، وتمتد في إصرار وثبات بين المسلمين في الجمهوريات الإسلامية وراء الستار الحديدي في الاتحاد السوفيتي. وتشير هذه االأنباء إلى تمسك هؤلاء المسلمين بعقيدتهم الصحيحة، وأنهم يمارسون شعائر الإسلام سرا فيقيمون الصلاة، ويقرأون القرآن ويتبادلون الكتب الإسلامية الصادرة في المشرق الإسلامي، وقيل إن من بين هذه الكتب التي تروج بين المسلمين في الاتحاد السوفيتي كتاب معالم في الطريق, وفي ظلال القرآن لسيد قطب.
وهم يفعلون ذلك بالرغم من كافة صور الاضطهاد التي يتعرضون لها من قبل النظام الشيوعي الذي جعل الإلحاد مادة أساسية من مواد التعليم في مدارسها الاتحاد السوفيتي وأخذ على عاتقه بكل أنظمته ومستوياته مهاجمة الدين عامة والإسلام خاصة.
لقد بقي المسلمون في الاتحاد السوفيتي كغيرهم من سكان الاتحاد السوفيتي معزولين تماما عن العالم, ولكنه في السنين االأخيرة وخاصة بعد ١٩٥٥- و ١٩٦٧ تسربت الأنباء عن أحوال المسلمين هناك. وهي أوضاع تقلق قادة الكرملين, وأهمها تزايد المواليد بين المسلمين بنسبة أكثر من بقية سكان الاتحاد السوفيتي، كما أن برامج إذابة المسلمين في المجتمع الشيوعي لم تتم بالصورة التي يريدها الملحدون، إذ ما يزال المسلمون يحتفظون بكثير من مظاهر الشريعة الإسلامية في شئون الزواج والأعياد ومراسم دفن الموتى وتسمية المواليد.
ومع التعتيم الإعلامي المفروض على جميع الأحداث والأخبار عن أحوال المسلمين في الجمهوريات الإسلامية الست إلا أن الهجوم الذي يشنه المسئولون السوفيت على جميع الحركات الإسلامية التي تحاول العودة إلى القرآن والاسترشاد به، يكشف عن قلق القيادة السوفيتية كما يدل على تزايد هذه الحركات الإسلامية التي تسري سريان النار تحت الهشيم.
следующие страницы →