Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.
стр. 11726
ويقوي هذا المعنى ما جاء في حديث أبى سعيد الخدري ﵁ "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عزمة فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" [١٢] .
فأمره ﷺ بالفطر عند قربهم من لقاء عدوهم إنما كان يقصد بذلك تقويتهم في مواجهة عدوهم والأخذ بأسباب هذه التقوية واجب فيكون تركها معصية.
ويتضح من حديث أبي سعيد أيضا، أنهم في حالة بعدهم من عدوهم، أن الفطر ليس بلازم، فمن شاء صام ومن شاء أفطر. وقد فهم الصحابة ذلك، ففي حديث أبي سعيد هذا "فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر".
ومن باب أولى إذا كان السفر لغير الجهاد، فيكون الفطر فيه لمشيئة المسلم إن شاء صام وإن شاء أفطر. وقد ثبت ذلك من حديث أبي سعيد ﵁ أيضا، فقد جاء فيه: "لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر".
قد يقال: إن هذه الصيغة- نصوم مع رسوله الله ﷺ يفهم منها أنهم كانوا يصومون وهم في صحبة رسول الله ﷺ دون أن يشاركهم الرسول ﷺ في الصيام, وفعل الصحابة في حياته ﷺ ليس حجة.
فيجاب عن ذلك، بأنه يكفي في حجية هذا الفعل، اطلاع رسول الله ﷺ عليه دون أن ينكره, فيكون سنة تقريرية وهي حجة قد يقال: يحتمل أنه لم يطلع عليهم حتى يكون ذلك سنة تقريرية.
فيجاب عن ذلك: بأنه وإن كان فيه بعد، لكن يكفي في الحجية حدوث هذا الفعل زمن نزول الوحي، لأنه لو كان فيه مخالفة لنزل الوحي ببيانها.
стр. 11727
٣- الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: "كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه، فقال: ماله, قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ : ليس البر أن تصوموا في السفر" [١٣] .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى البر- بكسر الباء- يعني الطاعة والعبادة عن الصيام في السفر، أَي ليس من الطاعة والعبادة، أن تصوموا في السفر، وإذا انتفى كان الصيام في السفر من البر، فإن من خالف وصام، فإنه يكون آثما وبالتالي لا يجزئ عنه هذا الصيام.
وقد أجيب عن ذلك، بأن هذا الحديث، قصد بلفظه شخص معين- وهو المذكور في الحديث- وما يكون مماثلا له. والمعنى: ليس من البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ بعد أن رخص الله له في الفطر [١٤] .
ولكن تناقش هذه الإجابة، بما قيل في علم الأصول، بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وترد هذه المناقشة بأن الحديث واقعة عين، ووقائع الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام, والدليل على عدم قصد العموم في هذا الحديث، ما ثبت من صوم الرسول ﷺ في رمضان في حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" [١٥] .
وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على القاعدة الشرعية، في رفع مالا يطاق عن هذه الأمة، فيكون مؤداه: أن المريض المقيم، والمسافر المرهق، ومن أجهده الصوم، عليهم أن يفطروا، فإن لم يأخذوا بالرخصة واستمروا على صومهم، حتى خشي عليهم التلف، فإنهم يكونون عصاة بصومهم واستحق من يفعل مثل هذا الفعل، أن يوصف صومه، بأنه ليس من البر، والله أعلم [١٦] .
стр. 11728
وقد أجاب ابن حزم على ذلك، بأن هذه الحال- المشار إليها في القاعدة السابقة-محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر والسفر، وقد خصص النبي ﷺ المنع من الصيام في السفر مطلقا بهذا الحديث، فيجب أخذ كلامه ﵊ على عمومه [١٧] .
ويجاب عن ادعاء العموم من الحديث، بأن فعل رسول الله ﷺ وفعل أصحابه بعد ذلك، قد بين أن هذا العموم غير مراد، فقد ثبت عنهم الصوم والفطر بعد هذه الواقعة وقد وضحت ذلك في تعليقي على حديث أبي سعيد الخدري الذي جاء فيه: "لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" [١٨] والشريعة كل لا يتجزأ.
وقد رد ابن القيم على أصحاب هذا الاتجاه وهو الاستدلال بعموم النص مع قطع النظر عن فعله ﷺ وفعل أصحابه المخصص له، فقال: "وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أَصحابه الذي يبين مراده" [١٩] .
٤- الدليل الرابع: من أدلة هذا الفريق الموجب للفطر في السفر: ما رواه أبو سلمة قال: أخبرني عمرو بن أمية الضمري، قال: "قدمت على رسول الله ﷺ من سفر فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية، فقلت: إني صائم، فقال: تعال ادن مني حتى أخبرك عن المسافر أن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة" [٢٠] .
ويناقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أنه قد اختلف في سند هذا الحديث اختلافا كثيرا، فقد اختلف فيه على الأوزاعي، حيث رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي سلمة عن أبي أمية الضمري ثم رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن أبي أمية الضمري ثم رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي قلابة عن أبي أمية الضمري [٢١] .
стр. 11729
كما اختلف فيه أيضا على معاوية بن سلام وعلي بن المبارك: فقد رواه عثمان عن معاوية عن يحي بن أبي كثير عن أبي قلابة: أن أبا أمية الضمري.. كما رواه عثمان عن علي بن يحي عن أبي قلابة عن رجل أن أبا أمية أخبره [٢٢] .
ولهذا الحديث شاهد من حديث أنس بن مالك الكعبي،إلا أنه أَيضا مختلف في إسناده، فقد رواه سفيان الثوري عن أيوب عن قلابة عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة، والصوم وعن الحبلى والمرضع" [٢٣] .
وعن ابن حبان عن عبد الله عن ابن عيينة عن أيوب شيخ من قشير عن عمه.
وعن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن رجل قال: أتيت النبي ﷺ وهكذا.. [٢٤] .
وقد روى أبو داود هذا الحديث عن طريق شيبان بن فروخ عن أبي هلال الراسبي عن أبي سواد القشيري عن أنس بن مالك- رجل من بني عبد الله بن كعب أخوة بني قشير- وقد رواه بلفظ "أغارت علينا خيل لرسول الله ﷺ فانتهيت- أو قال- فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا، فقلت: إني صائم، قال:- فقال- اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة- أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى- والله لقد قالهما جميعا أو أحدهما- قال: فتلهفت نفسي ألا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ " [٢٥] وقد سكت عنه أبو داود.
وقد رواه الترمذي بنفس اللفظ الذي أورده به أبو داود ثم قال: "حديث حسن" [٢٦] .
الوجه الثاني:
إن لفظ (وضع) في الحديث يفسر بمعنيين، أولهما: وضع: بمعنى أسقط بلا مقابل وهذا خاص بالنسبة لشطر الصلاة في السفر. وهذا القول مستفاد من الكتاب والسنة، فقد ورد فيهما قصر الصلاة في السفر بلا مقابل.
стр. 11730
المعنى الثاني: أن وضع: أي أسقط الوجوب في الحال مع القضاء في المستقبل وهو بالنسبة للصوم للمسافر والمرضع والحامل وإنما قلنا بذلك أيضا للإجماع على أن المسافر والمرضع والحامل إن أفطر كل منهم في رمضان وجب عليه القضاء بعد زوال عذره.
فإسقاط الصوم هنا عن المسافر ليس بإطلاق، بل هو إسقاط للوجوب الفوري مع وجوب القضاء بعد ذلك, إنْ أفطر عملا بالرخصة، أي أن إسقاط الوجوب الفوري هنا رخصة فمن شاء أخذ بها وأفطر, ومن شاء عمل بالعزيمة وترك العمل بالرخصة، وهذا هو مدلول الرخصة، فللمكلف الأخذ بها وهو أفضل، أو العمل بالعزيمة ولا جناح عليه. وقد فسرها ﷺ بذلك في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ حيث قال: يا رسول الله: أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" [٢٧] .
الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر.. قال: "وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره" [٢٨] .
وفي رواية أخرى عن طريق الزهري أيضا- جاء فيها "قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر" [٢٩] .
وفي رواية ثالثة: قال ابن شهاب: "فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم" [٣٠] .
واضح من الحديث أن الفطر في السفر كان آخر الأمرين وأنه قد نسخ حكم جواز الصيام فيه, الذي كان موجودا قبل ذلك.
ويناقش هذا الاستدلال بما يلي:
أولا: أن عبارة: (فكان الفطر آخر الأمرين) ، من قول ابن شهاب الزهري، وقد أشار إلى ذلك الإمام مسلم من خلال عرضه لسند الحديث، كما أوضحناه في ذكرنا لروايات الحديث الثلاث.
стр. 11731
ثانيا: ينبغي أن يفهم أن مراد الزهري من الأمرين: هما عزيمة الصيام في السفر والرخصة في الفطر فيه, وعلى هذا يكون الدليل متمشيا مع رأي الجمهور.
أما أن يحمل الأمران على عزيمة الصيام في السفر، وعزيمة الفطر فيه دائما فلا، لأنه يتناقض مع فهم راوي الحديث نفسه، وهو ابن عباس ﵄ فقد ورد عنه في الصحيحين "سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة. قال ابن عباس- عقب ذلك مباشرة- فصام رسول الله ﷺ وأَفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر" [٣١] .
فقول ابن عباس: "فمن شاء صام ومن شاء أفطر"أدل على فهم فعل رسول الله ﷺ ، وأدق من فهم ابن شهاب ﵁، وأولى بالاعتبار منه. وأما الآثار التي نقلت عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ في شأن وجوب الفطر في السفر، ففي بعضها ضعف من جهة سندها أو هي معارضة بما هو أقوى منها، وبعضها الآخر، إما أن يكون قد ذكر على سبيل التغليظ والتشديد وإما ن يكون على سبيل الاجتهاد الشخصي من صاحبه في فهم النصوص، ونبين ذلك بشيء من الإيضاح فنقول:
(أ) - ما روي عن ابن عباس ﵄، من قوله: لا يجزئه الصيام وما ورد بمعناه عنه، فإنه يتعارض مع ما هو أقوى منه، وهو رواية ابن عباس لحديث صيامه ﷺ في غزوة الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر- وقد قال ابن عباس معقباً على الحديث: لقد صام رسول الله ﷺ وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر.. وقد تقدم ذلك قريبا، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما فهو أقوى.
стр. 11732
(ب) - وأما ما نقل عن عبد الرحمن بن عوف من قوله: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر". فقد قال البيهقي: "هو موقوف، في إسناده انقطاع، وقد روى مرفوعا وإسناده ضعيف" [٣٢] وقد نقل النووي قول البيهقي هذا في المجموع واحتج به على من تمسك بهذا الأثر. لكن صاحب الجوهر النقي قد تعقب قول البيهقي السابق: فذكر أن هذا الأثر، قد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، وقد قال ابن معين والنسائي: لم يسمع من أبيه، فهذا معنى قول البيهقي: وفي إسناده انقطاع: إلا أن ابن حزم صرح بسماعه من أبيه، وتابع حميد بن عبد الرحمن أَخاه أبا سلمة فرواه عن أبيه كذلك. كذا أخرجه النسائي في سننه بسند صحيح، وذكر ابن حزم أن سنده في غاية الصحة وعلى فرض صحة نسبة هذا القول إلى عبد الرحمن بن عوف ﵁، فإنه يحمل، إما على التشديد في قبوله الرخصة ردا على من تركها رغبة عنها، أو على أن ذلك اجتهاد منه في فهم النص القرآني. وعليه، فلا يكون حجة لأنه يتعارض مع تفسير الرسول ﷺ للرخصة والذي أشرنا إليه قريبا..
(ج) - أما ما نقل عن عمر بن الخطاب ﵁: "من أن رجلا صام رمضان في السفر فأمره عمر أن يقضيه"، ففي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم, قال عنه ابن حجر في التقريب: "ضعيف".
(د) أما ما نقل عن أبي هريرة، عن قوله: في حق الرجل الذي صام في السفر، "لو مات ما صليت عليه"، فإنه قد تبين من خلال القصة، ضعف الرجل عن الصيام في السفر، ومن كان هذا حاله فإنه ينبغي أن يشدد عليه في الأخذ بالرخصة، فحاله هذه قريبة الشبه بحالة الرجل الذي قال ﷺ في حقه: "ليس من البر الصيام في السفر"، أي أن من ضعف عن الصيام في السفر، فلا ينبغي أن يشدد على نفسه حتى يفضي إلى هلاكها، فإن هذا الفعل ليس من البر في شيء.
أحوال القلب
قال أبو بكر الوراق:
للقلب ستة أشياء:
стр. 11733
حياة، وموت، وصحة، وسقم، ويقظة، ونوم. فحياته الهدى.. وموته الضلالة.. وصحته الصفاء، وعلته العلاقة، ويقظته الذكر، ونومه الغفلة.
وقال أبو حاتم: موت القلب من أربعة أشياء: فضول الكلام ومجالسة الجهال وأكل الشبهة وكثرة الضحك.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٥.
[٢] المجموع ج٦ ص٢١٨.
[٣] النسائي: إحياء التراث ج٤ ص١٨٣.
[٤] المصنف ج٤ ص ٢٧٠.
[٥] المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية _ وهذا الأثر من مسند مسدد _ج١ ص٨١.
[٦] تحفة الأحوذي ج٦ ص٣٦٤، المجموع ج٦ ص٢١٧، نيل الأوطار ج٤ ص٥١.
[٧] المحلى ج٦ ص٣٦٤، المجموع ج٦ ص٢١٧، نيل الأوطار ج٤ ص٥١.
[٨] أشار إلى هذه الدلالة من الآية صاحب المحلى ج٦ص٣٨١.
[٩] صحيح مسلم ج٣ ص١٤٥.
[١٠] كراع الغميم: على ثلاثة أميال من عسفان، القاموس المحيط ج٣ ص٧٨.
[١١] صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢.
[١٢] صحيح مسلم ج٣ ص١٤٤.
[١٣] البخاري ج١١ ص٤٨ مع شرحه عمدة القارئ، صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢.
[١٤] عمدة الأحكام ج١١ ص٤٩.
[١٥] صحيح مسلم ج٣ ص ١٤٥.
[١٦] انظر الإشارة إلى هذه القاعدة في عمدة القارئ ج١١ ص٤٩ كما أشار إليها ابن القيم في تعليقه على عون المعبود ج٦ ص٤٩.
[١٧] المحلى ج٦ ص٣٨٣.
[١٨] صحيح مسلم ج٣ ص١٤٤.
[١٩] عون لمعبود ج٦ ص ٤٩.
[٢٠] النسائي ج٤ ص١٧٩ من المجتبى.
[٢١] النسائي ج٤ ص ١٧٩ من المجتبى.
[٢٢] النسائي ج٤ ص ١٨٠ من المجتبى.
[٢٣] النسائي ج٤ ص ١٨١ من المجتبى.
[٢٤] النسائي ج٤ ص ٤٥ من المجتبى.
[٢٥] سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ج٦ ص٤٥ إلى٤٧.
[٢٦] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ج٣ ص٤٠٢.
[٢٧] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٥.
[٢٨] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١.
стр. 11734
[٢٩] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١.
[٣٠] صحيح مسلم ج٣ ص ١٤١.
[٣١] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١ وصحيح البخاري ج١١ ص ٤٢ المطبوع مع شرح عمدة القارئ.
[٣٢] السنن الكبرى ج٤ ص ٢٤٤.
стр. 11735
فريضة الحج وجواز النيابة فيها
للدكتور محمد عبد المقصود جاب الله
كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي المصطفى الكريم, وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد
فقد سألني أحد تلاميذي بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وهو الطالب (سيد حامد سيد إبراهيم) من سنغافورة عن الحج عن الغير وهل يجوز أو لا؟ وهل يجوز لمن يحج عن الغير أن يحج عن أكثر من واحد في سنة واحدة؟
وإني استخير بالله في الإجابة وهو حسبي ونعم الوكيل فأقول:- وبالله التوفيق-
الحج هو الركن الرابع من أركان الإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهي الصلاة والصيام والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا.
والأصل في وجوبه قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (من الآية ٩٧من آل عمران) .
وقول النبي ﷺ فيما يرويه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"س متفق عليه [١] .
стр. 11736
وقد اتفق الفقهاء على أن الحج يجب على المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع, وشرط الاستطاعة (ملك الزاد والراحلة) وزاد الحنفية أن يكون صحيحاً, وفسر عكرمة الاستطاعة بالصحة, وتفسير الاستطاعة بملك الزاد والراحلة هو ما ورد عن النبي ﷺ فيما رواه الدارقطني عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وعائشة ﵃ أن النبي ﷺ سئل ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" وروى ابن عمر ﵄ قال: "جاء رجل إلى الني ﷺ فقال يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة" رواه الترمذي وقال: "حديث حسن", وروى الإمام أحمد حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (٣: ٩٧) ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال رجل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" [٢] .
فمن وجب عليه الحج بعد تحقق شروط الوجوب وشروط الأداء حسب ما فصله الفقهاء وجب عليه أداء الحج، لقوله ﵊: "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله تعالى ولم يحج بيت الله فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" [٣] .
الحج عن الغير:
اتفق العلماء على أنّ من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ أن يحج غيره عنه.
أما إذا كان مريضا مرضا لا يرجى برؤه أو كان شيخا فانياً ووجد من ينوب عنه في الحج ومالاً يستنيبه به لزمه ذلك- عن أبي حنيفة وأَحمد والشافعي وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وهذا غير مستطيع- ولأن هذه العبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة.
стр. 11737
واستدل أبو حنيفة وأحمد والشافعي بحديث ابن عباس ﵄ "أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أَفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع متفق عليه.
وفى رواية عن ابن عباسأن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري. وهذا دليل على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه ولده وقريبه ويجزئه عنه.
واختلف الفقهاء هل من شرط من يحج عن الغير أن يحج عن نفسه أولا؟ جمهور الأمة يرون أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه لحديث ابن عباس الذي خرجه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان "أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال: "ومن شبرمة؟ " قال أخ لي أو قريب لي فقال: "حججت عن نفسك"؟ قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" [٤] وجوز ذلك الحنفية محتجين بحديث الخثعمية [٥] من غير أن يسألها هل حجت عن نفسها أو لا؟ .
هذا على خلاف بين الفقهاء في جواز الاستئجار على الحج والطاعات كالأذان وتعليم القرآن ونحوه مما يختص فاعله أًن يكون من أهل القربَة ويتعدى نفعه.
стр. 11738
فعلى حين يرى الإمامان أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن حزم وعطاء والضحاك وابن قيس والزهري أنه لا يجوز ذلك وحرموا أخذ الأجرة وبه قال ابن مسعود محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرأ" خرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه الحاكم [٦] . وأجاز الإمامان مالك والشافعي وكذلك ابن المنذر الاستئجار على الطاعات محتجين بحديث ابن عباس الذي خرجه البخاري وفيه "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" [٧] وأخذ أَصحاب النبي ﷺ الجعل على الرقية.
وأرى أنه يجوز الاستنابة في الحج إذا كان من وجب عليه الحج مريضا مرضا لا يرجى برؤه أو مات بعد أن وجب عليه الحج وأوصى به ولا يجوز إلا عن هذين فقط أي من مات بعد الوجوب عليه ومن عجز عجزاً مستمرا إلى الموت.
ويكون ما يتقاضاه النائب عنه من باب النفقة لا من باب الأجرة- لأنه إذا وقع بأجرة لم يكن قربَة ولا عبادة والحج عبادة ولا يجوز الاشتراك في العبادة- فمتى فعله من أجل الأجرة خرج عن كونه عبادة فلم يصح- وإنما يصح على أنه نائب عمن وجب عليه الحج وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه- فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان- نص عليه أحمد لأنه إنفاق بإذن صاحب المال [٨] .
هل يجوز لمن يحج عن الغير أن ينوب عن أكثر من واحد في عام واحد؟
стр. 11739
بعد أن عرفنا أنه يجوز الاستنابة في الحج للعاجز عن أدائه بالموت أو بالعجز بسبب المرض الذي لا يرجى برؤه نقرر أنه يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة, والمرأة عن الرجل والمرأة باتفاق عامة العلماء- لم يخالف في ذلك إلا الحسن بن صالح- فإنه كره حج المرأة عن الرجل [٩] ويرد عليه بحديث الخثعمية التي قالت للنبي ﷺ "إن فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستملك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم"متفق عليه.
ولا يجوز أن ينوب عن أكثر من واحد في عام واحد بالنسبة لنسك الحج لأن الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. والوقوف بعرفات من ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر اليوم العاشر هو الركن الأعظم. لقوله ﵊: "الحج عرفة فمن وقف بها ليلا أو نهاراً فقد تم حجه ومن فاته عرفة بليل فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل" [١٠] وامتداد الوقوف إلى غروب الشمس واجب- فمن أفاض قبل ذلك وجب عليه دم عند أكثر أهل العلم- أبي حنيفة وأحمد وعطاء والثوري وأبي ثور وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس والشافعي في رواية [١١] .
ويرى الإمام مالك أن استمرار الوقوف إلى ما بعد غروب الشمس ركن, فإذا دفع قبل الغروب فلا حج له عنده [١٢] وحجته ما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل", قال ابن عبد البر: "لا نعلم أحدا من العلماء قال بقول مالك" [١٣] .
فكيف لمن أراد أن يحج عن أكثر من واحد أن يأتي بالواجب على قول جمهور الفقهاء أو يأتي بالركن على قول مالك ﵃ جميعاً.
стр. 11740
وقبل هذا كله كيف يأتي بالإحرام والنية عنهم جميعاً في وقت واحد وهي شرط أو ركن على اختلاف بين الفقهاء بشرط أن يكون الإحرام من الميقات. وقد نصَ الحنفية على أن "من أحرم على آمِريه ضمن النفقة ومعناه أن رجلاً أمره رجلان أن يحج عن كل واحد منهما حجة- فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة، لأنه خالفهما، والمسألة على ثلاثة أوجه: ١- إما أن يكون أحرم عنهما جميعاً.٢- أو عن أحدهما غير معين ٣٠- أو أطلق, فإن نواهما جميعاً وهي مسألة الكتاب فقد خالفهما، لأن كل واحد منهما أمره أن يخلص له الحج وأن ينويه بعينه عند الإحرام فإن لم يفعل صار مخالفاً ولا يكون عن أحدهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فوقع عن المأمور" [١٤] .
ونص الحنابلة على أنه "إذا استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما وقع عن نفسه دونهما لأنه لا يمكن وقوعه عنهما وليس أحدهما بأولى من صاحبه، وإن أحرم عن نفسه وغيره وقع عن نفسه، لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوِها فمع نية أولى ٠٠٠" [١٥] .
ولا أعتقد هذا إلا قول سائر الفقهاء لحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي، فقال:"حججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك تم حج عن شبرمة". خرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان.
والحج هو القصد إلى معظم وهو البيت الحرام، ولو كان الجمع بين النيتين جائزا لقال له ﵊: "انو عن نفسك وشبرمة" ولكنه ﵊ قال له: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" فدل هذا على أنه لا يجوز الجمع بين نسك واحد وهو الحج عن اثنين في عام واحد.
стр. 11741
وإن أفرد الإحرام من الميقات عن واحد ثم أتى بالأركان عنه فكيف يتسنّى أن يحرم عن آخر وآخر وآخر قبل التحلل من الإحرام الأول. ولا يكون التحلل إلاّ برمي جمرة العقبة الأولى ثم الذبح فالحلق الذي يكون به التحلل وهذا قطعاً يكون بعد طلوع فجر يوم النحر وبعد شروق الشمس على ما هو الراجع من أقوال الفقهاء.
وإذا أحرم قبل التحلل يكون رافضا للإحرام الأوّل كما إذا كان محرما بالعمرة ثم نوى الحج يكون رافضا للعمرة ولابد للإحرام لأهل مكة ومن في حكمهم للحج من الحرم أي أنه يجب عليه أَن يترك عرفات ويخرج إلى الحرم الذي حده التنعيم ثم يعود مرة أخرى إلى عرفات فيقف بها ثم يعود مرة أخرى ليحرم عن الآخر وهكذا يكون حجا مكوكيًّا لا إخلاص فيه ولا تفرغ فيه للدعاء وكل همه أن يحصِّل الإحرام عمن قبض منهم الذين يزيدون في بعض الأحيان على العشرة كما أخبرني السائل بذلك.
ثم إن الدماء التي تجب عليه لمجاوزة الميقات وهو ميقات أهل اليمن بالنسبة للهند وسنغافوره وهو (يلملم) ودم لتركه الوقوف بعرفات والإفاضة قبل الغروب على من تجب؟ إنها تجب على النائب لأنه هو الذي تسبب في ذلك.
فليتق الله من يفتي بجواز الحج والاستنابة عن أكثر من واحد في عام واحد حيث لا دليل له لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح أو فاسد. ولا يقال إنه اجتهاد منه، لأنه لا اجتهاد مع النص كما قرر ذلك العلماء.
وما يفعله إنما هو أكل لأموال الناس بالباطل وتضليل للسُّذّج من عوام المسلمين وتغرير بهم.
اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
هذا وبالله التوفيق.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البخاري١/٤٧ ومسلم رقم (١٦) في الإيمان. انظر شرح السنة للبغوي١/١٧-١٨.
стр. 11742
[٢] المغني لابن قدامة ٣/٢٢٠ المطبعة اليوسفية.
[٣] خرجه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب وانظر فتح القدير للشوكاني ١/٣٦٢-٣٦٥.
[٤] سبل السلام ٢/١٨٣_١٨٤، المغني لابن قدامة ٣/٢٢٧_٢٢٨.
[٥] الاختيار ١/١٧١، القوانين الوضعية ص١٤٧.
[٦] سبل السلام ١/١٢٧.
[٧] نفس المصدر ٣/٧٩.
[٨] المغني لابن قدامة ٣/٢٣١-٢٣٢.
[٩] المصدر السابق ص٢٣٣.
[١٠] خرجه أبو داود وابن ماجه.
[١١] انظر الجوهرة النيرة ١/١٥٧، الاختيار ١/١٥٠، بداية المجتهد ١/٣٦٢، كفاية الأخيار ١/١٣٦، المغني لابن قدامة ٣/٤١٤.
[١٢] بداية المجهد ١/٣٦٢، المغني لابن قدامة ٣/١١٤، الموطأ١/٣٩٠، القوانين الفقهية ص١٥٢.
[١٣] بداية المجتهد/١/٣٦٢ المغني لابن قدامة ٣/١١٤ الموطأ القوانين الفقهيةص١٥٢.
[١٤] تبين الحقائق للزيلعي٢/٢٣٦.
[١٥] المغني لابن قدامة٣/٢٣٦.
стр. 11743
الرق في الجاهلية والإسلام
للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل
هل في الإسلام رق؟
الإسلام لا يبيح أن يسترق مسلم مسلما مهما كانت الدوافع العدائية بينهما، فالمسلم المولود من أبوين حرين لا يجوز استرقاقه في أي حال من الأحوال، فالاسترقاق لا يجوز بين أهل الدين الواحد, بل لقد جاء في القرآن الكريم النهي عن مقاتلة المسلمين بعضهم بعضا.
يقول المولى : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات الآية ٩) .
وكذلك لا يبيح الإسلام للمسلمين استرقاق أهل الكتاب الذين يعيشون بينهم والذين أمنّهم على أنفسهم وأهلهم وأموالهم.
وكذلك الذين ليس لهم كتاب كعبدة الأوثان، والذين لم نحاربهم فالصحيح أن استرقاقهم لا يجوز مطلقا.
ولقد أغلق الإسلام كل أبواب الرق التي كان السابقون يتخذونها ذريعة إلى الاستعباد والتحكم الأعمى في رقاب بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على جميع المخلوقات وأَحل لهم الطيبات وجعل فيها رزقهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء الآية ٧٠) .
فلا أسر بدون حرب، ولا نهب للناس، ولا استعباد بالدَّيْن أو المراهنة أو القوة أو الاستحسان.
ولقد حاول الإسلام جهده أن يلغي ذلك النظام ويحول دون انتشار الرق بشتى الوسائل فقد قال فقهاء الإسلام:
стр. 11744
"إن كل من أسلم قبل الأسر في الحروب بين المسلمين وغير المسلمين عصم نفسه وماله وإن مجرد دخول العدو المحارب دار الإسلام أمان له من السبي وإذن فالرق الموجود في الإسلام إنما يكون في حالة واحدة هي الحرب التي شرعها الإسلام لحماية الدعوة والدفاع عن أنفس المسلمين كما جاء في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ, الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج الآيات ٣٩- ٤١) .
فهذه الآيات تفيد ما يأتي:
أولا: أن تشريع القتال في الإسلام إنما كان لحماية الدعوة، وحماية المؤمنين المضطهدين فهو دفاع لا هجوم ووسيلة لغاية شريفة.
ثانيا: أن القتال من هذا النوع هو من باب ما يقال (القتل أنفى للقتل) فالمراد به هو استقرار السلام وضمان الحريات العامة, فالحرب التي يقوم بها المسلمون لحماية دعوتهم تستوجب ظهور الإيمان ونصرة العقيدة، بدون إكراه لغيرهم، فلقد كانت بيوت العبادة لليهود وللنصارى قائمة بجانب المساجد وكانت هناك دائما حرية العبادة للجميع.
ثالثا: أن الغاية من حرب الإسلام هي أن يتمكن المسلمون من إقامة شعائر الدين بكل حرية ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
ومعنى ذلك أن يتحقق وجود العالم الأفضل الذي أراده الله لعباده وتستأصل الرذائل والشرور من هذه الأرض [١] .
стр. 11745
فإذا قامت الحرب واشتدت وتعرض الطرفان للقتل والأسر فماذا سيصنع الأعداء بأسرى المسلمين؟
لا شك في أنهم سيأخذونهم رقيقا عندهم. فهل يطلق المسلمون الحرية لأسرى أعدائهم بينما المسلمون الأسرى هم عبيد لغيرهم يباعون ويشترون؟.
لذلك نجد الإسلام جعل هذه الحالة ضرورة وقتية تزول بزوال أسبابها ودوافعها.
وجعل أيضا معاملة العدو بمثل معاملته، وحيث أنه لم تكن هناك قوانين عامة تحمي أسرى الحرب من الاسترقاق، فليس هناك وسيلة للضغط على العدو من أجل تحسين معاملة الأسرى الذين يقعون في يده ومحاولة استخلاصهم من الرق.
والإسلام لم يوجب هذا الاسترقاق الذي جاء عن طريق الحرب، بل أباح الخيار بين أن يقبل الفداء من أسرى العدو أو يمن عليهم بإطلاق سراحهم بدون فداء، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة. فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد الآية ٤) .
ولقد تأسى الخلفاء الراشدون والصالحون من بعدهم بما جاء به القرآن الكريم وما فعله الرسول الأمين، فكثيرا ما كانوا يمنون على الأعداء المقاتلين بالفداء أو بدونه ويتركونهم ابتغاء وجه الله وكثيرا ما كانت هذه المعاملة الحسنة تأسر قلوبهم.
ولقد وجدنا البطل المغوار صلاح الدين الأيوبي قائد الحروب ضد الصليبيين يطلق آلاف الأسرى من أعداء الإسلام الذين أتوا من أوروبا يقصدون الاستيلاء على البلاد وإهلاك العباد والذين هاجموا بلاد المسلمين وكبدوها من الخسائر في النفوس والأموال الكثير [٢] .
ولن ينس التاريخ ما فعله الرسول الأعظم بأسرى غزوة بدر فقد جعل المفاداة لهم بالمال أو بأسرى مسلمين أو بالقيام بعمل شريف نبيل كتعليم العلم فقد جعل الرسول ﷺ فداء كل أسير تعليم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة.
стр. 11746
وتغنى شعراء المسلمين بالمن على الأسرى وإطلاق سراحهم وجعله من أكرم الصفات وأنبل الأفعال إذ يقول شاعرهم:
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم
الإسلام يدعو لتحرير الرقيق:
اعتبر الإسلام الرق عارضا حتى قال العقاد ﵀: "شرع الإسلام العتق ولم يشرع الرق؛ إذ كان الرق مشروعا قبل الإسلام في القوانين الوضعية والدينية بجميع أنواعه: رق الأسر في الحروب، ورق السبي في غارات القبائل بعضها على بعض، ورق الاستدانة أو الوفاء بالدين" [٣] وغير ذلك مما كان القوم يستحدثونه.
ولهذا شرع الإسلام وسائل كثيرة إن حصل رق في حرب وذلك مساعدة للأرقاء على استرداد حريتهم، واستقلالهم، فأوصى الله بالأرقاء وبالدعوة إلى إطلاق سراحهم. وكما أوصد الإسلام كل أبواب الرق المحرمة فإنه فتح أبواب التحرير على مصاريعها لأنه يدعو إلى الحرية ورفع نير الاستعباد والاضطهاد وإزالة كل وسائل الامتهان والاحتقار والسخرية والازدراء، وبهذا ألغى جميع صور ومصادر الرق الأخرى المبنية على الظلم والجور والحيف والتعسف واعتبرها محرمة شرعا لا تحل بحال.
دعا الإسلام إلى مكاتبة الأرقاء، وندب إلى إعتاقهم وحث على ذلك فقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور الآية ٣٣) .
ومما ورد في سبب نزولها ما أخرجه ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: "كنت مملوكا لحويطب بن عبد العزى فسألته الكتاب فأبى فنزلت الآية" [٤] .
стр. 11747
بل لقد نهى الشرع الحكيم عن استخدام الرقيق فيما حرم الله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (النور الآية ٣٣) .
ومما ورد في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس بسند صحيح قال: "كانت لعبد الله بن أبيّ جارية تزني في الجاهلية فلما حُرّم الزنا قالت: لا والله لا أزني أبدا فنزلت" [٥] .
وجعل الشرع الحكيم وسائل فردية تحرى فيها الإسلام العتق وتعجيل فكاك الأسرى ومن ذلك جعله العتق كفارة عن كثير من الذنوب كالقتل الخطأ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (النساء الآية ٩٣) .
فمما ورد في سبب نزول هذه الآية أن الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي كان يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ثم خرج الحارث مهاجرا إلى رسول الله ﷺ فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت الآية. [٦] .
كذلك إذا حنث المسلم بيمينه فإن كفارته أيضا عتق رقبة قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (المائدة الآية٨٩) .
стр. 11748
وكذلك الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة الآية٣) .
روت عائشة قالت: "تبارك الله الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وتقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ " [٧] .
أيضا يحسب من الرذائل المأخوذة على الإنسان السيئ أنه لا يقتحم هذه العقبة أو لا ينهض بهذه الفدية المؤكدة, إنها سبيل إلى رحمة الله، وطريق إلا جنته: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (البلد الآيات ١١- ١٥)
وأيضا فقد جعل الشرع الحكيم للإعتاق بابا من أبواب الزكاة، وقسمها بنفسه وجعل فيها سهما مفروضا لتحرير الرقاب.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة الآية ٦٠) .
ففي الرقاب إنما يكون العتق.
وبجانب القرآن نجد السنة توضح وتبين أسبابا للعتق فمن أوجب على نفسه تحرير رقبة بالنذر وجب عليه الوفاء به متى تحقق له مقصوده وتم له مراده.
стр. 11749
قال ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
كذلك من أعتق نصيبه من مملوك عتق عليه كله بالسراية وسلَّم قيمته لشركائه إن كان موسرا، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : "من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه كله في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى العبد غير مشقوق عليه".
وكذلك من ملك ذا رحم محرم عليه كأبيه وأخيه وعمه وخاله، وأمه وعمته وخالته عتق عليه قهرا لقوله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" رواه أهل السنن.
أيضا من جرح مملوكه عتق عليه، فقد جاء في الحديث: أن رجلا جدع أنف غلامه فقال ﷺ : "اذهب فأنت حر"فقال: يا رسول الله فمولى من أنا؟ قال ﷺ : "مولى الله ورسوله".
وأيضا التدبير وهو تعليق عتق الرقيق بموت مالكه روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: "دبر رجل من الأنصار غلاما له وفى لفظ بلغ النبي ﷺ أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه".
وإذا وطئ حر أمته فأتت منه بولد صارت أم ولد له تعتق بموته لحديث ابن عباس يرفعه: "من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر عنه" رواه أحمد وابن ماجه.
القول يتبعه العمل:
لقد ضرب لنا رسول الله ﷺ المثل لنقتدي به فكثيرا ما كان يحث الصحابة على حسن معاملة الرقيق وهي القلة الباقية ثم حضهم على العتق والحرية.
стр. 11750
فعن واصل الأحدب قال: سمعت المعمور بن سويد قال: "رأيت أبا ذر الغفاري وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألناه عن ذلك فقال: ساببت رجلا فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال لي النبي ﷺ : أعيرته بأمه؟! ثم قال: إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم".
وقال ﷺ : "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين ... ".
وعن ابن مسعود قال: "بينما أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتا من خلفي: إعلم يا ابن مسعود مرتين فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فألقيت السوط من يدي فقال: والله لَلّه أقدر عليك منك على هذا".
وبلغ من رحمة رسول الله ﷺ أنه كان لا يطيق أحدا أن يقول: كان عبدي وأمتي وأنه أمر المسلمين أن يكفوا عن ذلك، وأن يقولوا فتاي وفتاتي.
وكان لهذه التربية أحسن الأثر في تحرير الأرقاء ونشر المساواة بين المسلمين.
وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلا على دابة وغلامه يسعى خلفه فقال: "يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مثل روحك فحمله".
وروي عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أيما مؤمن أعتق مؤمنا في الدنيا أعتق الله تعالى بكل عضو منه عضوا من النار".
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: "أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال ﷺ : اعتقوا عنه يعتق الله تعالى بكل عضو منه عضوا من النار".
стр. 11751
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فقال ﷺ : اعتق النسمة، وفك الرقبة فقال: أو ليسا واحدا؟ قال ﷺ : لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين على فكاكها".
ولعل ما عبر عنه القرآن الكريم في سورة البلد فيه خير كثير، فقد منّ الله على عباده بالنعم التي أنعم بها عليهم فقال : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ثم قال بعد ذلك جل وعلا: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (البلد الآيات ١١- ١٦) .
ولقد ضرب لنا الصحابة المثل الأعلى في معاملة أرقائهم، فساووهم بأنفسهم بل أحيانا كان يفضل الواحد منهم عبده على نفسه.
فقد روي أن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: "إني لأستحي أن أستعبد إنسانا يقول ربي الله".
ومما روي عن علي أنه أعطى غلاما دراهم ليشتري بها ثوبين متفاوتي القيمة، فلما أحضرهما أعطاه أَرقهما نسيجا وأغلاهما قيمة وحفظ لنفسه الآخر وقال له: "أنت أحق مني بأجودهما لأنك شاب وتميل نفسك للتجمل أما أنا فقد كبرت".
ولقد عني الإسلام بنفسية الأسير والرقيق عناية خاصة فقال يطيب خاطرهم ويفتح باب الأمل في المغفرة وحسن الجزاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال الآية ٧٠) .
стр. 11752
ولقد أثنى على الإسلام ومعاملته للرقيق كثير من المنصفين من الأوروبيين والمستشرقين، فقد وصف المستشرق (فان دنبرغ) معاملة الإسلام للرقيق في هذه العبارة: "لقد وضع للرقيق في الإسلام قواعد كثيرة تدل على ما كان ينطوي عليه محمد وأتباعه نحوهم من الشعور الإنساني النبيل ففيها تجد من محامد الإسلام ما يناقض كل المناقضة الأساليب التي كانت تتخذها إلى عهد قريب شعوب تدعي أنها تسير في طليعة الحضارة".
نعم إن الإسلام لم يلغ الرق الذي كان شائعا في العالم، ولكنه عمل على كثير من إصلاح حاله، وأبقى حكم الأسير ولكنه أمر بالرفق.
يقول جوستاف لوبون: "إن الرق عند المسلمين غيره عند النصارى فيما مضى، وإن حالة الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، فالأرقاء يؤلفون جزءاً من الأسرة ويستطيعون الزواج ببنات سادتهم أحيانا- أي بعد أن يُعتقوا- ويقدرون أن يتسنموا أعلى الرتب، وفى الشرق لا يرون في الرقيق عارا، والرقيق فيه أكثر صلة لسيده من الأجير في بلادنا" [٨] .
لماذا لم يبدأ الإسلام بإلغاء الرق؟
إن الإسلام قد وضع الأساس الأول لإلغاء الرقيق منذ خمسة عشر قرنا من الزمن، ولم يحاول أن يلغيه كما يقولون: بجرة قلم؛ لأن الإسلام دين إصلاح لا هدم، ولو دعا إلى تحرير كل العبيد لاهتز كيان العالم وفسدت المصالح وتعطلت حاجات الناس، وما استطاعوا في ذلك الوقت أن يأخذوا سيرهم في الحياة، فكانت الظروف الاجتماعية التي كانت موجودة عند ظهور الإسلام تحتم على كل مشرع حكيم أن يقر الرق في صورة ما، وتجعل محاولة إلغائه تصاب بالفشل والإخفاق.
وأيضا فإن الإسلام لم يقر الرق إلاّ في صورة تؤدي نفسها إلى القضاء عليه بالتدريج.
стр. 11753
يقول الأستاذ د. علي عبد الواحد وافي: "ظهر الإسلام في عصر كان نظام الرق فيه دعامة ترتكز عليهما جميع نواحي الحياة الاقتصادية، وتعتمد عليها جميع فروع الإنتاج في مختلف أمم العالم، فلم يكن من الإصلاح الاجتماعي في شيء أن يحاول مُشرّع تحريمه تحريما باتا لأول وهلة؛ لأن محاولة كهذه كان من شأنها أن تعرض أوامر المشرع للمخالفة والامتهان, وإذا أتيح لهذا المشروع من وسائل القوة والقهر ما يكفل به إرغام العالم على تنفيذ ما أمر به فإنه بذلك يعرض الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهزة عنيفة، ويؤدي تشريعه إلى أضرار بالغة لا تقل في سوء مغبتها عما تتعرض له حياتنا في العصر الحاضر إذا الغي بشكل مفاجىء نظام البنوك أو الشركات المساهمة فيكون ضررها أكثر بكثير من نفعها" [٩] .
ولقد استخدم الإسلام في بعض الأحيان طريق التدرج في تحريم الخمر، وقد كان العرب من أكثر الناس تناولا لها، فلو حرمت مرة واحدة لأدى ذلك إلا تفكك المجتمع وتمسك البعض بها. فبين الشارع الحكيم ضررها أولا ولم يحرمها في بادئ الأمر ثم حرمها عند إرادة الصلاة ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء الآية ٤٣) .
وفي المرتين امتنع بعض الناس عن تناولها ثم بعد ذلك حرمها مطلقا.
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة الآية ٩٠) .
ثم يقول الأستاذ د. عبد الواحد وافي: "وبذلك كفل الإسلام القضاء على الرق في صورة سليمة هادئة وأتاح للعالم فترة للانتقال يتخلص فيها شيئا فشيئا من هذا النظام" [١٠] .
أثر الرق في الإسلام:
стр. 11754
كان سبب الرق في الإسلام وقوع الكافر أَسيرا في يد المسلمين عند الحرب، فإذا حارب المسلمين الكفارُ فمن وقع أسيرا في يد المسلمين عند الحرب جاز للإمام أن يسترقه رجالا كانوا أو نساء وكان الأرقاء يوزعون على المسلمين غنائم حرب كما نص عليه الشرع الحكيم وكما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال الآية ٤١) .
ولما كان الإسلام يستبيح الرق في حالة الحرب، وقد انتصر في المعارك التي خاضها في أول العهد بالدعوة فقد كثر الأسرى والرقيق، وكان وجودهم مع العرب بالكيفية التي حث الإسلام على اتباعها معهم له أكبر الأثر في عملية المزج بين العرب وغير العرب حيث فتحت بلاد كثيرة من غير العرب في الشام والعراق وبلاد فارس ومصر وشمال إفريقيا على مر العصور والأزمنة.
ووجد العرب في الإماء والرقيق خير عون على الحياة، وتزوج كثير من الأرقاء- بعد عتقهم- بالعربيات، ولم يروا في ذلك عيباً ولا غبار عليه، وبالتالي تسرى وتزوج كثير من العرب بالإماء من غير العرب وحصل مزج كان له أكبر الأثر في الحياة العقلية، ودخل البيت العربي عناصر فارسية، ورومانية، وسورية، ومصرية، وبربرية، وبطريق التناسل اختلط الدم العربي بغيره من الدماء، فأنتج أعظم العقول المفكرة.
стр. 11755
يقول الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار: "إن الصحابة ﵃ لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد ملك الفرس، فباعوا السبايا وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضا، فقال له علي بن أبي طالب: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن, فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال يُقَوّمن, ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن، فقوّمن فأخذهن علي بن أبي طالب فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق فأولد عبد الله بن عمر ولده سالما وأولد الحسين زين العابدين وأولد محمد ولده القاسم فهؤلاء الثلاثة بنو خالة وأمهاتهم بنات يزدجرد" [١١] .
ويقول المبرد في كتابه الكامل: "وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين وقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا فرغب الناس في السراري" [١٢]
ويقول أحمد أمين ﵀: "هؤلاء الأرقاء والموالي أنجبوا في الجيل الثاني لعهد الفتح عددا عديدا، يعد من بعد، من سادات التابعين وخيرة المسلمين، ومن حملة لواء العلم في الإسلام" [١٣] .
ولما كان عدد الزوجات في الإسلام مقيدا بالأربع وليس مقيدا بالنسبة للإماء، فقد عاشر المسلمون كثيرا من الإماء، وأنجبوا كثيرا من الأولاد والبنات وكثيرا ما كان العرب ينجبون لأنهم يفتخرون بكثرة الأولاد وبذلك اختفى النظام القبلي الذي كان أساس المجتمع العربي من القديم، ولم يقيموا وزنا للدم العربي، ولم يعد لانتقاء الزوجة العربية أي أثر، ووصل بعد ذلك الذين أمهاتهم من الرقيق إلى الخلافة مثل يزيد الثالث في الخلافة الأموية فإن أمه غير عربية، فقد كانت فارسية أسرها القائد قتيبة في الصغد ثم أهداها إلى الوليد فولدت له يزيد.
стр. 11756
وكذلك العباسيون فالمنصور ابن أمة من البربر والمأمون ابن أمة فارسية، ومثله الواثق والمهتدي، وكانت أم المنتصر يونانية أو حبشية، وأم المستعين صقلية وأم المكتفي والمقتدر كانتا تركيتين وأم المستضئ أرمنية، وكانت الخيزران نفسها أم الرشيد أجنبية وهي أول امرأة اضطلعت بسلطة واسعة في شئون الدولة العباسية [١٤] .
ولقد أثر الرقيق في حياة الدولة في جميع مناحي الحياة السياسية والدينية والعلمية والأدبية، توصل بعضهم إلى الوزارة والكتابة إلا أن الدولة اتجهت بالرقيق غير الاتجاه الإسلامي الصحيح فدخلوا في سوق النخاسين يشترون العبيد المخطوفين والمنهوبين، والذين يؤتى بهم بطريق غير شرعي، فاشتروا كثيرا من العبيد من أوروبا وأطلقوا عليهم المماليك، ووصل إليهم الكثير من بلاد الروم وغيرها من الصرب والممالك المجاورة ومن بلاد فارس، واتخذوا منهم العسكر والجيوش التي يحاربون بها بعضهم بعضا أو يحاربون بها الأعداء إلا أنهم في النهاية يقتلون الأسياد والخلفاء ويستولون على الحكم كما حصل في أواخر الدولة العباسية.
ولا يحتج بهم على التشريع للرق في الإسلام لأن أعمالهم وعمل من أتى من بعدهم ليست من الإسلام والإسلام بريء منها لأن معظم الرقيق والجواري لم يكونوا عن طريق حرب إسلامية يدافع فيها المسلمون عن عقيدتهم، وإنما كان عن طريق شراء المخطوفين والمخطوفات والراغبين والراغبات وغير ذلك مما يتبرأ منه الإسلام والمسلمون.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] التوجيه الاجتماعي ص٩ موضوع الرق للأستاذ عبد الله كانون.
[٢] التوجيه الاجتماعي مقال ((الرق)) للأستاذ عبد الله كانون.
[٣] حقائق الإسلام للعقاد ص٢٠٩.
[٤] أسباب النزول للسيوطي سورة النور.
[٥] أسباب النزول للسيوطي سورة النور.
стр. 11757
[٦] أسباب النزول للسيوطي سورة النساء.
[٧] أسباب النزول للسيوطي سورة المجادلة.
[٨] حضارة الإسلام لجوستاف لوبون ص٤٥٩.
[٩] حقوق الإنسان في الإسلام ص١٤٠.
[١٠] حقوق الإنسان ص ١٤١.
[١١] فجر الإسلام ص١٠٨،الطبعة الحادية عشر. النهضة.
[١٢] فجر الإسلام ص١٠٩،الطبعة الحادية عشر. النهضة.
[١٣] فجر الإسلام ص١٠٨، ١٠٩ الطبعة الحادية عشرة _النهضة.
[١٤] تاريخ العرب فيليب حتى ص ٤٠٩.
стр. 11758
دراسات في أصول الفقه
تدرج علم الأصول عبر الأجيال والعصور
للدكتور علي أحمد محمد باكر
أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة
مبدأ أصول الفقه:
إذا علمنا أن علم أصول الفقه في أشمل تعريفاته هو: أدلة الأحكام الشرعية- أي مصادرها- وكيفية أخذ الأحكام منها، فإنا نرتب على ذلك أن هذه الأصول قد بدأ وجودها مع البعثة المحمدية ومنذ بدأ القرآن يتنزل على رسول الله ﷺ وتأصلت جذورها خلال الثلاثة والعشرين عاما التي هي فترة اكتمال الرسالة الإسلامية. ففي هذه الفترة تكوّن الأصل الأول والمصدر الرئيسي للفقه الإسلامي وهو القرآن الكريم، وفي ذات الفترة تكوّن أيضا الأصل الثاني للفقه وهو السنة النبوية.
وقد أرسى هذان المصدران أسس وقواعد الفقه التي تبلورت فيما بعد في شكل علم منفصل قائم بذاته سمي علم أصول الفقه، كما سنفصل القول في ذلك لاحقاً إن شاء الله.
النظم السابقة للإسلام ليست رافداً من روافد الأصول:
مما هو معلوم أن المجتمعات التي عاشت قبل الإسلام كان لها بعض أعراف وتقاليد ونظم تسير عليها. كانت بعض هذه المجتمعات مكوّنة في جزيرة العرب وبعضها خارج الجزيرة.
ومهما بدا للناظر من عدالة بعض تلك النظم والأعراف فإن مما لا شك فيه أنها كانت ترتكز على ابتداعات البشر المعرضة للانحراف عن العدل فجاء كثير منها واضح الظلم والجور. وسنبين ذلك-إن شاء الله- في الفقرات التالية.
стр. 11759
لنأخذ مثلا المجتمعات التي كانت مكونة في بعض مدن الحجاز- مكة والمدينة على وجه الخصوص- فمكة مبعث رسول الله ﷺ والمدينة منطلق دعوته. فقد كانت المجتمعات التي تعيش في هاتين المدينتين لا تنتظمها الدولة حقيقية مع أنها أكثر المدن تحضرا. فكان يسودها- كما هو معلوم- نظام القبيلة الذي يكون فيه الشيخ هو المصّرف لجميع الأمور. وهو المرجع لأفراد القبيلة في خصوماتها ومنازعاتها، وإن كان يشاركه في بعض الأوقات بعض الرجال من ذوي الرأي من العشائر والبيوت. فقد نجد بعض الأفراد يلجأون إلى بعض ذوي الرأي لفض بعض الخصومات أو لتلقي المشورة. لكن شيخ القبيلة يظل المرجع الأهم والأعلى في هذا المضمار.
ويستند شيخ القبيلة وذوي الرأي ممن يطلب منهم إصدار الأحكام على الأسس التالية:
أولا: العرف والتقاليد الجارية في القبيلة.
ثانيا: العقل المجرد وما يستحسنه الحاكم.
فهم لا يستندون إلى أصول مدونة ولا يرجعون إلى قوانين مكتوبة. وبديهي أن أحكاما كهذه معرضة للأخطاء والحيف. فالعرف يمكن أن يكون عرفا فاسداً فبناء الأحكام عليه يقود إلى الاستمرار في الفساد والخطأ. فالعرف كما هو معلوم ينتج عن الممارسات البشرية التي ربما يبتدعها مزاج فاسد.
والعقل المجرد واستحسان الحاكم يتأثر بالطبع بميول الحاكم وظروفه وقوًته وضعفه، وقوة وضعف الخصوم ومكانتهم عنده.
стр. 11760
ومن هنا ندرك أن هذه الأسس التي كانوا يستندون عليها كانت أسساً واهية، خاصة وأنهالم تكن مدَونة ولا خاضعة لمنهج. وبالتالي لم تكن لتلك الأحكام التي تقوم على تلك الأسس الضعيفة احترام أو التزام من جانب كثير من الأفراد, فهم يقبلونها متى ما أرادوا, لا توجد قوة معنوية أو حسية تلزمهم بالامتثال. ومهما قيل من أن بعض مدن الحجاز كانت قبل الإسلام قد وصلت إلى قدر من التطور في نظام الحكم فإن ذلك لا يرقى إلى أن يقال إن الأحكام التي كانت تُتّبع كانت قد ارتقت إلى درجة اعتبارها مستقاة من مصادر عامة وثابتة، أو أن تلك الأحكام كانت لها أسس وقواعد ترتكز عليها في استنانها.
أما النظم والأحكام التي كان يطبقها اليهود الذين نزحوا وأقاموا بالمدينة قبل الإسلام فإنها لم تكن معتمدة على التوراة المنزل على موسى ﵇ بل كانت من نتاج أفكار أحبارهم بما يتفق مع مطامعهم وأغراضهم. وكما هو معلوم فإن تحريفهم وتبديلهم للدين اليهودي، أصوله وفروعه، كان واضحاً قبيل الإسلام فقد مسخوا الأحكام التي نزلت على موسى مسخا ومنذ زمان بعيد.
موقف الإسلام من هذه النظم:
стр. 11761
هذه النظم المذكورة آنفا والتي وجدها الإسلام في مكة والمدينة أبطلها الإسلام ليحل محلها ما جاء به القرآن ووردت به السنة من مبادئ وأسس وأصول وفروع, وأصبحت الحياة الاجتماعية كلها خاضعة لهذه المبادئ الإسلامية الجديدة. وما ظهر من أن الإسلام أبقى بعض الأحكام التي كانت مطبقة في الجاهلية أو كان يمارسها اليهود فإن ذلك الإبقاء كان لما أتفق مع مبادئ الإسلام وليس أخذاً من مصدر آخر سابق للقرآن والسنة، وما اتفق مع ما كان لدى اليهود ليس أخذا من مصادرهم ولكن اعتمادا على الوحي الذي يتنزل بالصحيح من المبادئ والأحكام التي نزلت على الرسل السابقين ولا عبرة بما لم يتنزل به القرآن فالذي صح من الديانات السماوية السابقة هو ما تنزل به القرآن وبينته السنة [١] نعم إن الله تعالى شرع لنا من الدين ما شرعه على النبيين السابقين ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى الآية ١٣) .
ولكن ما شرع للأنبياء السابقين لا يكون شرعا لنا إلاّ إذا جاء به القرآن أو وردت به السنة.
والقسامة [٢] التي كان معمولا بها في الجاهلية فعمل بها جمهور الفقهاء في الإسلام استنادا على حديث متفق عليه مختلف في ألفاظه ولم يعمل به آخرون من العلماء لمخالفتها لمبادئ الشرع الأخرى مثل أن يكون المُقْسم مقسما على ما علم قطعا، هذه القسامة حتما قول من أخذ بها من الفقهاء في الإسلام فليس معنى ذلك أننا استقينا الحكم من أصل جاهلي ولكن استقيناه من أصل السنة النبوية لأن في العمل بها الاحتياط للدماء، لأن القاتل يحاول دائما أن يرتكب جرمه بعيدا عن أعين الناس, فكان فيها استثناء من قواعد الشرع لحفظ النفوس الذي هو من مقاصد الشريعة وأهدافها.
стр. 11762
أما استخدام العقل لاستخراج الأحكام الشرعية عن طريق القياس في الشريعة فلا يشبه استخدام العقل الذي عمل به في الجاهلية لنفس الغرض. ففي الجاهلية استخدم العقل من غير ضوابط غير استحسان شيخ القبيلة أو من يوكل إليه أمر الفصل في نزاع. أما في الإسلام فالعقل البشري مقيّد ومضبوط بضوابط الشرع وحدود المصلحة الإسلامية.
والعرف الذي عمل به الجاهليون فقد ألغاه الإسلام إلاّ ما اتفق مع مبادئه- وبذلك نصل إلى أن ما سبق الإسلام من نظم لم يكن رافدا من روافد أصول الفقه في الإسلام. والذي دفعنا إلى الحديث في هذا الأمر ما يثيره بعض المغرضين من أن التشريع الإسلامي أخذ من بعض النظم السابقة له. وكذلك دفعنا للتعرض لهذا الموضوع ما أثاره الأصوليون أنفسهم من نقاش حول ما إذا كان شرع من قبلنا هو شرع لنا.
إرساء القرآن لأسس الفقه:
لقد أرسى القرآن الكريم أسس الفقه في الفترتين ما قبل الهجرة وما بعدها. ومع ما يلاحظ من أن فترة ما قبل الهجرة كان القرآن يركز فيها على تأكيد العقيدة وتمكينها بالدعوة إلى الإيمان بالله وحده واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيِّين، والابتعاد عن الإشراك بالله، والتذكير بنعيم الآخرة وعذابها، والدعوة إلى مكارم الأخلاق والابتعاد عن مساوئها [٣] مع التركيز على أصول الدين والعقيدة فإن الآيات المكية قد اشتملت على بعض آيات الأحكام الشرعية العملية مثل آيات تشريع الصلاة والزكاة إجمالا.
أما السور والآيات المدنية والتي ركزت على إرساء التشريع والأحكام الفقهية العملية، فإننا نجدها تشتمل على الكثير من الآيات التي تثبت العقيدة وأركانها وتنفر من الكفر ومغباته وعواقبه، وتحكى القصص للاعتبار, فهي لم تقتصر على آيات الأحكام بل فاضت بآيات العقيدة وأصول الدين [٤] .
стр. 11763
فالقرآن الكريم وحدة متكاملة وكتاب منزل على نسق واحد وأسلوب واحد ولأجل هدف واحد. فكون للآيات المكيةّ خصائص وللآيات المدنية خصائص لا يعني أن القرآن منقسم إلى قسمين لكل دوره المستقل الذي يؤديه كما يروج لذلك الدائبون على حرب الإسلام ومحاولة هدمه. فكل ما في الأمر أن سُنّة التدرج وتقديم الأهم في ظرف ما اقتضت تكثيف آيات العقيدة في مكة وتكثيف آيات التشريع في المدينة. ولو لم يهاجر الرسول ﷺ وأقام بمكة جميع حياته لنزل القرآن الكريم كما هو واكتمل الدين كما اكتمل ولتمت النعمة كما أتمها الله.
ولعلنا استرسلنا في هذه المسألة التي سيكون لها مبحث في مكان آخر من هذه الدراسة إن شاء الله عندما نتحدث عن الكتاب الكريم، وإنما أشرنا إليها هنا لنتمكن من الحديث عن أن القرآن الكريم هو الأصل الأول من أصول الفقه، وبذلك فهو مبدأ هذا العلم وأساسه ومنشؤه. وما درج عليه الأصوليون من أن علم الأصول بدأ بعد بداية علم الفقه، وأن علم الفقه نفسه بدأ عقب وفاة الرسول ﷺ فإن المقصود به بداية تنظيم العلم وكتابته وتسميته بهذا الاسم الاصطلاحي, وهذا لا خلاف عليه, وأما الذي قصدناه هنا فهو أن حقيقة الأصول ونشوءها وإرساء قواعدها بدأ تكوينها منذ بدء الرسالة واكتملت مع اكتمال القرآن والسنة، ثم جاء فصلها في علم خاص لاحقا، ولم يسبق تكوين الأصول أو يتأخر مبدؤه عن بدء البعثة المحمدية.
وفيما يلي سوف نعطي نبذة عن علم الأصول في مراحله المختلفة ابتداء من عهد الرسول ﷺ . وستكون هذه النبذة مائلة إلى الإجمال، ثم نتعرض بعد ذلك للأصول التي سيرد ذكرها في هذا العرض بشيء من التفصيل والمقارنة، موضحين أوجه الاتفاق والاختلاف بين المراحل المختلفة وبين المدارس الفقهية المتعددة.
أصول الفقه في حياة رسول الله ﷺ :
стр. 11764
مما لا يختلف عليه أن الرسول ﷺ كان في حياته المرجع للأحكام الشرعية- فعنه ﷺ تصدر الأحكام التي يوحيها له الله تعالى قرآنا كريما متلواً مرتلا أو يلهمه إياها تعالى فتأتي سنة نبوية شريفة. فمصدر التشريع كان الوحي الإلهي الذي يأتي على لسان رسول الله ﷺ . وبينما كان الرسول ﷺ يصدر الأحكام من خلال القرآن والسنة كان يرسي من خلال هذين المصدرين الرئيسيين أصول الفقه الأخرى وقواعد الاجتهاد والبحث عن الحكم الشرعي. فأصول الفقه وقواعده التي تزخر بها كتب الأصول تستمدد شرعيتها وصلاحيتها من القرآن والسنة وتسترشد بها إلى غايات وأهداف الشريعة. فهي لا تتعارض مع هذين الأصلين الرئيسيين وإلاّ أسقطت من الحساب واعتبرت من الانحرافات التي لا يجوز الأخذ بها.
وعندما نقول أصول الفقه غير القرآن والسنة فإننا نقصد الإجماع والقياس وما يلحق به من أصول تستند على العقل والشرع. وكما أشرنا من قبل فإنه في واقع الأمر لا فصل بين نصوص القرآن والسنة وبين استخدام العقل البشري في استخراج الأحكام. فنصوص القرآن والسنة تتطلب استخدام العقل والنظر في تخصيص العام وتقييد المطلق وترجيح النصوص والنسخ الخ. والاجتهاد العقلي خارج دائرة النصوص ليس اجتهادا عقليا مطلقاً بل يقوم على تأييد النصوص له في المبدأ والمسار.
ويجدر أن نشير هنا إلى الدليل المستقى من الكتاب والسنة على إقرار مبدأ العمل بالأصول الأخرى غير القرآن والسنة من إجماع واجتهاد عقلي، ثم نترك تفصيل ذلك الاستدلال ومناقشته إلى مكانه من الحديث عن هذه الأصول.
إرساء أصل الإجماع في عهد النبوة:
стр. 11765
هذا المصطلح يعني عند الأصوليين اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ في عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع [٥] ولقد قرر العلماء بأن الإجماع بهذا المعنى قد تقررت حجيته في عهد رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة. وجاء عمل الصحابة موافقا لهذا التقرير كما اعتقد التابعون حجية الإجماع بناء على نصوص من القرآن والسنة [٦] .
ومما أورده العلماء من الكتاب الكريم كدليل على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء الآية١١٥) فقد استدلوا بهذه الآية على أن إجماع المسلمين المتمثل في إجماع مجتهديهم حجة يجب اتباعه وتحرم مخالفته كما تحرم مشاققة الرسول ﷺ .
ومما أورده العلماء من السنة النبوية كدليل على حجية الإجماع قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ".
وقوله: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه". فقد استدل العلماء بهذين الحديثين أيضا على أن إجماع أئمة المسلمين حجة يجب اتباعه واستقاء الأحكام منه.
بجانب هذه النصوص السالفة فقد أورد العلماء آيات وأحاديث عديدة في هذا المضمار لكنا نكتفي بهذا في هذا المقام عازمين على تفصيل القول في هذه الاستدلالات عند حديثنا عن الإجماع كَأصل ثم مواقف المذاهب المختلفة منه.
وكما أشرنا فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الدليل وعملوا بمقتضاه، وكذلك فعل التابعون, فكان موقفهم دليلا آخر على حجية الإجماع يضاف إلى هذه النصوص.
ومن هنا نستطيع القول أن الإجماع قد تقررت حجيته كَأصل من أصول الفقه في حياة رسول الله ﷺ .
قوة الإسلام.. تكمن في داخله لأنه دين الله
следующие страницы →