Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.
стр. 11761
هذه النظم المذكورة آنفا والتي وجدها الإسلام في مكة والمدينة أبطلها الإسلام ليحل محلها ما جاء به القرآن ووردت به السنة من مبادئ وأسس وأصول وفروع, وأصبحت الحياة الاجتماعية كلها خاضعة لهذه المبادئ الإسلامية الجديدة. وما ظهر من أن الإسلام أبقى بعض الأحكام التي كانت مطبقة في الجاهلية أو كان يمارسها اليهود فإن ذلك الإبقاء كان لما أتفق مع مبادئ الإسلام وليس أخذاً من مصدر آخر سابق للقرآن والسنة، وما اتفق مع ما كان لدى اليهود ليس أخذا من مصادرهم ولكن اعتمادا على الوحي الذي يتنزل بالصحيح من المبادئ والأحكام التي نزلت على الرسل السابقين ولا عبرة بما لم يتنزل به القرآن فالذي صح من الديانات السماوية السابقة هو ما تنزل به القرآن وبينته السنة [١] نعم إن الله تعالى شرع لنا من الدين ما شرعه على النبيين السابقين ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى الآية ١٣) .
ولكن ما شرع للأنبياء السابقين لا يكون شرعا لنا إلاّ إذا جاء به القرآن أو وردت به السنة.
والقسامة [٢] التي كان معمولا بها في الجاهلية فعمل بها جمهور الفقهاء في الإسلام استنادا على حديث متفق عليه مختلف في ألفاظه ولم يعمل به آخرون من العلماء لمخالفتها لمبادئ الشرع الأخرى مثل أن يكون المُقْسم مقسما على ما علم قطعا، هذه القسامة حتما قول من أخذ بها من الفقهاء في الإسلام فليس معنى ذلك أننا استقينا الحكم من أصل جاهلي ولكن استقيناه من أصل السنة النبوية لأن في العمل بها الاحتياط للدماء، لأن القاتل يحاول دائما أن يرتكب جرمه بعيدا عن أعين الناس, فكان فيها استثناء من قواعد الشرع لحفظ النفوس الذي هو من مقاصد الشريعة وأهدافها.
стр. 11762
أما استخدام العقل لاستخراج الأحكام الشرعية عن طريق القياس في الشريعة فلا يشبه استخدام العقل الذي عمل به في الجاهلية لنفس الغرض. ففي الجاهلية استخدم العقل من غير ضوابط غير استحسان شيخ القبيلة أو من يوكل إليه أمر الفصل في نزاع. أما في الإسلام فالعقل البشري مقيّد ومضبوط بضوابط الشرع وحدود المصلحة الإسلامية.
والعرف الذي عمل به الجاهليون فقد ألغاه الإسلام إلاّ ما اتفق مع مبادئه- وبذلك نصل إلى أن ما سبق الإسلام من نظم لم يكن رافدا من روافد أصول الفقه في الإسلام. والذي دفعنا إلى الحديث في هذا الأمر ما يثيره بعض المغرضين من أن التشريع الإسلامي أخذ من بعض النظم السابقة له. وكذلك دفعنا للتعرض لهذا الموضوع ما أثاره الأصوليون أنفسهم من نقاش حول ما إذا كان شرع من قبلنا هو شرع لنا.
إرساء القرآن لأسس الفقه:
لقد أرسى القرآن الكريم أسس الفقه في الفترتين ما قبل الهجرة وما بعدها. ومع ما يلاحظ من أن فترة ما قبل الهجرة كان القرآن يركز فيها على تأكيد العقيدة وتمكينها بالدعوة إلى الإيمان بالله وحده واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيِّين، والابتعاد عن الإشراك بالله، والتذكير بنعيم الآخرة وعذابها، والدعوة إلى مكارم الأخلاق والابتعاد عن مساوئها [٣] مع التركيز على أصول الدين والعقيدة فإن الآيات المكية قد اشتملت على بعض آيات الأحكام الشرعية العملية مثل آيات تشريع الصلاة والزكاة إجمالا.
أما السور والآيات المدنية والتي ركزت على إرساء التشريع والأحكام الفقهية العملية، فإننا نجدها تشتمل على الكثير من الآيات التي تثبت العقيدة وأركانها وتنفر من الكفر ومغباته وعواقبه، وتحكى القصص للاعتبار, فهي لم تقتصر على آيات الأحكام بل فاضت بآيات العقيدة وأصول الدين [٤] .
стр. 11763
فالقرآن الكريم وحدة متكاملة وكتاب منزل على نسق واحد وأسلوب واحد ولأجل هدف واحد. فكون للآيات المكيةّ خصائص وللآيات المدنية خصائص لا يعني أن القرآن منقسم إلى قسمين لكل دوره المستقل الذي يؤديه كما يروج لذلك الدائبون على حرب الإسلام ومحاولة هدمه. فكل ما في الأمر أن سُنّة التدرج وتقديم الأهم في ظرف ما اقتضت تكثيف آيات العقيدة في مكة وتكثيف آيات التشريع في المدينة. ولو لم يهاجر الرسول ﷺ وأقام بمكة جميع حياته لنزل القرآن الكريم كما هو واكتمل الدين كما اكتمل ولتمت النعمة كما أتمها الله.
ولعلنا استرسلنا في هذه المسألة التي سيكون لها مبحث في مكان آخر من هذه الدراسة إن شاء الله عندما نتحدث عن الكتاب الكريم، وإنما أشرنا إليها هنا لنتمكن من الحديث عن أن القرآن الكريم هو الأصل الأول من أصول الفقه، وبذلك فهو مبدأ هذا العلم وأساسه ومنشؤه. وما درج عليه الأصوليون من أن علم الأصول بدأ بعد بداية علم الفقه، وأن علم الفقه نفسه بدأ عقب وفاة الرسول ﷺ فإن المقصود به بداية تنظيم العلم وكتابته وتسميته بهذا الاسم الاصطلاحي, وهذا لا خلاف عليه, وأما الذي قصدناه هنا فهو أن حقيقة الأصول ونشوءها وإرساء قواعدها بدأ تكوينها منذ بدء الرسالة واكتملت مع اكتمال القرآن والسنة، ثم جاء فصلها في علم خاص لاحقا، ولم يسبق تكوين الأصول أو يتأخر مبدؤه عن بدء البعثة المحمدية.
وفيما يلي سوف نعطي نبذة عن علم الأصول في مراحله المختلفة ابتداء من عهد الرسول ﷺ . وستكون هذه النبذة مائلة إلى الإجمال، ثم نتعرض بعد ذلك للأصول التي سيرد ذكرها في هذا العرض بشيء من التفصيل والمقارنة، موضحين أوجه الاتفاق والاختلاف بين المراحل المختلفة وبين المدارس الفقهية المتعددة.
أصول الفقه في حياة رسول الله ﷺ :
стр. 11764
مما لا يختلف عليه أن الرسول ﷺ كان في حياته المرجع للأحكام الشرعية- فعنه ﷺ تصدر الأحكام التي يوحيها له الله تعالى قرآنا كريما متلواً مرتلا أو يلهمه إياها تعالى فتأتي سنة نبوية شريفة. فمصدر التشريع كان الوحي الإلهي الذي يأتي على لسان رسول الله ﷺ . وبينما كان الرسول ﷺ يصدر الأحكام من خلال القرآن والسنة كان يرسي من خلال هذين المصدرين الرئيسيين أصول الفقه الأخرى وقواعد الاجتهاد والبحث عن الحكم الشرعي. فأصول الفقه وقواعده التي تزخر بها كتب الأصول تستمدد شرعيتها وصلاحيتها من القرآن والسنة وتسترشد بها إلى غايات وأهداف الشريعة. فهي لا تتعارض مع هذين الأصلين الرئيسيين وإلاّ أسقطت من الحساب واعتبرت من الانحرافات التي لا يجوز الأخذ بها.
وعندما نقول أصول الفقه غير القرآن والسنة فإننا نقصد الإجماع والقياس وما يلحق به من أصول تستند على العقل والشرع. وكما أشرنا من قبل فإنه في واقع الأمر لا فصل بين نصوص القرآن والسنة وبين استخدام العقل البشري في استخراج الأحكام. فنصوص القرآن والسنة تتطلب استخدام العقل والنظر في تخصيص العام وتقييد المطلق وترجيح النصوص والنسخ الخ. والاجتهاد العقلي خارج دائرة النصوص ليس اجتهادا عقليا مطلقاً بل يقوم على تأييد النصوص له في المبدأ والمسار.
ويجدر أن نشير هنا إلى الدليل المستقى من الكتاب والسنة على إقرار مبدأ العمل بالأصول الأخرى غير القرآن والسنة من إجماع واجتهاد عقلي، ثم نترك تفصيل ذلك الاستدلال ومناقشته إلى مكانه من الحديث عن هذه الأصول.
إرساء أصل الإجماع في عهد النبوة:
стр. 11765
هذا المصطلح يعني عند الأصوليين اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ في عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع [٥] ولقد قرر العلماء بأن الإجماع بهذا المعنى قد تقررت حجيته في عهد رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة. وجاء عمل الصحابة موافقا لهذا التقرير كما اعتقد التابعون حجية الإجماع بناء على نصوص من القرآن والسنة [٦] .
ومما أورده العلماء من الكتاب الكريم كدليل على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء الآية١١٥) فقد استدلوا بهذه الآية على أن إجماع المسلمين المتمثل في إجماع مجتهديهم حجة يجب اتباعه وتحرم مخالفته كما تحرم مشاققة الرسول ﷺ .
ومما أورده العلماء من السنة النبوية كدليل على حجية الإجماع قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ".
وقوله: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه". فقد استدل العلماء بهذين الحديثين أيضا على أن إجماع أئمة المسلمين حجة يجب اتباعه واستقاء الأحكام منه.
بجانب هذه النصوص السالفة فقد أورد العلماء آيات وأحاديث عديدة في هذا المضمار لكنا نكتفي بهذا في هذا المقام عازمين على تفصيل القول في هذه الاستدلالات عند حديثنا عن الإجماع كَأصل ثم مواقف المذاهب المختلفة منه.
وكما أشرنا فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الدليل وعملوا بمقتضاه، وكذلك فعل التابعون, فكان موقفهم دليلا آخر على حجية الإجماع يضاف إلى هذه النصوص.
ومن هنا نستطيع القول أن الإجماع قد تقررت حجيته كَأصل من أصول الفقه في حياة رسول الله ﷺ .
قوة الإسلام.. تكمن في داخله لأنه دين الله
стр. 11766
مند قرون والغرب يتجاهل الإسلام ويرى فيه العدو الألد، واليوم فإن المد الإسلامي الذي يشهده العالم، يثير في الغرب الريبة، والخوف، وهذه الأحاسيس العدائية، كانت وراء العمليات الاستعمارية، والامبريالية وبررتها طيلة أكثر من قرن، وجعلت الغرب لا يعترف بجرائمه ومسئولياته.
وكيف يمكن أن نسمي حضارة الغرب، حضارة.. وفي هذا اليوم يخصص الغرب سنوياً ٤٥٠ مليار دولار سنة ١٩٨٠م للتسلح في حين أن ٠هـ مليون من البشر يموتون جوعا.
إن الإسلام لم يعد ذلك (الدين الكافر) كما كنا نطلق عليه في عهد الصليبية والمسلم لم يعد ذلك (الإرهابي) في عهد التحرر الوطني الجزائري ولم يعد الإسلام قوة عسكرية زاحفة مخيفة ولم يعد الإسلام مجموعة قطع تراثية شرقية محفوظة في متاحفنا.. الإسلام في كلمة هو دين شامل كامل، لا يتجزأ..وهو مجتمع، وهو إلى جانب ذلك أسلوب في الحياة والعقيدة.
الإسلام لم يظهر لأنه جاء آخر الأديان, بل ظهر لأن العالم في حاجة إليه.. ظهر بين يدي رجل واحد.. في جزيرة صحراوية هي العربية السعودية الآن.. كان في ذلك الوقت جماعة قليلة من الناس يعيشون في هذه الجزيرة ومع ذلك استطاع الإسلام أن يؤسس حضارة رائعة امتد تأثيرها إلى اليوم.
عن كتاب (وعود الإسلام) للفيلسوف الفرنسي روجي غارودي
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر الشوكاني _إرشاد الفحول ص٢١٠.
[٢] وهي أن يوجد قتيل ولا يُدرى من قتله فيدعى ولاة الدم على شخص ما فيحلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا.
[٣] تأمل الجزأين التاسع والعشرين والثلاثين من القرآن الكريم.
[٤] تأمل مثلا سورة البقرة.
[٥] انظر الآمدي _ الأحكام ج١ ص١٨٠.
стр. 11767
[٦] انظر أبو الحسين البصري- المعتمد ج٢ ص ٤٧٢.
стр. 11768
العدد ٥٣
فهرس المحتويات
١-كلمة التحرير - التطور العلمي والفكري في مفهوم الإسلام: لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
٢- سبيل الفلاح: للشيخ أبي بكر الجزائري
٣- حكم رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل: للشيخ عداب الحمش
٤- حول حديث الذباب: للشيخ أمين محمد سالم
٥- مسلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الله: للدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
٦- مفهوم الأسماء والصفات: فضيلة الشيخ سعد ندا
٧- الرّاغب الأصفهاني وموقفه من الفرق الإسلامية: للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي
٨- بيان خطأ من جعل جدة ميقاتا لحجاج الجو والبحر: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٩- رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار: الدكتور أحمد طه ريان
١٠- يا مسلمون ... عودوا إلى الإسلام: للدكتور محمد محمد الشريف
١١- مشروع "اقرأ" لتعليم اللغة العربية عن طريق القرآن: للشيخ أحمد فؤاد البشبيشي
١٢- حقوق الإنسان في الإسلام: بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
١٣- أهمِّيَّة الدَّعوة وصفات الدَّاعية: للدكتور محمد بيلو أحمد أبو بكر
١٤- الحركة السلفية في الهند ودورها في خدمة السنة المطهرة: للشيخ عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي
١٥- من روائع الفتح الإسلامي فتوح الشام: للدكتور محمد السيّد الوكيل
١٦- من نماذج الدعاة الصالحين الإمام أحمد بن حنبل ﵀: الشيخ أبو بكر الجزائري
١٧- قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى: د. محمد عبد المقصود جاب الله
١٨- أثر الهجرة على تطور الدعوة الإسلامية وانتشارها في أنحاء العالم: للدكتور محي الدين الألواني
١٩- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٢٠- حول الشعر التعليمي (٢) : للدكتور صالح آدم بيلو
٢١- بحث في صيغة (أفعل) بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في اللغة: لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
٢٢- يا رب: للدكتور عز الدين علي السيّد
٢٣- في الغار: للشيخ ضياء الدين الصابوني
٢٤- في المشارق والمغارب جنوب شرقي آسيا: الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٢٥- أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر: للشيخ محمد المجذوب
٢٦- ملاحظات: حول كتاب عقيدة السلف والخلف (١) : للشيخ عبد القادر السّندي
٢٧- إنكار الجن من شطحات التفسير الموضوعي للقرآن: للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم
٢٨- عوض الوراثة في الطّب: للدكتور فكري السيّد
٢٩- حكم الاحتفال بالموالد: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
٣٠- كتاب عن المدينة المنورة: جريدة المدينة المنورة
٣١- رسالة المدينة المنورة المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة:
٣٢- ماذا يحدث للمسلمين في فطاني؟ : رئيس جبهة التحرير الوطنية الفطانية عن جريدة المدينة المنورة
٣٣- أخبار الجامعة - برقية شكر جوابية من جلالة الملك إلى نائب رئيس الجامعة الإسلامية
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 11769
كلمة التحرير
التطور العلمي والفكري في مفهوم الإسلام
لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
التطور حقيقة واقعة في الكون منذ خلق الله الأرض وما عليها، والإنسان - وهو الذي استخلفه الله في الأرض - هو سر الإبداع في هذا التطور فحاجاته لا تنتهي، وتطلعاته لا تقف عند حد، وطموحه دونه أقصى ما يتصوره العقل البشري.
ويصور هذا المعنى الدقيق قول الشاعر:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وإنّا لنرجو فوق ذلك مرتقى
لقد بلغ الشاعر شأوا من المجد وصل به عنان السماء، ولكنه لم يقنع به، بل ظل يبتغي مرتقى يصعد إليه، وإني لا أشك في أن الشاعر لو علم شيئا أرفع من السماء ما وقف عندها.
تلك فطرة الله التي فطر الناس عليها ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولتوقفت عجلة الحياة في مكانها لا تريم، ولكنا لا نزال نركب الجمال والبغال والحمير، ونعيش في العراء نفترش الأرض ونلتحف السماء، ونستتر بأوراق الأشجار ونلتهم ما نقدر عليه من الوحوش حيا أو ميتا.
إن الحياة التي يحياها الناس الآن دليل واضح على مدى التطور التي أحرزته الإنسانية في عمرها الطويل المديد منذ خلق الله الكون، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها، ذلك لأن الإنسان بخصائصه الذاتية امتداد لآبائه وأجداده، فهو وريثهم يتلقف ما تركوه له، ولا يقف عنده بل يحاول دائما أن يشارك في تلك المسيرة، ويدفعها بكل إمكانياته حتى لا تتوقف.
إنني موقن بأن الذين ابتكروا كل ما تتمتع به الإنسانية اليوم من المخترعات لو رأوا ما بلغته مخترعاتهم من التطور لم يندهشوا، لأنهم عندما اخترعوا ذلك كانوا يؤمنون بأن اختراعهم إن هو إلاّ خطوة أولى في مشوار طويل لابد أن يبلغ مداه، بل إنني أعتقد أنهم سيكونون مسرورين عندما يرون المسيرة التي بدءوها لازالت مستمرة على الدرب.
стр. 11770
وأستطيع بالتالي أن أؤكد هذا المعنى في كل إبداع إنساني وصلت إليه عبقرية ذلك المخلوق الفذ العجيب ومن هنا أستطيع أن أقول: إن أي تطور في الحياة خاضع لتطور الإنسان نفسه، فلولا حاجاته الملحة في الاستطلاع والضرب في الأرض لما اخترع المراكب ولما حاول تطويرها، ولولا ميله الشديد إلى الظهور في المجتمعات بمظهر حسن لما تفنن في ابتكار الأزياء وتحسينها، ولولا ولعه القوي بالسكن الهادئ المريح لما أبدع هذا الإبداع في الفن المعماري، ولولا شعوره بالحاجة الماسة إلى العافية لما عرف الدواء، ولما طوره هذا التطور العجيب، وهكذا.
ولكن لا يزال هناك سؤال ملح لا يفارق عقل الباحث المحقق وهو: ما السر في اختصاص الإنسان بهذا التطور المطرد؟ ولماذا لم يشاركه غيره من المخلوقات؟
إننا نلاحظ أن حياة الحيوان والطير حياة رتيبة لم تفارقها منذ خلقت، ولن تفارقها حتى تقوم الساعة، إنها لم تحاول أن تطور عشها الساذج أو حظيرتها المتواضعة، ولم تتطلع إلى تغيير طريقة أكلها أو نمط سلوكها سوى ما كان خاضعا لتطوير الإنسان له كتعليمها وتدريبها على أنواع معينة وفي نطاق ضيق من السلوك وأداء بعض التصرفات، ومع أن هناك من الحيوانات والطيور تميزت بنوع خاص من الذكاء إلا أنها لم تستطع استغلال هذا الذكاء إلا في محاولات يسيرة من تقليد الإنسان ذاته في بعض تصرفاته.
أما الإنسان فإنه كل يوم في جديد يبدع ويبتكر، ويطور ويحسن وكلما وصل إلى غاية تطلع إلى ما فوقها دون أن يحده حد.
التطور من خلال المفهوم الإسلامي:
والتطور من خلال المفهوم الإسلامي هو كل تقدم سليم يحرزه الإنسان، ويحقق مصلحة للجنس البشري، سواء كان ذلك تقدما فكريا كالثقافات المختلفة التي تنير للناس طريقهم نحو مجتمع زاخر بالفضائل والمكرمات، أم كان تقدما ماديا كالمخترعات بأنواعها المختلفة.
стр. 11771
أما تلك الفوضى التي عمّت المجتمعات باسم التقدم والحرية، وهذه الابتكارات التي زودت الناس بوسائل القطيعة والتكبر، ومكنتهم من التنابز المقيت، ووضعت بين أيديهم أسباب الدمار والفناء فالإسلام لا يعتبر شيئا منها تطورا حقيقيا ولو أتى بالعجب العجاب.
إن الإسلام لا ينظر إلى التقدم العلمي في مصعد التفوق الحضاري من حيث هو تقدم علمي أو تفوق حضاري، ولكنه ينظر إليه من خلال عوائده على الإنسانية في بيئاتها المختلفة، وظروفها المتباينة، وأوضاعها المتفاوتة، فبقدر ما يحقق العلم للبشرية من الفوائد يحظى من الإسلام بالتأييد والمؤازرة.
والإسلام ينبذ الأنانية والعنصرية لأنه دين البشرية كلها شاء الناس أم أبوا، لأن الله سبحانه قد أمر الناس جميعا بالدخول فيه، فالرسول محمد بن عبد الله ﷺ قد أُرسل إلى الناس كافة.
ولهذا فإنه ينشد السعادة والفائدة لكل الناس في الحقوق العامة لا فرق فيها بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا أسود، ولا فقير ولا غني، ولا مسلم ولا غير مسلم، ولكن الذين يرفضون الإسلام ويتأبون عليه قد حرموا أنفسهم من نصيبهم من تلك السعادة، وليس الذنب في ذلك إلا ذنب الذين يرفضون الإسلام، ولا يتخذونه منهج حياة.
إن الإسلام قد أقام حضارته على مبادئ سامية وأواصر وثيقة، وجعل من أهم هذه المبادئ: المساواة، فالناس جميعا ولد آدم، وجميعهم أبناء حواء، فهم إذا اخوة لا يتفاخرون بنسب ولا عرق، وكيف وأبوهم واحد وأمهم واحدة،؟ ولا يتفاضلون بقومية ولا وطنية لأنهم يعيشون على أرض واحدة.
стр. 11772
وبهذا قطع الإسلام كل أسباب التفاخر بين الناس، وأغلق باب التفاضل بما لا دخل لهم فيه، وفتح بابا واحدا يمكن للناس كل الناس التنافس فيه بالجهد الشخصي، والتفوق الذاتي وهو باب العمل الصالح وإفراغ الطاقة في البر والتقوى بكل ما تتسع له الكلمة من المعاني، وعلى هذا فالعمل الذي يعم نفعه المجتمع أو أكبر قدر منه هو أعظم من الأعمال القاصرة على الشخص نفسه؟ وأضخمها في ميزان المجتمع المسلم، ومن هنا كان حث الإسلام على التعاون، ودعوته إلى الاجتماع، وعلى هذا المعنى الرائع يدل قوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" [١] .
ويوضح هذا المعنى كذلك قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان الذي يروى عنه: "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى".
الدافع والتطور:
والتطور نتيجة حتمية للدوافع التي تحفز الإنسان إلى التطلع للأكمل والأرفع وهذه الدوافع سواء كانت ذاتية منبعثة من داخل النفس الإنسانية أم كانت خارجية كالحوافز المادية والمعنوية كلها ذات أثر بالغ في التطوير سواء كان في المخترعات أم في الفكر والسلوك أم في أساليب الحياة وأنماطها.
والإيمان بالله من أعظم الدوافع التي تدعو إلى التطور وذلك لأن المؤمن يعتقد بأن وعد الله حق، وأن أجله محدود، ورزقه مضمون، وهو مطالب بالعمل حتى يفارق هذه الحياة.
لهذا فهو مقدام لا يهاب المغامرات متى كان ذلك مطلوبا شرعا، كريم لا يخشى الفقر، مجِدٌ لا يعرف الملل وتلك هي المواصفات التي تدعو إلى الابتكار والتطوير والإبداع.
فالشجاع المقدام لا يهاب الفشل، والكريم المعطاء يبذل في سبيل تحقيق آماله، والمجد الدؤوب لا يمل من الدأب حتى يصل إلى مرامه أو يهلك دونه وقديما قيل:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
стр. 11773
إن المؤمن إذا سمع قول الرسول ﷺ : "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها قبل أن تقوم القيامة فليغرسها"، لا يسعه إلا أن يواصل العمل ليل نهار، ويبذل جهده صباح مساء، وكيف لا ونتيجة هذا السعي ستعرض على الله، وثمار هذا البذل ستكون في كفة حسناته يوم يلقى الله وكيف لا والأمر الرباني الكريم يلاحقه في كل حين. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة/١٠٥) .
والرسول ﷺ يحرص على الاحتراف واتخاذ المهنة، "ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" [٢] .
ولما سمع الخليفة الثالث - عثمان بن عفان - قول الرسول ﷺ : "من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" [٣] فهم من ذلك تحسين البناء وتطويره حتى يكون بيته في الجنة بقدر تحسينه للمسجد وإتقانه، ومن هنا بني المسجد بالحجارة المنقوشة، وجعل أعمدته من الحجارة بدلا من جذور النخل، وسقفه بالساج بعد الجريد، وجصصه، وأحكمه.
إن الدوافع التي حدت بعثمان أن يفعل ذلك على غير سابقة دوافع ذاتية، ألم ترى أنه أراد أن يكون بيته في الجنة على غرار بناء المسجد وإتقانه، إن رغبته فيما عند الله، وإيثاره الآخرة على الدنيا هما الدافعان الحقيقيان لهذا التطوير والتجديد.
وعثمان_رضي الله عنه_ وإن تعرض بسبب ذلك للنقد والقيل والقال، إلا أن هدفه كان أسمى من أن يحجزه عنه نقد أو اعتراض، فالدافع هنا هو سبب ذلك الإبداع في البناء، وتطلع عثمان_رضي الله عنه_ إلى ما عند الله كان القوة الدافعة التي جعلته يستهين بعقبات الدنيا مهما كان حجمها، ومهما كانت عواقبها.
стр. 11774
والغرائز التي أودعها الله في الإنسان تأتي في الدرجة الثانية من دوافع التطوير والإنتاج. فحب التملك، والرغبة في الاستطلاع، وغريزة المنافسة، كل ألئك دوافع حقيقية ينبعث عنها أروع آيات التجديد والابتكار.
فغريزة التملك تدعو إلى الاقتناء والحرص، وحب الاستطلاع يكشف الجوانب الخفية للإنسان، وغريزة المنافسة تؤدي إلى التطوير والإبداع، وتطلع النفس إلى الأحسن والأكمل يجعله لا يقف عند حد، بل يظل يطور ويجدد، ويبدع ويبتكر ما دام حيا.
ويدخل في هذه الغرائز الخبرات التي يستفيدها الإنسان من ممارسته لعمل ما فاكتساب الخبرات يجعل المرء يعيد النظر في كل ما حوله، ويعالجة في ضوء الخبرات المستجدة في حياته، ليتجنب المضار، ويكتسب المنافع وليصل إلى أرقى ما وصل إليه العقل البشري.
وللمسلمين في ذلك قصب السبق، فإنهم لما أنشئوا المدن كالبصرة والكوفة والفسطاط وواسط والقيروان وغيرها، ورأوا أن ذلك أخف حملا، وأقل مؤونة ولكن النار داهمتهم فأكلت بيوتهم، فلم تبق ولم تذر، فبنوا باللبن والقصب، حتى عرفوا الحجارة فبنوا بها.
وأسسوا بيوتهم على نظام الطابق الواحد، ثم دعت الحاجة إلى تعدد الطبقات، فرفعوا إلى الثلاث.
وكان البناء ساذجا بغير تخطيط، فرأوا في النقوش والزخرفة زينة يجمل أن تتحلى بها البيوت فتفننوا في ذلك وأبدعوا، وأزالوا الأزقة الضيقة، وخططوا الشوارع والميادين وحددوا أماكن الأسواق والحمامات والمرافق العامة، وظل التطوير شأن المسلمين حتى وصلوا إلى إنشاء المجاري لتصريف المياه الزائدة وغير المستفاد منها، وبنوا الجسور ومهدوا الطرق.
وهناك أمر هام ينبغي ألا يغفله الباحث، وهو دور الأخلاق والقيم في التطور والبناء، وهذا ولا شك أمر حيوي يجب أن يحظى بالعناية والتقدير من الباحثين والمفكرين، فالناس إنما يخططون ويبتكرون حسبما يطبعون عليه من الأخلاق أو التفسخ، وما يعتنقونه من الفضائل أو الرذائل.
стр. 11775
وإنه مما لاشك فيه أن الفضائل والأخلاق الكريمة تتجه بصاحبها إلى ما يتعارض كلية مع اتجاه التفسخ والرذائل، فلكل من الفريقين اتجاه يعمل جاهدا من الوصول إليه، فالوقار واحترام مشاعر الآخرين، وغض البصر والاهتمام براحة الجيران، والتعاون القائم على أساس المحبة والعدالة، كل ذلك يستدعي نمطا معينا يؤدي إلى تحقيق المراد، وبالعكس من يتصف بضد تلك الأخلاق.
ومن هنا كان للاستقامة أثر إيجابي في مضمار التطور إلى الأفضل من الأعمال، ذلك لأن الاستقامة في مفهوم الإسلام هي الاعتدال في كل الأمور أو هي التوسط بين طرفي النقيض بحيث لا يميل صاحبها إلى الإفراط أو التفريط، ولا إلى الإسراف أو التقتير، ولا إلى التهور أو الجبن ولا إلى التفسخ أو الرهبة، ولهذا كانت الاستقامة دافعا إلى البحث عن الأفضل من الأقوال والأعمال، فهي إذا دافع إلى التطوير والتشييد. وبقدر ما تكون تلك الدوافع الذاتية المنبعثة من النفس البشرية عوامل مهمة ومؤثرة على التطور الإنساني، وبقدر ما يكون الإبداع في التطور والرقي ناجما عن تلك الدوافع يكون الإنسان سعيدا متمتعا بكل مباهج الحياة، آخذا من متاعها الحلال الطيب بقدر ما يحتاج. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (لأعراف: من الآية٣٢) .
وليست الدوافع الخارجية بنوعيها المادي والأدبي بأقل تأثيرا في عملية التطوير في حياة الناس من الدوافع الذاتية، بل لها من الأثر في التطوير والإنتاج ما يضعها مع الدوافع الذاتية في صف واحد، فمنح الجوائز للمبتكرين، وتقدير الأمة لأبنائها المبرزين من الدوافع الحقيقية التي لا ينبغي إغفالها أو السكوت عنها، بل يجب إبرازها كعوامل لها خصائصها في تطوير الحياة وتقدمها.
стр. 11776
ومن أجل هذا، وتقديرا لأثر تلك الدوافع الخارجية رصدت الأمم الجوائز المادية والأدبية فجائزة نوبل وجائزة الملك فيصل ﵀ وغيرهما من الجوائز قد أثمرت وآتت أكلها، ولها من الفوائد والنفع على العالم ما نلمس فوائده في المجالات التي رصدت لها.
وكلمة أخيرة في الموضوع يجب ألا تنسى: تلك هي: أن التطور لا يختص بمجال الاختراع والإبداع، في الجانب العملي من حياة الإنسان، ولكنه ينساق إلى مجالات شتى وغير محصورة في إطار مهما اتسع ذلك الإطار.
فهناك التطور الفكري الذي يلمسه الإنسان في نفسه وفي غيره عندما ينتقل من بيئة قروية أو بدوية إلى بيئة حضارية، وما قصة علي بن الجهم مع الخليفة العباسي مما يغيب على الذهن، فالشاعر_علي بن الجهم_ قد جاء من البادية، ووقف أمام الخليفة ليمدحه فقال:
أنت كالكلب في الحفاظ على الود
وكالتيس في قراع الخطوب
وكان الخليفة فطنا أريبا حين سمع ذلك، فأدرك أن ذلك القول لا يزيد عن انعكاسات خلفتها البيئة في نفس الشاعر، فأمر بإقامته في قصر منيف تحيط به الحدائق الغناء والزهور الباسمة وترك الشاعر فترة في ذلك العيش الرغد، والحياة البهجة، ثم جئ به لينشد الخليفة بعض شعره فأنشد:
عيون المهابين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فأين هذا من ذاك، وأين الثرى من الثريا؟
وهناك تطور آخر في السلوك، فكثيرا ما ينشأ الإنسان في بيئة زراعية أو صناعية فيتأثر بسلوك معين تمليه عليه طبيعة البيئة التي نشأ فيها، فإذا انتقل من هذه البيئة إلى بيئة علمية مثلا، وترك معاملة الشجر والزرع، ومرافقة الطيور والضرع، وودع حياة المصنع والمعمل أخذ يتهذب سلوكه ويتشكل بحسب الحياة الجديدة التي يحياها فهو يتخير الألفاظ اللينة، ويتكلم بصوت معتدل، ويفكر طويلا قبل أن يقدم على ما يريد، وذلك نوع من التطور ملحوظ في مثل تلك الظروف.
стр. 11777
وهناك التطور في أسلوب الحياة التي يتعامل به الإنسان من غيره سواء كان ذلك في المأكل والمشرب، أم كان في الأخذ والعطاء إلى غير ذلك من متطلبات الحياة.
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام تطور مطرد يسير في رحاب الإسلام في نواحي الحياة المختلفة في الصناعة والفن، في السلوك والفكر، في الأكل والشرب، في العطاء والأخذ وفي كل ما يمت إلى الإنسان بصلة، ويجد أن هذا التطور نتيجة حتمية لدوافع ذاتية أو خارجية بحيث لو توقفت تلك الدوافع لركد الكون وأسن، وتوقفت عقارب الساعة تبعا لتوقف العقل البشري من الإنتاج والتطور.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا وإمامنا محمد وآله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مسلم وأحمد في المسند عن النعمان بن بشير
[٢] رواه أحمد في مسنده.
[٣] رواه البخاري ومسلم.
стр. 11778
يا مسلمون ... عودوا إلى الإسلام
للدكتور محمد محمد الشريف
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
الإسلام هو دين الله جل وعلا الذي ارتضاه للعالمين وبه تمام النعمة وكمالها ودوامها قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ولئن قلنا إن أعظم نعمة أنعم الله بها على الناس، وأعظم نعمة تستوجب منا الشكر والتقدير والعرفان والمحافظة عليها: هي الإسلام، لكنا قد أصبنا عين الحقيقة.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ومن أجل ذلك أمرنا بالمحافظة على هذه النعمة وصيانتها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
ومن حافظ على هذه النعمة تولى الله جزاءه ومكافأته وأعظم له العطاء ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومن جاء بغير هذا الدين ضل سعيه وحبط عمله وخسر الخسارة الكبرى مهما بدا لنا منه من الخير والبر وحسن المعاملة وكريم الخلق قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقد يكافئه الله على هذا في الدنيا بكثرة المال، والولد، أو بالصحة، أو بالرفعة في الدنيا، وأما الآخرة فليس له فيها من نصيب.
стр. 11779
وقد شرع لنا هذا الدين رب العالمين العليم بخلقه الذي يعلم ما يسعدهم وما يشقيهم وما يصلح لهم وما لا يصلح، العليم بكل ما تحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وهو الحكيم الذي يحكم بالحق ويشرع لهم كل خير، وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وبعث رسله رحمة للناس وكان خاتمهم محمدا ﷺ رحمة للعالمين.
قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
стр. 11780
ولقد كان هذا الدين التام الكامل الشامل مستوعبا لجميع نواحي الحياة: فقد نظم حياة الفرد من ساعة أن يخرج من بطن أمه إلى أن ينتقل إلى ربه: وبين ما ينبغي للطفل إذا خرج من بطن أمه من عناية الوالدين به وتعهدهما له وبين أهم نواحي هذا التعهد وهو تربية الطفل على معاني الخير والحق والفضيلة، فأمر بإحسان الاختيار لأمه، وإحسان الاختيار لاسمه، وأمر أن يعلم حب الله وسروله ﷺ وحب القرآن الكريم. ثم إذا صار مميزا أمر بأن يعلم الصلاة ويعود عليها، ولا ريب أن الصلاة تعود النظافة والطهارة والاجتماع على الخير والحق، والمودة والمحبة والتعارف والطاعة، وتغرس قوة الإيمان، وحب الله ورسوله ﷺ ، وحب دين الله وحب المؤمنين. فإذا بلغ سن العاشرة وقارب البلوغ كانت العناية به أتم وأكمل، فيتأكد أمره بالصلاة وتعويده عليها، فإذا رؤى منه الترك والتهاون، ضرب ضربا غير مبرح، إلزاما له بالخير حتى يستقيم عليه. فإذا بلغ مبلغ الرجال سهل عليه تعود الصلاة والمحافظة عليها.. كذلك إذا بلغ العاشرة وقارب البلوغ وجب أن يعود على الفضيلة، وأن يمنع من الرذيلة، وأن يحال بينه وبين أسبابها، حتى إذا بلغ كان بعيدا عن الرذيلة ومتأبيا عليها. ولذلك أمرنا بالتفريق بين الأولاد في المضاجع عند بلوغ سن العاشرة.
стр. 11781
وقد أمر الإنسان البالغ بأنواع من العبادات كفيلة بأن تحفظ إيمانه وتزيده رسوخا وثباتا، وتملأ قلبه صلة بالله وحبا له وإقبالا عليه، وتملأ قلبه حبا لرسول الله ﷺ واتباعا له واقتداء بسنته، وتملأ قلبه كذلك حبا لعباد الله الصالحين، وتنشئ الصلة الطيبة والرابطة القوية بينه وبينهم: وأهم ما أمر به إقامة الصلاة وإخلاصها لله تعالى كل يوم خمس مرات موزعة على أول النهار وأوسطه وقبل غروب الشمس ومن أول الليل عند غروب الشمس وعند حلول الظلام وانتشار الليل حيث ينتهي الناس من يومه ويذهب إلى فراشه. وندب الإنسان إلى أنواع أخرى من الصلاة المسنونة: كالسنن التابعة للفريضة المسماة بالرواتب، وصلاة الضحى، وصلاة الوتر، وصلاة الليل، والصلوات التي تقتضيها الحاجة كصلاة الاستسقاء، والكسوف والحاجة، والاستخارة، وصلاة العيدين التي تجمع كل أبناء البلد في صعيد واحد حيث يكون التواد والتعاون على البر والتقوى وإكرام الفقراء والمساكين.
ولا يخفى علينا الآثار الكريمة والنتائج الطيبة التي تترتب على إحسان صوم رمضان، وعلى إيتاء الزكاة وعلى حج بيت الله الحرام وغير ذلك من العبادات المتنوعة.
стр. 11782
وقد اهتم الإسلام كذلك بالنواحي الأخلاقية والنواحي الاجتماعية والمعاملات التجارية والشئون الاقتصادية والسياسية. ولم يترك الإسلام أمرا يحتاجه الناس إلا بينه لهم وحثهم عليه وعرفهم به، ولم يترك شرا يضر الفرد والمجتمع إلا نبههم عليه وحذرهم منه، وذلك ليعيش الإنسان سعيدا في نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته، وحتى يكون آمنا على نفسه ودينه وعرضه وماله وأهله وولده، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ .
стр. 11783
إنه بحق دين الإصلاح الشامل، ودين التربية الكاملة، وهو مع ذلك دين الرحمة والرفق واليسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ .
وإذا تحقق للمسلمين حقيقة التمسك بدينهم ساد بينهم الحب والإخاء والسلام، وصاروا على قلب رجل واحد، وحسنت صلتهم بالله تعالى فكان الله وليهم يوفقهم ويسدد خطاهم، وصاروا قوة يحسب العالم لها حسابا، يقدرها الأصدقاء، ويهابها الأعداء. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . وما نَصْرُ الله إلا نَصْرُ دينه والتمسك بكتابه، والحفاظ على شريعته وإحياء سنة رسوله ﷺ ، والدعوة إلى الله على بصيرة والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته، والدفاع عن المستضعفين من المسلمين. ولا يتحقق نصر الله تعالى لمجرد الانتساب إلى الإسلام، بل لابد من حقيقة إقامة الدين والعمل به وتحكيمه وهيمنته على كل شيء لتكون كلمة الله هي العليا.
وهذه هي أسباب تحقق النصر من عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .
стр. 11784
ولو قلبنا صفحات التاريخ لتبينت لنا هذه الحقائق كاملة غير منقوصة. ولا يخفى على أحد حال الناس عموما والعرب خصوصا قبل الإسلام. وكيف كان الفساد والظلم والظلمات وكيف كان الضعف والتفرق والضياع وكيف تمكن منهم غيرهم. إلى أن جاء الإسلام ودخلوا في دين الله وتمسكوا بهذا الدين وحرصوا عليه وأحبوه حبا يفوق حبهم لأنفسهم وأولادهم وأهليهم وأموالهم. فغير الله حالهم إلى أحسن حال، وساد بينهم الحب والإخاء والعدل والأمن والسلام، وبسط الله لهم الرزق، وصاروا قوة يرهبها عدو الله وعدوهم، ومكن الله لهم في الأرض، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، فانهزمت أمامهم قوة الفرس والروم رغم قلة المسلمين وقلة أسلحتهم. لكنهم رغم قلتهم وقلة أسلحتهم كان معهم السلاح الحاسم الذي لا ينكسر أبدا هو سلاح الإيمان بالله، والاعتماد عليه، والانتصار لدينه وإعلاء كلمته. فلم يقف أمام ذلك السلاح قوة سلاح عدوهم المادي وكثرة أعدادهم ... ولم يقف الأمر بالمسلمين عند هذا الحد بل نشروا في هذه الأمم دين الله تعالى وأقبل الناس على دين الله ونشروا بين الناس العدل والإنصاف والمساواة والرحمة والإحسان.. ولقد مكن الله للمسلمين في الأرض، وعلموا الدنيا الحضارة الإسلامية المجيدة التي أنقذت الإنسانية من ظلمات الجهل والأباطيل وعبادة غير الله، وهدتهم إلى نور العلم والحقائق والتوحيد، وكشفوا للناس عن حقائق العلوم الحديثة، وسخروا هذه العلوم ومكتشفاتهم في سبيل الحق والخير، هذا في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات العصور الوسطى. ولم تنج أوروبا من هذه الظلمات إلا عندما اتجهت إلى المسلمين تستنير بما عندهم من معارف وتهتدي بما لديهم من علوم واكتشافات. ولذلك يعترف المنصفون منهم أن أوروبا مدينة في تقدمها العلمي للمسلمين.
стр. 11785
هذا قليل من معطيات هذا الدين الحنيف، وقليل من نتائجه البارزة التي ظهرت على أيدي المسلمين الصادقين. ثم خلف من بعد هؤلاء خلف أضاعوا هذا الدين واتبعوا الأهواء والشهوات، وأقبلوا على الدنيا وتركوا أمر الآخرة وراءهم ظهريا. وغلب هذا على الكثير إلا الذين داموا على حبهم للدين وتمسكهم به، وقليل ما هم. فتغير حال المسلمين وانتشر بينهم التنافس على الدنيا والحرص على شهواتها فكان التنازع والاختلاف والشقاق والخصام والعداء، وتقطعت ذات البين، وظهر الخوف، وضاع الأمن، وضرب الله قلوب الناس بعضهم ببعض، وتفرق المسلمون شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون. وكان الضعف الشديد الذي تمكن منهم، واستطاع الكافرون أن يستغلوا هذا الضعف لمصلحتهم، وتمكنوا من أرض المسلمين وثرواتهم وتحكموا في رقابهم. وصار حال المسلمين على ما نرى الآن. فهم مستضعفون ومضطهدون ومعذبون في كثير من البلاد حتى في البلاد ذات الكثرة المسلمة، وما حال المسلمين في لبنان، وفلسطين، وأفغانستان، والفليبين، والاتحاد السوفيتي والدول التي تدور في فلكه، ما حال هؤلاء وغيرهم عنا ببعيد. والسبب الحقيقي وراء ذلك كله هو ضعف المسلمين عموما لإضاعتهم للدين وإقبالهم على الدنيا وشهواتها.
ولا يصلح حال المسلمين اليوم إلا بما صلح به حالهم بالأمس. إنهم لم تصلحهم الدنيا ولا شهواتها، ولكن أصلحهم هذا الدين. فإذا أراد المسلمون أن يتغير حالهم إلى أحسن حال وإذا أرادوا أن يعودوا إلى سابق عزهم ومجدهم وسعادتهم فالطريق واضح أمامهم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
стр. 11786
فالعودة إلى دين الله الحكيم وشرعه القويم وصراطه المستقيم، كفيلة بأن تصلح الحال والمآل. ولا يصلح حال أحد ولن يصلح إلا بمراعاة شرع الله وتحكيم كتابه الكريم واتباع السنة الرشيدة المطهرة. وعلى كل فرد مسلم أن يبدأ بنفسه، وما الأمة المسلمة إلا مجموع أفراد إذا صلحوا صلحت. وعلى حكام المسلمين وولاة أمورهم من ملوك ورؤساء وأمراء على هؤلاء يقع العبء الأكبر والمسؤولية الأولى لأن الله سبحانه قد ملكهم زمام الأمر ووضع بين أيديهم مقاليد البلاد، يسمع لهم ويطاع، وتنفذ رغباتهم بمجرد الإشارة.
стр. 11787
وفي الحديث الصحيح: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"وأول الرعاة وأعظمهم أثرا هم الحكام، ولذلك كان الحاكم الصالح العادل له مكانته وشرفه عند الله تعالى لأن الخير الكثير يترتب على صلاحه وعدله فينتفع به العباد والبلاد. ولقد كان من أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (الإمام العادل) ولا يتحقق عدل الإمام إلا إذا أقام الدين وحكم شرع الله في أمور الدولة كلها. ومن أبرز مظاهر تحكيم الشرع المحافظة على أركان الدين وشعائره وحدوده. ولا يخفى ما يترتب على ذلك من الخير والفلاح والصلاح. والحكم بغير شرع الله جور وظلم وفساد وظلام وكم من شعوب مسلمة متدينة ترغب في إقامة حكم الله وشرعه وحدوده ويقف بعض الحكام حجر عثرة أمام هذه الرغبة الصادقة لأن ذلك يخالف أهواءهم وشهواتهم ومقاصدهم، ومن اعتقد أن شرع الله لا يصلح للحكم بين الناس فقد خرج من دين الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ومن اعتقد أن شرع الله يصلح للحكم لكنه ترك الحكم به من باب التقصير اتباعا لهواه أو خوفا من أفراد أو مراعاة لمصالحه مع دول كافرة فهذا من الكبائر وهو بهذا ظالم لنفسه ولشعبه عاص لأمر الله تعالى قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
стр. 11788
هذا وقد بدت تباشير صحوة المسلمين وتيقظهم بالعودة إلى دينهم، وفي ذلك الخير الكثير. وقد تعالى النداء من كل مكان بضرورة العودة إلى هذا الدين الحنيف وتطبيق شرائعه، ورائد ذلك في العصر الحديث هو المملكة العربية السعودية على يد مؤسسها الأول الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وعلى أيدي أبنائه من بعده. ويكفينا أن نعلم أن الملك عبد العزيز ﵀ وجد من العرب أشتاتا متفرقين متناحرين فجمعهم على كلمة الحق ورفع لواء التوحيد واستطاع بعون الله أن ينشئ دولة المملكة العربية السعودية، وأعلن أنها قائمة على دين الله وشرعه، متمسكة بكتاب الله وسنة نبيه الكريم وصدق قوله فصدقه الله. وبعد أن كانت قليلة الموارد والثروات، قليلة المال، ضيقة ذات اليد، إذا بالخير يتوالى عليها، ويكثر حتى تصبح أغنى دولة في العالم، وهي بحمد الله تستغل ذلك الخير لخدمة الدين ونشره والدعوة إليه وخدمة المسلمين في كل مكان.. وبعد أن كانت تعاني من الخوف وضياع الأمن، إذا بالأمن يرفرف على ربوعها ويشمل كل أنحائها، وصار الإنسان لا يخاف من أحد إلا الله، والذئب على غنمه فأطعم الله أهل هذه البلاد من جوع وآمنهم من خوف. وما ذلك إلا بفضل الله أولا ثم بإقامة شرع الله وتطبيق أحكامه وحدوده ثانيا. وقد ضربنا المثل بالمملكة العربية السعودية لأنها والحمد لله مازالت تنادي بأن شرفها وفخرها وعزها في تطبيق شرع الله، ومازالت ترعى هذا الدين وتبذل في سبيله الجهد والمال وتقرن هذا القول بالعمل، ومن ثم كانت أول دولة تحكم بالإسلام، وأول دولة يشعر فيها الجميع بالأمن التام، والطمأنينة الكاملة، وإن الجنود والسلاح والقوانين الأجنبية لا تحقق من ذلك شيئا مذكورا، وفي ذلك القدوة الحسنة لمن أراد أن يقتدي، وأسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، ويوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 11789
مشروع "اقرأ"
لتعليم اللغة العربية عن طريق القرآن
للشيخ أحمد فؤاد البشبيشي
خبير التعليم بالجامعة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد:
فإن أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
وفي الأيام الأولى لنزول الكتاب الكريم كان نزول آيات ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ فالأمر القرآني الأول أمر بالقراءة.
والأداة الأولى التي ورد ذكرها في الكتاب الكريم هي أداة الكتابة.
والكتابة كما يقول العلماء_ بدأت أولا ثم جاءت القراءة [١] .
ذلك لأن الكتابة وليدة الحس والرسم، والقراءة وليدة الإدراك والفهم.
والقراءة أشرف من الكتابة لأن سيد البشر كان قارئا ولم يكن كاتبا ولأن القراءة عملية حسية عقلية يشترك فيها اللسان والعقل والعين فهي إدراك بصري في الغالب ثم نطق لساني ثم فهم عقلي وربط بعد ذلك.
والكتابة وخصوصا في اللغات القديمة ومنها العربية يرتبط رسمها إلى حد كبير بنطق الحرف.
والقرآن الكريم من بين الكتب السماوية ومن بين كتب الدنيا كلها هو الذي جمع بين الاثنين، فهو قراءة محفوظة في الصدور، وكتابة مسجلة على السطور.
والقرآن مصدر على وزن فُعلان بالضم كالغفران.
وقد جاء استعمال كلمة القرآن بهذا المعنى المصدري قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ, ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
стр. 11790
ثم صارت الكلمة علما شخصيا لذلك الكتاب، وهذا هو الاستعمال الأغلب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
وروعي في كونه قرآنا كونه متلوا بالألسن [٢] .
كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام.
فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حق القرآن على المسلمين العناية بحفظه في موضعين السطور والصدور.
فلا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. والقراءة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في النطق.
والكتابة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في الخط، فمادة (ك ت ب) ومادة (ق ر أ) تدوران على معنى الجمع والضم.
ولقد خلد القرآن الكريم اللغة العربية وخدمها وهو سبب بقائها وانتشارها.
فمن ناحية التطوير:
كان الخط أو الكتابة المعروفة وقت بعثة النبي ﷺ هي كتابة أهل الحيرة، ولقد تعلمت قريش هذه الكتابة، وأول من نقلها سفيان بن أمية أو أخوه حرب بن أمية، وقد تطور الخط في صدر الإسلام إلى خط الجزم، ثم تطور مرة ثانية إلى الخط الإسلامي وهو ما يسمى بالخط الكوفي.
والخط الكوفي تأثر بالكتابة السريانية، فحروف الكتابتين متشابهة، والحروف المفصولة في العربية هي نفسها الحروف المفصولة في السريانية، وهي حروف الراء والواو والألف والدال، وكذلك يتشابهان في حذف الألف في لفظتي هذا وهؤلاء.
والكتابة في المدينة المنورة لم تتأخر في الظهور فيما عنها في مكة، فقد قيل إن يهوديا كان يعلم الصبيان الكتابة، وكان هؤلاء الصبيان هم كتبة الوحي لرسول الله ﷺ ، ومنهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورافع بن مالك، وأسيد بن حظير، ومعن بن عدي، وأبو عيد بن كثير، وبشير بن سعيد وغيرهم.
стр. 11791
وقد دخل الإسلام -كما يقول البلاذري- وفي قريش سبعة عشر رجلا يكتبون هم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة بن الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد، وعبد الله سعد بن أبي سرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان ومعاوية، وجهيم بن الصلت ﵃ أجمعين.
أما النساء اللائى كن يكتبن فهن:
شفاء بنت عبد العدوية، وهي من رهط عمر بن الخطاب ﵁ وقد تعلمت منها أم المؤمنين حفصة بنت عمر، وأم كلثوم بنت عتبة، وفروة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، أما عائشة أم المؤمنين ﵂ فكانت تقرأ المصحف ولا تكتب وكذا أم سلمة.
ولقد كان كتاب الوحي على عهد النبي ﷺ اثنين وأربعين كاتبا.
وكان أكثرهم في سن الشباب وكانوا يختارون من بين أجود الكتبة خطا وكتابة وكان لهم دور عظيم في النقل والرواية عن الرسول الكريم قرآنا وحديثا وتشريعا، كما كان لهم الدور الأول في جمع المصحف وكتابة المصحف الإمام أيام عثمان ﵁ كما كان لهم دور في نقل العلم وتأسيس مدارسه في مكة والمدينة ثم في غيرها من الأمصار ومن هؤلاء أبيّ بن كعب كاتب الوحي الجليل ﵁.
وكلنا يعرف أن رسول الله ﷺ قد قبل فداء بعض أسارى بدر لأنفسهم بأن يعلم كل واحد عشرة من المسلمين.
ولقد تطور المصحف الشريف بالكتابة العربية مما يجعلنا نقول إن الكتابة إسلامية أولا وهذا التطور قد أخذ الخطوات الآتية:
١_ المصحف الإمام: وهو مصحف سيدنا عثمان ﵁ ولا زال الرسم المعمول به هو رسم هذا المصحف الإمام إلى الآن.
٢_ الشكل: وهو ضبط الحروف وقد تم على يد أبي الأسود الدؤلي (ت ٦٩) .
стр. 11792
٣_ الإعجام: وهو إعجام الحروف أو نقطها أيام خلافة عبد الملك بن مروان بأمر من الحجاج لنصر بن عاصم (ت ٨٩) ثم جاء يحي بن يعمر سنة ١٢٩ فوضع الإعجام بنفس المداد [٣] .
٤_ قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بإبدال نقط الشكل التي وضعها أبو الأسود بجرات علوية وسفلية دلالة على الفتح والكسر.
والمصحف في كل هذه المراحل هو مركز الدائرة في كل مراحل تطور الكتابة العربية.
ومن ناحية الحفظ والانتشار:
كان القرآن الكريم هو الدرع الواقي للغة العربية ويكفي في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما كان انتشار المسلمين في كل مكان بالقرآن الكريم مكتوبا بأيديهم ومقروءا بألسنتهم ومحفوظا في صدورهم هو الذي ترك الساحة خالية للغة العربية فسقطت أمامه اليونانية اللاتينية والفارسية في مناطق كثيرة.
ومن ناحية الإثراء والقيمة:
فلا شك أن القرآن الكريم قد أثرى اللغة العربية ثراء عظيما بلغته وبيانه وتصويره وقصصه مما جعلها لغة تشريع وحضارة خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد تعددت في هذه الأيام أساليب التعلم ووجد ما يسمى بالتعليم الوظيفي وأخذت به كثير من الدول العربية والإسلامية والذي نعرضه هنا إنما هو البديل للتعليم الوظيفي.. ليس هذا فقط وإنما الأساس لتعلم اللغة العربية.
تعليم اللغة العربية عن طريق القرآن الكريم:
والدراسة التي نعرضها بدأناها باستعراض ما في القرآن الكريم من محصول لغوي. فالمصحف يجمع بين دفتيه ١١٤ سورة، ٦٢٦٣ آية، ٧٧٤٦٠ كلمة، ٣٢١٢٥٠ حرفا، ١٥٦٠٥١ نقطة.
وقد قمنا بحصر الحروف التي في نصف الجزء الأخير من القرآن من أول سورة الأعلى إلى نهاية سورة الفاتحة وذلك لتداول هذه الآيات وكثرة الحافظين لها وقصر فقراتها وقد تبين أن هذه السورة عددها ٢٩ سورة وأنها تشتمل على "١٠٠" سطر.
стр. 11793
وبعض الحروف كثر تكراره وهي الحروف التي تتكرر في الكتابة والقراء العادية.
والنوع الأول يحتاج من المعلم بهذه الطريقة والمتعلم بها أن يكثر المران عليها أكثر من الحروف الأخرى.
وقد وضعنا ذلك كله في جدول يمكن أن نأخذ منه الآتي:
أولا الحروف المكررة:
أ_ الهمزة والألف: وقد اعتبر حرفا واحدا وقد تكررتا ٥٠٣ مرة والهمزة من الحروف الحلقية وهي تخرج من أقصى الحلق مما يلي الصدر.
ب_ اللام: وقد تكررت ٤٩٩ مرة وهي من الحروف اللسانية السهلة لأنها تخرج من أدنى حافتي اللسان مما يلي طرفه من أصول الثنايا العليا.
ج_ النون: وقد تكررت ٢٩٨ مرة ومخرجها من تحت مخرج اللام.
د_ الميم: وقد تكررت ٢٧٢ مرة وهي أسهل الحروف الشفوية نطقا.
هـ_ الياء: وقد تكررت ٢١٨ مرة وتخرج من وسط اللسان.
و_ الواو: وقد تكررت ٢٠١ مرة وهي حرف شفوي تفتح الشفتان قليلا عند خروج الهواء.
ز_ التاء: وقد تكررت ٢٠٠ مرة وتخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا.
أما الحروف قليلة التكرار فهي:
أ_ الظاء: وقد تكررت مرتين فقط وهي حرف لثوي وتخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.
ب_ الزاي: وقد تكررت ٢٣ مرة وتخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.
ج_ الغين: وقد تكررت ٢٢ مرة وتخرج من أدنى الحلق مما يلي الفم.
د_ الضاد: وقد تكررت ٢٥ مرة وتخرج من حافة اللسان مع ما يليها من الأضراس العليا من الجهتين اليمنى واليسرى.
هـ_ الطاء: وقد تكررت ٢٧ مرة وتخرج من طرف اللسان مع مع ما يليه من أصول الثنايا العليا.
و_ الشين: وقد تكررت ٣٦ مرة وتخرج من وسط اللسان مع ما يليه من الحنك الأعلى.
стр. 11794
ثانيا: لو ألقينا نظرة على التحليل السابق لتبين أن أكثر الحروف استعمالا هي الهمزة والألف وذلك لسهولة النطق ويسر الكتابة فهي خط رأسي يمثل خط الهواء وهو يخرج من أقصى الحلق ... واللام وهي أكثر الحروف اللسانية استعمالا لأنها أسهل نطقا وهي حرف ايزاد عليها قوس في أسفلها واستعمالاتها في لفظ الجلالة ولفظ التعريف وبداية الأسماء كثيرة.
والنون مخرجها من نفس مخرج اللام.
ويمكن تعليل كثرة استعمالات النون والميم والياء والواو والتاء على أن كثرة هذه الحروف وتعدد مخارجها يتيح للسان والحلق وحركة الهواء والشفتين أن يؤدوا جميعا حركات منسجمة منظمة تتم بها أصوات الكلمات ومن ثم تعبر الكتابة بقدر الإمكان عن صورة هذه الأصوات.
وهناك حروف قليلة الاستعمال وقد تكون من نفس المخارج السابقة ولكنها من المواضع الأصعب كالضاد التي تخرج من موضع اللام والزاي التي تخرج من موضع السين.
والحروف المكررة كثيرة هي الأسهل في الكتابة وعكسها هو الأصعب.
والقاموس القرآني هو أحسن وأعظم وأصح قاموس لغوي يمكن أن يعتمد عليه من يتعلم القراءة والكتابة بل من يرتقي بأسلوب كتابته إلى الذروة.
لذا فإن المشروع –وإن لم يكن جديدا- يعتمد لحفظ المسلم لمعظم سور نصف الجزء الأخير وكله قصار سور، وإذا كانت عملية الحفظ متوافرة لدى المتعلم فإنه يستطيع بتكرار القراءة والكتابة لسورة من السور أن يتعلم كتابة وقراءة أكثر من حرف ... والبسملة وحدها تتكون من ١٩ حرفا.
٤ل ٣ا ٣م ٢ح ٢ر اب اس اهـ اي ١ن.
وكل حرف من هذه الحروف يتكرر في مواضعه المختلفة من الكلمة مرة أولها ومرة وسطها ومرة آخرها.
стр. 11795
وقد قلنا أن مجموع هذه السور "١٠٠" سطر فلنعد كراسة يتم تدوين سطرين في كل صفحة منها حتى يمكن للمتعلم أن يكتب على منوالها وأن تبدأ العملية بالحفظ ثم بالتكرار جملة جملة ثم كلمة كلمة إلى أن نصل إلى كتابة الحرف وحده ثم عودة إلى الكلمة ثم الجملة.
وإذا كانت فكرة التعليم الوظيفي من ربط التعليم بالعمل الوظيفي اليومي فإن ربط التعلم بالقرآن الكريم هو ربط بالحياة اليومية وربط بالإيمان والقيم، وفرق بلا شك بين كلام تلزم الإنسان به حياته العملية وبين كلام يعين عقله ويحفظه صدره يشرح به صدره ويتعبد به لسانه. أن أول الطريق خطوة وعلى الله قصد السبيل ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الموجز في الطرق التربوية للأستاذ محمد عطية الأبرشي.
[٢] النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز.
[٣] الخط العربي وتاريخه.
стр. 11796
حقوق الإنسان في الإسلام
بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
محاضر بكلية الحديث
(الباب السادس)
وقد جمعنا في هذا الباب المواد الآتية من إعلان حقوق الإنسان.
المادة الثالثة عشرة:
(أ) : لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.
(ب) : يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.
المادة الرابعة عشرة:
(أ) : لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد.
(ب) : لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية، أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.
المادة الخامسة عشرة:
(أ) : لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
(ب) : لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكارا لحقه في تغييرها.
ونبدأ فنقول: -إن كلمة الهجرة التي تشير إليها كلمات، (اللجوء، والتنقل، واختيار محل الإقامة، والهرب من الاضطهاد) أقول كل كلمات هذه المواد والتي تجمعها جميعا كلمة الهجرة من بلد إلى بلد للأسباب التي ذكرت ولغيرها من كل قصد عظيم، نحن المسلمين شيوخ هذا الأمر وأساطينه ومعلموه للدنيا كلها، فقرآننا مملوء زاخر بالأوامر القاطعة بالهجرة تارة، وبالترغيب فيها تارة، وبالثناء على الذين يفعلون ذلك تارة ثالثة، وبالحساب العسير في الآخرة للذين تركوها تارة رابعة.
стр. 11797
فمن نوع آيات الأمر بالهجرة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة﴾ أي هاجروا إليها، ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة﴾ أي هاجروا إليها.
ومن آيات الترغيب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
ومن آيات الثناء على أهل الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّه﴾ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ .
ومن آيات الحساب والعقاب على المتقاعس إن اضطر إلى الهجرة ولم يهاجر، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ وعكس ذلك نعم المثوبة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
стр. 11798
والرسول ﷺ وأصحابه هم أعظم من قاموا بأخطر وأجل الهجرات في التاريخ، فهجرتا الحبشة قبل الهجرة الكبرى كانتا من رجال ونساء من أكرم الصحابة والصحابيات على السواء، تمسكا بالحق الأعظم والتزاما بالدين الأقوم، وتحملوا في ذلك من وعثاء الأسفار وعناء الاغتراب ما تحملوا، حتى أتاهم النصر العظيم والفرج العميم بالهجرة الكبرى المحمدية، التي سادت كل هجرات الدنيا ولم يحك التاريخ لها نظيرا، فقد تحولت إلى إعصار عات لكل شرك وكفر تذروه من على سطح الأرض، وحولت الدياجير المظلمة إلى نور وضاء حمله الرسول أكبر مهاجر يحمل معه أكبر حق مصور أصدق تصوير في آية الهجرة هذه ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ الإسراء ٨٠، والمدخل الصدق هو البلد الذي هاجر إليه وهي المدينة التي أنيرت بالحق الذي حمله معه إليها، وسميت بالمدينة المنورة من يومها إلى الآن وإلى يوم القيامة، والمخرج الصدق في الآية هو البلد الأمين الذي هاجر منه مكة بلد الله الحرام، فهو ﷺ خرج من مكة بصدق التوحيد ودخل المدينة بالصدق نفسه، وبنفس هذا الصدق وخيره وعزته جعل الله له كما حكت الآية سلطانا نصيرا، قوة ومنعة أذل بها الجبابرة وقهر بها الأكاسرة والقياصرة، هو وأصحابه الذين تتبعوا الخطى وساروا على الأثر ... ثم نحن أيضا خير من هوجر إلينا، يقول كتابنا المعظم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ، حتى النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ﴾ وقصة الأنصار من أهل المدينة في لقائهم للمهاجرين علم الله أنها تستحق أن تخلد في أخلد كتاب بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 11799
تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .
وفي (زاد المعاد) : لما قدم رهط من أهل الحبشة إلى النبي ﷺ أكرم قدومهم وقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: "لا، إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين" ومن أجل سنين عصر النبوة، العام التاسع للهجرة، الذي جاء فيه من أنحاء الأرض إلى النبي ﷺ أكثر من ستين وفدا، ولهذا سمي بعام الوفود، وقد أحسن صلوات الله عليه معاملتهم جميعا حتى الكفار منهم، وكان في هذه الوفود وفد بني حنيفة يرأسه مسيلمة الكذاب نفسه، ولم يصبه أذى من الرسول ولا من أصحابه حتى عاد إلى بلاده وأبلغ مأمنه كما أمرتهم الآية السالفة الذكر، بل ومن هذه الوفود من جاء خصيصا لقتل الرسول ﷺ متظاهرين بالإسلام، ولم يقابل الرسول ذلك بالمثل حيث جاءوا إليه في بلده، فتولى الله تعالى الدفاع عنه بما حكى ابن إسحاق في المواهب للإمام القسطلاني شارح البخاري بقوله: وفد ﵊ بنو عامر فيهم بن الطفيل وأربد بن قيس وخالد بن جعفر وحيان بن أسلم، وكان هؤلاء النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد بن قيس: "إذ أقدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فلت ذلك فاعله بالسيف "، فكلم عامر رسول الله ﷺ وقال: "والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا"فلما ولّى قال ﵊: "اللهم أكفني عامر بن الطفيل" فلما خرجوا قال عامر لأربد: "ويحك، أين ما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ "، ولما كانوا ببعض الطريق، بعث الله تعالى على
стр. 11800
عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله، وزاد في صحيح البخاري أن عامرا أتى النبي ﷺ فقال: "أخيك بين ثلاث خصال، أن يكون لك أهل السهل ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء"، فطعن –أصيب بالطاعون- في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان؟ إيتوني بفرسي، فركب فمات على ظهر فرسه.
وسرنا على دمى الأحقاب نكرم اللاجئين إلينا ومن أرادوا الإقامة ولو كانوا غير مسلمين ماداموا لم يتحولوا إلى مقاتلين أو ضارين بالإسلام وأهله بصورة أو أخرى، فقد نص الفقهاء على أنه يجب على الإمام أن ينصر المستأمنين (والمعبر عنهم اليوم باللاجئين السياسيين) ما داموا في دار الإسلام، وأن ينصفهم الإمام ممن يظلمهم، وكذلك أهل الذمة لأنهم تحت ولايته ما داموا في دار الإسلام أيضا.
وفي خلافة عمر بن عبد العزيز أرسل إليه واليه في مصر يطلب منه الموافقة على عدم دخول أهل الجزية الإسلام فقد يكون ذلك هروبا من الجزية، لأن دخولهم أدى إلى نقص في إيراد بيت المال وقال لعمر بن عبد العزيز في رسالته: إن الإسلام أضر بالجزية، حتى لقد نقص عشرون ألف دينار من عطاء أهل الديوان، فكتب إليه هذا الخليفة الراشد بالرد الآتي: "أما بعد، فقد بلغني كتابك، فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا. (ذكر ذلك المقريزي في خططه) .
بل إن خالد بن الوليد ﵁ قد أمن غير المسلمين ضد الشيخوخة والمرض والفقر حين كان يزحف منتصرا باسم الإسلام، فقد كتب في معاهدة الصلح مع أهل الحيرة وكانوا نصارى، ما يلي:
"وجعلت لهم أيّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله ما أقاموا بدار الإسلام. بل ولتسمع رأي غيرنا فينا.
следующие страницы →