← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

١_ تكملة تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة للمحدث أحمد حسن الدهلوي من كتاب الزكاة إلى آخر الكتاب، والكتاب في أربعة أجزاء، والأول والثاني منها مطبوع، وقد عثر على الباقي العلامة المحقق الشيخ محمد عطا الله حنيف الفوجياني حفظه الله، إلا أن المخطوط فيه خرم ونقص، والكتاب تحت الطبع بتحقيق الفوجياني، وإكمال النقص الموجود فيه من المكتبة السلفية بلاهور، باكستان، يسر الله طبعه. ٢_ تخريج آيات الجامع الصحيح للبخاري ٣_ شرح سنن ابن ماجه (لبعض أجزائه) ، وقد حسنه شمس الحق العظيم آبادي. ٤_حاشية على نصب الراية للزيلعي. ٥_كشف الحجاب عما في البرهان العجاب: ترجمة أردية لكتاب الرهان العجاب في فرضية أم الكتاب للعلامة محمد بشير السهيواني مؤلف كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان. ٦_شرح مسند الإمام أحمد على تبويب المحدث عبد الحكيم النصير آبادي، طبع منه ستون صفحة بالقطع الكبير من جمعية أهل الحديث بدهلي، ثم توقف نشره لعوائق. ٧_ استدراك وتعقيب على ((الفتاوى الثنائية)) للعلامة ثناء الله الأمرتسري (رتبه الشيخ محمد داود الدهلوي في مجلدين كبيرين) . ٨_ برق إسلام في الرد على كتاب علم الحديث لأسلم الجيراجفوري الذي أنكر حجية السنة [٢٧] . والشيخ المحدث عبد الحق الملتاني: من كبار علماء عصره، وأحد تلاميذ السيد نذير حسين البارزين في علوم السنة، وله جهود مخلصة في نشر السنة والعقيدة الصحيحة، وكان يحرر الفتاوى عند شيخه السيد نذير حسين، وعدد كبير من فتاواه مطبوعة في ضمن ((الفتاوى النذيرية)) . هذه نبذة عن تلاميذ المحدث السيد حسين الدهلوي الذين اشتغلوا بخدمة علوم الحديث الشريف، وكان لجهودهم دور كبير في تنشيط حركة السنة النبوية في القرن.

стр. 11832

وقد أحسن من عدّ الإمام مجدد القرن الرابع عشر مجدد علوم الكتاب والسنة ومصلح هذه الأمة، وقد نفع الله بجهوده تلاميذه الأمة الإسلامية بما لا يعلمه إلا الله، وقضى الإمام المحدث حياته في الدعوة والإصلاح والإفتاء والتدريس التي تحتوي على أكثر من نصف قرن، وقد تتلمذ عليه واستجاز منه آلاف من علماء العالم الإسلامي، وقد ذكر أسماء خمسمائة منهم مؤلف الحياة بعد المماة في سيرة الإمام المجدد، وقال: "إن هذا الفهرس مختصر جدا، لأن عدد تلاميذه حسب ما قال لي الشيخ تلطف حسين والحافظ محمد حسين لا يقل عن عشرين ألفا وعدد الذين استفادوا من دعوته وتآليفه وتأثروا بمنهجه لا يقلون عن ثمانية ملايين، فإني سألت الشيخ تلطف حسين حينما سافرت إلى دهلي في سنة ١٩٠٣م فقلت له: إنك لازمت المحدث السد نذير حسين من خمسة وعشرين سنة، فهل قيدت أسماء تلاميذه في الفهرسة. فأفاد: إني حينما كنت مديرا لشئون تغذية الطلاب، قيدت أسماء تلاميذه في ثلاثة أعوام، فبلغوا اثني عشر ألفا، ثم تركت تقييدهم لكثرة أشغالي وأعمالي التجارية، ثم حينما التقيت بالشيخ الحافظ محمد حسين الضرير الفنجابي في ٢٠ فبراير سنة ١٩٠٣م فسألته عن عدد تلاميذه بدون أي إشارة إلى ما أفادني الشيخ تلطف حسين، فأفادني أنه حينما سافر إلى للدراسة فكان رقمه في دفتر تلاميذه (١٢٠٠٠) [٢٨] ، وقد مضى قول الأستاذ عبد الحي: نفع الله بعلومه خلقا كثيرا، من أهل العرب والعجم، وانتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند". وقول المحدث حسين بن محسن الأنصاري: إنه فرد زمانه ومسند وقته وأوانه ومن أجلّ علماء العصر بل لا ثاني له في إقليم الهند في علمه وحلمه وتقواه وأنه من الهادين والمرشدين إلى العلم بالكتاب والسنة والمعلمين لهما، بل أجل علماء هذا العصر المحققين في أرض الهند أكثرهم من تلامذته.

стр. 11833

هذا وفي الحلقات الآتية أذكر بعض تلاميذه من البلاد العربية ثم أردف بذكر علماء الحديث الذين أخذوا العلوم عن تلاميذ الإمام المحدث. وفقنا الله لإتمام هذه الحلقات، ولما يحب ويرضاه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] نزهة الخواطر ٧/ ٤١٧ وانظر أيضا لترجمته، (غاية المقصود) المقدمة، والحيات بعد المماة، وحضرت مولانا داود غزنوي (ص ٢٣٤) . [٢] انظر لترجمته: غاية المقصود (المقدمة) ، تذكرة علماني حال ٣٦، نزهة الخواطر ٨/٢١٨ ٢١٩، تاريخ أهل الحديث للعلامة إبراهيم مير السيالكوتي حضرت مولانا داود غزنوي ٢٣٢-٢٣٥، حياة شمس الحق وآثاره ٢٨٣-٢٨٤. [٣] انظر تاريخ أهل الحديث للسيالكوتي، وحضرت مولانا داود غزنوي. [٤] نفس المصدر السابق. [٥] تاريخ أهل الحديث، وحضرت مولانا داود الغزنوي. [٦] حضرة مولانا داود غزنوي لابنه البروفيسور أبي بكر. [٧] نزهة الخواطر ٨/١٧٨. [٨] انظر: الحياة بعد المماة، ونزهة الخواطر ٨/١٧٨، وتراجم علماء حديث الهند ١٥٧-١٥٨. [٩] نزهة الخواطر ٨/٣٦١. [١٠] انظر لترجمته: الحياة بعد المماة، ونزهة الخواطر ٨/٣٦٠-٣٦١. [١١] انظر لترجمته: جريدة أهل الحديث أمرتسر ١٧ أكتوبر سنة ١٩١٩م ونزهة الخواطر ٨/٣٣٣-٣٣٤ وحياة شمس الحق ولآثاره٢٢٣-٢٢٤. [١٢] علماء أهل حديث كي علمي خدمات ٦٠. [١٣] غاية المقصود (المقدمة) إتحاف النبيه (المقدمة) للفوجياني ٢٨، وأهل الحديث كي علمي خدمات. [١٤] انظر لترجمته: جريدة أهل حديث أمرتسر مجلد ١٦ عدد ١٣ ٣١ يناير سنة ١٩١٩م وتذكرة علمائي حال ٢٩ ونزهة الخواطر ٨ /١٥٩ -١٦٠، وتراجم علمائي حدين الهند.

стр. 11834

[١٥] انظر لترجمته: جريدة أهل الحديث أمرتسر ٣١ أكتوبر سنة ١٩١٩م، وتذكرة علمائي حال ٧٣، ونزهة الخواطر ٨ /٤٠٨ وحياة شمس الحق وآثاره ٣٠١ -٣٠٢. [١٦] عون المعبود ٤ /٥٥٢ والحياة بعد المماة ٣٤٤، وجريدة أهل حديث ٦ ديسمبر سنة ١٩١٨ م، وتذكرة عامائي حال ٣٠، ونزهة الخواطر ٨ /٩٤. [١٧] عون المعبود ٤ /٥٥٢، والحياة بعد المماة ٣٤٤، وجريدة أهل حديث ٦ ديسمبر سنة ١٩١٨ م، وتذكرة علمائي حال ٢٠، ونزهة الخواطر٨ /٩٤. [١٨] انظر لترجمته: الحياة بعد المماة ٣٤٤ -٣٤٥، ونزهة الخواطر٨ /٣٣٧ -٣٣٨، وحياة شمس الحق وآثاره ٢٨٩ -٢٩١. [١٩] انظر لترجمته: عون المعبود ٤ /٥٥٣، وحياة شمس الحق وآثاره ٣٠٢. [٢٠] عون المعبود ٤ /٥٥٣، وجريدة أهل حديث أمرتسر ٢ صفر سنة ١٣٥٢ هجري، وتذكرة علمائي حال ٩٩، ونزهة الخواطر ٨ /٥٢٦-٥٢٧، وحياة شمس الحق وآثاره ٣٠٢ -٣٠٤. [٢١] نزهة الجواطر٨ /١٥٣. [٢٢] جريدة أهل حديث أمرتسر مجلد ١٨ أكتوبر سنة ١٩٢١ م، ونزهة الخواطر ٨ /١٥٣ وأهل حديث كي علمي خدمات. [٢٣] نزهة الخواطر٨/٧٦. [٢٤] نزهة الخواطر ٨/٧٦. [٢٥] نزهة الخواطر (الجزء الأول، المقدمة) ، وتراجم علمائي حال ٤٠، وتراجم علمائي حديث هند، وحياة عبد الحي لابنه أبي الحسن علي الحسني الندوي. [٢٦] انظر: لترجمته: تراجم علمائي حديث هند، وهندوستان مين أهل حديث كي علمي خدمات. [٢٧] تراجم علماء حديث هند ١٧٢، وهندوستان مين أهل حديث كي علمي خدمات، والعجالة النافعة مع التعليقات الساطعة ١٠٧، وجريدة الاعتصام، لاهور ٤ أغسطس سنة ١٩٦١م، وحياة شمس الحق وآثاره، ومجلة برهان ٢ سبتمبر سنة ١٩٥٣م. [٢٨] الحياة بعد المماة (٣٥٤-٣٥٥) .

стр. 11835

من روائع الفتح الإسلامي فتوح الشام للدكتور محمد السيّد الوكيل وكيل كلية الحديث الشريف توطئة: كانت معركة اليرموك بابا انفتح بانفتاحه الطريق إلى بلاد الروم، كما كانت القادسية بالنسبة لبلاد الفرس، فكلتا المعركتين شجعتا المسلمين على الاستمرار في الفتح والغزو وقد تم النصر في المعركتين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – ضي الله عنه- فقد سبق القضاء بوفاة الخليفة أبي بكر – ﵁ قبل أن يحرز المسلمون النصر في معركة اليرموك وحمل البريد في ذهابه أسوأ نبأ سمعه المسلمون بعد وفاة رسول الله – ﷺ ألا وهو نبأ وفاة أبي بكر، كما حمل في إيابه نبأ عزى المسلمين في مصابهم، وسلاهم عن وفاة خليفتهم، ذلكم هو نبأ انتصار المسلمين في اليرموك. إن اليرموك حسنة في ميزان الخليفة الأول، فهو الذي عبأ لها، وهو الذي أمد جندها بالقائد المظفر، عبقري الحرب، خالد بن الوليد، فكيف لا يفرح المسلمون بالانتصار فيها؟ وكيف لا يتسلون بأنبائها عن وفاة الخليفة وهي ثمرة جهده، وثقل في ميزانه؟ وعاد البريد يحمل إلى الخليفة الثاني أنباء النصر، ففرح الخليفة به، وترضى عن أبي بكر، وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وأقر الأمراء الذين ولاهم أبو بكر على ما كانوا عليه في عهد سلفه الراحل، واستثنى منهم أميرين: أما الأول فخالد بن الوليد فقد عزله الخليفة عن إمرة الجيش، وضمه إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح بعد أن أسند إليه قيادة جيوش الروم، وأما الثاني فعمروا بن العاص وقد أمره الخليفة أن يعين الناس حتى إذا انتهوا من فتح دمشق وفحل تولى أمر الحرب في فلسطين.

стр. 11836

آل أمر جيوش الشام إلى قيادة أبي عبيدة، فأخبر أبو عبيدة خالدا بما أحدث أمير المؤمنين بعد انتهاء خالد من فتح دمشق، فقال خالد: يرحمك الله! ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال أبو عبيدة: كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن أخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوة في دينه ودنياه [١] . عزم أبو عبيدة –﵁ على مواصلة الزحف على بلاد الروم، ولكنه تردد، ولم يدر بماذا يبدأ؟ أيتوجه إلى دمشق؟ وحينئذ يكون قد ترك خلفه بفحل جيشا لجبا للروم يقدر بثمانين ألف مقاتل لا يأمن أن يبغته من ورائه. أم يتوجه إلى فحل، فهو يخشى أن يتجمع الروم بدمشق، ويقوي أمرهم، ولا يستطيع المسلمون فتحها إلا بجهد ومشقة وشدة، وحينئذ قطع هذا التردد، وأرسل إلى الخليفة يستشيره بأيهما يبدأ. ورد عليه الخليفة قائلا: أما بعد، فابدؤوا بدمشق، فانهدوا لها، فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تمون بازائهم في نحورهم، وأهل فلسطين وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذي نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل في دمشق من يمسك بها ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالأردن وفلسطين [٢] . فتح دمشق: بهذا الرد أنهى الخليفة تردد القائد، وأمن مخاوفه، حيث أمره يبدأ بدمشق لأنها عاصمة البلاد، وسقوط العاصمة يؤدي دائما إلى ضعف المقاومة في الأطراف وكثيرا ما تكون المقاومة بعد سقوط العاصمة من أجل الحصول على الأمان، أما استرداد العاصمة، أو إعادة مكانتها إليها فقلما يخطر ذلك على بال المقاومين، وإن حصل ذلك أحيانا فإنما يكون رمية من رام لظروف طرأت فغيرت مجرى الأوضاع.

стр. 11837

وأمن الخليفة خوف القائد مما يجد فحل حين أمره بإرسال خيل تقف بازائهم فتشغلهم بأنفسهم عن التفكير في مباغته المسلمين، ولم ينس الخليفة أهل حمص وأهل فلسطين وما بين أهل دمشق من علاقات تفرض عليهم مساعدة الدمشقيين فذكر القائد بذلك حتى لا يؤتي من قبل ما لا يتوقع. وصدع القائد بأمر الخليفة وعبأ جيشه، وتوجه به نحو دمشق، وقبل أن ينطلق بجيشه أرسل إلى فحل عشرة قواد، ومعهم جيش عظيم، وأمر عليهم عمارة بن مخشى الصحابي ووجه جيشا بقيادة علقمة بن حكيم ومسروق العكي ليشغل أهل فلسطين عن مساعدة دمشق، وبعث ذا الكلام في جيش ليحول بين أهل حمص وإمدادهم لأهل دمشق. واطمأن أبو عبيدة للخطة، فلم يعد هناك ما يشغله، ولا يهدد أمن الجيوش الزاحفة نحو دمشق، إن تلك الخطة قد قطعت كل أمل في مساعدة الدمشقيين، ولا شك أنهم سيقفون وحدهم في مواجهة المسلمين، وحينئذ لن يعجز المسلمين أمرهم وستكون الدائرة عليهم. لقد كانت فحل مصدر خطر عظيم حيث يعسكر فيها جيش قوامه ثمانون ألفا مدججون بالسلاح والعتاد، وهم على استعداد لنجدة قوات دمشق إذا اقتضى الأمر، ولكن عمارة بن مخشى وجيشه قد فاجئوا الجيش المدل بعدته وعتاده فسقط في يد الروم، وبثقوا المياه فأوحلت الأرض راجين أن يحول ذلك بينهم وبين الجيش الذي قدم لمحاصرتهم، واغتم المسلمون لتلك المكيدة الخبيثة ولم يدر قط بخلدهم أن الله –غز وجل- قد قضى أن يكون ذلك من أعظم أسباب نصرهم، ورابط الجيش في مكانه محاصرا جيش الروم بفحل من أرض الأردن.

стр. 11838

وكذلك كانت حمص مركزا رئيسيا لقوات الروم، وكان هرقل قد فر إليها بعد اليرموك حين علم بأن قوات المسلمين يستعدون لغزو دمشق، ولما حاصر المسلمون دمشق استغاث أهلها بهرقل، واستمدوه، ولم يخيب هرقل أملهم فيه، فأمدهم بجيش على خيل ليضمن وصول المدد في أسرع وقت، ولكن ذا الكلاع وجيشه قد رصدوا تحركاتهم، ووقفوا في وجه المدد، وحالوا بينه وبين الوصول إلى دمشق، فلم يتمكن المدد من الوصول، وظل أهل دمشق تحت رحمة جيش المسلمين. توجه أبو عبيدة بجيشه نحو دمشق، وكان الأمير يزيد بن أبي سفيان، فجعل خالدا على القلب، وأبا عبيدة وعمرا على المجنبتين، عياض بن غنم على الخيل، شرحبيل بن حسنة على الرجالة، فلما نزلوا الغوطة وجدوا دورها وبساتينها خاوية على عروشها، ليس بها ديار ولا نافخ نار، لقد فر القوم إلى دمشق ليحتموا بأسوارها المنيعة وحصونها الشامخة، فنزل المسلمون بها وسكنوا دورها واستمتعوا بخيرات بساتينها، وكان ذلك عونا لهم على محاصرة المدينة العتيدة. كانت أسوار دمشق ترتفع في الهواء ستة أمتار أو تزيد، وكان عرضها ثلاثة أمتار بل تزيد وأما حصونها فكانت شاهقة شامخة كثيرة الشرفات، وكان لأسوارها أبواب ضخمة ترد من يريدها بسوء، وأحيطت تلك الأسوار بخندق عرضه ثلاثة أمتار، تملؤه مياه بردى لتحمي المدينة من المهاجرين أو على الأقل تعوق مسيرتهم حتى يستعد حراس الأسوار للقاء الغزاة. ورغم كل ذلك أصر أبو عبيدة على محاصرة دمشق، وتقدم الجيش الظافر إلى دمشق، وكانت نشوة النصر في اليرموك لا تزال تهزه وتدفعه لطلب المزيد من النصر واشتغل القائد العظيم طرب الناس بنشوة النصر، كما استعان بشوقهم إلى رؤية دمشق التي كثيرا ما سمعوا عنها ما يشجعهم على التضحية لفتحها، وأصدر أبو عبيدة أمره بمحاصرة المدينة، وعين لكل فريق بابا من أبوابها الكثيرة المنتشرة في سورها الحصين. محاصرة دمشق:

стр. 11839

نزل أبو عبيدة على باب الجابية، ونزل عمرو بن العاص على باب توماء، ونزل شرحبيل بن حسنة على باب الفراديس، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب كيسان، ونزل خالد بن الوليد على بابها الشرقي [٣] . وعلم المسلمون أن الحصار سيطول، وبخاصة أن زمن الشتاء قد اقترب والبرد هناك يمزق الجلود، ويقطع الأوصال، وكان جيش الروم المحاصر في داخل العاصمة يعتمد على بردها القارص، وطقسها الذي لا يتحمله سكان جزيرة العرب الشديدة الحرارة، ولهذا ظل جيش دمشق معتصما بها رغم خيبة أمله في وصول إمدادات هرقل إليه، إن قادة الجيش وإن خاب أملهم في هرقل فلن يخيب في برد الشتاء ورده لهؤلاء الأعداء، فكم حاصر المدينة معتدون وكان الشتاء وحده كفيلا بطردهم وردهم على أعقابهم. استعد المسلمون لذلك كله فنصبوا المناجيق، وأعدوا الدبابات، فأما طول الحصار فلهم في بساتين الغوطة وأنهارها ما يكفل لهم حياة رغدة هنيئة، وأما شدة البرد فقد هيئوا أنفسهم بالصبر وقوة التحمل، وأما مناعة العاصمة فإن تشديد الحصار وتضييق الخنادق جديران بتحطيم معنويات المتحصنين بها، ولهم بعد ذلك وفوق ذلك كله تأييد الله – ونصره فما لهم لا يصبرون؟ بدأ المسلمون يهاجمون دمشق، ويضربونها بالمناجيق، ويقتربون من أسوارها بالدبابات، ولكن ذلك لم يغن شيئا، واستطاع جيش الروم أن يصبر لذلك ويرد هجمات المسلمين، ولكنه يخش الخروج إليهم، فلا تزال النهاية المؤلمة في معركة اليرموك عالقة بأذهانهم، وطال الحصار فعلا حتى بلغ ستة أشهر عند بعض المؤرخين، وانتهى فصل الشتاء، وخاب الأمل الوحيد الذي كانوا لا يشكون في عونه لهم، ووقوفه إلى جوارهم. وبدأ أهل دمشق يطلبون الصلح على لسان أسقف منهم [٤] ، وأجابهم المسلمون على أن يكون للمسلمين نصف ما بأيدي الروم من الأموال والأملاك، ولكن الروم ترددوا وأبوا [٥] . فتح دمشق:

стр. 11840

وظل الحال على ما هو عليه، المسلون يشددون الحصار، والروم لا يعرفون سبيلا للخروج من ذلك الحصار، حتى كانت ليلة استطاع خالد بن الوليد الذي كان يراقب الموقف بدقة وعناية فائقتين أن يعبر الخندق هو وجماعة من جيشه منهم القعقاع بن عمرو، ومذعور ابن عدي سباحة بالقرب نفخوها وعلقوها في أعناقهم، وتسلقوا السور الشاهق بالحبال والأوهاق، وانحدروا إلى داخل بالحبال نفسها، وكبروا فاجتمع المسلمون حول السور والباب، وعالج خالد ومن معه الباب بالسيوف ففتحوها بعد أن قتلوا البوابين، ودخل المسلمون المدينة عنوة، وذعر أهل دمشق فهرعوا إلى الأبواب الأخرى يطلبون الصلح فوافق المسلمون، وعقدوا معهم الصلح ما عدا خالدا فقد دخلها عنوة، والتقى القواد المسلمون في وسط المدينة عند كنيسة المقسلاط بالقرب من درب الريحان [٦] . يقول صاحب الفتوح: وهو موضع النحاسين بدمشق، وهو البريص الذي ذكره حسان ابن ثابت في شعره حين يقول: يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل [٧] والرواية هذه متفق عليها بين المؤرخين في فتح دمشق إلا من شذ منهم فقلب الكلام وعكس الوضع وادعى أن خالدا دخلها صلحا وأبا عبيدة أو يزيد دخلها عنوة. ولكن كيف عرف خالد بانشغال الروم في تلك الليلة حتى أقدم على اقتحام العاصمة؟ تجري الروايات بأن خالد كان يقظا مهتما بالأمر، وأنه كان لا ينام ولا يترك أحدا ممن معه ينام، وفي تلك الليلة لاحظ هدوء السور وخلوه من الحراس، فما أسباب ذلك؟ يقول الطبري وابن كثير وغيرهم: بأنه ولد للبطريق مولود فصنع لأهل دمشق طعاما اجتمعوا عليه، وأكلوا وشربوا وغفلوا عن واجبهم وشغلوا عن مواقفهم فلاحظ ذلك خالد فانتهز الفرصة وكان الاقتحام.

стр. 11841

ويقول البلاذري: "إن رجلا منهم أتى خالدا، وأخبره أن هناك هذه الليلة ليلة عيد لأهل المدينة، وأنهم في شغل، وأن الباب الشرقي قد ردم بالحجارة وترك وأشار عليه بأن يلتمس سلما، فأتاه قوم من أهل الدير الذي عند عسكره بسلمين فرقى جماعة من المسلمين عليهما إلى أعلا السور، ونزلوا إلى الباب وليس عليه إلا رجل أو رجلان، فتعاونوا عليه وفتحوه وذلك عند طلوع الشمس" [٨] . والروايتان تؤديان إلى نتيجة واحدة هي أن خالدا فتح دمشق من بابها الشرقي عنوة، وأن أهلها كانوا عنها غافلين، وأن خالدا استعمل في الوصول إلى غايته السلاليم سواء كانت من الحبال أم منن غيرها، وأنه غامر ودخل المدينة وهي مغلقة الأبواب وهو الذي فتحها لجيشه. ولكنهما تختلفان مع هذا في شيء آخر وهو أن خالدا في الرواية الأولى عرف انشغال الدمشقيين بفطنته ويقظته، وأن خالدا قد أعد الحبال والأوهاق [٩] ليستعملها عندما تحين الفرصة، وفي الرواية الثانية عرف انشغال الناس بواسطة واحد منهم، وأنه استعار السلاليم من أهل الدير القريب منه. والذي تميل إليه النفس هو الرواية الثانية، فقد حدث ذلك كثيرا في البلاد التي فتحها المسلمون بعد أن استعصت عليهم، وبخاصة وأن الروم كانوا قد ظلموا الرعية، وأرهقوا الناس بالضرائب الباهظة، وكان الناس قد ملوهم وملوا حكمهم، وضاقوا بأساليب ظلمهم، وقد حدث ذلك فعلا عند فتح الإسكندرية. وإلا فإن هدوء السور وخلوه من الحراس لا يدلان على انشغال الناس فقد يكون ذلك مكيدة للتغرير بالمسلمين وإيقاعهم في حبائلهم، ومثل ذلك لا يغيب عن فطنة خالد العبقري، ولا يعزب عن ذهنه.

стр. 11842

والرواية الثانية على ما هي عليه لا تقلل من عبقرية خالد العسكرية، ولا تهون شأن الدور الذي قام به خالد في فتح المدينة الحصينة، بل إنها لتعطي إلى جانب القدرة العسكرية الفائقة حنكة سياسية بارعة، حيث استطاع خالد –﵁ أن يكسب عطف الناس، ويستميل قلوبهم إليه حتى انتهز ذلك الرجل انشغال الناس بعيدهم، وقصد خالدا، وأخبره بما عليه أهل دمشق وأغراه بالفتح. فبينما نرى خالدا سياسيا بارعا أقام علاقات حسنة مع أحد الأساقفة، وكسب عطف الناس واستمال قلوبهم، نراه هو وأصحابه وقد نفخوا القرب، وعلقوها في أعناقهم، وعبروا بها الخندق المحيط بالسور، ولا يكاد يعبر حتى ينصب السلاليم ويرقى عليها ثم يستعملها في الهبوط إلى داخل المدينة، وصيحات التكبير تملأ الفضاء، ويقتل الحراس، وينشر الرعب في أنحاء العاصمة الحالمة الوديعة التي كان أهلها بالأمس يلهون آمنين. إنها حنكة خالد السياسية شدت أزر عبقريته الحربية فكانت الثمرة فتح دمشق العتيدة الحصينة، ما أروع الحنكة السياسية حين تتعاون مع الخبرة العسكرية، وأعظم من ذلك وأروع أن تجتمع الصفتان في رجل واحد قادر على استخدامهما متى شاء لا حين تجبره الظروف وتضطره الأوضاع. كان فتح دمشق عند بعض المؤرخين بعد اليرموك وفي السنة نفسها بعد حصار دام سبعين يوما أو أربعة أشهر أو ستة أشهر، وكان ذلك كله ولم تخرج سنة ثلاث عشرة للهجرة النبوية، والرأي الذي رجحه ابن كثير هو أنه فتحت في رجب سنة ١٤ هـ وقال: "هو رأي الجمهور" [١٠] .

стр. 11843

واتفاق المؤرخين على أن دمشق وإن كان بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا إلا أنه قد أجرى عليها جميعا حكم الصلح، وكان الصلح عند أكثر المؤرخين على المقاسمة أي أن المسلمين قاسموا سكان دمشق كل ما كان في أيديهم حتى الكنائس، وكان عددها خمس عشرة كنيسة أخذ المسلمون منها سبعة وقاسموهم أكبر الكنائس وأضخمها كنيسة القديس يوحنا المعمدان [١١] ، فأخذ المسلمون نصفها وجعلوه مسجدا وتركوا لهم نصفها الغربي كنيسة يقيمون فيها شعائرهم [١٢] ، وقد أخذ الوليد بن عبد الملك منهم النصف الذي بأيديهم وأدخله في المسجد المعروف بالمسجد الأموي اليوم [١٣] . وتضمن هذا الصلح فرض الجزية على سكان دمشق، وقد جعلها أبو عبيدة دينارا على كل رأس وشيئا من الحنطة والزيت والخل يقتات به المسلمون، وكتب أبو عبيدة بذلك إلى عمر بن الخطاب –﵁ فكأن عمر لم يرض بذلك بل نظر إلى طبقات الناس واختلافهم في اليسار وعدمه [١٤] ، كما فرضها على الذكور البالغين القادرين على تأديتها دون غيرهم [١٥] . روى البلاذري أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يضربوا الجزية على كل من جرت عليه الموس، وأن يجعلوها على أهل الورق أربعين درهما، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، وعليهم من أرزاق المسلمين مدان من حنطة، وثلاثة أقساط زيتا، وجعل عليهم ودكا وعسلا [١٦] المسلمون في دمشق: استقر الأمن للمسلمين في دمشق، وطاب لهم فيها المقام، فعاشوا بين قصور وأنهار وورود وأزهار، ونظر أبو عبيدة فإذا كثير من أهل دمشق يتركون بيوتهم ويفرون إلى إنطاكية، حيث يقيم هرقل، ورأى المسلمين يسكنون هذه الدور، وينعمون بتلك القصور فخاف أن يخلدوا إلى الدعة والنعيم، وأن ينسوا من خلفوا وراءهم من المقاتلين فذكرهم بهم حين عمد إلى قسم الغنائم، فقسم معهم لذي الكلاع وجنوده، ولأبي الأعور ورجاله، ولبشير ومن معه، كما قسم للجنود الذي يحاصرون فحلا.

стр. 11844

وبهذا يمون أبو عبيدة –﵁ قد ذكر المسلمين بإخوانهم الذين دفعوا عنهم، وينتظرونهم ليكملوا معهم المشوار الذي بدءوه. وأما هذه الدور وتلك القصور التي تركها أهلها وفروا منها، فلا ينبغي أن تشغلهم عن مسيرة الجهاد في سبيل الله حتى لا يحل بهم ما أحل بأهلها الذين فروا منها إلى غير رجعة، وليكن للمسلمين فيهم عبرة فالسعيد من وعظ بغيره. هرقل يودع دمشق: وأما هرقل إمبراطور الروم، وصاحب البلاد، فكان كلما سمع بانتصار المسلمين يبتعد عن الموطن الذي فتحوه، وظل يفر من بلد إلى بلد، وينتقل من مكان إلى مكان يطلب النجاة، وينتظر الفرج، حتى سقطت دمشق. ثم حمص وقنسرين في أيدي المسلمين حينئذ فر هرقل إلى القسطنطينية، وأشرف على نشز من الأرض والتفت إلى الشام وقال: "السلام عليك يا سورية سلام لا اجتماع بعده" [١٧] . ويقول أبو جعفر: "لما فصل هرقل من شمشاط وأخلا الروم التفت إلى سورية فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا [١٨] . وكتب أبو عبيدة بالفتح إلى الخليفة فسر به، وكتب إلى أبي عبيدة أن اصرف جند العراق إلى العراق، فأخرج أبو عبيدة جند العراق، وهم الذين قدموا مع خالد بن الوليد، وأمّر عليهم هاشم بن عتبة المرقال، وعوضه عمن قتل منهم، وأمرهم بالسير واللحوق بسعد بن أبي وقاص، وخرج هو وبقية الأمراء متجهين إلى فحل [١٩] . من دمشق إلى فحل:

стр. 11845

لا يزال القواد العشرة الذين أرسلهم أبو عبيدة لمحاصرة فحل مرابطين عندها وكلما هم المسلمون بغزو المدينة حال الوحل بينهم وبين ما يريدون، ذلك لأن جيش الروم لما علم بقدوم جيش المسلمين إليهم فزعوا أشد الفزع، وفكروا كيف يدفعون هذا الموت الزاحف عليهم؟ فبثقوا مياه نهر الأردن ومياه بحيرة طبرية فغرقت الأرض بالمياه، وكانت الأرض سبخة فتحول ترابها إلى وحل وطين لم يتمكن الجيش بسببه من اقتحام المدينة. وكان أبو عبيدة قد انتهى من دمشق، وعقد الصلح مع أهلها، ونظر فإذا هرقل يحرض الناس عليهم، والروم يجتمعون حوله في إنطاكية، وفكر القائد ماذا يصنع؟ أيذهب إلى هرقل ليقضي عليه، ويريح المسلمين من تحريضه وشره؟ أم يذهب إلى فحل ليؤمن ظهر الناس، وتصير الشام بعدها سلما للمسلمين؟ وسرعان ما تذكر أبو عبيدة رسالة الخليفة وأمره بالتوجه إلى فحل بعد فتح دمشق فلم يعد هناك مجال للتردد والتفكير، فليذهب أبو عبيدة وجيشه إلى فحل، وليكن من أمر هرقل بعد ذلك ما يكون. استعد أبو عبيدة للمسير إلى فحل، وخلّف يزيد بن أبي سفيان في خيله على دمشق حتى لا تنتقض أو ترتد، وتقلب للمسلمين ظهر المجن. وكان شرحبيل بن حسنة هو أمير الجيش حسبما وصى الخليفة، ورتب شرحبيل جيشه، فجعل خالدا على المقدمة، وأبا عبيدة وعمرا على المجنبتين، وضرار بن لأزور على الخيل، عياض بن غنم على الرجل [٢٠] . سار الجيش على بركة الله، يحده أمل كبير في فتح هذه البلاد حتى تهدأ بلاد الشام كلها، ويصبح فيها المسلمون آمنين، واتجه شرحبيل بجيشه نحو الجنوب حتى انتهى إلى الجيش المحاصر وعليه أبو الأعور السلمي، فوجده وقد حال الوحل والماء بينه وبين جيش الروم.

стр. 11846

وأراد شرحبيل أن يحرك الجيش الذي حاصر فحل تلك الفترة الطويلة دون أن يستطيع فتحها ليجدد نشاطه، ويحفزه للعمل بعد طول توقف فبعثه إلى طبرية فخرج أبو الأعور السلمي بجيشه متوجها إلى الشمال حيث تكون طبرية. ونزل شرحبيل بجيشه الذي ضم خيرة قواد المسلمين على فحل، فوجد الأرض لا زالت غارقة بالوحل والماء، وبحث المسلمون حولهم فوجدوا أنفسهم بأطيب مقام، الأرض خصبة، والخيرات كثيرة، والعيش رغد، والروم محصورون لا يصلهم مدد ولا يسعفهم عون، فلماذا يتعجلون؟ وكتب القائد إلى الخليفة يخبره بموقف الجيش، ذلك لأن عمر –﵁ كان يوصي القواد دائما بالكتابة له بكل ما يكون عليه الجيش حتى يكون بقلبه وروحه دائما مع المجاهدين وما كان يحب أن يخفى عليه شيء من أحوالهم، ولم يكن هناك ما يدعو للعجلة فأقام الجيش حتى يأتيه أمر الخليفة. مغامرة يائسة: رأى سقلاّر قائد جيش الروم وجوها جديدة تحاصر المكان، ورأى في تصرفاتهم عدم الاكتراث بطول الحصار، فتأكد أن القوم جادون في حصارهم، وأنهم لن يبرحوا الأرض –مهما طال وقوفهم- حتى يفتحوها، فماذا يفعل؟ وكيف يتصرف؟؟ لقد كانت هزيمتهم في اليرموك لا زالت تقض مضاجعهم، وتفت في أعضادهم ثم بلغتهم أخبار دمشق ذات الحصون والأسوار فزادت في فزعهم واضطرابهم وهاهي ذي الأنباء تترى بأن هرقل يتأهب لمغادرة بلاد الشام إلى غير رجعة. لم يكن أمام جيش الروم إزاء تلك الأحداث الجسام، وبعد تلك المواقف المفزعة إلا أن يغامر بخوض معركة مع المسلمين وليكن الموت فهو على كل حال خير من الأسر وإن كان مشوبا بعار الهزيمة.

стр. 11847

عزم سقلار على مباغتة المسلمين وتبييتهم، فأرسل فرقة من جنوده ليكتشفوا له من خلال الوحل طريقا بها يهاجم منه المسلمين، معتقدا أنه سيأخذهم على غرة وهم نائمون، ولكن شرحبيل قائد قوات المسلمين كان دائما على استعداد، لأنه كان يتوقع أن يهاجمه الروم في أي لحظة، ولهذا فإنه كان يمسي ويصبح على تعبئة وجيشه في غاية اليقظة والحذر. وتخير سقلار بن مخراق القائد اليائس ليلة ليبيت فيها المسلمين، فلما جن الليل عبر تحت ستار ظلامه ذلك المكان الوحل إلى حيث يعسكر المسلمون، وهو مطمئن تماما إلى غفلة المسلمين وعدم انتباههم له، ولكنه لم يكد يواجه الجيش الإسلامي حتى فوجئ باستعدادهم لملاقاته، وخاب أمله في كل ما كان يتوقعه من غفلة المسلمين وعدم انتباههم، فلم يكن بد من المعركة. وتلقاه شرحبيل هو وجنوده، فقاتلوا أشد القتال، وقاوموا أعنف مقاومة أعادت إلى أذهان الروم استبسال المسلمين في معركة اليرموك، واستبسل الروم في القتال فلم تكن لهم رغبة في الحياة بعد قتلى اليرموك واستسلام دمشق وفرار هرقل. واستمرت المعركة بتلك الشراسة طول الليلة التي هاجم فيها سقلار، وتنفس الصبح والقتال لا يزال مستمر الأوار، والموت يتخطف الناس من كل جانب، وأيقن المسلمون أن ما بين النصر والهزيمة هو صبر ساعة فصبروا محتسبين، وانتصف النهار والمعركة تزداد شراسة وفتكا، وتحمس المسلمون فبعد الزوال ينزل نصر الله كما علمهم رسول الله ﷺ وازدادت ثقتهم بهزيمة عدوهم فقد بدا على جيش الروم إعياء شديد، ولولا تشبث النفس الإنسانية بالحياة لألقوا بأيديهم منذ الجولة الأولى. اللحظة الحاسمة:

стр. 11848

ولمس خالد بن الوليد وضرار بن الأزور ما أصاب جيش الروم من الفشل والوهن فشدا عليه شدة حطمت معنوياته، وأحدثت فيه من الخلل والاضطراب ما لم يعد في الإمكان تلافيه، وأقبل الليل بظلامه المخيف وسيوف المسلمين تنهبهم نهبا، فتزلزلت قلوبهم في صدورهم، واضطربت مع شدة الضربات صفوفهم، فحسبوا الليل فرصة للهروب من سيوف المسلمين فانهزموا حيارى خائفين، فضلوا الطريق، وأسلمتهم الهزيمة إلى الوحل الذي صنعوه بأيديهم لينع عنهم زحف المسلمين وقتل سقلار ورديفه نسطورس، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه [٢١] . ولحق بهم المسلمون وقد حال الوحل بينهم وبين الفرار، فتناولوهم بأطراف الرماح وقتلوا منهم ثمانين ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد، وهكذا بدأت الهزيمة في فحل، ووقع القتل في الرداغ [٢٢] إن تنصروا الله ينصركم: وهكذا بدت للمسلمين آيات الله تعالى فقد كان سبحانه يهيئ لهم أسباب النصر في شيء كرهوه وبرموا به، لقد كان انبثاق الماء، وتوحل الأرض مكيدة اتخذها الروم ليعوقوا تقدم جيش المسلمين، وأراد الله أن يكون الماء والوحل سببا في انتصارهم وهزيمة عدوهم ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال الآية ٣٠) . فانقلبت المكيدة على من اتخذها، وكانت عونا للمسلمين على عدوهم، وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجدا [٢٣] . وغنم المسلمون من الروم في تلك المعركة مغانم لم يقدرها المؤرخون، فاقتسموها بينهم، واطمأنت نفوسهم إلى موعود الله لهم، وانصرف أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص تنفيذا لأمر الخليفة، وصحبا معهما سمير بن كعب وذا الكلاع الحميري ومن معه وخلفا شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ليتمما فتح الأردن وفلسطين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] ابن كثير ٧/٣٢٠. [٢] الطبري ٣/٤٣٧-٤٣٨.

стр. 11849

[٣] هيكل: الفاروق عمر ١/١٢٨. [٤] البلاذري ص١٢٨. [٥] الطبري ٣/٤٤٠. [٦] ابن كثير ٧/٢٠. [٧] البلاذري ص١٢٨. [٨] البلاذري ص١٢٨. [٩] الأوهاق: الحبال في أطرافها عقد تطرح على الشيء فتمسك به. [١٠] ابن كثير ٧/٢٢. [١١] الفاروق عمر/هيكل ١/١٣٣. [١٢] ابن كثير ٧/٢١. [١٣] البلاذري ص١٣٢. [١٤] نفسه ص١٣٢. [١٥] أبو يوسف ص١٣٢. [١٦] البلاذري ص١٣١. [١٧] ابن كثير ٢/٤٩٤. [١٨] الطبري ٣/٦٠٣. [١٩] ابن الأثير ٢/٤٢٩. [٢٠] الطبري ٣/٤٤٢. [٢١] الطبري ٣/٤٤٣ وابن كثير ٢/٤٣٠. [٢٢] ابن الأثير ٢/٤٣٠ والرداغ الطين والوحل. [٢٣] الطبري ٣/٤٤٣.

стр. 11850

من نماذج الدعاة الصالحين الإمام أحمد بن حنبل الشيخ أبو بكر الجزائري رئيس قسم التفسير بالجامعة لما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى علما من أعلام الدعوة الإسلامية جعلناه الحلقة الأولى في السلسلة الثالثة من سلاسل ثلاث لنماذج من الدعاة الصالحين. نسبته: فمن هو الإمام أحمد؟ إنه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال العربي العدناني، إمام الفقه والحديث يكنى بأبي عبد الله الشيباني قدم به أبوه من مرو، حملا في بطن أمه فهو مروزي، وولد ببغداد ونشأ بها فهو بغدادي. الكمال الأحمدي إننا إذ نستعرض حياة الرجل العظيم إنما نهدف دائما إلى مكان الإئتساء فيها، فلذا لا نعمد غالبا إلى ذكر الكمالات الوهبية في الرجل العظيم، لأنها محض هبة الله لمن يشاء من عباده، وإنما نعرض للكمالات النفسية الكسبية إذ هي محط الإئتساب ومجال الاقتداء وهكذا فعلنا في استعراضنا لحياة من قدمنا من نماذج الدعاة الصالحين. وكذلك نفعل مع من سنذكر في هذه السلسلة الأخيرة، فلا نستعرض من حياة الداعية المثالي إلا ما كان فيه مجال للقدوة والائتساء وذلك كالعلم والجد في طلبه، والحلم والتفوق فيه، كالورع والزهد، والصبر والثبات والكرم والسخاء والصدق والوفاء. ومن الكمال الأحمدي الذي نستعرضه طلبا للأسوة فيه: العلم وقوة الحجة فيه والورع والزهد والصبر على المكاره، والثبات على المبدأ، والربانية التي هي أهم الكمالات النفسية. علمه وقوة حجته فيه:

стр. 11851

وعن علم الإمام أحمد نقول: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني قد طلب العلم طلبا عاديا فلم يطلب الحديث ولم يجلس بين يدي رجاله إلا بعد أن بلغ السادسة عشرة من عمره كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين له. غير أنه فارق دياره ورحل في طلب الحديث والفقه في فجاج البلاد طولا وعرضا، ورحل إلى اليمن ماشيا على قدميه، لقلة ذات يديه. وأقام بها زهاء العامين يطلب الحديث من رجالها كعبد الرزاق صاحب المصنف ونالته في ذلك مشقة كبيرة ظهرت على جسمه وصحته العامة ولما وصل مكة وقيل له أجهدت نفسك يا أبا عبد الله قال ﵀: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق كتبنا عنه حديث الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. كما روى الحديث عن يحي بن معين وإسحاق بن راهوية، والشافعي رحمهم الله تعالى. وقد دعاه إلى زيارة مصر فلم يقدر لعجزه المادي. ولما التقى به في رحلته الثانية إلى بغداد قال له: يا أبا عبد الله إذا صح الحديث عندك فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا، أو عراقيا أو يمنيا. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إن في قول الشافعي هذا لأحمد لإجلالا كثيرا وشهادة في العلم عظيمة. وحسب الإمام شهادة مسنده الذي خرجه من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف وجمع فيه من الحديث ما كاد يحوي الكتب الستة إلا قليلا، وقال ولده عبد الله كان أبي يحفظ ألف ألف حديث أي مليون حديث. وهاهي ذي شهادات العلماء له بالعلم والسعة فيه، والفضل والكمال لديه قال الإمام الشافعي خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال البخاري لما ضُرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة.

стр. 11852

وقال أبو عمر النحاس وقد ذكر أحمد يوما في الدين: ما كان أبصره وعن الدنيا ما كان أصبره! وفي الزهد ما كان أخيره! وبالصالحين ما كان ألحقه وبالماضين ما كان أشبهه! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها! وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. وقال يحي بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثا وكان حافظا، وكان عالما ورعا، وكان زاهدا وكان عاقلا. وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه. يعني أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى أجمعين. أما عن قوة حجته في علمه: فحسبنا للكشف عنها وإثباتها أن نورد بعض ما كان يرد به على أسئلة المبتدعة المبطلين من المعتزلة المارقين في مجلس الامتحان أيام المحنة. قال المعتصم ناظره يا عبد الرحمن كلمه فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيب ويسأل عبد الرحمن قائلا ما تقول في علم الله؟ فلم يجب عبد الرحمن المعتزلي، فيقول أحمد: إن القرآن من عند الله فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن علم الله مخلوق، ومن قال بذلك فقد كفر..... فقال المعتزلي: إن الله كان في الأزل ولم يكن معه القرآن. فيقول أحمد: لقد قلت إن القرآن من علم الله، فإذا قال قائل كان الله ولا قرآن معه فكأنه قال: كان الله ولا علم له. المعتزلي: هو ضال مبتدع يا أمير المؤمنين. الإمام: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو بسنة من سنن رسول الله ﷺ حتى أجيبهم إليها المعتزلي: فأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله وسنة رسوله؟ الإمام أحمد: وهل يقوم الإسلام إلا بهما. المعتزلي: إن الله يقول ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن شيء فهو إذا مخلوق!

стр. 11853

الإمام: إن هذه الآية عامة أريد بها الخصوص لا العموم كقوله تعالى عن الريح التي أهلك بها قوم هود: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فهل دمرت كل شيء حقا، أو أنها لم تدمر إلا ما أراد الله.. المعتزلي: ويقول إن الله تعالى يقول: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ فهل يكون محدثا إلا المخلوق؟ الإمام: إن الذكر هو في القرآن جاء في قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فهو هنا معرف بالألف واللام، وفي الآية الأولى بدون الألف واللام فهذه غير تلك. المعتزلي: إن عمران بن معين يروي عن رسول الله ﷺ قوله "إن الله خلق الذكر.." وفي ذلك تقرير من النبي ﷺ بأن القرآن مخلوق. الإمام: أخطأت فالرواية التي رويناها عن عمران وغيره من ثقلت أهل الحديث هي "أن الله كتب الذكر" المعتزلي: أليس رسول الله ﷺ يقول: "تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء هو أحب إليه من كلامه! " أحمد: بلى، فلا روي ذلك عن رسول الله ﷺ . المعتزلي: إن فيه دليل على أن القرآن مخلوق! أحمد: لست أجد فيه هذا الدليل! المعتزلي: إذا قرأت القرآن لتتقرب به إلى الله تعالى أليست كلمات مؤلفة من حروف وأصوات، وهل يتألف من حروف وأصوات إلا الكلام المخلوق فهل نجد لك مفرا بعد إذ أمرنا الرسول ﷺ أن نتقرب إلى الله بتلك الألفاظ إلا أن تسلم بأن القرآن مخلوق! الإمام: القرآن كلام الله قديم غير مخلوق، وأما أفعالنا فيه إذا كتبناه أو تلفظنا به فهي مخلوقه ورسول الله ﷺ يقول زينوا القرآن بأصواتكم، فالقرآن إذا غير أصواتنا المخلوقة التي نزينه بها. الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ.

стр. 11854

المعتزلي: إن تشبثك بأن القرآن كلام الله غير مخلوق معناه أنك تنسب إلى الله تعالى جوارح يتكلم بها كالمخلوقين وتشبيه الخالق بالمخلقات كفر! الإمام: هو أحد صمد لم يلد ولم يولد، لا عدل له ولا شبيه وهو كما وصف نفسه. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن الله كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة، وثلاثة عشرة كلمة فكان الكلام من الله والاستماع من موسى، فقال موسى أي رب أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال الله تعالى يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك"، فهذا ما يخبر به رسول الله ﷺ عن ربه، وأنا ما أقول إلا ما يقول رسول الله ﷺ . المعتزلي: كذبت على رسول الله ﷺ . أحمد: إن يك هذا كذبا مني على رسول الله ﷺ ، فقد قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ . وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فهو قول منه وليس خلقا من خلال هذا الحوار الذي دار بين المعتزلة الخصوم، تتجلى لنا حقيقة أن أحمد بن حنبل كان قوي الحجة وذلك ما رمناه من عرض هذا الجزء من المناظرة التي دامت أياما بين الإمام وخصومه وانتصر فيها حقه على باطلهم. زهده وورعه: إن الزهد لتقليل الدنيا زهي قليلة، واحتقارها وهي حقيرة ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة لما سقى الكافر منها جرعة ماء، والرغبة عنها إلى الآخرة إيمانا بها وبخيراتها ودوامها والآخرة خير وأبقى. كما أن الورع هو الكف عن شهواتها وترك محرماتها والتقلل من مباحاتها، والبعد عن متشابهاتها طلبا للسلامة منها حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس.

стр. 11855

وبناء على هذا فإن الزهد والورع كل منهما صفة كمال في الإنسان المسلم وهما سلم إلى درجات الفضل والكمال والتفاوت بينها عظيم جدا، ومن هنا لم يكن أهل الورع والزهد في درجة واحدة بل بينهما من التفاضل ما الله بع عليم وهذا الإمام أحمد بين أهل الزهد والورع، يعتبر مثالا عاليا، وقدوة صالحة فلم يسبقه في هذا المجال أحد، ولم يلحقه آخر، والروايات التالية وهي صحيحة السند إلى الإمام أحمد أخرجها البيهقي ورواها عنه ابن كثير في بدايته تثبت الحقيقة وتؤكدها. ولنكتف في باب الورع بروايتين منها فقط: الأولى: قال يوما الإمام الشافعي لهارون رشيد: يا أمير المؤمنين إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له الرشيد اختر رجلا نوله إياه. فقال الشافعي لأحمد وكان يتردد عليه لطلب العلم: ألا تقبل قضاء اليمن يا أحمد؟ فقال أحمد: إنما أنا اختلف إليك لطلب العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن آتي القضاء، ولولا العلم لما كلمتك بعد اليوم!!! فاستحي منه الشافعي وسكت. إن رغبة أحمد عن الولاية وهي مما يتسابق الناس إليه ويتنافسون في الحصول عليه، بل مما يتقاتلون على طلبه والظفر به لم تكن إلا ورعا منه، إذ طلب الولاية طلب مباح، ولكن تركها أحمد وهي لا بأس بها خشية الوقوع فيما به بأس.

стр. 11856

والثانية: أنه جاع ثلاثة أيام لقلة ذات يده فاستقرض دقيقا من أحد إخوانه ولما وصل إلى أهله عرفوا حاجته إليه فأسرعوا في خبزه وإنضاجه ووجدوا تنور لولده صالح مسجورا فأنضجوا قرص الخبز فيه، فلما قدم إلى أحمد وكأنه لاحظ سرعة تقديم الخبز له فسألهم فأخبروه أنهم طبخوه في تنور صالح ولده وكان صالح يتقاضى راتبا من الدولة فامتنع من أكله وواصل جوعه من ورعه. فأي ورع أعظم من هذا الورع؟ أمن أجل أن ولده يأخذ الجوائز المالية من السلطان يمتنع من أكل خبز يطبخ في تنوره المسجور، وهو ولده والولد وماله لوالده؟ فضرب أحمد بهذا رقما قياسيا في الورع لا يمكن أن يناله أحد سواه. أما عن زهده رحمه الله تعالى فحدث ولا حرج قال أبو داود رحمه الله تعالى كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا وما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط. ولم يكن هذا منه رحمه الله تعالى إلا احتقارا للدنيا وعدم التفات إليها وذلك لقلتها وسرعة زوالها وهذا هو الزهد في الدنيا..... وحكى ولده عبد الله رحمهما الله تعالى معا فقال كنا في زمن الواثق الخليفة العباسي في ضيق شديد فكتب أحد الصالحين إلى أبي -لا شك أنه سمع بحاجة أحمد وما هو فيه من ضيق- كتب إليه: إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها أبعثها لك: فامتنع أحمد من قبولها، فكرر عليه الرجل قبولها فأبى أن يقبلها ورضي بحاجته وما به من خصاصة. وعرض عليه أحد التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه فأبى أن يقبلها، ورد عليه قائلا: نحن في كفاية وأنت جزاك الله عن قصدك خيرا. كما عرض عليه شيخه عبد الرزاق باليمن يوما ملء كفه دنانير وهو في أمس الحاجة إليها لنفاد ماله وانقطاعه عن بلده فلم يقبلها.

стр. 11857

وأعظم من هذه وسابقتها أنه سرقت ثيابه باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب، ووفده أصحابه فجاءوا إليه فسألوه فعرضوا عليه ذهبا فلم يقبله ولم يأخذ منهم إلا دينارا واحدا، ليكتب لهم به، فكتب لهم مقابله فكان أخذه منهم بأجرة عمل. ولم يكن بإحسان. صبره على المكاره وثباته على المبدأ: إن كان الصبر هو حبس النفس على الطاعة بحيث لا تتركها في سراء ولا ضراء وحبسها عن المعصية فلا تغريها في يسر ولا عسر وحبسها على البلاء فلا تضجر ولا تجزع فإن الإمام أحمد كان بذلك إمام الصابرين، وقدوتهم بحق فقد صبر في مواطن الصبر كلها فلم يضعف ولم يهن بحال من الأحوال حتى غدا صبره في محنته مضرب الأمثال وأعني بمحنته تلك التي امتحن فيها ببدعة القول بخلق القرآن حيث أن الخليفة المأمون العباسي كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق –كما قال ابن كثير وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله تعالى، واتفق أن خرج إلى غزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى هذه البدعة، فلما وصل الكتاب إليه قام فاستدعى أئمة الحديث ودعاهم إلى هذا الباطل فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الرواتب والأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع أحمد ابن حنبل وآخر يقال له محمد بن نوح فحملهما على بعير وسيرا إلى الخليفة، حيث أمر بهما، وكان ببلاد الرحبة جاءها رجل من الأعراب يقال له جابر بن عامر فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، ,وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي.

стр. 11858

ولما اقتربا من جيش الخليفة ونزلا بمرحلة دونه جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول يعز عليه أن أقول لك يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفه، وهو يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بسيفه. فحنى أحمد على ركبته، ورفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤذته فما كان آخر الليل خرج الصريخ ينعي موت المأمون. ولم تكد تنفرج حتى ولى الخلافة المعتصم والتف حوله غلاة المعتزلة وشحنوه بالباطل وكان أشد على أهل السنة من المأمون، فردا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى ومات ابن نوح في الطريق وأودع أحمد السجن مدة ثمانية وعشرين شهرا قضاها والقيد في رجليه لم ينزع عنهما فكان يصلي إماما بأهل السجن والقيد في رجليه رحمه الله تعالى. ولما تمت هذه المدة أحضر أحمد أمام الخليفة وليسأل ويضرب ويطلب إليه القول بالبدعة فيرفض ويعذب، حتى مل سائلوه ومعذبوه. وضج من هول العذاب من حوله من السامعين والمتفرجين، والإمام صابر ثابت يقرع الحجة بالحجة، ويدفع ضجة الباطل ويعلو الحق. حتى كتب الله له وفاز بلقب بطل المحنة وإمام الثبات والصبر. وهكذا صبر أحمد وثبت على مبدأ الحق فلم يبدل ولم يغير فكان مثال الكمال في الصبر والثبات على المبدأ فرحمه الله رحمة واسعة وخلد ذكراه، وجعل الجنة مثواه. ربانيته ووفاته: وأخيرا ربانيته ووفاته.. إن ربانية أحمد وهي قوة صلته بربه تعالى ونسبته إليه ولصوقه بجنانه تعالى حتى ما كان يعرف إلا به تعالى فيبلغ القول فيها إنها كانت ربانية قائمة على التوحيد الخالص، والعلم اليقين الكامل، والزهد لا فيما عند الله، والفقر إلا إلى الله. ولتجلي هذه الربانية القوية نورد طرفا من موجز كلامه وآخر من مظاهر كماله فنقول:

стр. 11859

لما حمل أحمد من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم أتوه بسويق ليفطر من الضعف الذي أصابه فامتنع وأتم صومه، وحين حضرت الصلاة صلى معهم فقيل له صليت في دمك، فقال صلى عمر وجرحه ينصب دما، ولما أقيم ليضرب السياط انقطعت تكة سراويله فخشي أن تنكشف عورته فحرك شفتيه بالدعاء، فعادت سراويله كما كانت، وما حرك به شفتيه هو قوله: يا غياث المستغيثين يا إله العالمين إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. وقيل له يوما ادع الله تعالى لنا فقال اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما وسكت. فقيل له زدنا فقال اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض إيتيا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين اللهم وفقنا لمرضاتك. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك. اللهم لا تكثر فنطغى، ولا تقل علينا فنسيء، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك. وقال صالح ولده كان أبي لا يدع أحدا يسقي له الماء ليتوضأ رمى بالدلو فخرج ملآن فقال الحمد لله، فقلت له يا أبت ما الفائدة بذلك؟ فقال يا بني أما سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ . وعن مظاهر كماله نقول:

стр. 11860

لما انكشفت الغمة وزالت المحنة وولى أمر المسلمين المتوكل على الله وكان سلفيا يحب أهل السنة والجماعة بعث بصرة للإمام أحمد فلم يقبلها فأصر الخليفة إلا أن يقبلها وأصر أحمد على عدم قبولها جعلها الخليفة في ولده وأهله. فقال أحمد لولده وأهله يلومهم: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا وقد نزل بنا الموت فإما إلى الجنة وإما على النار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء.!!! فاحتجوا عليه بقول الرسول ﷺ لعمر: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه "وابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان، فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال. ولما علم المتوكل ببراءة أحمد مما نسب إليه حيث وشى به الواشون فحوصر بيته ليلا وفتشته تفتيشا دقيقا عما يثبت ولاءه للعلويين وتواطؤه معهم بعث إليه الخليفة مع أحد حجابه بعشرة آلاف درهم، وقال هو يقرئك السلام ويقول لك استنفق هذه فامتنع من قبولها. فوضعها عنده ثم ذهب، فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله، وقال لم أنم الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ولما أصبحوا فرقوها كلها حتى الكيس الذي كانت به تصدق به ولم يعط منها أهله وأولاده شيئا وهم في غاية الجهد والفاقة والفقر وهكذا تجلت ربانية أحمد وصدقه فيها فكان بذلك إماما وقدوة فيها وفي غيرها من سائر الكمالات النفسية.

стр. 11861

وعن وفاته نقول: مرض أحمد متى صح ذلك الجسم الذي أضناه الصيام وأقعده القيام. مرض مرضه الذي توفى فيه في أوائل شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، قال ابنه صالح دخلت على والدي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف فقلت له يا أبت ما كان غداؤك قال ماء الباقلا. وأقبل الناس الأفاضل على عيادته، وتوافد الأكارم على بيته، فكتب رحمه الله تعالى وصيته، وكان يئن في مرضه، ولما بلغه عن طاووس كراهة الأنين تركه حتى كانت ليلة وفاته وهي ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول. ومن غريب ما حدث له في تلك الليلة أنه سمع وهو يقول لا، بعد، لا، بعد، فقال له ابنه صالح ما هذه اللفظة التي تلهج بها؟ فقال إن الشيطان واقف بزاوية البيت وهو عاض على إصبعه ويقول فتنى يا أحمد، فأقول لا، بعد، لا، بعد. ولما دنا الأجل قال لأهله وضئني وخللوا أصابعي فوضئوه ولما فرغوا من وضوئه فاضت روحه وهو يذكر الله تعالى. فإلى رحمة الله يا أسوة الصالحين وقدوة الزهاد والورعين، والسلام عليك في الأولين والآخرين.

стр. 11862

قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى د. محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة رابعا: أسباب النصر وعوامله: فتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء، لأن هذا الظفر المتاح لهم ردّ عليهم الحياة والأمل والكرامة، وخلصهم من أغلال ثقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران آية ١٢٣) . وكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا استأثرت بهم رحمة الله فذهبوا إلى عليين ثبت عن أنس بن مالك. أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظّارة أصابه سهم طائش فقتله فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع - تعني النياحة - وكانت لم تحرم بعد ... فقال لها الرسول ﵊: "ويحك أوهبلت إنها جنان ثمان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" [١] . فإن كان هذا جزاء النظارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات [٢] الصعاب. ولقد كان نصر الله للمؤمنين في بدر بالقوة المعنوية وحدها، فالتدبير تدبير الله، والنصر بيد الله، والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر، والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة. ولقد وضع الله للمؤمنين الموادّ في دستور هذه القوة التي لا يستغني عنها جيش يحرص على الفوز، وأرشدهم إلى طريق النصر وقانونه.

стр. 11863

قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال آية ٤٥-٤٧) . هذه عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر الكثير، والطاعة لله والرسول، واطراح النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، وعدم البطر والبغي والعدوان. أولا: الثبات عند لقاء العدو: إن الثبات هو المادة الأولى في قانون النصر، لأنه بدء الطريق إليه فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري المؤمنين أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنهم لو ثبتوا للحظة فسينهار عدوهم، وينخذل، وما الذي يزلزل أقدام المؤمنين، وهم واثقون من إحدى الحسنين: الشهادة أو النصر. والثبات محله القلب ولا يتأتى إلا بقوة العقيدة ورساخة الإيمان، وهي لازمة للمؤمنين في ميدان القتال، وفي كل ميدان فتقابل فيه قوة إيمانية، وأية قوة أخرى من قوى الأرض، وفي كل مجال ينازل فيه خصما، وهو الثبات على العقيدة مهما فتن، وعلى الطريقة مهما لاقى، وعلى الكيد مهما يدبر الكائدون. وما وقفه الشعب الأفغاني المسلم أمام قوى الكفر والطغيان، وجحافل الشيوعية الباغية التي احتلت أرضه ودنست ثراه ولا تريد أن تعترف بحقه في تصريف أموره، وتقرير ما يراه مما يتناسب مع تاريخه وعراقة إيمانه. إلا ثبات في المعركة.

стр. 11864

لقد واجه العدوان في صلابة واستبسال، وصبر وإيمان لا يعرف الخور ولا الهوان، فنراه في القرى والمدن وفوق قمم الجبال يقابل الطائرات المغيرة بوحشية وضراوة أعزل من السلاح. ولكنه بإيمانه بحقه ويقينه بالله وقف في وجههم وكأنه يملك الصواريخ المضادة لها وسينتصر الشعب الأفغاني بثباته وبيقينه بوعد الله الذي ينصر المؤمنين الواثقين بنصره، والعاملين بكتابه. وهل ما يفعله الشعب الفلسطيني المجاهد، والشعب الإريتري المكافح والشعب الصومالي الصامد من ثبات في المعركة ووقوف صلب في وجه العدوان ومجابهة لقوى البغي والطغيان من الصهيونية والصليبية والشيوعية إلا تمسكا بهذا المبدأ الذي وضعه الله من فوق سبع سماوات وستنتصر الشعوب المسلمة المكافحة بعون الله وسيخذل أعداؤهم ويرجعون مدحورين أذيال الخزي والعار، ويبوءون بالبوار والخسران. ثانيا: الإكثار من ذكر الله: والإكثار من ذكر الله في ميدان القتال هو المادة الثانية:؛ لأنه الاتصال بالقوة الكبرى، والاستعانة بالله ذي الجبروت، والثقة بالله الذي ينصر الحق، واستحضار حقيقة المعركة، لإعلاء كلمة الله، لا للسيطرة ولا للجاه، ولا للمغانم، ولا للشهوة أو النزوة وإنما كانت لله، وفي سبيل الله. ثالثا: طاعة الله ورسوله: وطاعة الله وطاعة رسوله هو المادة الثالثة في هذا القانون، وقد كان الرسول ﷺ هو القائد العام، فليدخل المؤمنون المعركة، وقد أدوا فرائضهم وقدموا واجبهم، وأسلموا أمرهم لله ورسوله ثقة منهم بحكمة تدبيره، وبصدق رسوله، فيتم النظام الذي لا بد منه لكل جيش، بتوحد القوى وسرعة التحرك، ودقة التنفيذ للخطط. رابعا: اتقاء النزاع:

стр. 11865

واتقاء النزاع هو المادة الرابعة في قانون النصر، لأنه في زمن الحرب تتنازع الهيئات أو الأحزاب أو الأفراد، فنهوا عن التنازع ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومن ثم وجب أن ينهوا عنه ولو اقتضى الأمر وقف العمل بمبدأ الشورى. خامسا: الصبر عند لقاء العدو: الصبر عند لقاء العدو هو خامس المواد في قانون النصر، إذ للحرب ضروراتها التي لا تسيغها النفوس كإعلان الحكم العسكري الذي يقيد بعض الحريات، والمقاطعة الاقتصادية التي تسبب شيئا من الضيق، ونقص الأسلحة الذي قد يوقع في الحرج، وتفوق العدو الذي قد يدفع إلى القلق، وهي ضرورات لا بد لمن يريد النصر أن يصبر عليها راضيا بها. سادسا: اتقاء البطر والرياء: قد يحسن المؤمنون الاستعداد للحرب، فيشعرون بأنهم أهل، لأن ينصروا بقوتهم فيحملهم هذا على الاستعلاء والفخر، فيخرجون متبطرين طاغيين يتعاجبون بقوتهم، ويستخدمون نعمة القوة التي أعطاها الله في غير ما أرادها الله حرصا على ثناء الناس وإعجابهم فيفتوهم في هذه الحال النصر، لأن قانونه يهيب بهم في قوة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ومن هنا اعتبر اتقاء البطر والرياء سادس المواد في قانون النصر. سابعا: التوكل على الله: ويقتضيهم الإيمان مع الثبات وذكر الله وطاعة القائد، وتجنب أسباب النزاع والصبر والإخلاص لله مادة سابعة هي التوكل على الله، وهو روح المواد الست وقوامها إذ لا بد منه باعثا على كل منها ونتيجة لكل منها على أنه يعني الاستعداد التام قبل المعركة والاطمئنان التام للنصر من بعد، ولن يحرم النصر جيش أحسن الاستعداد للحرب وامتلأ ثقة بالله فكيف إذا جمع إلى هذه المادة سائر المواد في قانون النصر. خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم:

стр. 11866

كان عدد الأسرى سبعين كعدد الذين قتلوا، وكانوا ينتسبون في الأغلب – إلى أكبر أسر المشركين - وبعد أن وزعهم الرسول ﷺ على أصحابه قال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرا" [٣] . ولم يكن هناك نظام ثابت لمعاملة الأسرى حتى بعد غزوة بدر إلا أن الرسول – ﷺ شرع نظاما معينا للأسرى ينحصر في أمور ثلاث: ١_ الافتداء ٢_والاسترقاق. ٣_والقتل. ولم يلجأ الرسول – ﷺ إلى القتل إلا إذا كان الأسير أحد هؤلاء الذين اشتدوا في الإيذاء له، وإيذاء أهله، وأصحابه وكان خطرا على دعوته وعلى رسالته، ومن أمثلة ذلك قصة الأسيرين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط فقد وقعا معا في الأسر وكان الاثنان شرا مستطيرا على المسلمين أثناء وجودهم في مكة، وكانا يبحثان في أفضع الوسائل لتعذيب محمد وقومه، ولهذا ارتعد النضر عندما نظر إليه الرسول ﷺ أثناء استعراضه للأسرى، وصدر ذلك في قوله لرجل إلى جانبه: "محمد والله قاتلي لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت"فقال له الرجل الذي بجانبه: "ما هذا والله منك إلا رعب".ودعا النضر مصعب بن عمير وقال له: "قل لصاحبك أن يجعلني كرجل من رجاله فهو قاتلي إن لم تفعل"وكان رد مصعب إنك كنت تقول في كتاب الله كذا، وفي نبيه كذا، وكنت تعذب أصحابه. وحاول المقداد أن ينقذ النضر فقال النضر أسيري فرد النبي ﷺ : "اضرب عنقه"وقيل إن الذي قتله هو علي بن أبي طالب [٤] .

стр. 11867

واستشار النبي ﷺ ماذا يفعل بالأسارى فقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " فقال أبو بكر: "يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأمنهم لعل الله أن يتوب عليهم". فقال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب: "ما ترى يا بن الخطاب". فقال: "لا والذي لا إله إلا هو ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين". وقال عبد الله بن رواحة: "يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم" فمال الرسول ﷺ إلى قول أبي بكر وأخذ منهم الفداء [٥] . قال عمر ﵁: "فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما قال النبي ﷺ : "للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة"- لشجرة قريبة-[٦] وأنزل الله تعالى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال آية ٦٨-٦٩) [٧] . فلقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة.

стр. 11868

وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل والأسر كسبا ضخما في هذه الحالة لا يعدله مال، وكان هناك معنى آخر يراد تقريره في النفوس، وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أشار إليه عمر ﵁ في صراحة ونصاعة. "وحتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هداوة للمشركين"لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله كره للمسلمين أن يفادوا أسارى بدر. وهذا الذي انتهى إليه المسلمون في معاملة أسراهم هو آية كبيرة تتجلى فيها مظاهر الرأفة والرحمة والحسنى. ومع ذلك يقف غير واحد من المستشرقين. عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط ويتساءلون: "أليس في ذلك ما يدل على ظمأ في هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان، ولكان أكرم للمسلمين بعد أن كسبوا المعركة أن يردوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا". علما بأن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعى إذا نحن وازنّا بين مقتل النضر وعقبة، وما يجري اليوم وما سيجري ما دامت الحضارة الغربية التي تتشح بوشاح المسيحية متحكمة في الأرض. فهل نراه يوازي شيئا إلى جانب ما يقع بايم قمع الثورات في بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها؟ وهل تراه شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب العالمية الكبرى؟. وهل هذه المعاملة التي وقعت من الرسول ﷺ وقبول الفداء منهم وقوله لأصحابه "استوصوا بالأسارى خيرا" أفضل؟. أم ما يناله الأسارى في الحروب الحديثة من معاملة سيئة قاسية عنيفة رغم وجود النظر الدولية الخاصة بالأسرى، وكيفية معاملتهم مما لم تحترمها الدول الحديثة وجعلتها حبرا على ورق. وما زال أسرى الحرب العالمية الأخيرة تعامل بعضهم معاملة مجرمي الحرب، ويلاقون العذاب والمهانة والذل، ويعاملون معاملة سيئة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.

стр. 11869

والجواب واضح وصريح في أن المعاملة الطيبة التي كان يلقاها الأسرى من الرسول ﷺ تعتبر من أعلى مظاهر الإنسانية الرفيعة التي كانت تكون العلاقة بين القائد العسكري وبين أسرى الحرب. سابعا: الخاتمة: وبعد فهذه غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون، وزلزل المشركون، وأنجز الله وعده، وأعز جنده، وأسعد من حضرها من المسلمين فهو عند الله من الأبرار. ولقد قال الرسول ﷺ : "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة" [٨] . وبهذه الغزوة، وبهذا الانتصار استقر أمر المسلمين في بلاد العرب جميعا، وكانت هذه الغزوة مقدمة وبداية للدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا عجب أن سماها الله فرقانا حيث يقول: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ (الأنفال آية ٤١) ، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، والنور والظلام. ورغم أن بدرا تعد أول غزوة من غزوات جيش الإسلام ورغم أنها المرة الأولى التي يقف فيها الرسول الكريم موقف المحارب فإننا نستطيع أن نستخلص منها دروسا لها قيمتها ومبادئ خطيرة لها شأنها في سير المعارك. وهذه الدروس لم تتغير ولم تتبدل رغم اختلاف العصر الذي نعيش فيه والعصر الذي تمت فيه غزوة بدر. ومن أهمها: ١_ أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية، ووضعها في المقام الأول، لأن في القضاء عليها قضاء على القوة العسكرية. ٢_ الشورى وما لها من أهمية كبرى في الميدان ووقت الحرب، فالقائد الحكيم هو الذي يستشير خبراءه ليعرف منهم الخطة السليمة الصحيحة. ٣_ أهمية القوى المعنوية للمحاربين والقوة المعنوية هي العامل الأول الذي دفع بالمسلمين إلى النصر رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.

стр. 11870

٤_ الاهتمام بالاستكشاف والاستطلاع قبل إبان المعركة، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ خرج بنفسه لذلك أو كان يختار من يثق بهم. ٥_ تكتيك الحرب الذي يبدو واضحا في السرية التامة في التحركات وخاصة خلال العمليات. فاحتلال المسلمين لمواقع المياه تنفيذا لرأي الحباب بن المنذر ثم في منتصف الليل حتى لا يشعر بهم العدو. والرسول ﷺ كان يأمر جنده بأن يظلوا في أماكنهم لا يتحركون أو يتحدثون أو يأتون بما يثير انتباه أعدائهم، وكانون بذلك يتركون العدو يتقدم ويتقدم ويظل في تقدمه، حتى إذا أصبح في مرمى النبال ألقوها عليهم، فتصيب منه العدد الكبير فوق ما تحدثه المفاجأة في نفسه، فيرتبك ويضطرب وتكثر إصابته ويزيد عدد قتلاه. ٦_ضرورة تغلغل العقيدة في نفوس المحاربين، فإن العقيدة المتغلغلة في نفوس المسلمين بلغت منهم منزلة تسمو على صلات الرحم والقرابة. فكان الرجل منهم يقتل أباه أو أخاه أو عمه أو قريبه من المشركين لا تأخذه فيه شفقة أو رحمة. فها هو ذا عبد الرحمن بن أبي بكر يقول لأبيه بعد إسلامه – وكان يقاتل في صف المشركين يوم بدر-: "يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك "فقال أبو بكر ﵁: "لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك" [٩] . وهذا أبو حذيفة بن عتبة ينظر إليه الرسول ﷺ يوم بدر وقد سحبت جثة أبيه عتبة لتلقى في القليب فألفاه كئيبا قد تغير لونه فقال: "لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء" فقال أبو حذيفة: "لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني أمره"فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خير [١٠] .
следующие страницы →