Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.
стр. 11866
كان عدد الأسرى سبعين كعدد الذين قتلوا، وكانوا ينتسبون في الأغلب – إلى أكبر أسر المشركين - وبعد أن وزعهم الرسول ﷺ على أصحابه قال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرا" [٣] .
ولم يكن هناك نظام ثابت لمعاملة الأسرى حتى بعد غزوة بدر إلا أن الرسول – ﷺ شرع نظاما معينا للأسرى ينحصر في أمور ثلاث: ١_ الافتداء ٢_والاسترقاق. ٣_والقتل.
ولم يلجأ الرسول – ﷺ إلى القتل إلا إذا كان الأسير أحد هؤلاء الذين اشتدوا في الإيذاء له، وإيذاء أهله، وأصحابه وكان خطرا على دعوته وعلى رسالته، ومن أمثلة ذلك قصة الأسيرين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط فقد وقعا معا في الأسر وكان الاثنان شرا مستطيرا على المسلمين أثناء وجودهم في مكة، وكانا يبحثان في أفضع الوسائل لتعذيب محمد وقومه، ولهذا ارتعد النضر عندما نظر إليه الرسول ﷺ أثناء استعراضه للأسرى، وصدر ذلك في قوله لرجل إلى جانبه: "محمد والله قاتلي لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت"فقال له الرجل الذي بجانبه: "ما هذا والله منك إلا رعب".ودعا النضر مصعب بن عمير وقال له: "قل لصاحبك أن يجعلني كرجل من رجاله فهو قاتلي إن لم تفعل"وكان رد مصعب إنك كنت تقول في كتاب الله كذا، وفي نبيه كذا، وكنت تعذب أصحابه. وحاول المقداد أن ينقذ النضر فقال النضر أسيري فرد النبي ﷺ : "اضرب عنقه"وقيل إن الذي قتله هو علي بن أبي طالب [٤] .
стр. 11867
واستشار النبي ﷺ ماذا يفعل بالأسارى فقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " فقال أبو بكر: "يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأمنهم لعل الله أن يتوب عليهم". فقال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب: "ما ترى يا بن الخطاب". فقال: "لا والذي لا إله إلا هو ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين".
وقال عبد الله بن رواحة: "يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم"
فمال الرسول ﷺ إلى قول أبي بكر وأخذ منهم الفداء [٥] .
قال عمر ﵁: "فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما
قال النبي ﷺ : "للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة"- لشجرة قريبة-[٦]
وأنزل الله تعالى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال آية ٦٨-٦٩) [٧] .
فلقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة.
стр. 11868
وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل والأسر كسبا ضخما في هذه الحالة لا يعدله مال، وكان هناك معنى آخر يراد تقريره في النفوس، وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أشار إليه عمر ﵁ في صراحة ونصاعة. "وحتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هداوة للمشركين"لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله كره للمسلمين أن يفادوا أسارى بدر.
وهذا الذي انتهى إليه المسلمون في معاملة أسراهم هو آية كبيرة تتجلى فيها مظاهر الرأفة والرحمة والحسنى.
ومع ذلك يقف غير واحد من المستشرقين. عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط ويتساءلون: "أليس في ذلك ما يدل على ظمأ في هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان، ولكان أكرم للمسلمين بعد أن كسبوا المعركة أن يردوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا". علما بأن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعى إذا نحن وازنّا بين مقتل النضر وعقبة، وما يجري اليوم وما سيجري ما دامت الحضارة الغربية التي تتشح بوشاح المسيحية متحكمة في الأرض. فهل نراه يوازي شيئا إلى جانب ما يقع بايم قمع الثورات في بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها؟ وهل تراه شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب العالمية الكبرى؟.
وهل هذه المعاملة التي وقعت من الرسول ﷺ وقبول الفداء منهم وقوله لأصحابه "استوصوا بالأسارى خيرا" أفضل؟.
أم ما يناله الأسارى في الحروب الحديثة من معاملة سيئة قاسية عنيفة رغم وجود النظر الدولية الخاصة بالأسرى، وكيفية معاملتهم مما لم تحترمها الدول الحديثة وجعلتها حبرا على ورق.
وما زال أسرى الحرب العالمية الأخيرة تعامل بعضهم معاملة مجرمي الحرب، ويلاقون العذاب والمهانة والذل، ويعاملون معاملة سيئة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.
стр. 11869
والجواب واضح وصريح في أن المعاملة الطيبة التي كان يلقاها الأسرى من الرسول ﷺ تعتبر من أعلى مظاهر الإنسانية الرفيعة التي كانت تكون العلاقة بين القائد العسكري وبين أسرى الحرب.
سابعا: الخاتمة:
وبعد فهذه غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون، وزلزل المشركون، وأنجز الله وعده، وأعز جنده، وأسعد من حضرها من المسلمين فهو عند الله من الأبرار.
ولقد قال الرسول ﷺ : "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة" [٨] .
وبهذه الغزوة، وبهذا الانتصار استقر أمر المسلمين في بلاد العرب جميعا، وكانت هذه الغزوة مقدمة وبداية للدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا عجب أن سماها الله فرقانا حيث يقول: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ (الأنفال آية ٤١) ، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، والنور والظلام.
ورغم أن بدرا تعد أول غزوة من غزوات جيش الإسلام ورغم أنها المرة الأولى التي يقف فيها الرسول الكريم موقف المحارب فإننا نستطيع أن نستخلص منها دروسا لها قيمتها ومبادئ خطيرة لها شأنها في سير المعارك.
وهذه الدروس لم تتغير ولم تتبدل رغم اختلاف العصر الذي نعيش فيه والعصر الذي تمت فيه غزوة بدر. ومن أهمها:
١_ أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية، ووضعها في المقام الأول، لأن في القضاء عليها قضاء على القوة العسكرية.
٢_ الشورى وما لها من أهمية كبرى في الميدان ووقت الحرب، فالقائد الحكيم هو الذي يستشير خبراءه ليعرف منهم الخطة السليمة الصحيحة.
٣_ أهمية القوى المعنوية للمحاربين والقوة المعنوية هي العامل الأول الذي دفع بالمسلمين إلى النصر رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.
стр. 11870
٤_ الاهتمام بالاستكشاف والاستطلاع قبل إبان المعركة، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ خرج بنفسه لذلك أو كان يختار من يثق بهم.
٥_ تكتيك الحرب الذي يبدو واضحا في السرية التامة في التحركات وخاصة خلال العمليات.
فاحتلال المسلمين لمواقع المياه تنفيذا لرأي الحباب بن المنذر ثم في منتصف الليل حتى لا يشعر بهم العدو.
والرسول ﷺ كان يأمر جنده بأن يظلوا في أماكنهم لا يتحركون أو يتحدثون أو يأتون بما يثير انتباه أعدائهم، وكانون بذلك يتركون العدو يتقدم ويتقدم ويظل في تقدمه، حتى إذا أصبح في مرمى النبال ألقوها عليهم، فتصيب منه العدد الكبير فوق ما تحدثه المفاجأة في نفسه، فيرتبك ويضطرب وتكثر إصابته ويزيد عدد قتلاه.
٦_ضرورة تغلغل العقيدة في نفوس المحاربين، فإن العقيدة المتغلغلة في نفوس المسلمين بلغت منهم منزلة تسمو على صلات الرحم والقرابة. فكان الرجل منهم يقتل أباه أو أخاه أو عمه أو قريبه من المشركين لا تأخذه فيه شفقة أو رحمة.
فها هو ذا عبد الرحمن بن أبي بكر يقول لأبيه بعد إسلامه – وكان يقاتل في صف المشركين يوم بدر-: "يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك "فقال أبو بكر ﵁: "لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك" [٩] .
وهذا أبو حذيفة بن عتبة ينظر إليه الرسول ﷺ يوم بدر وقد سحبت جثة أبيه عتبة لتلقى في القليب فألفاه كئيبا قد تغير لونه فقال: "لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء" فقال أبو حذيفة: "لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني أمره"فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خير [١٠] .
стр. 11871
٧_ معاملة الأسرى معاملة كريمة فإن الرسول ﷺ قبل الفداء، وفوق هذا أطلق سراح الأسير الفقير الذي لا مال له ولا شيء عنده يفتدي به نفسه.
وفي الختام فهذه غزوة بدر وتلك أسبابها ونهايتها وهي صفحة بيضاء مشرقة من صفحات تاريخنا دونها بإخلاصهم وإيمانهم آباؤنا الأولون. وليس لنا من سبيل إلى ما وصلوا إليه من عر ومجد، إلا أن نستن سنتهم، وأن نسير على طريقتهم وأن ننسج على منوالهم، وعندئذ يكون لنا بوعد الله ما كان لهم من عزة ومجد وكرامة، أرجو وآمل إن شاء الله، وما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أبو الفداء ٣/٣١٧،٣٢٨-٣٢٩ والبخاري.
[٢] غمرات الموت: شدائده.
[٣] أبو الفداء ٣ /٣٠٦.
[٤] أبو الفداء ٣/٣٠٥، الروض الأنف٥/١٥٣.
[٥] مسند الإمام أحمد، أبو الفداء ٣/٢٩٦-٢٩٧، وصحيح مسلم وأبو داود والترمذي.
[٦] نفس المصدر السابق.
[٧] صحيح مسلم ٥/١٠٦-٢٥٧، أحمد رقم ٢٠،٢٢، البيهقي ٩/٦٧-٦٨ من حديث عمر، انظر الروض الأنف ٥/٢٢١-٢٤٢.
[٨] انظر البخاري ومسلم وأبو داود، أبو الفداء ٣/٣٢٩.
[٩] الروض الأنف للإمام السهيلي ٦/١٨١ دار الكتب الحديثة تفسير بن كثير ٤ /٣٢٩.
[١٠] أبو الفداء ٣/٢٩٤ عن ابن إسحاق، السيرة لابن هشام ١/٦٤٠-٦٤١.
стр. 11872
أثر الهجرة
على تطور الدعوة الإسلامية وانتشارها في أنحاء العالم
للدكتور محي الدين الألواني
الأستاذ المشارك في الجامعة
لقد امتازت الرسالة التي أرسل بها الرسول العربي محمد بن عبد الله ﷺ بعموميتها إلى كافة الثقلين، وشمولها لجميع مرافق الحياة البشرية. وقد خص الله تعالى رسوله محمدا ﷺ وحد بأن يكون رسولا إلى كافة الناس، وجعله خاتم النبيين، ورحمة للعالمين. وقد صرح القرآن الحكيم بهذا فقال تعالى مخاطبا له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف ١٥٨) . وقال له رب العزة أيضا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ ٢٨) .
فلا بد أن تكون الدعوة المحمدية غير محلية ولا بيئية ولا موجهة لأمة دون أخرى. وتحت عنوان عموم الدعوة المحمدية يقول فضيلة الدكتور محمد فتح الله بدران ﵀ في كتابه: الفلسفة الحديثة في الميزان: " ... ولقد كانت كل الدعوات السابقة عليه: بيئية، محلية، محدودة، مصدقة، ومكملة، وممهدة. أما منذ دعوته ﷺ إلى الأبد، فهي في عمومها أوسع من أن تدرك أو تحدد لأنها تشمل الناس كافة وجميعا" [١] .
стр. 11873
وقد كان دين الرسل واحدا كما قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (الشورى آية ١٣) . وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ ولكل واحد من أتباعه في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (الآية ٨٤) .
وإذا نظرنا إلى طبيعة الدعوة المحمدية وخصائصها نرى أنها مرت بمراحل كثيرة، وكلها بإذنه تعالى وأمره، وبمقتضى حكمته في خلقه، فكانت الهجرة من مكة إلى المدينة مرحلة هامة من مراحل الدعوة الإسلامية، ونقطة تحول خطير في انتشارها في أرجاء الأرض، وهي التي مهدت السبيل لوصولها إلى مختلف القبائل العربية، ودعت الأمم والشعوب لاستطلاع حقيقة هذه الدعوة وصاحبها وجذبت الوفود من داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها إلى الرسول الأعظم ﷺ ، وفتحت الأبواب إلى فتح مكة ثم إلى فتوحات أخرى عديدة.
وكان رسول الله ﷺ قد بدأ دعوته في مكة، من أول نبوته، سرا، وبعد أن مضى في هذه المرحلة من الدعوة السرية أو المحدودة مدة ثلث سنين، أمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى الإسلام علنا، فكان يذهب إلى الناس في مواسم الحج كل عام، وإلى المواسم الأخرى في عكاظ، ومجنة، وذي المجاز وغيرها من الأسواق العربية الشهيرة، واستمر هذا الدور المكي العلني من الدعوة الإسلامية لمدة عشر سنين أخرى، أي أنه استمر يدعو قومه ثلاث عشرة سنة، ولقي من الأذى هو المؤمنون به الكثير، ثم أمره الله بالهجرة إلى المدينة.
стр. 11874
ونجم عن هجرة الرسول من مكة إلى المدينة أن تكونت في المدينة نواة الدولة الإسلامية الأولى. وتقع المدينة المنورة شمالي مكة، على مسيرة أحد عشر يوما منها، وكانت في تلك الأيام مدينة مكشوفة معرضة للغزو الخارجي، حتى قام النبي ﷺ بحفر الخندق المشهور لرد عدوان قريش، ويقال إن أول من بنى يثرب أحد رؤساء العمالقة يسكنون في يثرب وفي ضواحيها في العصور الغابرة، ثم توالت هجرة اليهود إلى بلاد العرب فرارا من وجه مضطهدين، أو الآخذين بالثأر منهم من البابليين، واليونان، والرومان، فاستوطنوا شمال الحجاز ... وكانت أشهر القبائل اليهودية النازلة ببلاد العرب: بني نضير في خيبر، وبني قريظة في فدك، وبني قينقاع بالقرب من المدينة ذاتها. وكان اليهود يقيمون في قرى محصنة فاستطاعوا أن يسيطروا على جيرانهم من القبائل العربية إلى أن جاءت الأوس والخزرج –وهما قبيلتان من نسل قحطان- فأقامتا في يثرب ودانتا لليهود في أول الأمر ثم صارت لهما الولاية عليهم [٢] .
وكانت حال ((يثرب)) السياسية حين قدم النبي ﷺ إليها: حالة حرب عوان بين الأوس والخزرج، ومؤامرات من اليهود لإشعال نار الفتنة بين هاتين القبيلتين العربيتين، ومحاولتهم السيطرة على القبائل العربية المجاورة، فكان قدومه ﷺ فاتحة عصر جديد في تاريخ جزيرة العرب لأنه آخى بين الأوس والخزرج حتى نسوا ما تأصل في نفوسهم من عداوة وضغائن، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وانضموا تحت لواء الإسلام، ثم آخى رسول الله ﷺ بين جماعات المؤمنين من المهاجرين الذين هجروا وطنهم ولحقوا به في المدينة، وبين الأنصار الذين رضوا به والمهاجرين معه، وأكرموا وفادتهم، وكانت المؤاخاة بين هذين الفريقين من المؤمنين في السراء والضراء توثيقا لعرى المحبة والأخوة الإسلامية بينهم.
стр. 11875
وبهجرة الرسول ﷺ إلى المدينة وضع أول حجر في بناء الدولة الإسلامية، واتخذ مسجده مقره العام ليقيم فيه المسلمون شعائر دينهم، وليعقدوا فيه اجتماعاتهم للنظر في شئونهم العامة. ووضع الرسول للجماعة الإسلامية نظاما تسير عليه في زمن السلم والحرب، وبدأ يعقد اتفاقيات بين الطوائف الأخرى، تضمن عدم الاعتداء على المسلمين، والاشتراك معهم في الدفاع عن المدينة ضد الخطر الخارجي. ثم أخذ يعد العدة لنشر الدعوة الإسلامية بين القبائل العربية، ولحماية هذه الدعوة، حتى صارت المدينة خلال فترة وجيزة مركز إشعار للدعوة الإسلامية، ومحط أنظار قبائل العرب وشعوب العالم.
стр. 11876
وكان بالمدينة في الفترة الأولى لهجرة الرسول ﷺ إليها ثلاث طوائف مختلفة، الطائفة الأولى: المهاجرون والأنصار وهو نواة الإسلام، وكانوا يحبون رسول الله حبا لا حد له، إذ أن روح الأخوة الإسلامية التي غرسها النبي ﷺ بينهم حالت دون ظهور أي أثر من آثار الجاهلية، وبدأ الأنصار والمهاجرون يتنافسون في بذل أكبر تضحية في سبيل الله ورسوله ﷺ . والطائفة الثانية: كانت تتألف من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، وكان عبد الله يطمع أن يكون ملكا على المدينة، فجمع حوله طائفة قوية من الأتباع ولكن قدوم الرسول ﷺ إلى المدينة أحبط أعماله في استغلال من يريد إذ تولى زمام السلطة، فاضطر هو وأنصاره في غمرة الحماسة التي استقبل بها رسول الله ﷺ ، أن يتظاهروا بالإسلام، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة لينقلبوا على المسلمين، وأخذوا يدبرون المؤامرات ضدهم في الخفاء، ولذلك كانوا مصدر خطر كبير على الدولة الإسلامية الناشئة، وهذه الطائفة هي التي ذكرها القرآن الكريم في سورة المنافقين، فقال لهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: الآية ١-٢) .
стр. 11877
وأما الطائفة الثالثة في المدينة فكانت تتألف من اليهود الذين أثارت ضغائنهم وأحقادهم هجرة الرسول إليها، ورسوخ دعوته فيها، وذيوع أمرها في أنحاء جزيرة العرب، فتحزبوا ضد المسلمين وأصبحوا أشد الأحزاب خطرا على الدعوة الإسلامية، مع أنهم كانوا يستفتحون على المشركين إذا نشبت الحرب على الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، ولكن أعماهم حب الرياسة، فاستعظموا الأمر، ومما زاد خطرهم على الدعوة الإسلامية في المدينة أن كانت لهم بقريش علاقات تجارية وثيقة، كما كانت توجد منهم شعب في مختلف القبائل المعادية للإسلام، وكذلك كان يساعدهم على المخالفة للرسول ﷺ ومحارة دعوته جماعة المنافقين من عرب المدينة.
стр. 11878
وقد بلغت المؤامرات الثلاثية –بين اليهود والمنافقين والمشركين- ضد الدولة الإسلامية الناشئة ذروتها. وهذا الوضع استلزم اليقظة التامة من جانب النبي ﷺ ، فكان يعاملهم بغاية الصبر والحلم رجاء أن يستميلهم إلى الحق والسلم، وكان يواصل دعوته فيهم بالحكمة والموعظة الحسنة. وتظاهر اليهود في أول الأمر بالاشتراك مع أهل المدينة في الترحيب بالنبي ﷺ ، والتزموا خطة المسالمة فترة من الزمان، وذلك على أمل أن هذا الداعية المتواضع الذي نزل على الأوس والخزرج الذين كانوا أعداءهم بالأمس ومواليهم اليوم، قد يساعدهم على قهر العرب واستعادة مملكة يهوذا [٣] . ولم يكد يمضي زمن قصير حتى عاودهم داء التمرد القديم الذي دفعهم إلى قتل أنبيائهم، وتجلت أعراض هذا الداء فيما جاهروا به من الفتنة، وما أسروه من الغدر والخيانة، فجاهروا المسلمين بالعداوة ومدوا يد المساعدة لقريش علنا، وما أظهره النبي ﷺ من الرفق وكرم المعاملة ما كان ليرضي اليهود، ولم تجد الحيل في إطفاء نار الحقد التي كانت تتأجج في صدورهم، وغاظهم أنهم عجزوا عن اتخاذه آلة في أيديهم لتهويد العرب، وأن الدين الذي جاء به أقرب إلى الفطرة من قصصهم التلمودية، فلم يلبثوا أن نقضوا العهد والميثاق وانضموا إلى أعداء الإسلام، ولما سألتهم قريش: "أديننا خير أم دين محمد؟ "قالوا: "بل دينكم خير من دينه" [٤] ، مع علمهم بكل ما ينطوي عليه دين قريش من شرك وخرافات ومساوئ.
стр. 11879
وإذا أردنا أن نعرف دمى أثر هجرة الرسول إلى المدينة على تطور الدعوة الإسلامية وتدعيم دعائمها، وتوسيع نطاق نفوذها في أنحاء جزيرة العرب وخارجها، وجب علينا أن نتتبع مجرى الحوادث الهامة التي تبعت وصول الرسول ﷺ إلى المدينة، ومنها حدوث الظروف التي أفضت إلى عقد المسلمين ومعاهدات واتفاقيات مع اليهود وقبائل العرب في المدينة، وفيما جاورها من المدن، وكذلك دخول المسلمين في حروب دفاعية مع أعدائهم وخاصة ما نتج عنها من انتصارهم في بدر، وكان للنتائج التي ترتبت على هذه المعاهدات. والانتصارات أثر عميق في نفوس المسلمين، ووقع كبير في أسماع العرب أجمعهم. من ذلك أن الوفود قد قدمت إلى المدينة لمقابلة نبي الإسلام ﷺ ومبايعته بعد انتشار خبر دعوته في أرجاء الجزيرة. ومنها تكوين حلف منظم يجمع شمل العناصر المتنافرة الضاربة في المدينة وضواحيها، فوضع الرسول وثيقته التاريخية يبين فيها ما للمسلمين وما عليهم فيما بينهم، وما للمسلمين واليهود وما عليهم. وتظهر لنا هذه الوثيقة عظمته الحقيقية، وما حباه الله من مواهب، وهدفه المنشود في إنشاء مجتمع سليم ينتظم الجنس البشري كله. وكذلك سدد بهذه الوثيقة ضربه قاضية إلى الفوضى التي كانت سائدة بين قبائل العرب. وهذا بعض ما تضمنته تلك الوثيقة التاريخية التي أصبح رسول الله ﷺ ملزما بمحتواها كما أصبح اليهود ملزمين به كذلك:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس". ثم يقول بعد أن عرض لتنظيم دفع الديات بين القبائل المختلفة وتقرير بعض القواعد الحكيمة بصدد ما يجب على المسلمين بعضهم نحو بعض:
стр. 11880
"لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإنه من تبعنا من يهود فإنه له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن يهود بني عوف، وبني النجار، وبني الحارث، وبني جشم وبني ثعلبة، وبني الأوس وغيرهم ممن يقيم في يثرب أمة واحدة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ [٥] إلا نفسه وأهل بيته. وإن بينهم النصر على دهم يثرب. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم وكذلك المؤمنون. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى وسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. ,عن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم".
وبعد أن الكتاب على بعض أمور خاصة بالإدارة الداخلية للدولة، ختمت هذه الوثيقة العجيبة بما يلي:
"وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله تعالى وإلى محمد رسول الله" [٦] .
وهكذا أخص صوت الدعوة الإسلامية الذي بدأ في مكة، وجلجل في المدينة، يتردد في القارات الكبرى في العام. ولولا الهجرة لما كانت الفتوحات التي غيرت مجرى التاريخ وعدلت وجهة الدنيا. هذه الهجرة هي التي مكنت العرب من أن يفكوا حصارهم وينتشروا في بقاع العالم يحملون أمانة الله ويبلغون رسالته، فما أجل أمر هذه الهجرة! وأعظم أثرها في تاريخ الدعوة الإسلامية!
هل تعلم
أن البلاد الغربية تعتبر نسبة الطلاق فيها أعلى نسبة:
في السويد ٦٠ في المائة يتطلق كل عام
في الولايات المتحدة ٤٠ في المائة
في الدنمارك ٣٩ في المائة. ألمانيا الشرقية ٣٠ في المائة. الاتحاد السوفياتي ٢٨ في المائة. فلندا ٢٤ في المائة.
وكمثال فإن ٢٢ في المائة من حالات الطلاق بألمانيا هي بسبب الخيانة الزوجية و١٠ في المائة لأسباب جنسية و١٠ في المائة بسبب الإدمان على الكحول.
стр. 11881
جريدة النور
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ص ٣٤٠ الطبعة الأولى. القاهرة سنة ١٩٦٨م.
[٢] روح الإسلام لأمير علي ج١ ص١٣٣ طبع مصر سنة ١٩٦١م.
[٣] روح الإسلام ص١٣٩ الطبعة المذكورة.
[٤] روح الإسلام.
[٥] يهلك.
[٦] ابن هشام طبع مصر ١٣٤٦ هجري.
стр. 11882
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
أختي العزيزة هل:
لقد كتبت إليك من قبل هذه خمس رسائل حدثتك فيها عن عشر صيغ من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع، وها أنا ذي اليوم محدثتك عن الصيغة الحادية عشرة والصيغة الثانية عشرة.
أما الصيغة الحادية عشرة فهي: ((ألم يأت ... )) وقد وردت في سبع آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ الآية (١٣٠) من سورة الأنعام.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ الآية (٧٠) من سورة التوبة.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الآية (٩) من سورة إبراهيم.
стр. 11883
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ الآية (١٣٣) من سورة طه.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية (٧١) من سورة الزمر.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية (٥) من سورة التغابن.
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ الآيتان (٨-٩) من سورة الملك.
وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه الصيغة: (ألم يأت ... ) الواردة في هذه الآيات السبع على معنى التقرير والتقريع والتوبيخ.
وكان قد تقدم في الرسالة الأولى من هذه الرسائل أن استفهام التقرير يجيء لأحد أمرين:
الأول: حمل المخاطب على الاعتراف بالأمر الذي استقر عنده من ثبوت ما تضمنه الاستفهام أو نفيه.
والثاني: تثبيت النسبة التي اشتمل عليها الاستفهام في الذهن إن كان المخاطب جاهلا بها، وزيادة تثبيتها إن كان بها عالما.
وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه الصيغة بالمعنى الأول في الآية الأولى والخامسة والسابعة من الآيات السالفة الذكر.
وجاءت بالمعنى الثاني في الآيات الباقيات.
стр. 11884
وقد تضمنت الآية الأولى من هذه الآيات مشهدا من مشاهد يوم القيامة حيث يقرع الله ويوبخ كافري الجن والإنس ويسألهم (وهو أعلم) ألم يأتكم رسل منكم يخبرونكم ما أوحي إليهم، ويخوفونكم لقاء يومكم هذا، فيجيب هؤلاء المسؤولون في حسرة وصغار معترفين بما تضمنه السؤال من إرسال الرسل وتبليغهم آيات ربهم، وتخويفهم لقاء هذا اليوم الذي كانوا يوعدون، لكن الحياة الدنيا ولذاتها ومتعها وما فيها من زينة حالت بينهم وبين إيمانهم بالرسل واليوم الآخر.
لقد شهدوا على أنفسهم بالكفر فحق عليهم العذاب، وذاك جزاء الكافرين.
وتصور الآية الخامسة مشهدا آخر من مشاهد يوم القيامة، حيث يساق الذين كفروا إلى جهنم زمرا فتفتح لهم الأبواب، ويقول لهم خزنتها الغلاظ الشداد على سبيل التقرير والتقريع والتوبيخ: ألم يأتكم رسل من جنسكم يتلون عليكم آيات ربكم المنزلة عليهم، ويقيمون الحجج والبراهين على صحة ما دعوا إليه، وينذرونهم لقاء يوم القيامة هذا.
فيقول لهم الكفار معترفين بلى قد جاءونا وتلوا علينا الآيات وأنذرونا، ولكنا كذبناهم وخالفتاهم وعدلنا عن الحق إلى الباطل، فحق علينا العذاب عذاب الكافرين.
وتتضمن الآية السابعة والتي تليها مشهدا آخر من مشاهد يوم القيامة حيث يشتد غيظ جهنم على أولئك الكفار الذين يلقون فيها فوجا بعد فوج، حتى لتكاد من شدة الغيظ يتميز بعضها من بعض، ولم لا تحنق هذا وتغتاظ هذا الغيظ، وهي التي ترى خزنتها الملائكة الغلاظ الشداد يسألون مقررين مقرعين موبخين في حسرة وذلة: بلى، قد جاءنا نذير، ولكنا كذبناه في أن يكون نذيرا، ثم –لشقوتنا- بالغنا في التكذيب فقلنا ما أنزل الله على أحد من شيء، وما أنتم أيها النذر في ادعاء إنزال الآيات عليكم إلا في ضلال كبير.
стр. 11885
والاستفهام في الآيات الباقيات (الثانية والثالثة والرابعة والسادسة) استفهام تقرير على حد ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي قد أتتهم - وقد سبقت الإشارة إلى هذا - يدل هذا الاستفهام أيضا على التوبيخ كما دل عليه في الآيات المتقدمة.
ففي الآية الثانية والثالثة والسابعة يوبخ الله الكافرين أن لم يتعظوا بالأنباء التي قد أتتهم عمن كان قبلهم من الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم فاستحقوا العذاب، وما الله بظلام للعبيد.
وفي الآية الرابعة يوبخ الله كفار مكة على مطالبتهم الرسول ﷺ أن يأتيه بآية من ربه تبين صدقه وقد أتاهم بالقرآن الذي بشرت به الكتب الإلهية السابقة المنزلة على الرسل، لقد أتاهم بالقرآن الذي هو أعظم الآيات إعجازا حتى تقوم الساعة، فأي آية بعد القرآن يريدون!!.
وإعراب هذه الصيغة (ألم يأت) واضح سهل، فالفعل المضارع (يأت) مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والضمير بهذا الفعل سواء أكان كافا في (ألم يأتكم) أم كان هاء في (ألم يأتهم) مبني على الضم في الأول وعلى الكسر في الثاني في محل نصب مفعول به ل (يأت) والميم يدل على جمع الذكور مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
وأرى أن الكاف والميم معا في (ألم يأتكم) هما الضمير وليس الكاف وحدها، فالكاف وحدها لا تدل على جماعة المخاطبين، فالميم جزء من لفظ الدال عليهم، واعتبار الميم حرفا ملحقا بالضمير وليس جزءا منه تحكم لا داعي إليه، ورأي تعوزه الحجة. وعلى هذا أرى أن يقال في إعراب (كم) من (ألم يأتكم) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
стр. 11886
وكذلك الرأي في (هم) من (ألم يأتهم) ، فالهاء والميم معا هما الضمير وليس الضمير هو الهاء وحدها، لأنها لا تستقل بالدلالة على جماعة الغائبين، فالميم جزء من اللفظ الدال عليهم، وليست حرفا ملحقا بالضمير، وأرى أن يقال في إعرابه: (هم) من (ألم يأتهم) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
وهكذا الرأي في (كما) من قولنا مثلا رأيتكما ف (كما) ضمير متصل دال على المثنى المخاطب مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وليس كما يقول المعربون: الكاف وحدها هي الضمير، والميم حرف عماد والألف حرف دال على التثنية.
لأن الكاف وحدها لا تدل على ضمير المخاطب المثنى وإنما اللفظ الدال عليه هو هذه الأحرف الثلاثة مجتمعة.
ومثله (كن) من قولنا مثلا (رأيتكن) ضمير متصل يدل على جماعة الإناث مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وليس كما يقولون: الكاف وحدها هي الضمير والنون المشددة حرف ملحق بالهاء للدلالة على جماعة الإناث. لأن الكاف والنون معا هما اللفظ الدال على جماعة الإناث فهما معا الضمير، وليس الكاف وحدها.
وهكذا القول في ضمير الغيبة (هما) في قولنا مثلا (رأيتهما) و (هن) في قولنا مثلا (رأيتهن) ..
هذا والاسم الظاهر المرفوع الذي جاء بعد (يأت) في هذه الصيغة وهو: (رسل، نبأ، بينة، نذير) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
أما الواو الواقعة بين همزة الاستفهام ولم في الآية الرابعة من هذه الآيات فعاطفة على ما قبل الهمزة، وقد تقدم ذكر الخلاف في المعطوف عليه لهذه الواو أكثر من مرة.
أما الصيغة الثانية عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للمضارع فهي التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة لمضارع كان نحو: ((ألم تكن ... )) ((أو لم تكونوا ... )) .
стр. 11887
وقد وردت هذه الصيغة في إحدى عشرة آية من آيات القرآن الكريم، وقد جئت أنا –همزة الاستفهام- في هذه الصيغة على معنى التقرير والتوبيخ في تسع من هذه الآيات الإحدى عشرة المتقدمة، وعلى معنى التقرير وحده في آيتين اثنين، وسوف ترين-أيتها الأخت العزيزة هل- هذا واضحا مفصلا فيما يلي:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ الآية (٩٧) من سورة النساء.
صيغة الاستفهام في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قالها الملائكة الذين توفوا ناسا من المسلمين ظلموا أنفسهم بأن تركوا الهجرة وأقاموا بين ظهراني المشركين بمكة على حال لا تمكنهم من إقامة الدين.
والهمزة هنا تفيد التقرير أي كانت أرض الله واسعة وكانت الهجرة فيها مستطاعة، وتفيد أيضا التوبيخ توبيخ هؤلاء الناس أن آثروا التمتع بالإقامة في بيوتهم وبين أقوامهم غير قادرين على إقامة شعائر الدين، آثروا ذلك على الهجرة إلى أرض أخرى يستطيعون فيها إقامة الدين والوفاء بحقه كما فعل الذين هاجروا إلى الحبشة ثم لحقوا بالمؤمنين في المدينة.
وجاءت هذه الجملة الاستفهامية أيضا ردّا على اعتذار هؤلاء الناس بأنهم كانوا مستضعفين في مكة، فقد كان اعتذار كاذبا غير صحيح، بدليل قوله تعالى عن هؤلاء بعد ذلك في ختام هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .
стр. 11888
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ الآية (١٤١) من سورة النساء.
في هذه الآية الكريمة يقول المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمؤمنين الخير أو الشر، وينتظرون بهم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لهم أو ظفر بهم، يقولون للمؤمنين إن كان للمؤمنين فتح من الله أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي كنا معكم مساندين مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة، فالاستفهام هنا للتقرير على معنى الإخبار أي كنا معكم.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ الآية (٤٤) من سورة إبراهيم.
هذا الاستفهام: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ ... ﴾ يفيد التقرير والتوبيخ
يفيد التقرير على معنى الإخبار أي كنتم أقسمتم من قبل في ديار الدنيا ما لكم من زوال عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك.
ويفيد أيضا التوبيخ، يوبخ الله هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم حين يرون العذاب يوم القيامة، يوبخهم على إنكارهم البعث وإقسامهم على ذلك.
ويوبخهم تعالى أيضا على أنهم لم يعتبروا بما أوقعه الله تعالى بالأمم التي كذبت الرسل من قبلهم مع أنهم سكنوا في مساكنهم ورأوا ما حلّ بهم وسمعوا.
стр. 11889
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ الآيتان (١٠٥-١٠٦) المؤمنون.
هذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ يفيد التقرير والتقريع والتوبيخ. التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بم تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي، وقد اعترف أهل النار المخاطبون على جهة الإثبات في الآية التي تلت هذه الآية: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ .
وأفادت الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله أهل النار ويوبخهم على تكذيبهم بآيات الله واتخاذهم المؤمنين سخريا.
الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ الآية (٤٠) من سورة الفرقان.
في هذه الآية الكريمة يخبر الله عن كفار مكة أنهم كانوا يمرون كثيرا على سدوم عظمى قرى قوم لوط التي أمطرت من السماء بالحجارة فدمرت على من فيها تدميرا، وأنهم كانوا يرونها ويرون ما حل بها وبأهلها قوم لوط لارتكابهم الفاحشة ومخالفتهم أوامر الله، ولكن كفار مكة لم يجدوا في هلاك أهلها عبرة وذكرى، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث والنشور ويوم الحساب.
والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ تفيد التقرير والتوبيخ: تفيد التقرير على معنى الإخبار أي كانوا يرونها، وتفيد التوبيخ: يوبخ الله أولئك الكفار على أنهم لم يعتبروا برؤيتها وبما حلّ بأهلها فمروا بها كما مرّت ركابهم.
стр. 11890
الآية السادسة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية (١٩٧) من سورة الشعراء.
همزة الاستفهام هنا في هذه الآية الكريمة تفيد التقرير والتقريع والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي كان علم علماء بني إسرائيل بأن هذا القرآن قد ذكر في كتب الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل علامة دالة لكفار قريش على صحته عندهم.
وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، ويقولون هم أصحاب الكتب الإلهية، فيظنون بهم العلم، وقد تهود كثير من العرب وتنصر كثير لاعتقادهم صحة دينهم.
وتفيد الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله كفار قريش ويوبخهم على أنهم لم يؤمنوا بالقرآن المنزل على محمد ﷺ مع قيام الدليل على صحته وهو علم علماء بني إسرائيل بذكره في الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء من قبل وعلماء بني إسرائيل في اعتقادهم صادقون لا يكذبون.
الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ الآية (٦٢) من سورة يس.
قبل هذه الآية آيتان يتصل بهما معنى هذه الآية وهما: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ الآيتان (٦٠-٦١) من سورة يس.
هذا الاستفهام: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ للتوبيخ والتقريع: يوبخ الله الكفار ويقرعهم على مخالفتهم العقل ومجانبتهم الحق والصواب في اتباعهم الشيطان وهو لهم عدو مبين، وعلى تركهم عبادة الله وهي الصراط المستقيم..
стр. 11891
الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ الآية (٥٠) من سورة غافر.
وقبل هذه الآية آية يتصل بها معنى هذه الآية وهي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ الآية (٤٩) من سورة غافر.
تتضمن هذه الآية الثامنة قول الملائكة خزنة جهنم ردا على الذين يعذبون في النار حين قال هؤلاء الكفار المعذبون في النار لخزنتها: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ فقال خزنتها لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ .
هذا الاستفهام يفيد التقرير والتوبيخ والتهكم: التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي، وقد اعترف المخاطبون بالإثبات بقولهم: (بلى) أي أتتنا الرسل بالبينات.
وخزنة جهنم باستفهامهم هذا ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يوبخون المعذبين في النار ويسخرون منهم أن ضيعوا الفرصة الطيبة الملائمة للدعاء وهي الإيمان بالرسل في الدار الدنيا، ثم جاءوا يطلبونه بعد فوات وقته وهم في النار حيث لا يكون دعاء الكافرين إلا في ضلال.
الآية التاسعة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ الآية (٣١) من سورة الجاثية.
стр. 11892
في هذه الآية يقول الله للذين كفروا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وهمزة الاستفهام هنا تفيد التوبيخ والتقريع: يوبخ الله في يوم القيامة الذين كفروا ويقرعهم على استكبارهم عن الإيمان بآيات الله، وعلى إعراضهم عنها.
الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الآية (١٤) من سورة الحديد.
ومعنى هذه الآية يتصل بمعنى آيتين قبلها وهما ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآيتان (١٢-١٣) من سورة الحديد.
في هذه الآية العاشرة ينادي المنافقون والمنافقات وقد شاهدوا العذاب، وضرب بينهم وبين الذين آمنوا بسور له باب، ينادون الذين آمنوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي ألم نكن في الدنيا معكم بحسب الظاهر نصلي ونغزو كما تغزون ونفعل مثل ما تفعلون.
هذا الاستفهام: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ يفيد التقرير والتعجب: التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على سبيل الإثبات أو النفي.
стр. 11893
وقد أجاب الذين آمنوا بالإثبات قائلين: ﴿بَلَى﴾ أي كنتم معنا بحسب الظاهر، ثم بينوا لهم حقيقة أمرهم في الدنيا بقولهم لهم: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي استعملتموها في الفتنة وأهلكتموها في النفاق ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر، ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ في أمر الدين، وغركم الشيطان بأن الله عفوّ كريم.
ومثار التعجب لدى المنافقين والمنافقات أنهم رأوا اختلاف الجزاء مع أن العمل –حسب زعمهم - واحد.
الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ الآية (٣٧) من سورة القيامة.
وليكون معنى هذه الآية أوضح وأتم أذكر ما قبلها وما بعدها من الآيات: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ الآيات (٢٦-٤٠) من سورة القيامة.
همزة الاستفهام في ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ للتقرير على معنى الإخبار، أي كان نطفة من مني يمنى.
وقد جاء هذا الاستفهام وما بعده ردا على من ينكر المعاد من أهل الزيغ والفساد، الذين يحسبون أنهم سوف يتركون في قبورهم مهملين لا يبعثون ولا يحاسبون، فالله القادر على أن يخلق الزوجين الذكر والأنثى من قطرة مني تراق في الرحم قادر على أن يحي الموتى ويبعث من في القبور، هو الخالق البارئ وهو على كل شيء قدير.
أختي العزيزة هل
إعراب هذه الصيغة واضح بين غير أني سوف أعربها وأعرب ما يتعلق بها في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ ... ﴾ لاشتمال هذا القول على شيئين أحب أن أنبهك عليهما:
стр. 11894
﴿أَوَلَمْ﴾ مرّ غير مرة إعراب الهمزة والواو ولم، و ﴿تَكُونُوا﴾ فعل مضارع من كان الناقصة مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير جماعة الذكور اسم تكون مبني على السكون في محل رفع، و ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ : أقسم فعل ماض مبني على الفتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض بسبب اتصال الفعل بضمير رفع متحرك، ولك أن تقولي في إعراب هذا الفعل: أقسم فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والفعل على كلا الإعرابيين لا محل له من الإعراب. و (تم) ضمير رفع متصل يدل على جماعة المخاطبين مبني على السكون في محل رفع فاعل، ولك أن تعربيه مجزئا فتقولي: التاء وحدها ضمير مبني على الضم في محل رفع فاعل، والميم حرف يدل على جماعة الذكور مبين على السكون لا محل له من الإعراب (وقد سبق بيان الضعف في تجزئة هذا الضمير وأمثاله) . ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وقبل: ظرف زمان مبني على الضم في محل جر بمن، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (أقسم) .
﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ ﴿ما﴾ نافية مهملة حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و ﴿لكم﴾ اللام حرف جر مبني على الفتح لا محل له من الإعراب و ﴿كم﴾ ضمير متصل يدل على جماعة المخاطبين مبني على السكون في محل جر باللام، ولك أن تعربيه مجزئا على النحو الذي تقدم ذكره.
стр. 11895
والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف تقديره كائن، وهذا المحذوف هو الخبر على رأي من أراء ثلاثة لأهل النحو في هذه المسألة. ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾ من: حرف جر زائد مبني على السكون لا محل له من الإعراب و ﴿زَوَالٍ﴾ مجرور بمن وعلامة جره السكون الظاهرة على آخره. و ﴿زَوَالٍ﴾ المجرور بمن الزائدة مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة المأتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، أما على رأي من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون إعرابه محليا ف ﴿زَوَالٍ﴾ في محل رفع مبتدأ مؤخر.
وجملة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ في محل نصب خبر تكونوا الناقصة.
وجملة ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ في محل نصب مفعول به لقول مقدر، والتقدير فيقول الله لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا ... ﴾
أختي العزيزة هل
قبل أن أختم هذه الرسالة أرى لزاما علي أن أنبهك على شيئين:
لقد مر في إعراب قوله تعالى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أن ﴿من﴾ حرف جر زائد، والحكم على هذا الحرف بالزيادة لا يعني أنه حشو في الكلام لا حاجة إليه، وإنما هو اصطلاح نحوي يعني أن المعنى الأساسي للجملة يتم بدونه، وأن هذا الجار الزائد لا يحتاج إلى متعلق وأن مجروره له محل من الإعراب غير هذه الكسرة التي جاءت لمناسبة هذا الجار الزائد.
وإذا كان المعنى الأساسي يتم بدون هذا الجار الزائد فهذا لا يعني أن دخول هذا الزائد في الكلام كخروجه منه، فهناك المعاني الفرعية التي تصاحب المعاني الأساسية فترفع الكلام في سلم البلاغة درجات.
стр. 11896
شتان أيتها - الأخت العزيزة - ما بين ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ مع مِنْ وبين (ما لكم زوال) بدونها فالمعنى الأساسي وهو نفي زوال المخاطبين واحد في الكلاميين، ولكن هناك فرقا بين النفي مع من والنفي بدونها، فالزوال معها منفي على سبيل العموم والشمول نصا ل يقبل أي احتمال أو تجوز، فليس هناك نوع من أنواع الزوال لم يشمله هذا النفي، على حين أن نفي الزوال بدون من وإن أفاد العموم والشمول ليس نصا، واحتمال التجوز فيه قائم.
والحال التي كان عليها المخاطبون من أنهم لن يبعثوا البتة ولن يتحولوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة بأي حال من الأحوال تقتضي ذكر (من) لأن ذكرها يجعل التعبير مصورا ما كانوا عليه تصويرا دقيقا، ويجعل الكلام مطابقا لما تقتضيه حالهم، وفي هذا التصوير الدقيق وفي هذه المطابقة التامة تكون البلاغة.
فـ (من) لا يمكن الاستغناء عنها بلاغة، وإن سماها أهل النحو زائدة.
الشيء الآخر الذي أحرص على أن أنبهك عليه هو بلاغة التعبير في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ يطلبون أن يردوا إلى الدنيا وكأنهم نسوا ما كان منهم فيها من تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، أو كأنهم يريدون أن ينكروا ما كان منهم من ضلال، فيقول الله لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ توبيخا لهم على ما كان منهم في الدار الدنيا وردا مقرعا على ما يطلبون.
فالحال التي كان عليها هؤلاء الذين يطلبون العودة إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل بعد أن كذبوهم تقتضي أن يساق لهم الجواب قويا مؤكدا، لأنهم كانوا بمنزلة المنكرين.
وقد كان الجواب كذلك إذ اشتمل على أسلوبين هما أقوى الأساليب التي تجعل المعاني تستقر في الأذهان فلا تنسى، وتتلقاها الأنفس على شوق فتثبت:
стр. 11897
أحدها كان في تكرار المسند إليه والمسند، فـ ﴿تَكُونُوا﴾ فيها مسند ومسند إليه و ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ فيها مسند ومسند إليه أيضا، وأنت إذا أمعنت النظر رأيت أن المسند إليه في الموضعين واحد، وكذلك المسند غير أنه جاء في تكونوا عاما وجاء في أقسمتم خاصا.
أما الأسلوب الثاني فأسلوب الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، فـ ﴿تَكُونُوا﴾ تدل على حدث عام مبهم ناقص، ولهذا العموم والإبهام والنقصان تتطلع نفس المخاطب راغبة وتستشرق لهفى إلى ما عساه يأتي، فإذا جاء الخبر وهو ﴿أ َقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ استقر في نفس المخاطب وثبت.
وهذه البلاغة التي جاءت في مطابقة الكلام في هذه الآية لحال المخاطبين لن تجدي شيئا منها في قول قائل: أو لم تقسموا ... بحذف (تكونوا) .
أختي العزيزة: هل
أختم هذه الرسالة وفي النفس أشياء كثيرة تتصل بهذه الصيغة كنت أود أن أقولها لك، ولكني أتركها على حسرة ومضض خشية الإملال.
أسأل الله تعالى أن يعين على رسالة قادمة نلتقي فيها عما قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
стр. 11898
سبيل الفلاح
للشيخ أبي بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(الآية ٣٥ من سورة المائدة)
بين يدي تفسير الآية:
أخرج بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلا أتاه فقال يا عبد الله اعهد إليّ، فقال: "إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ فارعها سمعك: فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
فهذا القول من عبد الله بن مسعود ﵁ يعتبر غاية الفقه، وغاية النصح، أمّا كونه غاية الفقه فقد دل عليه ما فهمه من أن الله تعالى إذا نادى عباده المؤمنين لم ينادهم إلا لخير يريدهم أن ينالوه، أو لشر يريدهم أن يحذروه، أمّا أولا: فلأن الله تعالى منزه عن اللعب والعبث فلا يمكن أن يناديهم لغير أمر يهمهم في حياتهم، وأمّا ثانيا فلأن ولايته تعالى لهم تستلزم هدايتهم وإرشادهم لما ينجيهم، ويكملهم ويسعدهم.
وأمّا كونه غاية النصح: فلأن العبد إذا أخذ نفسه على أن يُصغيَ دائما لنداء الله تعالى فيعي عنه ما يقول له ويدعوه إليه من فعل خير أو ترك شر، فإنه ينجو حتما ويكمل ويسعد، وهذا ما يرجوه كل عاقل ويعمل له طوال حياته.
مباحث ألفاظ الآية:
آمنوا: الإيمان التصديق الجازم. فآمنوا معناه صدقوا بوجود الله ربّا وإلها وبلقائه وعدا حقا.
تقوى الله تعالى المأمور بها في الآية هي الإسلام لله تعالى بطاعته فيما يأمر به ويدعو إليه من الإيمان وصالح الأعمال، وفيما ينهى عنه ويزجر من الشرك والمعاصي.
стр. 11899
وابتغوا إليه الوسيلة: الابتغاء: يقال ابتغى الشيء يبتغيه إذا طلبه، والوسيلة: ما يتوصل به إلى تحقيق غرض ما صالح كان أو فاسد وهي هنا – الوسيلة - طلب ما يتوصل به إلى رضوان الله تعالى ومحبته، والحظوة لديه من القرب والكرامة.
وجاهدوا: الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع. والجهاد المأمور به هنا بذل الجهد في إصلاح النفس والناس.
في سبيله: سبيله تعالى هي ما يوصل العبد إلى إصلاح نفسه وإصلاح غيره، فينجوا ويكمل ويسعد في الدنيا والآخرة.
لعلكم تفلحون: لعل هنا تعليلية أي اتقوا وتوسلوا وجاهدوا لتفلحوا. والفلاح: الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار، مع ما يسبق ذلك من كمال، وطهارة، وعزة، وكرامة في دار الدنيا قبل يوم القيامة.
بيان معنى الآية:
اعلم أخي القارئ فتح الله علينا وعليك أن هذه الآية الكريمة المباركة قد اشتملت على ثلاثة أوامر إلهية موجهة كلها إلى المؤمنين به تعالى وبلقائه، وبوحيه ورسوله محمد ﷺ ، وهذه الأوامر الثلاثة هي الأمر بتقواه عزوجل وبطلب الوسيلة إليه، والجهاد في سبيله. كما اشتملت على علة هذه الأوامر وهي الفلاح المترتب على فعلها. والفلاح هو الفوز بالنجاة من المرهوب. والظفر بالمرغوب، وبعبارة أوضح: الفلاح هو الكمال، والسعادة في الدنيا والآخرة. وإليك شرح هذه الأوامر علّك تقوم بها فتفوز كما فاز بها أهلها.
١_ الأمر بالتقوى، ومعناه: اتقاء عذاب الله تعالى المترتب على مخالفة أوامره وسننه في خلقه، ويتم للعبد هذا الاتقاء إذا هو أطاع الله تعالى، وأطاع رسوله ﷺ فيما أمرا به من العقائد والعبادات، وفيما نهيا عنه من الشرك والمعصيات.
стр. 11900
٢_ ابتغاء الوسيلة إليه تعالى وهو طلب التقرب إليه بأداء الفرائض مصحوبة بنوافلها، إذ لكل فريضة نافلة للحديث الصحيح: "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه الحديث....."
وأما التعليق على التوسل فإنا نقول للقارئ الكريم: إن التوسل الصحيح النافع هو ما بيناه في شرح جملة ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . وليس ما عليه أكثر العوام من الذبح على أضرحة الأولياء والنذر لهم، والاستغاثة بهم، ودعائهم، والعكوف على قبورهم وشد الرحال إليها، وسؤال الله تعالى بحقهم وجاههم، ليس هذا من التوسل في شيء وإنما هو الشرك بعبادة الله تعالى. والله يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: من الآية١١٠) .
كما أن قول العوام اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو فلان، واللهم إني أسألك بحق فلان أو فلان ليس من التوسل في شيء، لأن التوسل أن تقوم بعمل صالح شرعه الله ليكون قربة لعباده يتقربون به إليه فتفعله ثم تسأل الله تعالى بعبده فيعطيك سؤالك أما قول المرء أسألك بجاه فلان أو بحق فلان فإنه لا معنى له، إذ لم يشرعه الله دعاء ولا ذكرا ولا عبادة فكيف إذا يعطي عليه ويستجيب لصاحبه؟؟
وأغلب الظن أن التوسل بجاه فلان وحق فلان، كان من وضع غلاة الباطنية والزنادقة من أجل صرف العبد المسلم عن الوسائل المشروعة النافعة إلى وسيلة لا تشفع ولا تنفع، ولكن تضر وتغر، والعياذ بالله تعالى.
٣_ الجهاد في سبيله تعالى هو بذل الجهد، وما في الطاقة والوسع في مدافعة النفس عن اتباع هواها المفضي بالعبد إلى ترك العبادة التي خلق لأجلها، ولا يكمل ولا يسعد إلا بها، وفي حملها أن تتعلم أمور الدين، وتعمل بها، وتعلمها غيرها من الناس.
стр. 11901
وهذا جهاد، يستلزم جهاد أهل الفسق والخروج عن طاعة الرب، وذلك بحملهم على التزام حدود الشرع بواسطة الأمر والنهي المصحوبين بالترغيب والترهيب وهي الموعظة الحسنة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية١٢٥) .
وجهاد الشيطان عليه لعائن الله، وذلك بالتنبّه لكيده، ومعرفة تزيينه وإلغاء شبهه، وعدم الإصغاء إلى وساوسه، والاستعانة على ذلك بذكر الله تعالى، والاستعاذة بجنانه جل وعلا من كل فتنه وشروره.
وجهاد الكفار وهو أكبر من جهاد الشيطان. ويكون بالنفس والمال، وذلك بقتالهم مع إمام المسلمين أو نائبه حتى يسلموا لله رب العالمين، أو يستسلموا لحكم المسلمين، وبذلك يتمكن المؤمنون من عبادة ربهم حيث لم يخلقوا إلا لها، ولن يكملوا ولن يسعدوا في كلا حياتيهم إلا بها وعليها.
وأخيرا أيها القارئ الكريم إن العبد المؤمن إذا امتثل هذه الأوامر الثلاثة فاتقى الله ، وتوسل إليه بالإيمان وصالح الأعمال، وجاهد أعداءه ليأمن من شرهم، فيتمكن من العبادة التي هي سبب كماله وسعادته في الدنيا والآخرة، ربح أعظم ربح وفاز أكبر فوز، وذلك هو النجاة من ذل الدنيا وشقائها، وعذاب الآخرة وخزيها ودخول الجنة والتمتع بنعيمها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ (آل عمران: من الآية١٨٥)
هداية الآية:
إن هذه الآية كغيرها من الآيات القرآنية الكريمة تحمل الهدى للمؤمنين، والموعظة للمتقين والرحمة والبشرى للمسلمين، وهذه بعض مظاهر ذلك:
١) في نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان - يا أيها الذين آمنوا - إشعار بتكريمهم وتقدير لشرفهم، وعلو منزلتهم، وضمن ذلك تذكيرهم بما يتطلبه إيمانهم من الاستعداد للعمل والجهاد، وما يستلزمه من الطاعة بالاستجابة لله والرسول ﷺ والامتثال:
стр. 11902
٢) في الأمر بالتقوى القائمة على أساس فعل المأمور، وترك المنهي إعداد للمؤمن لأن يكمل في معارفه ويسمو بأخلاقه، ويطهر في نفسه، فيتأهل للقيادة والسيادة في الدنيا، والسعادة بالنعيم المقيم في الدار الآخرة. بعد أن يكون قد شرف بولاية الله تعالى، وفاز بمحبته، إذ بإيمانه وتقواه يحصل على ولاية الله، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . فجعل تعالى شرط الحصول على الولاية: الإيمان والتقوى.
٣) في الأمر بالتوسل فتح الباب للعبد ليقرب ويحب ويرضى، وهو نعيم روحي ما فوقه نعيم، وكمال نفسي دونه كل كمال، وما كان هذا ليحصل للعبد لولا أن الله تعالى فتح له، وفتح عليه. قال تعالى في حديث صحيح: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له من". فتح على العبد باب الإيمان والتقوى فآمن واتقى. وفتح له باب التوسل والتقرب فتوسل وتقرب فأحبَّ وأدْني وقرِّب، وفاز بالخلد والرضوان.
стр. 11903
٤) في الأمر بالتقوى، والتوسل، والجهاد دعوة المؤمن إلى العلم، والمعرفة، والمفروض أن تكون حاصلة له قبل القول والعمل، إذ لا يتأتى للعبد أن يتقي وهو يعرف لا يعرف ماذا يتقي، ولا أن يتوسل وهو لا يعرف بماذا يتوسل، ولا أن يجاهد وهو لا يعرف من يجاهد، ولا بماذا يجاهد؟ ولا ما الغاية من جهاده؟ ومن هنا كان المؤمن ملزما بطلب العلم، والحصول عليه، ومهما كان الثمن، وكانت المشقة، إذ لا يخطو خطوة واحدة في مضمار طلب النجاة، والكمال، والإسعاد في الدارين إلا بعد العلم والمعرفة. ولذا لا يوجد وليّ لله من عباده جاهل به تعالى، وبالطريق إليه المتمثلة في معرفة محابه، ومساخطه من الاعتقادات، والأقوال، والأفعال.
٥) في الأمر بالجهاد في ميادينه الأربعة التي مرت آنفا وهي جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق، وجهاد الكفار. في الأمر به دفع للمؤمن إلى القوة والكمال الذاتي، والخلقي، والروحي، تلك القوة التي بدونها لا يكمل، ولا يسود، ولا يقود، إنه بجهاده في هذه الجبهات الأربعة وبانتصاره فيها يكون قد آمن لنفسه المناخ الصالح، والساحة النقية للعبادة الحرة، والترقي في مدارج الكمال فيها، بأداء الفرائض، والنوافل، مع التخلي عن النقائص، والرذائل حتى يصل إلى مستوى الحب. فيعلن في السماء عن حبه، ويلقى له القبول في الأرض فلا يراه عبد صالح مثله إلا أحبه.
هذا بعض ما في آيتنا هذه من هداية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 11904
حول الشعر التعليمي (٢)
للدكتور صالح آدم بيلو
الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة
في ميدان النحو والفلك:
لمحمد بن إبراهيم الفزاري قصيدة مزدوجة في علم الفلك، يقول عنها ((ياقوت الحموي)) إنها تقوم مقام زيجات المنجمين، وهي طويلة يدخل في تفسيرها - هي وشروحها - عشرة أجلاد، أولها:
الحمد لله العلي الأعظم
ذي الفضل والمجد الكريم الأكرم
الواحد الفرد الجواد المنعم
الخالق السبع العلى طباقا
والشمس يجلو نورها الأغساقا
والبدر يملا نوره الآفاقا
الفلك الدائر في المسير
لأعظم الخطب من الأمور
يسير في بحر من البحور
فيه النجوم كلها عوامل
منها مقيم دهره وزايل
فطالع منها ومنها نازل
وهي هكذا ثلاثة أقفال ثلاثة أقفال [١]
وفي ميدان النحو استخدم الشعر التعليمي الإلمام به وتحخبيب دراسته، يقول إسحاق بن خلف البهراني:
النحو يبسط من لسان الألكن
والمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها
فأجلها منها مقيم الألسن [٢]
ويقول الكسائي ((ت ١٨٣ أو ١٨٩ هجري)) في المعنى نفسه:
إنما النحو قياس يتبع
وبه في كل أمر ينتفع
فإذا ما أبصر النحو فتى
مرّ في المنطق مرّا فتّسع
فاتقاه كل من جالسه
من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحو فتى
هاب أن ينطق جبنا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما
كان من خفض ومن نصب رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما
حرّف الإعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه
فإذا ما شكّ في حرف رجع
ناظرا فيه وفي إعرابه
فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم
ليست الألسن فينا كالبدع
كم وضيع رفع النحو وكم
من شريف قد رأيناه وضع [٣]
في ميدان اللهو والمجون:
стр. 11905
وإن تعجب فعجب لما بذله شعراء هذا العصر من جهد لاستخدام الشعر التعليمي في موضوعات اللهو والمجون الذي أصاب جانبا من جوانب ذلك المجتمع متأثرا بأمراض الفكر الوافد، والثقافة الدخيلة وأدوائهما ... فراحوا يضعون للهو والمجون أصولا وقواعد تجب مراعاتها، وقوانين ومراسم ينبغي أن تراعى وتلتزم [٤] .
من ذلك أرجوزة الرقاشي المزدوجة التي تحدث عنها ابن المعتز في طبقاته، قائلا عن ناظمها: ".... وهو يزعم كما ترى: أنها تدخر لوقت الموت، مجونا وخلاعة، وأولهما:
أوصى الرقاشي إلى خلاّنه
وصية المحمود في إخوانه
وهي مشهورة وموجودة" [٥] ... ولكن لم يصل منها غير هذا الذي أشار إليه ابن المعتز.
كما قام ((حمدان بن أبان اللاحقي)) بوضع أرجوزة طويلة في الحب وحيل المحبين اختار منها أو بكر الصولي ثمانية أبيات ومائة بيت أثبتهما في كتابه ((الأوراق)) بدئت بقوله:
ما بال أهل الأدب
منّا وأهل الكتب
قد وضعوا الآدابا
واتبعوا الأصحابا
لكل فن دفتر
منقط محبر
ففرقت أجناسا
وعلموها الناسا
بالحيل الرقيقة
والفطن الدقيقة
فارشدوا الضلالا
وعلموا الجهالا
سوى المحبين فلم
يرعوا لهم حق الذمم
في علم ما قد جهلوا
وما به قد ابتلوا
ويمضي حمدان اللاّحقي إلى أن يقول في آخر منظومته:
قد تم مني الوصف
ولم يخني الرصف
وانقضت القصيدة
محبوبة حميدة
والحمد للرحمن
ذي العزّ والسلطان
والذم للشيطان
ذي الذم والطغيان [٦]
ومن أروع ما جاء في هذا اللون من الشعر التعليمي ما أورده ابن المعتز في أرجوزته الطويلة ((ذم الصبوح)) ... إذ يصور شارب الخمر في أتعس حالاته وأبأس أوضاعه، فيقول في آخر قصيدته:
فمن أدام للشقاء هذا
من فعله والتذه التذاذا
لم يلف إلا دنس الأثواب
مهوّسا مهوّس الأصحاب
فازداد سهوا وضنى وسقما
следующие страницы →