Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.
стр. 11901
وهذا جهاد، يستلزم جهاد أهل الفسق والخروج عن طاعة الرب، وذلك بحملهم على التزام حدود الشرع بواسطة الأمر والنهي المصحوبين بالترغيب والترهيب وهي الموعظة الحسنة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية١٢٥) .
وجهاد الشيطان عليه لعائن الله، وذلك بالتنبّه لكيده، ومعرفة تزيينه وإلغاء شبهه، وعدم الإصغاء إلى وساوسه، والاستعانة على ذلك بذكر الله تعالى، والاستعاذة بجنانه جل وعلا من كل فتنه وشروره.
وجهاد الكفار وهو أكبر من جهاد الشيطان. ويكون بالنفس والمال، وذلك بقتالهم مع إمام المسلمين أو نائبه حتى يسلموا لله رب العالمين، أو يستسلموا لحكم المسلمين، وبذلك يتمكن المؤمنون من عبادة ربهم حيث لم يخلقوا إلا لها، ولن يكملوا ولن يسعدوا في كلا حياتيهم إلا بها وعليها.
وأخيرا أيها القارئ الكريم إن العبد المؤمن إذا امتثل هذه الأوامر الثلاثة فاتقى الله ، وتوسل إليه بالإيمان وصالح الأعمال، وجاهد أعداءه ليأمن من شرهم، فيتمكن من العبادة التي هي سبب كماله وسعادته في الدنيا والآخرة، ربح أعظم ربح وفاز أكبر فوز، وذلك هو النجاة من ذل الدنيا وشقائها، وعذاب الآخرة وخزيها ودخول الجنة والتمتع بنعيمها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ (آل عمران: من الآية١٨٥)
هداية الآية:
إن هذه الآية كغيرها من الآيات القرآنية الكريمة تحمل الهدى للمؤمنين، والموعظة للمتقين والرحمة والبشرى للمسلمين، وهذه بعض مظاهر ذلك:
١) في نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان - يا أيها الذين آمنوا - إشعار بتكريمهم وتقدير لشرفهم، وعلو منزلتهم، وضمن ذلك تذكيرهم بما يتطلبه إيمانهم من الاستعداد للعمل والجهاد، وما يستلزمه من الطاعة بالاستجابة لله والرسول ﷺ والامتثال:
стр. 11902
٢) في الأمر بالتقوى القائمة على أساس فعل المأمور، وترك المنهي إعداد للمؤمن لأن يكمل في معارفه ويسمو بأخلاقه، ويطهر في نفسه، فيتأهل للقيادة والسيادة في الدنيا، والسعادة بالنعيم المقيم في الدار الآخرة. بعد أن يكون قد شرف بولاية الله تعالى، وفاز بمحبته، إذ بإيمانه وتقواه يحصل على ولاية الله، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ . فجعل تعالى شرط الحصول على الولاية: الإيمان والتقوى.
٣) في الأمر بالتوسل فتح الباب للعبد ليقرب ويحب ويرضى، وهو نعيم روحي ما فوقه نعيم، وكمال نفسي دونه كل كمال، وما كان هذا ليحصل للعبد لولا أن الله تعالى فتح له، وفتح عليه. قال تعالى في حديث صحيح: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له من". فتح على العبد باب الإيمان والتقوى فآمن واتقى. وفتح له باب التوسل والتقرب فتوسل وتقرب فأحبَّ وأدْني وقرِّب، وفاز بالخلد والرضوان.
стр. 11903
٤) في الأمر بالتقوى، والتوسل، والجهاد دعوة المؤمن إلى العلم، والمعرفة، والمفروض أن تكون حاصلة له قبل القول والعمل، إذ لا يتأتى للعبد أن يتقي وهو يعرف لا يعرف ماذا يتقي، ولا أن يتوسل وهو لا يعرف بماذا يتوسل، ولا أن يجاهد وهو لا يعرف من يجاهد، ولا بماذا يجاهد؟ ولا ما الغاية من جهاده؟ ومن هنا كان المؤمن ملزما بطلب العلم، والحصول عليه، ومهما كان الثمن، وكانت المشقة، إذ لا يخطو خطوة واحدة في مضمار طلب النجاة، والكمال، والإسعاد في الدارين إلا بعد العلم والمعرفة. ولذا لا يوجد وليّ لله من عباده جاهل به تعالى، وبالطريق إليه المتمثلة في معرفة محابه، ومساخطه من الاعتقادات، والأقوال، والأفعال.
٥) في الأمر بالجهاد في ميادينه الأربعة التي مرت آنفا وهي جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق، وجهاد الكفار. في الأمر به دفع للمؤمن إلى القوة والكمال الذاتي، والخلقي، والروحي، تلك القوة التي بدونها لا يكمل، ولا يسود، ولا يقود، إنه بجهاده في هذه الجبهات الأربعة وبانتصاره فيها يكون قد آمن لنفسه المناخ الصالح، والساحة النقية للعبادة الحرة، والترقي في مدارج الكمال فيها، بأداء الفرائض، والنوافل، مع التخلي عن النقائص، والرذائل حتى يصل إلى مستوى الحب. فيعلن في السماء عن حبه، ويلقى له القبول في الأرض فلا يراه عبد صالح مثله إلا أحبه.
هذا بعض ما في آيتنا هذه من هداية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 11904
حول الشعر التعليمي (٢)
للدكتور صالح آدم بيلو
الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة
في ميدان النحو والفلك:
لمحمد بن إبراهيم الفزاري قصيدة مزدوجة في علم الفلك، يقول عنها ((ياقوت الحموي)) إنها تقوم مقام زيجات المنجمين، وهي طويلة يدخل في تفسيرها - هي وشروحها - عشرة أجلاد، أولها:
الحمد لله العلي الأعظم
ذي الفضل والمجد الكريم الأكرم
الواحد الفرد الجواد المنعم
الخالق السبع العلى طباقا
والشمس يجلو نورها الأغساقا
والبدر يملا نوره الآفاقا
الفلك الدائر في المسير
لأعظم الخطب من الأمور
يسير في بحر من البحور
فيه النجوم كلها عوامل
منها مقيم دهره وزايل
فطالع منها ومنها نازل
وهي هكذا ثلاثة أقفال ثلاثة أقفال [١]
وفي ميدان النحو استخدم الشعر التعليمي الإلمام به وتحخبيب دراسته، يقول إسحاق بن خلف البهراني:
النحو يبسط من لسان الألكن
والمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها
فأجلها منها مقيم الألسن [٢]
ويقول الكسائي ((ت ١٨٣ أو ١٨٩ هجري)) في المعنى نفسه:
إنما النحو قياس يتبع
وبه في كل أمر ينتفع
فإذا ما أبصر النحو فتى
مرّ في المنطق مرّا فتّسع
فاتقاه كل من جالسه
من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحو فتى
هاب أن ينطق جبنا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما
كان من خفض ومن نصب رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما
حرّف الإعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه
فإذا ما شكّ في حرف رجع
ناظرا فيه وفي إعرابه
فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم
ليست الألسن فينا كالبدع
كم وضيع رفع النحو وكم
من شريف قد رأيناه وضع [٣]
في ميدان اللهو والمجون:
стр. 11905
وإن تعجب فعجب لما بذله شعراء هذا العصر من جهد لاستخدام الشعر التعليمي في موضوعات اللهو والمجون الذي أصاب جانبا من جوانب ذلك المجتمع متأثرا بأمراض الفكر الوافد، والثقافة الدخيلة وأدوائهما ... فراحوا يضعون للهو والمجون أصولا وقواعد تجب مراعاتها، وقوانين ومراسم ينبغي أن تراعى وتلتزم [٤] .
من ذلك أرجوزة الرقاشي المزدوجة التي تحدث عنها ابن المعتز في طبقاته، قائلا عن ناظمها: ".... وهو يزعم كما ترى: أنها تدخر لوقت الموت، مجونا وخلاعة، وأولهما:
أوصى الرقاشي إلى خلاّنه
وصية المحمود في إخوانه
وهي مشهورة وموجودة" [٥] ... ولكن لم يصل منها غير هذا الذي أشار إليه ابن المعتز.
كما قام ((حمدان بن أبان اللاحقي)) بوضع أرجوزة طويلة في الحب وحيل المحبين اختار منها أو بكر الصولي ثمانية أبيات ومائة بيت أثبتهما في كتابه ((الأوراق)) بدئت بقوله:
ما بال أهل الأدب
منّا وأهل الكتب
قد وضعوا الآدابا
واتبعوا الأصحابا
لكل فن دفتر
منقط محبر
ففرقت أجناسا
وعلموها الناسا
بالحيل الرقيقة
والفطن الدقيقة
فارشدوا الضلالا
وعلموا الجهالا
سوى المحبين فلم
يرعوا لهم حق الذمم
في علم ما قد جهلوا
وما به قد ابتلوا
ويمضي حمدان اللاّحقي إلى أن يقول في آخر منظومته:
قد تم مني الوصف
ولم يخني الرصف
وانقضت القصيدة
محبوبة حميدة
والحمد للرحمن
ذي العزّ والسلطان
والذم للشيطان
ذي الذم والطغيان [٦]
ومن أروع ما جاء في هذا اللون من الشعر التعليمي ما أورده ابن المعتز في أرجوزته الطويلة ((ذم الصبوح)) ... إذ يصور شارب الخمر في أتعس حالاته وأبأس أوضاعه، فيقول في آخر قصيدته:
فمن أدام للشقاء هذا
من فعله والتذه التذاذا
لم يلف إلا دنس الأثواب
مهوّسا مهوّس الأصحاب
فازداد سهوا وضنى وسقما
стр. 11906
ولا تراه الدهر إلا فدما
ذا شارب وظفر طويل
ينغص الزاد على الخليل
ومقلة مبيضة المآقي
وأذن كحقة الدباق
وجسد عليه جلد من وسخ
كأنه أشرب نفطا أو لطخ
تخال من تحت إبطه إذا عرق
لحية قاض قد نجا من الغرق
وريقه كمثل طوق من أدم
وليس من ترك السؤال يحتشم
في صدره من واكف وقاطر
كأثر الذرق على الكنادر
هذا، كذا، وما تركت أكثر
فجربوا ما قلته وفكروا [٧]
في ميدان السير والتاريخ:
لعل أهم عملين كبيرين في هذا المجال مزدوجتان: مزدوجة علي بن الجهم [٨] ومزدوجة عبد الله بن المعتز في السير والتاريخ..
أما ابن الجهم (١٨٨ –٢٤٩ هجري) فله مزدوجة تسمى ((المحبّرة)) شديدة الطول، تقع في ثلاثمائة وثمانية أبيات، ذكر فيها ابتداء الخلق والأنبياء والخلفاء إلى أيامه –أيام الخليفة المستعين العباسي ٢٤٨ هجري- وبدأ حديثه بحمد الله والصلاة على نبيه، ثم أخذ يجيب من يسأله عن بدء الخليقة:
الحمد لله المعيد المبدي
حمدا كثيرا، وهو أهل الحمد
ثم الصلاة أولا وآخرا
على النبي باطنا وظاهرا
يا سائلي عن ابتداء الخلق
مسألة القاصد قصد الحق
أخبرني قوم من الثقات
أولو علوم وأولو هيئات
تقدموا في طلب الآثار
وعرفوا حقائق الأخبار
وفهموا التوراة والإنجيلا
واحكموا التنزيل والتأويلا
أن الذي يفعل ما يشاء
ومن له العزة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء
وقد منه زوجه حواء
مبتدئا ذلك يوم الجمعة
حتى إذا أكمل منه صنعة
أسكنه وزوجه الجنانا
فكان من أمرهما ما كانا
وراح يتحدث عن إغراء إبليس آدم وزوجه، واستجابتهما له، وكيف أهبطا من الجنة إلى الأرض في جبل بالهند يسمى ((واسم)) ... واستمر يتحدث عن أبناء آدم وأحفاده، إلى أن جاء إلى نوح ﵇، فقال:
فأرسل الله إليهم نوحا
عبدا لمن أرسله نصوحا
стр. 11907
فعاش ألفا غير خمسين سنة
يدعو إلى الله وتمضى الأزمنة
يدعوهم سرا ويدعو جهرا
فلم يزدهم ذلك إلا كفرا
وانهمكوا في الكفر والطغيان
وأظهروا عبادة الأوثان
وهكذا يمضي الشاعر في أرجوزته يتحدث في استفاضة، ودقة متناهية عن قصة أبي البشر الثاني مع قومه، وما أعقب ذلك من أحداث. وتحدث عن الأنبياء والرسل نبيا نبيا، ورسولا رسولا، وعن الأمم والشعوب من عرب وعجم قبل مطلع النور –الإسلام
فيقول:
فهذه جملة أخبار الأمم
منقولة من عرب ومن عجم
وكل قوم لهم فكير
وقلما تحصل الأمور
وعميت في الفترة الأخبار
إلا التي سارت بها الأشعار
والفرس والروم لهم أيام
يمنع من تفخيمها الإسلام
وإنما يقنع أهل العقل
بكتب الله وقول الرسل
وجاء الإسلام بنوره الوهاج:
ثم أزال الظلمة الضياء
وعاودت جدتها الأشياء
ودانت الشعوب والأحياء
وجاء ما ليس به خفاء
أتاهم المنتخب الأوّاه
محمد صلى عليه الله
وانساب الشاعر يصور الأحداث حدثا حدثا، والخلفاء خليفة خليفة إلى أيام المستعين الذي عاصره الشاعر، واختتم أرجوزته قائلا:
فنحن في خلافة مباركة
خلت عن الأضرار والمشاركة
فالحمد لله على إنعامه
جميع هذا الأمر من أحكامه
ثم الصلاة أولا وآخرا
على النبي باطنا وظاهرا [٩]
وبذا يكون علي بن الجهم أول شاعر يقوم بعمل متكامل وصل إلينا كاملا في هذا الباب [١٠] .
أما عبد الله بن المعتز ((٢٤٧ -٢٩٦ هجري)) فقد نظم في أرجوزته حياة الخليفة العباسي المعتضد ((٢٧٩ -٢٨٩ هجري)) وسيرته وما قام به من أعمال كبيرة وعظيمة، فرفع من شأن الخلافة بعد اتضاع، وأخذ على يد الأتراك بقدر المستطاع، وشرح الشاعر فيها الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفسادها، وتحدث عن القضاء على الثائرين والمتمردين!..
стр. 11908
وهذه الأرجوزة يحسبها كثير من النقاد والباحثين مظهرا من مظاهر الشعر القصصي [١١] ، ويقول الأستاذ أحمد أمين: " ... هي صورة مصغرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامة سدت بعض النقص في الشعر العربي من هذا النوع" [١٢] .
يفتتح الشاعر أرجوزته على الطريقة التي سلكتها المتون في الأزهر القديم:
باسم الإله الملك الرحمن
ذي العز والقدرة والسلطان
الحمد لله على ألائه
أحمده والحمد من نعمائه
أبدع خلقا لم يكن فكان
وأظهر الحجة والبرهانا
وجعل الخاتم للنبوة
أحمد ذا الشفاعة المرجوة
الصادق المهذب المطهرا
صلى عليه ربنا فأكثرا
مضى وأبقى لبني العباس
ميراث ملك ثابت الأساس
برغم كل حاسد يبغيه
يهدمه كأنه يبنيه
ثم يذكر أنه ألف هذه القصيدة في سيرة أبي العباس المعتضد، ويعرض لحال الخلافة قبله، والفوضى السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة، وأعمال أبيه ((الموفق)) والقضاء على فتنة الثائر العلوي ٢٧٠ هجري، فيقول:
قام بأمر الملك لما ضاعا
وكان نهبا في الورى مضاعا
تذللا ليست له مهابة
يخاف إن طنت به ذبابة
وكل يوم ملك مقتول
أو خائف مروع ذليل
أو خالع للعقد كيما يغني
وذاك أدعى للردى وأدنى
وكم أمير كان رأس جيش
قد نغصوا عليه كل عيش
وكل يوم شغب وغصب
وأنفس مقتولة وحرب
وكم فتى قد راح نهبا راكبا
إما جليس ملك أو كاتبا
فوضعوا في رأسه السياطا
وجعلوا يردونه شطاطا
وكم فتاة خرجت من منزل
فغصبوها نفسها في المحفل
وفضحوها عند من يعرفها
وصدقوا العشيق كي يقرفها
وحصل الزوج لضعف حيلته
على نواحه ونتف لحيته
وكل يوم عسكر فعسكرا
بالكرخ والدور مواتا أحمرا
كذاك حتى أفقروا الخلافة
وعودوها الرعب والمخافة
فتلك أطلال لهم قفارا
ترى الشياطين بها نهارا
стр. 11909
ويصور الشاعر الفظائع التي كانت تنصب على أفراد الأمة من مصادرات لأموالهم بعد انتهاك حرماتهم، فيقول:
أجرأ خلق الله ظلما فاحشا
وأجور الناس عقابا بالوشى
يأخذ من هذا الشقي ضيعته
وذا يريد ماله وحرمته
وويل من مات أبوه موسرا
أليس هذا محكما مشهرا؟!
وطال في دار البلاء سجنه
وقال: من يدري بأنك ابنه؟!
فقال جيراني ومن يعرفني
فنتفوا سباله حتى فنى
وأسرفوا في لكمه ودفعه
وخدرت أكفهم في صفعه
ولم يزل في أضيق الحبوس
حتى رمى إليهم بالكيس
وتاجر ذي جوهر ومال
كان من الله بحسن حال
قيل له عندك للسلطان
ودائع غالية الأثمان
فقال: لا والله ما عندي له
صغيرة من ذا ولا جليلة
وإنما أربحت في التجارة
ولم أكن في المال ذا خسارة
فدخنوه بدخان التبن
وأوقدوه بثفال اللبن
حتى إذا مل الحياة وضجر
وقال ليت المال جمعا في سقر
أعطاهم ما طلبوا فأطلقا
يستعمل المشي ويمشي العنقا [١٣]
ثم يأتي إلى تصوير عناية الخليفة المعتضد بالجيش واختياره جنوده، وقيامه بحركة تطهير واسعة في هذا الجيش ونبذ غير اللائقين منهم بكرامة الجندي:
واختار من جنوده كل بطل
مجرب إن حضر الموت قتل
ثم نفى كل دخيل قد مرق
إذا رأى السيف جرى من الفرق
حتى إذا صفى خيار الجند
قال يا حرب اهزلي وجدي
سار إلى الموصل ينوي أمرا
فملأ البر معا والبحرا [١٤]
وهكذا يسير ابن المعتز في أرجوزته، أو قل ملحمته التي بلغت نحوا من عشرين وأربعمائة بيت في تاريخ الخليفة المعتضد.
стр. 11910
ومن هنا: نرى أن الشعر التعليمي قد وجد عند العرب منذ جاهليتهم بكل أقسامه التي عرفت عند اليونان، وقد رأينا لذلك أمثلة عند شعراء جاهليين، كما وجدناه عند الشعراء الأمويين في أخص أقسامه، في أبياته في صناعة الكيمياء.. ووجدناه في الأرجوزة الأموية التي اتخذت وسيلة لتعليم غريب اللغة، مما ألهم المقامة فيما بعد، ودفع بالشعراء في العصر العباسي إلى التوسع في الشعر التعليمي، حتى إذا ولج أبان اللاحقي هذا الميدان، فتح الباب واسعا، فتهافت عليه من تهافت من الشعراء أو النظاميين!..
وبهذا يتضح أن الشعر التعليمي العباسي لم يكن في جملته وتفصيله تقليدا لمثيله عند الأمم الأخرى كالهنود واليونان.. تلك الأمم التي عرفت هذا اللون من الشعر!..
ولكن هل يعني هذا الكلام أننا ننكر أن للثقافة الدخيلة والفكر الوافد أثرا في الشعر التعليمي خلال هذا العصر؟!.
كلا!.. نحن لا ننكر هذا التأثير، ولكنا نريد أن نقول: إن التأثير الوافد لم يكن في إنشاء هذا اللون من الشعر في الأدب العربي وإيجاده –فلقد كان ذلك موجودا في العربية منذ زمن طويل كما رأينا- ولكن التأثير كان في تشكيله وإعطائه ملامح نهائية، وسمات بينة، متعاونا مع عوامل أخرى ...
стр. 11911
إن تأثير الفكر الوافد في الشعر التعليمي لا يعدو أن يكون هو التأثير ذاته أثره في الخمريات وشعر اللهو والمجون، والزهد ... الخ في هذا العصر، وكل أولئك كان موجودا في العصور السابقة لهذا العصر، ولم يعز أحد ابتكارها وابتداعها للعصر العباسي، مع ذلك فلا ينكر أحد أنها في هذا الوقت قد زيدت مساحتها ومدت الرقعة التي تشغلها، وأنه أضيف إلى الصورة أشياء وألوان، حتى لقد ينخدع كثيرون بأن كل ما هناك جديد مبتكر.. والشعر التعليمي لم يكن بدعا في ذلك؛ فهو قد تأثر بالعصر وظروفه وملابساته، وبما كان يموج فيه من فكر وثقافة ومعرفة متعددة المصادر والينابيع.. ولقد بانت في هذا العصر ملامح وحدود كثير من العلوم، واتضحت معالم كثير من المعارف، فأخذ الشعراء منذئذ يتناولون هذه المعارف والفنون بالنظم شعرا؛ فظن الظانون أن المضمون ما دام جديدا أو شبه جديد فلا بد أن يكون هذا الشكل الذي قدم فيه جديدا كذلك!..
والمسألة في نظرهم بدت على الصورة الآتية: إن كليلة ودمنة يمثل جانبا من الثقافة الجديدة الوافدة الدخيلة على الأدب العربي، وقام أبان اللاحقي الفارسي بما أوتي من الفاتنة، فافتتن الناس بها افتتانا ... إذن؛ فالشعر التعليمي الذي نظم به هذا الكتاب الوافد، وافد أيضا، أو من نتاج الثقافة الوافدة!..
وهذه النتيجة ليست صحيحة!..
إلى هنا رأينا كيف اتخذ الشعر التعليمي صورا متعددة وجديدة ... ومما نلحظه: أن الشعراء في هذا قد آثروا بحر الرجز المصرع –غالبا وفي أكثر الأحوال خصوصا في العصور التي تلت العصر العباسي- لأنه بزحافاته يسهل تشكيل الكلام، ولأنه أخف وقعا، وأسهل حفظا، وأبقى في الذاكرة ... ولذا فإن السابقين قد التفتوا إلى أن الشعر بموسيقاه وإيقاعه ألطف وأوقع في النفس، وأخف على السمع، وأسرع رسوخا في الذاكرة، مع أن هذا اللون من النظم خال من مقومات الشعر، وهي العاصفة والخيال وروعة الأسلوب!..
стр. 11912
القيمة الفنية للشعر التعليمي:
هذا اللون من الشعر من الناحية الفنية ليس على شيء، وليس هو بأكثر من كلام موزون مقفى، لأن الشعر في حقيقته إن هو إلا عاصفة جياشة، وخيال مهوم بديع، وأسلوب جميل، ولفظ أخاذ، يضاف إلى ذلك الموسيقى والتوقيع!..
على أنه ينبغي ألا نندفع ونبالغ في التعميم، فنردد أن الشعر التعليمي – على إطلاقه - إن هو إلا كلام موزون مقفى ... الخ.
إن هذا الكلام لا يصدق إلا في بعض ألوان الشعر التعليمي، أو على القسم الذي أسموه ((حقائق الفنون والعلوم والمعارف)) .. على حين لا يكون الأمر كذلك – دائما- في الأقسام الأخرى من الشعر التعليمي، خصوصا النوع الذي يتناول التاريخ وأحداثه، فقد يحور ويتحول عند الشاعر المبدع، والفنان البارع الموهوب إلى شعر قصصي [١٥] )) آسر للقلوب كالذي رأيناه في رائعتي ابن المعتز اللتين وقفنا عندهما بقصد توكيد هذه الحقيقة!..
اعتراف بالجميل:
ومهما قيل في القيمة الفنية للشعر التعليمي، فإنني أرى –من الإنصاف- عدم تجريده من كل فضيلة، ولا أرى إنكار أنه قد أدى بعض المهمة التي أريد له أن يؤديها ... ذلك أنه قد حفظ كثيرا من تراث هذه الأمة الديني واللغوي والعلمي خصوصا في العصور المتأخرة التي شمل الضعف والتدهور كل جوانب الحياة فيها!!..
الأدب الإسلامي
- إدخال مادة الأدب الإسلامي بصفة عامة وأدب الدعوة بصفة خاصة في أقسام الدعوة والإعلام وفي السنوات التمهيدية من الدراسات العليا وإعداد الرسائل الجامعية التي تبرز هذا الأدب وتقعد له وتخرج الباحثين المختصين فيه.
- أن يكون الأدب الإسلامي الذي نقدمه للطلاب في مراحل الدراسة جميعها وثيق الصلة –مادة ومعنى- بكتاب الله وحديث رسول الله وآثار الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان لما في ذلك من روعة بيانية. وعمق إيماني وروح نابضة بالخير والبر وتغذية مستمرة لأدبنا الإسلامي المعاصر.
стр. 11913
(من توصيات مؤتمر حوار الأدب الإسلامي ومناهج دراسته. الذي عقد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] معجم الأدباء بتحقيق مرجايوث ج ٢ /٢٦٨، والوافي والوفيات للصلاح الصفدي المطبعة الهاشمية بدمشق عام ١٩٥٣ م ج ١ /٣٣٦.
[٢] زهر الآداب للحصري بتحقيق زكي مبارك ج ٣ /١٣٨ والكامل للمبرد مطبعة نهضة مصر ج ٢ /٢٣.
[٣] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج ١١ /٤١٢ وبعض الأبيات في كتاب ((الورقة)) لابن الجراح ص ٤٦.
[٤] وانظر باستفاضة ((التيارات الفكرية الوافدة في العصر العباسي وصداها في الأدب)) للدكتور صالح آدم بيلو ص ٢٢٣ -٢٥٠.
[٥] طبقات ابن المعتز ص ٢٢٦.
[٦] الأوراق للصولي –قسم أخبار الشعراء- ص ٥٧ -٦٢.
[٧] رسائل ابن المعتز بتحقيق الدكتور عبد المنعم خفاجي مطبعة مصطفى الحلبي عام ١٩٤٦ م ص ١٠٧ -١١٤.
[٨] راجع مقدمة ديوان علي بن الجهم بقلم خليل مردم بك –لجنة التراث العربي ببيروت ص ٣٦ وكذلك ص ١٥٧ وص ٢٢٧.
[٩] راجع القصيدة في ديوانه ص ٢٢٨ -٢٥٠.
[١٠] انظر مقدمة محقق الديوان.
[١١] من حديث الشعر والنثر لطه حسين ص ٢٨٥ وما بعدها.
[١٢] ظهر الإسلام لأحمد أمين ج ١ /٢٥.
[١٣] إنها لصورة حية للشعوب التيب منيت بالحكم الاشتراكي والماركسي في العصر الحديث المجلة.
[١٤] رسائل ابن المعتز بتحقيق الدكتور خفاجي ص ٨٠ -١٠٧.
[١٥] انظر طه حسين في حديث الأربعاء ج ٢ /٢٢٠ وأحمد أمين في ظهر الإسلام ج ١ /٢٥.
стр. 11914
بحث في صيغة أفعل [١]
بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في اللغة [٢]
لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
المدرس بكلية اللغة العربية – جامعة الأزهر
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين خالق الألسن واللغات واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حكمه البالغات وأصلي وأسلم على سيدنا محمد ﷺ الذي بعثه رحمة للعالمين واصطفاه بلسان عربي مبين، وجعل فصاحته في ربوة ذات قرار ومعين وبعد فقد جاءت صيغة أفعل في اللغة العربية متداولة في الاستعمال في أغراض شتى وأنواع متعددة فجاءت فعلا متعدد المعاني مما جعل العلماء يعنون به ويؤلفون فيه كتبا كثيرة تحمل هذا الاسم (فعلت وأفعلت) أو (فعل وأفعل) فألف فيه أبو زيد الأنصاري المتوفى سنة ٢١٦ هجري (وقيل سنة ٢١٤، ٢١٥) وأبو عبيدة المتوفى سنة ٢١١ هجري والأصمعي المتوفى سنة ٢١٥ هجري والفراء المتوفى سنة ٢٥٧ هجري وثعلب في فصيحه المتوفى سنة ٢٩١ هجري والزجاج المتوفى سنة ٣١١ هجري وأبو علي القالي المتوفى سنة ٣٥٦ هجري، (والآمدي المتوفى سنة ٣٧٠ هجري وكمال الدين بن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧ هجري وابن مالك المتوفى سنة ٢٧٢ هجري وفي أدب الكاتب لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٦٧ هجري فصل خاص به من شرح الجواليقي المتوفى سنة ٤٦٥ هجري وفي المخصص لابن سيدة المتوفى سنة ٤٥٨ هجري فصل خاص به، وقد عنى بصيغة أفعل في نهاية كل باب (الميداني المتوفى سنة ٥١٨ هجري في كتابه مجمع الأمثال) ومن يمعن النظر في هذه الكتب يلاحظ العناية بهذه الصيغة نظرا لما يستفاد منها من المعاني المتفرقة، ويلاحظ أنها جاءت اسما وصفة وعلما واستعملت في تراكيب شتى كالتعجب وأفعل التفضيل. وربما بعض الأفعال أدى وظيفة خاصة به كأصبح وأمسى من أخوات كان وأعلم وأرى من أخوات ظن لكنهما ينصبان مفاعيل ثلاثة وبعض الأسماء والصفات له علاقة ببعض الأبواب في النحو كباب
стр. 11915
ما لا ينصرف وباب الجموع لذا كرست جهدي في جمع حبات العقد المنفرط ليكون أمام القارئ فلا يحتاج إلى إعمال فكر وكد ذهن وقد جعلت حديثي عن هذه الصيغة من ناحية فعليتها أولا واسميتها ثانيا ذاكرا ما يتعلق بها من أحكام متفرقة من السماع والقياس والشذوذ والندور وما إليها من الأحكام اللغوية لهذه الصيغة العربية والله أسأل أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يجنبني الخطأ والزلل وأن يجعل لي من الفهم عنه وعن رسوله ما أبلغ به منازل الصديقين وأحشر في زمرة العلماء العاملين إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
ومبلغ الرجاء أن يكون هذا البحث قد حقق ما قصدت إليه من تقريب تلك الآثار العلمية لاستعمال هذه الصيغة إلى جمهرة اللغويين والمنتفعين كي يزدادوا باللغة العربية استمساكا وإعزازا حتى تكون لسانا مبينا لحضارة عصرهم كما كانت حضارة أسلافهم الزاهرة بلسان عربي مبين خاصة وأنها وعاء القرآن الكريم كلام رب العالمين.
صيغة (أفعل) بين العربية وأخواتها في السامية
جاءت هذه الصيغة في اللغات السامية وقد لوحظ أن اللغات الحبشية والسريانية والنبطية والتدمرية واللهجات العربية القديمة كالصفوية واللحيانية والثمودية تعبر عن كثير من المعاني بوزن (أفعل) كاللغة العربية الحالية.
وتعبر بعض اللهجات الآرامية عن هذه المعاني بوزن (هفعل) وأيضا في اللهجتين العربيتين الجاهليتين وهم الثمودية واللحيانية ونجد أن صيغة (أفعل) كانت مستعملة في اللغة السبئية وبعض اللهجات الآرامية ... وكانت اللغات الأكدية تعبر عن بعض المعاني التيتستفاد من (أفعل) في العربية بصيغة أخرى تقترب منها هي شفعل المستخدم في اللغة السريانية بجانب وزن (أفعل)
وكانت اللغات الحضرمية والقتبانية والأوسانية تعبر بصيغة هي (سفعل) غير أنه توجد آثار استخدام وزن (هفعل) في بعض اللهجات.
стр. 11916
ويستدل عن وجود هذه الصيغ المختلفة في اللغات السامية على أن تلك الصيغ (أفعل- هفعل- شفعل – سفعل) كانت مستخدمة جميعا عند الجماعات السامية الأولى للدلالة على المعاني المختلفة، وأخذت بعض تلك الصيغ تضيع من الاستعمال في بعض اللهجات وتهمل لأسباب تتفق وطبيعة تلك الشعوب.
كما أخذت كل جماعة من الجماعات السامية تكتفي بصيغة واحدة من هذه الصيغ للدلالة على المعاني المختلفة التي تستفاد منها.
وقد بقيت بعض آثار الصيغ الأخرى في كثير من اللغات السامية لكي تدل على أن الصيغ المهملة كانت في القديم متداولة وشائعة بين الجماعات السامية الأولى، وتوجد في اللغة العربية آثار لبعض الأوزان الأخرى، وقد فطن النحويون واللغويون العرب لذلك، فقد جاء في كتاب المقتضب للمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ هجري: أرقت وهرقت وإياك وهياك [٣] .
وجاء في كتاب الأفعال لابن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧ هجري ما يلي:
وهرقت الماء هرقا، وأهرقته ويقال إن الهاء في هرقت مبدلة من همزة فيكون حينئذ رباعيا مستقبله أربعة وقالوا أهريقه [٤] .
وجاء في كتاب المنصف لابن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هجري (وقد قيل إن الهاء في هجرع وهو الطويل فالهاء زائدة كأنه من الجرع وهو المكان السهل المنقاد. وهو من معنى الطول، وكذلك هبلع وهو الأكول مأخوذ من البلع أما هركولة وهو المرأة الجسيمة فذهب الخليل فيما حكاه عنه أبو الحسن إلى أن الهاء زائدة ووزنه هفعولة أخذه من الركل وهو الرفس بالرجل كأنها لثقلها تركل في مشيتها أي ترفع رجلها وتضعها بقوة كالرفس [٥] .
وجاء في شرح المفصل لابن يعيش المتوفى سنة ٦٤٣هجري ما يلي:
اعلم أنهم قالوا: أهراق فمن قال هراق فالهاء عنده بدلا من همزة أراق على حد هردت أن أفعل في أردت ونظائره [٦]
وجاء في شرح المفصل أيضا ما نصه:
стр. 11917
ومن ذلك هات الشيء أي أعطينيه، وهو اسم لأعطيني وناولني ونحوهما وهو مبني لوقوعه موقع الأمر وكسر لالتقاء الساكنين (الألف والتاء) وكأنه من لفظ (هيت) ومعناه، وقال بعضهم هو من آتى يؤاتي والهاء فيه بدل من الهمزة ويعزى هذا القول إلى الخليل واستدل على ذلك بتصريفه ويلحقونه ضمير التثنية والجمع لقوة شبه الفعل به [٧] .
وجاء في القاموس المحيط مادة (جزع) والهجزع كدرهم الجبان هفعل من الجزع كما جاء فيه أيضا في مادة هزرف ... والهزرف كزنبور وعلابط وقرطاس الظليم السريع الخفيف وهزرف أسرع.
وجاء في كتاب المزهر للسيوطي المتوفى سنة ٩١١ هجري:
وهذه أمثلة من كتاب الإبدال ليعقوب بن السكيت (المتوفى سنة ٢٤٤ هجري) فمن إبدال الهمزة هاء أيا وهيا، وإياك وهياك، وأتمأل السنام وأتمهل إذا انتصب، وأرحت دابتي وهرحتها وأبزت له [٨] وهبزت له وأرقت الماء وهرقته.
وبعد هذا العرض نلاحظ أن اللغة العربية كغيرها من اللغات السامية كانت تستخدم في الزمن القديم الهمزة والهاء والسين والشين في أوائل الأفعال للدلالة على التعدية وبعض المعاني الأخرى التي سأذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وقد فضلت اللغة العربية الهمزة بعد ذلك وأهملت الحروف الأخرى لأسباب تتفق مع طبيعتها اللغوية ... ولكن بعض آثار استعمال هذه الحروف ما زال باقيا في بعض الأفعال والأسماء والصفات أو أن اللغة العربية تأثرت بأخواتها من السامية ... أما الهمزة في صيغة (أفعل) المزيدة فاستخدمت في اللغة العربية وفي لهجاتها القديمة والحديثة للدلالة على التعدية في الأكثر، وعلى التعريض للشيء وعلى الصيرورة كما دلتا على وجود الشيء على صفته، ودلت على السلبية وجاءت أخيرا متضمنة معنى فعل الخ، وجاءت بعض الأفعال رافعة للاسم ناصبة للخبر وبعضها ناصبة لمفاعيل ثلاثة الخ.
الفصل الأول: ورود (أفعل) المستعمل فعلا
стр. 11918
الفعل في اللغة العربية باعتبار التعدي واللزوم نوعان: لازم وهو القاصر الذي لا ينصب المفعول به بنفسه مباشرة بل يتعدى إليه بوسائل معروفة في باب (التعدي واللزوم) مثل جلس وقعد الخ، النوع الثاني المتعدي وهو الذي يتعدى إلى المفعول به بدون واسطة فتارة يتعدى إلى مفعول واحد مثل الفعل (سمع) تقول سمع محمد الخبر، الفعل (قرأ) تقول: قرأ محمد القرآن، وتارة يتعدى الفعل الثلاثي إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كالفعل (كسا) تقول: كسوت الفقير ثيابا، والفعل (أعطى) تقول: أعطيت الفقير مالا، وقد ينصب الفعل الثلاثي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر كأفعال القلوب والرجحان واليقين في باب (ظن وأخواتها) هذا شأن الفعل الثلاثي. وقد تدخل الهمزة على هذا الفعل الثلاثي زائدة فتغير حاله وتنقل معنى الفعل إلى مفعوله ويصير بها الفاعل مفعولا ولا تقتضي في الغالب تمهلا ولا تكرارا، فإدخال الهمزة على أول الفعل الثلاثي تكسبه معنى النقل والتعدية وهذا هو المعنى الغالب لاستعمال صيغة (أفعل) .
معنى التعدية وأثرها
ومما يجدر ملاحظته أن التعدية في اللغة العربية نوعان: تعدية عامة وهي التي نشاهدها في الأفعال المتعدية بطبيعتها ولا تحتاج إلى واسطة تتعدى بها كالأفعال كسا، وأعطى، وقرأ، وأكل، وما شاكلها فالتعدية في هذه الأفعال تعدية عامة.
النوع الثاني من التعدية تعدية خاصة وهي التي نشاهدها في الأفعال التي تتعدى بالهمزة كثيرا ويجوز أن تتعدى بالباء فإدخال الهمزة على أول الفعل الثلاثي وهي همزة تنقل معنى الفعل إلى مفعوله ويصير الفاعل مفعولا فما كان فاعلا للفعل اللازم يصير مفعولا لمعنى الجعل وهو في الوقت نفسه فاعل لأصل الحدث على ما كان عليه فهو وإن كان مفعولا للجعل فاعل من ناحية المعنى قال الشاعر وهو أعشى باهلة:
وإن صبرنا فإنا معشر صبر
فإن جزعنا فإن الشر أجزعنا
стр. 11919
فالفعل جزع لا يتعدى ولكنه بالهمزة التي للنقل صار متعديا إلى مفعول به من أثر الهمزة التي للنقل وهو الفاعل للذهاب من ناحية المعنى ... وتقول: لبس محمد الثياب وألبست محمدا الثياب فقد أثرت الهمزة في الفعل المتعدي إلى مفعول واحد وجعلته متعديا إلى مفعولين أولهما مفعول الجعل، والثاني مفعول لأصل الفعل، ولكن الأول في رتبة مقدمة على الثاني لأن مرتبة المجعول مقدمة على مرتبة أصل الفعل قال سيبويه في الكتاب [٩] : "هذا باب فعلت وأفعلت في الفعل للمعنى يقول: دخل وخرج وجلس فإذا أخبرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أخرجه، وأدخله، وأجلسه وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته، وجاء وأجأته، فأكثر ما يكون على فعل (بتثليث العين) إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبني الفعل منه على أفعلت ومن ذلك أيضا مكث (بضم العين) وأمكثته، وقد يجيء الشيء على فعلت (بتشديد العين) فيشرك أفعلت وذلك قولك فرح وفرحته وإن شئت قلت: أفرحته"انتهى كلام سيبويه.
стр. 11920
وقال الرضى في شرح الشافية [١٠] : "فاعلم أن المعنى الغالب في أفعل للتعدية تعدية ما كان ثلاثيا وهي أن يجعل ما كان فاعلا للازم مفعول لمعنى الجعل فاعلا لأصل الحدث على ما كان، فمعنى (أذهبت زيدا) جعلت زيدا ذاهبا فزيد مفعول لمعنى الجعل الذي استفيد من الهمزة، فاعل للذهاب كما كان في (ذهب زيد) فإن كان الفعل الثلاثي غير متعد صار بالهمزة متعديا إلى واحد هو مفعول لمعنى الهمزة (أي الجعل والتصيير) كأذهبته ومنه أعظمته أي جعلته عظيما باعتقادي بمعنى استعظمته، وإن كان متعديا إلى واحد صار بالهمزة متعديا إلى اثنين أولهما مفعول الجعل، والثاني لأصل الفعل نحو أحفرت زيدا النهر أي جعلته حافرا له فالأول مجعول والثاني محفور ومرتبة المجعول ومرتبة مقدمة على مرتبة مفعول أصل الفعل لأن فيه معنى الفاعلية وإن كان الثلاثي متعديا إلى اثنين صار بالهمزة متعديا إلى ثلاثة أولهما للجعل والثاني والثالث لأصل الفعل وهو فعلان فقط: أعلم وأرى. وقد يجيء الثلاثي [١١] متعديا ولازما في معنى واحد نحو فتن الرجل أي صار مفتتنا وفتنته أي أدخلت فيه الفتنة. وحزن وحزنته أي أدخلت فيه الحزن ثم تقول: أفتنته وأحزنته فيهما لنقل فتن، وحزن اللازمين لا المتعديين فأصل معنى أحزنته جعلته حزينا كأذهبته وأخرجته وأصل معنى حزنته جعلت فيه الحزن وأدخلته فيه، ككحلته ودهنته أي جعلت فيه كحلا ودهنا، والمغزى من أحزنته وحزنته شيء واحد، لأن من أدخلت فيه الحزن فقد جعلته حزينا إلا أن الأول يفيد هذا المعنى على سبيل النقل والتصيير لمعنى فعل آخر وهو (حزن) دون الثاني.
وقولهم: لأسرع وأبطأ في سرع وبطؤ ليس الهمزة فيهما للنقل بل الثلاثي والمزيد فيه معا غير متعديين، لكن الفرق بينهما أن سرع وبطأ أبلغ لأنهما كأنهما غريزة كصغر وكبر،" انتهى كلام الرضى على الشافية.
стр. 11921
وقال ابن هشام في المغني: "مبحث الأمور التي يتعدى بها الفعل القاصر: وهي سبعة أحدها همزة (أفعل) نحو أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ، وقد ينقل المتعدي إلى واحد بالهمزة إلى التعدي إلى اثنين نحو: ألبست زيدا أثوابا ولم ينقل متعد إلى اثنين بالهمزة إلى التعدي إلى الثلاثة إلا في رأي وعلم وقاسه الأخفش في أخواتهما الثلاثة القلبية نحو ظن وحسب وزعم وقيل النقل بالهمزة كله سماعي وقيل قياسي في القاصر والمتعدي إلى واحد والحق أنه قياسي لأن القاصر سماعي في غيره وهو ظاهر مذهب سيبويه"فابن هشام يرى فيه ثلاثة أقوال: قول يقول إنه التعدية بالهمزة سماعي مطلقا أي في المتعدي إلى واحد وإلى اثنين وفي القاصر.
والقول الثاني يقول بقياسية التعدي بالهمزة في القاصر وفي المتعدي لواحد فقط، والقول الثالث يقول إن التعدية بالهمزة قياسي في القاصر فقط سماعي في غيره سواء كان متعديا إلى واحد أو إلى اثنين فيسوغ لك أن تبني على أفعلته للتعدية من الفعل القاصر من غير أن ينكر عليك أحد ذلك وإن لم تكن سمعت تعديته بالهمزة عن العرب وقال سيبويه [١٢] في مباحث (فعّلت) بالتضعيف: "هذا باب دخول فعّلت بتضعيف العين على فعلت لا يشاركه في ذلك (أفعلت) تقول كسرتها وقطعتها فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسّرته وقطّعته ومزّقته ومما يدلك على ذلك قولهم: علطت البعير وإبل معاطة وبعير معلوط وجرحته وجرّحته (بتضعيف العين) أكثرت الجراحات في جسده.
стр. 11922
ومن شواهد القرآن لأفعل التي للتعدية قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [١٣] .
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ الهمزة للتعدية والمعنى حملهما على أن زلا وهذا قول أبي حيان في البحر المحيط [١٤] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْن﴾ الهمزة للتعدية [١٥] ويعدى بالتضعيف أيضا وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ قال أبو حيان: الإتمام الإكمال والهمزة فيه للنقل [١٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قال أبو حيان: في أعجز للتعدية كما قال ولن نعجزه هربا لكنه كثر فيه حذف المفعول (البحر ج٥ ص١٦٩) .
وقد يجيء الثلاثي والمزيد فيه بالهمزة لازمين نحو أسرع وسرع وأبطأ وبطؤ والفرق بينهما أن سرع وبطؤ أبلغ كأنهما عريزة كصغر وكبر وجعل منه أبو حيان قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فالفعل فاض وأفاض بمعنى واحد (وانظر البحر المحيط ج٢ ص٨٣)
همزة أفعل قد تكون للتعدية فقط ولا تفيد غيره: وقد صرح المالقي والمتوفى سنة ٧٠٢ هجري [١٧] في كتابه رصف المباني بما يبين أن صيغة (أفعل) تستعمل أحيانا للتعدية فقط على وجه خاص قال الموضع الثامن أن تكون التعدية خاصة إذا كان الفعل ثلاثيا لا يتعدى لو نطق به فتقدر أن الهمزة فيه زائدة كقولك: (ألقيت ما في يدي) وقال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِك﴾ [١٨] .
وقال الشاعر: [١٩]
(كما قرّ عينا بالإياب المسافر)
فألقت عصاها واستقر بها النوى
стр. 11923
كان الأصل في هذا الفعل أن يقال فيه: (لقيت ما في يميني) إلا أنه لم ينطق به إلا بالهمزة، وحكمنا أن الهمزة زائدة لأنه من اللقاء فالأصل اللام والقاف والياء فعلمنا بذلك أنه لا معنى لدخول الهمزة وزيادتها إلا تعدية الفعل الثلاثي الذي لم يستعمل النطق به وحده للمفعول، وهذه الهمزة تعدي ما لا يتعدى إلى واحد نحو ما ذكر وما يتعدى إلى واحد إلى اثنين نحو: ألفيت زيدا قائما ومنه (قوله) :
ولا ذاكر الله إلا قليلا [٢٠]
فألفيته غير مستعتب
وما يتعدى إلى اثنين إلى ثلاثة كقولك أعلمت زيدا عمرا قائما ومنه:
أنبئت عمرا غير شاكر نعمتي
(والكفر مخبثة لنفس المنعم) [٢١]
ثم انتقل إلى همزة (أفعل) التي لم تستعمل إلا لنقل الفعل من مادة الثلاثية إلى مادة الرباعية خاصة قال:
الموضوع التاسع: أن تكون للنقل خاصة ومعنى ذلك أنها تنقل الفعل من الثلاثي إلى الرباعي فإن كان متعديا في أصله بقى كذلك بعد النقل فالهمزة لا تفيد فيه شيئا سوى النقل خاصة، وقد ينطق بثلاثية وقد لا ينطق نحو: أشكل الأمر فهذا لا ينطق بثلاثية، في القاموس وأشكل الأمر التبس وشكَل وإن كان الأصل من حيث أن حروفه أصول ووزن أشكل (أفعل) فالهمزة زائدة لمجرد النقل وتقول لاح البرق، وألاح فهذا ينطق بثلاثية قبل الهمزة وهو غير متعد، وتدخل الهمزة عليه فيبقى كذلك فيعلم أن الهمزة لا معنى لها فيه إلا مجرد النقل خاصة.
وسواء كان الفعل غير متعد كما ذكر أو متعديا كقوله: وقفت الدابة وأوقفتها ومهرت المرأة وأمهرتها، وسقيته وأسقيته فهذا يستعمل بغير الهمزة متعديا وبالهمزة كذلك فعلم أن الهمزة ليس لها معنى إلا مجرد النقل خاصة قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ .
وقال الشاعر: [٢٢]
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
سريت بهم حتى يكل مطيهم
وقال آخر: [٢٣]
نُميرا والقبائل من هلال
سقى قومي بني بكر وأسقى
стр. 11924
ثم ذكر بعد ذلك أن الهمزة في صيغة (أفعل) تفيد التعدية والنقل معا قال: [٢٤]
الموضع التاسع: أن تكون للتعدية والنقل معا وذلك أكثر من أن يحصى وذلك إذا كان الفعل في أصله ثلاثيا لا يتعدى فيصير بالهمزة رباعيا يتعدى ويكون متعديا إلى واحد فيصير إلى اثنين، ويكون إلى اثنين فيصير إلى ثلاثة وذلك نحو قام زيد، وأقمت زيدا وكرم زيد، وأكرمته وعطى زيد الكأس، وأعطيتها عمرا، وعلمت زيدا منطلقا، وأعلمت عمرا زيدا منطلقا قال الله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والأصل: ترفوا، وقال تعالى: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ والأصل تبع بعضهم بعضا وعليه ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ وقال الشاعر: [٢٥]
فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم
غوارِب رمل ذي ألاءٍ وشِبرق
وقال آخر: [٢٦]
ب جاءوا تُتْبِع شُخْبا ثَعْولا
فأتبعتهم فيلقا كالسرا
فجمع بينهما.
واعلم أن هذه الهمزة تقوم مقام الباء في التعدية ولا تجمع معها ويجري مجراها التضعيف الخ ... قال أحمد فارس في الجاسوس على القاموس نجز حاجته بالفتح ينجزها بالضم نجزا قضاها يقال أنجز حر ما وعد، ونجز الوعد فيكون نجز لازما ومتعديا وقد استطردته هنا لبيان أن العرب تعدي بالهمزة ما يتعدى بنفسه كما تقدم ومثل فاظ فإنه لازم ومتعد ثم تقول أفاظه، ومثله نشر الموتى نشورا حيوا ونشرهم الله يتعدى ولا يتعدى ثم يعدى بالهمزة أيضا فيقال أنشرهم الله، ومثله حسر البعير أي أعيا وحسرته أنا وأحسرته، وساغ الشراب وأسغته وهدر الدم وهدرته وأهدرته.
стр. 11925
٢_ المعنى الثاني من معاني (أفعل) الصيرورة أي تكون لصيرورة ما هو فاعل (أفعل) صاحب شيء وهو على وجهين: إما أن يصير صاحب ما اشتق منه نحو ألحم فلان أي صار ذا لحم وأطفلت المرأة أي صارت ذا طفل، وأعسر وأيسر وأقل أي صار ذا عسر ويسر وقلة، وأغد البعير أي صار ذا غدة [٢٧] وأراب أي صار ذا ريبة، وكأن (أفعل) هنا تفيد النسب بمعنى ذي كذا قال ابن قتيبة: وأجرب الرجل وانحز وأحال صار صاحب جرب ونحار وحيال في ماله، وإما أن يصير صاحب شيء هو صاحب ما اشتق منه نحو: أجرب الرجل أي صار ذا إبل ذات جرب، وأقطف صار صاحب خيل تقطف (أي أساءت السير وأبطأت) وأخبث أي صار ذا أصحاب خبثاء [٢٨] .
ومن القسم الأول أحصد الزرع أي صار ذا حصاد وبعضهم جعل هذا قسما آخر فقال يجئ (أفعل) بمعنى حان وقت يستحق فيه فاعل (أفعل) أن يوقع عليه أصل الفعل مثل أحصد الزرع، وأجدّ النخل أي حان له أي يجد (أي يقطع ثمره) ، وأقطع النخل (حان قطاعه) [٢٩] .
ومن هذا النوع أي صيرورته كذا، دخول الفاعل في الوقت المشتق منه (أفعل) أصبح (وأمسى) وأفجر، وأشهر، أي دخل في الصباح والمساء والفجر والشهر وكذلك أضحى أي دخل في الضحى.
ملحوظة: الأفعال: أمسى، أصبح، أضحى قد تستعمل ناقصة أي تدل على حدث ناقص (معنى مجرد ناقص) لأن إسناده إلى مرفوعة لا يفيد الفائدة الأساسية المطلوبة من الجملة الفعلية إلا بعد مجيء الاسم المنصوب، فالاسم المطلوب المنصوب (الخبر) هو الذي يتمم المعنى الأساسي المراد، ويحقق الفائدة الأصلية للجملة وهذا يخالف الأفعال التامة فإن المعنى الأساسي يتم بمرفوعها الفاعل أو نائب الفاعل فالفعل (أصبح) مع اسمه يدل على مجرد دخوله في وقت الصباح وليس هذا هو المقصود من الناقصة فإذا جاء الخبر كان كفيلا بتحقيق المراد ...
стр. 11926
وليس السبب في تسميتها ناقصة أنها تتجرد للزمان وحده ولا تدل معه على حدث (معنى) كما يقول بعض النحاة وقد أشار إلى ذلك بإيجاز طيب ومنطق مقبول سليم الأمير على المغني في الباب الثالث [٣٠] ...
فإذا استعملنا الأفعال الأخيرة بمعنى النقصان فلها أحكام تخصها في باب كان وأخواتها فهي تفيد مع معمولها اتصاف اسمها بمعنى خبرها اتصافا يتحقق مساء في أمسى ويتحقق صباحا في أصبح ويتحقق وفي وقت الضحى من أضحى.
هذا وقد وردت أصبح وأمسى زائدتين في كلام عربي قديم نصه:
(الدنيا ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها) وهذا لا يقاس عليه.
وقد جاء أفعل بمعنى الدخول في القرآن الكريم ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي داخلين في وقت الشروق فهي كأصبح إذا دخل في وقت الصباح، وقال أبو عبيدة المتوفى سنة ٢١١ هجري فأتبعوهم نحو الشرق فهو كأنجد إذا قصد نجدا [٣١] .
ومن قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ﴾ الهمزة في أصعد للدخول أي دخلتم في الصعيد وذهبتم فيه كما تقول أصبح زيد إذا دخل في الصباح فالمعنى إذ تذهبون في الأرض [٣٢] .
ومنه قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام كما تقول أعتمنا وأسحرنا أي دخلنا في العتمة والسحر [٣٣] .
ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي آت بما يلام عليه يقال ألام فلان إذا فعل ما يلام عليه وفي البيضاوي وهو مليم أي داخل في الملامة يعني بناء أفعل للدخول في الشيء نحو أحرم إذا دخل في الحرم [٣٤] .
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً﴾ من أعصرت أي دخلت في حين العصر فحان لها أن تعصر [٣٥] .
المعنى الثالث (لأفعل) التعريض فتفيد الهمزة أنك جعلت ما كان مفعولا معرضا لأن يقع عليه الحدث سواء صار مفعولا له أم لا.
стр. 11927
تقول: أقتلته أي عرضته لأن يكون مقتولا ... قتل أو لا، وأبعت الفرس أي عرضته للبيع وأسقيته أي جعلت له ماء وسقيا شرب أم لم يشرب وأقبرته أي جعلت له قبرا، قبر أو لا وقبرته ودفنته، وأشفيته عرضته للشفاء [٣٦] وفي كتاب فعلت وأفعلت للزجاج وقال النحويون أبعته عرضته للبيع وأنشدوا.
فرسا فليس جوادنا بُمباع
ورضيت ألاء الكميت فمن يُبِع
قالوا معناه يعرض للبيع ومعنى ألاء الكميت نعم الكميت جعل نجاءه به من المهالك نعما [٣٧] .
المعنى الرابع (لأفعل) السلب أي أنك تسلب عن مفعوله ما اشتق منه نحو أشكيته أي أزلت شكواه وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمه وقد يكون لسلب الفعل عن الفاعل إذا كان لازما كقولهم: أقسط أي أزال عنه القسط وهو الجور ويحتمل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ مضارع أخفى بمعنى ستر والهمزة للإزالة أي أزلت الخفاء وهو الظهور [٣٨] وإذا أزلت الظهور صار للستر كقوله أعجمت الكتاب أزلت عنه العجمة بوضع النقط والحركات وقال أبو علي هذا باب السلب ومعناه أزيل عنها خفاءها وهو سترها [٣٩] قال أحمد تيمور في رسالة السماع والقياس أفعل الذي همزته للسلب مثل شكى فأشكيته أي أزلت شكواه وجاء بعكسه، أحمأت البئر. في القاموس أحمأت البئر ألقيت فيها الحماة (الطين الأسود) وحمأتها كمنعتها نزعت حمأتها [٤٠] .
المعنى الخامس (لأفعل) أنه يأتي لوجود مفعوله على صفة وهي كونه فاعلا لأصل الفعل نحو أكرمت فاربط أي وجدت فرسا كريما وأسمنت أي وجدت سمينا وأبخلته أي وجدته بخيلا، أو كونه مفعولا لأصل الفعل نحو أحمدته أي وجدته محمودا [٤١] .
وجاء هذا المعنى في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ معنى أغفلنا قلبه وجدناه غافلا [٤٢] .
стр. 11928
وقال عمرو بن معديكرب لمشاجع السلمي [٤٣] : "لله دركم يابني سليم قاتلناكم فما أجبلناكم (أي فما وجدناكم جبناء) ، وسألناكم فما أبخلناكم (أي ما وجدناكم بخلاء) ، وهاجيناكم فما أفحمناكم (أي فما أسكتناكم) "
وجاء في الشعر قوله [٤٤] :
وكل شيء سوى الفحشاء يأتمر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه
ومعناه لا يصعب الأمر لآ يجده صعبا كقولهم أبخلته وجدته بخيلا فهو لا يجد الأمر صعبا إلا وقت ركوبه.
وقد عقد الجواليقي بابا خاصا بأفعلت الشيء أي وجدته على صفته وقال ابن جني في الخصائص ج٣ ص٢٥٣: واذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله فقلت: لم أقام إنسان على خدمة هذا العلم ستين سنة حتى لا يحظى منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ولا منتقص الحظ ولا السعادة به وذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ولن يخلو ﴿أَغْفَلْنَا﴾ هنا من أن يكون من باب أفعلت الشيء أي صادفته ووفقته كذلك كقوله: (وأهيج الخلصاء من ذات البرق) [٤٥] أي صادفها هائجة النبات وقوله: (فمضى وأخلف من قتيلة موعدا [٤٦] ) أي صادفه مخلفا.
وقوله: [٤٧]
بآخرنا وتنسى أولينا
أصم دعاء عازلتي تحجّي
وقوله: [٤٨]
عن الجود والمجد يوم الفخار
فأصممت عمرا وأعميته
أي صادفته أعمى: وحكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها أي وجدتها عامرة ودخلت بلدة فأخربتها أي وجدتها خرابا ونحو ذلك.
ثم يعقب ابن جني بعد هذا بقليل بقوله: وإذا صح هذا الموضع ثبت به لنا أصل شريف يعرفه من يعرفه ولولا ما تعطيه العربية صاحبها من قوة النفس ودربة الفكر لكان هذا الموضع ونحوه مجوزا عليه غير مأبوه له.
стр. 11929
وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب [٤٩] : باب أفعلت الشيء وجدته كذلك أتيت فلانا فأحمدته وأذممته وأخلفته أي وجدته محمودا مذموما ومخلافا للوعد، وأتيت فلانا فأبخلته وأجبنته وأحمقته وأنوكته وأوهجته إذا وجدته كذلك وأقهرته إذا وجدته مقهورا.
وأنشد:
فأمسى حصين قد أندَّ وأقهر الخ
تمنى حصين أن يسود جذاعه
المعنى السادس المستفاد من صيغة (أفعل) الإعانة كأحلبت فلانا وأرعيته أي أعنته على الحلب والرعي [٥٠] .
المعنى الثامن المستفاد من أفعل المطاوعة (لفعّل) كفطرته فأفطر وبشرته فأبشر [٥١] وقد يكون مطاوعا (لفعل) المتعدي بغير تشديد العين –فيكون أفعل لازما بالهمزة وبغير الهمزة يكون متعديا مثل عرضت الشيء أي أظهرته فأعرض أي ظهر، وكبه الله على وجهه فأكب، وقد ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر جملة منها [٥٢] وكذلك الفيومي في خاتمة المصباح.
وجاء أيضا بعضها في المزهر [٥٣] قال السيوطي: ليس في كلامهم (أفعل الشيء) وفعلته إلا أكب وكببته، وأقشعت الغيوم وقشعتها الريح، وأنسل الريش والوبر ونسلتها وأنزفت البئر ونزفتها، وأشنق البعير رفع رأسه وشنقته بزمامه.
стр. 11930
ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ قال أبو حيان [٥٤] : من أكب وهو لا يتعدى وكب متعد قال تعالى: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ والحديث "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" فقال يكب بالفتح، وقد عقد لها ابن جني بابا في الخصائص [٥٥] قال هذا هو الحديث أن تنقل بالهمز فيحدث النقل تعديا لم يكن قبله، غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة مخالفة فتجد (فعل) فيها متعديا و (أفعل) غير متعد وذلك قولهم: أجفل الظليم وجفلته الريح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه وشنقته وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ونزفتها، وأقشع الغيم وقشعته الريح، وانسل ريش الطائر ونسلته وأمرت الناقة إذا در لبنها ومريتها (أي مسحت ضرعها لتدر) ونحو من ذلك ألوت الناقة بذنبها، ولوت ذنبها، وصرّ الفرس أذنه، وأصر بأذنه [٥٦] وكبه الله على وجهه وأكب هو. وعلوت الوسادة وأعليت عنها. فهذا نقض عادة الاستعمال لأن فعلت فيه متعد وأفعلت غير متعد وعلة ذلك عندي أنه جعل تعدي (فعلت) وجمود (أفعلت) كالعوض (لفعلت) من غلبة (أفعلت) لها التعدي نحو جلس وأجلسته.
стр. 11931
وقال العلامة أحمد تيمور باشا في رسالة السماع والقياس ص ٦٩ أفعل الذي همزته للتعدية دخول هذه الهمزة على بعض أفعال وجعلها لها لازمة انظر مادة (حجم) في اللسان، وانظر فائدة في ذلك في آخر نسخة السعد على التصريف العزى ص ١٢٧ -١٣١، وانظر ضرّه وأضرّ به في القاموس، وانظر باب نقض العادة في الخصائص ج ٢ ص ٣٢ وانظر فقه اللغة للصاحبي ص ٦٩، مادة جفل من المصباح (جفلته فأجفل على العكس من المشهور) وله نظائر تأتي في الخاتمة أي في الفصل الذي أورده في الثلاثي اللازم وتعديته وهو ثالث فصل في الخاتمة، وفي مادة (قشع) منه (قشعته فأقشع) من النوادر وفي كببته فأكب، وهمع الهوامع ج ٢ ص ٨١ ذكر كببته فأكب وأقشع الغيم وانسل الطائر، وقد يكون عكس ذلك قال ابن قتيبة ص ٤٨٣ باب أفعلته ففعل تقول أدخلته فدخل، وأخرجته فخرج، وأجلسته فجلس، وأفزعته ففزع، وأخفته فخاف، وأجلته فجال، وأمكثته فمكث هذا القياس وقد جاء في هذا انفعل وافتعل قال الكميت: ولا يدرى في حميت السكن تندخل.
وقال آخر:
بالخيل تحت عجاجها المنجال
وأبى الذي ورد الكلاب مسوما
والقياس تدخل والجائل.
أفعل بمعنى فعل عند أهل اللغة
стр. 11932
ويجيء أفعل بمعنى فعل كثيرا في اللغة والأصل اختلاف معنييهما وقد ألفت كتب كثيرة تحمل هذا الاسم فعلت وأفعلت، أو فعل وأفعل والكتب التي تناولت هاتين الصيغتين من الفعل الواحد حين تتفقان في المعنى أو تختلفان أو لا يرد للعرب إلا إحداهما وأول من ألف في هذه الصيغة الخاصة من الأفعال قطرب المتوفى سنة ٢٠٦ هجري والفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هجري ثم أبو عبيدة ستة ٢١٠ هجري، والأصمعي سنة ٢١٣ هجري وأبو زيد الأنصاري سنة ٢١٥ هجري وأبو عبيدة القاسم بن سلام سنة ٢٢٤ هجري وورد في أبواب من الغريب المصنف وقد خص أبو عبيدة هاتين الصيغتين بالأبواب الأولى مما خصصه الأفعال وعالجهما حين يتفق معناهما أو يختلف، أو يختلفان في التعدي واللزوم وقد تأثر به ابن قتيبة في ذلك إلا أنه أحسن تصنيفهما وتوسع ابن السكيت أيضا وعنى بموقف العامة.
ثم عالج أبو عبيدة صيغة (أفعل) وحدها وألف فيها أيضا أبو محمد عبد الله بن محمد التوزي سنة ٢٣٣ هجري ويعقوب السكيت توفى سنة ٢٤٦ هجري وقد أفرد بابين من إصلاح لمنطق لخلط العامة بين هاتين الصيغتين [٥٧] ، وأبو حاتم سهل بن محمد السجستاني توفى سنة ٢٥٥ هجري تقريبا، وأبو العباس الأحول تلميذ ابن الأعرابي، وخصص له ابن قتيبة توفى سنة ٢٧٦ هجري أبوابا من كتاب الأبنية في أدب الكاتب، وألف فيه من أهل القرن الرابع الزجاج سنة ٣١١ هجري وابن دريد سنة ٣٢١ هجري وابن درستويه سنة ٣٤٧ هجري وأبو علي القالي سنة ٣٥٦ هجري وأبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القوطية سنة ٣٦٧ هجري ثم ألف فيه أبو البركات بن الأنباري سنة ٥٧٧ هجري ثم القاسم بن القاسم الواسطي سنة ٦٢٦ هجري كما ألف فيها أيضا ابن سيدة في كتابه المخصص فقد عقد أبوابا في السفر الخامس عشر وقد شغل ١٣٣ صفحة تقريبا وابن القطاع سنة ٤٥٥ هجري في كتابه الأفعال الذي عنى بفعل وأفعل في أول كل باب.
стр. 11933
فمن ذلك ما رواه أبو زيد الأنصاري في النوادر قال: وأمهرت وأصدقت واحد قال أبو الحسن أخبرني أبو العباس محمد بن يزيد قال ومهرت المرأة هي المشهورة الفصيحة وأمهرت لغة وليست في جودة الأولى وأنشدنا المازني عن الرياحي لقحيف العقيلي.
وأمهرن أرماحا من الخط ذُبَّلا
أخِدْن اغتصابا خطبة عجرفية
قال وكذلك زففت المرأة هي اللغة الجيدة وأزففت لغة وقال في ص ٢١٢ –٢١٣:
وقالوا بقرة فارض من بقر فوارض وهي السمينة وبقرة عوان من بقر عون وهي التي نتجت بعد بطنها البكر ويقال أعوان بقرتكم أم لا؟ يقول أنتجتموها بعد البطن الأول شيئا قال أبو الحسن هكذا قال أنتجتموها وهو صواب صحيح والمحكي من غيره وهو الشائع نتجت الناقة فهي منتوجة قال الأصمعي ولا يخبر عنها بفعل البتة إلا أن تضع هي وحدها فتعاني ذلك من نفسها فيقال خلت فأنتجت قال وإلا فالمسموع نتجت الناقة ونتجها أهلها وقوله أنتجت يجوز أن يكون في معنى نتجت [٥٨] ويجوز أن يكون جعلت لها نتاجا فقط قالوا في أسقاه الله أنه في مهنى سقاه الله وأنشدوا قول لبيد:
نميرا والقبائل من هلال
سقى قومي بني نجد وأسقى
وقال الأصمعي هما يفترقان وهذا الذي أذهب إليه قال معنى سقيته أعطيته ماء لشفته ومعنى أشقيته جعلت له ماء يشربه، أو عرضته لذلك، أو دعوت له كل هذا يحتمل هذا اللفظ وأنشد قول ذي الرمّة [٥٩] :
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وقفت على ربع لمية ناقتي
تكلمني أحجاره وملاعبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه
قال أسقيه أدعو له بالسقيا وهذا أشبه بكلام العرب وقال ابن الأعرابي أسقيه من دمعي وهذا غير بعيد من ذلك المعنى أي أجعله له سقيا من دمعي على سبيل الإغراق والإفراط.
وقال ابن القطاع [٦٠] وسقيتك شرابا وأسقيتك والله تعالى عباده وأرضه كذلك ويقال سقاه لشفته وأسقاه لماشيته وأرضه، وسقاه جلدا أعطاه إياه يتخذه سقاء عن الأصمعي.
стр. 11934
وقد ذكر ابن القطاع [٦١] بابا لما جاء على أفعل وفعل والمعنى متفق قال في مادة (رمل) رملت الحصير رملا، وأرملت نسجته ورمل في السير رملا أسرع، وأرمل القوم فنى زادهم والمرأة صارت أرملة.
وفي مادة ركس: ركس الله العدو ركسا وأركسه رده وقلبه على رأسه وقرئ بهما.
وفي مادة رشق رشقت بالسهم رشقا وأرشقت به رميته ورغت إلى الشيء رغا وأرغت أصغيت.
وردحت الخباء وأردحته وسعته بردحة في آخره وهي الشقة، ورعدت السماء وأرعدت، ورفل في مشيته وأرفل تبختر ومشى مختالا.
وقال في الجزء الثالث مادة وحده وحدت الشيء وأوحدته، ووقف الشيء وقفا ووقوفا ثبت وأوقفت الدار والدابة لغة تميمية.
وبرقت السماء برقا وبروقا وأبرقت لمعت والرجل تهدد والثلاثي في السماء أفصح والثاني لغة.
فهذه جولة في كتاب الأفعال لابن القطاع المتوفى سنة ٥١٥ هجري تثبت مجيء فعل وأفعل بمعنى واحد.
وبالنظر في كتاب الأفعال لابن القطاع نجد ما لا حصر له من هذا المعنى المتفق لأفعل بمعنى فعل ومثله كتاب فعلت وأفعلت للزجاج قال في مقدمة كتابه هذا كتاب نذكر فيه ما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت والمعنى واحد وما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت والمعنى مختلف، وما ذكر فيه أفعلت وحده مما يجري في الكتب والمخاطبات وهو مصنف مبوب على حروف المعجم ثم قال باب الباء من فعلت وأفعلت والمعنى واحد تقول: بشرت الرجل بخير وأبشرته، أبشر وأبشره وبشرته مشددا وبشرته أيضا من البشارة، وإنما قيل البشارة لأن الرجل إذا سمع ما يحب حسنت بشرة وجهه.
ويقال بل من مرضه وأبل يبل، يبِّل، ويقال بدأ الله الخلق يبدأهم بدءا وأبدأهم إبداء قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ فهذا من أبدأ وقال جرير:
فلا بدئى حضرت ولا معادي
بدأنا بالزيارة ثم عدنا
стр. 11935
وقال أيضا:
بأهل الملك أبدأ ثم عادا
هنيئا للمدينة إذ أهلت
ويقال بكر الرجل في حاجته يبكر
قال زهير:
فهن لوادي الرّس كاليد للفم
بكرن بكورا واستحرن بسحرة
وأبكر إبكارا، قال ابن أبي ربيعة:
غداة غد أم رائح فمهجر
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
ويقال تم الله عليه النعمة وأتم عليه إذا أسبغها، وتبع الرجل الشيء وأتبعه بمعنى واحد، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ وأتربت الكتاب وتربته جعلت عليه التراب.
قال أبو عبيدة وأبو الخطاب يقال ثوى بالمكان وأثوى إذا أقام به وأنشد بيت الأعشى:
فمضى وأخلف قيلة الموعودا
أثوى وقصّر ليله ليرودا
ويقال ثاب إلى الرجل جسمه وأثاب إليه جسمه إثابة إذا رجع، وثرى المكان وأثرى إذا ندي بعد يبس وكثر فيه الندى، وكذلك ثرى القوم وأثروا إذا كثرت أموالهم، وثلجت السماء وأثلجت من الثلج.
يقال جدي الرجل واجدي إذا انتصب ... ويقال جنة الليل وأجنة وجن عليه الليل إذا أظلم عليه وستره جنونا وجنانا وإجنانا، وجننت الرجل وأجننته إذا دفنته، ويقال جلى الرجل بثوبه وأجلى إذا رمى به، وجلى القوم عن ديارهم وأجلوا إذا تركوها وخرجوا عنها، وجنب الرجل من الجنابة وأجنب، وحفل القوم وأحفلوا إذا انهزموا بجماعتهم، وكذلك جفل النعام يجفل جفلا وأجفل إجفالا، ويقال جفأت الباب أجفؤه جفا، وأجفأته إذا أغلقته، ويقال جد في الأمر وأجد فيه إذا ترك الهوينات ولزم فيه القصد والاستواء ومن هذا قيل جاد يجيد، وجاح الله مال العدو وأجاحه إجاحة وجرم الرجل وأجرم إذا كسب جرما فهو جارم ومجرم.
وجرى الرجل إلى الشيء وأجرى إليه إذا قصد إليه وجاز الرجل الوادي وأجازه إذا قطعه ونفذه –وقال الأصمعي جزته نفذته وأجزته قطعته.
стр. 11936
وجفا الوادي وأجفأ إذا رمى بغثائه، وجبرت الرجل على الأمر وأجبرته أكرهته عليه، وجهدت الفرس وأجهدته إذا استخرجت جهده، وكذلك جهدت في الأمر وأجهدته إذا بلغت جهدي فيه، وجدعت غذاء الصبي وأجدعته إذا أسأت غذاءه، وجدعت أنفه وأجدعته إذا قطعته وجدب البلد وأجدب إذا لم ينبت شيئا، وجحد الرجل وأجحد إذا أقل خيره، وجمت الحاجة إذا حضرت. وجم الفرس وأجمّ، وجهشت نفسه وأجهشت، وجال الرجل بالشيء وأجال به إذا طاف به، وجلب الجرح وأجلب إذا أخذ في البرء وصارت فيه جلدة رفيعة، وجنح الليل وأجنح إذا مال، وجلد الموضع وأجلد من الجليد وجمر الفرس وأجمر إذا وثب في القيد.
يقال حسنه وأحسنه إذا أغضبه ومثله في معناه حمسه وأحمسه بالسين، وحببت الشيء وأحببته في معنى واحد وهو محبوب ومحب، وحققت الحديث وأحققته إذا تبينته وحال الرجل في ظهر دابته وأحال إذا وثب واستوى على ظهرها، وحل الرجل من الإحرام وأحل إذا خرج منه قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقال زهير:
ومن بالقنان من محل ومحرم
جعلن القنان عن يمين وحزنه
стр. 11937
فهذا من أحل، وحصب القوم يحصبون إذا ولوا عنه وأحصبوا عنه إحصابا، وحدق القوم بالشيء وأحدقوا به إذا صاروا حوله، وحزنني الأمر وأحزنني وأمر محزن وحازن، وحمت الحاجة وأحمت إذا دنت، وحدت المرأة على زوجها وأحدت إذا تركت الزينة، وحشمت الرجل، أحشم وأحشمته احتشاما إذا جلس إليك فأذنته وأسمعته مكروها وحشت يده وأحشت إذا يبست، وحمى الرجل المكان وأحماه إذا منعه، وحفت الماشية من الربيع إذا سمنت وأحفت مثله، وضربه فما حاك فيه السيف وما أحاك، وحنكت السر وأحنكته، وحنكه أيضا التشديد وحكم الرجل الدابة وأحكمها إذا جعل لها حكمة وحصر غائطه إذا احتبس، ويقال للرجل من حصرك هاهنا ومن أحصرك، وحر النهار يحرّ حرا وأحر إحرارا مثله، وحاط الرجل بالشيء وأحاط به وحدثت الدابة في السفر وأحدثتها إذا أهزاتها وكذلك حدث الرجل نفسه وأحدثها إذا أتعبها وأذابها ورى في الحديث "فما فعلت نواضحكم قالوا حدثناها يوم بدر" (أي أهزلناها) ، وحتر الرجل الحبل وأحتره إذا شد فتله وأحكم عقده.
وحال الرجل وأحال إذا أتى عليه الحول، وحالت الناقة والنخلة إذا لم تحمل حملا، وحكك الأمر على الرجل وأحكك إذا أشكل، وحسى الولد في بطن أمه وأحسى إذا يبس وحبس الرجل دابته في سبيل وأحبسها وحقن الرجل بوله وأحقنه، وحرمت الرجل عطاءه وأحرمته ألغيتها، وحسرت الناقة وأحسرتها.
стр. 11938
ويقال خلس الرجل وهو خليس وأخلس فهو مخلس إذا اختلط البياض بالسواد، وخطئت الشيء أخطؤه خطا وخطاء وأخطأت أخطئ في معنى واحد، وخضعه الكبر وأخضعه خضعا وإخضاعا، وخفق الطائر بجناحه وأخفق أي صفق بهما، وخنب الرجل وأخنب إذا هلك، وخم اللحم وأخم إخماما أي تغيرت رائحته وخلق الثوب وأخلق صار خلقا، وخلف فم الصائم وأخلف فم الصائم وأخلف وعده فهو خالف والنبيذ مثله إذا خالف تقديرك فيه، وخرطت الشاة وأخرطت إذا انحدر لبنها في ضرعها، وخدجت الناقة وأخدجت إذا ألقت ولدها غير تام، وخدر الأسد وأخدر فهو خادر ومخدر إذا استتر في حبسه، وخلى الرجل على الشيء وأخلى عليه إذا لم يخالط به غيره، وخلد الرجل إلى الأرض وأخلد أي مال إليها ولزمها ورجل مخلد إذا أبطأ عنه الشيب والفعل منه أخلد لا غير، وخصب المكان وأخصب إذا كثر الخصب فيه، وخمس الرجل القوم وأخمسهم أي صاروا خمسة وخبيت الخباء وأخببته إذا عملته، وخسرت الميزان وأخسرته ويقال خنست وأخنست أي أسأت في القول.
يقال دجى الليل وأدجى أي أظلم، ودجن الغيم وأدجن إذا لبس الأرض ودام مطره فهو يدجن وداجن، ودير بالرجل وأدير به فهو مدور به ومدار به، وديم به، وأديم به مثله ودبر الليل وأدبره أي ولى وداد الطعام وأداد إذا وقع فيه الدود، ودسمت القارورة وأدسمتها أي شددت رأسها، واسم ما يشد به الدسامة مثل الصمانة، ودخنت النار وأدخنت.
تقول ذرا ناب الفحل يذر ذروّا، وأذرى يذري إذراء إذا كل ورق قال أوس بن حجر:
تخمط فينا ناب آخر مقرم
إذا مقرم منا ذرا حدّنا به
وقال آخر:
على النأي عني اليوم عمر بن أخرقا
فيا راكب إما عرضت فبلغن
إذا الحرب أذرى نابها ثم حرقا
رسالة من لا يرتجي العطف منكم
وذرت الريح التراب تذروه ذروا وأذرته إذراء إذا رمته.
стр. 11939
يقال رصدت القوم بالخبر رصدا فأنا راصد وأرصدتهم إرصادا فأنا مرصد قال الله تعالى: ﴿وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، ورمى الرجل على الستين وأرمى عليها إذا زاد عليها في السن، ورمل الرجل الحصير رملا وأرمله إرمالا أي نسجه وركس الله العدو وأركسه أي رده وقلبه على رأسه وراح الرجل الشيء وأراحه أي شم رائحته ورذت السماء وأرذت من الإرذاذ وهو الصغير من القطر ورعشت يد الرجل وأرعشت أي ارتعدت، وراع الطعام وأراع ريعا أي زاد، وردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه، وردحت البيت وأردحته من الردحة وهي قطعة تدخل فيه وردفت الدابة وأردفتها أي جعلت لها رفادة، ورسنت الدابة وأرسنت أي جعلت لها رسنا، ورحبت الدار وأرحبت أي اتسعت، ورفث الرجل وأرفث إذا فحش ورشح الرجل عرقا وأرشح، ورشقت في الرمي وأرشقت أي رميت، ورثّ الشيء وأرثّ أي أخلق وصار رثا، ونقول كلمني فلان فما رجعت إليه كلمة وما أرجعت إليه كلمة بمعنى واحد قال أبو عبيدة رابني الشيء بمعنى واحد، ورغثت الرجل بالرمح وأرغثته إذا طعنته به مرة بعد أخرى، ورعدت السماء وأرعدت أي جاءت برعد، ورعد الرجل وأرعد إذا أوعد وتهدد، ورعظت السهم وأرعظته أي جعلت له رعظا وهو مدخل سنخ الفصل في السهم، ويقال رعصت الريح الشجرة وأرعصتها أي نفضتها.
تقول زكنت للرجل بخير أو شر، وأزكنت ظننت، وزكى الزرع وأزكى أي ارتفع، وزهى النخل وأزهى إذا بدت فيه الحمرة والصفرة وزهم العظم وأزهم أي صار فيه مخ، وزحف الصبي وأزحف أي لم يقدر على النهوض مهزولا كان أو سمينا، وزفت العروس زفا وأزففتها إزفافا، وزلق الرجل رأسه وأزلقه أي حلقه، وزال الرجل الشيء يزيله وأزاله يزيله إذا محاه، وزهرت الأرض وأزهرت إذا كثرت زهرتها وزهرت عينه وأزهرت أي احمرت من الغضب ويقال زعفته وأزعفته إذا لحقته فقتلته مكانه.
стр. 11940
يقال سعد الله جُدَّه فهو مسعود وأسعده وسند الرجل في الجبل وأسند أي صعد وسكن الرجل وأسكن أي صار مسكينا، وسمح الرجل الشيء وأسمح به، وحست الرجل الشيء وأسحته إسحاتا أي استأصله وسنع البقل وأسنع إذا طال وحسن فهو سانع وسَفَنَ الرجل الباب وأسفنه إذا رده، وسملت بين القوم وأسملت أصلحت، وسمل الثوب وأسمل أي أخلق، وسقت الصداق إلى المرأة وأسقته وسرع الرجل إلى الشيء وأسرع إليه، وساس الطعام وأساس أي أكله السوس. وساست الشاة وأساست إذا صار القمل في أصول صوفها، وسنفت البعير وأسنفته إذا جعلت له سنافا وهو خيط وسير يشد به من جانبي البطان، وسريت القوم وأسريت بهم إذا سرت بهم ليلا، وسؤت بهم ظنا وأسأت به، وسفر الرجل القوم سرا وأسفرهم سرا إذا كثر فيهم السر، وسكت الرجل عن الكلام وأسكت، وسقط في كلامه وأسقط، وسلكه الطريق وأسلكه وسقيت الرجل وأسقيته قال لبيد بن أبي ربيعة:
نميرا والقبائل من هلال
سقى قومي بني نجد وأسقى
وسقف الحوض وأسقفته، وسعطه وأسعطه قال الأصمعي: تقول العرب لا آتيك ما سمّر ابنا سمير، وما أسمرا أي ما اختلف الليل والنهار، وسفرت البعير وأسفرته من السفار وهو الحديد في أنف البعير، وسحقت الريح السحاب وأسحقته أي ذهبت به، وسفت الريح التراب وأسفته أي حملته ورمت به، وسرت الدابة وأسرته.
شبرت فلانا ملا وسيعا شبرا أو شبيرا إذا أعطيته وأشبرتها مثله قال أوس بن حجر يصف درعا:
غدير جرت في متنه الريح سلسل [٦٢]
واشبرنيها الهالكي كأنها
وشترت عين الرجل وأشترها إذا شققت جفنها الأعلى وشعبت الناقة وأشبعت إذا لم يكن لها حمل ولا لبن ويقال شغلني الرجل وأشغلني وأفصحهما شغلني.
следующие страницы →