← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

وقد حملن سلسلة من الكتيبات التي أعدت لطلاب المدارس حسب منهج كتبهم التي ألفت في العلوم وربطت فيها تلك العلوم بالعقيدة الإسلامية وهي من إعداد الدكتور محمد ناصر جملتها إلى الجامعة الإسلامية لدراستها وطبعها وتوزيعها في أندونيسيا إن أنكن. وقال الدكتور محمد ناصر إن محاولات جادة قد بذلت لإنشاء مساجد في الجامعات لإقامة الصلاة فيها وربط الطلاب الأساتذة بها وإن تلك المحاولة لقيت استجابة شعبية وقد أقرت بندا في ميزانية الجامعات يدعم هذا النشاط إلا أن ذلك أغاظ من تربوا في أحضان الغرب ممن لهم صلاحيات في هذه الجامعات وهزهم هذا النشاط الإسلامي فألغوا البند الخاص بذلك. وكان طلبة المدارس الحكومية –كالأهلية- يمنحون إجازة في شهر رمضان ويستغل ذلك علماء أندونيسيا والدعاة إلى الله فيقومون بتدريس طلبة المدارس الحكومية والجامعات في المدارس والجامعات الإسلامية طيلة شهر رمضان ويفد أبناء المسلمين لتلقي العلم والدعوة من كل مكان وتمتلئ بهم تلك المؤسسات، ولكن الحاقدين على الإسلام ألغوا إجازة شهر رمضان ليحرموا طلبة هذه المدارس من تلقي العلوم الإسلامية التي لا يجدونها في مدارسهم.. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء الطلبة يفدون إلى المساجد والمدارس في المساء الذي هو وقت راحتهم وبعد صلاة الفجر –بل وقبل صلاة الفجر كما شاهدت ذلك بنفسي في الجامع الكبير في باندونج وسيأتي ذكره إن شاء الله- وقد كان رد فعل أولياء أمور الطلبة عنيفا ضد هذا القرار الذي اعتبروه ظالما، لأنه يحول بينهم وبين تعلم أبنائهم أمور دينهم التي لا ينالونها في المدارس الحكومية.. أخطار تهدد الإسلام في هذا الشعب:

стр. 11972

الأول: محاولة إقناع الجيش بموالاة بعض الأحزاب التي تقف ضد الإسلام، والأصل في الجيش حسب العرف السياسي العام أن يكون محايدا يحافظ على أمن البلاد في الداخل ويرد عنها الأخطار من الخارج، كما أن الأصل في الجيش حسب العرف الإسلامي أن يعد نفسه لرفع راية الإسلام "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". الخطر الثاني: إن هنالك محاولة جادة لدعم جماعات التخريف وتعميق العقيدة الباطنية في نفوس هذه الجماعات وجعل هذه الجماعات حزبا باطنيا معترفا به ليقوي به ذوو الاتجاه العلماني في البلاد وقد شعر العلماء بهذين الخطرين ولهم مواقف يشطرون عليها أعانهم الله وهدى بهم عباده. وهناك خطر ثالث: وهو الإبقاء على الصفة الوثنية بين الوثنيين وتشجيع ذلك بشتى الوسائل والحول بين هؤلاء الوثنيين وبين الدخول في الإسلام بأساليب شتى. ومن الأمور التي تبشر بخير نجاح محاولة ربط الشباب بالمساجد وقد رأينا هذا عندما كنا نصلي في أي مسجد العشاء والفجر وكذلك التراويح فإن المساجد والأماكن التي تحيط بها تمتلئ بالشباب من بنين وبنات من طلبة الجامعات والمدارس وإن الشوارع المؤدية إلى المساجد لتقف فيها حركة السير لكثرة الوافدين إلى المساجد أو الخارجين منها بعد انتهاء الصلاة وكأن المدينة – جاكرتا أو غيرها - قد أعدت مظاهرة عامة خرجت من كل بيت ينادي الجميع فيها – بلسان حالهمل - بسقوط الكفر. رأينا هذا في شهر رمضان. أما في غيره فالظاهر أن قصاد المساجد أقل وهذا مع جهل كثير من الناس بدينهم وسيأتي تعليقي على هذا فيما بعد إن شاء الله. مع الشيخ عبد الله الشافعي (٢٩ /٨ /١٤٠٠ هجري)

стр. 11973

في صباح هذا اليوم زارنا في الفندق الشيخ عبد الله الشافعي مؤسس المدرسة الشافعية، وشرح لنا ما تقوم به مدارسه المتعددة واعتذر لنا عن عدم حضوره أمس عندما زرنا المدرسة وألح علينا في نقل رغبته في أن تساعد الجامعة مدارس الشافعية بتخصيص منح دراسية ومدرسين للغة العربية فوعدناه أننا سنبلغ المسؤولين في الجامعة وطلبنا منه أن يبعث للجامعة الإسلامية منهج المدرسة ويطلب معادلته لأن المنح إنما تخصص بناء على المعادلة. إفراط وتفريط (١ /٩ /١٤٠٠ هـ) كان هذا اليوم هو يوم الأحد، وهو يوم إجازة في أندونيسيا. على عادة النصارى مع أن الشعب شعب مسلم ينبغي أن يأخذ يوم راحته يوم الجمعة الذي يحتاج فيه إلى الاستعداد لصلاة الجمعة. ونحن وإن كنا لا نرى تعطيل العمل لا في يوم الجمعة ولا في غيره لأن الإسلام يحث المسلم على العمل في كل وقت وعمل المسلم عبادة لله سواء كان من الشعائر التعبدية أو من الأمور المباحة مادام يقصد به وجه ربه تعالى، والآيات القرآنية تدل على عدم تخصيص يوم الجمعة بالتعطيل –وإن كان يوم عيد يجتمع فيه المسلمون في كل أنحاء الأرض للصلاة وسماع الخطبة- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ . وكان أصحاب الرسول ﷺ يعملون يوم الجمعة في مزارعهم إلى أن يحين وقت الصلاة، كما في حديث عائشة قالت: "كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ :" لو أنكم تطهرتم يومكم هذا".

стр. 11974

فالآيات القرآنية دلت على جواز البيع والشراء إلى وقت النداء ودلت على مشروعية الابتغاء من فضل الله بعد الصلاة وهذا الحديث دل على أن الصحابة منهم من يأتي من منزله ومنهم من يأتي من العوالي. والظاهر أن المقصود من بساتينهم التي يذهبون إليها يوم الجمعة وما ذلك إلا للعمل والله أعلم. ولكن أمر الرسول ﷺ بالتبكير والاغتسال والتطيب يؤخذ منه إعطاء فرصة لمن أراد ذلك مبكرا، والمسلمون –إذا كان لابد من يوم تعطيل- أحق بيوم الجمعة وإعطاء فرصة للنصارى في بلد، هو أقلية فيه، دليل عن الانحراف عن الدين الإسلامي وموافقة أعداء الله في أعيادهم وهذه الموافقة فيها معنى الموالاة التي قد تصل إلى الكون من أهل الكفر: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ . لهذا تجد المسلمون يضيقون ذرعا في بلادهم عندما يعطي حكامهم عيدا للنصارى وهو قلة تعطل فيه جميع الدوائر الحكومية والمحلات التجارية كل أسبوع وهو لا يؤدون في هذا اليوم إلا لحظات في الكنيسة قلة قليلة منهم وهم كفار وعباداتهم كفرية وبقية الوقت يقضونه في لهو ولعب أما المسلمون وهم الأغلبية فيومهم يوم عيد مشروع ويؤدون عبادة مشروعة تحتاج إلى الوقت للاستعداد قبل الصلاة ثم يحال بينهم وبين هذا العيد المشروع، يضق المسلون ذرعا بهذا الوضع وبعض البلدان قد لا يعطى المسلم فيها فرصة للصلاة إلا إذا فاتت بعض مصالحهم كأن يكون طالبا في كلية علمية كالطب والهندسة والدراسة مستمرة وقت الصلاة.. فأين إسلام هؤلاء الذين يضايقون المسلمين في أوقات عباداتهم ويحققون للكافرين مآربهم. وهنا لابد من كلمة حق أقولها للمسلمين وأعدائهم على السواء الأصل في يوم الجمعة أن يكون يوم عمل –غير إجباري- لأن عمل الصحابة جرى على ذلك كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وقد سبق بعضها، ولزيادة الإيضاح أسوق هذه الأحاديث الصريحة في العمل يوم الجمعة:

стр. 11975

عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم الريح فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم هو عندي فقال: "لو أنكم تطهرتم يومكم هذا" وفي رواية كان الناس مهنة أنفسهم فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم" وفي رواية كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاه فكانوا يكون لهم تفل فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة" أخرجه البخاري ومسلم، وللبخاري قالت كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح فقيل لهم: "لو اغتسلتم"وفي رواية أبي داود قالت كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم" [١] . هذه الأحاديث مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع﴾ ، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ . تدل دلالة واضحة، أن أصحاب الرسول ﷺ في عهده كانوا يعملون يوم الجمعة. وعلى هذا لا ينبغي أن يشدد على التعطيل يوم الجمعة، لإمكان الجمع بين قضاء المصالح العامة، وهي من رضا الله، وبين الاستعداد للصلاة وهذا هو ما جرى عليه أصحاب رسول الله ﷺ وهو واضح من النصوص السابقة. وينبغي أن يعطى المسلم الحريص على التفرغ للعبادة هذا اليوم فرصة للتنظيف والتطيب والتبكير إلى المسجد وأن توقف الوظائف العملية التي تحول بين المسلم وبين هذا الحق مثل الدراسة والتدريس والعمل في المصانع وما أشبه ذلك مما يجبر المسلم على التأخر عن التبكير وما يلزمه وإذا كان لابد من التعطيل فينبغي أن يكون يوم الجمعة لا يوم السبت ولا الأحد اللذين هما من أعياد الكافرين.

стр. 11976

هذا استطراد رأيت أن إيضاح هذا المعنى فيه مفيد، فأرجو من القارئ المعذرة. في هذا اليوم –يوم الأحد الذي هو إجازة في أندونيسيا مجاراة لأعياد النصارى- ذهبنا في الساعة العاشرة والنصف للصعود في برج الاستقبال في جاكرتا والذي يمكن منه رؤية المدينة لارتفاعه وبعد أخذ البطاقات وجدنا صف الانتظار للصعود طويلا والمصعد واحد وليس واسعا مثل مصعد عمارة نيويورك فقررنا الانسحاب من هذا الصف لنرجع في وقت أقل ازدحاما ومررنا على الحجرات المحيطة بالبرج وفيها الآثار التاريخية الأندونيسية التي تحكي تاريخ أندونيسيا من عصورها الهمجية القديمة إلى عصر الاستقلال بالصور المجسمة. ثم ذهبنا إلى شاطئ البحر، وفي طريقنا رأينا أنهارا في وسط المدينة قذرة، وروائحها كريهة، فسألنا ما هذه الأنهار القذرة التي تخترق جاكرتا العاصمة فقيل هذه هي المجاري يشق لها هذا المجرى الواسع ليصب في البحر. لكل ساقطة لاقطة: ومن المناظر الغريبة وجود بعض الأشخاص يستحمون في مثل هذا المجرى. رأى الشيخ عبد القوي رجلا وهو يستحم فاستغرب ذلك فقال بعض الأخوة الأندونيسيين ما أظنه يستحم ولكن يمكن أن يكون عاملا يحفر بعض المجاري الفرعية وكان ذلك فيه شيء من الاحتمال عندي ولكن بعد قليل رأينا آخر وهو في وسط هذا البحر يدلك جسمه عند ذلك قلت للأخوة لا تستغربوا فلكل ساقطة لاقطة كما قال الإمام الشافعي ﵀. وعندما وصلنا إلى ساحل البحر وجدنا المكان أشد ازدحاما من برج جاكرتا، مع سعة الساحل، وكان أهل جاكرتا قد اجتمعوا في هذا المكان فلم نطق النزول به لما فيه من المنكر والصخب. ركشة الأندوبيسيين:

стр. 11977

ومرت بنا قاطرة من العربات عددها عشر محملة بالمتنزهين ومكنتها شبيهة بمكنة الدراجة النارية إلا أنها أقوى منها قليلا قلت هذه ركشة الأندونيسيين لأن الركشة الباكستانية أو البنغالية لا تتسع لعالم الذر ولا تتسع شوارع أندونيسيا لها مع أهلها. ثم تشاور عبد الله باهرمز مع قائد السيارة بلغتيهما وكر السائق راجعا إلى البحر من جهة أخرى بعد أن قال له عبد الله ترى مقاسي قلنا خيرا إن شاء الله إلى أين؟ فقال عبد الله ذكر السائق أن هذه الجهة التي نسير إليها الآن لا يوجد بها مرتادون لعدم وجود ظلال بها. المواساة المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال. ومواساة بالجاه. ومواساة بالبدن والخدمة. ومواساة بالنصيحة والإرشاد. ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم. ومواساة بالتوجع لهم. وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوى قويت وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله. فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له. -------------------------------------------------------------------------------- [١] جامع الأصول (٧ /٣٢٧ /٣٢٨) وراجع مجمع الزوائد.

стр. 11978

أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر للشيخ محمد المجذوب كلية الدعوة وأصول الدين لا حاجة إلى القول بأني أحد المستمعين بأحاديث الأخ الشيخ علي الطنطاوي، التي يرسلها عن طريق المذياع قبيل صلاة العصر من كل يوم، حتى لا يكاد يفوتني أحدها إلا تحت الضرورة، فالشيخ، حفظه الله وبارك في حياته، قد أصبح منذ بدأ هذه الأحاديث أنيس الجماهير، إذ اقتحم على الناس مساكنهم ومشاغلهم، واجتذب اهتمامهم فألفوا صوته، واستعذبوا أسلوبه، الذي يمزج الجد باللعب، والعلم بالأدب، ويخالط مشاعرهم بما يتناول من مسائلهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم.. بتلك اللهجة المحببة التي يطلقها على فطرتها، فتحمل المستمع – والرائي- نفحات الغوطة ومشاهد قاسيون، وذكريات دمر وبردي من دنيا الشام، دنيا الصبا والشباب والأحلام. والله تبارك اسمه، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هو الذي قدر التلاقي والاقتراب في نطاق الأفكار، فقد تتقارب حتى لتجمعها الوحدة، وتتباين حتى لا يتصور بينها لقاء. وطبيعي أن يرتفع منسوب هذا وذاك بالنسبة إلى أحاديث تكاد تؤلف موسوعة يتعذر تحديدها من المعلومات والمفهومات والتقريرات والفكاهات.. وعلى الرغم من كثرة نقاط التلاقي بين أفكار الأخ الطنطاوي وأفكاري، فهناك مواقف نختلف عليها وقد يبلغ بعضها حدا يقتضي الحوار، فأكتب به إليه أو يعقب في أحاديثه عليه.. وعلى هذا السنن أراني اليوم مدفوعا لمناقشة واحدة من نقاط الاختلاف التي عرض لها في بعض أحاديثه أكثر من مرة. وقد كان علي أن أثير هذه المناقشة معه من زمان، بيد أن ظروف العمل التي تستحوذ على معظم وقتي حالت دون ذلك من قبل، وإنما حفزني إليها اليوم خبر أورده ابن إسحاق في تضاعيف السيرة ومر به ابن هشام ثم العاملون في خدمتها من المحققين والناشرين دون أن يلقوا إليه بالا فيما أعلم..

стр. 11979

وبازاء هذا الخبر وقفت أتأمل وأفكر وأقارن، حتى انتهيت إلى القناعة بأن من الخير كتابة هذا البحث لا في شأنه وحده، بل في أهم جوانب الموضوع المتصل به، مما سبق أن أثاره في صدري حديث الأستاذ المكرر.. * أما الموضوع ففي نطاق البشائر التي تقدمت مبعث رسول الله ﷺ عن مقدمه ومبعثه والرسالة العظمى التي يحملها إلى الثقلين جميعا، فيجمع بها شمل الإنسانية التي فرقتها العصبيات، وينشر لأول مرة في تاريخ الدنيا إعلانه العالمي عن حقوق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية. ومهما تكن المناسبة التي دعت الأستاذ الطنطاوي إلى التعرض لهذا الموضوع، فهي لا تعدو سؤالا أورده أحد مستمعيه بغية الوقوف على جوابه بشأن ما ذكره كتاب السيرة النبوية عن المبشرات بظهور رسول الله في مختلف الروايات التاريخية. وقد رأيت الأستاذ أجزل الله مثوبته يميل صراحة إلى إنكار هذه الأخبار، ليؤكد خلو ذهن المصطفى ﷺ من أي علم سابق عن ترشيحه لذلك المنصب الأعلى.. وما أدري أجاء تكراره لهذه الأفكار من قبل الإذاعة التي من عادتها إعادة بعض الحلقات في مناسبات مختلفة، أم كان جوابا آخر مؤكدا على سؤال جديد في الموضوع نفسه!. وعلى أي حال فقد كان لموقفه هذا أثره في صدري كما أسلفت، لاعتقادي أنه ينطوي على إطلاق لابد من تقييده، حفاظا على الحقيقة التي نحبها جميعا، ذلك لأن قبول كل ما ورد في السيرة من هذه البشائر ضرب من الاستسلام الضرير، الذي لا تقره الرؤية الإسلامية، كما أن رفض كل ما يتعلق بهذا الجانب تحكم لا مسوغ له في منطق العلم والعقل. وإذن ففي جوابَيْ الأستاذ حول هذه البشائر صواب لا مندوحة عن إقراره، وفيهما خطأ لا يرضى هو بالسكوت عنه، ولا يتفق مع منهجه العلمي.. ولننظر الآن في كل من الجانبين على حدة

стр. 11980

* إن المتتبع في وعي لروايات السيرة حول نشأة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يجد نفسه بازاء أخبار من حقها –لو صحت- أن تهيء ذهنه ﷺ لاستقبال النبأ العظيم.. وفي مقدمة هذه الروايات خبر بحيرا، الذي تقدمه الرواية على أنه راهب عربي، اتخذ طريق القوافل على حدود الشام صومعة يعبد بها ربه، حتى إذا مرّ به ركب قريش، وفيه أبو طالب وابن أخيه – الذي لم يتجاوز الثانية عشرة بعد - شدّت انتباهه ظاهرة غير مألوفة ما لبث أن تحرك لاستكشافها، فدعا القوم لطعامه، وأكد عليهم أن لا يتخلف عنه أحد منهم ومن ثم شرع في تحريه، استقراء عن طريق العلامات المميزة، واستنطاقا بالأسئلة التي طرحها على الغلام المنشود، حتى استيقن الحقيقة التي يتطلع إليها أولو العلم من أحبار يهود ورهبان النصارى.. وهنا تنتهي قصة بحيرا لدى ابن هشام وابن كثير [١] ثم يواصل الثاني حديثه عن بحيرى برواية ٌراد أبي نوح، التي تقول إن بحيرا قد أعلن قناعته بكون هذا اليتيم هو المبعوث المنتظر [٢] . ثم تأتي الرواية الأخرى عن رحلته ﷺ بتجارة الطاهرة – خديجة - إلى الشام، حيث أتيح لفتاها ميسرة أن يرى ويسمع من خلال محمد ﷺ ما ملأ قلبه إعجابا وتقديرا. ولا تقف الرواية عند هذا الحد، بل تضم إليه أيضا بعض المشاهد الخارقة التي أحاطت بالرفيق الكريم أثناء الرحلة، من تظليل الغمامة ورعاية الملكي له.. وإخبار راهب نصراني لمسيرة بما يفيد أن رفيقه مرشح لمقام النبوة [٣] .. حتى إذا وصل ركبهما مكة ذهب مسيرة يحدث مولاته خديجة بمرتئياته ومسموعا ته، وبخاصة كلمة الراهب، فلم تتمالك أن مضت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تذكر له حديث ميسرة، فما كان من هذا إلا أن أكد لها توقعات الراهب قائلا: "لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة [٤] .

стр. 11981

وتمضي الرواية فتعرض لنا اهتمام ورقة عقيب ذلك بخبر محمد ﷺ حتى ليترجم أشواقه إلى يوم إعلانه دعوته بأبيات نثبت فيما يلي بعضها: لججت، وكنت في الذكرى لجوجا لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا ويخصم من يكون له حجيج ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن تموجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم شهدت وكنت أكثركم ولوجا ولوجا في الذي كرهت قريش ولو عجت بمكتها عجيجا ويتبع هذه الرواية أخبار أخرى عن كهنة العرب، وتشير إلى مبعث النبي الموعود، مرة بالرمز إليه، وأخرى بالتصريح عن اسمه.. وحسبنا منها جميعا معالجة الخبرين الأولين بالممكن من التدقيق في قيمتهما العلمية ومدى صلتهما بالواقع.

стр. 11982

* ونبدأ بخبر بحيرا. فمع اختلاف مؤرخي السيرة في شخصيته ونسبته وملته يكادون يتفقون على كونه من أحبار أهل الكتاب، قد أقام في صومعته تلك يعبد الله في معزل عن مفاسد عصره. وحين يعرضون ليوم لقائه محمدا ﷺ مع عمه أبي طالب يكادون يتفقون كذلك علة تنويهه بشأنه، بعد تحققه من صفاته التي يجدها في بعض آثار الأنبياء السابقين.. ويزيد بعضهم أنه على مرأى ومسمع من أشياخ الركب (أخذ بيد محمد ﷺ فقال: "هذا سيد العالمين"وفي رواية الترمذي والبيهقي قال: "هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين.."ولما سأله هؤلاء عن مستند علمه عنه أجاب: "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي.. وإني أعرفه بخاتم النبوة بأسفل من غضروف في كتفه.."ولم يكتف بالخبر فأراهم الشجرة وهي تفيء بظلها عليه.. ثم مازال بعمه حتى رده إلى مكة حماية له من الروم –وفي رواية من يهود- وتختم هذه الرواية بأن أبا بكر بعث معه بلالا وزوده الراهب بالكعك والزيت [٥] . والذي يهمنا من حديث بحيرا هو إخباره بمستقبل محمد ﷺ من حيث اصطفاء الله إياه لرسالته الخاتمة، وتوكيده ذلك بسجود الشجر والحجر له.. فهاهنا يتوقف القارئ المفكر ليتساءل عن نصيب القصة من الواقع، وبخاصة أن بحيرا لم يلق بالخبر همسا في مسمع واحد بعينعه بل أعلنه صراحة على ملأ من أفراد الركب، الذين طالبه أشياخهم بالبرهان على مدّعاه..

стр. 11983

وأنت حين تواجه هذا الخبر لابد لك من التساؤل ((كيف ينسى محمد ﷺ ذلك النبأ فيما بعد، وما بال أشياخ قريش ينسونه أيضا، فلا يتذكرونه يوم يطله عليهم بدعوة ربه؟. بل يقابلونها بالجحود والعناد، الذي يقطع بأن المعارضين قد فوجئوا بها، كما فوجئ بها محمد ﷺ نفسه، الذي ناء تحت ثقله أول الأمر، ثم لم يطمئن قلبه إليها إلا بعد أن ثبته الله بلطفه، وبما يسر له من عون الزوج العظيمة خديجة. ونظرة أخيرة إلى خاتمة القصة تكشف لك واحدة أخرى من المشكلات التي لا تجد لها حلا. إذ المعلوم أن رسول الله ﷺ وكان في الثانية عشرة، يكبر صديقه أبا بكر بما يقارب الثلاث من السنوات، إذ كان ما بين التاسعة والعاشرة، ولم تذكر له السيرة أي صلة ببلال، الذي كان في رق أمية بن خلف حتى يوم انتقاله إلى الملك الصديق في أوائل سني البعثة.. فكيف كبر الصديق حتى قام بمسئولية الحماية لمحمد؟.. وكيف أفلت بلال من رق أمية ودخل سلطان الصديق؟.. وكيف ارتفعت سنه بغتة صار قادرا على القيام بهذه المهمة؟.. ومن أين جاء اسم الكعك إلى القصة وهو لفظ لعله لم يتطرق إلى العربية إلا بعد الفتح الإسلامي؟. وهذه الحيرة التي تراودك بازاء القصة قد سبقنا إليها عدد من رجال الحديث الذين لم يستطيعون ردها تهيبا لسنده، ولكنهم لم يكتموا رأيهم بأن من حملها إنما حملها لغرابتها مع التوكيد على انفراد راويها الأخير بها، حتى أن ابن إسحاق نفسه لم يستطع عرضها إلا في صيغة ((الزعم التي تنم عن منتهى الشك)) [٦] وكذلك فعل ابن كثير حين وجه إليها نقدا يوشك أن يكون ردا للرواية بأسرها، ومثله صنع الزرقاني في شرحه على المواهب إذ نقل تضعيف الذهبي للخبر [٧] كما فعل البيهقي بقوله نقلا عن أحدهم: "ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد" [٨] . وننتقل الآن إلى القسم الثاني:

стр. 11984

لقد قام رسول الله ﷺ بتجارة خديجة وهو في الخامسة والعشرين من سنيه، وكان رفيقه في هذه الرحلة ميسرة غلامها، ولابد أنها استغرقت طويلا من الزمن، وبذلك أتيح لمسيرة وهو العاقل الفهم –كما يلوح من خلال الرواية- أن يشهد من خلائق محمد وسمو تصرفاته أثنائذ ما يدفعه إلى الحديث عنهما لكل من يتصل به وبخاصة مولاته خديجة، التي لابد أنها أصغت إلى روايته تلك بإعجاب الكريم الفاضل يسمع أنباء إنسان بلغ القمة في عالم الفضائل، حتى ليدفعها ذلك الإعجاب إلى التفكير في الاقتران به. وسواء توسلت إلى هذه الأمنية الغالية بعرض أمرها عليه مباشرة –كرواية ابن إسحاق [٩]- أو بوساطة المرأة الحكيمة نفيسة بنت علية [١٠] أو عن طريق أخت لخديجة في إحدى الروايات، فقد أتم الله ذلك القران السعيد الذي عم ببركته لا بيت رسول الله ﷺ فحسب بل العالم الإسلامي بأجمعه حتى تقوم الساعة. وإلى هنا والخبر طبيعي ومعقول، ولكن التوقف إنما يتأتى عند بقيته، حيث نرى خديجة ﵂ مشغولة الذهن بموضوع الغمامة والملائكة وخبر النبوة، حتى لا تتمالك أن تقصد إلى ذلك الرجل الحكيم العليم ورقة بن نوفل لتتعرف تأويل تلك الظواهر، فتسمع منه البشرى بنبوة محمد ﷺ فيكون ذلك باعثها الفعال على طلب الزواج منه.

стр. 11985

وبقليل من التأمل في مسيرة هذا الجزء من الرواية يتضح لك اضطرابه هو الآخر ذلك أن خبرا كهذه تسمعه خديجة من ميسرة ثم من ورقة من حقه أن يصل إلى محمد ﷺ عقب زواجه أو خلال الخمس عشرة سنة التي سبقت الوحي، وهذا ما ترفضه الوقائع، التي تؤكد أن محمدا وخديجة كليهما كانا سواء في خلو ذهنيهما من أمر الوحي، إذ فاجأة على غير انتظار، وفاجأها به في جو من الورع المهيب، فلم تجد ما تقوله له سوى التذكير بفضائله التي لا يقاربها الشيطان.. وحسبنا دليلا حاسما على خلو ذهنه ﷺ من موضوع النبوة كليا قول ربه له تبارك اسمه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ ... ﴾ (الشورى آية ٥٢) وهو توكيد حازم لما سبق من قوله الآخر سبحانه في سورة الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ففي كلتا الآيتين تصوير عميق الدلالة على الوضع النفسي الذي كان يلابس محمدا ﷺ قبل الوحي، فهو في حيرة لا يعرف السبيل إلى جلائها، فلا فكرة لديه عن رسالات الله، ولا يعرف من الإيمان سوى التوحيد الفطري الذي ينطق به كل شيء في هذا الكون، إلى أن فاجأه الزائر العظيم في أحضان حراء.. ومن هذا كله نجد أنفسنا تلقاء أمرين: أحدهما الشك في خبر الراهب النصراني عن الغمام والملائكة والشجرة التي ما نزل تحتها قط إلا نبي [١١] والثاني أن يكون اتصال خديجة بورقة لاستطلاع رأيه لم يأت عقيب عودته ﷺ ومسيرة من الشام، بل الأحرى أن يكون حصوله على إثر نزول الوحي مباشرة، يوم عاد إليها رسول الله ﷺ يرجف من الرعب، فذهبت به إلى ابن عمها الذي اطمأن وبشره بالنبوة [١٢] .

стр. 11986

وعلى هذا التقدير يكون ثم تقديم وتأخير في أجزاء الحادث المتصل ببشرى ورقة.. ولعلنا لو لأعدنا ترتيب هذه الأجزاء وفق منطق الحوادث لوجدنا أنفسنا تلقاء الصورة التالية أو قريبا منها: يعود رسول الله ﷺ إثر اللحظة الهائلة التي قدر فيها لقاء جبريل ﵇ إلى خديجة يرتجف من الروع، فتتلقاه بأحسن ما تملك من كريم الرعاية وجميل البيان، حتى إذا اطمأن إلى هدوئه، أخذت سبيلها في زورة عجلي إلى ابن عمها ورقة، أعلم أهل مكة بأمر الدين، فما إن يسمع حديثها عن تلك المفاجأة حتى يهزه الوجد، ويأخذ في التسبيح: قدوس قدوس.. ثم يصرح بالبشرى: "والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا جديجة لقد جاءه الناموس الأكبر –جبريل- وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت [١٣] ". وهكذا تعود خديجة ﵂ إلى محمد ﷺ بكلمة ورقة تشد بها عزيمته، ولتقول له في ثقة عالية وبألفاظ ورقة نفسها: "والذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة [١٤] ". وطلبا للمزيد من التثبيت ترى أن يسمع محمد تلك البشرى الشافية من فم صاحبها مباشرة، ولذلك (انطلقت بمحمد حتى أتت ورقة فقالت له: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك".. فأخبره ﷺ خبر ما رأى فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى [١٥] ". ومن هنا جعلت الأشواق تتفاعل في صدر ورقة إلى اليوم الذي يؤمر فيه النبي الخاتم بتبليغ رسالة ربه، فلا يتمالك أن يترجمها بتلك الأبيات التي أثبتناها في ما تقدم. ثم يلقي محمد ﷺ وهو يطوف بالبيت فيستعيد خبره، ولعله يستوضحه عما جدّ له، فيقص عليه ما رأى وما سمع، فيكرر ورقة ما قاله من قبل مؤكدا بشراه بالقسم: "والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة" [١٦] .

стр. 11987

ومما يؤكد هذا الاتجاه في ترتيب أجزاء الخبر رواية ابن كثير له حيث يعرض نبأ عودته ﷺ إلى خديجة وهو يقول: " زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الورع، فأخبر خديجة بأمره، وقال: "لقد خشيت على نفسي".. فجعلت خديجة تسري عنه بقولها: "كلا.. والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.." ويعقب ابن كثير ذلك بقوله: "فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة.."إلى نهاية الخبر. فأنت ترى خلو رواية ابن كثير من هذا القول المنسوب في السيرة إلى خديجة "إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"وتؤكد رواية البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي. ورب متسائل يقول: ومن أين جاء خبر تظليل الملائكة والغمام وسجود الحجر والشجر لمحمد وانصهارها عليه؟!.. فأقرب جواب على ذلك أن يكون بعض نساخ السيرة، وربما كان من مسلمة أهل الكتاب، قد آسفه أن يقرأ في أسفارهم مثل تلك العجائب تواكب بعثة بعض الأنبياء، ولا يرى مثل ذلك في سيرة محمد ﷺ وهو الذي أكرمه الله بإمامتهم جميعا، فلم ير بأسا في إضافة مثلها إلى بعض أخباره.. بل لا أستغرب أن يكون من هذه الإضافات ذلك الخبر القائل إن يهوديا أطل من أطمه في يثرب ليصرخ في قومه: "يا معشر يهود.. طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به [١٧] وذلك مضاهات لما تقوله بعض مكتوبات النصارى من أن رجلا من فارس قد عرفوا بميلاد المسيح ﵇ من نجم معين فجعلوا يتتبعونه حتى انتهوا إلى مقره في بيت لحم [١٨] .

стр. 11988

وأنا إذ أعرض هذه التصورات لا أنسى أن بعض هذه الأخبار مكتوب في بعض المؤلفات المقدرة عند جمهور المسلمين، ولكن علينا أن نتذكر كذلك أن لمؤلفيها رأيا معلوما في التفريق بين التاريخ والشريعة، فهم إذا رووا عن رسول الله ﷺ تشددوا في التحقيق، وإذا عرضوا للأخبار التاريخية مالوا إلى التساهل. وليتهم لم يفعلوا ذلك لأن التاريخ في ضوء الإسلام معرض العبر التي يجب على المسلم تطبيقها في حياته، وإنما يصلح التطبيق إذا صحت الوقائع، وكل تحريف في عرضها إنما هو مضيعة أو مفسدة للعبرة نفسها.. * ونعود الآن إلى قصيدة ورقة ذات الصلة الوثيقة بهذا الموضوع، فهي من الناحية الفنية أشبه صياغة بأساليب الشعر المكي أثناء البعثة، الذي قلما يتوافر له الألق الجذاب، الذي نعرفه في أساليب الفحول من نجد ويثرب.. إنه أقرب ما يكون إلى نظم العلماء منه إلى غناء الشعراء ... ولذلك لا يستبعد أن تكون نسبتها إلى ورقة الحبر العالم صحيحة لما تحمله من التركيز على الجانب الفكري، الذي يصور تطلعه إلى موعد الجهر بدعوة المصطفى ﷺ ليقف بجانبه يشاطره ما سيتحمله من العناء والبلاء في سبيل الله.. ولا نرى حاجة إلى استعادتها مرة ثانية هنا، ولكن ثمة بعض المؤشرات التي لا مندوحة من التوقف عندها قليلا: يقول ورقة ﵀ : لججت وكنت في الذكرى لجوجا لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجا فهو في هذه المقدمة يعبر عن تشوقه لأخبار محمد ﷺ التي حركت سواكن الأشجان في صدره من أوضاع الناس الغارقين حوله في حلكات الظلام.. فهو يتطلع بلهفة إلى الموعد المنتظر.. وهي مقدمة واضحة الدلالة، على الرغم مما فيها من جفاف العبارة وتكلف الشاعرية.. ولكن هذا الانسجام لا يلبث أن يتقلقل عندما نقرأ البيت الرائع:

стр. 11989

بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا والمراد بالقس هو ذلك الراهب الذي سبقت إشارته إلى نبوة محمد ﷺ لمجرد جلوسه تحت الشجرة ... وهو بيت غريب عن السياق غرابة خبر الراهب هذا، ويكاد ينطق بأنه مدسوس على القصيدة دسا، سواء من حيث صياغته أو مضمونه أو بعض مفرداته، ففي (يعوجا) محاولة لقصر اللفظ على أن يكون قافية في منظومة لا قرابة بينه وبينها البتة، فضلا عن ضياع موضع الربط بين (بما) ومتعلقها أهو (الهم) أم (النشيج) أم (الانتظار) أم (الخروج) ! ولكي تتضح لك غربة هذا البيت أكثر فما عليك إلا أن تحذفه من خيالك ثم تقرأ بدله البيت الخامس مباشرة: بأن محمدا سيسود فينا ويخصم من يكون له لجيجا فأحق مكان بتعليق المصدر المجرور أول هذا البيت (بأن ... ) هو (وصف) في صدر البيت الثاني، وهكذا تستكمل الدارة الفكرية تلاقيها، فينسجم مضمون الأبيات في مجرى واحد لا عوج فيه ولا أمت ... فنشعر أن الباعث النفسي لصياغة القصيدة هو ما قصته خديجة على ورقة من أمر الوحي، وما سمعه عقيب ذلك من الرسول نفسه عن ملابساته، وكل ما قيل عن علاقتها بغير هذه المناسبة فهو ادعاء ينقصه الدليل المعقول. ولقد آن لنا بعد هذه الرحلة الطويلة أن نعود إلى منطلق البحث، وهو موقف الأخ الكريم الأستاذ على الطنطاوي وآخرين مثله من موضوع البشائر عن مبعث رسول الله ﷺ السابقة لظهوره. فأما جانب الصواب في إنكار هؤلاء الفضائل فقد أوضحناه مؤيدا بكل ما نملك من الحجج والبيانات، وقد بقى أن نقف بعض الكلام على الجانب الآخر، جانب المبشرات الثابتة بأقوى ما يهتدي إليه العقل والقلب من وسائل الإثبات.

стр. 11990

وقبل التعرض لهذه الوسائل يحسن بنا أن نذكر القارئ بما لا يحسن أن يغفله من المعلومات الأولية، وهي أن بعثة محمد ﷺ كانت ولا تزال أعظم أحداث التاريخ البشري قاطبة، لأن الإنسانية بها انتقلت من صحراء الضياع الذي يصوره قول الله تبارك اسمه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ... ﴾ (الروم الآية ٤١) . ثم قول رسوله الكريم ﷺ في وصف الوضع البشري أثناء بعثته: " ... إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" [١٩] . إلى ساحت النور فاتضحت معالم الطريق، وتحددت المسئوليات، وانكشف للأبصار ما طمسته الجاهلية من حقيقة الإنسان وتبعاته، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.. وحدث له مثل هذا الثقل في موازين الوجود لا يعقل أن يفاجئ الله به الجنس البشري دون أن يمهد له بما يهيئ لاستقبله الأذهان.. ولذلك لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد بالإبلاغ عن هذا المبعوث الذي يدخره سبحانه لإنقاذ سفينة الحياة من زوابع الضلال.. يقول جل شأنه في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ . وفي تفسير هذا الميثاق ينقل ابن كثير عن علي وابن عباس أن الله لم يبعث نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.

стр. 11991

ويقول سبحانه في التعقيب على استغفار نبيه موسى ﵇ : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف ١٥٦ و١٥٧) . وفي هاتين الآيتين يقول ابن كثير أيضا: "وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم".

стр. 11992

ولقد والله رأينا صفاته هذه في التوراة لا تزال قائمة على الرغم من كل التحريفات التي لحقت بها، ورأيناها في إنجيل يوحنا منقولة عن لسان عيسى ﵇ يبشر فيها بمبعث محمد ﷺ ويحدد صفته بالاسم، على الرغم من تلاعبهم بتغييره في الترجمة العربية، إذ جعلوه (المعزّي) بدل (أحمد) ويأبى الله إلا يفضح المزورون فيكشف الحقيقة بلسان المستشرق الإيطالي الدكتور ((نلينو)) الذي صرح للشيخ عبد الوهاب النجار بأن اسم المبشر به باليونانية وهو (الفارقليطس) يعني بالعربية الكثير الحمد.. بل لقد كشفوا هم أنفسهم عن تزويرهم هذا بما كتبوه في ذيل الصحف التي حملت البشارة من إنجيل يوحنا المطبوع بالعربية، حيث يقولون بالحرف الواحد تعقيبا على كلمة المعزي (إن لفظ المعزي ليس له في المتن الأصلي شيء من معنى الحمد. ومن فسره بالمعزي فإنما تحرف عليه المعزي الذي في الترجمات العربية..) ومجرد ذكرهم هنا لفظ الحمد دليل قاطع على اختلافهم حول ترجمة اللفظ اليوناني الأصلي، وعلى أن بينهم من ذهب إلى ربطه بمعنى (الحمد) الذي يراد استبعاده بهذه الحاشية، فكان ذلك شهادة منهم على أنفسهم بالتزوير والتحريف.. وملاحظة أخرى وهي أن في الفقرة الأخيرة إشارة صريحة إلى وجود ترجمات سابقة بالعربية أثبت فيها اللفظ المشتق من الحمد بدل (المعزي) [٢٠] .. ولو هم انصفوا عقولهم وآثروا الحق لتركوا لبشارة المسيح أن تصل إلى آذان الناس وقلوبهم، لأنها إذ ذاك لن تكون إلا إعلانا للحقيقة التي بلغها المسيح ﵇ من قبل في قوله لبني إسرائيل: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف ٦)

стр. 11993

ولقد بلغت تلك البشريات في التوراة والإنجيل بمبعث خاتم الرسل ﷺ حدا لم يبق معه مجال للتجاهل، حتى أصبح أولو العلم من أهل الكتاب ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة ١٤٦) . ولم يقف أمر هذه البشائر على ذوي العلم من خاصة أهل الكتاب وحدهم، بل لقد انتشرت أنباؤها في سوادهم، حتى لقد كان يهود يثرب يوعدون وثنييها من العرب بأن نبيا أطل زمانه سيتبعونه ويقاتلونهم معه فيقتلونهم قتل عاد وارم ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة ٨٩) . وحسبنا بهذه الشهادات الدامغة أدلة مقنعة بما أسلفناه من أن ذكر محمد ﷺ كان محفوظا في الكتب المقدسة، وعلى ألسنة أهل العلم، الذين كانوا لا يبرحون يتوارثونه جيلا بعد جيل منذ بعث الله أول نبي وحتى تقوم الساعة. وليست قصة سلمان ﵁ وضربه في الأرض بحثا عن الحق وتلقيه خبر محمد ﷺ وعلاماته من أسقف عمورية، إلا واحدا من نقول الثقات بعضهم عن بعض لهذه المبشرات.. وحتى موروثات الهنود والفرس القديمة من علوم أسلافهم لم تخل من هذه المبشرات، وقد عني بالحديث عنها كثيرون من مؤرخي المسلمين كابن حزم والشهر ستاني وابن تيمية ورحمة الله الدهلوي، وفي كتاب (مطالع الأنوار) لعباس محمود العقاد نماذج وفيرة لمن شاء المزيد من أخبارها. ويقول الأخ الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي – الهندي - إنه معني بتأليف كتاب يحمل الكثير من بشائر الكتب الهندوسية بمحمد ﷺ [٢١] . وسأختم هذا العرض بواحدة من هذه البشائر التي لا مجال للمراء في مدلولها، وقد اخترتها من الكتاب المنسوب إلى أشعياء في مجموعة العهد القديم.

стр. 11994

في الإصحاح: ٣٥/ من رؤى أشعياء يعرض هذا النبي صورة رائعة الوضوح والجلال للحدث العظيم الذي أطل على الدنيا ببعث محمد ﷺ فيرينا معالم الخير الذي غمر الجزيرة العربية، والحضارة المثلى التي نشرها الإسلام، لا في الإنسان وده بل في كل شيء. فلنستمع إليه يفصل مرئيا ته من وراء أكثر من ألف سنة قبل بعثة ذلك المنقذ العالمي الذي اصطفاه الله رحمة للعالمين: يقول أشعياء: "تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس، يزهر إزهارا ويبتهج ابتهاجا ويرنمّ. يدفع إليه مجد لبنان بهاء كرمل وشارون، هو يرون مجد الرب بهاء إلهنا. شدّدوا الأيادي المسترخية والركب المرتعشة ثبوتها. قولوا لخائفي القلوب تشددوا لا تخافوا هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي جزاء الله هو يأتي ويخلصكم. حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسان الأخرس، لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر ويصير السراب أجما، والمعطشة ينابيع ماء. في مسكن الذئاب، في مربضها دار للقصب والبَرْدِيّ. وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر فيها نجس، بل هي لهم. من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل. لا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد إليها، بل يسلك المفديّون فيها، ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح، فرح أبديّ على رؤسهم.. ابتهاج وفرح يدر كانهم، ويهرب الحزن والتنهد [٢٢] ". إن أشعياء يصوغ مرئياته السعيدة هذه في أسلوب شعري يترقرق بالفرح والبهجة، فلا يتمالك أن يسكب من مشاعره على الأرض اليابسة فإذا هي تموج بمثل فرحه وبهجته.. حتى ليرى كل شيء فيها يضحك ويزهر ويغني ... ولم كل ذلك؟ ... لأن انقلاب خارقا قد غيّر مسيرة الحياة فاستبدلت بكآبة الشقاء والضياع هداية السماء التي ملأت الأرض بنور الله.

стр. 11995

ولذلك يهيب بالمظلومين: أن افتحوا قلوبكم فقد جاءكم الخلاص على قدر، فلا عدوان بعد اليوم ولا بغي ولا طغيان.. إنه انقلاب شامل يطلق المواهب كلها في جزيرة العرب، فتنشط العقول، وتتفجر منابع الحكمة على كل لسان.. وتستحيل الأرض، التي كانت حتى الأمس مرتعا للموت، جنات ترف بالأمن الذي ينعم به كل شيء من إنسان وحيوان. يالها معجزةً أحالت مرابض الذئاب دورا للعلم فلا يكاد يرى فيها إلا القارئون والكاتبون والمعلمون! ثم ماذا؟ ثم الحرم المقدس الذي طهره الله من كل نجس الكفر، فلا يرتاده إلا القائمون والعاكفون والركع السجود.. إليه يزحف الملبون لنداء السماء من كل حدب وصوب، ومن جوار المسجد الأقصى يفدون لتمجيد الله، الذي وهب لهم كل هذه النعم، حتى إذا قضوا حجهم، وأدّوا مناسكهم، عادوا إلى ربوعهم فرحين بما نالوا من تجلي مولاهم الحق، وقد غمرتهم السعادة بما استشعروه من مغفرته ورضوانه.. لقد قربوا الذبائح في طاعته، وأكثروا من صدقات الفداء عن كل مساءة يتوهمون أنهم أتوها، ومن أجل ذلك استحقوا أن يسميهم أشعياء (مفديي الرب) .. ويالها بشارة من حقها أن تذكر أهل الكتاب بالعهد الذي أخذه الله عليهم أن يكونوا أول المؤمنين بالصادق الأمين. إمام النبيين، وسيد الأولين والآخرين ... عليه صلوات الله وسلامه إلى يوم الدين.. تذييل:

стр. 11996

بعد الفراغ من كتابة هذا البحث شاء الله أن أقع على خبر بحيرا في (فقه السيرة) للأستاذ محمد الغزالي وأن أقف من هناك على مناقشة المحدث الفاضل الشيخ ناصر الدين الألباني لقول المؤلف: "سواء صحت قصة بحيرا أو بطلت"ثم لقوله الآخر في شأنها: "والمحققون على أن هذه الرواية موضوعة مضاهاة لمزاعم الإنجيليين في شأن المسيح"حيث يقفي الشيخ ناصر على الفقرة الأولى بقوله: "بل هي صحيحة.."ويحتج لرأيه بأن الترمذي قد أخرج الخبر من طريق أبي موسى الأشعري وعرفه بأنه (حديث حسن) ثم نقل قول الجزري بأن "ذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ"وأردف ذلك برواية البزار عن هذه الفقرة أن الذي عاد بمحمد ﷺ إلى مكة رجل آخر أرسله معه عمه. ومن ثم عمد إلى نفي الوضع عن الخبر في الفقرة الثانية محتجا لصحته بما أورده الإنجيليون من أخبار عن موسى ﵇ مطابقة لمضمون القرآن. وقد دافع الأستاذ الغزالي عن وجهته في الصفحة نفسها محتجا بتقرير أئمة من أهل الحديث، كالذهبي الذي يقول –في ميزان الاعتدال- "مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله: (وبعث معه أبو بكر بلالا) "وكالحافظ ابن حجر الذي ينقل قوله في (المواهب اللدنية) أن "رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه النقطة، فيحتمل أن تكون مدرجة فيه، منقطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته.."وأخيرا يورد قول ابن كثير أن من غرائب هذا الحديث كونه من مرسلات الصحابة، فهل على كل تقدير مرسل. [٢٣] وقد رأيت أن ألفت نظر القارئ إلى بعض الملاحظات حول هذا الحوار: أ_ إن عمدة القائلين بصحة هذا الخبر هي ثقتهم بسنده فهو عند صيارفة الحديث من الضرب الموثوق دون ريب. ولا غبار على متنه لأنه داخل في الممكنات التي تتعلق بتكرمة الله عبده المختار ﷺ .

стр. 11997

ب_ لذلك وقف نقدهم عند فقرته الأخيرة من ذكر أبي بكر وبلال ﵄ فأوردوا عليها بعض الاحتمالات، ومن ذلك رواية البزار بإرسال رجل آخر مكان بلال لم يذكر اسمه، ونضيف إلى ذلك الرواية الثالثة القائلة بأن الذي عاد به إلى مكة هو عمه أبو طالب [٢٤] . ولننظر الآن في كل من الملاحظتين على حدة: أ_ لا خلاف على صحة السند بشهادة أولي العلم، ولعل الخلاف أن يكون مقصورا على تعيين نوع الحديث أمن المراسيل هو أم من المرفوعات؟.. والذي يطمئن إليه العقل والقلب هو ما ذهب إليه ابن كثير من القطع بإرساله، وفي هذه الحال لا يعدو كونه نوعا من الأخبار التي سمع أبو موسى ﵁ بعض الناس يتناقلونها فحملها عنهم.. ويؤيد ذلك وقف الخبر على روايه الأخير الذي يقول فيه أحد عارفيه –كما أسلفنا- (ليس في الدنيا أحد يحدث به غير قراد) [٢٥] . ب_ إن تسليم نقلة الخبر باحتمال الوهم أو الإدراج في آخره يفتح المجال للتساؤل عما إذا كان مثل ذلك قد حدث أيضا في بعض أجزائه الأخرى، ونخص بالذكر منها سجود الحجارة، وكيف كان وعلى أي سورة؟.. وليس تصور هذا بأقل غرابة من مشاهدة ميسرة للملائة في الخبر الآخر. ج_ إعلان بحيرة نبوة محمد ﷺ كان على مسمع منه ﷺ ومسمع ومشهد من أشياخ الركب، فلم طُمِس على هذا الجانب نهائيا فيما بعد، فلم يُذكر على لسان رسول الله ﷺ قط، ولم يرو عن أحد من هؤلاء الأشياخ، بل الذي حدث أن مكة كلها فوجئت بالنبأ العظيم عقيب يوم حراء العظيم؟!

стр. 11998

د_ لقد حدّث رسول الله ﷺ بالكثير من إرهاصات نبوته، وجاء بعض أحاديثه في هذا الصدد أجوبة على أسئلة صحابته وفيها ما يفوق بشرى بحيرا، كشق صدره وتسليم الحجر والشجر عليه، وبعد البعثة شهد الجم الغفير من أصحابه خوارق المعجزات التي حققها الله على يديه، وقد أودع ذلك كله بطون المراجع التي بلغت أعلى درجات الصحة، فكيف أمسك ﷺ عن ذكر خبر بحيرا فلم ينقل عنه، ولم سكت صحابته الأدنون فلم يسألوه عنه، مع أنه جدير باستفساراتهم؟!!.. أليس في ذلك دليل على أن ذلك الخبر لم يكن معروفا أيامه ﷺ وإنما تأخر ظهوره إلى ما بعد وفاته؟! هـ- وأخيرا ليسمح لنا فضيلة الشيخ ناصر –نفع الله بعلمه- أن نذكره بأن مثله عن موافقة بعض الإنجيليين لبعض أنباء القرآن بشأن موسى ﵇ غير كاف لتسويغ ذلك التشابه الغريب ما زعموه من البشريات بظهور المسيح ﵇ وما ذكره كتاب السيرة من بشائر البعثة النبوية التي نحن بصددها، فالمسلم لم يصدق أخبار أهل الكتاب عن موسى ﵇ لو لم يقرأها في الذكر المحفوظ، وإلا فكم من خبر لديهم لا يساوي المداد الذي كتب به، وإذن فلا وجه للمقارنة بين كتبهم التي لا يعرف أصلها ومصادرها التي أقامت للفكر البشري معالم التحقيق الفاصل بين الحق والباطل.. هذا إلى أن الخبر الذي نسبه الشيخ ناصر إلى الإنجيليين إنما هو من أسفار اليهود فلا مكان في صحف هؤلاء ولا مناسبة – فيما أذكر -. ولعل من الخير أن نختم هذه الملاحظات بتلك الكلمة الحكيمة التي عقب بها العلامة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة – غفر الله له - على ما عرضه من أشباه تلك المرويات التي ناقشنا بعضها حيث يقول: "إننا لا يجب علينا دينا وإيمانا أن ندعن لهذه الأخبار وإن كانت من حيث السند صادقة [٢٦] .. لأن هذه الأمور ليست جزءا مما دعا النبي ﷺ إلى الإيمان به [٢٧] ".

стр. 11999

ونحن في مناقشتنا لهذه الأخبار إنما نفعل ذلك حفاظا على منهج السلف في تصفية التاريخ الإسلامي من كل خبر لا يحمل طابع الصحة الحاسمة.. وانطلاقا من هذا الاتجاه نرفع إلى أستاذنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، وإلى معالي أخيه الشيخ محمد علي الحركان، وصاحبي الفضيلة الدكتور عبد الله الزايد، نائب رئيس الجامعة الإسلامية، والدكتور عبد الله التركي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حفظهم الله وبارك جهودهم، اقتراحا نرجو أن ينال قبولهم، وهو أن يؤلفوا مجمعا خاصا باسم (المجلس الأعلى لتصفية السيرة المطهرة) تكون مهمته أن يقدم للعالم الإسلامي كتابا في السيرة النبوية يقتصر على أصح الأخبار من تاريخ أكرم مختار، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار. وليس ذلك على هممهم العالية وإخلاصهم الكبير بعزيز، إن شاء الله.. وللأخ الفاضل الأستاذ علي الطنطاوي أخيرا وافر الدعاء على ما أثاره من البواعث لإخراج هذا البحث الذي نرجو أن يكون مقبولا عند الله وعند رسوله ﷺ . ولله الحمد من قبل ومن بعد. قرأت القرآن وفهمته قرأت ((القرآن)) فبهرني وأصابني بنوع من الذهول الناتج عن الإعجاب الكبير بما آتى به من تعاليم وأفكار.. لقد قرأت أن كل ما في الكون يسبح لله ويسجد له كالحجارة والنبات والبحار والسماوات.. والإنسان هو الوحيد في هذا الكون قادر على أن يفكر وقادر على أن يسجد أو لا يسجد وهذا دليل على أن الله أعطى للإنسان قيمة كبيرة ومكانة عالية في الحياة. فإذا كان الغرب يسن قانون السيطرة ويشجع على قانون الغاب فإن الإسلام يدعو إلى المحبة والتآخي والسلام والعدل والشورى الفيلسوف الفرنسي روجي جارودي --------------------------------------------------------------------------------

стр. 12000

[١] انظر سيرة ابن هشام ص ١٨٣ ج ١ ط الحلبي و (والبداية والنهاية) ص ٢٨٣ -٢٨٤ ج ٢ ط المعارف بيروت ١٩٧٧. [٢] ابن كثير ج ٢ ص ٢٨٤ –٢٨٥. [٣] ابن كثير ج ٢ ص ٢٨٤ –٢٨٥. [٤] ابن هشام ج ١ ط الحلبي ص ١٧٧ -١٩١ وابن كثير ج ٢ ص ٢٩٣-٢٩٦. [٥] انظر البداية والنهاية: ٢٨٤ و ٢٨٥ ج ٥. وسنن الترمذي ج ٥ ٢٥٠ -٢٥١ ط السلفي والدلائل للبيهقي ج ١ ٣٠٧. [٦] ابن كثير ج ٢ ٢٨٥. وابن هشام ج ١ ١٨٠ -١٨٣ ط الحلبي. [٧] ابن كثير ج ٢ ٢٨٥، وابن هشام ج ١ ١٨٠ -١٨٣ ط الحلبي. [٨] انظر هامش ص ٨٢ من كتاب (الفصول في اختصار سيرة الرسول) ط دار القلم بيروت. [٩] راجع الدلائل ص ٣٠٩ السلفية. [١٠] ابن هشام ط الحلبي ص ١٨٩ ج.١. [١١] ابن هشام ط دار الفكر ج١ ٢٠٥ -في الهامش- وفي (المنتخب من السنة) تذكر باسم نفسية. [١٢] ابن هشام ط الحلبي ج ١ ص ١٨٨، وعبارة ابن كثير خالية من الظرف ((قط)) ج ٢ ص ٢٩٤، ويفسر السهيلي عبارة الراهب بقصده إلى محمد ﷺ وحده وهو بعيد، وذكر الظرف المستغرق للماضي عند ابن هشام يفيد القطع بأنه لم يجلس تحت هذه الشجرة قبل محمد ﷺ إلا النبيون. [١٣] ابن هشام ط الحلبي ص ٢٣٨ ج ١، وانظر ابن كثير ج ٣ ص ٣. والمنتخب من السنة ج ١ /٧٣ /٧٤. [١٤] ابن هشام ط الحلبي ص ٢٣٨ ج ١ وانظر ابن كثير ج ٣ ص ٣ والمنتخب من السنة ج١ /٧٣ /٧٤. [١٥] ابن هشام ط الحلبي ص ٢٣٨ ج ١ وانظر بن كثير ج ٣ ص ٣ والمنتخب من السنة ج ١ /٧٣ /٧٤. [١٦] ابن هشام ط الحلبي ص ٢٣٨ ج ١ وانظر بن كثير ج ٣ ص ٣ والمنتخب من السنة ج ١ /٧٣ /٧٤. [١٧] ابن هشام ج ١ /١٥٩ ط الحلبي، وقريب من ذلك رواية الحاكم في المستدرك عن يهودي فعل هذا بعض هذا في مكة أيضا ج ٢ /٦٠١ –٦٠٢. [١٨] راجع الفصل الثاني من إنجيل متى. [١٩] من حديث طويل أخرجه مسلم.

стр. 12001

[٢٠] انظر الفصل ١٦ من إنجيل يوحنا وحاشيته في الطبعة اليسوعية. ويلاحظ في الفقرة الأخيرة من الحاشية أن ثمة زلقة قلم وضعت كلمة (المعزي) مكان (الحمد) بقول المحشي (ومن فسره بالمعزي) يريد (ومن فسره بالحمد) حسب مفهوم السياق. [٢١] الدكتور ضياء الرحمن من خريجي الجامعة الإسلامية وهو من مدرسيها، وقد كان هندوسيا فهداه الله إلى الإسلام. [٢٢] انظر أشعياء صح ٣٥. [٢٣] فقه السيرة ط دار الكتب الحديثة ٦٨ –٦٩ /١٩٧٦. [٢٤] ابن هشام ط الحلبي ج /١٨٣. [٢٥] ابن كثير ج ٢ /٢٨٥. [٢٦] انظر ص ٤٧ ج ١ من كتابه (خاتم النبيين) . [٢٧] انظر ص ٤٧ ج ١ من كتابه (خاتم النبيين) .

стр. 12002

ملاحظات: حول كتاب عقيدة السلف والخلف (١) للشيخ عبد القادر السّندي الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فقد ناولني فضيلة عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام كتاب، بعد أن كتب رأيه على الغلاف الثاني ما نصه: "هذا الكتاب فيه خلط وتلبيس لا ينبغي لصغار الطلبة قراءته لأن مؤلفه غير محقق، وغير مميز بين عقيدة السلف والخلف وتؤدي قراءته إلى بلبلة أفكار قارئيه لذا ننصح طلبة العلم بعدم قراءته والانصراف إلى قراءة كتب المحققين من علماء السلف الصالح وأتباعهم". قلت: هذا هو نص الكلمة التي وقع تحتها فضيلة العميد، فكأنه طلب إليّ حفظه الله تعالى تفصيل ما أجمله في كلمته والإطناب (في) ما اختصره إظهارا للحق وتبيينا للواقع الأليم الذي وقع فيه صاحب الكتاب من الخلط والتلبيس، إما بعدم علمه فهو أهون في نظري وإما عنادا فهو أفظع وأشنع كما قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وأنا أحسن الظن به فأقول إنه غير مميز كما حكم عليه فضيلة العميد في كلمته. وأما إذا كان عالما ثم قام بهذه العملية الشنيعة في هذا الكتاب الذي أسماه (هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى، وصفاته، والجواب الصحيح لما وقع فيه الخلاف من الفروع بين الداعين للسلفية وأتباع المذاهب الأربعة الإسلامية) فهذه التسمية الطويلة للكتاب المذكور بهذه الصفة وبهذا الأسلوب فيه دلالة واضحة على عدم علم صاحبه فضلا عما أورده فيه من النقل غير المسند كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى ثم هو لا يفرق بين العصا والحية وبين الأرض والسماء وبين الظلام الدامس والنور الوهاج.

стр. 12003

وقد فكرت كثيرا –بعد الدعاء من الباري جل وعلا لهذا الأخ الكريم- في كيفية المناقشة معه وقد عرفت حاله تماما أثناء إلقاء نظرتي على كتابه هذا مع ما قاله فضيلة العميد في كلمته. ولست أبالي بما يقول في حق السلف رحمهم الله تعالى بأنهم حشوية ما دام جعل عقيدة السلف والخلف واحدة لا فرق بينهما في نظره أبدا، مع أن الذين أوجدوا هذه العقيدة الخلفية أول مرة وتكلموا فيها قالوا: "إن عقيدة السلف أسلم وعقيدتنا أعلم وأحكم"، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا من كان بعيدا عن العلم في هذا الموضوع بالذات ولقد عجبت من الأخ وذلك في عنوان كتابه إذ جعل عقيدة السلف الصالح ذاتا وصفة وعبادة لله تعالى كعقيدة الخلف التي اضطرت فيها أصحابها الأولون (اضطرابا شديدا وانقسموا) إلى طوائف عديدة ونحل مختلفة وملل متنوعة بعضهم أقرب إلى عقيدة السلف (الصالح) رحمهم الله تعالى. ولم نسمع ولم نر أحدا أنه أنكر هذه الحقيقة الناصعة ممن سبقه سبقا علميا وزمانيا. فهذا الشيخ محمد زاهد الكوثري الذي حمل لواء التعطيل في الزمن الأخير والذي لم يترك كتابا من كتب السلف إلا وقد علق عليه إثباتا لهذه العقيدة الخلفية ودفاعا عنها واستماتة في سبيلها ونكاية بعلماء السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم رضي الله تعالى عنهم. إلى أن قام العلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتابه النافع البارع: (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) وقد نشره وأنفق عليه ناصر السنة المحمدية الشيخ محمد نصيف رحمه الله تعالى ووزعه في سبيل الله تعالى على طلبة العلم. وإني أرى في هذا المقام أن أتعرض لهذه الفتنة ومن هم أصحابها الأولون ثم انتشارها في صفوف الذين لم تتمكن العقيدة الصحيحة الصافية من قلوبهم.

стр. 12004

تلك العقيدة التي جاء بها رسول الله ﷺ وذلك بعد وقت قصير من طلوع الصبح الصادق الذي أعطى للكائنات كلها –فضلا عن الإنسانية- ثقافة جديدة وحياة حرة كريمة، ومحبة إيمانية مثالية ونظاما رفيعا ومنهاجا مستقيما وأخوة صادقة عظيمة وعقيدة صافية نقية وسياسة حكيمة قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥-١٦) . هذا المعنى الذي أشار إليه القرآن الكريم في هاتين الآيتين الكريمتين تركز في قلوب هؤلاء الذين مجدهم الله تعالى في كتابه الكريم وعظم شأنهم وذلك في قوله الحكيم في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: ٢٩) ما أعظم هذه التزكية في صورة رائعة مثالية من رب العزة والجلال في حق هؤلاء النخبة المختارة الذين فهموا هذه الشريعة الإسلامية الغراء عقيدة وعبادة ومعاملة، وسلوكا، وأدبا، ونظاما وغيرها من المعاني. السامية.

стр. 12005

ثم تأتي زمرة فاسقة من اليهود والنصارى لكي تشوه هذه الحقيقة الناصعة البيضاء التي يقول عنها ﵊ في حديثه المبارك الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه وذلك بإسناد حسن. قال الإمام أحمد [١] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية –يعني ابن صالح- عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت من العيون ووجلتا منها القلوب قلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ فإنما المؤمن كالجمل الآنف حيثما انقيد انقاد". وللحديث شواهد كثيرة منها ما أخرجه ابن ماجه [٢] في المقدمة من حديث أبي الدرداء ﵁ وفيه: "وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء" قال أبو الدرداء: صدق، والله رسول الله ﷺ تركنا، والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء. قلت: وكيف لا؟ وقد قال جل وعلا في كتابه الحكيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾ (المائدة: ٣) . وسوف يأتي تفسير هذه الآية الكريمة في نهاية الموضوع إن شاء الله تثبيتا لعقيدة السلف الصالح وتأييدا لها.

стр. 12006

وأما الآن فإني أثبت هنا إثباتا علميا إن شاء الله تعالى إن هذا العنوان الذي عنون به هذا الأخ الكريم كتابه بقوله: "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله والجواب الصحيح لما وقع فيه الخلاف من الفروع بين الداعين للسلفية وأتباع المذاهب الأربعة الإسلامية" (هو) عنوان غير صحيح. لأن عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فإنها مبنية على أسس ثلاثة: (١) تنزيه الله من مشابهة الخلق. (٢) الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها وعدم التهجم على الله بنفي ما أثبته لنفسه. (٣) قطع الطمع عن إدراك الكيفية. كما ذكر ذلك [٣] عمدة المتأخرين العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ نقلا عن المصادر الأصلية كما سوف يأتي بعض تفصيله إن شاء الله.

стр. 12007

وأما عقيدة الخلف فإنها مبنية على التأويل والتحريف والتعطيل والتشبيه كما حكى ذلك العلامة سعد الدين التفازاني في شرح العقائد النسفية وهو كتاب يدرس في أغلب مدارس الهند والباكستان وغيرها في مادة التوحيد وأصل الكتاب للعلامة الشيخ عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي قال العلامة التفازاني ما نصه: "وقد كانت الأوائل من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلافات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين –الكتاب والسنة- وترتيبهما أبوابا وفصولا وتقرير مقاصدهما فروعا وأصولا إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين وغلب البغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والوقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشتغلوا بالنظر والاجتهاد والاستدلال والاستنباط وتمهيد القواعد"انتهى ثم قال في موضع آخر معتذرا للخلف عما أقدموا عليه من إيجاد هذه العقيدة الخلفية قال: "القوم الذين كانوا يناظرهم الخلف ما كانوا يقبلون الأدلة النقلية ولا ينقادون لها فذلك اضطر علماء الخلف إلى الأدلة العقلية [٤] " انتهى. نقل هذا كله الشيخ صالح بن أحمد رحمه الله تعالى في كتابه تحكيم الناظر [٥] وكان شرح العقائد عندي في يوم من الأيام وكنت قد درسته على يد بعض المشايخ بباكستان ثم أحرقته فيما بعد ولو كنت تركته لنقلت منه نصوصا كثيرة. قلت: هذا نص كلام العلامة التفازاني شارح العقيدة النسفية وهو يعترف اعترافا لا يشوبه أدنى شك بأن هذه العقيدة الخلفية أوجدها علماء الخلف لكي يناظروا بها من كان يرفض الأدلة النقلية من الخلف ولذلك نقل عن المتأخرين الذين أوجدوا هذه العقيدة الخلفية العلمية حسب زعمهم: (أن عقيدة الخلف أسلم وعقيدتنا أعلم وأحكم) كما نقله عنهم شارح العقيدة الطحاوية حيث قال رحمه الله تعالى:

стр. 12008

"نبينا ﷺ أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها لذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة، لا كما يقول ضلال المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم وإن طريقتنا أحكم وأعلم [٦] " انتهى وهكذا نقل عنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني النابلسي المتوفى سنة ١١٨٨ هجري في شرحه (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية) على منظومته التي سماها: (الدرة المضية في عقيدة أهل الفرقة الناجية) إذ قال رحمه الله تعالى: "مذهب السلف هو المذهب المنصور والحق الثابت المأثور وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة التي هي بكل خير فائزة ولكل مكرمة راجية من الشفاعة والورود على الحوض ورؤية الحق وغير ذلك من سلامة الصدور والإيمان بالقدر والتسليم لما جاءت به النصوص فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق لديه ممن لا يقدر السلف ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به حق المعرفة المأمور بها، من (أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم) وهؤلاء إنما أتوا من حيث طنوا أن طريقة السلف هي مجرد استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات فذها الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهور. وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين باطلين: الجهل في طريقة السلف في كذبهم عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم) [٧] اهـ.

стр. 12009

قلت: والشاهد في هذا الكلام واضح بين أنه نقل عن ضلال المتكلمين مقالتهم في التفريق بين طريقة السلف والخلف مع أن هذا الرجل الذي أخطأ في وضع عنوان كتابه لم يفرق بين عقيدة السلف والخلف فضلا عما في كتابه من الحقائق غير ثابتة على أئمة الحديث وعلى غيرهم من جهابذة المتكلمين والفلاسفة الذين لا يرضون عن عمله هذا لأنه قال على الفريقين وآذاهما في وقت واحد، أرجو له الهداية والعودة الحميدة إلى طريق الصواب، والحق والإنصاف. إني: حسب الوعد الذي قطعته على نفسي أرغب أن أتعرض لهذه الفتنة السوداء والنكسة الشنعاء وذلك في ضوء البحث العلمي، إيضاحا للحق وبيانا للواقع ودعوة إلى ما كان عليه الأولون من منهج رفيع ودستور عظيم مع التعرض لتاريخ بعض رجل هذه الحادثة الأليمة والواقعة الخطيرة أعني الاعتزال، ثم الذين وقفوا في سدها ودفعها دفعا قويا وسدا منيعا من أئمة الحديث والسنة رحمهم الله تعالى ثم التعرض لبعض نقول هذا الكتاب المردود عليه بأنها مقولة على أصحابها بغير علم وكشفا لحقيقة هذا المؤلف الجديد وتنبيها وتحذيرا للأخوة الطلبة الذين هم في حاجة ثقافة قوية، وحضارة إسلامية عظيمة، ألا يقرؤوا مثل هذه الكتب وما أكثرها اليوم في الأسواق. قبل تمكنهم من الحصول على الرصيد الحافل من العلم الصحيح والعقيدة الصافية النقية، وذلك بدراستهم علوم الكتاب والسنة وأصول دراستهما من أفواه أهل العلم المتمكنين منه دراية ورواية. ١_ الجعد بن درهم: نعم: أول فتنة شنعاء في هذا الباب تأويل صفات الباري جل وعلا وتعطيلها أو تحريفها أو إنكارها بالكلية قام بها رجل يسمى: الجعد بن درهم. قال الإمام الذهبي في ميزانه: "عداده في التابعين"ثم قال: "مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر" [٨] .

стр. 12010

وقال الحافظ في لسان الميزان: "وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها: أنه جعل في قارورة ترابا وماء فاستحال دودا أو هواما فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: ليقل كم هو؟ وكم الذكران منه والإناث إن كان خلقه وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع" [٩] انتهى. وذكره العلامة الإمام أبو سعد عبد الكريم السمعاني في الأنساب في نسبة الجعدي إذ قال: "وجماعة نسبوا إلى رأي الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد، فلما جاءت الخراسانية نسبوه إليه شنعة عليه. ثم قال: وقتل الجعد بن درهم خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن عبد الملك" [١٠] . وهكذا قال الإمام عز الدين بن الأثير في تهذيب الأنساب نقلا عن السمعاني في هذه النسبة [١١] . وقال العلامة الديار بكري صاحب (الخميس) : "وكان مروان هذا يعرف بالجعدي نسبة إلى مؤدبه وأستاذه جعد بن درهم وكان زنديقا" [١٢] انتهى. قلت: وقد ساق الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٠ هجري إسناده في كتابه البارع النافع المفيد: (الرد على الجهمية) هكذا في قتل هذا الزنديق: حدثنا القاسم بن محمد البغدادي ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده حبيب بن أبي حبيب قال: "خطبنا خالد بن عبد الله القسي يوم العيد الأضحى فقال: أيها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منا ومنكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كثيرا ثم نزله فذبحه.
следующие страницы →