Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.
стр. 12006
وأما الآن فإني أثبت هنا إثباتا علميا إن شاء الله تعالى إن هذا العنوان الذي عنون به هذا الأخ الكريم كتابه بقوله: "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله والجواب الصحيح لما وقع فيه الخلاف من الفروع بين الداعين للسلفية وأتباع المذاهب الأربعة الإسلامية" (هو) عنوان غير صحيح. لأن عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فإنها مبنية على أسس ثلاثة:
(١) تنزيه الله من مشابهة الخلق.
(٢) الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها وعدم التهجم على الله بنفي ما أثبته لنفسه.
(٣) قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
كما ذكر ذلك [٣] عمدة المتأخرين العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ نقلا عن المصادر الأصلية كما سوف يأتي بعض تفصيله إن شاء الله.
стр. 12007
وأما عقيدة الخلف فإنها مبنية على التأويل والتحريف والتعطيل والتشبيه كما حكى ذلك العلامة سعد الدين التفازاني في شرح العقائد النسفية وهو كتاب يدرس في أغلب مدارس الهند والباكستان وغيرها في مادة التوحيد وأصل الكتاب للعلامة الشيخ عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي قال العلامة التفازاني ما نصه: "وقد كانت الأوائل من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلافات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين –الكتاب والسنة- وترتيبهما أبوابا وفصولا وتقرير مقاصدهما فروعا وأصولا إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين وغلب البغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والوقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشتغلوا بالنظر والاجتهاد والاستدلال والاستنباط وتمهيد القواعد"انتهى ثم قال في موضع آخر معتذرا للخلف عما أقدموا عليه من إيجاد هذه العقيدة الخلفية قال: "القوم الذين كانوا يناظرهم الخلف ما كانوا يقبلون الأدلة النقلية ولا ينقادون لها فذلك اضطر علماء الخلف إلى الأدلة العقلية [٤] " انتهى.
نقل هذا كله الشيخ صالح بن أحمد رحمه الله تعالى في كتابه تحكيم الناظر [٥] وكان شرح العقائد عندي في يوم من الأيام وكنت قد درسته على يد بعض المشايخ بباكستان ثم أحرقته فيما بعد ولو كنت تركته لنقلت منه نصوصا كثيرة.
قلت: هذا نص كلام العلامة التفازاني شارح العقيدة النسفية وهو يعترف اعترافا لا يشوبه أدنى شك بأن هذه العقيدة الخلفية أوجدها علماء الخلف لكي يناظروا بها من كان يرفض الأدلة النقلية من الخلف ولذلك نقل عن المتأخرين الذين أوجدوا هذه العقيدة الخلفية العلمية حسب زعمهم: (أن عقيدة الخلف أسلم وعقيدتنا أعلم وأحكم) كما نقله عنهم شارح العقيدة الطحاوية حيث قال رحمه الله تعالى:
стр. 12008
"نبينا ﷺ أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها لذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة، لا كما يقول ضلال المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم وإن طريقتنا أحكم وأعلم [٦] " انتهى
وهكذا نقل عنهم العلامة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني النابلسي المتوفى سنة ١١٨٨ هجري في شرحه (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية) على منظومته التي سماها: (الدرة المضية في عقيدة أهل الفرقة الناجية) إذ قال رحمه الله تعالى:
"مذهب السلف هو المذهب المنصور والحق الثابت المأثور وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة التي هي بكل خير فائزة ولكل مكرمة راجية من الشفاعة والورود على الحوض ورؤية الحق وغير ذلك من سلامة الصدور والإيمان بالقدر والتسليم لما جاءت به النصوص فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق لديه ممن لا يقدر السلف ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به حق المعرفة المأمور بها، من (أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم) وهؤلاء إنما أتوا من حيث طنوا أن طريقة السلف هي مجرد استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات فذها الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهور.
وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين باطلين: الجهل في طريقة السلف في كذبهم عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم) [٧] اهـ.
стр. 12009
قلت: والشاهد في هذا الكلام واضح بين أنه نقل عن ضلال المتكلمين مقالتهم في التفريق بين طريقة السلف والخلف مع أن هذا الرجل الذي أخطأ في وضع عنوان كتابه لم يفرق بين عقيدة السلف والخلف فضلا عما في كتابه من الحقائق غير ثابتة على أئمة الحديث وعلى غيرهم من جهابذة المتكلمين والفلاسفة الذين لا يرضون عن عمله هذا لأنه قال على الفريقين وآذاهما في وقت واحد، أرجو له الهداية والعودة الحميدة إلى طريق الصواب، والحق والإنصاف.
إني: حسب الوعد الذي قطعته على نفسي أرغب أن أتعرض لهذه الفتنة السوداء والنكسة الشنعاء وذلك في ضوء البحث العلمي، إيضاحا للحق وبيانا للواقع ودعوة إلى ما كان عليه الأولون من منهج رفيع ودستور عظيم مع التعرض لتاريخ بعض رجل هذه الحادثة الأليمة والواقعة الخطيرة أعني الاعتزال، ثم الذين وقفوا في سدها ودفعها دفعا قويا وسدا منيعا من أئمة الحديث والسنة رحمهم الله تعالى ثم التعرض لبعض نقول هذا الكتاب المردود عليه بأنها مقولة على أصحابها بغير علم وكشفا لحقيقة هذا المؤلف الجديد وتنبيها وتحذيرا للأخوة الطلبة الذين هم في حاجة ثقافة قوية، وحضارة إسلامية عظيمة، ألا يقرؤوا مثل هذه الكتب وما أكثرها اليوم في الأسواق. قبل تمكنهم من الحصول على الرصيد الحافل من العلم الصحيح والعقيدة الصافية النقية، وذلك بدراستهم علوم الكتاب والسنة وأصول دراستهما من أفواه أهل العلم المتمكنين منه دراية ورواية.
١_ الجعد بن درهم:
نعم: أول فتنة شنعاء في هذا الباب تأويل صفات الباري جل وعلا وتعطيلها أو تحريفها أو إنكارها بالكلية قام بها رجل يسمى: الجعد بن درهم. قال الإمام الذهبي في ميزانه:
"عداده في التابعين"ثم قال: "مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر" [٨] .
стр. 12010
وقال الحافظ في لسان الميزان: "وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها: أنه جعل في قارورة ترابا وماء فاستحال دودا أو هواما فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: ليقل كم هو؟ وكم الذكران منه والإناث إن كان خلقه وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع" [٩] انتهى.
وذكره العلامة الإمام أبو سعد عبد الكريم السمعاني في الأنساب في نسبة الجعدي إذ قال: "وجماعة نسبوا إلى رأي الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد، فلما جاءت الخراسانية نسبوه إليه شنعة عليه. ثم قال: وقتل الجعد بن درهم خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن عبد الملك" [١٠] .
وهكذا قال الإمام عز الدين بن الأثير في تهذيب الأنساب نقلا عن السمعاني في هذه النسبة [١١] .
وقال العلامة الديار بكري صاحب (الخميس) : "وكان مروان هذا يعرف بالجعدي نسبة إلى مؤدبه وأستاذه جعد بن درهم وكان زنديقا" [١٢] انتهى.
قلت: وقد ساق الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٠ هجري إسناده في كتابه البارع النافع المفيد: (الرد على الجهمية) هكذا في قتل هذا الزنديق: حدثنا القاسم بن محمد البغدادي ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده حبيب بن أبي حبيب قال: "خطبنا خالد بن عبد الله القسي يوم العيد الأضحى فقال: أيها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منا ومنكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كثيرا ثم نزله فذبحه.
стр. 12011
ثم ساق إسناد آخر بقوله: حدثنا هشام بن منصور البغدادي المكفوف ثنا أحمد بن سليمان الباهلي ثنا خلف بن خليفة الأشجعي قال: "أتي خالد بن عبد القسي برجل قد عارض القرآن فقال: قال الله في كتابه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ . وقلت أنا: ما هو أحسن منه إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر ولا تطع كل سافه وكافر، فضرب خالد عنقه وصلبه فمر به خلف بن خليفة وهو مصلوب فضرب بيده على خشبة فقال: إنا أعطيناك العمود فصل لربك على عود فأنا ضامن لك أن لا تعود"انتهى [١٣]
قلت: هذا ثابت عن خالد بن عبد الله القسي الذي كان عاملا لهشام بن عبد الملك وكان ذلك في سنة ١١٨ هجري في واسط، وقال ابن قتيبة هكذا [١٤] .
٢_ أبو محرز جهم بن صفوان:
وتبه في غيه وضلاله جهم بن صفوان أبو محرز، قال الإمام الذهبي في ميزانه: "السمرقندي الضال المبتدع، رأس الجهمية هلك في زمان صغار التابعين وما علمته روى شيئا لكنه زرع شرا عظيما"انتهى [١٥] .
وقال الحافظ في لسانه: "وكان قتل جهم بن صفوان سنة ثمان وعشرين ومائة وسببه أنه كان يقضي في عسكر الحارث بن شريح الخارج على أمراء خراسان فقبض عليه نصر بن سيار فقال له: استبني. فقال: لو ملأت هذا الملأ كواكب وأنزلت إلي عيسى بن مريم ما نجوت، ولم كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك ولا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت، وأمر بقتله، وكان جهم من موالي بني راسب وكتب للحارث"انتهى [١٦] .
стр. 12012
قلت: وقد عقد الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه عنوانا وهو: (باب الإحتجاج في إكفار الجهمية) ثم قال رحمه الله تعالى: "ناظرني رجل ببغداد منافخا عن هؤلاء الجهمية فقال لي: بأي حجة تكفرون هؤلاء الجهمية وقد نهي عن إكفار أهل القبلة؟ بكتاب ناطق تكفرونهم أم بأثر أم بإجماع؟ فقلت: ما الجهمية عندنا من أهل القبلة وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور وأثر مأثور وكفر مشهور: أما الكتاب: فما أخبر الله تعالى عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب أنهم قالوا هو مخلوق كما قالت الجهمية سواء، قال الوحيد: وهو الوليد بن المغيرة المخزومي: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وهذا قول جهم إن هذا إلا مخلوق وكذلك قول من يقول بقوله، وقول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ و ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ معناهم في جميع ذلك ومعنى جهم بن صفوان في قوله يرجعان إلى أنه مخلوق ليس بينهما فيه من البون كغرز إبرة ولا كقيس شعرة. فبهذا نكفرهم كما أكفر الله به أئمتهم من قريش، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ إذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ لأن كل إفك وتقول وسحر واختلاق وقول البشر، كله لا شك في أنه مخلوق. فاتفق من الكفر بين الوليد بن المغيرة وجهم ابن صفوان: الكلمة والمراد في القرآن أنه مخلوق فهذا الكتاب الناطق في إكفارهم.
стр. 12013
وأما الأثر فيه: فما حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن يزيد وجرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة أن علي بن أبي طالب ﵁ أتى بقوم من الزنادقة فحرقهم بلغ ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: أما أنا فلو كنت لقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"ولما حرقتهم لنهى رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله" زاد سليمان في حديث جرير: فبلغ عليا ما قال ابن عباس ﵄ فقال: ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات.
قال أبو سعيد: فرأينا هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفرا، وأقبح تأويلا لكتاب الله ورد صفاته فيما بلغنا عن هؤلاء الزنادقة الذين قتلهم علي ﵇ وحرقهم فمضت السنة من علي وابن عباس ﵄ في قتل الزنادقة لما أنها كفر عندهما وأنهم عندهما ممن بدل دين الله وتأوّلا في ذلك قول رسول الله ﷺ ولا يجب على رجل قتل في قول يقوله حتى يكون قوله ذلك كفرا. ولا يجب فيما دون الكفر قتل إلا عقوبة فقط فذاك الكتاب في إكفارهم وهذا الأثر"انتهى.
قال السندي عفا الله عنه: "أما حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه أبو سعيد بإسناده عن شيخه سليمان بن حرب فهو حديث أخرجه الإمام البخاري في الجامع الصحيح في كتاب الجهاد باب رقم (١٤٩) وهو بعنوان (باب لا يعذب بعذاب الله) عن شيخه علي بن عبد الله المديني. وأخرجه أيضا في كتابه استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم باب رقم (٢) وهو بعنوان (حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم) أخرجه عن شيخه أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي وأخرجه أيضا الإمام أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم وكذا ابن ماجه والإمام أحمد في مسنده في عدة مواضع.
стр. 12014
فالقائل بخلق القرآن في نظر السلف ﵏ مبدل دينه كما أثبت ذلك أبو سعيد رحمه الله تعالى من استدلاله بآيات من الكتاب الحكيم ثم قال أبو سعيد رحمه الله تعالى:
"ونكفرهم أيضا بكفر مشهور وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله ﵎ أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليما، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله إنما سمع كلاما خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى إلى ربوبيته فقال: ﴿ِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْك﴾ فقال له موسى في دعواهم –صدقت ثم أتى فرعون يدعوه أن يجيب إلى ربوبية مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في مذهبهم في الكفر إذا فأي كفر بأوضح من هذا؟
وقال الله ﵎: ﴿ِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ .
وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط قولا وكلاما كن فكان ولا يقوله أبدا ولم يخرج منه كلاما قط ولا يخرج، ولا يقدر على الكلام في دعواهم، فالصم بدعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام، فأي كفر بأوضح من هذا؟
стр. 12015
وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ و ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ قال هؤلاء: ليس لله يد وما خلق آدم بيديه إنما يداه نعمتاه أو رزقاه، فادعوا في يدي الله أوحش ممال ادعته اليهود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وقالت الجهمية يد الله مخلوقة، لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذاك محال في كلام العرب فضلا أن يكون كفرا. لأنه يستحيل أن يقال: خلق آدم بنعمته، ويستحيل أن يقال في قول الله ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ بنعمتك الخير، لأن الخير نفسه هو النعم نفسها. ومستحيل أن يقال في قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ نعمة الله فوق أيديهم، وإنما ذكرناها هنا اليد مع ذكر الأيدي في المبايعة بالأيدي فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ .
ويستحيل أن يقال: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ نعمتاه فكأن ليس له إلا نعمتان مبسوطتان. لا تحصى نعمه ولا تستدرك، فلذلك قلنا: إن هذا التأويل محال من الكلام فضلا عن أن يكون كفرا" [١٧] انتهى.
قلت: ما أوضح هذا الكلام حجة وبرهانا وما أبينه في هذا الموقف الخطير الذي ضل فيه أقدام المتأخرين تقليدا لهؤلاء الأشرار الذين أثاروا هذه الشكوك والأوهام نحو هذه الحقيقة الناصعة والحجة القوية الباهرة من إثبات الباري على وجه يليق بجلاله وكماله فهذا الشيخ محمد زاهد الكوثري الذي سبقت الإشارة إليه يقول في مقالاته الكبرى ما نصه:
стр. 12016
"بدعة الصوتية حول القرآن"ثم قال: "والواقع أن القرآن في اللوح وفي لسان جبريل ﵇ وفي لسان النبي ﷺ وألسنة سائر التالين وقلوبهم وألواحهم مخلوق حادث محدث ضرورة ومن ينكر ذلك يكون مسفسطا ساقطا من مرتبة الخطاب"ثم يقول: "وهذا تتبين شهادة ابن تيمية في حق العلماء وليس عنده سوى ألفاظ مرصوصة لا إفادة تحتها في بحوثه الشاذة كلها، وغير المفيد لا يعد كلاما، ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث [١٨] " انتهى.
وسوف يأتي الرد على هذا الكلام القبيح فيما بعد في موضعه إن شاء الله تعالى.
٣_ واصل بن عطاء البصري:
والرجل الثالث من هؤلاء الذين هم رأس الكفر: واصل بن عطاء البصري الغزال المتكلم.
قال الذهبي في ميزانه: "البليغ، المتشدق الذي كان يثلغ بالراء فلبلاغته هجر الراء وتجنبها في خطابه، سمع من الحسن البصري وغيره قال أبو الفتح الأزدي: رجل سوء كافر".
قال الإمام الذهبي – وبقوله قلت -: "كان من أجلاء المعتزلة، ولد سنة ثمانين بالمدينة، ومما قيل فيه.
ويجعل البر قمحا في تصرفه
وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا في القول يجعله
فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
وله من التصانيف: كتاب المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب معاني القرآن وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل ويقول: إحدى الطائفتين فسقت لا بعينها، فلم شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة" [١٩] انتهى.
قلت: هذا الزنديق ترجم له ياقوت الحموي في معجم الأدباء ترجمة طويلة وجاء فيها:
"وكان واصل في أول أمره يجلس إلى الحسن البصري فلما ظهر الاختلاف، وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقال جماعة بإيمانهم، خرج واصل عن الفريقين وقال بمنزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه وتبعه عمرو بن عبيد، ومن ثم سموا وجماعتهم المعتزلة" [٢٠] .
стр. 12017
ثم قال ياقوت: "وله من التصانيف: معاني القرآن، وكتاب التوبة، وكتاب الخطب في التوحيد، وكتاب المنزلة بين المنزلتين"ثم ذكر بقية الكتب التي صنفها هذا الزنديق في الاعتزال ونفي الصفات وطعنه في أصحاب النبي ﷺ كما شاهدت ذلك من كلام الإمام الذهبي رحمه الله تعالى بأنه لا يقبل شهادة علي وعائشة وطلحة على باقة بقل.
وهذا من أقبح الكفر وأشنعه.
وترجم له القاضي أبو العباس شمس الدين أبو بكر بن خلكان في وفيات الأعيان ترجمة مفصلة وفيها أخبار زندقته وكفره وانحرافه [٢١] .
وترجم له العلامة السمعاني في الأنساب في نسبة المعتزلي فأجاد فيها وأفاد أن الإمام قتادة بن دعامة السدوسي التابعي المعروف هو الذي سماهم المعتزلة.
وقال الحافظ في لسانه بعد إيراد كلام الإمام الذهبي من الميزان: "وقال المسعودي هو قديم المعتزلة وشيخها، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وكنيته أبو حذيفة".
قال الحافظ: "كان بشار الشاعر صديق أبي حذيفة واصل وكان مدح خطبته التي نزع منها الراء ثم رجع عنه لما دان بالرجعة وكفر جميع الأمة لأنهم لم يتابعوا عليا فسئل عن علي فقال: وما شر الثلاثة أم عمرو. قلت: وما أظن إلا وهما في حق واصل" [٢٢] انتهى.
قلت: كأن الحافظ في هذا الكلام يقول: إن المسعودي وبشار بن برد الشاعر لم يقبل منهما هذا الشيء الوارد في حق علي ﵁ لأنهما موصوفان بالتشيع والله تعالى أعلم بالصواب.
فإن هذا ومن قبله من أئمة الكفر والضلال هم الذين لهم هذه الجهود الخبيثة والمساعي الخسيسة في إبطال هذه العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية النقية التي جاء بها رسول الله ﷺ [٢٣]
стр. 12018
قال العلامة أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هجري في كتابه (الأوائل) : "أول من صنف في الكلام أبو حذيفة واصل بن عطاء"ثم قال بعد هذا العنوان مباشرة: لم يعرف في الإسلام كتاب كتب على أصناف الملحدين وعلى طبقات الخوارج وعلى غالية الشيعة والمشايعين في قول الحشوية قبل كتب واصل بن عطاء، وكل أصل نجده في أيدي العلماء في الكلام، والأحكام فإنما هو منه ثم قال: "وهو أول من سمى معتزليا" [٢٤] انتهى.
قلت: هو أول من ألف وصنف في الإلحاد والكفر في هذا الباب بالتفصيل مع أن له سلفا كما تقدم في هذا الانحراف الخطير.
ولهذا ترجم له الشيخ محمد بن إسحاق بن النديم المتوفى سنة ٣٤٦ هجري في الفهرست قال: "المقالة الخامسة وهي خمسة فنون في الكلام والمتكلمين:
الفن الأول: في ابتداء أمر الكلام والمتكلمين من المعتزلة والمرجئة وأسماء كتبهم".
ثم ترجم لهذا الزنديق ترجمة مختصرة ومناظرته مع تلميذه الضال عمرو بن عبيد وانتصاره وغلبته على عمر بن عبيد الذي يأتي في ترجمته فيما بعد.
ثم قال: "وأخباره كثيرة وكانت ولادته في سنة ٨٠ للهجرة بمدينة الرسول ﷺ وتوفى في سنة ١٣١ هـ" [٢٥] .
هذه هي سلسلة الإلحاد والزندقة لعبت دورا هاما في إفساد العقيدة الإسلامية الصحيحة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
٤_ عمرو بن عبيد بن باب:
ثم جاء بعد هذا الزنديق الضال عمرو بن عبيد بن باب، أبو عثمان البصري المعتزلي القدري مع زهده وتألهه.
قال الإمام الذهبي في ميزانه: "روى عن الحسن وأبي قلابة وعنه الحمادان، وعبد الوارث، ويحي القطان، وعبد الوهاب الثقفي، وعلي بن عاصم. وولاؤه لبني تميم، وكان من شرط الحجاج.
стр. 12019
قال الشافعي عن سفيان أن عمرو بن عبيد سئل عن مسألة فأجاب فيها وقال: هذا من رأي الحسن، فقال له رجل: إنهم يروون عن الحسن خلاف هذا؟ قال: إنما قلت هذا من رأي الحسن – يريد نفسه -.
قال الإمام الذهبي: "ابن عون عن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف، فقلت: أما تتقي الله. قال: إني أبدل مكانها خيرا منها".
ورواه محمد بن المثنى عن عبد الرحمن بن جبلة عن ثابت بن حزم القطعي حدثنا عاصم الأحول قال: "جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه، فقلت لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض، فقال: يا أحول أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر. فجئت مغتما فقمت فرأيت عمرو بن عبيد يحك آية من المصحف فقلت له سبحان الله قال: إني سأعيدها، فقلت: أعدها قال: لا أستطيع". رواه هدبة بن خالد عنه.
قال ابن معين: "لا يكتب حديثه". وقال النسائي: "متروك الحديث"، وقال أيوب ويونس: "يكذب"، وقال حميد: "كان يكذب على الحسن". وقال ابن حبان: "كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا المعتزلة"قال: "وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهما لا تعمدا"وقال الدارقطني وغيره: "ضعيف".
ثم قال الإمام الذهبي: "يحي عن حميد الطويل عن عمرو بن النضر قال: سئل عمرو بن عبيد يوما عن شيء وأنا عنده فأجاب فيه، فقلت: ليس هكذا يقول أصحابنا، فقال: ومن أصحابك؟ لا أبا لك. قلت: أيوب ويونس وابن عون، والتيمي، قال: أولئك أرجاس أنجاس أموات غير أحياء".
قال السندي: "أيوب هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري"قال الحافظ نقلا عن جملة كبيرة من أئمة الحديث: "ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد من الطبقة الخامسة مات سنة ١٣١ هجري وهو من رجال الكتب الستة" [٢٦] .
стр. 12020
ويونس هو: يونس بن ميسرة بن حلبس بمهملتين في طرفيه وموحدة وزن جعفر، وقد ينسب إلى جده، قال الحافظ نقلا عن نقاد الحديث وحماته، ثقة عابد معمر من الطبقة الثالثة توفى سنة ١٣٢ هجري وهو من رجال السنن الثلاثة: أبي داود والترمذي وابن ماجه." [٢٧]
وابن عون هو: عبد الله بن عون بن أرطبا أبو عون البصري، قال الحافظ نقلا عن جهابذة أهل الحديث من عاصروا ابن عون: "ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من الطبقة السادسة مات سنة ١٥٠ هجري وهو من رجال الجماعة" [٢٨] .
والتيمي هو: سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري نزل في تيم فنسب إليهم. قال الحافظ نقلا عن حماة السنة ونقادها ممن عاصروه: "ثقة، ثبت من الطبقة الرابعة مات سنة ١٤٣ هجري وهو ابن سبع وتسعين سنة وهو من رجال الجماعة [٢٩] .
فقول هذا الزنديق الملحد في حق هؤلاء النقاد الأثبات الذين وقفوا في وجه زندقته وانحرافه، وكفره مدافعين عن سنة رسول الله ﷺ ، قول زائغ وباطل لا يلتفت إليه بحال من الأحوال إلا ممن كان على شاكلته في الانحراف والزيغ والضلال والإلحاد والكفر والعياذ بالله تعالى.
ثم قال الإمام الذهبي في ميزانه: "الفلاس سمعت يحي يقول: قلت لعمرو بن عبيد كيف حديث الحسن عن سمرة في السكتتين؟ فقال: ما نصنع بسمرة قبح الله سمرة".
قال السندي: "قبح الله عمرو بن عبيد فإنه يسب سمرة بن جندب بن هلال الفزاري ﵁ وهو من أصحاب النبي ﷺ ".
قال الحافظ في الإصابة: "وكان شديدا على الخوارج فكانوا يطعنون عليه، وكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه" [٣٠] .
وقال الحافظ في التهذيب: "وكان شديدا على الحرورية فهم ومن قاربهم يطعنون عليه، وكان عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله".
стр. 12021
وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى: "هو من أصحاب النبي ﷺ وغزا معه وله حلف في الأنصار وروى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة ثم نزل البصرة بعد ذلك فاختلط بها ثم أتى الكوفة فاشترى بها دورا في بني أسد بالكناسة وله بقية، وعقب. ثم ذكر بإسناده قصة وفاته رضي الله تعالى عنه [٣١] ".
وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة: "هو حليف الأنصار وله رواية كثيرة –أي عن النبي ﷺ " [٣٢] انتهى.
قلت: له شرف الصحبة فلا يجوز سبه وشتمه وقد نهى النبي ﷺ عن سن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
أخرج الإمام البخاري في الجامع الصحيح وكذا مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي في سننيهما والإمام أحمد في مسنده، كلهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" انتهى.
وقد تكلم الحافظ في الفتح [٣٣] على هذه الرواية كلاما جيدا مفيدا يتعلق براوي الحديث إذ عزاها إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بدل أبي سعيد هكذا قال خلف وأبو مسعود الدمشقي والحافظ أبو علي الجياني الأندلسي وغيرهم ثم هكذا نقل عن الإمام المزي رحمه الله تعالى.
الشاهد من هذا الحديث إن هذا الرجل بجهله وحماقته قد سب سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه مع أن السب من أكبر الكبائر خصوصا في حق من اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ونشر رسالته في الأفاق، فقبح الله عمرو بن عبيد الباب وعامله بما يستحقه، ثم قال الإمام الذهبي في ميزانه: "محمود بن غيلان، قلت لأبي داود إنك لا تروي عن عبد الوارث قال: وكيف أروي عن رجل يزعم أن عمرو بن عبيد خير من أيوب ويونس وابن عون؟
стр. 12022
سهم بن عبد الحميد قال: مات ابن يونس بن عبيد فعزاه الناس، فأتاه عمرو فقال: إن أباك كان أصلك وأن ابنك كان فرعك وأن امرأ قد ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه.
قال الفلاس: عمرو متروك صاحب بدعة، قد روى عنه شعبة حديثين وحدث عنه الثوري بأحاديث. قال: سمعت عبد الله بن مسلمة الحضرمي يقول: سمعت عمرو بن عبيد يقول: لو شهد عندي علي وطلحة، والزبير وعثمان على شراك نعل ما أجزت شهادتهم [٣٤] ".
قال السندي: "هذا كفر بكتاب الله تعالى وإلحاد وزندقة، وقد عدلهم ربهم جل وعلا في كتابه فأي تعديل أعظم وأوثق من تعديل رب الجلال لأصحاب النبي ﷺ في كتابه الحكيم في عدة مواضع في آياته وسوره فالله درهم رضي الله تعالى عنهم".
ثم قا ل الإمام الذهبي: "قال مؤمل بن هشام: سمعت ابن علية يقول: أول من تكلم في الاعتزال واصل بن عطاء الغزالي، ودخل معه في ذلك عمرو بن عبيد فأعجب به وزوجه أخته وقال لها: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة"انتهى. قلت: خليفة للشيطان وأتباعه.
ثم أطال الإمام الذهبي في ترجمة هذا الفاسق الفاجر نقلا عن أئمة الحديث الكبار، فيها من البلايا والكفر الذي يقشعر منه الجلد ويضطرب منه القلب، ويفسد به الضمير.
قال الإمام الذهبي: عبيد الله بن معاذ، عن أبيه أنه سمع عمرو بن عبيد يقول: وذكر الحديث عن الصادق المصدوق ﷺ فقال: لم سمعت الأعمش يقول لكذبته، ولم سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول الله – ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا" [٣٥] انتهى.
قلت: إن صح هذا فهو كفر صريح والإسناد المساق رجاله كلهم ثقات والعلم عند الله تعالى.
стр. 12023
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المسند: (٤ /١٢٦) وابن ماجه (رقم ٤٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.
[٢] ابن ماجه في السنن رقم (٥) .
[٣] انظر رسالته (منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات) ص (٢٥) وهي من مطبوعات الجامعة الإسلامية سنة ١٣٩٥ هجري.
[٤] شرح العقائد النسفية: ص.١١
[٥] تحكيم الناظر: ص ٧٣.
[٦] تحكيم الناظر: ص ٢٧ -٢٩ طبعة سنة ١٣٧٠ هجري.
[٧] لوامع الأنوار البهية: ج (١ /٢٥) .
[٨] ميزان الاعتدال: ٣٩٩ /١.
[٩] لسان الميزان: ١٠٥ /٢.
[١٠] الأنساب للسمعاني: ٢٨٧ /٣.
[١١] اللباب في تهذيب الأنساب: ٢٨٢ /١.
[١٢] تاريخ الخميس: ١٨٣ /٢.
[١٣] الرد على الجهمية للإمام الدارمي: ص ٩٧.
[١٤] المعارف لابن قتيبة: ص ١٧٤.
[١٥] ميزان الاعتدال: ١ /٤٢٦.
[١٦] لسان الميزان: ٢ /١٤٢.
[١٧] كتاب الرد على الجهمية: ص ٩٣ -٩٥ المطبوع في ليدن سنة ١٩٦٠ م.
[١٨] مقالات الكوثري: ص ٢٧ -٢٨.
[١٩] ميزان الاعتدال: ٤ /٣٢٩.
[٢٠] معجم الأدباء: ٢٤٣ –٢٤٧ /٩.
[٢١] وفيات الأعيان: ٦ /٧ -١١.
[٢٢] لسان الميزان: ٦ /٢١٥.
[٢٣] انظر مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني: ص ٢٩٣.
[٢٤] الأوائل: ص ٢٩٨ -٣٠٠.
[٢٥] الفهرست: ص ٢٥١.
[٢٦] تقريب التهذيب: ١ /٨٩.
[٢٧] المرجع السابق: ٢ /٣٨٦.
[٢٨] المرجع السابق: ١ /٤٣٩.
[٢٩] المرجع السابق: ١ /٣٢٦.
[٣٠] الإصابة: ٢ /٧٨ -٧٩.
[٣١] طبقالت ابن سعد: ٧ /٤٩ -٥٠.
[٣٢] تجريد أسماء الصحابة: ١ /٢٣٩.
[٣٣] الفتح: ٧ /٣٥.
[٣٤] ميزان الاعتدال: ٣ /٢٧٥.
[٣٥] ميزان الاعتدال: ٣ /٢٧٨.
стр. 12024
إنكار الجن من شطحات التفسير الموضوعي للقرآن
للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم
مدرس بالمعهد الثانوي
الحمد لله نحمده ونستعينه ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد ﷺ أما بعد:
فإن الإيمان ((بالملائكة)) إيمان غيبي ذلك لأنهم عالم غير مرئي، والإيمان بالجن إيمان غيبي، لأنهم عالم غير مرئي أيضا، والتصديق بالغيب كله إنما يقوم على قاعدة متينة ثابتة، تلك القاعدة هي الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، فكل من استقرت نفسه على الإيمان صدّق –ولا ريب- بكل الغيبيات، ذلك لأن التصديق بالغيب شعبة من شعب الإيمان.
стр. 12025
قال الله تعالى: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ . وفي القديم أنكر أهل الاعتزال وجود الجن مع أن عالم الجن ثابت لا شك فيه بإخبار الله سبحانه عنه، يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن، ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة ديانتهم وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم"ثم أورد القرطبي بعض الآيات الدالة على وجود الجن والشياطين كآية البقرة ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وقال في آخر كلامه: "وسورة الجن تقضي بذلك"أما في عصرنا هذا فإن معظم المنكرين للجن من المفتونين بالحضارة المادية، ولم يضف هؤلاء دليلا جديدا يجعل الناس يفتنون (بقضية) إنكار الجن، ولذلك فإن مما يثير أشد الأسف أن يكون الدكتور محمد البهي حاملا للواء المنكرين (للجن) في هذا العصر متوهما أنه سيعطي قضية الباطل شيئا من القوة –بما له من مكانة علمية- أو مخيلا أنه سيبث في كيانها الميت روحا من الحياة، وهيهات. لأن الحق يعرف قبل الرجال وبمعزل عن بريق الألوان والأصباغ. ولقد أعد الدكتور محمد البهي تفسيرا للقرآن أسماه بالتفسير الموضوعي وحمل على كاهله فيما حمل أن يصحح –حسب زعمه - اعتقاد المسلمين في الجن وكأن المسلمين – منذ الصدر الأول - كانوا في ضلال الاعتقاد لإيمانهم بالجن، ومضى عليهم أربعمائة سنة بعد الألف وأجيالهم ترسف في ظلمات الجهالة! فماذا جدّ في عالم الموضوعية مما ينفذ أمره ولا يرد دليله وقوله حتى تحمس الدكتور بل وتجرأ ليظهر بوجه الإنكار القبيح؟!
стр. 12026
وقبل أن نحكم على كلام الدكتور بما يستحقه من حق أو باطل يسحن –بحكم الموضوعية - أن نعرض رأيه بأمانة كما كتبه في تفسيره، يقول الدكتور في تفسير سورة الفرقان صفحة ٤ وهو يحدد معنى عالمية الرسالة الإسلامية: "وقد يميل بعض المفسرين إلى أن العالمية في رسالة القرآن بين الشعوب والأقوام، ولا بين الأجيال والمجتمعات مع اختلاف اللغات واختلاف الزمان ومكان. بل هي العالمية بين ((الجن)) والإنس ...
وقد آن الأوان أن يفهم المتصدي لتفسير القرآن أن لفظ الجن كما ورد في القرآن قصد به غير المعهود للإنسان، وأطلقه القرآن مرة على فريقين من الناس لم يكونوا معهودين للرسول ﷺ وهو يجالس المؤمنين في مكة، وورد هذا الإطلاق في سورة الأحقاف ٢٩، ٣٠ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم﴾ وهذا النفر في رأي الدكتور هو فريق من الأوس والخزرج، واستدل على زعمه بما جاء في الآية من ذكر للتوراة والأوس والخزرج كانوا على صلة باليهود. ثم يقول الدكتور في صفحة ٥ من تفسيره لسورة الفرقان: "كما أطلق القرآن لفظ الجن مرة أخرى على الملائكة في سورة الصافات ١٥٨ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ فالسياق قبل وبعد يحدد أن الجنة هنا هم الملائكة الذين ادعى مشركوا قريش أنهم بنات الله في قوله تعالى في السورة نفسها ١٤٩ -١٥٠: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وفيما عدا هذين الموضعين فلفظ الجن مفهوم لغوي لا يقصد منه
стр. 12027
سوى غير المعهود للإنسان شريرا أو خيّرا ماهرا أو غير ماهر"انتهى كلامه.
وقبل أن نتعرض لتأويل الدكتور (الحاسم) للفظ الجن نذكر ما تعارفت عليه لغة العرب من مدلولات كلمة (الجن) ومادتها، فقد عرف العرب جنّ الليل إذا أظلم، وأجنّ الشيء في صدره، أكنه. والجنة: البستان والجان: جنس من الحيات، والجن: عالم من المخلوقات العالقة لا تدركه حواس الإنسان، والجِنة جماعة الجن، والجنة الملائكة لاختفائهم عن الأبصار، والجُنة بضم الجيم: السترة والوقاية، كما عرفت اللغة الجنين والجنون والمجنون. إذن فمن مفاهيم (اللغة) للجن أنهم عالم لا يدرك بحاسة البصر ولا بغيرها من الحواس [١] وهذا ما تقوله كتب اللغة باتفاق تام، وقد أوضح القرآن بعض اعتقادات العرب في الجن وانتقد ما فيها من باطل، وأرشد إلى الحق، فمن ذلك ما جاء في سبب نزول الآية ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلوا بواد ليلا استعاذوا بسيد الوادي من شر سفهائه [٢] ، وكان العربي يطلق صوته بهذه الاستعاذة وهو يخاطب عالما غير منظور مستعيذا بزعيمه من شر سفهائه كما يستجير الغريب النازل بقبيلة من العرب بسيد القبيلة طالبا حمايته. ويحسن بعد هذا أن نأخذ في الرد على (نظرية) الدكتور في الجن يقول:
стр. 12028
في الموضع الأول: "إن الجن ورد في آية الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ بمعنى فريق من الناس غير معهود للرسول ﷺ فهل يصح أن يسمى الإنسان من يقابلهم لأول مرة جنا؟ وإذا كان هذا الإطلاق سائغا فلماذا لم نجده في كلام العرب وأشعارهم؟ وكيف يكون الفريق المذكور من الأوس والخزرج وهما القبيلتان المعروفتان المشهورتان في جزيرة العرب وخارجها ومع ذلك يصح أن يطلق على وفدهما لفظ الجن؟ ولماذا لم يطلق على غيرهما من وفود العرب الذين التقى بهم الرسول ﷺ ودعاهم للإسلام مع أن هذه الوفود لم تكن في مستوى الأوس والخزرج مكانة ولا شهرة؟! على أن تفسير الدكتور ((للجن)) في هذه الآية لا يقره المفسرون الأقدمون ولا المحدثون فكيف يكون تأويله وحده هو الصحيح، ويكون تأويل كل المفسرين باطلا؟ فالمراد بالجن هنا عالم المخلوقات التي لا نراها والتي حدثنا عنها الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة. وهذا المعنى للجن مما تعارفت عليه لغة العرب بل وعقائدهم، فعلام يستند الدكتور في نفيه لوجود الجن؟ أعلى أنه لا يراهم؟ وهل تعتبر الرؤيا دليلا حاسما على وجود الشيء أو عدمه؟ وهل يقر الدكتور ((بموضوعية)) هذا المنهج القائم على إنكار وجود كل ما لا يرى والدكتور في تفسيره يعترف بوجود الملائكة فهل رأى الدكتور يوما واحدا منهم؟ أما الموضع الثاني والذي يقول غيه الدكتور: إن المراد بالجنة – بكسر الجيم - في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ الملائكة فإن كثيرا من المفسرين يوافقونه على ما ذهب إليه ولكن تأويل كلمة الجن هنا بالملائكة لا يمنع أن تأتي في آية أخرى بمعنى آخر.
стр. 12029
ويأتي بعد هذا الادعاء الأكبر في قول الدكتور: "فيما عدا هذين الموضعين فلفظ الجن مفهوم لغوي لا يقصد منه غير المعهود للإنسان شريرا كان أو خيرا ماهرا أو غير ماهر"يأتي هذا الادعاء ليكون المعمول الهدام الذي يقضي على الموضوعية من أساسها إذ كيف يطلق الدكتور مثل هذا الحكم العام دون استقراء تفصيلي لكل آية ورد فيها ذكر الجن؟ ودون أن يتأكد –مع الاستقراء- أن المعنى الذي ادعاه هو المعنى الوحيد المتعين. وسأورد في هذا الرد بعض الآيات والأحاديث النبوية وسأثبت أن ما قصد بلفظ الجن فيها هو العالم غير المرئي فما رأى الدكتور هل سيكون ((تفسيره)) في هذه الحالة سليما وموضوعيا إن المرء ليحار فيما يعنيه الدكتور بالموضوعية في تفسيره! هل يعني بها تفسيرا لا يخضع للسنة –وهي البيان للقرآن- ولا يهتم بتأويل السلف من الصحابة والتابعين وهم حفظة السنة؟! وأي موضوعية هذه؟ أم يريد بها أن يكون التفسير قادرا على مواجهة ((المادية)) ترجمة للشعار الذي كتبه في صدر تفسيره (القرآن في مواجهة المادية) وهل تكون مواجهة المادية بالاعتراف بها وإنكار كل الغيبيات غير المدركة بالحواس؟ وهل تكون هذه مواجهة أم خضوعا وانسياقا وراء المادية؟
القرآن يخاطب الجن كما يخاطب الإنس:
стр. 12030
ولقد ورد لفظ الجن كثيرا في القرآن، وإن وروده بهذه الكثرة مما يستدعي انتباه المتأمل لآيات الكتاب. وفي كثير من الآيات يأتي لفظ الجن في مقابلة لفظ الإنس أو يأتي الخطاب لكل منهما يقول الله في سورة الرحمن: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ فمن هما الثقلان إن لم يكونا نوعين مختلفين هما الإنس والجن؟ ويقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وسنتحدث عن هذه الآية فيما يأتي ولكن نلفت النظر هنا إلى ما في الآية من الحديث عن النوعين ومادة كل منهما التي خلق منها، وفي سورة الرحمن نفسها يقول الله سبحانه: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ فهل يعني القرآن من الجن هنا إنسا غير معهود؟ هذا مع أن الذي يوجه الخطاب هنا هو الله نفسه فكيف يمكن أن يكون الجن عالما غير معهود لخالقه؟! ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ألا يوافقني الدكتور على استحالة تأويله هنا؟! وأي فائدة لذكر جماعة غير معهودة من الإنس مع أن لفظ الإنس يشمل كل الإنس مهما اختلفت صفاتهم؟
الأدلة العقلية لا تنفي وجود الجن بل تثبت وجودهم:
стр. 12031
ويصل الدكتور في جرأته في إنكار الجن ونفي وجودهم إلى حد الصراحة الواضحة في مناقشته لهذا الموضوع فيقول في تفسير سورة الجن صفحة ٢٢: "وافتراض أن هناك عالما ثالثا يتميز عن عالم الملائكة وعالم الإنس ويتقابل تماما مع أي منهما هو عالم الجن يحتم مثل هذه الأسئلة مم خلق هذا العالم؟ فإذا كان الجواب أنه من نار لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ فيسأل بعد ذلك مم خلقت الملائكة وعالمها تماما يقابل عالم الجن على هذا الافتراض فإذا كان الجواب إن الملائكة خلقت من (نور) كما يقال يسأل الآن ما هو الفرق بين النار والنور؟ أليست الشمس نارا ملتهبة، ومع ذلك تشع النور؟ وأليس النور عرضا ومظهرا للنار؟ وأليست النار منبعا للنور" انتهى كلامه، ونقول ردا على مناقشة الدكتور:
أولا: من الذي افترض ((أن هناك عالما ثالثا)) هم عالم الجن؟ إن هذا العالم ذكره الله في كتابه وتحدث عن خلقه وإن من الغريب أن يتكلم الدكتور عن الافتراض وهو نفسه يورد في مناقشته آية من كتاب الله تحدد المادة التي خلق الله منها الجن ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ .
стр. 12032
ثانيا: أن مسألة خلق الجن ليست مسألة افتراضية حتى يحيطها الدكتور بهذا الركام من الأسئلة التي تنبعث من ظلمات الشك بل والإنكار، وإنما هي مسألة حددها القرآن بوضوح تام يقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ثم يأتي بيان الرسول ﷺ فيزيد المسألة تأكيدا ويكشف عن أصل كل واحد من العوالم الثلاثة الإنس – الملائكة - الجن في حديثه الذي يقول فيه: "خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" [٣] رواه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، فما رأي الدكتور في هذا الحديث وهو في غاية الوضوح، ولا أحسبه يقبل شيئا من التأويل الغريب الذي جنح إليه الدكتور في تفسيره لمعنى ((الجن)) وإنني أستبعد أن يكون الدكتور جاهلا بهذا الحديث، وحتى لو سلمنا باتحاد أصل الملائكة والجن حسب رأيه فإننا نقول: ليس في اتحاد أصل عالمي الملائكة والجن مع اختلاف طبائعهما ومواصفاتهما أي غرابة حتى يثير الدكتور الدخان حول نار الجن ونور الملائكة بتساؤله ما الفرق بين النار والنور؟ راميا بذلك إلى إثبات أن الأصل الواحد لا يمكن أن ينشأ عنه نوعان مختلفان متجاهلا أو متغافلا عن حقيقة هامة هي أن الأصل سواء أكان النور أو النار لا فعالية له من ذاته في الخلق والإيجاد وإنما يكون الخلق منه بقدرة الله وكلمته ((كن فيكون)) إذن فما دام الأمر بيد الله فإن مناقشة ((كيفية)) الخلق لنوع أو نوعين لا تنتج إلا العبث، ولا تفضي إلا إلى فساد الفكر وضعف الإيمان بقدرة الله على خلق ما يشاء ومما يشاء كيفما يشاء.
стр. 12033
ولماذا لم يستغرب الدكتور اتحاد الأصل الذي كان منه الإنسان وهو نوع له مميزاته ومواصفاته ثم كان منه الحيوان فكلاهما من ماء وطين يقول الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم لننظر إلى اختلاف عالم الحيوان عن عالم الزواحف عن الأسماك عن الطير في الخصائص والمميزات واختلاف أحد هذه العوالم عن عالم الإنسان الذي يتحد مع كل هذه العوالم في أصل مادة خلقه فهل يسوغ لنا أن ننكر ((وجود)) بعض هذه العوالم نظريا لأن الأصل لا ينبغي أن يكون إلا لواحد منها لا يتعداه. بل إن في عالم الإنسان ما يجعلنا نقف مبهورين أمام إبداع القدرة الخلاقة عندما نتأمل اختلاف خلق آدم عن خلق أبنائه ثم عن خلق واحد متميز من أبنائه وهو سيدنا عيسى عليه الصلاة السلام. ولكن هذا لا يثير الاستغراب الذي يؤدي للشك أو للإنكار بل بالعكس فإنه يلمس في النفس أعمق مشاعر الإيمان التي يحركها إدراكنا لإبداع القدرة الإلهية. فما لعنصر ولا لمادة معينة فعالية ذاتية في خلق كائن أو إفراز نوع ولكن الإيجاد لكل الأنواع – بقطع النظر عن أصل المادة التي خلقت منها- إنما يكون بقدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون. ولا أحسب الدكتور محمد البهي يجهل هذا ولكني أخشى أن يكون إنكاره للجن انسياقا وراء بريق الجديد وإن كان زائفا أو إحياء لانحراف الفكر القديم ولو كان باليا.
стр. 12034
وفي القديم أنكر الجن بعض الفلاسفة قال الإمام القرطبي: "وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا إنهم بسائط ولا يصح طعامهم اجتراء على الله وافتراء.. والقرآن والسنة ترد عليهم"كما أنكر الجن في عصرنا هذا – بعض الفرق الضالة كالقاديانية [٤] الذين ادعى زعيمهم الرسالة- ولهم أصحاب بالسودان يسيرون على نهجهم فهل يود الدكتور أن يدعم رأي هذه الجماعة الضالة وما أحسبه – وهو الذي عرفناه داعية للحق- يرضى أن يكون سندا لأهل الضلال. مرة أخرى نؤكد أن الكتاب والسنة يدلان دلالة واضحة على وجود عالم الجن بل ويحددان له كثيرا من السمات يقول الأستاذ العالم سيد قطب في تفسير الظلال صفحة ٣١٢ تفسير سورة الجن: "فالجن لهم حقيقة موجودة فعلا كما يصفون أنفسهم هنا ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ ومنهم الضالون المضلون ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ وإنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم بل يرهقونهم ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ وإنهم لا يعلمون الغيب ولم يعد لهم صلة بالسماء ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ ويقول في ص. فحة ٣١٣ من تفسير سورة الجن: "هذا –بالإضافة إلى ما قرره في سورة الرحمن عن المادة التي خلق منها كيان الجن والمادة التي خلق منها كيان الإنسان في قوله: ﴿خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ يعطي صورة عن ذلك الخلق المغيّب تثبت وجوده وتحدد الكثير من خصائصه، وفي الوقت ذاته تكشف الأوهام والأساطير العالقة عن ذلك الخلق. وتدع تصور المسلم عنه
стр. 12035
واضحا دقيقا متحررا من الوهم والخرافة، ومن التعسف والإنكار الجامح كذلك! ".
السنة الصحيحة تثبت وجود الجن:
جاء في كتب السنة الصحيحة أحاديث تثبت الجن وتؤكد إيمانهم بالإسلام ولا أدري لماذا لم يتعرض لها الدكتور مع أنه من أبجديات ((الموضوعية)) أن يعرض الباحث كل ما يخالف وجهة نظره بدقة وأمانة ثم يتعرض لما فيه بالرد والتعليق. وإنني لأتساءل هل من الموضوعية إهمال السنة وهي البيان للقرآن بل والمصدر الثاني للإسلام عقيدة وشريعة؟!
وأول ما أعرض من الأحاديث التي تثبت وجود عالم الجن الحديث الذي رواه الشيخان في قوله تعالى:: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ أن هذا النفر كان من جن نصيبين أو نينوى، فما رأي الدكتور في كلمة ((جن)) هنا هل يراها تقبل تأويله المبتدع؟
ثانيا: ما رأي الدكتور في الحديث الذي أوردناه في الصفحات السابقة والذي حدد فيه الرسول ﷺ أصل المادة التي خلق الله منها الجن كما حدد أصل الملائكة والإنس؟ هل لدى الدكتور مطعن في سنده؟ أم عنده له غريب التأويل ما يخرجه عن صريح معناه؟ ولماذا لم يتعرض له الدكتور في تفسيره الموضوعي؟
стр. 12036
ثالثا: ما رأى الدكتور في رواية ابن عباس التي رواها البخاري ومسلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ والرواية تقول إن الرسول ﷺ أوحي إليه قول الجن والحديث طويل. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والحافظ البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم فقالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى قومهم ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ وأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن" [٥] .
стр. 12037
ولا بأس من إيراد تعليق الأستاذ سيد قطب عليه يقول: "وهي أن رواية ابن عباس –قاطعة في أن الرسول ﷺ إنما علم بالحادث عن طريق الوحي وأنه لم ير الجن ولم يشعر بهم"إلى أن يقول: "ويقويها ما عرفناه من القرآن من صفة الجن" ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فهل يمكن في رأي الدكتور أن يختفي شخص الإنسان بحيث يكون قريبا منك ومواجها لك ثم لا تراه عينك؟!
رابعا: ماذا يفعل الدكتور في رواية مسلم التي جاء فيها وسألوه – ﷺ الزاد. أي سأله الجن زادا لهم. فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" [٦] فهل يرى الدكتور في هذا طعاما للإنس؟ وما رأي الدكتور في قوله ﷺ : "أوفر ما يكون لحما"؟ أو ليس هذا الكلام واضحا في أنه يحدد طعام عالم آخر وهو عالم الجن الذي ينكره الدكتور والذي يثبته الحديث بل ويثبت له دوابا لها طعامها الخاص.
شطط يقود إلى شطط:
стр. 12038
لقد ساق الدكتور شططه في أمر الجن إلى شطط في تفسيره لأمور أخرى وردت في سورة (النمل) وذلك حتى تتسق المعاني مع المعنى الذي ذهب إليه الدكتور في تفسير الجن بأنهم إنس غير معهودين فماذا قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ (النمل ٣٨ -٤٢) .
стр. 12039
وهذه الآيات الكريمة بينات واضحات ومن الكلام المستساغ فيها أن يقول المرء إن الشرح والتفسير لا يزيدها إلى قليلا. ولكن الدكتور أخذ على نفسه أن يدخلنا في معميات تأويله حتما عليه حتى يتمكن من تنسيق معاني الآيات مع ما ذهب إليه – مسبقا - من تحريف في معنى ((الجن)) فما دام العفريت من الجن يعني – لديه - (واحد من الأقوياء واسع الحيلة شديد الدهاء من غير الظاهرين في ملأ سليمان ﵊ ما دام الجن يفسر عنده بالإنسان غير معهود فكيف يكون معنى عرش الملك كما هو لابد إذن أن يتغير معنى العرش إلى معنى يفتن الدكتور في ابتكاره واختراعه فماذا يكون العرش الذي طلب سليمان ﵇ من أصحاب الرأي عنده الإتيان به وعلى وجه السرعة؟ إنه لا يعدو لدى الدكتور أن يكون خريطة ترسم لمملكة سبأ ولندع عبارة الدكتور تكشف عن المراد بالعرش يقول: "وطلب – إلى أصحاب الرأي عنده - وضع خريطة تصور مملكة بلقيس كي يستعد لغزوها طلب وضع هذه الخريطة وأن تكون جاهزة عنده قبل أن يأتيه الرد منها على رسالته الثانية بالخضوع والقبول"انتهى كلامه. وإذا كان المراد بعرش بلقيس خريطة يقوم برسمها مهندس فما معنى اهتمام سيدنا سليمان بسرعة الإتيان بهذا الرسم قبل أن تأتيه بلقيس وقومها مسلمين؟! وأي إعجاز ستلمسه بلقيس في صورة لعرش تستمتع هي بالفعل بالجلوس عليه؟! وهل تبهر الصورة من يستمتع بحقيقة الشيء المصوّر؟ إن الذي سيبهرها حقا هو أن تجد أمامها عرشها الذي خلفته وراءها بذاته أن تجده قد سبقها إلى سليمان دون علم منها أو إرادة، هذا هو الشيء الخارق المعجز ولذلك كانت دهشتها واضحة فيما حكاه الله عنها ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ .
стр. 12040
ويحق لنا أن نتساءل أيضا عن سر التسابق – في اختصار الزمن - بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب أي معنى لهذا التسابق لو كان الأمر المطلوب لا يعدو أن يكون ((خريطة)) ترسم. ثم ما معنى (القوة) والأمانة اللتين وصف بهما العفريت نفسه في قوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ فهل يحتاج ((رسم)) الخرائط إلى قوة عظيمة وصيانة ومحافظة ((حتى لا تقع خطوط الرسم وتنكسر الزوايا والمنحنيات)) ؟ لو كان ((العرش)) خريطة كما يزعم الدكتور لكان المناسب أن يقول هذا العفريت وإني لرسام ماهر أو مهندس بارع أو ذكي لماح أو دكتور ... في علم الخرائط. ثم إن التسابق في اختصار الزمن كان أمرا حاسما في الدلالة على أن المراد ((العرش)) ذاته لا صورة له ولا لمملكة سبأ فقد كان بين زمن انفضاض الاجتماع وزمن ارتداد الطرف فرق كبير في اختصار المدة ومن الواضح أن زمن ارتداد الطرف زمن يسير جدا وهو أقل بكثير من الزمن الذي حدده العفريت بانفضاض الاجتماع.
стр. 12041
ولهذا كان الإعجاز في انتقال العرش من سبأ بهذه السرعة المذهلة واستقراره أمام سليمان ﵇ ومازال أصحاب الرأي عنده مما دعا سليمان ﵊ إلى الاعتراف بفضل ربه واعتبار هذا الفضل العظيم اختبارا من الله له أيشكر أم يكفر وقد شكر ولله الحمد، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ وهذه المعاني كلها واضحة لمن تدبر آيات النمل فماذا تقول ((موضوعية)) الدكتور فيها إنه يقول عن الذي عنده علم من الكتاب: "وعد أن يحضره في أقصر مدة ممكنة وهي ما يعبر عنه بارتداد الطرف"فيخيل إليك أنه يريد أن هذه المدة أسرع من مدة ((انفضاض الاجتماع)) ولكن الدكتور يفاجئك بعكس ما تظن عندما يقول: "فالأمر يحتاج إلى تحضير ودقة فيه وليس من السهولة بحيث يؤتى به قبل انفضاض الاجتماع"يعني هذا بوضوح أن مدة انفضاض الاجتماع أقصر من المدة التي يرتد فيها الطرف حتى قبل أن يرتد!.
стр. 12042
وهكذا يقلب الدكتور المعاني قلبا وبصورة مدهشة وكأنها السحر فيحول مدة ارتداد الطرف إلى زمن أطول وأكثر تراخيا من مدة انعقاد الاجتماع وإلى حين انفضاضه! وقد قلت – فيما سبق - معنى العرش إلى خريطة مرسومة لمملكة سبأ ومن الحق أن نسأل الدكتور من أي كتاب من كتب اللغة أتى بهذا المعنى المبتكر للعرش؟ أم أن الاستعمال مجازي؟ وإذا كان مجازيا فما العلاقة؟ وهل ظهر للدكتور كيف أن سياق الكلام يأبى ويرفض تأويله الجديد للعرش؟ ونلاحظ هنا أنه يخاطب جماعة مع أن الذي تصدى لرسم الخريطة كان واحدا معينا وهو الذي عنده علم من الكتاب، ألا ينبه هذا الدكتور إلى ما في تأويله من خطأ ظاهر؟! ولم طلب سليمان ﵇ تغيير معالم خريطة هامة كهذه، وكيف سيستعين بها بعد هذا التغيير؟ أليس المناسب في مثل هذه الحالة أن يحفظ هذه الخريطة في مكان آمن شأن الأوراق السرية الهامة التي لا يفرط فيها القائد المحنك؟ ولماذا عرض هذه الخريطة – وهي سر من أسراره الحربية - على بلقيس ملة أعدائه فور حضورها؟ وكيف يعرضها عليها مهما كان السبب قبل أن يستيقن من استسلامها لا سيما وقد ظهر له ما تتمتع به من حيلة ودهاء، إن هذا التأول فوق أنه لا يستند على إثارة من علم تأويل لا يقبله العقل ولا يكون عناء وتكلفا جشمنا إياه الدكتور ليؤيد تفسيره الموضوعي الذي ينادي بإنكار وجود الجن.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع اللسان مادة (جنن) والقاموس المحيط الجزء الرابع الطبعة الثانية المطبعة الحسينية المصرية صفحة ٢١٠ -٢١١. والصحاح للجوهري الجزء الخامس دار الملايين صفحة ٢٠٩٣. ومختار الصحاح للرازي الطبعة الأولى دار الكتاب العربي مادة جنن صفحة ١١٣ -١١٤.
[٢] ابن كثير في تفسير سورة الجن والطبري أيضا.
стр. 12043
[٣] مختصر ابن كثير الجزء الثالث الطبعة الأولى صفحة ٤١٧.
[٤] شرح الألباني ٠للعقيدة الطحاوية) صفحة ٢٤.
[٥] أخرجه البخاري في التفسير وفي الصلاة والترمذي والنسائي في التفسير.
[٦] مختصر تفسير ابن كثير اختصار وتحقيق الشيخ محمد علي الصابوني الجزء الثالث، الطبعة الأولى صفحة ٣٢٤ -٣٢٥.
стр. 12044
عوض الوراثة في الطّب
للدكتور فكري السيّد
طبيب العيون بالجامعة
يتكون الجسم البشري من عدة أجهزة مختلفة متخصصة (مثل الجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي، والجهاز التناسلي، إلى غير ذلك من الأجهزة) وكل جهاز من تلك الأجهزة يتركب من مجموعة من الأعضاء، وكل عضو يتكون من مجموعة أنسجة تؤدي مهمة واحدة، وكل نسيج يتشكل من مجموعة خلايا تقوم بعمل معين.
والخلية: هي حجر الأساس في بناء الإنسان، وهي تتكون –في إيجاز شديد- من مادة سائلة (تسمى السيتوبلازم) يغلفها غشاء رقيق ينظم دخول وخروج المواد المختلفة، ويوجد بداخل هذه المادة السائلة أهم شيء في الخلية وهو ما يسمى بالنواة حيث يكمن فيها سر الحياة للخلية، فلا يمكن أن تعيش الخلية بدون النواة.
وقد بدأ العلماء في دراسة نواة الخلية فوجدوا فيها أجساما غريبة ذات أشكال ثابتة، تتلون بالأصباغ بشدة فسموها (الصبغيات) ... ومع متابعة الأبحاث وجدوا أن جميع الصفات الوراثية تكمن في هذه (الصبغيات) وتنتقل من الأباء إلى الأبناء والأحفاد من خلالها. بمعنى أن كل ما يتعلق بالوراثة يكمن في الصبغيات التي في نواة الخلية وهي تشكل خريطة عامة لجسم الإنسان كله من طول القامة، وقسمات الوجه، ولون الشعر، والعينين وفتحة العينين، وأهداب الأجفان، وشكل الأصابع والأظافر، وشكل المشية، وتشكيل العظام والعضلات، إلى آخر ذلك فيما يتعلق بكل صغيرة وكبيرة بهذا الكائن الحي.
стр. 12045
وهنا يجب أن نتوقف قليلا أمام ما يقوله بعض السطحيين من أن العلم الحديث قد توصل إلى معرفة نوع الجنين وهو في بطن أمه، ويفهمون أن هذا من الغيب الذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَام﴾ وعلم الأرحام لا يقتصر على معرفة ما في الأرحام من ذكر أو أنثى، إنما يحتوي على آلاف الغيبيات التي تتعلق بهذا الكائن، وبكل خلية من خلاياه وبكل صفة من صفاته. فالصبغيات التي في أي خلية من خلايا الإنسان تحتوي على المورثات، وتحمل أكثر من عشرة آلاف مورثة، كل واحدة تختص بشيء معين في الجسم، هذه تختص بالمشية، وثانية تختص باللون، وثالثة تختص بالشعر، ورابعة تختص بطبيعة الإنسان، وخامسة تختص بعقل وذكاء الإنسان، وسادسة ... وألف ... وألفان ... إن علم الأرحام عالم مستقل بذاته أكبر من أن تحتويه العقول وتكتشفه الأفهام.
ومع ظهور علم الوراثة فتحت بذلك أمام العلم الحديث أبواب واسعة لدراسة أمراض المستقبل، وسلط الضوء على احتمالات الجيل الجديد، وما يجب التخطيط نحو هذا الجيل القادم حتى يأتي قويا متجدد النشاط والحيوية، وخاصة أن العلم يقول بأن أمراض الوراثة في الأطفال تكاد تقارب نصف عدد مرض الأطفال في المستشفيات الجامعية.
فالوراثة تشكل هذا المستقبل وترسم معالمه سواء كان صحة أم مرضا.
ومن هنا فإنه عندما نريد أن نتخذ قرار الزواج فلا بد أن نقف طويلا لندرس عوامل الوراثة لأن زواج الأقارب يساعد على كثير من الأمراض ويضاعف من بعضها، كذلك فإنها قد تكون من زوجين من غير الأقارب. لأنه كما عرفنا أن الصفات الوراثية جميعها تكمن في كل خلية من خلايا الإنسان. كذلك فإن البويضة (في المرأة) هي خلية تحتوي على كل صفات الأم وبالمثل فإن الحيوان المنوي (في الرجل) هو خلية تحتوي على كل صفات الأب، ومنهما يتكون إنسان المستقبل حاملا صفات الأب والأم بنسب متفاوتة.
والأمراض المتعلقة بذلك تنقسم إلى:
следующие страницы →