← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

استكبر فرعون، وجحد رب العالمين، بل ادعى أنه لا يعلم لقومه إلها غيره قال تعالى على لسانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء /٢٣) ، وقد أخبر المولى جل وعلا عنه أن ذلك الإنكار الصادر منه مغالطة بلسانه، وأنه غير مطابق للحقيقة المستقرة في نفسه، قال الله تعالى على لسان موسى ﵇ مخاطبا فرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ (الإسراء /١٠٢) فالانحراف والميل عن الخط السوي أمر طارئ على البشرية، وذلك حين فساد الفطرة [١] . لأن البرهان على وجود الخالق حقيقة محسوسة وأمر واضح غاية الوضوح إذ الإنسان يعيش، ويحيا في هذا الكون، فيشاهد في نفسه، وفي الأشياء من حوله تغيرا مستمرا، إذ تنعدم أشياء وتوجد أخرى كما يشاهد دقة وتنظيما [٢] في كل ما يرى ويلمس فيصل من هذا عن طريق الإدراك الحسي إلى أن لهذه الأشياء موجدا أوجدها ومنسقا لسيرها وحركاتها أراد ذلك منها، وهذا أمر طبيعي جدا غير بعيد عن فهم أي إنسان مهما كان إدراكه، فإذا شاهد الإنسان بيتا منظما ومنسقا أو سمع صوتا، أو أحس بضربة سوط، ولم ير الضارب أو الباني أو صاحب الصوت فإنه يوقن أن لهذا البيت بانيا، وأن هذا الصوت صادر عن شيء سواء أكان رجلا أو حيوانا، أم آلة، وأن تلك الضربة حدثت من ضارب، فكان وجود الشيء الذي نتج عنه بناء البيت، أو ظهور الصوت، أو حدوث الضرب أمرا قطعيا عند من شاهد البيت أو سمع الصوت أو أحس بالضرب، إذ قام البرهان الحسي على وجوده، فالاعتقاد بوجود سبب أوجد هذه الظواهر أمر مسلم به عند العقلاء.

стр. 12112

فكذلك الإنسان يشاهد تغير الأشياء الموجودة فتنعدم أشياء ويحدث غيرها كما أنه يرى النظام البديع في العالم، والدقة المتناهية في سير بعض المخلوقات وترتيب حركاتها وضبط مواعيدها، فيدرك أن هذا الإبداع وذلك النظام وذاك التغيير لا يمكن أن يحدث من نفس تلك الأشياء، لأنها عاجزة عن إيجاده، كما أنها عاجزة عن دفعه كل ذلك يدعو إلى الإيمان بوجود خالق لهذه الموجودات، قائم بتدبيرها، منظم لها. ومن هنا نرى أن وجود هذا الخالق الذي دل عليه وجود هذه الأشياء من الأمور القطعية، الذي يدل عليه الدليل الحسي، يشهد لذلك قول ذلك الأعرابي القائل: "البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، وليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج أفلا تدل على الصانع الخبير [٣] فقد أدرك هذا الأعرابي بفطرته السليمة التي فطره الله عليها أن هذه المخلوقات العظيمة التي تسير بانتظام وإحكام، ليل يعقبه نهار، ونهار يعقبه ليل، لا يمكن أن تحدث إلا بمحدث، وأن لا تسير بهذا النظام المتقن إلا بمقدر مختار، ولذلك جاءت براهين القرآن الكريم لافتة النظر إلى ما يقع عليه حس الإنسان للاستدلال بذلك على وجود الخالق ثم عبادته وحده كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (الغاشية /١٧) . وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (الطارق /٥ -٧) ، وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (الطور /٣٥ -٣٦) .

стр. 12113

وهكذا نرى أن قضية الخلق والإيجاد وإن كانت قضية جافة على الصعيد الفلسفي، فهي بدهية على الصعيد الحسي لا تحتاج إلى برهان، لأنها من ضرورات الفطرة ولذا فإن القرآن الكريم يطرحها على المخاطبين كقضية مسلمة لا تحتاج إلى استدلال، ولا تحتمل الجدل والمماراة، انظر إلى قوله تعالى مخاطبا الرسول ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق /١) ، والخطاب وإن كان موجها إليه فهو لأمته جميعا، والمخاطبون حين نزول القرآن يعرفون ربهم الذي خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت /٦١) ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (الزخرف /٨٧) . وإنما كان انحرافهم في العبادة فيجعلون مع الله آلهة أخرى يعتقدون فيها النفع والضر، كما قال تعالى حكاية عنهم في إنكارهم على محمد ﷺ دعوته إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وترك عبادة الآلهة المزعومة: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص /٥) ، وإن وجد في ذلك الوقت قلة ممن فسدت فطرتهم إلى أن اعتقدوا أن التأثير في الحياة والممات إنما هو من الدهر، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْر﴾ (الجاثية /٢٤) ، ولكن الله ﵎ بين أن قولهم هذا قول بلا علم، وإنا هو مبني على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية /٢٤) ، كما طالبهم بالدليل على اعتقادهم الفاسد ودعواهم الباطلة، وهي قولهم: إنهم خلقوا من غير شيء فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور

стр. 12114

/٣٥) . ولما كان القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، والرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب خاتم الرسل، والدين الإسلامي خاتم الأديان، ولن يقبل من أحد التدين بسواه كم قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ (آل عمران /١٩) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران /٨٥) ، كان لابد أن يشتمل هذا الكتاب على الحجج والبراهين القاطعة التي تقمع شبهة كل منحرف أو معاند في كل زمان ومكان. وكذلك كان. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام /٣٨) . فإذا قامت للإلحاد دولة في أي عصر من العصور وأنشأت له مناهج وأعدت له مدارس لتعليم الناس الإلحاد، وأنه لا إله والحياة مادة، وجد في القرآن الكريم الأدلة القاطعة التي تبين للعقلاء أن للمادة إلها، وأن الحياة من صنع هذا الإله ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إبراهيم /١٠) . وإليك أدلة القرآن القاطعة التي تدحض شبه المنحرفين عن صراط الله المستقيم. أدلة القرآن أولا: دليل الخلق:

стр. 12115

ودليل الخلق والإبداع الذي يعرضه القرآن بالأساليب المختلفة والطرق المتعددة شامل لجميع مخلوقات الله كلها، العظيم منها والحقير، وقد بين القرآن الكريم في تلك المخلوقات مظاهر قدرة الله وعظيم حكته وواسع رحمته، كما أوضح فيها أن القادر على الخلق هو الرب، وهو المعبود، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة /٢٢) ، بل إنه بقضية الخلق تحدى المشركين، الذين اتخذوا آلهة معبودة من دون الله أن يدعوا هذه الآلهة لتخلق أقل موجود وأحقره فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (الحج /٧٣) بل بين أنه لو سلبهم الذباب شيئا مما بأيديهم لما استطاعوا إنقاذه منه، ولو اجتمعوا له، وكفى بذلك عجزا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج /٧٣) . وقد تجلت آية الخلق والإبداع في أضخم مجالي الوجود، وهما خلق السماوات والأرض، وفي أعظم الظواهر الناشئة عن ذلك الخلق، كالظلمة، والنور يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة على خلقه السماوات والأرض قرارا لعباده وعلى أن جعل الظلمات والنور منفعة لهم في ليلهم ونهارهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام /١) ، أي ومع هذه العناية واللطف بهم كفر به بعض عباده فجعلوا له شريكا وعدلا [٤] . خلق السماء:

стр. 12116

وقد تحدث القرآن الكريم عن خلق السماء فبين أنها جرم خلقه الله تعالى وبناه ورفعه، وأنها محكمة في صنعها ليس فيها خلل ولا تصدع مرفوعة بأمر خالقها محفوظة بقدرته، وأنها آية من آيات الله الكبرى المعروضة على الأنظار المصاحبة للواقع المشهود للنظر فيها بعين البصيرة لا بالبصر المجرد، حتى يأخذ المخاطب منها الدليل على وجود خالقها ومتقن صنعها، يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (ق/٦) ، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ, الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران /١٩٠,١٩١) ، فتأملهم في خلق السماوات والأرض وما اشتملتا عليه من آيات دالة على قدرة موجدها، أدى ثمرته المطلوبة كما رسمته الآية الكريمة إذ رتبت النتائج على مقدمات التفكر دون فاصل بينهما، فتفكرهم دعاهم إلى ذكره تعالى في كل حالة من حالاتهم، قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ما علموا أن هذه المخلوقات لا يمكن أن توجد عبثا، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ فنقلهم ذلك التفكر الواعي في هذا الكون وفي بديع صنعه إلى الإيمان بالله وبما وراء هذا العالم المشاهد وهذه الحياة الحاضرة ولذلك طلبوا من ربهم وخالقهم وقايتهم من عذاب النار، خوفا من الخزي والعار ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: "هذه هي طريقة المنهج الرباني في التوجيه للانتقال من مرحلة التأثر الوجداني بالتفكر والتدبر في خلق الله، إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقا للمنهج الذي أراده الله [٥]

стр. 12117

كما ذم المعرضين عنها، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء/٣٢) ، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف /١٠٥) . أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم، والارتفاع الكبير، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات، في ليلها ونهارها، من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي سخرها وسيرها [٦] . كما أوضح القرآن أن الله هو الممسك لهذه السماوات، والحافظ لها من الزوال مع عظمها وعظم ما فيها بغير عمد تعتمد عليها، بل بقدرته تعالى العظيمة التي يفعل ما يشاء لطفا بعباده ورحمة بهم وليس لغيره من الكائنات قدرة على ذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (فاطر /٤١) . ويقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد /٢) . ويقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (لقمان /١٠) . هذا ما أشار إليه القرآن الكريم عن حفظ الله تعالى لهذه الأحجام الهائلة بهذا التوازن العجيب، الذي يدركه الحس ويؤيده العقل والواقع. أما العلم فيقول: إن هذا الإمساك يحصل بقوة الجاذبية التي شاهد العلماء آثارها وعرفوا قوانينها التي لم يعرفوا بعد أسرارها.

стр. 12118

يقول الشيخ نديم الجسر: والحق ما قالوا فالجاذبية حق وقوانينها المحسوبة المتزنة المتناسبة المحكمة الدقيقة حق، ولكن هل يكون القانون الدقيق المحكم أثرا من آثار المصادفة العمياء؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [٧] . هذا وقد تحدث ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة) عن آيات الله الدالة على وجوده وقدرته وحكمته، في خلقه السماوات وإبداع صنعها، وما هي عليه من سعة وعظم خلق وحسن بناء، كما بين أنها أجمع للعجائب الدالة على وجود خالقها من كل المخلوقات الأخرى بل إنه لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السماوات، فقال: فالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السماوات بالإضافة إلى السماوات كقطرة في بحر ولهذا قلّ أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها. إما إخبارا عن عظمتها وسعتها [٨] . وإما إقساما بها. وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها. وإما دعاء إلى النظر فيها. وإما استدلالا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة. وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو. وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام بنائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته.

стр. 12119

وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، فكم من قسم في القرآن بها كقوله والسماء والطارق، والسماء ذات البروج والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنجم إذا هوى، فلا أقسم بالخنس والنجم الثاقب، فلم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكل ما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره ولهذا يعظم هذا القسم كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ, وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [٩] . ويقول سيد قطب في ظلال القرآن: "ولم يكن المخاطبون يومذاك يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل الذي يدركونه بعيونهم المجردة، ومن ثم قال لهم: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ . فأما نحن اليوم فندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به. نصيبا أكبر بكثير مما كانوا يعلمون، وإن كنا نحن أيضا لا نعلم إلا القليل من عظمة مواقع النجوم، وهذا القليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة المحدودة المناظر، يقول لنا إن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى ... هي مجموعة المجردة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية تبلغ ألف مليون نجم" [١٠] . ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر أو يصطدم بكوكب آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد، وبعيد جدا، إن لم يكن مستحيلا [١١] .

стр. 12120

وكل نجم في موقعه المتباعد عن موقع اخوته قد وضع هناك بحكمة وتقدير. ٢_خلق الأرض: ولما كانت طريقة القرآن التي سلكها لبناء العقيدة أن يأخذ الشاهد على وجود الخالق ووحدانيته من مألوفات البشر وحوادثهم المشاهدة المتكررة ليؤكد العقيدة ويثبت قواعدها، بذلك التصور الكامل للوجود كله فلذلك نجده يلفت نظر الإنسان المقصود بتلك الهداية إلى آيات الله العظيمة في خلقه الأرض وما أودع فيها من آيات، والتي إذا تأمل فيها الناظر بفكره وعقله، علم أنها من أعظم آيات فاطرها كما قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (الذاريات /٢٠) فقد خلقها الله فراشا ومهادا وذللها لعباده فيسر لهم فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل لهم فيها السبل ليتمكنوا من التنقل فيها لقضاء حوائجهم وتصرفاتهم، كما أرساها بالجبال لئلا تميد بهم [١٢] فتضطرب حياتهم، ودحاها فمدها وبسطها ووسع أكنافها فجعلها كفاتا للعالم، أحياء وأمواتا [١٣] . وقد أكثر الله تعالى من ذكرها في كتابه ودعا الناس إلى النظر إليها والتفكر في خلقها وفيما أودعه فيها من آيات وما بث فيها من خيرات، وذكرهم بما في هذا الخلق من دلائل القصد والحكمة، وبين أنه هو الخالق لذلك كله، وليس لمن اتخذوهم آلهة من دونه قدرة على ذلك يقول تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (لقمان /١٠،١١) .

стр. 12121

فقد بين سبحانه في هذه الآية قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض كما بين أنه هو الرازق لجميع مخلوقاته، وإذا كان الخلق كله إليه، ولا رازق لأحد سواه، فعبادة المشركين لهذه الأصنام التي ليس لها من الأمر شيء ظلم واعتداء على حق خالقهم، إذ يخلق ويعبد غيره، ويرزق ويشكر سواه وأي جهل وعمى أوضح من ذلك [١٤] . كما حثهم على النظر فيها فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية /١٧ _٢٠) . ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء /٧ _٨) . ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ . (طه /٥٣ _٥٤) . ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (النمل /٧١) .

стр. 12122

إن من يتأمل في هذه الآيات يلمس منها أن طريقة القرآن لتكوين العقيدة وتثبيتها هي مخاطبة الفطرة البشرية بما هو في متناول كل فرد من المواد الأولية، إذ من هذه المشاهدات التي يراها الإنسان يبني القرآن العقيدة وسنكتفي مما تضمنته الأرض من آيات دالة على وجود خالقها ومبدع صنعها ووحدانيته بنماذج من الآيات التي تدعو الإنسان إلى النظر فيها وهي مكررة أمامه، في كل لحظة من لحظات حياته، وهو غافل لا يلقي لذلك بالا، ولو تأمل فيها كما دعاه خالقه لكفاه آية على وجود خالقه ووحدانيته جل شأنه، فمن تلك النماذج: أولا: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ, أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً, وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً، مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ (عبس /٢٣_٣٢) . فطعام الإنسان ألصق شيء بحياته اليومية، هل نظر فيه؟ وهل نظر في مراحله التي مر بها حتى أصبح في متناول يده؟ وما دوره هو في إنشائه؟ . هذه الآيات تدعو الإنسان إلى النظر في طعامه، هذا الأمر الضروري المكرر الذي أصبح ليسره وإلفه غير منظور إلى دلالته على القدرة التي أبدعته ويسرته، ثم ترسم له خطوات سير طعامه مرحلة بعد أخرى ليرى هل له فيها من يد؟ ثم تصل به إلى القدرة الإلهية التي تجعل من الشيء الواحد أنواعا مختلفة، إذ أن التربة الواحدة قد سقيت بماء واحد ومع ذلك أنبتت تلك الأنواع المختلفة من الحبوب والفواكه والثمار. فالخطوة الأولى: صب الماء على الأرض وكل إنسان يعرف نزول المطر من السماء لا فرق بين إنسان وآخر فساكن القرية والمدينة كل منهما يعرف ذلك كما يعرفه ساكن الكوخ في الصحراء فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان. أما الخطوة الثانية:

стр. 12123

فهي شق الأرض بالنبات الطالع منها، فكما يشاهد الإنسان المطر النازل من السماء على الأرض، فكذلك يشاهد الأرض وهي تنشق عن النبات الصاعد منها فتأتي بخيراتها المختلفة الأنواع، والألوان والطعوم، من الحبوب والكروم والنخيل والفواكه الدالة على القدرة الإلهية التي جعلت من هذه التربة الواحدة والماء الواحد تلك الأنواع المتباينة في الشكل والحجم واللون والطعم والخواص. يوضح ذلك ويبينه ما في النموذج التالي من الآيات: ثانيا: وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد /٢،٣) .

стр. 12124

يخبر ، عن قدرته في خلق الأرض وأنه هو الذي مدها وبسطها لعباده فجعلها متسعة ممتدة، كما بين أن من دلائل وجوده ورحمته بعباده أن جعل في الأرض رواسي، جبالا ترسيها، وتحفظها لئلا تميد بأهلها فلا تستقر حياتهم كما جعل في هذه الأرض أنهارا وجداول وعيونا جارية في وديانها لتسقي الناس والحيوان والزروع وكل ما تنبت الأرض من الثمرات، ومن آياته أن جعل فيها من كل الثمرات صنفين اثنين، أي من كل شكل صنفان كما يقول ابن كثير [١٥] أو (من كل زوجين اثنين) أي أن النبات يتألف من ذكر وأنثى [١٦] كما ينقل سيد قطب ونديم جسر، ثم يخبر تعالى بأن من آياته الدالة على قدرته تقلب الليل والنهار يغشى أحدهما الآخر، إذ يغطي الليل النهار بظلمته، ليستريح الناس ويهدؤوا ثم يخلفه النهار بنوره ليبتغي الناس من فضله ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (القصص/٧٣) . وقد ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في آلاء الله وحكمته ودلائله لأنه لا يدرك تلك الآيات إلا من أعمل فكره فيها. أما الآية التالية فقد شملت أنواعا من الآيات الدالة على الوجود الإلهي وهي آيات تحرك الحس والشعور بما تضمنته من دلائل حسية وعقلية ووحدانية، يقول تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ . فالأمر المحسوس المشهود للناس أن هذه الأرض التي يعيشون عليها فيها أماكن يتصل بعضها ببعض ومع هذا الاتصال فهي مختلفة الطبيعة فمنها السوداء الجيدة التربة ومنها السبخة، ومنها الرملية، ومنها الصخرية، مع أن الاتصالات والتأثيرات الخارجية في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير [١٧] .

стр. 12125

ولذلك توجد في هذه القطع المتجاورات من الأرض بساتين وحدائق فيها العنب والزرع والنخيل والصنوان [١٨] المتماثل وغير المتماثل وتلك الأصناف المختلفة تكون في القطعة الواحدة من تلك الأرض وهي تسقى بماء واحد، ومع ذلك يأتي الخلاف الكبير في ثمارها، فمنها الحلو ومنها المر، كما أنها تأتي مختلفة الألوان والأحجام فمنها الأحمر ومنها الأصفر، ومنها الأبيض، ومنها الكبير ومنها الصغير، فمن الذي أعطى كل مخلوق في هذه القطعة شكله ولونه غير القدرة الإلهية التي منحت الحلو حلاوته وأعطت الحامض طعمه، إذ لو كان الأمر أمر طبيعة وأنه ينشأ عن طبيعة الأشياء لما وجد هذا الاختلاف الواسع، إن في ذلك آيات لمن كان واعيا، بل إن هذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته وإرادته فاوت بين الأشياء ونوع بينها ولذلك ختمت الآية بالإشارة إلى أن تلك الأمور المختلفة الناتجة عن شيء واحد آيات لقوم يعقلون حجج الله وآياته في مخلوقاته. ثالثا_ النموذج الثالث: يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ, أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ, أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ, لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ, أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ, أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ, نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة/٦٣-٧٤) .

стр. 12126

في الأنموذجين السابقين أوضحت الآيات قدرة الله وعظيم حكمته وواسع رحمته إذ جعل هذا الكون مهيئا لعباده سهلا لسيرهم فيه وتقلباتهم في أرجائه فالأرض ممهدة مفروشة مثبتة بالرواسي، قد فتح لهم فيها السبل وشق لهم فيها الأنهار والعيون وأجرى عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فأنبت لهم في هذه الأرض كل الثمرات، وبين لهم في ذلك عموم قدرته المبدعة التي تغاير بين الأشياء الناتجة عن المصدر الواحد والطبيعة الواحدة، ودعاهم إلى النظر والتفكر في ذلك إذ أن تلك الآيات الغريبة العجيبة داعية لإعمال الفكر والعقل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فإنه لا يستفيد منها إلا من أعمل فكره وعقله. وهذا النموذج من الآيات هو أيضا يقرر الحقيقة السابقة ولكن بأسلوب وطريقة أخرى، فإن القرآن الكريم وهو يدعو لإثبات قضية واحدة، هي قضية العقيدة التي استغرقت من القرآن أكثره، لم تأتي دعوته مكررة، وإنما قد غاير في التعبير والأسلوب، وكان ذلك من دلائل إعجازه.

стр. 12127

وقد تضمنت هذه الآيات أمورا محسوسة مشاهدة، بل هي ألصق الأشياء بحياة المخاطبين، الزرع والماء، والنار، فأي إنسان في أي بيئة لم تدخل هذه الأمور في مشاهدته ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ احتجاج بما يباشرونه بأنفسهم من حرث الأرض وإلقاء البذور التي خلقها الله فيها، إذ يوجه لهم هذا الخطاب بصورة الاستفهام التقريري عن دورهم في إثبات تلك البذور وحفظها إلى أن تؤتي ثمارها ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي تنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الذين فعلنا ذلك بقدرتنا وإرادتنا، أما أنتم فلم يكن لكم من عمل في ذلك إلا الحرث وهو شق الأرض وإلقاء البذور فيها، فذلك هو دوركم في هذا الزرع الذي فيه طعامكم والذي به قوام حياتكم ثم بعد ذلك تتركونه ليد القدرة المبدعة، فهي التي تنشئه، إذ تأخذ الحبة والبذرة طريقها فتسير سير الخبير العارف بمسالك الطريق، إلى الهدف المرسوم الذي قدر لها خالقها ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ إن ذلك من صنعنا وبإرادتنا إذ لم شئنا ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ قبل أن يأتي ثماره ولو وقع ذلك لظلتم تفكهون في المقالة أي تُلَونون الحديث فتارة تقولون ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ وتارة تقولون ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [١٩] . ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ, أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ, لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ .

стр. 12128

ذلك أن الماء أصل من أصول الحياة ويحتاج إليه كل حي كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاء﴾ (النور/٤٥) وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء /٣٠) . من الذي أنشأ هذا الماء فكون عناصره، من الذي أنزله من السحاب عذبا تشربونه وتسقون منه أنعامكم وزروعكم؟ وقد خصه الله تعالى بوصف من أهم منافعه المتعلقة به وهو الشرب ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أم نحن الذين أنزلناه من تلك المزن وهو السحاب المسخر بين السماء والأرض بقدرتنا وجعلناه عذبا زلالا مستساغ الطعم بمشيئتنا فلم شئنا لجعلناه أجاجا، مالحا لا يستساغ طعمه غير صالح للشرب ولا لإنبات الزرع، فهلا تشكرون الله الذي أنعم عليكم بإنزاله المطر عذبا زلالا. يقول سيد قطب: "والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحاب في صورته المباشرة مادة حياتهم وموضع احتفالاتهم ... ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري، بل لعلها تضاعفت. والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدث من سواهم، فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء [٢٠] . والنار أمس الأشياء بحياة الإنسان اليومية، فلا تقوم أمور الناس إلا بها وهي التي يوريها الإنسان ويقدحها فيستخرجها من أصلها، أهو الذي أنشأ شجرتها المودعة فيها؟. أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها، أم نحن الذين أنشأناها لطفا بكم إذ لا تقوم حياتكم إلا بها، كما جعلناها تذكرة لكم بنار الآخرة، ليحاسب كل إنسان نفسه، إذ لا طاقة له بهذه النار التي هي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم كما جاء ذلك عن المصطفى [٢١] ﷺ ، وكما جعلنا النار تذكرة لكم بنار الآخرة، جعلناها أيضا متاعا للمقوين أي المسافرين لأنهم في أمس الحاجة إليها من المقيمين.

стр. 12129

وبعد هذا العرض لهذه الدلائل الإيمانية الدالة على وجود الخالق جل وعلا الميسر فهمها وإدراكها للمخاطبين بها في كل بيئة وعلى كل مستوى، إذ إنه خطاب للفطرة البشرية، ممن يعلم خصائصها يلتفت إلى الرسول ﷺ وهو القدوة لأمته فيأمره بتسبيح ربه العظيم الذي أنشأ الوجود كله بقدرته وحفظه بمشيئته ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ . (٣) خلق الإنسان: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات /٢٠،٢١) . وكما بين القرآن للإنسان دوره في إنبات الزرع الذي به قوام حياته وأنه لا يتجاوز إلقاء البذر في الأرض، ثم يتخلى عنه، ليتولى إنباته وحفظه العليم القدير، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة /٦٣،٦٤) . كذلك بين له دوره في سبب وجود الجنين، وأنه لا يتجاوز أن يودع الرجل ما يمني رحم امرأة ثم ينقطع عملهما، ثم تتولى بعد ذلك القدرة المبدعة العمل وحدها، في تخليق هذا الماء المهين الذي لو ترك لحظة لتقلبات الجو لفسد وأنتن، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ, أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة /٥٨ ٥٩) .

стр. 12130

فهذه حقيقة يعلمها المخاطب من نفسه، ومن مشاهداته لأبناء جنسه فلا يستطيع ردها، وخَلْقُ الإنسان من أعظم الآيات الدالة على وجود الباري وعلى عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته وإحسانه، ولما كان خلق الإنسان من أوضح الآيات والأدلة على وجود الخالق القادر، وكان خلقه وإيجاده من أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فقد دعا الله تعالى عباده إلى التفكير والنظر بعين البصيرة في مبدأ خلقهم، في أطوار هذا الخلق ومراحله التي مروا بها إلى أن أصبحوا بشرا ينتشرون، يقول تعالى ذكره: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق /٥) . ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ (الحج /٥) . ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون /١٢_١٤) .

стр. 12131

إن المتأمل في هذه الآيات التي جاء فيها تكرار لفظ النطفة التي تكون منها هذا الإنسان ونشأ عنها، يتبين له أن قصد الشارع جل وعلا من هذا التعبير هو لفت نظر المخاطب إلى القدرة المبدعة، قدرة الله تعالى التي جعلت من هذه النطفة، أو جزيء منها بشرا سويا، مخالفا ومباينا كل المباينة لتلك النطفة المهينة، ولولا هذا البيان الرائع الذي ساقه الله في القرآن الكريم، موضحا هذه النشأة لما صدق إنسان أن وجوده بهذه الهيئة، وهذا الشكل والقّدّ، مزودا بالسمع والبصر، والعقل والأعضاء والجوارح التي تتفق مع مصالحه، من الحركة والقيام، والمشي والقعود، وغير ذلك فإن كل ذلك وجد من هذه النطفة، كما أنه كان من المستبعد أن يتصور إنسان أن هذه النخلة قد وجدت من هذه النواة لولا وجودها المشاهد فعلا. ونعود إلى الآية الكريمة التي شرحت أطوار هذه النطفة، إلى أن صارت بشرا ناطقا، لنرى فيها صنعة الخالق العليم القادر الحكيم، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون /١٢_١٤) فقد أشارت الآية إلى أصل الإنسان الأول وهو آدم ﵇، إذ كان خلقه من طين، كما تحدث عن ذلك الكتاب العزيز، أما نسله فقد جعله الباري جل وعلا من تلك النطفة التي خلقها، وهيأ لها الأسباب الموصلة لها إلى مستقرها، ذلك القرار المكين.

стр. 12132

يقول ابن القيم: "فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة، وهي قطرة من ماء مهين ضعيف لو مرت بها ساعة أي لحظة من الزمان فسدت وأنتنت، كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب، منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها، واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها ... وكيف قدر اجتماع ذينك المائين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا، لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه، ثم قلب تلك النطفة البيضاء إلى علقة حمراء مباينة للنطفة، ثم جعلها مضغة لحم، مباينة للعلقة في شكلها ولونها وحقيقتها، ثم تحويل تلك المضغة عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة كل المباينة في الشكل والهيئة، والقدر والملمس، ثم كيف قسمت تلك النطفة الحمراء إلى تلك الأجزاء المتشابهة، وبالمقدار المناسب لكل عضو، ثم اتجاه كل جزء أو خلية إلى مكانها المناسب في وقتها وأوانها وعلى حسب الحاجة إليها، فمنها ما يتجه لإنشاء العظام كل في محله، وعلى قدره الذي قدر أن يكون عليه، فمنها الصغير، والكبير، والطويل، والقصير، والمنحني، والمستدير، والعريض، والمصمت، والمجوف، فهي مختلفة الأشكال والأحجام، وذلك حسب اختلاف المنافع المنوطة بها، ثم شد تلك العظام وربط بعضها ببعض برباط قوي محكم بحيث لا يسقط عضو من آخر" [٢٢] ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ (الإنسان /٢٨) .

стр. 12133

ومنها ما يتجه لتكوين الأسنان، فلا يتجه إلا القدر المناسب لتكوين سن أو ضرس، لأن شكل الأسنان غير شكل الأضراس، نظرا لاختلاف منافعها، من طحن، وقطع، وزينة، ومنها ما يتجه إلى عمل العين، فلا يتجه إلا القدر الكافي لإنشائها، ثم إلى المكان المعد لتركيبها، ووجودها فلا تتجه خلية العين، إلى الظهر، أو البطن، أو القدم، وهكذا كل جزء أو خلية من تلك النطفة يتجه إلى إنشاء العضو الذي قدر له تكوينه، من أذن، أو لسان، أو حاسة شم، أو غير ذلك من أعضاء الجسم، وأعقد ذلك وأصعبه في نظر الإنسان التخصصات المتصلة بالجهاز الداخلي، كالقلب، والمعدة، والكبد، والطحال، والرئة، والمثانة، والأمعاء ... والمدهش حقا اتجاه المقدار المناسب للعضو المراد تكوينه، فلا زيادة ولا نقصان، ثم اتجاه ذلك الجزء أو الخلية إلى المكان الذي قدر أن يكون فيه ذلك العضو، فلا يخطئه ولا يتعداه، والسؤال هو: من الذي هدى هذه النطفة إلى القيام بهذه الأعمال التي تعجز المتخصصين في علم الحياة؟؟. هل لديها القدرة الكافية على تخليق هذا الإنسان؟ وإذا كان كذلك، فكيف بعد أن تكون إنسانا سميعا بصيرا عاقلا، يعجز هذا الإنسان عن خلق بعوضة أو ذبابة؟؟. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (لقمان /١١) . في ظلمات ثلاث: والأعجب من ذلك أن هذا الخلق المعقد، والتركيب المشتبكة فيه الأعضاء بعضها ببعض يتم في ظلمات ثلاث كما عنه القرآن الكريم، وبين أن القادر على ذلك هو الرب الذي ينبغي أن يُعبد وحده، فلا إله غيره، ولا رب سواه إذ الإنسان لا يملك من أمر هذا الوجود شيئا.

стр. 12134

يقول تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر /٦) . فقد بين في هذه الآية الكريمة، قدرته المطلقة، على خلق هذا العالم كله من نفس واحدة، وهي نفس آدم ﵇، ثم خلق منها زوجها وهي حواء، واستمرار الخلق المتواصل بعد ذلك كان من ذكر وأنثى إلا عيسى ﵇، فقد كان من أم بلا أب، فالآية تشير إلى القدرة التي إذا أرادت الشيء قالت له كن فيكون بسبب وبغير سبب، فالله خالق الأسباب، ومسبباتها، ولذا فإن الآية السابقة من سورة الواقعة بينت دور البشر في ذلك الخلق، وأنه لا يتجاوز ذلك الالتقاء بين الرجل والمرأة، فيختلط الماءان أمشاجا، ثم يتركانه في تلك اللحظة للقدرة التي تخط الخطة لتكوين الجنين من تلك النطفة في الظلمات الثلاث، التي هي ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن، وفي تلك الظلمات الثلاث يتم ذلك الخلق العجيب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران /٦) . والخلق بعد الخلق الذي تشير إليه الآية الكريمة، هو خلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ... كما بينته الآيتان من سورة الحج والمؤمنون، ثم إنشاؤه بعد تلك الأطوار خلقا آخر مباينا للخلق الأول، مباينة تامة فما أبعد النقلة الهائلة بين النطفة والإنسان الذي صوره ربه فأبعده وجعله في أحسن تقويم.

стр. 12135

يقول مؤلف كتاب (إيثار الحق على الخلق) : "وقد جمع الله تعالى ذكره دلالتي الأنفس والآفاق في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت /٥٣) . وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين، عالمين، ناطقين، سامعين، مبصرين، مدركين، بعد أن لم نكن شيئا، وأن أول وجودنا كان نطفة مهينة مستوية الأجزاء والطبيعة، غاية الاستواء، بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها نغير صانع حكيم، ما يختلف أجناسا، وأنواعا، وأشخاصا، أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (النور /٤٥) . وأما الأنواع: فنبه عليها بقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ (القيامة /٣٧-٣٩) . وأما الأشخاص: فبقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ, مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ, مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ, ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (عبس /١٧_٢٠) . وبيانه أنه خلق من نطفة مستوية الطبيعة، فكيف يكون منها ما يبصر، ومنها ما يسمع، ومنها ما يطعم ومنها ما يشم، ومنها الصلب ومنها الرخو.

стр. 12136

ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال، وتنقلت بنا الأطوار، تنقلا عجيبا، فكنا نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم لحما ودما، ثم عظاما صلبة، متفرقة في ذلك اللحم والدم تقويهما، وعصبا رابطة بيت تلك العظام صالحة لذلك الربط، مما فيها من القوة والمتانة، ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة للمصالح، مع ضيق ذلك المكان وشدة ظلمته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر /٦) [٢٣] . وبعد فهذا هو حديث القرآن عن خلق الإنسان من تلك النطفة، في تلك الظلمات الثلاث، فماذا يقول العلم عن ذلك؟. الحقيقة إننا في هذا البحث لا نريد إيراد نظريات نفسر بها القرآن الكريم، ذلك لأن النظريات، أمور بنيت على التقدير والتخمين، فلم يكن لها أصل ثابت تعتمد عليه، ولذا فهي تنقض اليوم ما قررته بالأمس وقد تنقض غدا ما قررته اليوم، والقرآن كلام الله الحق الثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو حق بإنزال الله إياه، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء /١٠٥) . ولذا فإننا سنقتصر على ما ورد ذكره في كتاب الله تعالى ففيه الكفاية، لهداية البشرية. وكل قول يقال، ويحمل به كتاب الله فالخطأ الناتج عن ذلك، هو من عقم فهم ذلك القائل وتفسيره، أما القرآن فحق ثابت، وسيتسع لكل حقيقة علمية ثابتة لا تتغير، إذ أنه الكتاب الذي لا تُبلى جدته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. --------------------------------------------------------------------------------

стр. 12137

[١] وما قررناه من أن الإقرار بوجود الخالق أمر فطري، وهو الأصل الذي نشأ عليه الإنسان وأن الانحراف أمر طارئ على الإنسانية، وذلك حين فساد الفطرة، هو ما قرره الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين ج١ ص٩٣ و٩٤ مطبعة شركة دار الكتب العربية الكبرى بمصر) وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة وحكاه عن الجمهور ج٢ ص٢٠٢ تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم مطبعة المدني القاهرة سنة ١٣٨٢هـ-١٩٦٢م) وابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، تحقيق محمد سيد كيلاني الطبعة الأخيرة سنة ١٣٨١هـ١٩٦١م) ج٢ ص١٥٢. [٢] يقول كلودم: "هاشاوي مستشار هندسي، ومصمم العقل الإلكتروني للجمعية العلمية لدراسة الملاحة الجوية بمدينة لانجلي فيلد، أخصائي الآلات الكهربية والطبيعية للقياس تحت عنوان –المبدع الأعظم- قال: أما من حيث الأسباب الفكرية التي تدعوني إلى الإيمان بالله، فإنني أحب أن لأبدأ بذكر الحقائق التي لا سبيل إلى إنكارها..وهي أن التصميم يحتاج إلى مصمم. وقد دعم هذا السبب القوي من أسباب إيماني بالله ما أقوم به من الأعمال الهندسية فبعد اشتغالي سنوات عديدة في عمل تصميمات لأجهزة وأدوات كهربية، ازداد تقديري لكل تصميم أو إبداع أينما وجدته، وعلى ذلك فإنه مما لا يتفق مع العقل والمنطق أن يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا إلا من إبداع إله أعظم لا نهاية لتدبيره وإبداعه.. حقيقة أن هذه طريق قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد بيانا وأقوى حجة منها في أي وقت مضى أهـ من كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان ص٨٩ الطبعة الثالثة سنة ١٩٦٨م. [٣] أحمد الهاشمي، جواهر الأدب من خطبة قيس بن ساعدة ج ٢ص ١٩ الطبعة التاسعة عشر سنة ١٣٧٩ هـ والجاحظ، البيان والتبيين ج ١ص ١٦٣ طبعة سنة ١٩٦٨ م. [٤] ابن كثير (التفسير٢/١٢٣) .

стр. 12138

[٥] سيد قطب: في ظلال القرآن ج٤ص١٩٤. [٦] ابن كثير (التفسير ج٣ص١٧٨) . [٧] نديم الجسر، قصة الإيمان ٣١١ الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٩هـ ١٩٦٩م. [٨] يقول تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ الذاريات آية٤٧. فقد تحدثت هذه الآية الكريمة عن سعة السماء وما اكتشفه العلم اليوم عن السماء وأبعادها لم يكن يخطر على قلب بشر، وقد أثبت العلم تلك السعة بما يعرف عند العلماء بالسنين الضوئية والتي اتفق العلماء فيها على أن الضوء يقطع في الثانية ١٨٦ألف ميل أي إنه يقطع في الدقيقة ١١مليون و١٦٠ ألف ميل وفي السنة الواحدة من سنينا يقطع ستة ملايين مليون ميل أو ستة آلاف مليار تقريبا وعلى هذا التقدير نفهم معنى قولهم إن نجما ما يبعد عنا كذا سنة ضوئية اه. قصة الإيمان، لنديم الجسرص٣٠٤. [٩] ابن القيم (مفتاح دار السعادة ج١ص١٩٦و١٩٧ بتصرف الناشر مكتب الرياض مكتبة الرياض الحديثة. [١٠] سيد قطب في ظلال القرآن ج ٧ص ١٤٣،١٤٤. [١١] سيد قطب في ظلال القرآن ج ٧ ص٧ ١٤٤ نقر عن كتاب الله والعلم الحديث ص ٣٣. [١٢] يقول ابن كثير وقوله: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي﴾ أي جبالا أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا بمقدار الربع فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والدلالات ولهذا قال: ﴿أن تميد بهم﴾ أي لئلا تميد بهم ا. هـ. تفسير ابن كثير ج٣ص١٧٧. [١٣] ابن القيم (مفتاح دار السعادة) ج١ص١٩٩. [١٤] ابن كثير (التفسير ج٣ص٤٤٣) . [١٥] ابن كثير: (التفسيرج٢ص٥٠٠) .

стр. 12139

[١٦] يقول سيد قطب: "قوله ﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ يتضمن هذا المشهد من مشاهد الأرض حقيقة لم تعرف للبشرية من طريق علمهم وبحثهم إلا قريبا. وهي أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى حتى النباتات التي كان مظنونا أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة أو متفرقة في العود. وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى أسرار الخلق. بعد تملى ظواهره ا. هـ. ظلال القرآن ج ٥ص ٧١-٧٢، قلت: ولعل الذي يعنيه من اكتشاف التذكير والتأنيث في عمود البنات، وإلا فالأصل معروف قديما كما في قصة تأبير النخل، وفي قصة الإيمان لنديم الجسر ص ٣٧٧، ٣٧٨، [١٧] الفخر الرازي "التفسير الكبير ج١٩ص٧". [١٨] الصنوان: هي الأصول المجتمعة في نبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل، وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار (تفسير ابن كثيرج٢ص٥٠٠ قال: وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ الصنوان: أي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان: المتفرقات. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد، وهو قول الزمخشري في الكشاف ج٢ص٣٤٩، وفي المفردات في غريب القرآن للأصفهاني. [١٩] ابن كثير (التفسير ج٤ص٢٩٦) . [٢٠] سيد قطب (في ظلال القرآن) ج٧ص١٤٢. [٢١] عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم، جزء من سبعين جزء من نار جهنم" قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها". رواه مسلم باب في شدة حر جهنم ج٤ص٢١٨٤ ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي. [٢٢] لبن القيم (مفتاح دار السعادة ج١ص١٨٧-١٨٩) بتصرف. [٢٣] ابن الوزير، إيثار الحق على الخلق ج١ص٤٤، ٤٥ مطبة الآداب والمؤيد بمصر القاهرة سنة ١٣١٨هـ.

стр. 12140

مفهوم الأسماء والصفات فضيلة الشيخ سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية في الحلقات الست الماضية يسر الله تعالى لي الكتابة في بعض ما وفقني إليه من معاني مجموعة من الأسماء الحسنى بلغت إحدى وأربعين اسما. وفي هذه الحلقة أبدا في بيان ما أرجو الله سبحانه أن يلهمني فيه رشدي من توضيح مفهوم اسم (الحميد) جل ذكره. الحميد: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعيل) وهو صيغة مبالغة تدل على المبالغة في الحمد والكثرة فيه. و (الحميد) بمعنى (المحمود) . فهو سبحانه المستحق للحمد بكل أنواعه، لا مستحق له سواه. والحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على وجه التعظيم والتبجيل، وهو يقترن بتعظيم المنعم لإنعامه على الحامد وعلى غيره والألف واللام للاستغراق، ومعناه أن جميع أنواع المحامد لله تعالى. ومن أسمائه تعالى (الحميد) أي المحمود. ومن قول الإمام ابن القيم في نونيته: وهو الحميد فكل حمد واقع أو كان مفروضا مدى الأزمان ملأ الوجود جميعه ونظيره من غير ما عد ولا حسبان هو أهله سبحانه وبحمده كل المحامد وصف ذي الإحسان وإثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عُدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق. وغايته أنه محمود من كل وجه، ولا يكون محموداً من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبه.

стр. 12141

والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله. وهو لا يكون إلا ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال. وهي أمور وجودية، فإن الأمور العدمية المحضة لا مدح فيها ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد. فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود. وأهل التوحيد الذين يعبدون الله مخلصين له الدين، ما في قلوبهم من محبة الله لا يماثل فيها غيرها، ولهذا فإن الرب محمود أولا حمدا مطلقا على كل أفعاله، وحمده تعالى على أفعاله أشير إليه في مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (الأنعام آية ١) ، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فاطر آية ١) ، وهو سبحانه محمود ثانيا على إحسانه إلى الحامد، وهذا حمد الشكر، وقد أشير إليه في مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف آية ٤٣) ، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون آية ٢٨) .

стр. 12142

والحمد ضد الذم، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، ولا يكون حمد المحمود إلا مع محبته، ولا ذم المذموم إلا مع بغضه. والله سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة. ولا تكون عبادة إلا إذا اقترنت بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا إذا اقترن بحب المحمود. والله جل وعلا هو المعبود، وهو المحمود ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين: تحميده، وتوحيده، وكان أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله [١] . وقد ورد اسم (الحميد) سبحانه في القرآن الكريم سبع عشر مرة: منها عشر مرات اقترن باسم (الغنيّ) سبحانه [٢] . وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة آية٢٦٧) . ومعنى الآية على ما ذكره الحافظ ابن كثير عن ابن عباس: أن الله أمر المؤمنين بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ونهاهم أن يقصدوا الإنفاق من الخبيث الذي لو أعطوه ما أخذوه إلا أن يتغاضوا فيه، فالله غني عن إنفاقهم، وغني عن جميع خلقه، واسع العطاء، وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو ولا رب سواه [٣] .

стр. 12143

والمعنى على ما ذكره الإمام الشوكاني: أن الله أمر المؤمنين أن ينفقوا من جيد كسبهم ومختاره، وهو الحلال، وكذلك من طيبات ما أخرج سبحانه لهم من الأرض من نباتات ومعادن وركاز، ولا يقصدوا المال الرديء الخبيث لينفقوا منه، فهم أنفسهم يرفضون قبوله في تعاملهم، إلا تساهلا ورضى ببعض الحق [٤] ، فالله غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لنفعهم ومحض فضله وكرمه عليهم، ومع كمال غناه وسعة عطاياه، فهو (الحميد) فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، والحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، والحميد في صفاته لأن صفاته كلها محاسن وكمالات لا يبلغ العباد كنهها ولا يدركون وصفها [٥] . والمعنى على قول صاحب صفوة التفاسير أن الله سبحانه غني عن نفقاتهم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء [٦] . واقترن اسم (الحميد) باسم الغني (الغني) سبحانه كذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ (النساء آية١٣١) . ومعنى هذه الآية: على ما ذكره الحافظ ابن كثير أن الله تعالى مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، وأنه وصى المؤمنين، بما وصى به الذين أوتوا الكتاب من قبلهم من تقوى الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، وأنهم لم كفروا فإنه سبحانه غني عن عباده، حميد أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه [٧] .

стр. 12144

والمعنى عند الإمام الشوكاني تقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته، وقد أمر الذين أوتوا الكتاب والمؤمنين فيما أنزل عليهم من الكتب بأن يتقوا الله، فإنهم إن يكفروا فإن الله غني عنهم إن يشأ يذهبهم ويأت بقوم آخرين لا يكونون أمثالهم، والله سبحانه غني عن خلقه، حميد أي مستحمد إليهم [٨] . وقد ساق الشيخ السعدي ﵀ للآية معاني نفيسة، فذكر أن الله تعالى يخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا. فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب.

стр. 12145

ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بأن تتركوا تقوى الله وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئا، ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له، خاضعون لأمره، ولهذا رتب على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ له الجود الكامل، والإحسان الشامل، الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق، ولا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض أولهم وآخرهم فسأل كل واحد منهم ما بلغت أمانيه، ما نقص من ملكه شيئا، ذلك بأنه جواد واجد ماجد، عطاؤه كلام، وعذابه كلام، إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لم كان فيه نقص بوجه من الوجوه لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة، ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه، ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه، وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة، وأغناهم، ومنّ عليهم بلطفه وهداهم. وأما (الحميد) فهو من أسماء الله تعالى الجليلة، الدال على أنه المستحق لكل حمد، ومحبة، وثناء، وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال. وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين (الغني الحميد) ، فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وله كمال من حمده، وله كمال من اقتران أحدهما بالآخر [٩] .

стр. 12146

وذكر صاحب صفوة التفاسير أن المعنى هو أن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي ملكا وخلقا وعبيدا، وأنه سبحانه وصى الأولين والآخرين وأمرهم أجمعين بامتثال الأمر والطاعة، ووصاهم جميعا بتقوى الله وطاعته، وإن يكفروا فلا يضره تعالى كفرهم، لأنه مستغن عن العباد، وهو المالك لما في السماوات والأرض، فهو غني عن خلقه، محمود في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين [١٠] . فالحمد لله أولا وآخر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الكواشف الجلية: ص١١، ١٢ ببعض تصرف. [٢] المعجم المفهرس. [٣] تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٣٢٠، ٣٢١ [٤] فتح القدير الجزء الأول ص٢٨٩ [٥] تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص١٥٩ [٦] صفوة التفاسير الجزء الأول ص ١٧٠ [٧] تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٥٦٤ [٨] فتح القدير الجزء الأول ص٥٢٣. [٩] تيسير الكريم الرحمن –الجزء الثاني ص٨٩ [١٠] صفوة التفاسير المجلد الأول ص٣٠٩

стр. 12147

الرّاغب الأصفهاني وموقفه من الفرق الإسلامية للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي أستاذ بكلية اللغة العربية بالجامعة مقدمة: إن من يبحث في حياة أبي القاسم، الحسين بن مفضل المعروف بالراغب الأصفهاني [١] ، وفي جهوده المختلفة في اللغة والأدب وفي موقفه من الفرق وعلماء الكلام يجد عنتا شديدا. فبينا هو يرى أن معجمه في مفردات ألفاظ القرآن لم يستغن عنه مفسر أم معجمي جاء بعده، ويلحظ أن كتابه في ((محاضرات الأدباء)) لا يجهله أديب، وبينا هو يطالع قول بعضهم من أن أبا حامد الغزالي (٥٠٥ هجري) كان يعجب بكتابه ((الذريعة إلى مكارم الشريعة)) ويستحسنه لنفاسته؛ [٢] إذا هو لا يكاد يجد له ترجمة في كتب الطبقات والتراجم [٣] !! وربما نتج عن هذا أن الرجل لم ينل حظه من الدراسة والكشف في الأبحاث المعاصرة، فلم تقرر له دراسة مستقلة بل لم تعن به الدراسات التي تناولت آداب العصر العباسي وأدباءه [٤] . أما المشكلة الثانية التي تجابه المتصدي للكشف عن آثاره هذا الرجل وأثره فهي تحديد عصره وذكر تاريخ وفاته وشيء عن نشأته. فكل مل قيل عنه لا يعدو ذكر ميلاده في أصفهان واختلافه إلى بغداد، وأنه إمام في اللغة الأدب والتفسير وأنه مات عام ٥٠٢هجري. وقد رجح لي أنه قد توفى قبل هذا التاريخ بقرن كامل من الزمان!!! وهو فرق ليس باليسير في معرفة رجال التراث. وقد وقفت على جهود ومخطوطات للراغب في اللغة والأدب والتفسير والتربية والسلوك والموقف من الفرق الإسلامية وعلماء الكلام تستحق أن أفرد لكل منها بحثا مستقلا. وها أنا أحاول هنا أن أرصد جهوده في الفرق والله الموفق. موقفه من الفرق الإسلامية

стр. 12148

إن انتماء الراغب الأصفهاني إلى إحدى الفرق الإسلامية لم يكن واضحا، لذا نحاول أن نوضح هذا الانتماء عن طريق محاولة بسط موقفه من كل هذه الفرق. ولعل مما يسهل الوصول إلى هذا الهدف وصف آثار الراغب ذات العلاقة بالعقيدة والفرق الفكرية والسياسية. آثاره: لقد اطلعت على ثلاث مخطوطات له في هذا الصدد، هي رسالة في الواحد الأحد [٥] ورسالة في تحقيق البيان [٦] ورسالة في الاعتقاد [٧] . وقد يجد الباحث أنه كان ينفذ بين الحين والحين أحينا لموضوع العقيدة والفرق في كتابيه المنشورين والمشهورين في موضوع الأخلاق والسلوك وأعني الذريعة إلى مكارم الشريعة، وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. ففي الرسالة الأولى، وتقع في ست ورقات، وأراد الراغب أن يميز بين معنى كل من لفظي واحد وأحد، لما كان يدور على ألسنة الناس من جدل وكلام في موضوع التوحيد. وكان يحجم في بعض الأحيان عن إتمام ما يخطر بباله لئلا يظل غامضا فيصبح سبب فتنة بين العوام، ولعل الراغب في هذه الرسالة يثبت قدما راسخة في اللغة وفي الدين.

стр. 12149

وأما رسالة ((تحقيق البيان في تأويل القرآن)) فقد ذكرها الراغب في مقدمة أحد كتبه، وذكر بروكلمان [٨] أنها موجودة في إحدى مكتبات مشهد بإيران. فطلبتها من هناك فأرسلها لي صديق. وهي تقع في ١٦٩ ورقة وقد فقد منها سبع عشرة ورقة من بدايتها، فلم نجد المقدمة ولم نجد الفصول الثلاثة الأولى وجزءا من الرابع الذي يبدو أنه قصره على الحديث عن الملائكة وفيه معها أحاديث عن الجن والشياطين والعفاريت والمردة وعن السحر، وقد قصر الفصل الخامس على كتاب الله الكريم وعلى علومه وعلى ما نشأ حوله من كلام الفرق وبسط في قول المعتزلة في مخلوقيته وبين أنه لا يراها مناسبة. أما الفصل السادس فقد أداره حول موضوع القدر والقضاء وحكمة الله منهما وما نشأ فيهما لدى الفرق من أقاويل. وفي الفصل الأخير تناول موضوعات في الإيمان والإسلام والوعد والوعيد. وإنه ليبدو أن الرسالة تهدف إلى التعرض لموضوعات الإيمان في العقيدة الإسلامية وإثباتها من وجوه العقل والنقل واللغة. وكثيرا ما كان يرد فيها على الفرق ويأتي بآراء أهل السنة والجماعة. أما الرسالة الثالثة فقد عقد لها عنوان رسالة في الاعتقاد، وهي تقع في ٣٥ ورقة، ذكر في مقدمتها أنه قد صنفها للتفصيل في الاعتقادات التي تحكم للمرء بالإيمان أو بالكفر، وقد تعرض للكفر والإيمان قبل الإسلام بذكر الديانات السماوية وذكر غيرها من الديانات التي أتى بها بشر وابتعدوا عن التوحيد، ثم تعرض بتفصيل أكثر لجميع الفرق الإسلامية، من داخل الشرع، وبين أخطاء كل فرقة من هذه الفرق، بأدلة مستنبطة من كتاب الله، ثم انتصر بوضوح لآراء أهل السنة والجماعة.

стр. 12150

نحاول بعد هذا الوصف الموجز لآثاره الراغب في العقيدة أن نقف على موقفه من الفرق وعلماء الكلام. فقد ذكر البيهقي، الذي كان أول من ذكره، "أنه من حكماء الإسلام" [٩] أي أنه من رجال الفكر الإسلامي الذين رسخت لديهم أصول هذا الفكر الديني، وأضاف البيهقي "وكان حظه من المعقولات أكثر" [١٠] أي أن الرجل كان يصغي لصوت العقل في تثبيت أركان الإيمان إضافة إلى ما يستخدم من أدلة نقلية فيه، وفيها إشارة إلى غلبة الجانب العقلي في الدراسات الدينية. ثم إننا نجد النص التالي لدى جلال الدين السيوطي "وقد كان في ظني أن الراغب معتزلي حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي (٧٩٤) ....ذكر الإمام فخر الدين الرازي (٦٠٦) .... أن أبا القاسم من أئمة السنة...."وهو قول لا نستطيع إلا أن نحترمه، ثم يضيف السيوطي: "وهي فائدة حسنة، فإن كثيرا من الناس يظنونه معتزلي [١١] ". أفهل يكون هذا التعليق ردا على ما ورد في حديث البيهقي من تغليب الجانب العقلي لدى الراغب؟ ربما كان كذلك ولكنه لا يكفي في إصدار حكم. وترد إشارة ثالثة في هذا الصدد، فيقول الخوانساري في ((روضات الجنان)) ، وهو من مصنفي الشيعة: "إن الراغب كان من الشافعية"وهذا حكم واضح أما سببه فـ"كما أستفيد لنا من فقه محاضراته" [١٢] ويعني مناقشة الأمور الفقهية في كتاب محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء المعروف للراغب. غير أن هذا المصنف لا يلبث أن يورد حكما آخر غير مطمئن إليه فيقول عن الراغب: "وفي بعض الكتب أنه اختلف في تشيعه"ولعل هذا المصنف قد كان يتوخى الموضوعية فلم يفد من هذا الاختلاف فيحاول أن ينسب للراغب اتجاه التشيع. ومع ذلك كله فإن هذه الأقوال تظل بحاجة إلى براهين أقوى لتوضيح هوية الراغب الفكرية بين الفرق. وهذه قد لا تتأتى إلا من آثار الراغب نفسه. الفرق غير الناجية:
следующие страницы →