← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.

стр. 12741

فحين ادعى ذلك المكابر تلك الدعوى التي يعلم إبراهيم ﵇ كذبه فيها، عدل به إلى أَمر مشاهد للناس جميعاً، فطلب منه أن يتصرف فيه بغير المألوف والمعهود للناس، إن كانت لديه القدرة الكاملة كما يدعي، ذلك الأمر هو أن يأتي بالشمس من المغرب، إذ أن رب إبراهيم يأتي بها من المشرق، فبهت الكافر، ولم يحر جوابا، والله غالب على أمره، ومظهر دينه وناصر رسله، وقد عنى القرآن الكريم عناية خاصة بظاهرة الحياة فجعلها من الأدلة التي تنبه المخاطب الغافل عن التفكر في سر هذا الأمر العجيب الذي جعل سبباً في وجوده، ذلك أن الإنسان كان معدوماً ثم أَصبح إنساناً حياً يسير على هذه الأرض متمتعا بما أوجده له خالقه من نعم كثيرة على ظهرها، يشاهد نوع الحياة التي تدب فيه من أين جاءت وكيف سببها. يقول الفخر الرازي: (ودليل الإحياء والإماتة دليل متين قوي، ذكره الله سبحانه في مواضع من كتابه كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ، وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ .

стр. 12742

ويقول سيد قطب في تفسير الآَية: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت.. الخ﴾ : إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد، فضلا على أن يملك صنعها أحد، ... وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها، وبعد كل ما درست من خصائصها وأدوارها.. تقف أَمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول، تدرك الوظيفة والمظهر. وتجهل المصدر والجوهر، والحياة ماضية في طريقها ... لقد عجزت كل محاولة لتفسير ظاهرة الحياة، على غير أساس أَنها من خلق الله ... ومنذ أن شرد الناس من الكنيسة في أوربا.. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم يحاولون تفسير نشأة الكون وتفسير نشأة الحياة، بدون التجاء إلى الاعتراف بوجود الله.. ولكن هذه المحاولات كلها فشلت جميعا.. ولم تبق منها في القرن العشرين إلا مماحكات تدل على العناد، ولا تدل على الإخلاص، وأقوال بعض (علمائهم) الذين عجزوا عن تفسير وجود الحياة إلا بالاعتراف بالله، تصور حقيقة موقف (علمهم) نفسه من هذه القضية، ونحن نسوقها لمن لايزالون عندنا يقتاتون على فتات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من موائد الأوربيين، عازفين عن هذا الدين، لأنه يثبت ((الغيب)) وهم ((علميون)) [١] لا ((غيبيون)) . والمؤمنون الصادقون في إيمانهم، الذين يؤمنون بالله يكفيهم في ذلك ما قاله خالقهم عن خلق هذه الحياة، وما شاهدوه في الواقع أمامهم، من تكرر خلق الحياة كل لحظة، لأن عقولهم الفطرية لم تلوث بشكوك المرتابين وأباطيلهم. وأما أولئك الذين أصابتهم لوثة الشك، فلا يؤمنون إلا (بالعلم) فمن المناسب أن ينقل لهم بعض أقوال هؤلاء العلماء الذين عجزوا عن تفسير الحياة إلا أن تكون من صنع خالق قادر هو (الله) .

стр. 12743

وفي ذلك يقول: (ايرفنج وليام نوبلوس) أخصائي الحياة البرية في الولايات المتحدة، وأَستاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميشجان، تحت عنوان -المادة وحدها لا تكفي- (إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها، والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة. ولا شك أن النظرية التي تدعي أن جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن نقول إن هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها إلا عن طريق التسليم، فهي لا تقوم على أساس المنطق والإقناع) [٢] . ويقول مؤلف كتاب (مصير البشرية) (ليكونت ديونوي) : ( ... نكرر القول هنا بأنه لا توجد حقيقة واحدة في يومنا هذا تقدم تفسيرا قاطعاً لمولد الحياة وتطور الطبيعة، ولقد درسنا مسألة أصل الحياة، وسواء أردنا أَم لم نرد، فإننا مضطرون إلى أَن نقبل فكرة تدخل قوة سامية يدعوها العلماء أيضا (الله) (عكس الصدفة) أو أن نعترف ببساطة بأننا لا نعلم شيئاً عن هذه الأمور سوى بعض الآَيات، وهذه ليست مسألة اعتقاد فحسب، ولكنها حقيقة علمية لا نزاع فيها، ولسنا من أولئك الماديين العريقين الذين يتمسكون بآرائهم واعتقاداتهم رغم كونها سلبية بدون أي برهان) [٣] . وقد أورد الشيخ نديم الجسر في كتابه (قصة الإيمان) بعض آيات من كتاب الله، تحدثت عن خلق الحياة وتكونها من - الطين اللازب والماء- ثم أورد بعض ما قاله العلماء حول تكون الحياة، ونحن بدورنا نقتطف بعضاً من ذلك: -الآيات- قوله تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ..﴾

стр. 12744

وقوله تعالى- ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ هذا بعض ما جاء في القرآن الكريم عن تكون خلق الحياة وأنه بقدرة الله تكون من الماء والطين [٤] . والعلماء قالوا كما جاء في القرآن بتكون الحياة من الماء والطين. ثم وقفوا على عتبة باب الخفاء من سرها حائرينْ، وقد عرفوا الشيء الكثير من فروعها وأصولها، وعناصرها وطبائعها.. وعلموا أن جميع الأحياء تتألف من خلايا وأن الخلية تتكون من النطفة الأولى (بروتوبلاسما) وعلموا أن هذه النطفة الأولى مكونة من الكربون والأكسجين، والهيدروجين والنتروجين ... وجربوا أن يخلقوا الحياة في شيء فعجزوا.... ثم اعترفوا كما ذكر القرآن باستحالة خلق ذبابة. ْ يقول (توماس اكيوناس) -: (ما من عالم عرف حتى اليوم حقيقة ذبابة..) . ويقول (روجر باكون) -: (إنه لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن طبيعة ذبابة واحدة) ويقول: (بخنز) -: (إن الكرية ذاتها على بساطتها ذات بناء وتركيب يمنع معه صدورها من الجماد مباشرة بل إن ظهورها من الجماد ليعد في نظر العلم معجزة ليست أقل بعدا عن العقل من ظهور الأحياء العلياء من الجماد مباشرة) . وفي القرآن يقول الله للناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ..﴾ الحج آية ٧٣.

стр. 12745

إن العقول السليمة تتلاقى على الحق، وكلما ازدادت علما كان تلاقيها على الحق أيسر وأقرب. ومن أجل هذا رأينا العلماء بعد ذلك الإنتكاس المادي الذي اعترى بعضهم في أواخر القرن التاسع عشر يرجعون إلى التلاقي على الحق ويكادون يجمعون اليوم إجماعا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس، التي نشأت على أساسها الحياة وتطورت تنطوي على وحدة القصد، والإرادة والعناية والحكمة يستحيل معها العقل السليم المفكر أن يؤمن بأن هذه الحياة خلقت وتطورت بالمصادفة العمياء. فهذا اللورد كلفن العالم الإنجليزي يعلن هذا الإيمان على الناس، ويسخر من القائلين بالمصادفة في خلق هذه الحياة ويعجب من إغضاء بعض العلماء عما في آثار الحكمة والنظام من حجة دامغة وبرهان قاطع على وجود الله ووحدانيته، حيث يقول: "يتعذر على الإنسان أن يتصور بداية الحياة واستمرارها دون أن تكَون هنالك قوة خالقة مسيطرة وإني أعتقد من صميم نفسي أن بعض العلماء في أبحاثهم الفلسفية عن الحيوان، قد أغضوا إغضاء عظيما مفرطا عما في نظام هذا الكون من حجة دامغة. فإن لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام مدبر وخير، وهي براهين تدلنا بواسطة الطبيعة على ما فيها من أثر إرادة حرة، وتعلمنا أن جميع الأشياء (الحية) تعتمد على خالق واحد أحدي أبدي". ويقول- انشتين- "إن جوهر الشعور الديني. في صميمه. هو أن نعلم بأن ذلك الذي لاسبيل لمعرفة كنه ذاته موجود حقا، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة، وأبهى أنوار الجمال ... وإنني لا أستطيع أن أتصور عالما حقا لا يدرك أن المبادئ الصحيحة لعالم الوجود مبنية على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل، فالعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، والإيمان بلا علم يتلمس تلمس الأعمى"أ.٥ هـ[٥] . المبحث الثاني: ((دليل العناية)) :

стр. 12746

المتأمل في هذا العالم المترابط الأجزاء يجد فيه الدلالة الواضحة على قدرة خالقه، وكمال علمه وحكمته وحسن لطفه وعنايته بالعالم كله إذ الرعاية شاملة لكل أفراده، والعلم محيط بَكل جزئياته. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الأنعام آية ٥٩. ﴿ ... وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ..﴾ فاطر آية ١١. فالناظر بعين البصيرة في هذا العالم كله: علويه، وسفليه. كبيره، وصغيره، يجد فيه العناية التامة به أولا، وبمن خلق الله له هذه الموجودات وسخرها له ثانيا، فالسماوات وأفلاكها والأرض ومحتوياتها، خلقت بالحق، وبه حفظت، كما قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقّ﴾ الأحقاف آية ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ الأنبياء آية ١٦. فإذا تأمل الإنسان بفكره وعقله في بعض جزئيات هذا العالم المسخر لمصالحه والتي عليها استقرار حياته، كفاه ذلك دليلاً واضحا. وحجة بينة على أن هذا العالم مخلوق لخالق، حكيم قدير عليم قد قدر هذا العالم، فأحسن تقديره. ونظمه فأتقن تنظيمه. فمن تلك الجزئيات، الشمس، وما تضمنته من مصالح عليها قوام حياة الناس وأحوالهم، وحياة المخلوقات جميعا، من حيوان ونبات، فإن الناظر فيها يلمس كمال العناية. واللطف من الله تعالى والرحمة بهذا الإنسان.

стр. 12747

تعاقب الليل والنهار: وأول ما ينتج عن طلوع الشمس وغروبها، تعاقب الليل والنهار، واللذان هما من أعجب آيات الله، وبدائع مصنوعاته، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لله الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ سورة فصلت آية ٣٧. فلولا تسخير العليم القدير لها لتعطل أمر العالم، إذ كيف يتصرف الناس، ويسعون لكسب معاشهم، وطلب أرزاقهم، إذا لم يكن هناك ضياء يبصرون به، ثم كيف يكون لهم قرار وهدوء تستريح به أبدانهم. ويستعيدون فيه قواهم، إذا لم يكن هناك ليل يسكنون فيه. فنعمة الليل والنهار الناتجين عن طلوع الشمس وغروبها من أعظم آيات اللطيف الخبير، الذي جعل تلك الشمس المشرقة للناس بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت، زمناً لقضاء حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك الزمن، ليهدءوا ويستريحوا تماما كما هدي الإنسان لإيقاد مصباحه عند الحاجة إليه، وإطفائه بعد قضائها. وقد نبه الله عباده إلى تلك العناية والرحمة به، في جعله الليل والنهار متعاقبين، ليتمكنوا من طب المعاش والسعي في تحصيل الرزق في النهار المبصر، والهدوء والراحة في لباس الليل الهادئ. وبين أن ذلك التصريف الحكيم حاصل بأمره وتقديره، ومشيئته وإرادته. يقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ . ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ .

стр. 12748

﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ القصص آية ٧١_٧٣. أي لعلكم تشكرون نعمة الله وإحسانه إليكم، ولطفه وعنايته بكم، في جعله الليل والنهار متعاقبين، على الدوام والاستمرار؛ وقد خص آية الليل بحاسة السمع لقوة سلطانها في هدوء الليل، إذ تسكن فيه الحركات، كما خص آية النهار بالبصر لشدة إدراكه المبصرات فيه، هذه المخلوقات التي هي السماوات وأفلاكها، والأرض ومحتوياتها جميعها مسخرة بأمر خالقها محفوظة بعنايته المستمرة في كل لحظة فهو الخالق لكل شيء، الآمر له بما أراد، القائم بحفظه، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف آية ٥٤ وقال تعالى: ﴿الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة آية ٢٥٥. فهو قيوم السماوات والأرضين، فلا قيام لهما ولا استقرار إلا به – كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ فاطر آية ٤١. الإنسان: ومع أن رعاية الله وعنايته، ، شاملة للعالم كله، والإنسان جزء من هذا العالم. إلا أنه قد خصه الله بمزيد من تلك العناية والرعاية، فقد هيأ له كل احتياجاته الروحية منها، والجسمية: فمن الناحية الروحية:

стр. 12749

تعهده بإرسال رسله، وإنزال كتبه، المشتملة على الهدى والنور، ففيها طمأنينة قلبه، وإشباع روحه، وهدوء نفسه. حيث تضعه في الخط المستقيم الواضح، الذي يصله بربه وخالقه، كما بينت له السبل المتفرقة المضلة التي تؤدي به إلى ما يمزق كيانه، ويشتت أمره، بحيث تجعله كالعبد المملوك لشركاء يتشاكسون فيه، يجره أحدهم ذات اليمين، والآخر ذات الشمال، أو كالحيران الذي استهوته الشياطين، فأضلته عن سبيل الهدى حتى لا يدري إلى أين يسير، يقول تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام آية ٧١. وذلك كله من كمال رحمته بعباده فإن رحمته جل شأنه تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، واسمه الرحمن متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب. أعظم من تضمنه، إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب. فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح، أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح [٦] . أما من الناحية الجسمية:

стр. 12750

فقد خلق له ما في الأرض جميعاً، وسخر له ما في السماوات والأرض، وكان من عنايته أن أوجده في المكان الموافق لحياته [٧] ، فالأرض التي وجد عليها، وهي المكان الذي اختاره الله ليكون مقرا لهذا الإنسان، قد زودها بكل مستلزمات الحياة، من ماء وهواء، وتربة صالحة للزرع والبناء وغير ذلك. فهي المهاد، والفراش، والمسكن الذي أعده الله بكل احتياجات البشر الضرورية، منها وغير الضرورية، ففيها الغذاء والدواء، والمشرب، والملبس، والمركب، يقول تعالى في معرض الامتنان على عباده بما أسداه إليهم من النعم التي لا تحصى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ إبراهيم الآية ٣٣_٣٤. الحر والبرد:

стр. 12751

اقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية، تعاقب الحر والبرد، لما في ذلك من مصالح للبلاد والعباد، وقد ربط السميع العليم ذلك بتصريف الشمس وتقدير مطالعها في منازلها المختلفة منزلة بعد أخرى، وبسبب ذلك التنقل الذي قدره الله تحدث تلك الفصول المتعاقبة فيظهر البرد، وبظهوره تختفي الحرارة، وتبرد الظواهر، فيكون ذلك سبباً لاستكشاف الهواء، فيحصل السحاب والمطر الذي به حياة الأرض ومن عليها، ويعقب نزول المطر إخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ سورة ق آية ٩_١١. فمن عنايته بعباده ورحمته بهم إخراج تلك الأقوات والثمار، والحبوب، والفواكه متعاقبة متلاحقة شيئاً بعد شيء، ولم يخلقها جملة واحدة، فإنها لو خلقت كذلك، على وجه الأرض لفاتت المصالح التي رتبت على تلاحقها. ومن كمال عنايته ورحمته دخول فصل الحر الذي به يحصل نضج تلك الثمار واستواؤها ولولا تقديره لذلك وتيسيره لبقيت فجة غير صالحة لأكل ولا ادخار؛ كل ذلك حاصل بتقدير من الحكيم العليم الذي عاقب بها تلك الفصول، التي يقتضي كل فصل منها من الفواكه، والنبات مالا يقتضيه الفصل الآخر، فهذا حار، وهذا بارد، وهذا معتدل، وكل نوع في فصل موافق للمصلحة التي خلق من أجلها؛ كما أن من رحمته أن جعل في دخول أحدهما -الحر والبرد- على الآخر بتدرج، إذ جعل سبحانه بين الحر الشديد، والبرد القارس، برزخا ينتقل فيه الحيوان، على ترتيب وتمهل، لطفا به، ورحمة لضعفه لأنه لو انتقل دفعة واحدة، من الحر الشديد، إلى البرد القارس، لعظم ضرره، وأشتد أذاه؛

стр. 12752

وفي ذلك حكمة بالغة، وآية باهرة، ولولا العناية الإلهية، والحكمة الربانية، والرحمة والإحسان لما كان ذلك؛ وهل يمكن أن يقال: إن هذا التقدير والتدبير حادث بالاتفاق والمصادفة؟ أو أنه صادر من فاعل مختار قدر ذلك وأراده؟ فلو قال قائل إن السبب في ذلك التدرج والمهلة، إنما كان لإبطاء سير الشمس في ارتفاعها إلى مستوى خط الاستواء مثلا ثم انخفاضها عنه. قيل له فما السبب في ذلك الانخفاض والارتفاع؟ ولو قال إن السبب في ذلك هو بعد المسافة بين مشارقها ومغاربها. لتوجه السؤال أيضا عن السبب في بعد المسافة؟. ولا تزال الأسئلة متوجهة. كلما عين سبباً حتى تفضي به إلى أحد أمرين: - إما مكابرة ظاهرة ودعوى أن ذلك حاصل بالاتفاق من غير مدبر ولا صانع. - وإما الاعتراف برب العالمين، والإقرار بقيوم السماوات والأرضين، وأنه الفاعل المختار المقدر لذلك: إذ ليس بين الأمرين واسطة، إلا هوس الشياطين وخيالات المبطلين، التي إذا طلع الفجر عليها فجر الهدى كانت في أول المنهزمين والله متم نوره ولو كره الكافرون [٨] . معرفة الحساب: ولما كانت حاجة الناس إلى معرفة الحساب من الأمور الضرورية التي لا غناء لهم عن معرفتها، فبالحساب يعرفون مواقيت الديون المؤجلة، والإِجارات، وعقود المعاملات على اختلاف أنواعها، كما أن به تعرف العدد، وتحدد مواعيد المعاهدات، والعبادات، وغير ذلك لأن معرفة هذه الأمور ضرورية لحياة الناس ومعاملاتهم، وهي قائمة على معرفة الحساب. الذي ربطه السميع العليم بهذين القمرين النيرين: الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ البقرة آية ١٨٩.

стр. 12753

فخلق الله تعالى للقمر من عجائب آياته الدالة على عنايته بعباده، إذ يًُبديه الله تعالى كالخيط دقيقاً، ثم يتزايد نوره شيئاً فشيئاً كل ليلة إلى أن يصير بدراً، ثم يأخذ الاستدارة في النقصان حتى يعود [٩] كالعرجون القديم، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ يس آية ٣٩. فيتميز بذلك عدد الأشهر والسنين، ويقوم حساب العالم، فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر في منازله تعرف الشهور والأعوام، لأنه لو كان الزمن نسقاً واحداً متساوياً سرمداً، لما عرف شيء من ذلك، وقد نبه الله عباده إلى ذلك حيث يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يونس آية هـ. ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ الإسراء آية ١٢. المبحث الثالث- دليل النظام: النظام، والإتقان والتقدير في هذا العالم، شامل لجميع مخلوقات الله كلها، ذلك أن الكون منظم ومنسق، وانتظامه مرتبط بإرادة الله وقدرته، كما أن استمراره على هذه الحال منوط باختيار الله تعالى ومشيئته. قال تعالى: ﴿صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ النمل آية ٨٨. وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ الفرقان آية ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر آية ٤٩.

стр. 12754

فلا عبث إذن ولا فوضى، وإنما هو نظام وإتقان وتقدير وتدبير، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ص آية ٢٧. وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون آية ١١٥ تعالى الله عن ظن الكافرين علواً كبيرا. وقد بين الله في القرآن الكريم دقة هذا النظام الكوني، الذي جعله خالقه أية من آياته الدالة على وجوده، وقدرته، وعلى علمه وحكمته، وإتقان مصنوعاته، فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يس الآية ٣٧-٤٠. ودليل النظام يعتمد على دليل الخلق، غير أنه يزيد عليه التوضيح والبيان لما في ذلك الخلق من إبداع، واختراع، وتنظيم، وإتقان، وما تدل عليه، هذه المخلوقات من قصد في إيجادها وحكمة في تسييرها وتدبيرها.

стр. 12755

ودليل النظام من الأدلة التي يدركها العقل الإنساني ويرضاها بيسر وسهولة لأنه لا يحتاج في إدراك مدلوله إلى كد ذهن وإعمال فكر، وغوص في لجج الاستدلالات المنطقية الجافة، لأنه خطاب موجه ممن يعلم طبائع النفوس البشرية، فاقتضت حكمته الإلهية، أن يخاطب الناس كافة، بالدليل الأيسر، والأسهل والأوضح، والذي يزداد على مر الأيام وضوحاً، وكلما تقدمت وسائل العلم، وانكشفت أسرار النواميس الدالة على النظام [١٠] والإتقان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ فصلت آية ٥٣. فلو نظر الإنسان في عالم الأفلاك والكواكب، لرأى عجائب الخلق متجلية، ودلائل النظام والإتقان واضحة، فهي تسير على نظام ثابت لا يختل، كل كوكب منها يسير في مدار لا يتعداه، وانتظام دورته في زمن معين لا يتجاوزه، واختصاص كل كوكب بوظيفة خاصة يؤديها حسب ما قدر له، كل ذلك بحساب دقيق مقدر لا يزيد ولا ينقص فحركتها دائبة من غير فتور ولا خلل وذلك بتقدير من العزيز العليم. إن ذلك كله ينبئ عن دقة في الصنع، وإحكام في النظام، وتحديد للهدف المقصود. وقد أشارت الآية الكريمة إلى تلك الدقة المتناهية، حيث تقول: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، فسير الشمس والقمر بحساب دقيق جعل أحدهما لا ينبغي له أن يدرك الآخر، ولا يسبقه، لأنهما لم يوجدا بالاتفاق والمصادفة، وإنما وجدا بالقصد والإرادة والاختيار، وكان سيرهما وحركتهما بتقد ير العليم الحكيم. يقول سيد قطب في تفسير الآية- ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ِْ ... ﴾ الخ

стр. 12756

.. ومشهد قدوم الليل، والنور يختفي، والظلمة تغشى.... مشهد مكرر يراه الناس في كل طبقة من خلال أربع وعشرين ساعة (فيما عدا بعض المواقع التي يدوم فيها النهار، كما يدوم فيها الليل أسابيع وأشهرا قرب القطبين في الشمال والجنوب، وهو مع تكراره اليومي عجيبة تدعوا إلى الأمل والتفكر، والشمس تجري لمستقر لها) .. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة، تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، تدرك طرفاً من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود، عن قوة وعن علم ... ذلك تقدير العزيز العليم ... إلى أن يقول ... وأخيرا يقرر القرآن دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . ولكل نجم أو كوكب فلك أو مدار، لا يتجاوزه في جريانه، أو دورانه، والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة، وقد قدر خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب ووضع (تصميم) - تنظيم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم والتصدع،- حتى يأتي الأجل المعلوم- فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل يسبق النهار ولا يزحمه في طريقه لأن الدورة التي تجيء بالليل والنهار لا تختل أبداً فلا يسبق أحدهما الآخر في الجريان- ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ) [١١] .

стр. 12757

ودورة الشمس والقمر والكواكب، ليست مضبوطة بالساعة، أو الدقيقة، وإنما هي مضبوطة بسرعة الضوء أو الشعاع، الذي قدرت سرعته بقطع، (١٦٨) ألف ميل في الثانية تقريباً [١٢] يؤيد ذلك ما نقله ابن القيم وأقره، من اتفاق أرباب الهيئة وعلمائها، من أن الشمس بقدر الأرض مائة [١٣] ونيفاً وستين مرة، والكواكب التي نراها كثير منها أصغرها بقدر الأرض قال: وبهذا يعرف ارتفاعا، وبعدها، وأنت ترى الكوكب كأنه لا يسير، وهو من أول جزء من طلوعه إلى تمام طلوعه يكون فلكة قد طَلعَ بقدر مسافة الأرض مائة مرة مثلا، وهكذا يسير على الدوام، والعبد غافل عنه وعن آياته [١٤] . المبحث الرابع- ((مسلك المتكلمين، والفلاسفة في إثبات وجود الله تعالى)) : بعد أن عرضنا مسلك القرآن الكريم في إثبات وجود الله تعالى، وهو الأصل في هذا البحث، ذلك أن معرفة الله تعالى، المعرفة الحقة وإثبات وحدانيته هما المطلب الأول، رأينا أن نذكر فكرة موجزة عن المسالك الأخرى في إثبات وجود الله تعالى، حتى يطلع القارئ على الفرق بين المسلكين، وسأتبع في ذلك مسلك الإيجاز، وسيكون كلامي هنا مختصراً لا إطناب فيه، إذ المقصود هو التمايز بين منهج القرآن الكريم وغيره من المناهج، لقول القائل: فبضدها تتميز الأشياء، فيدرك الفرق بينهما، ويتضح مسلك القرآن اتضاحاً كاملا، ويمتاز امتيازاً تاماً، ولأنه قد قيل أيضاً: إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ألم تر أن السيف ينقص قدره

стр. 12758

أولا- مسلك المتكلمين: يذهب جمهور المتكلمين [١٥] إلى إثبات وجود الله تعالى، عن طريق حدوث العالم، ذلك أن الحدوث عندهم هو العلة المحوجة إلى المؤثر، فإذا ثبت أن العالم حادث فلا بد له من محدث، يبرزه من حيز العدم إلى حيز الوجود، وهذه قضية بدهية عندهم، فمن رأى بيتاً مبنياً منسقاً علم أنْ له بانياً ضرورة، إلا أن بعض مشايخ المعتزلة يرون أن هذه القضية استدلالية، وليست بدهية [١٦] والواقع خلاف ما قالوا. ولا شك أن القرآن الكريم، قد أشار في مسلك إثبات وجود الله تعالى إلى مسلك حدوث العالم أيضاً بالإِضافة إلى المسالك الأخرى التي أرشد إليها، ولكن الفرق بين المسلكين، مسلك المتكلمين، ومسلك القرآن هو في الطريق إلى معرفة كيفية إثبات هذا الحدوث. فبينما نجد القرآن الكريم يسلك بالمخاطبين سبيل الحس والمشاهدة، لإِدراك حدوث العالم، عن طريق حدوث أعيان الأشياء وتغييرها، كحدوث السحاب المسخر بين السماء والأرض، وكإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض بالنبات، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ وكخلق السماء والأرض، والإبل، والإنسان نفسه، كما في هذه الآيات. التي يقول الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة آية ١٦٤.

стр. 12759

فقد جعل الله تعالى هذه الأعيان الحادثة، التي يدركها الإنسان إدراكاً مباشرا آيات ودلائل على وجود خالق ومحدث لها، حيث يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ كما أنها أشارت إلى حدوث الأعراض أيضا، فالرياح أعيان، وتصريفها وحركتها أعراض [١٧] لها، وكلاهما يدرك بالحس. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الغاشية آية ١٧. وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِق، َ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ الطارق آية ٥_٦. وقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الطور آية ٣٥. فهذه المذكورات في هذه الآيات أَعيان حدثت بعد أن لم تكن، فدل وجودها بعد عدمها على أن لها موجداً، إذ لو كانت واجبة الوجود بنفسها لامتنع عليها العدم، هكذا يثبت القرآن الكريم حدوث العالم، ويبين تغيره المستمر، الذي لا يختص بمعرفته شخص دون آخر، إلى غير ذلك من الآيات التي تخاطب الناس بما يشاهدونه ويلمسونه في حياتهم اليومية، بل وفي أنفسهم. ولهذا يقول أبو الحسن الأشعري: "إن الإنسان إذا فكر في خلقه من أي شيء ابتدأ، وكيف دار في أطوار الخلقة طوراً بعد طور، حتى وصل إلى كمال الخلقة، وعرف يقيناً أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقته، وينقله من درجة إلى درجة، ويرقيه من نقص إلى كمال، علم بالضرورة، أن له صانعاَ قادراً عالماً مريداً، إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال المحكمة من طبع، لظهور آثار الاختيار في الفطرة، وتبين آثار الإحكام والإتقان في الخلقة، فله تعالى صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها" [١٨] . ويؤكد ابن تيمية أن أَحسن استدلال وأوضحه على وجود الله تعالى، هو الاستدلال بخلق الإنسان نفسه، كما كرره القرآن، إذ هو الدليل وهو المستدل ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات آية ٢١. ثم بما يحدثه الله في هذا العالم من آثار [١٩] .

стр. 12760

بينما نجد القرآن الكريم يسلك هذا المسلك، إذا بالمتكلمين يسلكون لإِثبات حدوث العالم طريقاً صعب المنال حتى على المتخصصين، فضَلاً عن الجمهور، وذلك لاصطلاحاتهم التي بنوا عليها حدوث العالم، فهم يقولون مثلاً: العالم جواهر وأعراض، وقد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما، إما بحدوثه أَو بإمكانه، والأعراض بعضها حادث بالمشاهدة، كالضوء بعد الظلمة والوجود بعد العدم والحركة بعد السكون، وبعضها بالدليل، وهذه الأعراض تقوم بالجواهر، فدل حدوثها على حدوث الجواهر. فهذه المقدمات يصعب فهمها على الإِنسان. فما الجوهر؟ وما العرض؟ مثلا. لقد اختلف المفكرون في تحديد كل منهما اختلافا بيناً. فهل يمكن أن يدْرَك كل واحد منهما بالحس إدراكاً مباشراً، كما يدرك الإنسان حدوث أعيان السحاب والماء؟ وأعراض تصريف الرياح؟؟. أو أنه يحتاج إلى الاستدلال على وجود الجواهر، وعلى تعلق الأعراض بها، إذ أنها لا تنفك عنها في نظرهم، ثم يقيم الدليل على حدوث الأعراض، ثم على حدوث الجواهر، لقيام الأعراض بها، ويثبت كل ذلك أولاً، فإذا ثبت له ذلك استدل على أن لها محدثاً ثانياً. الواقع أنهم يذكرون هذه المقدمات، ليستدلوا بها على إثبات حدوث الجواهر، والجَوْهر المقصود به الذاتْ المتحيزة، مبني على نظرية الجواهر الفردة، وهو التي تقول: إن العالم مكون من ذرات، أَي من أجزاء لا تتجزأ، ثم من اجتماع تلك الذرات تتكون الأجسام، فالذي يحدث في الأجسام هو تجمعها [٢٠] ، والتجمع عرض. أما حدوث الجواهر فيعلم بالاستدلال بحدوث تلك الأعراض، لا بمشاهدة حدوث الأعيان ذاتها، وذلك لأن الجواهر التي تكونت منها هذه الأجسام قبلت الاجتماع والافتراق، وما كانت صفته كذلك فهو حادث، على قولهم ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.

стр. 12761

ولكن هذه النتيجة غير مسلمة، بل يعترض عليها من يثبت الله تعالى صفات الأفعال الاختيارية الواردة في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة فهي قضية مطعون فيها. فكأن المستدل على وجود الله تعالى بحدوث العالم عن هذا الطريق يحتاج إلى ما يأتي: أولاً: إلى إثبات الجواهر الفردة. ثانياَ: إلى إثبات حدوثها. ثالثاً: ثم الاستدلال بعد ذلك على أن لها محدثا. وهكذا نرى أن طريقة المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى، شاقة، وصعبة المنال حتى على المتخصصين فضلا عن الجمهور، مع الاعتراضات الموجهة إليها، والواردة عليها، ثم بطلان نظرية الجوهر الفرد علميا الآن، فالجوهر الفرد عندهم هو الجزء الذي لا يتجزأ، وقد أثبت العلم الحديث تجزأه، فدل ذلك على فساد النظرية، ثم إن هذه النظرية مأخوذة عن الماديين الطبيعيين، من فلاسفة اليونان ذلك أَن الواضع لنظرية (الجوهر الفرد) هو (ديمقريطي [٢١] ٤٧٠ ق. م) الفيلسوف الذي قرر أن هذا العالم يتركب من جزئيات غاية في الصغر، وأنها لا نهاية لها، وهي (الجواهر الفردة) ، ورأَى أن هذه الجواهر تتجمع، وتتفرق من تلقاء نفسها، وبواسطة حركة ذاتية فيها، فيتكون من اجتماعها الأجسام ومن تفرقها عدم الأجسام، وهذه الحركة لم تستمدها الجواهر من أية قوة أَخرى أو أصل آخر، وإنما من طبيعتها) [٢٢] . وهذه نظرية من لا يؤمن بخالق لهذا الكون ومن فيه. وقد أثبت العلم بطلان هذه النظرية، كما أثبت الشرع أن كل حركة لابد لها من محرك. ثانياً- مسلك الفلاسفة: أما الفلاسفة الإلهيون فلم يسلكوا في الاستدلال على وجود الله تعالى مسلك المتكلمين، وهو الاستدلال بالحادث على المحدث، أو بالصنعة على الصانع، وإنما سلكوا مسلكاً آخر، هو ما يسمى في عرف العلماء بدليل الإمكان، كي يثبتوا به الواجب.

стр. 12762

فقد قالوا: إن الموجود لا يخلو من أن يكون واجبا أو ممكناً، والواجب ما كان وجوده من ذاته، والممكن ما كان وجوده من غيره، أي أنّ الممكن مالا يكون وجوده أولى من عدمه بحسب ذاته، وحينئذ فلا بد له من مؤثر يرجح جانب الوجود على جانب العدم، هذا المؤثر إما أن يكون واجب الوجود بذاته، أَو ممكن الوجود، فإن كان واجب الوجود بذاته ثبت وجود الواجب وهو المطلوب. وإن كان ممكن الوجود احتاج إلى علة ترجح وجوده على عدمه، وتسلسل الممكنات إلى غير نهاية ممتنع، إذ لابد من الانتهاء إلى علة غير محتاجة إلى علة أخرى توجدها، هذه العلة عندهم هي (واجب الوجود) أي الله تعالى. وفي ذلك يقول ابن سينا في كتابه: النجاة: "لا شك أن هنا وجوداً، وكل وجود فإما واجب أَو ممكن، فإن كان واجباً فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب. وإن كان ممكناً فإنا نوضح أَن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود ... ثم ينهى ابن سينا سلسلة الممكنات إلى علة واجبة الوجود، إذ ليس لكل ممكن علة ممكنة بلا نهاية" [٢٣] . ويقول في كتابه: الإشارات والتنبيهات، مشير إلى هذا المعنى: "كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه، أو لا يكون، فإن وجب فهو الحق بذاته الواجب الوجود من ذاته، وهو القيوم. وإن لم يجب لم يجز أن يقال إنه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً، أي في قولنا كل موجود بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته صار ممتنعاً، أو مثل وجود علته صار واجباً وإن لم يقرن بها شرط، لا حصول علة ولا عدمها بقي له في ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان: فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع. فكل موجود إما واجب الوجود بذاته. أو ممكن الوجود بحسب ذاته" [٢٤] .

стр. 12763

وعلى ذلك فالممكن في نظر الفلاسفة ليس وجوده من ذاته بل من غيره، فإن من الممكن في حد ذاته ليس وجوده بأولى من عدمه، فإذا وجد فلا بد أن يكون ذلك بمؤثر خارج عن ذاته، وفي ذلك يقول ابن سينا: "ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجوداً من ذاته، فإنه ليس وجوده أولى من عدمه، من حيث هو ممكن، فإن صار أحدهما أولى فلحضور شيء أو غيبته" [٢٥] . ولكن قد يقال: هذا الواجب بذاته الذي أَثبته ابنا سينا، والفارابي [٢٦] من قبله، هل هو الله الخالق للعالم بقدرته ومشيئته واختياره، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ القصص آية ٦٨. وكما قال تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الزمر آية ٦٢. الواقع أن فلاسفة الإسلام لم يثبتوا للعالم خالقا ومدبراً أوجد العالم بمشيئته واختياره، وإنما أثبتوا واجب وجود بذاته، هو- (الله) وجعلوه علة تامة، صدر عنها معلولها من غير اختيار ولا مشيئة، كصدور شعاع الشمس عنها. أما خلق العالم وتدبيره، فقد أحالوه على العقول والأفلاك التي انفصلت عنه تعالى، عند تعقله لذاته، بدون اختياره ومشيئته، وبواسطة تلك العقول كان الخلق والتدبير، والإيجاد والإعدام. أما الله -واجب الوجود-عندهم-، فلا صلة له بالعالم، لا من ناحية الخلق، فالخلق والتأثير إنما هو للعقول والأفلاك الناشئة عنه بطريق العلية، ولا من ناحية العلم فهو لا يعلم الجزئيات الكائنة في العالم، بل يعلم النظام العام للكون، ذلك لأن الجزئيات ناقصة، والله كامل، وعلم الكامل بالناقص ينقصه في نظرهم. وبعد: فهذه نبذة عن بعض أراء الفلاسفة في إثبات وجود الله ، وبعض صفاته.

стр. 12764

والمتأمل فيها، مع ما سبق عرضه من كتاب الله تعالى في إثبات وجود الله ، يدرك أن –الإله- الذي أَثبته الفلاسفة، هو غير -الإله- الذي جاء وصفه في كتاب الله تعالى-القرآن الكريم- من أنه الخالق، القادر، المدبر، الحافظ لهذا العالم بمشيئته واختياره، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، والقائل مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ البقرة آية ١٨٦. وهو الذي علم عباده المؤمنين به أن يدعوه في السراء والضراء. أما إله الفلاسفْة، فلا يعلم عن العالم شيئاًَ، لأنه لم يخلقه باختياره، ولذلك فهو لا يفكر فيه وإنما تفكيره في ذاته فلا يعقل سواها. لأن واجب الوجود بذاته عندهم، عقل، وعاقل، ومعقول [٢٧] . -------------------------------------------------------------------------------- [١] سيد قطب (في ظلال القرآن جـ ٣/ص ٣١١ و٣١٢ الطبعة الثانية سنة ١٩٦١ م دار إحياء التراث العربي بيروت -لبنان-. [٢] من كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص ٥٢، تأليف نخبة من العلماء الأمريكيين بمناسبة السنة الدولية لطبيعيات الأرض ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان، الطبعة الثالثة سنة ١٩٦٨ م الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع القاهرة. [٣] ليكونت ديونوي: مصير البشرية ص ١٣٠ ترجمة الأستاذ أحمد عزت طه، وعصام أحمد طه، مطابع فتى العرب شارع الفردوس-دمشق التاريخ بدون.

стр. 12765

[٤] الحياة في لغة المتكلمين عرض، والماء والطين جوهر، والعرض لا يقوم بنفسه والله القادر خلق آدم من طين. ثم نفخ فيه من روحه، فدبت فيه الحياة، وكذلك جعل نسله من ماء مهين، ثم يأخذ ذلك الماء أطوره التي تحدث عنها القرآن، وبينت السنة وقت وكيفية نفخ الروح في ذلك الجنين فندب فيه الحياة، وكلام الشيخ نديم الجسر عن الحياة هو كلام عن الخلق، والخلق أعم من الحياة، ولكنهما متلازمان إذ الحياة لا تقوم بنفسها، وإنما تقوم في ذلك المخلوق المكون من الماء والطين، وهذا الذكر يريده الشيخ لكلامه، والله أعلم. [٥] الشيخ نديم الجسر (قصة الإيمان ص ٤٢٣_٤٢٥) بتصرف الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م منشورات المكتب الإسلامي، بيروت. [٦] ابن القيم، مدارج السالكين جـ ١ ص ٨ تحقيق محمد حامد فقي، الناشر دار الكتاب العربي بيروت لبنان، مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٥ هـ ١٩٥٦ هـ. [٧] ابن رشد الكف عن مناهج الأدلة ص ١٠٩_١١٠ الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٨ هـ - ١٣٦٨ م. [٨] ابن القيم مفتاح درا السعادة ج ١-١٩٨٠-٢١٥ بتصرف. [٩] ابن القيم، مفتاح دار السعادة ج ١ ص ١٩٨ وابن كثير، التفسير ج ٢ ص ٤٠٧. [١٠] الشيخ نديم الجسر، قصة الإيمان ص ٢٨١ بتصرف. [١١] سيد قطب، في ضلال القرآن ج ٧ ص ٢٥-٢٦. [١٢] الشيخ نديم الجسر، قصة الإيمان ص ٣٠٤ ومحمد قطب منج التربية الإسلامية ص ٩٤. [١٣] قلت هذا التقدير حسب وسائلهم التي توصلوا بها إلى هذا التقدير وإلا فالعلماء اليوم يقدرون الحجم أكبر بكثير من ذلك، كما ذكر السيد قطب في النص الذي نقلناه عنه. [١٤] ابن القيم مفتاح دار السعادة جـ ١ ص ١٩٨. [١٥] وإنما قلت جمهور المتكلمين، لأن منهم من يستدل على وجود الله بإمكان العالم كالفلاسفة. [١٦] الايجي، شرح المواقف ج ٨ ص ٣. [١٧] ابن تيمية، النبوات ص ٥٠.

стр. 12766

[١٨] الشهرستاني، الملل والنحل جـ ١ ص٩٤ طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة سنة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٨ م الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع – القاهرة. [١٩] ابن تيمية جـ ١٦ ص ٢٦٢ الطبعة الأولى سنة ١٣٨٢ هـ مطابع الرياض. [٢٠] ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص ٧٩، ٨٠. [٢١] فيلسوف يوناني، وجد في القرن الخامس الميلادي، الدكتور محمد السيد نعيم والدكتور عوض الله جاد حجازي، في الفلسفة الإسلامية وصلاتها بالفلسفة اليونانية ص ٣١ الطبعة الثانية سنة ١٣٧٩ هـ- ١٩٥٩ م. [٢٢] أ. س رابويرت، مبادئ الفلسفة، ترجمة أحمد أمين ص ٢٥٢، الناشر، دار الكتاب العربي بيروت سنة ١٩٦٩ م. [٢٣] ابن سينا، النجاة ص ٢٣٥ الطبعة الثانية سنة ١٣٥٧ هـ - ١٩٣٨ م. [٢٤] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات ص ٤٤٧ حـ ٣، القسمان الثالث والرابع تحقيق د. سليمان دنيا، مطبعة دار المعارف بمصر سنة ١٩٥٧ م. [٢٥] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات ص ٤٤٨ جـ ٣. [٢٦] الدكتور محمد السيد نعيم، والدكتور عوض الله حجازي في الفلسفة الإسلامية، وصلاتها بالفلسفة اليونانية ص ٢٢٠، الطبعة الثانية سنة ١٣٨٩ هـ - ١٩٥٩ م دار الطباعة المحمدية بالأزهر بالقاهرة. [٢٧] ابن سينا – النجاة ص ٢٤٣.

стр. 12767

مفهوم الأسماء والصفات سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية أحمد الله ﵎، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، وأسأل الله ربي أن يديم علينا نعمة عقيدة التوحيد، وأن يثبت قلوبنا عليها، وأن يختم لنا بها ختام الإيمان. وإتماما للحلقات السمع الماضية، أواصل -بحول الله وقوته- بحثي في محاولة لبيان ما يوفقني الله تعالى إلى فهمه من معاني أسمائه الحسنى. * وقد كان البحث في الحلقات السابقة في اسم (الحميد) سبحانه، وأنه قد اقترن باسم (الغني) سبحانه عشر مرات، ذكرتُ منها بعضا، أضيفُ إليه قولهُ تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم:٨) . والمعنى أنه سبحانه غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإنْ كفره من كفره، كقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ، وفى صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلاِ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أَولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أَفجر قلب رجل واحدٍ منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أَن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر" فسبحانه وتعالى الغني الحميد [١] . وقد جاء في جامع البيان أن معنى الآية أَن الله غني عن خلقه وشكرهم، وهو سبحانه مستحق للحمد في ذاته، وإن لم يحمده الحامدون [٢] .

стр. 12768

وذكر الإمام الشوكاني أن معنى الآية أَن الله تعالى غني عن شكركم، لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص، وهو سبحانه مستوجبٌ للحمد لذاته، لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة [٣] . وجاء في تيسير الكريم الرحمن أن المعنى أن الطاعات لا تزيد في ملكه والمعاصي لا تنقص، وهو كامل الغنى، حميد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ليست له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل [٤] . وجاء في صفوة التفاسير أن معنى الآية أنه سبحانه غني عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته، وهو المحمود وإن كفره من كفره [٥] . أقول: واقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الغني) جل وعلا، أفهم منه أنه ﵎ هو الغني غنىً مطلقا، وجميع خزائن أنواع الخير لديه، بَيْدَ أنه لا يُنزل منها على عباده إلا بمقادير معينة بحكمة تامة، كما يقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجرات آية ٢١) ، ومن ثم فهو سبحانه لا يحتاج إلى واحد من خلقه مهما علا قدره وامتد سلطانه، إذ الحاجة مظهر من مظاهر الضعف، والضعيف المحتاج إلى غيره لا يصلح أَن يكون إلهاً، ولما كان الله من صفاته الغنى المطلق عن كل ما خلق، فإنه الجدير حقاً بأن يكون رباً وإلهاً لجميع ما خلق، وأنَّ كل خلقه محتاجون إليه أعظم احتياج، ومدينون له بكافة أنواع الحمد، لأنه مصدر كافة أنواع النعم، وفي هذا يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر آية ١٥) .

стр. 12769

وقد اقترن اسم (الحميد) سبحانه باسمه (العزيز) ثلاث مرات [٦] وذلك في قوله تعالى: ﴿الر، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم آية ١) . وتقتضي الفائدة- ولو أن موضعها في هذا المقام استطرد أرجو أن يكون نافعاً إن شاء الله- أن أوجز ما قيل في الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم بمناسبة ذكر آية مفتتح سورة إبراهيم ﵇ ، وذلك على الوجه التالي: تبلغ الحروف في أوائل السور- بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفاً، وهي (أ-ل-م-ص-ر-ك-هـ- ع- ي- ط- س-ح-ق- ن) يجمعها قولك (نَص حَكِيمٌ قَاطِعٌ له سر) وهي نصف حروف الهجاء عدداً- وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة قال عنها الزمخشري إنها على أصناف أجناس الحروف يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة. ومن حروف القلقلة، ثم قال: وقد جاء منها على حرف واحد مثل (ص-ن-ق) ، وعلى حرفين مثل (حم) ، وعلى ثلاثة أحرف مثل (الم) ، وعلى أربعة مثل (المر- المص) ، وعلى خمسة أحرف مثل (كهعيص- حم عسق) لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة. وعلى أربعة، وعلى خمسة لا أكثر. وقد اتجه المفسرون في الحروف المقطعة اتجاهين: الاتجاه الأول: أنها مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها.

стр. 12770

والاتجاه الثاني: فسروها واختلفوا في معناها، فقيل: إنها أسماء للسور، وذلك لما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم السجدة، وهل أتى على الإنسان". وقيل: إنها اسم من أسماء الله تعالى- فقد روى ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال (سألت السدي عن حم وطس وألم فقال: قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم) . وأما عن الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور فقد ذكرت أقوال لعل أصحها أنها وردت بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا القول الرازي عن المبرد وجمع من المحققينْ، والقرطبي عن الفراء وقطرب، وحكاه الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وحكاه عنه الحافظ أبو الحجاج المزي.

стр. 12771

وقد ذهب إلى هذا الرأي الحافظ ابن كثير وقال: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة آية ١. ٢) ، ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾ (آل عمران آية ١. ٢. ٣) ، ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف آية ١. ٢) ، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ (إبراهيم آية ١) ، ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة آية ١، ٢) ، ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى آية ١، ٢، ٣) ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم [٧] . هذا ما يتعلق بالحروف المقطعة. أما آية مفتتح سورة إبراهيم فمعناها- بعد الحروف المقطعة- أن هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم، لتخرج به الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، بإذن ربهم لأنه هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره، يهديهم إلى صراط العزيز الذي لا يمانَع ولا يغالَب، بل هو القاهر لكل ما سواه، الحميد أي المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وأمره، ونهيه، الصادق في خبره [٨] .

стр. 12772

وقال الإمام الشوكاني إن معنى الآية المذكورة أننا أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، لتخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية، جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور، واللام في: لتخرج للغرض والغاية، والتعريف في الناس للجنس. والمعنى: أنه ﷺ يخرج الناس بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا إليه من النور، وذلك بإذن ربهم إلى صراط العزيز القادر الغالب، الحميد الكامل في استحقاق الحمد [٩] . ومعنى الآية في جامع البيان: أنه كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس بدعوتك إياهم إلى ما فيه من أنواع الضلال إلى الهدى بأمر الله وتوفيقه إلى صراط العزيز الغالب، الحميد المستحق للحمد [١٠] . ومعنى الآية في تفسير الكريم الرحمن: أنه تعالى نزل كتابه على رسوله محمد ﷺ لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل، والكفر، والأخلاق السيئة، وأنوع المعاصي إلى نور العلم والإيمان، والأخلاق الحسنة، ولا يحصل منهم المراد المحبوب لله إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الإستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال: إلى صراط العزيز الحميد، أي الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به. وفى ذكر العزيز الحميد بعد ذكر الصراط المتصل إليه إشارة إلى أن من سلكه فهو عزيز بعزة الله، قوي ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في أموره، حسن العاقبة، وليدل ذلك على أن صراط الله من أكبر الأدلة على ما لله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأن الذي نصبه لعباده عزيز السلطان، حميد في أقواله، وأفعاله، وأحكامه، وأنه مألوه معبود بالعبادات التي هي منازل الصراط المستقيم [١١] .

стр. 12773

ومعنى الآية في صفوة التفاسير: أن هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة، فأتوا بمثله إن استطعتم، وقد أنزلناه عليك يا محمد لم تنشئه أنت، وإنما أوحيناه إليك، لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان، بأمر الله وتوفيقه، إلى طريق الله العزيز الذي لا يغالب، المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان [١٢] . أقول: واقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) جل وعلا، أفهم منه أنه ﵎ هو العزيز بعظمته وجلاله وقدرته وقهره وغلبته وسلطانه على كل ما خلق، وأن العزة صفة من صفات كماله، فمن أرادها فليهرع إلى مالكها لينقذه من ذلته، ويعزه سبحانه بعزته، كما أمرنا تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ (فاطر آية ١٠) ، ومع ذلك فلو نال العبد العزة من خالقه سبحانه، فإن عزته محدودةٌ بحدود تناسب بشريته وما جبلها الله عليه من طاقات وقُدرْات، لكن عزة الله ذي الجلال مطْلقَةٌ لاَ نِهَايَةَ لها تًناسب عظمته وجلاله. ورغم أنه جل وعلا العزيز القوي، الغالب، القاهر، فهو كذلك المحبوب، (الحميد) سبحانه، بمعنى المحمود المستحق أن يحمد بجميع أنوع المحامد، حتى ولو لم يحمده بعض العُمي المتخبطين ممن جحدوا نعمه وفضله وكماله وجلاله، إذ هو الجدير بكافة ألوان الحمد، والأهل لها، على وجه الثبات والاستمرار، ذلك بأن صفات كماله سبحانه – ومنها صفة العزة وصفة الحمد- ملازمة له لا تنفك عنه لحظةً ما، فمن أراد كذلك أن يحَمد على قوله، وعلى فعله، فليلتزمْ نهجَ (الحميد) سبحانه، ولنا في رسولنا الكريم محمد ﷺ أسوة حسنة، إذ أنه حين التزم نهج الله (الحميد) كان مما وعده تعالى به يوم القيامة أن يبعثه مقاماً يحمد فيه وذلك في قوله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (الإسراء آية ٧٩) .

стр. 12774

وعاب الله على أولئك الذين ساءت أفعالهم، ورغم ذلك يحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال، ثم توعدهم سبحانه بالعذاب الأليم، فقال جل وعلا: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران آية ١٨٨) . والذي ألفه الناس فيما يتعاملون به بينهم، أن الشخص إذا كان قوياً متسلطاً على غيره، غالباً قاهراً لمن دونه، أن يكون مثل هذا الشخص مكروها غير محبوب ولا ممدوح، لكن الله -ولله المثل الأعلى- رغم سلطانه وقوته، وقهره وغلبته، وهيمنته وعزته، فإنه تعالى هو المحبوب غاية الحب لكمال نعمه على خلقه، وهو الحميد المحمود غاية الحمد لكمال صفاته التي تغاير تماماً صفات خلقه، وإن اشتركت أحياناً ألفاظ هذه الصفات، ذلك بأنه سبحانه لا يمَاثِلُهُ واحدٌ من خلقه، ولا يماثِلُ واحداً من خلقه، فهو تعالى كما وصف نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى آية ١١) . أي ليس له تعالى مثيل ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد. وقال القرطبي: والذي يعتَقَدُ في هذا الباب أن الله -جلّ أسمه- لا يشبه شيئاً من مخلوقاته. ولا يشبَّه به أحد، وما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات الخالق بخلاف صفات المخلوقات، وإذْ صفاتهم لا تنفكُّ عن الأعراض والأغراض، وهو تعالى منزهُ عن ذلك، وقد قال بعض المحققين: التوحيد إثبات ذاتٍ غير مشبهةٍ للذوات، ولا معطَلةٍ من الصفات، إذ ليس كذاته -سبحانه- ذات، ولا كأسمائه أسماء، ولا كأفعاله أفعال -وهذا هو مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة [١٣] .

стр. 12775

والموضع الثاني الذي اقترن به اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) هو قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ آية ٦) . ومعنى هذه الآية أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، وأن هذا الحق هو وحده الذي يهدي إلى صراط العزيز المنيع الجناب، الذي لا يًغَالبَ ولا يًمَانَع، بل قهر كل شيء وغلبه، وهو الحميد في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا [١٤] . ومعنى الآية في جامع البيان أن الذين أوتوا العلم كمؤمني أهل الكتاب أو كالصحابة ومن تبعهم يرون -عند مجيء الساعة- أن القرآن هو الحق عياناً كما علموه الآن برهاناً وهو يهدي إلى صراط العزيز الحميد وهو دين الإسلام. وذكر الشوكاني معنى قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ، أنه يهدي إلى طريق العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه، والمراد أنه يهدي إلى دين الله وهو التوحيد [١٥] . ومعنى الآية في صفوة التفاسير أن القرآن يرشد من تمسك به إلى طريق الله العزيز أي الغالب الذي لا يقهر، الحميد أي المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله [١٦] . والموضع الثالث الذي اقترن به اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . ومعنى هذه الآية أنه ما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله (العزيز) الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع. (الحميد) في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس [١٧] .

стр. 12776

-------------------------------------------------------------------------------- [١] تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٢٥. [٢] جامع البيان في تفسير القرآن للإبجي جـ ١ ص ٣٥٧. [٣] فتح القدير جـ ٣ ص ٩٦. [٤] تيسير الكريم الرحمن جـ ٤ ص ٦٢. [٥] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩١. [٦] المعجم المفهرس. [٧] تفسير الحافظ ابن كثير الجزء الأول ص ٣٦-٣٩. [٨] تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٣ بقليل تصرف. [٩] فتح القدير الجزء ٣ ص ٩٣ بقليل تصرف. [١٠] جامع البيان في تفسير القرآن ص ٣٥٦. [١١] تيسير الكريم الرحمن الجزء ٤ ص ٦٠. [١٢] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩٠. [١٣] تفسير القرطبي الجزء ١٦ ص ٨ بقليل تصرف. [١٤] تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٦ بقليل تصرف. [١٥] فتح القدير الجزء ٤ ص ٣١٣. [١٦] صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٥٤٦ [١٧] تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٤٩٣.

стр. 12777

العدد ٥٧ فهرس المحتويات ١-كلمة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز في زيارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ٢- كلمة التحرير زيارة كريمة: بقلم الشيخ سعد ندا ٣- افتتاحية العدد: لفضيلة الدكتور عبد الله الصالح العبيد ٤- الهجرة في سبيل الله: للشيخ أبي بكر الجزائري ٥- تحية المسجد: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٦- مسلك القرآن الكريم في إثبات الوحدانية: علي بن محمد بن ناصر الفقيهي ٧- مفهوم الأسماء والصفات: بقلم الشيخ سعد ندا ٨- رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار: الدكتور أحمد طه ريان ٩- يريد الله بكم اليسر: للشيخ حسن عبد الوهاب مرزوق ١٠- مجموعة نصائح: للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي ١١- حقوق الإنسان في الإسلام (٦) : الشيخ: عبد الفتاح العشماوي ١٢- صفحات مشرقة من حياة عمر بن عبد العزيز: للشيخ إبراهيم الجمل ١٣- الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (٢) : للدكتور محمد نغش ١٤- تفاعل المسلمين مع دينهم: للدكتور محفوظ إبراهيم فرج ١٥- الدين بين الشرق والغرب: للشيخ عادل رمضان ١٦- معاملة الرسول ﷺ لبني قريظة والرد على ما يثار حولها من شبهات: للدكتور جمعة علي الخولي ١٧- المستشرقون... والسيرة النبوية: للدكتور عوض عبد الهادي العطا ١٨- نماذج من الدعاة الصالحين: الشيخ أبو بكر الجزائري ١٩- من نحاة الأندلس ابن هشام الخضراوي: للدكتور أحمد محمد عبد الله ٢٠- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٢١- بحث في صيغة "أفعل" (بين النحويين والغويين واستعمالاتها في العربية) : الدكتور مصطفى أحمد النماس ٢٢- منهج في دراسة المنهج: للدكتور أحمد بسام ساعي ٢٣- الاتجاه الإسلامي في شعر أحمد محرم: للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب ٢٤- اللسانية العربي بين الأصالة والتعريب: للدكتور محمد منذر عياشي ٢٥- تسابيح: للشيخ عبد المحسن حليث مسلم ٢٦- مع المجاهِدِين الأفغَان: للدكتور محمود أحمد عبد المحسن ٢٧- رمضان..والجرح.. والأمل: شعر: عبد الرحمن صالح العشماوي ٢٨- رحم الله المحلقين: للشيخ يوسف الهمزاني الشافعي ٢٩- حوار حول الأدب الإسلامي ومناهج دراسته ٣٠- في المشارق والمغارب: الشيخ عبد الله أحمد القادري ٣١- حقيقة القات في ضوء العلم والدين: للشيخ محمد المجذوب ٣٢- ملاحظات حول كتاب عقيدة السلف والخلف: للشيخ عبد القادر السندي ٣٣- هل كتابة التعاويذ من الآيات القرآنية وغيرها وتعليقها في الرقية، شرك أم لا؟ : لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٣٤- الإيمان: لفضيلة الشيخ سعد ندا ٣٥- ديانة النصرانية: للشيخ محمد رجب حميدو ٣٦- أخبار الجامعة وقائع اللقاء التاريخي...: إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة ٣٧- ترجمة موجزة لفقيد كلية القرآن الكريم بالجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 12778

كلمة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز في زيارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لقد سمع الإخوان البارحة عن المشاريع التي ذكرت من ١٤٠١ هـ إلى ١٤٠٣ هـ، وأودُّ أن أقول: إنه من الصعوبة بمكان أن يستوعب الإنسان دائماً كمية المشاريع أو نوعيتها التي تم إنجازها في المدينة من ١٤٠١ هـ إلى السنة الحالية الآن ١٤٠٣ هـ. هناك الكثير من المشاريع التي قاربت على النهاية، وبقية هذه المشروعات سيتم إنجازها خلال العام الثالث، فقد بلغ ما رصد لإنجاز هذه المشروعات في السنوات من ١٤٠١ هـ إلى ١٤٠٣ هـ بلغ ١٤ ألف مليون ريال، و ٢٠٠ مليون ريال خلال هذه الفترة. ومثلما ذكرت: إن أكثر سكان المدينة بطبيعة الحال مثلي أنا ومثل أي شخص آخر، لا يمكن له أن يستوعب كل ما ينشر في الجريدة بين شهر وآخر وإنما إذا رأينا الآن ما نفذ في الثلاث سنوات الأخيرة سنجد أنه بلغ ١٤ ألف مليون ريال كلها في خلال سنتين لأن السنة الثالثة بدأت الآن، ما هي بالبساطة بمكان، ولا يعتبر هذا إهمالاً للمدينة، أو أن هناك تغافلا. مع هذا كله قرر مجلس الوزراء أن تكون هناك هيئة، ويشرفني أن أكون مشرفاً عليها لتطوير المدينة، وعلى رأس ما ينفذ في هذا المجال: التوسعة للمسجد النبوي، وكذلك الأمور الأخرى التي ستجعل المدينة تأخذ وضعها المتكامل لأنها في الواقع لها حق كبير على الدولة. وعلى المواطنين. وعلى أي إنسان. أحب أن أطمئن سكان هذا البلد العظيم ألا يفكروا أبداً أن المدينة مغفلة أو مهملة، نأمل أن نرى- إن شاء الله- في القريب العاجل إضافة مشاريع أخرى خلاف هذه المشاريع، والمسألة كلها مسأَلة وقت حتى يمكن لو أردنا أن نرصد مبالغ طائلة، قد يجوز أن التنفيذ فيه صعوبة أو قد يجوز نأتي إلى السؤال الأول وهو:

стр. 12779

كيف تصرف الأموال وأين صرفت؟ ولماذا وجدت الأموال؟ ولماذا لا تصرف..؟ هذا ما هو موجود أمامي الآن من ١٤٠١ هـ/ إلى ١٤٠٣ هـ- ونأَمل أن نلمس في السنة الحالية كذلك ما يجد من جديد، وفي السنوات الأخرى- سوف نعمل جاهدين ما نستطيع عمله لجعل المدينة تأخذ الوضع اللائق بها. وشكراً لمعالي الدكتور نائب رئيس الجامعة الإسلامية- وما قدِّم من أسئلة من الإخوان، وقرأتها الآن، وستكون الزيارات ليس فقط هذه الزيارة، ولكن ستكون زيارات متتالية، والاجتماع بالإخوان وبالأساتذة في هذه الجامعة التي نعتبرها في الحقيقة جامعة قيادية. وأعود مرة أخرى، وأكرر: يسرنا أَن نعمل لها فروعاً، ولكن بعض الصعوبات التي أشير إليها أنني لا أَريد أن يكون فيه إحراج بالنسبة لأي دولة إسلامية أَو قادتها أو حتى لو أَردنا أَن نفتح لها فروعاً- وأي دولة لا تريد، ما في إمكاننا نعمل أكثر من الطلب والرغبة، والتأكيد على أن أي فرع يعمل في أي بلد إسلامي لن تكون له أَهداف سياسية أو خلق مشاكل لمجتمع هذا البلد الذي يمكن أن يفتح فيه فرع إسلامي. بقى شيء واحد وهو أن أوجه كلمة قصيرة لطلبة الجامعة الإسلامية، وهي أن يواصلوا هذا المجهود الخبر. سواء في ذلك إخواننا الذين قدموا من جميع البلدان الإسلامية، أَو من السعوديين الموجودين فيها، وأَن يتبصروا في العقيدة الإسلامية التبصر الصحيح، والعقيدة الإسلامية والحمد للهّ أبانت الأمور بشكل غير قابل للنقاش إلا من أَراد أن يوهم بأشياء أخرى، والدين الإسلامي وسط، فلا رهبنة في الإسلام، وقد يعتقد البعض أن التصوف أو بعض النواحي الأخيرة البعيدة عن منطق الإسلام هي الإسلام. إنه على العكس. فالإسلام فيه المرونة والمحبة والتقوى والعمل والجد والنشاط، ولم تأمر العقيدة الإسلامية بالكسل أو التكاسل أو التصوف على غير معنى.

стр. 12780

وهذا البلد والحمد لله بلد إسلامي، وكل ما أرجوه أن تكونوا رسلا للبلاد الإسلامية بعد أن شرفت المملكة العربية السعودية ورحبت بكم أن تعودوا إلى أوطانكم دعاة للإسلام في الإطار الصحيح، وكلنا نعرف ما أدخل على العقيدة الإسلامية لكن السبب في ذلك من المسلمين أنفسهم، فالعقيدة الإسلامية في القمة إلى أن تقوم الساعة. لذلك أَرجو أن ندرك معنى العقيدة الإسلامية، وأن لا نقع فيما وقع فيه الغير بواسطة من يريد أن يبعدنا عن مسار العقيدة الإسلامية الصحيح. فشكراً لفضيلة الدكتور وشكراً لطلبتنا في الجامعة الإسلامية، وشكراً للإخوة الذين حضروا هذا الاجتماع، وأرجو إذا حصل أي لبس في التفسير أو في الإجابة أن نستكملها في مرة أخرى قادمة، وأن أجيب على جميع الأسئلة، وسوف نسير في الخط المستقيم إن شاء الله، ونجعله دائماً الهدف الرئيسي لنا ونتمسك بعقيدتنا الإسلامية، فقد وعدنا الله بالحق: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُم﴾ ونحن لا ندعي أبداً بأي حال من الأحوال أننا نحن المسلمون فقط، ففي جميع أنحاء العالم دول إسلامية قيادة وشعباً، وفي كثير من الدول غير الإسلامية عشرات مئات الملايين من المسلمين وكل يوم وكل شهر وكل سنة نجد أن العقيدة الإسلامية تسير بخطى حثيثة وقوية. وفي بلدان لها أهميتها الكبرى، مثل أوربا وأَمريكا واليابان. وحتى الصين الشعبية أَو الاتحاد السوفيتي، نحن نسمع الآن أَنهم قد بدأوا في تفكير آخر وهو احترام العقيدة الإسلامية واحترام المسلمين، ونأمل أن يتحقق ذلك بصرف النظر عن عقيدتهم، ونأمل أن يعطى المسلم الحرية المتكاملة في أن يمارس عقيدته الإسلامية في إطارها الصحيح. وأرجو أن تكونوا الرسل للعقيدة الإسلامية في بلدانكم عندما تعودون إليها بمفهوم العقيدة الإسلامية الصحيحة.
следующие страницы →